Полный текст (8 396 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وحجة من قرأ بالياء ما روي أن اليهود تضعضعوا، وخافوا مثل يوم بدر وقالوا: هذا لا تزيح له راية فقال بعضهم لا تعجلوا بتصديقه حتى تكون وقعة أخرى فلما نكب المسلمون يوم أحد كذبت اليهود وفرحت فأنزل الله: قل يا محمد لليهود سيغلب المشركون ويحشرون إلى جهنم
قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا. . . .﴾ الآية.
قرأ الحسن ﴿فِئَةٌ﴾، ﴿كَافِرَةٌ﴾ بالخفض فيهما على البدل، من ﴿فِئَتَيْنِ﴾.
ومن رفع فعلى إضمار مبتدأ.
стр. 912
وقال أحمد بن يحيى: يجوز النصب على الحال.
وقال الزجاج: النصب بمعنى أعني.
ومن قرأ ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء فعلى المخاطبة لليهود، أي ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين.
ومن قرأ بالياء جعل الرؤية للمسلمين، أي: يرى المؤمنون المشركين مثلي أنفسهم.
وكان المسلمون يوم بدر ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً. وقيل ثلاثة عشر، والمشركون تسعمائة وخمسون.
وقيل: كانوا ألفاً.
стр. 913
وقيل: كانوا ما بين ألف إلى تسعمائة.
وقد وعد الله المؤمنين بأن الرجل منهم يغلب الرجلين فأراهم الله المشركين مثليهم لتقوى نفوسهم، وكانت تلك آية أن رأوا الكثير قليلاً كما قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤].
وأنكر أبو عمرو قراءة من قرأ بالتاء وقال لا يلزم أن يقرأ مثليكم، هذا الرد إنما يلزم لو كانت الرؤية تنصرف على المسلمين، ولا يمكن إلا ذلك.
وقراءة التاء تنصرف على اليهود الذين تقدم ذكرهم.
والمعنى: قد كانت لكم أيها اليهود علامة في صدق محمد ﷺ وصحة ما دعاكم إليه بنصر (الله) تعالى إياه يوم بدر وأعداؤه مثلا من معه.
стр. 914
وقيل: [المعنى] على قراءة التاء في ترونهم أيها المؤمنون مثلي أصحابكم.
وقال ابن كيسان: الضمير في ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ يعود على ﴿أخرى كَافِرَةٌ﴾. والهاء والميم في ﴿مِّثْلَيْهِمْ﴾ يعودان على فئة.
وقال الفراء: معنى " مثليهم " ثلاثة أمثالهم.
قال ابن كيسان: كأنه جعل ترونهم يرجع إلى الكل أي: ترون الكل ثلاثة أمثال أصحابكم: هذا على [معنى] من قرأ بالتاء ".
[ومن قرأ بالياء فعلى معنى يرى المؤمنون الكل ثلاثة أمثالهم،
وتكون التاء مخاطبة لليهود فيكون المعنى ترون أيها اليهود الكل ثلاثة أمثال المؤمنين] وهذه كله يوم بدر.
﴿والله يُؤَيِّدُ﴾ اي: يقوي ﴿بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ﴾.
стр. 915
وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات مِنَ النساء﴾ الآية.
هذا توبيخ لليهود إذ آثروا الدنيا على الآخرة، فنبذوا اتباع محمد ﷺ خوف أن تذهب رياستهم.
وروي عن عمر أنه قال لما نزلت هذه الآية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات﴾: " الآن يا رب حين زينتها " فنزل ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم﴾ الآية.
فالمعنى: زين الله للناس ذلك ابتلاءً واختباراً منه كما قال:
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٧]، فأخبر بالعلة التي من أجلها جعل ما في الأرض زينة لها.
وروي عن النبي ﵇ أنه قال: " القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية ".
стр. 916
وقيل عنه: " القنطار ألف دينار ومائتان ".
وقال ابن عباس: القنطار اثنا عشر ألف درهم.
