← Общие книги

Общие книги · id 22615

أصول الدعوة

عبد الكريم زيدان

Полный текст (507 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، وفي السنة النبوية جملة من الأحاديث في باب التعاون، منها: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة"، وفي الوصية بالجار المتضمنة إعانته ومساعدته: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"، والتعاون المطلوب لا يقف عند حد إعانة المحتاجين والمعوزين، وإنما يتجاوزه إلى آفاق واسعة ومجالات مختلفة؛ لأنَّ دائرته أعمال الخير، وهي واسعة جدًّا، فالتعاون على تشييد مسجد، أو فتح مدرسة، أو إنشاء مستشفى، أو بناء قنطرة، أو طبع كتاب نافع يخدم الإسلام، والتعاون على إزالة منكر أو فساد أو ظلم أو صدٍّ عدوان، ونحو ذلك كله من التعاون المطلوب؛ لأنه تعاون على البر، ولا شكَّ أن شيوع التعاون بين أفراد المجتمع سيقضي على عوامل الأثَرَة والجفاء والحقد والقطيعة والبغضاء، ويعمِّر القلوب بالحب والود والشفقة، مما يجعل الحياة طيبة في هذا المجتمع الطيب؛ لأنَّها تقوم على الود والرحمة لا على البغض والقسوة. ثانيًا: الالتزام بمعاني العدالة ١٤١- الالتزام بمعاني العدالة من أنواع الأخلاق الفاضلة، بل في ذروتها، وإنما أفردناها بالذكر لأهميتها ولتشعبها وتعدد مظاهرها، وبروزها في النظام الاجتماعي الإسلامي، ومما يدل على أهمية العدل في الإسلام ورود الآيات الكثيرة فيه، بالدعوة إليه بصورة عامَّة أو خاصَّة، فمن الآيات التي تأمر بالعدل بصورة عامَّة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ ، ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ ، ومن الآيات التي أمرت بالعدل في مسائل معينة، العدل في القول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ، والعدل في الكتاب: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ ، والعدل في الحكم: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ، ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ ، والعدل في الكيل والوزن: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ ، ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ ، والحساب يوم القيامة يكون بالعدل، فلا تظلم نفس شيئًا، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ

стр. 107

الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ، وإذا ضممنا إلى هذه الآيات الناهية عن الظلم تبيِّنَ لنا أهمية العدل في الإسلام، حتى يمكن أن يقال دون مبالغة بأنَّ الإسلام هو دين العدالة في كل شيء، إنَّ تأكيد الإسلام على معاني العدل وضرورة الالتزام به والنهي عن الظلم وضرورة تجنبه، تترتَّب عليه نتائج خطيرة، وذلك أنَّ المجتمع الذي يشيع فيه العدل يحسّ أفراده بالاطمئنان على حقوقهم؛ لأنَّ القانون يكون مع المحق وإن كان ضعيفًا، لا مع المبطل وإن كان قويًّا، وبعكس ذلك إذا شاع الظلم وندر العدل أحسّ الأفراد بالقلق الدائم على حقوقهم، وزال عنهم الاطمئنان والاستقرار، وكان ذلك إيذانًا بدمار هذا المجتمع، وقد أشار الرسول ﷺ إلى أثر التفريط بالعدل، وكيف يؤدي بالأمة إلى الهلاك، فقد جاء في الحديث: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، وتعليل هلاك الأمم بسبب الظلم أنَّ الظلم كالنار يحسّ بوطأتها المظلومون، فإذا شاع الظلم وغارت معاني العدل كثير الملظومون الذين لا يرون في هذ المجتمع حمايةً لهم ولا حفظًا لحقوقهم، وإما يرون فيه هضم حقوقهم، وهذا يجرّهم إلى عدم الاهتمام به وببقائه، وهذا قد يجرّهم حتى إلى المعاونة على هلاكه وإفنائه، وهذا بخلاف المجتمع العادل؛ حيث يحرص الأفراد على بقائه ورَدِّ الأعداء عنه؛ لأنهم يرونه كالبيت الذي يئويهم، فيكون هذا الحرب منهم عليه، وبذلك الجهد لبقائه سببًا لبقائه، ولهذا قيل: إن الدولة العادلة تبقى وإن كانت كافرة، وإن الدولة الظالمة تفنى وإن كانت مسلمة، ومن أجل هذا كله قد قام المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام على معاني العدل والالتزام به، فما كان هناك ظلم ولا محاباة ولا إجحاف، وإنما كان هناك العدل الصارم الذي يتساوى أمامه الشريف والوضيع. والقانون الإسلامي الذي يخضع له الجميع الخليفة ومن عداه، وقد ترتَّب على ذلك أنَّ الضعيف كان معه المجتمع بكل قوته ما دام محقًّا، ولا يضيره ضعفه؛ لأنَّ قوة المجتمع والقانون معه، وكان القوي لا تغني عنه قوته ما دام مبطلًا؛ لأنَّ قوة المجتمع والقانون ضده، ولهذا كان أبو بكر ﵁ يقول: "القوي منكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف منكم قوي حتى آخذ الحق له"، بل بلغت العدالة في المجتمع الإسلامي الأوَّل إلى حد الالتزام بالمساوة بين الخصوم في مجلس القضاء، حتى في نظرة

стр. 108

القاضي ونبرات صوته وكلامه، وفي قولٍ مأثور عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لقاضيه أبي موسى الأشعري: "سوِّ بين الخصمين في مجلسك وإشارتك وإقبالك"، ولما كان العدل والالتزام به من مقومات النظام الاجتماعي الإسلامي، فإن أيَّة شفاعة أو جهد يبذل لتعطيل سريان العدالة أو للإنحراف بها عن مجراها المستقيم يُعتَبر مما لا يجوز في شرع الإسلام، ولهذا لما سرَقت المرأة المخزومية وأهمَّ الناس أمرها، سألوا أسامة بن زيد أن يستشفع لها عند رسول الله ﷺ ، فلما فعل ذلك غضب الرسول ﷺ وقال له: "أتشفع في حَدٍّ من حدود الله"؟! ثم خطب ﷺ الناس وقال: "ما بال أقوام يشفعون في حَدٍّ من حدود الله، إنما أهلك الذين من قبلكم ... " إلى آخر الحديث الذي ذكرناها قبل قليل. ثالثًا: العناية بالأسرة ١٤٢- الأسرة هي أساس كيان المجتمع؛ لأنَّ من مجموعها يتكوّن المجتمع، فهي بالنسبة له كالخلية لبدن الإنسان، ويترتَّب على ذلك أنَّ الأسرة إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، ولهذا اعتنى النظام الاجتماعي الإسلامي بالأسرة عناية كبيرة تظهر في الأحكام الكثيرة بشأنها، وأكثر هذه الأحكام وردت بها آيات القرآن الكريم يتعبَّد المسلمون بتلاوتها في صلاتهم وفي خارج صلاتهم، فضلًا عن الأحاديث النبوية الكريمة الواردة في موضوع الأسرة، وليس من شأننا هنا أن نفصِّل القول في أحكام الأسرة، فهذا أمر يطول ولا تتسع له دراستنا ولا هو مطلوبنا، وإنما يكفينا أن نشير إلى معالم التنظيم الإسلامي في موضوع الأسرة، وهو من صميم النظام الاجتماعي في الإسلام. أ: الزواج ١٤٣- الزواج هو السبيل الطبيعي لتكوين الأسرة وبقاء الجنس البشري، وقد رغَّب فيه الإسلام وجعله من سننه، فقد جاء في الحديث الشريف: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغَضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"، والغرض من الزواج إيجاد النسل وتكوين الأسرة الصالحة، جاء في الحديث: "امرأة ولود أحب إلى الله من امرأة حسناء لا تلد، إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".

стр. 109

ب: إجراءات الزواج ١٤٤- وقد شرع الإسلام للزواج إجراءات معينة تشريفًا وتكريمًا لهذه العلاقة؛ علاقة الزواج، وأوّل هذه الإجراءات الخطبة، أي: طلب الرجل المرأة للزواج بالطرق المعروفة عند الناس، إذا كان من الجائز شرعًا أن يتزوجها، والغرض منها أن يعرف كلٌّ من الرجل والمرأة عن الآخر ما يجعله يقدم على النكاح أو يحجم عنه، ولهذا أباح الإسلام للخاطب أن يرى مخطوبته، ولكن لا يجوز الخلوة بها؛ لأنها لا تزال أجنبية عنه، والخلوة بالأجبنية حرام؛ لأن الخِطبة وعدٌ بالزواج وليس بعقد زواج، والمرغوب فيه في شرع الإسلام تخيُّر المرأة الصالحة، كما أن على المرأة أن تتخير الرجل الصالح، فإن صلاح الشخص وتقواه وخلقه أرجح في ميزان الشرع مما عدا ذلك من كثرة المال أو المنصب أو الجاه، وفي الحديث الشريف: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فأظفر بذات الدين تربت يداك"، والمرأة ذات الدِّين لها تأثير كبير جدًّا في صلاح الأسرة وتربية أبنائها على معاني الإسلام وحسن الأخلاق، ولذلك وجَّه أعداء الإسلام غارتهم على المرأة المسلمة لاستئصال ما في نفسها من معاني الخير والدين. فإذا حصل الاتفاق أفرغ في عقد النكاح الشرعي القائم على الإيجاب والقبول، والمتضمِّن رضى الطرفين بحضور شهود عدول، تكريمًا لهذا العقد وتمييزًا له عن السفاح، ويستحب أن يكون المهر قليلًا لا كثيرًا؛ لأنه ليس ثمنًا للزوجة، ولكنه رمز التكريم للمرأة في عقد النكاح، وقد ورد في السنة النبوية ما يدل على استحباب عدم المغالاة في المهر، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خير الصداق -أي المهر- أيسره"، "أخف النساء صداقًا أعظمهنَّ بركة"، والواقع أن شيوع عادة المغالاة في المهور يجعل الراغبين في الزواج قلة، ويبقى الكثيرون عازفين عنه لعدم قدرتهم عليه، وهذا العزوف عن الزواج يجرُّ إلى مفاسد لا تخفى، والحقيقة أنَّ الإسلام بسَّط إجراءات النكاح وسهَّل الوصول إليه، فعقد النكاح يتمّ بإيجاب وقبولٍ كما قلنا، ولا يشترط له إجراءات شكلية معينة ولا تراتيل دينية ولا لغة معينة ولا مكان معين، وإنما يشترط له مع الإيجاب والقبول موافقة ولي المرأة؛ لأن عقد النكاح لا يهمّ المرأة وحدها، بل يهمّ وليها وعائلتها، والضرر الذي يحلقها بسبب سوء اختيارها ينسحب إلى عائلتها

стр. 110

وعلى رأسهم وليها كالأب والأخ، فمن العدل أن يكون للولي رأي مسموع في زواجها، كما يشترط حضور الشهود عند عقد النكاح؛ لكي يُعْرَف العقد ويشيع، وتحفظ حقوق المرأة، ويثبت مركزها القانوني كزوجة، وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات، كما يشترط شرط آخر لصحة النكاح، وهو أن لا تكون المرأة محرَّمة على الرجل؛ كالأخت والخالة وسائر المحرمات. ج- حقوق الزوجة: ١٤٥- ويترتب على عقد النكاح حقوق معينة للزوجة، منها: المهر، وهو حق خالص لها دون ذويها، ولا تكلف أن تشتري به جهازًا لها إلّا إذا رغبت هي؛ لأن تجهيز بيت الزوجية بما يلزمه من أثاث وفراش ونحوه من واجبات الزوج لا الزوجة، كما يترتَّب على عقد النكاح حق النفقة للزوجة على زوجها؛ لأنها متفرِّغة لشئون البيت وتربية الأطفال، فكان من العدل أن يقوم الزوج بالنفقة عليها؛ لأن كل واجب يقابله حق، وفي الحديث الشريف: "ولهن عليكم رزقهنَّ وكسوتهن بالمعروف"، وحق النفقة يبقى للزوجة ما دامت قائمة بواجباتها نحو زوجها، فلو خرجت على طاعته وتركت بيت الزوجية عُدَّت ناشز وسقطت نفقتها عنه مدة نشوزها، فإذا عادت عادت النفقة لها، وللزوجة على زوجها حق المعاملة بالحسنى، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، وفي الحديث الشريف: "خيركم خيركم لأهله"، والإسلام يوصي بالصبر على المرأة، فلا ينبغي للزوج أن يتعجَّل إذا رأى منها ما يكره، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ . د- حقوق الزوج: ١٤٦- وكما للزوجة حقوق على زوجها فإنَّ له حقوقًا عليها، فالحقوق متقابلة بين الطرفين، فمن حقوقه طاعته بالمعروف؛ لأن القوامة له، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ، وقوامة الرجل على زوجته شيء طبيعي جدًّا ومقعول ولا بُدَّ منه؛ لأنَّ الحياة الزوجية شركة خطيرة، وكل شركة لا بُدَّ فيها من رئيس، فيكف بالعلاقة الزوجية التي تخص

