Полный текст (507 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
١٨٨- والراجح عندي القول الأول؛ لأنَّ السلف الصالح من الصحابة والتابعين ما كانوا يوجبون على المستفتي استفتاء الأصلح أو البحث عنه، فدلَّ ذلك على جواز استفتاء الفاضل وترك الأفضل، ومع هذا يستحب للعاميّ التحري عن الأصلح واستفتائه كلما كان ذلك ميسورًا له.
من هو الأصلح:
١٨٩- وإذا قلنا بوجوب التحري عن الأصلح، على القول الأول للعلماء، أو عن استحباب ذلك له على ما ذكرناه في ترجيحنا، فمن هو الأصلح للإفتاء؟ المستفاد من أقوال العلماء أنَّ الأصلح هو الأعلم الأورع، ولكن إذا وَجد المستفتي المفتي الأعلم، ووجد المفتي الأورع، فأيهما يسأل؟ قولان للعلماء:
القول الأول: يسأل الأعلم؛ لأنه هو الأصلح، فيتعين عليه استفتاؤه؛ لأن مدار الإفتاء على العلم، وما دام هو الأعلم فهو الأولى بالإفتاء، والأصلح له من غيره.
القول الثاني: الأصلح هو الأورع، فعليه أن يستفيته دون غيره. واستدلَّ أصحاب هذا القول بقوله ﷻ : ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ، وبما روي عن السلف الصالح "إنَّ هذا العلم دين فانظروا عمَّن تأخذونه".
١٩٠- والراجح عندي أنَّ استفتاء الأورع أولى؛ لأنَّ ما عنده من العلم يكفي للإفتاء؛ ولأنَّ ورعه يحجزه عن التهجم على الفتوى والتساهل فيها، ويبعده عن مزالق الهوى الخفي، كما أنَّ ورعه يدفعه إلى البحث الشديد لمعرفة الحكم الصحيح، وبهذا البحث الشديد وخلوص النية تكون إصابته في الفتوى محتملة جدًّا، بل ويمكن القول أنَّ الأورع هو الأصلح للإفتاء في زماننا هذا، فيتعيِّن استفتاؤه دون غيره ما أمكن ذلك؛ لقلة الورع عند العامَّة وأكثر العلماء، فمن الاحتياط المطلوب في الدين أن يسأل المستفتي المفتي الأورع ما دام عنده من العلم ما يكفي للإفتاء، ويدع الأعلم الذي لا ورع عنده أو عنده من الورع ما لا يكفي لمنصب الإفتاء.
استفتاء المستفتي لأكثر من واحد:
١٩١- وإذا لم تطمئنّ نفس المستفتي إلى جواب المفتي، فماذا يعمل؟ قالوا: له أن يسأل غيره، ولكن إذا اختلفت عليه الفتوى فماذا يعمل؟ أقول في المسألة:
стр. 142
القول الأول: يأخذ المستفتي بقول من يفتيه بالحظر دون الإباحة أحوط.
القول الثاني: يأخذ بالقول الأخفِّ؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، وقوله ﷺ : "إن الله يحب أن تؤخذ رخصه كما يحب أن تؤخذ عزائمه".
القول الثالث: على المستفتي أن يتحرَّى عن الأعلم الأورع ويسأله إن لم يكن قد سأله، ويأخذ بفتياه، فإن لم يجد مثل هذا المفتي ووجد الأعلم فقط، والأورع فقط، استفتى الأورع وأخذ بقوله، وقال بعضهم: يستفتي الأعلى ويأخذ بقوله.
القول الرابع: يأخذ بقول من وافق قوله قول الآخرين للتعاضد، كتعدد الأدلة، ولزياد غلبة الظن بأنَّ هذا القول هو الراجح.
القول الخامس: يتخيِّر فيأخذ بأيّ قول شاء؛ لأن الجميع أهل للإفتاء.