وقال ابن المسيب: القنطار ثمانون ألفاً.
وعن أبي هريرة: أنه اثنا عشر ألف أوقية.
وعن ابن عباس أنه قال: " هو دية أحدكم " وعنه: ثمانون ألف درهم [وعنه سبعون] ألفاً.
وقال قتادة: القنطار ثمانون ألف درهم.
وقيل: هو مائة رطل من ذهب، وهو قول قتادة.
وعن مجاهد: القنطار سبعون ألف دينار.
стр. 917
وقيل: هو المال الكثير.
وقيل: [هو] أربعون أوقية من ذهب أو فضة.
وقال القتبي وغيره: هو ملء مسك ثور من ذهب، والمقنطرة المكملة.
وقال الفراء: المقنطرة: المضعفة.
وقال ابن كيسان: لا تكون المقنطرة أقل من تسعة قناطير.
وقال السدي معنى المقنطرة: المضروبة دراهم ودنانير.
وواحد الخيل عند أبي عبيدة: خايل. سمي بذلك لأنه يختال في مشيته وهو
стр. 918
كطير وطائر.
وقيل: هو اسم للجمع لا واحد له من لفظه.
والمسومة: الراعية، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً: هي الحسان المطهمة الحسنة الصورة.
وعن ابن عباس أيضاً: المسومة: الممرجة، يريد الراعية في المروج.
وقال ابن زيد: المسومة: المعدة للجهاد.
стр. 919
وواحد الأنعام: نَعَم ونِعَم، لا واحد [له من] لفظه قوله: ﴿ذلك مَتَاعُ الحياة الدنيا﴾: أي: هذا الذي ذكر متاع الحياة الدنيا ﴿والله عِنْدَهُ حُسْنُ المآب﴾ أي: حسن المرجع للذين اتقوا ربهم، وهي الجنة والخلود فيها.
والمآب: المفعل، من آب يؤوب، وأصله المأوب، ثم نقلت فتحة الواو على الهمزة، وانقلب [الواو] ألفاً كالمقال والمجال.
قوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم﴾ الآية.
(رفع ﴿جَنَّاتٌ﴾ على) الابتداء.
ويجوز الخفض على البدل من ﴿بِخَيْرٍ﴾.
стр. 920
ويجوز النصب على إعادة الفعل
ويكون للذين متعلق بـ ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ أي زيادة الرضا بعد دخول الجنة.
وروى ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله: أعطيكم أفضل من هذا؟ فيقولون أي ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: أحل لكم رضواني ".
وهذه الآية نزلت تعزية للمهاجرين الذين أخرجوا وتركوا ديارهم وأموالهم [فأعلمهم الله أن خيراً مما تركوا من الدنيا الجنة للذين اتقوا.
قوله: ﴿والله بَصِيرٌ بالعباد﴾ أي: ذو بصر بمن يتقيه ويخافه ممن
стр. 921
لا يتقيه ويتبع الشهوات.
وروي أن هذه الآية نزلت تعزية وتصبيراً للمهاجرين إذ فارقوا ديارهم وأموالهم] قدموا بلداً لا مال لهم فيه [ولا] ديار، فأُعلموا أن خيراً مما تركوا من الدنيا: الجنة، ثم مدحهم الله فقال: ﴿الذين يَقُولُونَ رَبَّنَآ. . . .﴾ الآية.
قوله: ﴿الذين يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ. . . .﴾ الآية.
في هذه الآية صفة من يتقيه ويخافه.
ومعنى ﴿فاغفر لَنَا﴾: استر علينا ذنوبنا.
ثم وصفهم فقال: ﴿الصابرين والقانتين﴾. الآية.
ومعنى ﴿الصابرين﴾ الذين صبروا في البأساء والضراء وحين البأس أي: في القتال.
وقال قتادة: صبروا عن محارم الله، وصبروا على طاعة الله .
وقيل: الصابرون هم الصائمون، يقال لشهر رمضان شهر الصبر.
стр. 922
وقيل هم الذين يصبرون على طاعة الله ويصبرون عن المعاصي وهو قول قتادة.