стр. 111

أخطر علاقات الإنسان بغيره؟ إنَّ هذه العلاقة الكريمة والشركة الخطيرة لا بُدَّ لها من رئيسٍ يطاع في موضع الخلاف حتى تبقى قائمة بلا انفصام، والرجل أحق بهذه القوامة من المرأة، وهذا ما قرره الإسلام ويشهد له الواقع ويطبقه البشر، وإن جادل بعضهم فيه، ثم إنَّ هذه القوامة لا غضاضة فيها على المرأة؛ لأنها خالية من الاستعلاء والتسلط والأهواء والتعسُّف وإرادة الشر؛ لأن الزوج يحرص على الخير لزوجته، ولا يريد برياسته عليها استعلاء ولا تكبرًا ولا تسلطًا ولا تعسفًا في استعمال قوامته عليها، وفضلًا عن ذلك كله فإنَّ علاقته بزوجته مبنية على المودة والرحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ، فقوامة الرجل على المرأة قائمة على المودَّة والرحمة اللتين غرسهما الله تعالى في قلبيهما، فلا يتصور فيها ما يضايق المرأة ويجرح كرامتها، إنَّ الإنسان يطيع باختياره وبكل سرور صديقه المخلص المحب له، بل ويفرح إذا صار رئيسًا له في دائرة من دوائر الدولة، فيكف الحال برئاسة الزوج وقوامته على زوجته، وما بينه وبين زوجته من المودَّة والرحمة والإخلاص، والحرص على ما ينفع الطرفين ما لا نسبة بينه وما بين صديقين مخلصين، إنَّ بعض الناس يسارعون وينكرون حق الزوج في القوامة عى زوجته، ويوغرون المرأة على التمرّد على هذه القوامة التي يسمونها عبودية، وهذا الاتجاه من هذا البعض لا يجوز في شرع الله، وقد يكون كفرًا إذا أصرَّ عليه الإنسان؛ لأنه مصادمة لنصوص الشريعة، كما أنَّه يدل على جهالة صاحبه أو هواه أو إرادته السوء والشر بالمرأة، أو رغبته في تفكيك الأسرة وإشاعة الفوضى فيها، كل هذه الأمور نتائج لازمة للدعوة إلى تمرد المرأة على قوامة الزوج، فيجب أن تمنع كما يمنع أي شيء ضارّ، وأن تبصر المرأة المسلمة بضلال هذا القول وضرره. وقد يكون من النافع أن نذكر لهذا البعض من الناس أن مكلة الإنكليز عندما تزوَّجت سألها الكاهن قبل أن يجري الطقوس الدينية لعقد النكاح، سألها: هل تطيعين زوجك؟ قالت: نعم، ومن هذا كله يتضح لكل منصفٍ أنَّ قوامة الزوج على زوجته هو ما جاء به الشرع ويقرّه العقل السليم ويطبقه البشر، فعلى المرأة المسلمة والمدركة لمصلحتها أن تطيع زوجها في المعروف، فإن أمرها بمعصية وجب عليها أن تعصيه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

стр. 112

ومن حقوق الزوج على زوجته أن لا تخونه في شيء، وأن تعاونه؛ لأنها شريكة حياته، وأن تقوم بتربية أولاده وهم أولادها أيضًا، وهي أقدر على هذه المهمة الخطيرة من غيرها، بل لا يسد مسدَّها أحد في هذه التربية، فليس أحد يملك مثل حنانها وعاطفتها على أولادها، فإذا ما قامت بمهمتها هذه ساهمت في تنشئة جيل سليم، وكان عملها هذا أفضل من أيِّ عمل آخر تقوم به خارج بيتها. هـ- تعدد الزوجات: ١٤٧- ومن حق الزوج أن يتزوَّج أكثر من واحدة إلى حد أربع زوجات، وهذا ما نطق به القرآن وثبت بالسُّنة وذكره الفقهاء جميعًا، ولم يخالف فيه أحد من المسلمين، ففي القرآن: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ، والمقصود بالعدل هنا العدل بين الزوجات في النفقات ونحوها مما يمكن فيه العدل، وتعدد الزوجات ليس واجبًا ولا مندوبًا، وإنما هو مباح، والمباح يجوز فعله وتركه، فهو خاضع لتقدير الشخص نفسه، فإن رأى المصلحه فيه فعله، وإلّا تركه، ولا تثريب عليه في الحالين، ولا داعي لإقحام القاضي أو غيره لتقدير مدى الحاجة أو المصلحة في التعدد؛ لأنَّ هذه المسألة خاصَّة بالإنسان، والأصل في كل إنسان عاقل أنه أحرص من غيره على تقدير ما يصلح له لا سيما في مسألة الزواج؛ حيث تترتب على الزوج تبعات ثقيلة مالية وغير مالية، فهو لا يقدم على التعدد إلّا إذا وجد الحاجة داعية إلى ذلك، ولا نستطيع هنا أن نحصر مبررات التعدد التي تدفع الرجل إليه، وإنما نذكر منها على سبيل التمثيل: عقم الزوجة وتطلُّع الزوج للذرية، ومرض الزوجة وعدم صلاحيتها للقيام بمهام الزوجية، ونبل الزوج إلى غير ذلك من الدوافع النبيلة للتعدد، وفي التعدد علاج حاسم لمشكلة اجتماعية خطيرة تتعرَّض له المجتمعات البشرية في أعقاب الحروب، بل حتى في الأوقات العادية، وهي كثرة عدد النساء وقلة عدد الرجال، وهذه المشكلة لا يمكن حلها بصورة شريفة وناجحة إلا بإباحة التعدد شرعًا، وإلّا حلت نفسها عن طريق السفاح والعلاقات غير المشروعة، ولا شكَّ أن كل امرأة عاقلة تفضِّل أن تكون زوجة ثانية ولا تكون عشيقة لرجل، وعلى هذا فما يقوله البعض من

стр. 113

اعتراضٍ على مبدأ التعدد، إنما هو قول متهافت في نفسه هزيل في حجته، مخالف لشرع الإسلام، وقد يكون من المفيد أن أبيِّن هنا أنَّ بعض الفقهاء ذهب إلى أنَّ للمرأة أن تشترط على زوجها في عقد النكاح عدم الزواج عليها، وإذا تزوَّج فمن حقها أن تطلق نفسها منه، يمكن الأخذ بهذا الرأي الفقهي الاجتهادي؛ لأن المسلمين عند شروطهم. و الطلاق: ١٤٨- ومن حق الزوج أن يطلق زوجته، والطلاق في الأصل غير مرغوب فيه في نظر الشريعة الإسلامية، جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ : "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، وعلى هذا فلا ينبغي للمسلم أن يقدِمَ عليه بدون مبرِّر مقبول. وقد ذهب بعض الجهَّال إلى الاعتراض على مبدأ الطلاق، وطالبوا بإلغائه، وكثيرًا ما نسمع شيئًا من هذا اللغو أو نقرؤه في صحيفة أو كتاب، والواقع أنَّ هذا القول لا يصدر إلّا عن جاهل أو معاندٍ لشرع الإسلام، فإنَّ الطلاق في الإسلام من محاسن الشريعة وواقعيتها، وهو بمثابة العلاج الذي تقدمه الشريعة؛ حيث لا ينفع غيره، ولا عيب في تحضير العلاج استعدادًا لحالات الطوارئ والمرض، وخلاصة القول في مسألة الطلاق وحكمته: إنَّ الإسلام يرغِّب في إبقاء الرابطة الزوجية وإدامتها على المودة والوئام لتحقق أغراضها المرسومة لها، وفي سبيل ذلك سهَّل الإسلام إجراءات النكاح، وشرَّع فيها الخطبة، وأباح رؤية المخطوبة؛ لضمان بقاء الرابطة، وندَب الزوج إلى الصبر على المرأة إذا رأى منها ما يكرهه كما بينَّا، وبيِّن الإسلام أن من الفضل للزوج أن يكون حسن الأخلاق مع زوجته، ومع هذا فإن الإسلام لا يغفل عن الواقع، فقد ينشب الخلاف بين الزوجين مما يؤدي إلى الطلاق، ولعلاج هذه الحالة قرر الإسلام ما يأتي: أولًا: شكك الإسلام الزوج في وجدانه إذا أحسَّ بكره زوجته وذكره باحتمال خطئه وتسرعه، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ . ثانيًا: إذا استمرَّت الزوجة في مشاكساتها ومخالفاتها فللزوج أن يؤدبها عن طريق

стр. 114

الوعظ والنصيحة والهجر في المضاجع والضرب غير المبرّح، قال تعالى: ﴿وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ . ثالثًا: إذا استشرى الخلاف وجب اللجوء إلى التحكيم، بأن يختار الزوج حكمًا من أهله، وتختار الزوجة حكمًا من أهلها، فيجتمعان وينظران في الخلاف بين الزوجين وأسبابه، ويعملان على إزالته، وكثيرًا ما ينجح هذ التحكيم؛ لأن كلًّا من الحكمين حريص على حسم الخلاف لمصلحتها في حسمه، كما أنهما -لعلاقتهما العائلية- يمكنهما الوقوف على أسباب الخلاف، ولا شكَّ أن معرفة الأسباب الحقيقية تسهِّل معالجتها. قال تعالى في التحكيم بين الزوجين: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ . رابعًا: إذا لم ينفع التحكيم واستمرَّ الخلاف وأراد الزوج الفراق، فعليه أن يسلك فيه مسلكًا يقيه شرَّ العجلة والتسرّع والغضب، فأوجب عليه الإسلام أن يوقع الطلاق بالكيفية الآتية: أ- أن يطلقها وهي طاهرة غير حائض، ولم يكن قد مسها في طهرها هذا، والحكمة في ذلك أنَّ الزوج إذا طلقها في هذه الحالة فإنَّ ذلك يعني أنَّ نفسه راغبة عنها، وأن هناك من الأسباب القوية ما يحمله على فراقها إلى درجة أنَّه امتنع عن مسها قبل طلاقها. ب- ومع هذا فإنَّ الشرع الإسلامي احتاط احتياطًا آخر، فقد يكون الزوج لم يقدِّر المسألة حقَّ قدرها، وتسرَّع في تصميمه على الطلاق، ولهذا أوجب عليه أن يطلقها طلقة واحدة، هي التي تسمى في الاصطلاح الشرعي بالطلقة الرجعية، ويكون له في هذا الطلاق الرجعي الحقّ في إرجاع زوجته خلال مدة العدة، وهي عدة تمتد إلى ما يقرب من ثلاثة أشهر، فإذا فكَّر بهدوء فقد يظهر له أنَّه قد تسرَّع في طلاقه، وقد يحمله تفكيره الهادئ إلى ترجيح إبقاء الرابطة الزوجية على قطعها، وإن كان هناك ما يبرر قطعها إيثارًا لمصلحة أولاده الصغار من الضياع، ولهذا أعطاه الشرع الإسلامي الحق في إرجاع زوجته خلال مدة العدة كما قلنا، وقد يكون هذا الطلاق نذيرًا للمرأة، فلا تعود لما أدَّى إليه.