ومعنى ﴿والصادقين﴾ في قول قتادة: هم قوم صدقت نياتهم. وعنه (هم) قوم صدقت أفواههم واستقامت قلوبهم وألسنتهم.
والقانتون: المطيعون، وقيل: المصلون.
والمنفقون: الذين يزكون كما أمر الله.
ومعنى: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾.
قال قتادة: هم الذين يصلون بالأسحار.
وروي عن ابن مسعود أنه الاستغفار بعينه.
(و) عنه: أنه سمع رجلاً بالسحر يقول: أمرتني فأطعتك وهذا سحرك،
стр. 923
فاغفر لي.
قال أنس بن مالك: أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة.
وقال زيد بن أسلم: " والمستغفرون بالأسحار " هم الذين يشهدون صلاة الصبح.
وقيل: هو الاستغفار بعينه.
وروي عن النبي ﵇ أنه قال: " إن الله يتنزل في ثلث الليل الأخير إلى السماء الدنيا يقول من يدعوني أستجب له من يستغفرني أغفر له ".
قوله تعالى: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ. . .﴾ الآية.
نفى الله بهذه الآية ما أضافته إليه النصارى الذين حاجوا النبي ﵇ في عيسى - وغيرهم، أنه إله فأخبرهم أنه ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾، وأن ذلك شهد به هو،
стр. 924
وملائكته وأهل العلم من خلقه.
قال أبو عبيدة: معنى شهد الله: قضى الله، أي: علم. وأنكر ذلك جماعة، ومعنى ﴿قَآئِمَاً بالقسط﴾ أي: بالعدل.
وقرأ أبو المهلب: " شهدآء الله " رده على ما قبله، ونصبه على الحال.
وروى عنه: شهداءَ الله على الحال أيضاً.
وعنه: شهداءُ الله، رفع بالابتداء.
قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام. . .﴾ الآية.
﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ منصوب بفعل دل عليه (اختلف) كأنه: اختلفوا بغياً بينهم،
وقال الأخفش: [نصبه] باختلف، هذا الظاهر تقديره: (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم).
стр. 925
وهو حال عند الجميع.
وقيل: مفعول من أجله.
ومن كسر إن فعلى الابتداء، ومن فتح رده على شهداء أي: ويشهد بأن الدين.
وقال ابن كيسان: إن الثانية بدل من الأولى، لأن الإسلام تفسير بمعنى [الدين] الذي هو التوحيد.
وعن ابن عباس: شهد الله إنه، بالكسر فجعله خبراً وتفتح أن الدين برفع الشهادة عليها.
وقد ألزم من قرأ بالفتح في أن الدين أن يقرأ: أن الدين عنده الإسلام،
стр. 926
لأن الإظهار يستغنى عنه، وقد منع النحويون: شهدت أن زيداً عالم، وأن زيداً بصير، والثاني هو الأول.
وقال المحتج للكسائي: وقع الإظهار هنا للتعظيم والتفخيم كما قال: لا أرى الموت يسبق الموت (شيء).
على التعظيم للموت.
والذي هو أحسن من هذا، أن النحويين إنما منعوا الإظهار [فيما يمكن أن يتوهم أن الثاني غير الأول فيخاف الالتباس عند الإظهار]، والآية لا يمكن ذلك فيها، لأن هذا الاسم ليس هو إلا لواحد لم يتسم به غيره، لا إله إلا هو، فإظهاره مرة بعد مرة لا يوهم أن الثاني غير الأول، وإظهار زيد مرة [بعد
стр. 927
مرة] يوهم أن الثاني غير الأول.
فليست الآية تشبه ما يقع في الكلام من غلإظهار بعد الإظهار، إذ زيد وغيره يصلح لكل أحد، وأما الموت فإنما ظهر في الثاني لأنه لا لبس فيه، إذ ليس ثم غير موت واحد، فليس يتوهم أن الثاني غير الأول وفي الإظهار مع زوال الالتباس معنى التعظيم والتفخيم كما تقدم.