стр. 115

ج- فإذا انتهت مدة العدَّة ولم يراجعها الزوج، ثم أسف الزوج على ما وقع، وأراد إرجاع زوجته، ففي هذه الحالة يشترط أن ترضى الزوجة بالرجوع، وأن يتمَّ ذلك بعقد نكاح جديد ومهر جديد. د- فإذا كرَّر الزوج الطلاق مرَّتين بالكيفية التي بينَّاها، ثم طلقها المرة الثالثة، ففي هذه الحالة لا يمكنه إعادتها إليه إلّا بشروط ثقيلة، هي: أن تنتهي عدتها، ثم تنكح زوجًا غيره نكاحًا حقيقيًّا لا صوريًّا، ثم يفارقها هذا الزوج بموتٍ أو طلاق، ثم تنتهي عدتها من هذه الفرقة، ثم تعقد عقد نكاح جديد مع مطلقها الأول برضى تامّ منهما وبمهر جديد. ١٤٩- هذه هي إجراءات الشرع الإسلامي لمنع وقوع الطلاق، أو لمنع إساءة استعماله بدون رويِّة وتأمّل، فإذا لم تنفع كل هذه الإجراءات الطويلة لمنع أو إزالة أسباب الطلاق، فإنَّ وقوعه هو الحلّ الوحيد لفضِّ النزاع، وإنهاء هذه الرابطة التي لم تعد مبعث ارتياح واستقرار، وإنَّما أصبحت مبعث شر وخصام، ولإفساح المجال لكلٍّ من الزوجين ليجرِّب حظه في زواج آخر. وقد يقال هنا: ما الحكمة في إعطاء الزوج حق الطلاق دون الزوجة؟ والجواب: إنَّ الرجل عادةً أكثر سيطرة على عواطفه من المرأة؛ ولأنَّ الطلاق يحمِّله أعباء مالية كثيرة قد تدفعه إلى الرويِّة وعدم الاستعجال، ومن هذه الأعباء: المهر المؤجَّل، ونفقة العدة، ونفقة الأولاد، ومع هذا فيجوز للمرأة أن تشترط لنفسها في عقد النكاح حقَّ الطلاق، فتطلق نفسها منه بموجب هذا الشرط. كما أنَّ للمرأة أن تطلب من القاضي أن يفرِّق بينها وبين زوجها إذا أصابها من الزوج ضرر يبرّر حل الرابطة الزوجية. ومن هذا العرض السريع الموجز لبيان نظام الطلاق في الإسلام يتبيِّن لكل منصفٍ أنه نظام كامل يعتَبَر من محاسن الشريعة الإسلامية؛ إذ ليس من المنطق ولا المصلحة إبقاء الرابطة الزوجية بعد أن ظهر عدم الفائدة من بقائها، أو ظهر أنَّ بقاءها مضر، ولهذا نجد الدول الغربية تقرر جواز الطلاق المدني؛ لأن الكنائس لا تجيزه، وحتى إيطاليا التي كانت إلى عهد قريب تأخذ بالتفريق الجسماني بين الزوجين عند وجود أسبابه، ومعناه أنَّ الزوجين يعيشان منفردين، ولكن يعتبر كلّ منهما زوجًا للآخر بحكم القانون، ولا يحق لأحدهما الزواج؛ لأن الرابطة الزوجية تعتبر باقية قانونًا، إلّا

стр. 116

أنها أجازت أخيرًا الطلاق بموجب القوانين التي شرَّعتها. وقد يقال هنا أيضًا: لماذ لا يشترط إذن القاضي لصحة وقوع الطلاق؟ والجواب: لا فائدة ولا مصلحة في هذا الإذن؛ لأنَّ هناك من الأسرار الزوجية ما لا يحسن كشفه أمام القاضي، فمن الخير ومصلحة الزوجة أن يبقي هذه الأسرار مكتومة غير مفضوحة، ولهذا لم يشترط أحد من الفقهاء أخذ إذن القاضي لصحة وقوع الطلاق، وما قرَّره الفقهاء هو الصواب الذي لا يجوز غيره. حقوق الصغار في الأسرة: ١٥٠- ثمرة النكاح إنجاب الذرية وإيجاد النسل، ولهم حقوق مقرَّرَة على أبويهم، منها: ثبوت النسب وما يترتَّب عليها من حقوق، والإنفاق عليهم من قِبَل الأب لا الأم، كما يجب على الأم إرضاعهم، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، وإذا وقعت الفرقة بين الزوجين فإنَّ حق حضانة الصغار وتربيتهم يكون للأم حتى يبلغوا السنّ التي يستغنون فيها عن حضانة الأم، فيأخذهم الأب لإكمال تربيتهم وحفظهم، وسنّ الحضانة تقدَّر ببلوغ سبع سنين بالنسبة للأولاد الذكور، وتسع سنين بالنسبة للإناث. حقوق الأبوين على أولادهما: ١٥١- الأبوان سبب وجود الولد وتحمَّلا الشيء الكثير في تربيته، فمن الوفاء لهما القيام بحقوقهما، وعدم التفريط بها، ولهذا عظمت الوصية بهما، وقرن الله تعالى برهما بعبادته، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ . التضامن بين أفراد الأسرة: ١٥٢- يقوم بين أفراد الأسرة ودّ ورحمة وشفقة جبلية فطرية، وقد عزَّزها الإسلام بتشريعات كثيرة تحقق التضامن والتعاون والتكافل فيما بينهم، ومن هذه

стр. 117

التشريعات ما هو ملزم يخضع لحكم القضاء، ومنها ما هو ملزم ولكن لا يخضع لحكم القضاء، فمن الأولى وجوب النفقة لمستحقيها على القادر عليها من أفراد الأسرة، فنفقة الزوجة على زوجها، ونفقة الصغار على أبيهم، نفقة الأب الفقير على أولاده القادرين على الإنفاق، وهكذا القول في بقية نفقات أفراد الأسرة، تخضع لسلطان القضاء، ويجري فيها الحكم والإلزام إذا ما توافرت شروطها، ومن أمثلة ما هو ملزم ولكن لا يخضع لسلطان القضاء حسن المعاملة بين أفراد الأسرة، فهو واجب ولكن لا يخضع لإلزام القاضي، وإنما يترك لديانة وتقوى عضو الأسرة. ويقابل واجب الإنفاق بين أعضاء الأسرة حق الميراث لهم؛ لأن الغرم بالغنم، ومن أسباب الميراث: الزوجية والقرابة، وقد حدَّد الإسلام أنصبة الورثة، وأقام هذا التحديد على أساس العدل الدقيق الذي قد لا يتفطَّن إليه بعض الناس، مثل: جعل حصة الابن ضعف حصة البنت، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ؛ لأنَّ الأنثى مكفية المئونة، فهي إن لم يكن لها مال فنفقتها قَبْل الزواج على أبيها إلى أن تتزوج، ولا تكلف بالاكتساب، وإذا تزوَّجت فنفقتها على زوجها، وهي لا تدفع مهرًا في الزواج، ولا تلزم بالإنفاق على أولادها، أمَّا الذكر فإنه إذا بلغ وقدر على الاكتساب فنفقته على نفسه، وإذا تزوَّج فهو يدفع المهر ويتحمّل نفقة زوجته وأولاده الصغار، فالتكاليف المالية على الرجل أكثر بكثير من تكاليف المرأة، فمن العدل إذن أن يأخذ أكثر منها في الميراث. والميراث يقوم على أساس من الفطرة ورغبة الإنسان، فإن كل شخص لا يكتسب المال لسدِّ حاجة نفسه فقط، بل لكفاية غيره أيضًا من أفراد أسرته؛ كأولاده مثلًا، فإيصال ثمرة أتعابه بعد موته إلى هؤلاء يدفعه إلى المزيد من السعي؛ لأنه يتفق ورغبته وإرادته، وفي الميراث فوائد وحِكَم، منها: توفير شيء للورثة يستعينون به في حياتهم، ويستغنون به عن سؤال الناس، كما أن في الميراث تفيتيًا للثروة وتوزيعها في عدد كبير من الأفراد، وبهذا تتداول الأمول ولا تتكدَّس بأيدي قليلة. ومن صور التضامن داخل الأسرة الولاية على النفس والولاية على المال، فأما الولاية على النفس فيدخل فيها حضانة الصغير عند أمه إلى سنٍّ معينة كما ذكرنا من قبل، ثم ضمّه إلى من له الولاية على النفس كالأب والجد، فيتمّ تربيته وحفظه

стр. 118

وتقويمه، ومَثَل الصغير في خضوعه للولاية على النفس المجنون والمعتوه، فإذا بلغ الصغير عاقلًا، أو أفاق المجنون، وزال عته المعتوه، زالت عنه الولاية على النفس، وصار له الحق في الذهاب حيث يشاء، إلّا أنَّ الصغيرة إذا بلغت فإن الولاية تستمر عليها، ويستمر وليها بالمحافظة عليها ورعايتها حتى تتزوّج، ولمَّا كانت الولاية على النفس تتضمَّن الحفظ والرعاية والتربية والتوجيه، وكلها لمصلحة الصغير أو الصغيرة، فقد ذكر الفقهاء الشروط الواجب توافرها في الوليّ، فقالوا: يشترط فيه أن يكون بالغًا عاقلًا أمينًا قادرًا على القيام بمهام الولاية، يتفق دينه مع دين المولى عليه. أما الولاية على المال: فهذه تثبت على الصغير في ماله، وعلى من هو في حكم الصغير كالمجنون والمعتوه، وتثبت هذه الولاية للأب والجد وغيرهما على التفصيل المذكور في كتب الفقه، وقد شرعت هذه الولاية لمصلحة الصغير ومَن في حكمه، ولهذا يشترط في الولي الأمانة والقدرة على حفظ مال الصغير وتنميته، وتبقى هذه الولاية ما دام سببها قائمًا، فإذا زال زالت، كما لو بلغ الصغير عاقلًا وكان رشيدًا، أي: قادرًا على تثمير ماله والتصرف به تصرفًا حسنًا، فإن الولاية تزول عليه، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ، وكذلك تزول الولاية على المجنون إذا عقل وكان رشيدًا. ويجب على الأولياء أن يتصرَّفوا في أموال المولى عليهم على وجه المصلحة لهم، وعلى هذا لا يجوز لهم هبة أموالهم أو تبذيرها. رابعًا: تحديد مركز المرأة في المجتمع ١٥٣- والخصيصة الرابعة من خصائص النظام الاجتماعي الإسلامي تحديده مركز المرأة في المجتمع دقيقًا واضحًا صريحًا مفصَّلًا، حتى لا تدخل الأهواء في هذه المسألة الخطيرة جدًّا، وحتى تتحقق للمجتمع طهارته ونظافته وعفَّته واستقامته، وتنشأ فيه الأجيال القوية الأمينة، فيبقى المجتمع على صلاحه واستقامته ويسعد أفراده، وقد تناول القرآن الكريم بآيات كثيرة شئون المرأة وتحديد مركزها الاجتماعي، وما لها وما عليها، وكذلك فعلت السنة النبوية، ولا شَكَّ أنَّ معالجة موضع المرأة في القرآن بآيات كثيرة، وفي السنة بأحاديث كثيرة، يدل دلالة قاطعة على

стр. 119

أهمية هذا الموضوع وعظيم عناية الإسلام به. والواقع أنَّ حالة المرأة في المجتمع ومدى ما لها وما عليها من الحقوق والواجبات، ونوع الضوابط التي تحكم سلوكها، كل ذلك كان ولا يزال من أعظم المؤثِّرات في سير المجتمع، وفي مدى صلاحه وفساده، ولهذا كله فقد أولى الإسلام مسألة المرأة كل ما تستحق من عنايةٍ وتوضيح حتى تستبين الأمور، ويعرف الناس المسلك السديد في معالجة هذه المسألة على الوجه الصحيح. ونحن في هذا البحث لا نريد الإحاطة بكل جزئيات الموضوع، وإنما نريد ذكر النقاط البارزة فيه على وجهٍ يعطي فكرة جيدة عن مركز المرأة في المجتمع في نظر الإسلام. مركز المرأة في المجتمع قبل الإسلام: ١٥٤- من المفيد أن نذكر شيئًا عن مركز المرأة في المجتمع العربي الجاهلي قبل الإسلام؛ لترى مدة الإصلاح العظيم الذي جاء به الإسلام في هذا الموضوع، ثم نعرف المعايب والأخطاء والأباطيل التي كان عليها الناس قبل الإسلام في مسألة المرأة، حتى لا يقع المجتمع الإسلامي فيها، وقد روي عن سيدنا عمر ﵁ أنه قال: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية"؛ لأنه إذا لم نعرف قبائح الجاهلية لم نتوقها، وربما خالطناها أو وقعنا فيها. والمجتمعات غير العربية قبل الإ سلام، أو التي لم تهتد بهديه بعد بزوغ شمسه، لم تكن أحسن حالًا من المجتمعات العربية الجاهلية. ونذكر فيما يلي بعض الأوضاع التي كانت عليها المرأة في المجتمعات الجاهلية العربية وغير العربية: أولًا: كان العرب قبل الإسلام ينظرون إلى المرأة نظرة احتقار وامتهان، ويحزنون لولادة الأنثى، وقد بيِّنَ القرآن الكريم هذه الحالة النفسية التي كانت تنتابهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ، حتى آلَ الأمر ببعضهم إلى وأد البنات وهي في قيد الحياة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ .

стр. 120

ثانيًا: ما كانت المرأة ترث؛ لأنَّ الأرث عند عرب الجاهلية كان محصورًا بالرجال. ثالثًا: كانت كثيرًا ما تخضع للتعسّف والظلم، فإذا مات الرجل وترك زوجة وأولادًا من غيرها، فللابن الحق في تزويجها ولو كانت كاهرة، كما كان له أن يمنعها من التزوج. وللزوّج أن يطلقها ما شاء من الطلقات ويراجعها قبل أن تنتهي عدتها، وهكذا يجعلها كالمعلقة، لا هي مطلقة فتذهب إلى حال سبيلها، ولا هي بالزوجة التي تمتَّع بحقوق الزوجية. رابعًا والأقوام الجاهلية الأخرى ما كانت أحسن حالًا من عرب الجاهلية، فقد وقع الاختلاف في أوربا حول المرأة من جهة مساواتها مع الرجل في تلقِّي الدِّين والقيام بالعبادة واستحقاق الجنة في الآخرة، حتى إنَّ بعض المجامع الكنسية في روما قرَّرت أنَّها حيوان نجس لا روح له ولا خلود١. خامسًا: وفي القانون الروماني: للزوج الحق -في الزواج مع السيادة- أن يبيع زوجته، وأن يأخذ ما يكون عندها من أموال. سادسًا: ما كانت هناك قيود على الآداب تلتزم بها المرأة، بل كان التحلُّل عن هذه القيود هو الشائع في المجتمعات الجاهلية، العربية منها وغير العربية، وقد أشار القرآن الكريم إلى شيء من هذا التحلّل، قال تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ، ومن معاني تبرُّج الجاهلية الأولى خروج المرأة مكشوفة الرأس والصَّدر والعنق تخالط الرجال وهي بهذه الحالة، وتتغنج في مشيتها بينهم، وهكذا ذكر أهل التفسير بصدد هذه الآية الكريمة. مركز المرأة في المجتمع الإسلامي: ١٥٥- يعرف مركز المرأة في النظام الاجتماعي الإسلامي بمعرفة الحقوق التي لها والواجبات التي عليها، والوظيفة التي اختُصَّت بها، والآداب التي تلتزم بها، فلا بُدَّ من

стр. 121

بيان هذه الأمور الأربعة المكونة لمركز المرأة في المجتمع الإسلامي. أولًا: حقوق المرأة ١٥٦- القاعدة في حقوق المرأة أنَّها فيها كالرجل، إلّا فيما يختلفان فيه من استعدادٍ وكفاية وقدرةٍ على مناط هذه الحقوق، وبشرط أن لا تعارض هذه الحقوق ما عليها من واجبات، وعلى هذه القاعدة تتمتَّع المرأة بالحقوق التالية: أ- تتمتَّع بحق الحياة؛ لأنها نفس معصومة كالرجل؛ ولهذا حرَّم الإسلام وأد البنت، وأوجب القصاص في قتلها عمدًا كما هو الحكم بالنسبة للرجل. ب- هي أهل للتكريم؛ لأنها إنسان، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ . ج- لها حق اكتساب الأموال بالطرق المشروعة؛ لأنَّ لها ذمة صالحة لاكتساب الحقوق المالية وغير المالية، فهي فيه كالرجل. ومن أسباب اكتساب الأموال: الميراث، وقد أثبته الشرع الإسلامي لها بعد أن حرمها الجاهليون منه، قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ، ولها حق التصرف بأموالها كما تشاء، دون حاجة إلى إذن أحد ما دامت عاقلة رشيدة. د- لها حق المهر في عقد النكاح، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ، وحق النفقة على الزوج: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، وحق النفقة على أولادها باعتبارها أمًّا. هـ- حق الحضانة على أولادها الصغار إذا وقعت الفرقة بينها وبين زوجها. و لها حق تعلّم العلوم النافعة لها بالكيفية المناسبة لطبيعتها، وبشرط الالتزام التامّ بالآداب الإسلامية اللازمة لها، وأعظم ما ينفعها تعلّم شريعة الإسلام وما فيها من حلال وحرام، أمَّا العلوم الدنيوية فهي مباحة، فإذا شاءت المرأة أن تتعلّم منها شيئًا فلا بأس، ولكن بالشرط الذي قدمناه وهو الالتزام بالآداب، وبالكيفية المناسبة لها، والمحافظة على عفتها، كما ينبغي أن تتعلم ما يلائم طبيعتها ويقوي اختصاصها الفطري في تربية الأولاد ورعاية البيت، فتتعلّم فنون الخياطة والطبخ وأصول تربية الولد ونحو ذلك، فإذا أرادت المزيد من المعرفة فلا بأس، بشرط أن لا تؤثر في قيامها بواجباتها

стр. 122

المطلوبة منها كزوجة أو أمّ، وبشرط أن يكون التعلُّم بالكيفية المشروعة، فلا يجوز اختلاطها بالشباب بحُجَّة التعلُّم، ولا تكشفها أمام الرجال، أو ظهورها بالمحرَّم من اللباس، فكل هذا وأمثاله حرام لا يباح ولا يجوز ولو بحجة طلب العلم. ز- أمَّا الحقوق السياسية، ومنها الاشتغال بالأمور العامة، والانتخابات، فالمسألة فيها شيء من التفصيل: أمَّا الاهتمام بأمور المسلمين العامة فهذا من حقها بل من واجبها، جاء في الحديث: "من لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم"، ومن أمر المسلمين شئونهم العامَّة التي يصلحون بها أو يشقون، ومن مظاهر الاهتمام التفكير بشئونهم وإشاعة المفاهيم الإسلامية فيمن يحيط بالمرأة من زوج وأبناء وأقارب وجيران، كما أنَّ حقها إبداء رأيها في الأمور العامة، وإبداء النصح بالكيفية المستطاعة والملائمة لطبيعتها مثل: الكتابة والتأليف وعقد الاجتماعات للنساء وتعليمهنَّ، وإشاعة الأخلاق الفاضلة فيهنَّ، وحثهنَّ على القيام بواجبهنَّ، ونحو ذلك. وبنهيهنَّ عن المنكرات، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . أما الاشتراك في الانتخابات بالكيفية المعروفة في الوقت الحاضر لاختيار رئيس الدولة أو أعضاء مجلس الأمَّة، فالظاهر لنا أنه غير جائز للمرأة؛ لعدم وجود السوابق في هذا المجال، فقد جرى انتخاب الخلفاء الراشدين وبايعهم المسلمون، ولم ينقل إلينا اشتراك النساء في ذلك. ثانيًا: واجبات المرأة ١٥٧- القاعدة في الواجبات المرأة كالقاعدة في حقوقها، فهي فيها كالرجل، إلّا فيما يختلفان فيه مما هو مناط التكليف، وأساس هذه القاعدة أنَّها إنسان، ولها أهلية وجوب، أي: صلاحية اكتساب الحقوق وتحمُّل الواجبات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ، فالنساء كالرجال مطالبات بتقوى الله، أي: بإطاعة أوامره واجتناب نواهيه، ويترتَّب على هذه القاعدة ما يأتي: أ- إنَّها كالرجل مخاطبة بالتكاليف الشرعية في باب الاعتقاد والعبادات

стр. 123

والمعاملات، إلّا بما تقتضيه طبيعتها كما هو معروف، أو بسبب عدم قدرتها على هذا الواجب، كالجهاد يُكَلَّف به الرجل لا المرأة، إلّا إذا رغبت في الخروج مع المجاهدين فلا تمنع، وتقوم بما تقدر عليه من أمور الجهاد، كمداواة الجرحى وإعداد الطعام ونحو ذلك، وقد ورد في القرآن الكريم أنَّ النساء المؤمنات بايعن الرسول الكريم ﷺ كما باعيه الرجال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مما يدل على أنَّ النساء مكلَّفات بما كُلِّفَ به الرجال من أمور الدين. ب- وترتَّب على مخاطبة المرأة بالتكاليف الشرعية أنَّها مجزية على عملها وقيامها بما كلفت به، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ج- إن الخطابات في القرآن التي تخاطب المؤمنين وتكلفهم بالتكليفات الشريعة يدخل فيها النساء، إلّا إذا قام الدليل على خلاف ذلك، فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ يشمل الرجال والنساء، وقد يذكر القرآن الكريم النساء مع الرجال فيما يخاطبهم به من تكليفات، أو فيما يمدحهم عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ . د- وعلى المرأة واجب الطاعة لزوجها بالمعروف، ووفائها بحقه عليها، جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ : "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة

стр. 124

أن تسجد لزوجها"، فاذا أطاعته بالمعروف وأدَّت حقه عليها كانت من النساء الفضيلات، قال ﷺ فيما يرويه عن الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁: قيل يا رسول الله، أيّ النساء خير؟ قال: "التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره". هـ- والمرأة مسئولة عن البيت وشئونه ومؤتمنة عليه، فعليها القيام بهذه الأمانة، والخروج عن عهدة هذه المسئولية، جاء في الحديث الشريف: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته..... والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها". ثالثًا: الوظيفة التي اختصت بها ١٥٨- خلق الله كلَّ مخلوق على نحوٍ يمكِّنه من أداء الغرض الذي خُلِقَ من أجله، وقد خلق الله تعالى المرأة على نحوٍ يمكِّنُها أن تكون زوجة وأمًّا، وأودع فيها التطلع والحنين إلى ذلك، وقد وهبها الله تعالى القابلية والقدرة على تربية أولادها، والصبر عليهم في جوٍّ من حنان الأمومة الفطرية بها. فالوظيفة الأصلية التي اختصت بها المرأة هي وظيفة الزوجة والأم، وتربية الأولاد وتنشئتهم النشأة الصالحة، وتربية الأولاد تكون في البيت لا في الطريق، وتحتاج إلى انصراف إلى أداء هذه الوظيفة ووقت كافٍ لها، وقد وفَّر لها الإسلام ذلك، فقد رفع عنها مؤنة العيش والاكتساب بما فرضه على الزوج من واجب الإنفاق عليها وعلى أولادها، ومن ثَمَّ تعد لها حاجة للعمل خارج البيت؛ لأنَّ العمل يُقْصَد به الكسب وتحصيل الرزق، وقد كفيت ذلك لقاء انصرافها إلى عمل جليل هو تربية الأولاد في البيت. كما أنَّ الإسلام رعف عنها إيجاب بعض ما فرضه على الرجل تحقيقًا لأغراض معينة منها: توفير الوقت الكافي للانصراف إلى مهمتها، فالقتال في سبيل الله ليس بواجبٍ عليها وجوبه على الرجل، والصلاة في المساجد واجب أو من السنن المؤكدة على الرجال دون النساء، وصلاة الجمعة تجب على الرجل دون المرأة، فهذا وأمثاله يدل على أنَّ الإسلام يرغِّب في بقاء الزوجة في بيتها، وعدم الخروج منه إلّا لحاجة أو سبب معقول؛ لتنصرف إلى مهمتها الخطيرة: تربية الأولاد وتهيئة المسكن المريح للزوج الذي يأوي إليه بعد تعبه خارجه، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ وليس المقصود بالقرار في البيوت عدم الخروج منه مطلقًا، ألَا يرى أن المرأة تخرج