والدين: الطاعة
ومعنى الإسلام: شهادة أن لا إلأه إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله.
وأصل الإسلام: الخشوع والانقياد.
وروى ابن عمر عن النبي ﵇ أنه قال: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ".
стр. 928
وفي هذه الآية دلالة على ضعف قول من يفرق بين الإسلام والإيمان، ويجعل الإيمان أفضل من الإسلام، إذ أخبر الله جل ذكره ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ فهو الإيمان بعينه، إذ لا يرضى الله من خلقه بما هو أدون، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
فالإسلام: هو الإيمان إذا استوى الباطن والظاهر، فإن خالف الظاهر الباطن فيهما فليسا بدين يتقبله الله، نحو قوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] ونحو قوله ﴿وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾
[البقرة: ٨] لم يحصلوا على شيء لما خالف باطنهم ظاهرهم.
وقد قيل: " إن الإسلام أعم من الإيمان، لأن الإيمان ما صدق به الباطن، والإسلام ما صدق به الباطن ونطق به الظاهر.
ومعنى ﴿الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ أي: الإنجيل، وهم النصارى الذين اختلفوا في محمد ﷺ . وقيل: في عيسى للبغي من بعدما جاءهم العلم، فعلوا ذلك طلباً للرياسة والدنيا، قوله: ﴿سَرِيعُ الحساب﴾ أي: أحصى كل شيء بلا معاناة ولا عدد.
стр. 929
وقال الربيع: ﴿الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ هم اليهود، و ﴿الكتاب﴾: التوراة، وذلك أن موسى على نبينا وعليه السلام، لما حضرته الوفاة دعا سبعين حَبْراً من أحبار " بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، واستخلف عليهم يوشع بن نون، فلما مضت ثلاثة قرون بعد موسى ﷺ وقعت الفرقة والاختلاف بين أبناء أولئك السبعين تنافساً في الدنيا، وطلباً للملك والرياسة.
قوله: ﴿فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ. . .﴾
(أي): فإن حاجك يا محمد، النفر من نصارى نجران في أمر عيسى، فقل: أخلصت وجهي لله، أي: عبادتي لله، ﴿وَمَنِ اتبعن﴾ أخلص أيضاً،
" من " في موضع رفع عطف على التاء في ﴿أَسْلَمْتُ﴾ أي ": أسلمت أنا ومن تبعني وجوهنا لله.
وقيل: هي موضع خفض عطف على " الله " ومعنى الكلام أخلصت نفسي لله ول: " من اتبعني "
стр. 930
قوله: ﴿وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب﴾ يعني: اليهود والنصارى و ﴿الأميين﴾ يعني: " الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب، كأنهم نسبوا إلى الأم لجهلهم بالكتابة كالأم.
وقيل: نسبوا إلى مكة، وهي أم القرى.
أسلمتم أي: أقررتم بالتوحيد، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ﴾ أي: انقادوا وخضعوا لله ولدينه ﴿فَقَدِ اهتدوا﴾ والكلام يراد به الأمر وأخرج مخرج الاستفهام.
والمعنى: قل لهم أسلموا، ولذلك دخلت الفاء في الجواب وهي مثل قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا.
[قوله: ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ﴾ هذا منسوخ.
بالأمر بالقتال].
стр. 931
قوله: ﴿إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ الآية.
قال أبو العالية: جاء النبيون إلى ناس من بني إسرائيل يدعونهم إلى الله فقتلوهم، فقام ناس من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم.
وعن عبد الله: إن بني إسرائيل كانت تقتل في اليوم سبعين نبياً، ثم تقوم سوق بقلهم في آخر النهار.
وروي أن النبي ﵇ قال: " قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من (أول) النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل منهم، واثنا عشر رجلاً من عبادهم، فأنكروا عليهم، فقتلوا جميعاً في آخر النهار في ذلك اليوم " ثم تلا الآية.