стр. 125

للحج، وتخرج لأداء الصلاة في المساجد إذا شاءت، وتخرج لزيارة أهلها وتخرج للمعالجة ... إلخ، وإنما المقصود أنَّ المرأة تقرُّ في بيتها ولا تخرج بلا غرض مشروع ولا سب معقول؛ لأنَّ هذا هو المرغوب فيه في نظر الشرع. رابعًا: الآداب التي تلتزم بها ١٥٩- هناك جملة آداب وأخلاقٍ يجب أن تلتزم بها المرأة لتسهم في بقاء طهارة المجتمع ونظافته مما يشين، ولتبقى هي نفسها بعيدة عن مظنَّة التُّهَم ومزالق الشيطان، ومن هذه الآداب ما يأتي: أولًا: لا يجوز للمرأة أن تخلو بأيِّ رجل يحلّ له نكاحها حتى ولو كانت قريبًا لها؛ كابن العمِّ وابن الخال، وهذا المنع كما هو واضح يسري على الرجل سريانه على المرأة، فلا يجوز لمسلم أن يخلو بامرأة يحلّ له نكاحها، وتعليل هذا المنع هو سد منافذ الشيطان، فإنَّ الشيطان كما جاء في الحديث يجري من ابن آدم مجرى الدم، فيزيِّن له الخطيئة، ويهيج فيه الشهوة، جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ : "إياكم والخلوة بالنساء، والذي نفسي بيده، ما خلا رجل بامرأة إلّا ودخل الشيطان بينهما"، وفي حديث آخر: "لا يخلونَّ أحدكم بامرأة إلَّا مع ذي محرم"، ولا يقال: إن الثقافة عاصمة من الوقوع في الخطيئة، فلا ضرر من الخلوة بالأجنبية؛ لأنَّ المسألة مسألة ضعف النفس وما فيها من شهوات وقابليات للاستجابة لغواية الشيطان، والمثقَّف والمثقفة كالجاهل والجاهلة في هذه المسائل، والواقع شاهد على صحة ما نقول، وأيضًا فإنَّ الثقافة لا تقلع الشهوات، وإنما الذي يضعفها ولا يستأصلها تقوى الله والخشية منه وعمارة القلب بالإيمان، بدليل أنَّ الحديث الشريف يخاطب المؤمنين أصحاب رسول الله وهم خيار خلق الله بعد رسول الله، فكيف بغيرهم ممن عشَّشَ الشيطان في قلبه وباض وفرَّخ، وإن ملأ رأسه ببعض ما يسمَّى ثقافة وعلمًا، ومثل المنع من الخلوة منع المرأة من السفر وحدها بدون زوجها أو أحد محارمها؛ لأنَّ الوحدة في ديار الغربة تفتح للشيطان منافذ للإغواء وللإيقاع في الخطيئة. ثانيًا: لزوم ابتعادها عن الاختلاف بالرجال خوف الفتنة يدل على ذلك أنَّ الإسلام في سبيل عدم الاختلاط بالرجال لم يفرض على المرأة صلاة الجمعة، ولم يوجب عليها صلاة الجماعة، ولا يستحب لها اتباع الجنائز، وإذا حضرت للصلاة في

стр. 126

المسجد وجب عليها أن تقف مع النساء في الصف الأخير خلف الرجال، فإذا كان الأمر هكذا في بيوت الله، فكيف يجوز الاختلاط في غير أماكن العبادة؟ ومع هذا، فإذا وجدت الضرورة والحاجة إلى مثل هذا الاختلاط جاز في حدود الأدب والاحتشام؛ كخروج المرأة مع المجاهدين تُعِدُّ الطعام وتداوي الجرحى، فقد خرج الرسول ﷺ ومعه بعض نساء المسلمين إلى القتال، وقمن بمداوة الجرحى وسقي المقاتلين من المسلمين، بل وقد تضطر المرأة إلى القتال الفعليِّ مع المسلمين كما حصل لبعضهنَّ في موقعة أحد، وهذا يستلزم الاختلاط، وكذلك قد تضطر المرأة إلى الخروج من بيتها لقضاء حاجتها، فتركب السيارة العامة أو القطار، وتختلط بالرجال، فهذا ونحوه يجوز عند الحاجة بشرط الالتزام بالآداب الإسلامية في المشي واللباس والكلام. ثالثًا: إخفاء زينتها إلّا ما ظهر منها، فقد جاء في القرآن في آداب النساء: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فلا يجوز تعمُّد إظهار شيء من زينتها إلّا ما ظهر منها بغير قصد، أو كان ظاهرًا لا يمكن إخفاؤه كالرداء والثياب، وهذه هي الزينة الظاهرة التي يجوز إبداؤها على رأي ابن مسعود ﵁، أو هي الكحل والخاتم على رأي ابن عباس ﵁، أو هي الوجه والكفَّان على رأي بعض العلماء١، فالوجه واليدان يجوز كشفهما، أمَّا غيرهما فلا يجوز كشفه، وبعض العلماء أجاز كشفهما بشرط عدم وجود الزينة فيهما. رابعًا: ويجب أن يكون لباس المرأة شرعيًّا، أي: وفق ما أمر به الشرع، قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾ ، والخمار ما يوضع على الرأس، فالآية الكريمة تأمر بإنزال الخمار إلى العنق والصدر لإخفائهما. وقال تعالى في آية آخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ والجلباب هو الملاءة التي تغطي جسم المرأة وتلبسه فوق ثيابها فلا يظهر منها

стр. 127

شيء، وهو يشبه العباءة التي تستعملها بعض نسائنا اليوم، وكانت شائعة بالأمس. ومن الشروط الأخرى في لبس المرأة في حكم الإسلام، أن لا يكون شفَّافًا ولا ضيقًا؛ حتى لا يظهر أعضاء المرأة ولا يصفها، وقد جاء في الحديث الشريف: "سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رءوسهن كأسمنة البخت، العنوهن فإنَّهنَّ ملعونات" فهن كاسيات بالاسم عاريات أو كعاريات في الحقيقة والواقع، وهذا الحديث من أعلام النبوة، فقد وقع ما أخبر عنه النبي ﷺ ، وفي حديث آخر أنَّ النبي ﷺ نهى المرأة أن تلبس ما يصف حجم عظامها. ومن شروط لباس المرأة الشرعي أيضًا أن لا يكون معطرًا إذا خرجت من بيتها، وأن لا يشبه لباس الرجال ولا زيّهم، فقد جاء في الحديث الشريف: "ليس منَّا من تشبَّه بالرجال من النساء، ولا من تشبَّه بالنساء من الرجال". وخلاصة القول في لباس المرأة الشرعي الذي تتحقق فيها الآداب الإسلامية في اللباس بالنسبة للمرأة: "أن يكون ساترًا لجميع بدنتها إلّا وجهها وكفيها، وأن لا يكون -أي: لباسها- زينة في نفسها، ولا شفَّافًا ولا ضيقًا يصف بدنها، ولا مطيبًا -أي: معطرًا، ولا مشابهًا للباس الرجال ولباس الكفار، ولا ثوب شهرة"١. خامسًا: من آداب الإسلام في مشي المرأة وكلامها ما أشار إليه القرآن الكريم: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ، أي: لا تضرب برجليها ليسمع قعقعة خلخاليها، فإذا فعلت ذلك بالتبرج والتعرّض للرجال فهو حرام٢، والواقع أنَّ هذا يدخل في باب سد الذرائع، وعلى هذا، لا ينظر إلى القصد وإنما ينظر إلى مآل الفعل، وعلى هذا ينبغي للمرأة أن لا تفعله لئلَّا يثير ما لا ينبغي في الرجال، بأن ينتبهوا إليه وإلى مشيها، فيقعون في إثم النظر إليها أو الظنِّ السيء بها، يقاس على ذلك المنع منع أيّ مشية فيها إثارة للفتنة، فينبغي أن تمشي المرأة مشية لا تغري الفسَّاق وضعيفي الأخلاق، وقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ

стр. 128

اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ، يقول الإمام ابن العربي في تفسير هذه الآية: "أمرهنَّ الله أن يكون قولهن جزلًا، وكلامهن فصلًا، ولا يكون على وجه يحدث في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين المطمع للسامع، وأخذ عليهن أن يكون قولهن معروفًا ... قيل: المعروف هو السر، فإنَّ المرأة مأمورة بخفض الكلام١، فعلى المرأة المسلمة أن تلتزم بهذه الحدود في كلامها. خامسًا: تحميل الفرد مسئولية إصلاح المجتمع واجب الفرد في إصلاح المجتمع: ١٦٠- ومن خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام تحميل الفرد مسئولية إصلاح المجتمع، بمعنى أنَّ كل فرد فيه مطالب بالعمل على إصلاح المجتمع وإزالة الفساد منه على قدر طاقته ووسعه، والتعاون مع غيره لتحقيق هذا المطلوب، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، ومن أعظم التعاونِ التعاونُ على إصلاح المجتمع، وإذا كان الفرد مطالبًا بإصلاح المجتمع، فمن البديهي أنَّه مطالب بعدم إفساده، قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ . من القواعد الفقهية "ما حرِّم أخذه حرِّم إعطاؤه"؛ لأنَّ إعطاء الحرام للغير من الفساد والإفساد، وعلى هذا لا يجوز إعطاء الرشوة، كما لا يجوز أخذها، ولا يجوز إعطاء الربا، كما لا يجوز أخذه، جاء في الحديث: "لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه"، وفي حديث آخر: "الراشي والمرتشي والرائش بينهما". أدلة مسئولة الفرد على إصلاح المجتمع: ١٦١- أولًا:" من القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ

стр. 129

وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، والمعروف اسم جامع لكل ما طلبه الشرع الإسلامي، والمنكر اسم جامع لكل ما نهى عنه، ويدخل في ذلك بداهةً ما يصلح المجتمع ويطهِّره من الفساد، وفي وصية العبد الصالح لقمان لابنه التي قصَّها الله علينا: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ . ويؤكِّد القرآن الكريم مسئولية الفرد عن إصلاح المجتمع بما يقصّه من أخبار الأمم السابقة التي فرَّط أفرادها بواجب الإصلاح، فلحقهم الذم والهلاك، وحتى يعتبر كل مسلم بما حلَّ بهم فلا يفرِّط تفريطهم؛ لئلَّا يصيبه ما أصابهم، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ ، أي: هلَّا كان من الأمم التي قبلكم أولوا بقيِّة -أي: أصحاب طاعة ودين وعقل- ينهون قومهم عن الفساد في الأرض١، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ ، فهذه الآية الكريمة دلَّت على أنَّ الذين نجوا من العذاب إنما نجوا بسبب نهيهم عن السوء والفساد، فدلَّ ذلك على وجوبه٢. ١٦٢- ثانيًا: مِنَ السُّنَّة النبوية وفي السنة النبوية أحاديث كثيرة تقرِّر مسئولة الفرد عن إصلاح المحتمع، منها الحديث الشريف: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"، وإصلاح المجتمع وإزالة الفساد عنه، والتفكير في تحقيق ذلك من الاهتمام بأمور المسلمين، وفي حديثٍ آخر عن النبي ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، فهذا الحديث الشريف صريح في تحميل الفرد مسئولية إزالة الفساد المطلوب من المسلم إزالته، وهذا الحديث الشريف يأمر أيضًا بأن يكون المسلم في حالة استعداد وتهيئوا للإصلاح وإزالة للفساد، وهذا المعنى يفهم من عبارة: "فإن لم يستطع فبقلبه"؛ لأنَّ التغيير بالقلب يعني كراهية المنكر، يقول الإمام