دخلت الفاء في الخبر من أجل: إن الذي فيه إبهام فدخل به في حيز المجازات، فجاز دخول الفاء في الخبر وحسن مع " إن " لأنها للتأكيد لا تغير
стр. 932
معنى الابتداء، ولو دخلت لعل، أو ليت، أو كأن، لم يجز دخول الفاء في الخبر مع الذين لأن الكلام يتغير معناه بهن.
وخوطب من كان بالحضرة بالآية، وهم لم يقتلوا، وإنما ذلك لأنهم على مذهب من فعل ذلك في آبائهم، راضون بفعلهم، مصرون على ذلك إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فلو وجدوا إلى قتل النبي ﷺ ما تركوه، فخوطبوا بذلك لأنهم وآباؤهم سواء.
قوله: ﴿أولئك الذين حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطلت، فلا ثناء عليهم في الدنيا ولا محمدة، ولا خير لهم في الآخرة ولا رحمة، وما لهم من ينصرهم من عذاب الله، وعقابه.
وقرأ أبو السَمّال: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، بالفتح وهي لغة شاذة.
قوله: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ [أي إنما أبوا أن يحكم بينهم كتاب الله،
стр. 933
لأنهم قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات "] وهي أربعون يوماً، عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل.
﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾، أي: غرهم افتراؤهم وهو كذبهم وهو قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقولهم: ﴿لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾.
قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ﴾.
أي: فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت، وقد قدموا الافتراء والكذب والكفر، والتبديل واتباع المتشابه، وفضلوا الدنيا وزينتها على الآخرة.
والمعنى: جمعناهم لحساب يوم لا شك فيه.
وقال الكسائي: اللام بمعنى: في، والمعنى عنده: في يوم.
قوله: ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك﴾ الآية.
ذُكِرَ أن النبي ﵇ سأل الله أن يجعل مُلك فارس والروم لأمته، فأنزل الله:
стр. 934
قل يا محمد: ﴿اللهم مَالِكَ الملك﴾ الآية.
وروي أن النبي ﵇، بشر أصحابه بفتح الشام وملك قيصر وكسرى، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: هيهات، هيهات، فعظموا ما صغر الله من ملك الكفار، فقال الله لنبيه ﷺ : قل يا محمد ﴿اللهم مَالِكَ الملك﴾ الآية.
فلما سمعوا بذلك ذلوا، (طلبوا الموادعة)، فكانوا في رفاهية من العيش حتى بغوا، فرد الله بغيهم عليهم، فقُتِلوا، وأُجْلُوا.
قال مجاهد: ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ﴾: النبوة
وقيل: الملك، والمال، والعبيد.
وقيل: هو الغلبة.
стр. 935
﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ﴾ " أي: بالغلبة، يقال: عزه إذا غلبه.
قوله: ﴿تُولِجُ الليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي الليل. . .﴾.
قال ابن عباس: ما ينقص في (ذا) يزيد في ذا
ومعنى تولج: تدخل
قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾.
قال مجاهد: الإنسان الحي من النطفة الميتة (ويخرج الميت من الحي): النطفة الميتة من الإنسان الحي، وكذلك قال: الضحاك والسدي: وقتادة وغيرهم.
وقيل المعنى: يخرج النخلة من النواة، والنواة من النخلة والسنبل من الحب والحب من السنبل، والبيض من الدجاج والدجاج من البيض، قال ذلك عكرمة والسدي.
وقال الحسن: معنا: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن روي ذلك
стр. 936
عن ابن مسعود ورفعه الزهري إلى النبي ﷺ .
فالمؤمن حي القلب والكافر ميت القلب.
قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: ليس يخاف نقصاً فيخرج الأشياء بالحساب والتحصيل.
قوله: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ. . .﴾.
قال ابن عباس: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار يتخذوهم أولياء، إلا أن يكون الكفار لهم القوة والغلبة، فيظهر لهم اللطف بالقول لا غير وهو قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة﴾.