стр. 130

النووي: "فبقلبه معناه: فليكرهه بقلبه، وليس ذلك بإزالة وتغيير منه للمنكر، ولكنه هو الذي في وسعه"١ فالتغيير بالقلب يعني كراهية المنكر، وهو إن لم يكن إزالة وتغييرًا كما يقول الإمام النووزي، إلّا أنه مقدمة للتغير وتهيئو له وإعداد النفس لتغييره فعلًا؛ لأنَّ الأنسان عادة لا يزيل شيئًا يحبه، وإنما يزيل ويغيِّر شيئًا يكرهه، فكراهية الشيء مقدمة لإزالته وسابقة لتغييره، فجاز إطلاق اسم التغيير على كراهية القلب للمنكر بهذا الاعتبار، وكراهية القلب للمنكر يجعل القلب حيًّا عامرًا بالإيمان، ذا حساسية كافية ضد المنكرات والفساد، ولا يسع المسلم ترك هذه الكراهية، وإذا فقدها كان ذلك علامة مرض قلبه، فليسارع إلى تطبييه بعلاج الإيمان قبل فوات الأوان، وقد اعتبر الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عدم الإنكار القلبي رِدَّة عن الإسلام، فقد قال ﵀: "والمرتد من أشرك بالله تعالى، أو كان مبغضًا للرسول ﷺ ولما جاء به، أو ترك إنكار منكر بقلبه"١. ومن السنة أيضًا: قول النبي ﷺ : "والله لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر ولتأخذنَّ على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنَّه على الحق قصرًا، أو ليضربنَّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنَّكم كما لعنهم" وهذا الحديث الشريف صريح في الدلالة على تحميل الفرد مسئولية إصلاح المجتمع ورفع الفساد عنه، وفيه تأكيد على منع الظالم من الظلم؛ لأنَّ الظلم من أعظم الفساد في الأرض. تعليل مسئولية الفرد عن إصلاح المجتمع: ١٦٣- وإذا كان الفرد مسئولًا عن إصلاح المجتمع، فما تعليل ذلك؟ ولمذا يطالب الفرد بهذا الواجب مع مطالبته بإصلاح نفسه؟ الذي نراه إنَّ تعليل هذه المسئولية أو هذه المطالبة ما يأتي: ١٦٤- أولًا: الفرد يتأثر بالمجتمع الإنسان كائن اجتماعي يتأثَّر بالمجتمع الذي يعيش فيه، فتمرض روحه أو تهزل،

стр. 131

أو تصح وتقوى تبعًا لصلاح المجتمع أو فساده، وقد أشار النبي الكريم ﷺ إلى هذه الحقيقة، فقد جاء في الحديث الشريف: "ما من مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه يهوداه وينصرانه ... إلخ "، فالأبوان بالنسبة للصغير مجتمعه الصغير الذي يؤثر فيه، فيدفعه إلى الفساد أو الصلاح، فإذا كان الأبوان ضالّيْن دفعاه إلى الضلال، وإخرجاه عن مقتضى الفطرة السليمة التي خلقه الله عليها، وإذا كانا صالحين أبقياه على الفطرة التي خلقه الله عليها، ونمَّيَا فيه جانب الخير، وهكذا شأن المجتمع الكبير في تأثيره في الفرد صلاحًا وفسادًا. ١٦٥- ثانيًا: ضرورة قيام المجتمع الصالح وقيام المجتمع الصالح ضروري للفرد؛ لأنَّ المطلوب من المسلم تحقيق الغرض الذي خُلِقَ من أجله وهو عبادة الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، والعبادة اسم جامع لما يحبه الله تعالى من الأقول والأفعال والأحوال الظاهرة والباطنة١، وهذا المعنى الواسع للعبادة يقتضي أن يجعل المسلم أقواله وأفعاله وتصرافته وعلاقاته مع الناس على وفق ما جاءت به الشريعة الإسلامية، والمسلم لا يستطيع أن يصوغ حياته هذه الصياغة، أي: أن يكون مجتمعًا إسلاميًّا صحيحًا، فإن لم يكن كذلك بأن كان مجتمعًا جاهليًّا صرفًا، أو مجتمعًا مشوبًا بمعاني الجاهلية، فإن المسلم لا يستطيع فيه أن يحيا الحياة الإسلامية المطلوبة، أو يتعذَّر عليه ذلك، ولهذا يأمر الإسلام بالتحول من المجتمع الجاهلي إلى المجتمع الإسلامي ما دام عاجزًا عن إزالة جاهليته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ، وقد جاء على تفسير هذه الآية الكريمة أنَّها نزلت "في كل مَنْ أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدِّين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع"٢ ولهذا يجب على كل

стр. 132

مسلم تعهد المجتمع الذي يعيش فيه وإزالة المنكر حال ظهوره أو وقوعه، وأن لا يستهين به؛ لأنَّ المنكرات كالجراثيم التي تؤثر في الجسد قطعًا، وإذا لم تمرض البعض فإنها تضعف مقاومته، فيسهل عليها فيما بعد التغلُّب عليه، ولهذا كانت أولى مهمات الدولة الإسلامية إقامة هذا المجتمع الإسلامي الفاضل، وإزالة المنكرات منه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ . ١٦٦- ثالثًا: النجاة من العقاب الجماعي وقيام الأفراد بإصلاح المجتمع ينجيهم وينجي المجتمع من الهلاك الجماعي أو العقاب الجماعي أو الضيق والضنك والقلق والشر يصيب المجتمع، وتوضيح هذه الجملة يحتاج إلى شيء من التفصيل لأهمية الموضوع وخطورته، فنقول: من سنة الله تعالى أنَّ المجتمع الذي يشيع فيه المنكر وتنتهك فيه حرمات الله، وينتشر فيه الفساد، ويسكت الأفراد عن الإنكار والتغيير، فإنَّ الله تعالى يعمَّهم بمحنٍ غلاظٍ قاسية تعمّ الجميع وتصيب الصالح والطالح، وهذه في الحقيقة سنة مخيفة، وقانون رهيب يدفع كل فرد لا سيما من كان عنده علم وفقه أو سلطان، أو المسارعة والمبادرة فورًا لتغيير المنكر دفعًا للعذاب والعقاب عن نفسه وعن مجتمعه، والدليل على ما نقول القرآن والسنة. ١٦٧- أ: من القرأن الكريم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، قال ابن عباس ﵁ في هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعهم العذاب٢، فمقصود الآية: واتقوا فتنة تتعدَّى الظالم فتصيب الصالح والطالح، كما قال الإمام القرطبي٢. وفي تفسير ابن كثير بصدد هذه الآية الكريمة: "يحذر الله تعالى عباده المؤمنين

стр. 133

فتنة، أي: اختبارًا ومحنة يعمّ بها المسيء وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب بل يعمها". ١٦٨- ب: من السنة النبوية المطهرة جاء في صحيح الإمام البخاري -رحمة الله تعالى، عن النبي ﷺ : "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مَرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وأن أخذوا على أيديهم نجو ونجوا"، ففي هذا الحديث دليل كما يقول الإمام القرطبي على تعذيب العامة بذنوب الخاصة، وفيه استحقاق العقوبة للجماعة كلها عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وأنَّه إذا لم تغير المنكرات وترجع الأمور إلى حكم الشرع وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران ذلك البلد١، ويمكن القول أيضًا أنَّ في هذا الحديث الشريف دلالة أخرى، وهي أنَّ الانحراف عن النهج الصحيح والمسلك السديد يؤدي إلى الهلاك أو الضرر، ولا ينفع في دفعهما عن الجماعة كون المنحرفين حسني النية والقصد؛ لأن الذين أرادوا خرق السفينة إنما أرادوا بخرقها عدم إيذاء من فوقهم، فلم يغن عنهم حسن مقصدهم؛ لأن فعلهم خروج عن النهج السديد في معالجة ما يهم الجميع. وعن أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- قال: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ، واني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب منه"، فهذا يدل على أن وقوع الفساد في المجتمع والسكوت عليه وعدم تغييره سبب للعقاب الجماعي. ميزان صلاح المجتمع وفساده: ١٦٩- وإذا كان الفرد مسئولًا عن إصلاح المجتمع وإزالة فساده، فما هو

стр. 134

الميزان لصلاحه وفساده، والجواب: إنَّ المجتمع الصالح هو المجتمع الإسلامي، أي: القائم على أساس العقيدة الإسلامية التي ينبثق عنها النظام الاجتماعي الإسلامي، الذي ينظم شئونه المختلفة، والذي بيِّنَّا بعض خصائصه، والمجتمع الفاسد هو الذي يقوم على غير أساس العقيدة الإسلامية، ولا يحكمه النظام الاجتماعي، وتشيع فيه المنكرات، وهو الذي يسميه الإسلام بالمجتمع الجاهلي، وبكلمة أخرى: المجتمع الصالح هو القائم على معاني الإسلام وأفكاره ومناهجه، والتي تطبق فيه أحكامه، والمجتمع الفاسد بخلافه.

стр. 135

المبحث الثالث: نظام الإفتاء مدخل ... المبحث الثالث: نظام الإفتاء تمهيد: ١٧٠- المطلوب من المسلم أن تكون أفعاله ابتداءً وفق المناهج الإسلامية، وأن يتقبَّل حكم الشرع في نتائج أفعاله، وأن يتصرَّف على النحو المشروع في علاقتته مع الآخرين، فإذا جهل ذلك أو بعضه وجب عليه أن يعرفه؛ ليكون سلوكه وفق الحدود الشرعية، ومن سبل المعرفة قيام العلماء بتعليم الناس أمور الدين وتبليغهم أحكامه، أو قيام الجهال بسؤال العلماء عن أحكام الإسلام. ١٧١- أما قيام العلماء بواجب التعليم والتبليغ فهذا مما افترضه الإسلام على أهل العلم، فعليهم تعليم الناس ما يحتاجونه من أمور دينهم بالقدر الذي يأمر به الإسلام ويحتاجه الناس، ويزداد هذا الوجوب على العلماء ويتأكَّد كلما فشا الجهل في الناس واندرست معالم الشريعة وظهرت البدع، فإذا قصَّر العلماء في واجب التعليم والتبليغ أثموا وحُوسبوا على تقصيرهم حسابًا عسيرًا؛ لأنَّ تقصيرهم في هذا الواجب يعتبر من كتمان العلم الذي أؤتمنوا عليه وأمروا بنشره وتبليغه للناس، فإذا قام العلماء بواجب التبليغ وجب على الناس أن يقبلوا عليهم ويسمعوا منهم ويتعلموا ما يقولون ويعلموا بما يتعلمون، فإذا لم يفعلوا أثموا وحوسبوا لقيام الحجة عليهم بتبليغ العلماء لهم أحكام الدين. ١٧٢- وبالرغم من تبليغ العلماء أحكام الدين ابتداءً، فقد يبقى البعض جاهلًا بأحكام الإسلام، وقد يقصِّر العلماء بواجب التبليغ، فيفشوا الجهل، ويكثر عدد

стр. 136

الجاهلين، وواجب الجاهل أن يتعلَّم أمور دينه التي تهمه، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، ولا يرفع عن الجاهل مسئولية تعلُّم ما يلزمه من أمور الدين تقصير العلماء بواجب التعليم والتبليغ ابتداءً؛ إذ عليه أن يسأل أهل العلم عمَّا يجهله من أمور الدين، كما جاء في الآية الكريمة. ١٧٣- وسؤال الجاهل أهل العلم، وجواب هؤلاء له، وما يتعلق بهذين الموقفين: موقف الجاهل وهو يسأل، وموقف العالم وهو يجيب، من وجوبٍ عليهما في السؤال والجواب أو ندب أو إباحة بلا وجوب في السؤال والجواب، وغير ذلك من الأمور، كل ذلك يكون ما يعرف في الشريعة الإسلامية بنظام الإفتاء. الإفتاء في اللغة: ١٧٤- جاء في لسان العرب لابن منظور: أفتاه في الأمر، أي: أبانه له، وأفتاه في المسألة يفتيه: إذا أجابه، والاسم الفتوى، واستفتيه فأفتاني إفتاءً، والفتوى اسم يوضع موضع الإفتاء، والفتيا والفتوى: ما أفتى به الفقيه. ومما تقدَّم نعلم أنَّ الاستفتاء في اللغة يعني: السؤال عن أمر أو عن حكم مسألة، وهذا السائل يسمَّى المستفتي، والمسئول الذي يجب هو المفتي، وقيامه بالجواب هو الإفتاء، وما يجب به هو الفتوى، فالإفتاء يتضمَّن وجود المستفتي والمفتي والإفتاء نفسه والفتوى. الإفتاء في الاصطلاح: ١٧٥- والمعنى الاصطلاحي للإفتاء هو المعنى اللغوي لهذه الكلمة وما يتضمنه من وجود مستفتٍ ومفتٍ وإفتاء وفتوى، ولكن بقيدٍ واحد هو أنَّ المسألة التي وقع السؤال عن حكمها تعتبر من المسائل الشرعية، وأنَّ حكمها المراد معرفته هو حكم شرعي. فالمستفتي أذن في نظام الإفتاء الذي نتكم عنه هو: السائل عن حكم الشرع في مسألة من المسائل، أي: من يسأل عن حكم مسألة شرعية، وإنَّ المفتي هو من يجيب عن هذا السؤال، وقيامه الجواب هو الإفتاء، ونص ما يجيب به وهو الفتوى. منهج البحث: ١٧٦- وبناءً على ما تقدَّم نقسِّم هذا المبحث إلى أربعة مطالب: الأول: للكلام عن المستفتي. الثاني: للكلام عن المفتي. الثالث: للكلالم عن الإفتاء. الرابع: للكلام عن الفتوى.

стр. 137

المطلب الأول: المستفتي من هو المستفتي؟ ١٧٧- المستفتي هو من يسأل عن حكم الشرع في مسألةٍ ما، وهذا يعني أنَّه جاهل بهذا الحكم، وإنما يسأل ليعرف وليعمل بما يفتيه به المفتي، مقلدًا بهذه الفتوى. ولكن هل يجب على كلِّ جاهل بالحكم الشرعي أن يسأل عنه حتى يعرفه أم لا؟ وإذا علم الحكم أو كان قادرًا على معرفته بنفسه يجب عليه أو يسوغ أن يسأل عنه أم لا؟ الجواب على ذلك يختلف باختلاف الناس واختلاف أحوالهم، فقد يحرم على بعضهم الاستفتاء وقد يَجِبُ وقد يجوز، فلا بُدَّ من بيان هذه الأصناف من الناس. الصنف الأول: المحرَّم عليهم الاستفتاء ١٧٨- من توافرت فيه أهليه الاجتهاد وشروطه على النحو المذكور في كتب أصول الفقه صار مجتهدًا، والمجتهد يحرم عليه تقليد غيره؛ لأنَّ الواجب عليه -وقد صار مجتهدًا- أن يجتهد في المسألة حتى يعرف حكمها الشرعي على وجه اليقين أو غلبة الظن، وبالتالي يحرم عليه أن يستفتي أحدًا في بيان حكم هذه المسألة، والتحريم هنا يتعلق بالاستفتاء الذي يراد به تقليد المفتي بما يفتي به، أمَّا سؤال المجتهد غيره عن حكم مسألة على وجه المذاكرة وفحص المعلومات فهو جائز غير ممنوع، وإذا تبيِّن للمجتهد بعد هذه المذكراة أنَّ الصواب عند غيره وجب عليه اتباعه؛ لأنه صار من جملة ما عرفه باجتهاده.

стр. 138

١٧٩- وإذا قلنا بأنَّ الاجتهاد يتجزأ، وهذا ما نرجِّحه، بحيث يكون المسلم مجتهدًا في بعض المسائل دون بعض، فإنه فيما يقدر عليه من الاجتهاد ينزل منزلة المجتهد المطلق، فلا يجوز له سؤال غيره وتقليده فيما يفتيه به، أمَّا فيما يعجز عن الاجتهاد فيه فإنه ينزل منزلة غير المجتهد، فيجب عليه الاستفتاء أو يجوز كما سنبينه فيما بعد. الصنف الثاني: مَنْ يجب عليهم الاستفتاء ١٨٠- يجب الاستفتاء على كلِّ من لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد ووجب عليه معرفة الحكم الشرعي، فشروط وجوب الاستفتاء شرطان: الشرط الأول: أن يكون غير مجتهد، سواء كان بسبب ذلك عجزه عن الاجتهاد لعدم استعداده له وعدم قدرته عليه، أو لعدم الملكة الفقهية فيه، أو لعدم تفرغه لطلب العلم حتى يصل إلى مرتبة الاجتهاد، أو لأي سبب آخر. الشرط الثاني: وجوب معرفة الحكم الشرعي، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص، فمَن بلغ عاقلًا لزمه أن يعرف أحكام الصلاة وكيفية أدائها وشروطها. وإذا دخل عليه رمضان وجب عليه أن يعرف أحكام الصيام، وإذا صار عنده مال وبلغ النصاب وجب عليه أن يعرف أحكام الزكاة، وإذا استطاع الحج وجب عليه أن يعرف أحكام الحج، ومن نزلت به نازلة وجب عليه أن يعرف حكمها، ومن باشر التجارة والبيع والشراء وجب عليه أن يعرف أحكام هذه المعاملات، وهكذا. والأصل الجامع في هذا الشرط هو: كل من لزمته معرفة حكم شرعي معين وجب عليه أن يسأل أهل العلم عنه من يعرفه، أمَّا ما زاد على ذلك من معرفة تفاصيل الشرع فهو من الأمور المندوبة في حق الفرد، وإن كان من الفروض الكفائية في حق الأمة؛ إذ لا بُدَّ أن يوجد في الأمة من يعرف تفاصيل الشرع مع بلوغه رتبة الاجتهاد ليفتي الناس فيما يحتاجون إليه من أمور الدين. ١٨١- والخلاصة: فإنَّ العامي يجب عليه استفتاء العلماء فيما يلزمه من تكاليف الشرع؛ ليعرف كيف يؤدي هذه التكاليف على الوجه المشروع.

стр. 139

الصنف الثالث: من يجوز لهم الاستفتاء ١٨٢- ويجوز الاستفتاء لغير المجتهد فيما لا تلزمه معرفته من أحكام الشرع، كالعامي الذي لا يجب عليه الحج، فلا يلزمه أن يعرف أحكامه، وبالتالي لا يجب عليه أن يسأل عن هذه الأحكام وإن كان يجوز له أن يسأله عنها؛ لأنَّ معرفة أحكام الشرع والاستزادة من هذه المعرفة من الأمور المندوبة في حق كل مسلم، وحيث كان الأمر مندوبًا فجوازه أولى. ١٨٣- ولكن هل يجوز الاستفتاء لغير المجتهد فيما لا يلزمه معرفته فيما لم يقع عليه من الحوادث والنوازل؟ للعلماء قولان: القول الأول: كراهة ذلك، وهذا هو المنقول عن الإمام مالك، فقد كان -رحمه الله تعالى- يكره السؤال عن حكم ما لم يقع، ولهذا كان بعض تلامذته إذا أراد معرفة حكم مسألة لم تقع دفع إلى الإمام مالك من يسأله عنها كأنَّها مسألة واقعة، وتعليل هذه الكراهة عند بعض العلماء هو أنَّ الإفتاء في أمور الدين شيء خطير ومسئولية كبيرة؛ لأنَّ الإفتاء في أمور الدين في حقيقته إخبار عن الشرع وحكمه، وهذا لا يسوغ إلّا بعد بذل الجهد المستطاع، فإذا قصر المجتهد في ذلك تعرَّض للمسئولية، وما دامت الواقعة لم تقع فلا حاجة ولا ضرورة للتعرُّض للإفتاء وما ينطوي عليه من مسئولية، بل إنَّ السلامة والاحتياط في الدين يوجبان الإعراض عن مثل هذا الإفتاء، كما أنَّ اجتهاد المجتهد قد يتغير، فلا حاجة للتسرع في الإفتاء والحادثة التي لم تقع بعد، فقد يتغير اجتهاد المجتهد ثم تقع الحادثة ولا يستطيع المجتهد إخبار المستفتي عن اجتهاده الجديد، ولهذا كله فيحسن بالمفتي أن يعرض عن الإفتاء عمَّا لم يقع بعد، كما يحسن بالعاميّ أن يستفتي عمَّا يحتاجه وعمَّا يقع له فعلًا، ويدع ما سوى ذلك مِمَّا لم يقع بعد. ١٨٤- القول الثاني: عدم كراهيته السؤال عمَّا لم يقع بعد إذا كان غرض السائل معرفة الحكم مسبقًا لاحتمال وقوعها، وهذا ما نرجِّحه؛ إذ لا ضرر فيه، بل فيه احتياط لما يحتمل وقوعه؛ إذ قد تقع الحادثة ولا يتيسَّر لصاحبها الوصول إلى من يستفتيه فيها، فإذا حرص على معرفة حكمها قبل وقوعها كان حرصه في محله، وعلى المفتي أن يجيبه؛ لأنَّ كليهما محسن غير مسيء، السائل في حرصه على معرفة الحكم،

стр. 140

والمفتي في تعريفه بما حرص المستفتي على معرفته، وبناءً على هذا القول وجدنا بعض العلماء من يتصوَّر المسائل ويفترض الوقائع ويجيب عليها، ويدوّن ذلك حتى يقف عليها من يريد معرفة هذه الأحكام. على المستفتي أن يسأل الصالح للإفتاء: ١٨٥- وحيث وجب على المسلم أو جاز له الاستفتاء، فعليه أن يستفتي من توافرت فيه الصلاحية للإفتاء؛ لأنَّ استفتاءه يتعلق بالدين، فعليه أن يحتاط لدينه فيسأل من هو أهْلٌ للافتاء، ولكن كيف يعرف العامي الصالح الكفء ليسأله؟ قالوا: يعرف ذلك بالسؤال عنه، أو إخبار الثقة له عنه، أو باشتهار أمره بين الناس، وهذا هو المقدور للعامي. ١٨٦- فإذا لم يجد العامي في بلده من يستفتيه فعليه أن يرحل إلى حيث يجد من يفتيه، فقد كان السلف الصالح إذا احتاج أحدهم إلى معرفة مسألة شرعية ولم يجد من يخبره بحكمها رحل إلى حيث يجد العالم الكفء الذي يخبره بذلك. استفتاء الأصلح: ١٨٧- وإذا وجب على المستفتي أن يستفتي الصالح للإفتاء، فهل يجب عليه أن يجب عليه أن يتحرَّى عن الأصلح إذا كثر المفتون في بلده؟ قولان للعلماء في هذه المسألة: القول الأول: لا يجب عليه التحري عن الأصلح، فله أن يسأل من شاء من أهل الإفتاء ما داموا صالحين له؛ لأن العاميِّ لا قدرة له على معرفة الأصلح، ولا على وزن الرجال وتقدير منازلهم ومراتبهم في العلم، فتكليفه بذلك ضرب من التكليف بِما لا يطاق. القول الثاني: يجب عليه التحري عن الأصلح واستفتاؤه دون غيره، وليس في ذلك تكليف له بما لا يطاق؛ إذ يستطيع أن يعرف الأصلح بالسؤال عنه أو بأخبار الثقة له عنه، أو باشتهار أمره وبروزه بين أقرانه، وهذا القدر كما يرى ممكن له ويؤدي إلى معرفة الأصلح غالبًا، وهذا هو المقدرو له والمطالب به، وإذا لم يصل إلى الأصلح مع ذلك كله، فلا لوم عليه ولا تثريب.