قال الضحاك: التقية أن يحمل على أمر يتكلم به بلسانه من معصية الله فيفعل
стр. 937
وهو مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه.
قال الحسن: ذلك في المشركين يكرهون المؤمنين على الكفر وقلوبهم كارهة.
وقال قتادة: التقاة: أن تصل رحمك من الكفار من غير أن توليهم على المؤمنين فتصله لقرابة منك ولا تواليه في الدين.
ويقال: إنها نزلت في عمار بن ياسر، وحاطب بن أبي بلتعة، أما عمار فخاف أن يقتله المشركون فكلمهم ببعض ما أحبوا، وأما حاطب فكتب إلى المشركين يعلمهم بأخبار النبي ﵇ ليحفظوه في أهله بمكة وهو مطمئن بالإيمان.
وقرأ مجاهد وجابر بن زيد وحميد والضحاك: تقية
стр. 938
وهي فعلية، وتقاة: فعله، وهما مصدران.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ (أي) من نفسه، أي: تركبوا ما نهيتم عنه.
قوله: ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ الآية.
معناه: قل يا محمد للذين نهوا أن يتخذوا الكافرين أولياء ﴿أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين﴾: إن تخفوا ما في أنفسكم من ولاية الكافرين أو تبدوه فذلك سواء، الله يعلم الجميع فيجازيكم عليه، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء ".
قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ الآية.
أي: هو على كل شيء قدير ذلك اليوم.
وقيل المعنى: واذكر يوم تجد.
وقيل (المعنى): ويحذركم الله نفسه يوم تجد.
стр. 939
ومعنى ﴿مُّحْضَراً﴾: موقرا، ﴿أَمَدَاً بَعِيداً﴾ " قال السدي: مكاناً بعيداً ".
وقال ابن جريج: أجلاً بعيداً.
وقال الحسن: لا يسر أحدكم أن يلقى عمله أبداً.
وقال الزجاج معناه: ويحذركم الله إياه، ثم استغنوا عنه بالنفس.
وقال غيره: المعنى: عقابه، ثم حذفت.
قوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني﴾ الآية.
قال الحسن: قال قوم على عهد النبي ﷺ إنا نحب ربنا فأنزل الله: " قل (يا محمد) ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله﴾ (كما زعمتم) ﴿فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله﴾.
وقيل إنها نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم ادعوا في عيسى ﷺ ما
стр. 940
اخترقوا، وقالوا: نقوله حباً لله وتعظيماً له فقيل لهم: إن كنتم صادقين في قولكم فاتبعوا محمداً ﷺ فيحببكم الله.
ثم قال: قل [يا] محمد اطيعوا الله في اتباعي، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به، كله مخاطبة للنصارى من وفد نجران.
وعن مالك أنه قال: معناه من أحب طاعة الله أحبه وحببه إلى خلقه.
" قوله: ﴿إِنَّ الله اصطفىءَادَمَ وَنُوحاً﴾ الآية.
نصب ﴿ذُرِّيَّةً﴾ عند الأخفش على الحال، وعلى القطع عند الكوفيين.
وأجاز الزجاج نصبها على البدل مما قبلها فيعمل فيها ﴿اصطفى﴾ والذرية
стр. 941
هنا الجماعة، ويقع للواحد، قال الله تعالى: ﴿هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] فهو واحد كما قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ [مريم: ٥].
فذكر الله في هذه الآية رجلين، وأهل بيتين، وفضلهم على العالمين فمحمد ﷺ من آل إبراهيم، وآل الرجل قد يكون أتباعه.
قال مالك: [آل محمد ﷺ : أهل الاتباع له. وعنه أنه قال]: آل محمد ﷺ كل تقي، وهو مروي عن النبي ﷺ .
ومعنى، بعضها من بعض أي: في الدين والمعاونة على الإسلام والنية والإخلاص.
وقيل معناه: متقاربون في النسب مجتمعون.
قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امرأت عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ﴾ الآية.
стр. 942
المعنى سميع عليم إذ قالت.
وقيل: واذكر إذ قالت.
وقال أبو عبيدة: ﴿إِذْ﴾ زائدة، وأنكر ذلك جماعة النحويين.
وقال الزجاج: المعنى: اصطفى آل عمران إذ قالت.
واسم امرأة عمران حنة، وزكريا هو ابن آذر، وعمران هو ابن ماتان وكلاهما من ولد داود النبي من سبط يهود بن يعقوب صلى الله عليهم ويلم أجمعين.
وذلك أن زكريا وعمران تزوجا اختين، فكانت أم مريم عند عمران، وأم يحيى عند زكريا، فهلك عمران، وأم مريم حامل بها وكانت في حياة عمران قد أمسك عنها الولد حتى يبست، وكانوا أهل بيت [لهم] عند الله مكان، فبينا هي ذات يوم
стр. 943
في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخاً، فتحركت له نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحملت ثم مات عمران، فلما علمت أن في بطنها جنيناً حسبته ذكراً فنذرته ليكون حبيساً لخدمة الكنيسة، وقيل: خدمة بيت المقدس.
قال الكلبي: لما وضعتها لفتها في خرقتها ثم أرسلت بها إلى بيت المقدس، فوضعتها فيه، فتنافست الأحبار بنو هارون.
فقال زكرياء: أنا أحقكم بها عندي خالتها، فذرها لي.
فقالت الأحبار: لو تركت لأفقر الناس إليها لتركت لأمها، ولكنا نقترع عليها، فاقترعوا عليها بأقلامهم [التي]، يكتبون بها الوحي، فقرعهم زكريا ﵇، واسترضع لها حتى إذا شبت بنى لها محراباً في المسجد على الباب فلا يرقى إليها إلا بِسلم.
ومعنى ﴿مُحَرَّراً﴾ عتيقاً لعبادتك لا ينتفع به لشيء من أمور الدنيا.
стр. 944
وقال مجاهد " محرراً خادماً للكنيسة.
ونصب ﴿مُحَرَّراً﴾ على أنه نعت لمفعول محذوف أي: غلاماً محرراً.
وكانوا إنما يحررون الغلمان، فظنت أنه تلد غلاماً فلما وضعت أنثى قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى﴾ تريد أنه إنما يحرر الغلمان للخدمة.
وقيل المعنى إن الأنثى تحيض فلا تصلح لخدمة بيتك.
ثم دعت لها فقالت: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾ فاستجاب الله لها وأعاذها وذريتها منه. وأصل المعاذ: الملجأ والمفعل، والهاء في " وضعتها لما على المعنى.
وقيل: لمريم ولم يجر لها ذكر ولكن المعنى مفهوم فحسن. ومن قرأ ﴿وَضَعَتْ﴾ بإسكان التاء ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى﴾ ﴿وَلَيْسَ الذكر كالأنثى﴾ فهذا من كلامها، ثم قال تعالى إخباراً منه ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
стр. 945
ومن قرأ بضم التاء فليس فيه تقديم ولا تأخير وهذا كله من كلام أم مريم.
وقرأ ابن عباس: " وضعتِ " بكسر التاء ومعْناه إنه خطاب من الله لها.
قال ابن عباس: ما ولد مولود إلا قد استهل سوى عيسى ابن مريم ﷺ فإنه لم يسلط عليه الشيطان لأن الله أجاب دعاء أم مريم في قولها: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ الآية.
قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى ﷺ أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد انكسرت رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث، فقال: مكانكم، وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يجد شيئاً، ثم طار ثانية فوجد عيسى ﷺ قد ولد عند مدوذ حمار، والملائكة قد حفت به، فرجع إليهم فقال لهم: إن نبياً قد ولد البارحة مت حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها
стр. 946
إلا هذه، فيئسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة.
وقال النبي ﵇ " كل آدمي طعن الشيطان في جلده إلا عيسى ابن مريم وأمه جعل بينها وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء ".
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من لمس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " (ثم) يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾.
قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: أي: رضيها مكان المحرر ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ من غذائه.
وقرأ مجاهد: وتقبلْها بالإسكان، ﴿رَبُّهَا﴾ بالنصب عن النداء و " أنبتها " بكسر الباء والإسكان، و " كفلْها " بالإسكان " زكرياءَ " بالنصب.
وقوله: ﴿بِقَبُولٍ﴾ أتى مصدراً على غير المصدر، وكان القياس ضم القاف
стр. 947
كالجلوس، ولكن أتى بالفتح فلا نظير له عند سيبويه.
وقال غيره، قد أتى منه الولوع والوجود والسعوط كل مصدر على فعول بالفتح.
قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ المد في زكرياء لغة، وزكري لغة، وزكر، وحكى أبو حاتم بغير صرف، وهو غلط عند النحويين لأن ما كانت في هذه الياء. والتخفيف في كفلها على أن زكريا الفاعل. ومن شدد فمعناه كفلها الله زكرياء لأنه تعالى أخرج قلمه إذ ساهم مع أحبار بني إسرائيل عليها من يكفلها.
وكان زكريا زوج خالتها.
وقيل زوج أختها كان.
وامرأة زكريا بني امرأة عمران، فهي أخت مريم.
стр. 948
وروي أن زكرياء كان ابن عم مريم أيضاً.
فلما همت بالبلوغ فكانت تخدم في صغرها (مسجد) بيت المقدس، أراد زكريا، أن يكفلها، وقال: هي ابنة عمي، وأختها زوجتي، فلم يتركها له جماعة الأحبار والأنبياء، فتساهموا عليها، وأتوا بسهامهم إلى عين، فطرحوها فيها فغرقت سهامهم كلهم، إلا سهم زكرياء، فضمها زكرياء لنفسه فكانت عنده في غرفة بسلم.
وقوله: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾.
قال الضحاك: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف.
وقال ابن إسحاق: كفلها زكرياء بعد هلاك أمها [و] ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، فأصابت بني إسرائيل ضدة، فضعف زكرياء عن حملها فتقارع بنو إسرائيل عليها: من يقوم بها؟ وكلهم يشتكي من الشدة ما يشتكي زكرياء، ولكن لم يكن لهم بد من حملها، فخرج السهم لحملها على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له جريج، [فعرفت مريم في وجهه شدة مؤونة ذلك عليه،
стр. 949
فقالت: يا جريج]، أحسن بالله الظن، فإن الله سيرزقنا، فجعل جريج يرزق بمكانها عنده فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها، فينميه الله ويكثره، فيدخل عليها زكريا، فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به جريج، فيقول: ﴿يامريم أنى لَكِ هذا﴾ أي: من أي وجه لك هذا؟ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
قد تقدم في البقرة تفسير قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والاختلاف في ذلك.
والمحراب: هو مقدم كل مجلس ومصلاه.
وهو أيضاً: المكان العالي.
فلما رأى زكرياء من الله لها ما رأى، طمع بالولد مع كبر سنه من المرأة العاقر فدعا الله في الولد من ذلك الوقت، وهو قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ فبشر وهو يصلي بالمحراب.
وقيل: بشر يحيى بعد أربعين سنة من وقت دعائه ولذلك قال عند البشارة: ﴿رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ لأنه نسي دعاءه لطول المدة التي بين الدعاء والإجابة.
стр. 950
والمحراب: المسجد، وهو الآن مقام الإمام في المسجد.
وقال الطبري: المحراب: " مقدم كل مجلس ومصلى " وهو سيد المجالس وأشرفها وأكرمها.
والذرية في هذا الوضع: الولد، ويكون في غيره للجميع.
قوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ أي: من عندك.
ومعنى: ﴿طَيِّبَةً﴾ زكية مباركة.
﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدعآء﴾ أي: تسمع من دعاك.
قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الملائكة﴾.
قال قتادة وغيره: جبريل ناداه.
وأكثر الناس على أن الجماعة من الملائكة نادوه.
следующие страницы →