стр. 141

١٨٨- والراجح عندي القول الأول؛ لأنَّ السلف الصالح من الصحابة والتابعين ما كانوا يوجبون على المستفتي استفتاء الأصلح أو البحث عنه، فدلَّ ذلك على جواز استفتاء الفاضل وترك الأفضل، ومع هذا يستحب للعاميّ التحري عن الأصلح واستفتائه كلما كان ذلك ميسورًا له. من هو الأصلح: ١٨٩- وإذا قلنا بوجوب التحري عن الأصلح، على القول الأول للعلماء، أو عن استحباب ذلك له على ما ذكرناه في ترجيحنا، فمن هو الأصلح للإفتاء؟ المستفاد من أقوال العلماء أنَّ الأصلح هو الأعلم الأورع، ولكن إذا وَجد المستفتي المفتي الأعلم، ووجد المفتي الأورع، فأيهما يسأل؟ قولان للعلماء: القول الأول: يسأل الأعلم؛ لأنه هو الأصلح، فيتعين عليه استفتاؤه؛ لأن مدار الإفتاء على العلم، وما دام هو الأعلم فهو الأولى بالإفتاء، والأصلح له من غيره. القول الثاني: الأصلح هو الأورع، فعليه أن يستفيته دون غيره. واستدلَّ أصحاب هذا القول بقوله ﷻ : ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ، وبما روي عن السلف الصالح "إنَّ هذا العلم دين فانظروا عمَّن تأخذونه". ١٩٠- والراجح عندي أنَّ استفتاء الأورع أولى؛ لأنَّ ما عنده من العلم يكفي للإفتاء؛ ولأنَّ ورعه يحجزه عن التهجم على الفتوى والتساهل فيها، ويبعده عن مزالق الهوى الخفي، كما أنَّ ورعه يدفعه إلى البحث الشديد لمعرفة الحكم الصحيح، وبهذا البحث الشديد وخلوص النية تكون إصابته في الفتوى محتملة جدًّا، بل ويمكن القول أنَّ الأورع هو الأصلح للإفتاء في زماننا هذا، فيتعيِّن استفتاؤه دون غيره ما أمكن ذلك؛ لقلة الورع عند العامَّة وأكثر العلماء، فمن الاحتياط المطلوب في الدين أن يسأل المستفتي المفتي الأورع ما دام عنده من العلم ما يكفي للإفتاء، ويدع الأعلم الذي لا ورع عنده أو عنده من الورع ما لا يكفي لمنصب الإفتاء. استفتاء المستفتي لأكثر من واحد: ١٩١- وإذا لم تطمئنّ نفس المستفتي إلى جواب المفتي، فماذا يعمل؟ قالوا: له أن يسأل غيره، ولكن إذا اختلفت عليه الفتوى فماذا يعمل؟ أقول في المسألة:

стр. 142

القول الأول: يأخذ المستفتي بقول من يفتيه بالحظر دون الإباحة أحوط. القول الثاني: يأخذ بالقول الأخفِّ؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، وقوله ﷺ : "إن الله يحب أن تؤخذ رخصه كما يحب أن تؤخذ عزائمه". القول الثالث: على المستفتي أن يتحرَّى عن الأعلم الأورع ويسأله إن لم يكن قد سأله، ويأخذ بفتياه، فإن لم يجد مثل هذا المفتي ووجد الأعلم فقط، والأورع فقط، استفتى الأورع وأخذ بقوله، وقال بعضهم: يستفتي الأعلى ويأخذ بقوله. القول الرابع: يأخذ بقول من وافق قوله قول الآخرين للتعاضد، كتعدد الأدلة، ولزياد غلبة الظن بأنَّ هذا القول هو الراجح. القول الخامس: يتخيِّر فيأخذ بأيّ قول شاء؛ لأن الجميع أهل للإفتاء. ١٩٢- والراجح عندي التفصيل في المسألة بأن ينظر: إذا كان المستفتي قد استفتى الأعمّ الأورع فعليه أن يأخذ بقوله، ولا عبرة بعدم اطمئنانه وسكون نفسه، وليس له أن يسأل غيره، وإذا لم يكن المستفتي قد استفتى الأعلم الأورع فعليه أن يتحرَّى عنه فيسأله ويأخذ بقوله، فإن لم يجده ولكن وجد الأورع أخذ بقوله، وإذا كان الجميع متساوين بالعلم والورع كما يبدو للمستفتي، ولم تسكن نفسه إلى قول من استفتاه، فله أن يستفتي الآخرين، فإن اتفقوا فيها أخذ بفتياهم، وإن اختلفوا أخذ بما تطمئنّ إليه نفسه من أقوالهم دون تقيد بكثرة المتفقين أو قلتهم؛ لأنَّ الكثرة بذاتها ليست من المرجّحات في باب الفتاوى، وإنما الترجيح بالدليل، فإن لم يكن هناك دليل صريح يصلح باطمئنان كان الترجيح لقول الأعلم الأورع، ثم لقول الأورع، فإن انعدم هذا كان الترجيح باطمئنان النفس وسكونها عملًا بالحديث الشريف: "استفت نفسك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك"، وقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". إعادة الاستفتاء: ١٩٣- وإذا استفتى العامي عن حادثة، فهل عليه أن يعيد استفتاءه إذا نزلت به مرة أخرى، أم يعمل بالفتوى الأولى؟ قولان للعلماء، منهم من قال بوجوب إعادة الاستفتاء؛ لاحتمال تغيّر اجتهاد المفتي، ومنهم من قال بعدم وجوب إعادة الاستفتاء

стр. 143

لأنَّ المستفتي قد عرف حكم الحادثة باستفتائه الأول، فلا حاجة إلى اعادته. ١٩٤- والذي أميل إلى ترجيحه هو التفصيل، فإن كان الذي أفتاه أولًا هو الأعلم الأورع فلا حاجة في هذه الحالة إلى إعادة الاستفتاء إن لم يكن كذلك، ثم نزلت به الحادثة مرة أخرى، ووجد الأعلم فعليه أن يستفتيه؛ لأن اجتهاده مظنَّة الصواب أكثر من غيره، وقد وجده فعليه أن يسأله، أمَّا إذا لم يجد الأعلم الأورع فالأَوْلَى له أن يعيد استفتاءه إذا أمكنه ذلك؛ لأن اجتهاد المجتهد قد يتغيّر لظهور ما لم يكن ظاهرً له من الأدلة، فإذا جاءت الفتوى الثانية كالأولى عمل بها، وإن اختلف عليه الجواب كرَّر الاستفتاء وأخذ بما تسكن إليه نفسه على النحو الذي فصلناه من قبل. كيفية الاستفتاء أو صيغته: ١٩٥- والمستفتي حين يسأل عن حكم مسألة أو واقعة إنَّما يسأل عن حكم الشرع فيها، وبناء على ذلك ينبغي أن تكون صيغة الاستفتاء على النحو الآتي: "ما حكم الشرع الإسلامي في هذه المسألة"، أو يقول: "ما حكم الله في هذه المسألة"، أو نحو ذلك من الصيغ الدالة على هذا المعنى. الاستفتاء بموجب مذهب معين: ١٩٦- وقد أثار كثير من العلماء السؤال التالي: هل يجب على المستفتي أن يكون استفتاؤه بموجب مذهب معين؟ أم يجوز له الاستفتاء وفق أيّ مذهب شاء؟ وقد أجابوا على هذا السؤال بأن الجواب مبنيّ على مسألة أخرى، هي: هل يجب على العاميّ أن يتقيِّد بمذهب معين بعزائمه ورخصه، ويستغني بموجبه أم لا يجب عليه ذلك؟ وإذا انتسب إلى مذهب معيِّن والتزم به واستفتى بموجبه، فيما قيمة انتسابه والتزامه هذا في كيفية استفتائه؟ ١٩٧- وقد تعرَّض الأمام أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي لهذا السؤال وما ابنتي عليه، فقال ما خلاصته: إنَّ العامي إمَّا أن يكون منتسبًا إلى مذهب معين وإمَّا أن لا يكون، ولكل حالة حكمها على النحو التالي: الحالة الأولى: أن يكون منتسبًا إلى مذهب معين: وفي هذه الحالة قولان للعماء:

стр. 144

القول الأول: إن انتسابه لمذهب معين لا يجعله ملتزمًا به؛ لأن المذاهب إنما تكون لمن يعرف الأدلة، والعامي لا معرفة له بها، وعلى هذا له أن يستفتي من شاء من المفتين وعلى أي مذهب يفتيه المفتي. القول الثاني: إنَّ انتساب العامي إلى مذهب معين هو انتساب معتبر في حقه ملزم له؛ لأنه اعتقد أن المذهب الذي انتسب إليه هو الحق، فعليه الوفاء بما اعتقده والتزم به. ورتبوا على ذلك أنَّ عليه أن يستفتي من يفتيه بموجب مذهبه. الحالة الثانية: عدم انتساب العاميّ إلى مذهب معين، وفي هذه الحالة قولان عند العلماء: القول الأول: لا يلزمه أن يتمذهب بمذهب معين، وبالتالي لا يلزمه أن يستفتي بموجب مذهب معين، بل له أن يستفتي أي عالم، ويأخذ بفتواه على أي مذهب جاءت فتوه. ودليل هذا القول أن السلف الصالح لم يلزموا العامي بتقليد علم معين ولزوم استفتائه دون غيره، بل كانوا يبيحون له استفتاء أي عالم شاء. القول الثاني: يلزمه أن يتمذب بمذهب معين فيأخذ بعزائمه ورخصه ويستفتي بموجبه، واحتجَّ أصحاب هذا القول بأنه لو جاز للعامي اتباع أيّ مذهب شاء لأدَّى ذلك إلى التقاط رخص المذاهب اتباعًا لهواه، وهذا مسلك من شأنه أن يؤدي إلى الانحلال عن التكاليف الشرعية والتلاعب بالأحكام، ولا خلاص من هذه الفوضى إلّا بإلزام العامي بالانتساب إلى مذهب معين والاستفتاء بموجبه فقط، وقالوا عن حجة أصحاب القول الأول بأنَّ المذاهب لم تكن قد مهدت وحررت وعرفت في عهد السلف الصالح، ومن ثَمَّ أباحوا عدم التقيد بمذهب معين، ثم خلص أصحاب هذا القول إلى ضرورة الانتساب إلى مذهب معين يختاره بعد التحري والسؤال عن المذهب الأصلح، ويمكن أن يعرف ذلك بالسؤال كما قلنا، وبالشهرة وشيوع المذهب، ونحو ذلك، فإذا ما انتسب إلى مذهب معين كان عليه أن يستفتي بموجبه، ولا يستفتي وفق غيره. القول الراجح في المسألة: ١٩٨- والراجح في المسألة التفصيل بعد ذكر بعض المقدمات على النحو التالي:

стр. 145

أ- إن الواجب على كل مسلم أن يعرف حكم الله فيما يلزمه من أمور، كما ورد في الكتاب والسنة وبالاستباط الصحيح منهما، أو من المصادر التي أشارت إليها نصوص الكتاب والسنة. ب- والأصل أن المسلم -ما دام قادرًا على الاجتهاد- أن يعرف حكم الله تعالى عن طريق البحث والنظر في معاني القرآن والسنة، وفيما دلت عليه نصوصهما من أدلة الاستنباط، وبهذا تكون معرفته للأحكام مبنية على الدليل والبرهان، وهي المعرفة التي أمر بها الشرع الشريف. ج- وللمسلم القادر على البحث والاجتهاد أن يأخذ بمناهج المجتهدين في البحث والاستنباط ما دامت تلك المناهج سائغة وجائزة الاتباع بموجب الدليل والبرهان، وإن تفاضلت فيما بينها بالجودة والقرب من الصواب وبالأولوية بالاتباع. د- وإذا كان المسلم عاجزًا عمَّا تقدم، فعليه أن يستعين بأهل العلم ليدلوه على أحكام الشرع ويقلّدهم بما يقولون، باعتبار أنَّ ما يخبرونه به هو حكم الشرع، والله تعالى أمر من لا يعلم أن يسأل من يعلم، وفائدة السؤال هو الأخذ بجواب أهل العلم والعمل به، وإلّا لم يكن للسؤال فائدة ولا معنى، وهذا ما ينزّه عنه الشارع الحكيم. هـ- وللمسلم العاجز عن الاجتهاد أن يستعين بكتب العلماء الموثوقة والمشهود لأصحابها بالإمامة بالدين، مثل أصحاب المذاهب المعروفة، فيتفقه بها ويتخرَّج عليها، ويأخذ بما فيها باعتبار أنَّ ما فيها هي أحكام الشرع التي وصل إليها أصحابها، وهم علماء فقهاء أهل لمعرفة أحكام الشرع. و وإذا تفَقَّه المسلم بفقه هذه المذاهب وانتسب إلى أحدها، فقيل عنه: إنه شافعي أو حنفي، فإن هذا الانتساب يعني: تفقه بفقه هذا المذهب، واتخاذه دليلًا وهاديًا له إلى أحكام الشرع، فالمذهب بحقه كاشف له عن أحكام الشرع، وليس مصادمًا للشرع، وعلى هذا الأساس انتسب إليه. ز- وعلى هذا، فإذا تبيِّن لهذا المنتسب أنَّ مذهبه لم يوفق في الدلالة إلى الصواب في مسألة معينة، وأن الصواب فيها عند غير هذا المذهب، وبالتالي اتبع غير مذهبه في هذه المسألة، فهو في هذا المسلك محسن غير مسيء، ولهذا نقل عن أصحاب المذاهب أن
следующие страницы →