١٩٢- والراجح عندي التفصيل في المسألة بأن ينظر: إذا كان المستفتي قد استفتى الأعمّ الأورع فعليه أن يأخذ بقوله، ولا عبرة بعدم اطمئنانه وسكون نفسه، وليس له أن يسأل غيره، وإذا لم يكن المستفتي قد استفتى الأعلم الأورع فعليه أن يتحرَّى عنه فيسأله ويأخذ بقوله، فإن لم يجده ولكن وجد الأورع أخذ بقوله، وإذا كان الجميع متساوين بالعلم والورع كما يبدو للمستفتي، ولم تسكن نفسه إلى قول من استفتاه، فله أن يستفتي الآخرين، فإن اتفقوا فيها أخذ بفتياهم، وإن اختلفوا أخذ بما تطمئنّ إليه نفسه من أقوالهم دون تقيد بكثرة المتفقين أو قلتهم؛ لأنَّ الكثرة بذاتها ليست من المرجّحات في باب الفتاوى، وإنما الترجيح بالدليل، فإن لم يكن هناك دليل صريح يصلح باطمئنان كان الترجيح لقول الأعلم الأورع، ثم لقول الأورع، فإن انعدم هذا كان الترجيح باطمئنان النفس وسكونها عملًا بالحديث الشريف: "استفت نفسك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك"، وقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
إعادة الاستفتاء:
١٩٣- وإذا استفتى العامي عن حادثة، فهل عليه أن يعيد استفتاءه إذا نزلت به مرة أخرى، أم يعمل بالفتوى الأولى؟ قولان للعلماء، منهم من قال بوجوب إعادة الاستفتاء؛ لاحتمال تغيّر اجتهاد المفتي، ومنهم من قال بعدم وجوب إعادة الاستفتاء
стр. 143
لأنَّ المستفتي قد عرف حكم الحادثة باستفتائه الأول، فلا حاجة إلى اعادته.
١٩٤- والذي أميل إلى ترجيحه هو التفصيل، فإن كان الذي أفتاه أولًا هو الأعلم الأورع فلا حاجة في هذه الحالة إلى إعادة الاستفتاء إن لم يكن كذلك، ثم نزلت به الحادثة مرة أخرى، ووجد الأعلم فعليه أن يستفتيه؛ لأن اجتهاده مظنَّة الصواب أكثر من غيره، وقد وجده فعليه أن يسأله، أمَّا إذا لم يجد الأعلم الأورع فالأَوْلَى له أن يعيد استفتاءه إذا أمكنه ذلك؛ لأن اجتهاد المجتهد قد يتغيّر لظهور ما لم يكن ظاهرً له من الأدلة، فإذا جاءت الفتوى الثانية كالأولى عمل بها، وإن اختلف عليه الجواب كرَّر الاستفتاء وأخذ بما تسكن إليه نفسه على النحو الذي فصلناه من قبل.
كيفية الاستفتاء أو صيغته:
١٩٥- والمستفتي حين يسأل عن حكم مسألة أو واقعة إنَّما يسأل عن حكم الشرع فيها، وبناء على ذلك ينبغي أن تكون صيغة الاستفتاء على النحو الآتي: "ما حكم الشرع الإسلامي في هذه المسألة"، أو يقول: "ما حكم الله في هذه المسألة"، أو نحو ذلك من الصيغ الدالة على هذا المعنى.
الاستفتاء بموجب مذهب معين:
١٩٦- وقد أثار كثير من العلماء السؤال التالي: هل يجب على المستفتي أن يكون استفتاؤه بموجب مذهب معين؟ أم يجوز له الاستفتاء وفق أيّ مذهب شاء؟ وقد أجابوا على هذا السؤال بأن الجواب مبنيّ على مسألة أخرى، هي: هل يجب على العاميّ أن يتقيِّد بمذهب معين بعزائمه ورخصه، ويستغني بموجبه أم لا يجب عليه ذلك؟ وإذا انتسب إلى مذهب معيِّن والتزم به واستفتى بموجبه، فيما قيمة انتسابه والتزامه هذا في كيفية استفتائه؟
١٩٧- وقد تعرَّض الأمام أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي لهذا السؤال وما ابنتي عليه، فقال ما خلاصته: إنَّ العامي إمَّا أن يكون منتسبًا إلى مذهب معين وإمَّا أن لا يكون، ولكل حالة حكمها على النحو التالي:
الحالة الأولى: أن يكون منتسبًا إلى مذهب معين: وفي هذه الحالة قولان للعماء:
стр. 144
القول الأول: إن انتسابه لمذهب معين لا يجعله ملتزمًا به؛ لأن المذاهب إنما تكون لمن يعرف الأدلة، والعامي لا معرفة له بها، وعلى هذا له أن يستفتي من شاء من المفتين وعلى أي مذهب يفتيه المفتي.
القول الثاني: إنَّ انتساب العامي إلى مذهب معين هو انتساب معتبر في حقه ملزم له؛ لأنه اعتقد أن المذهب الذي انتسب إليه هو الحق، فعليه الوفاء بما اعتقده والتزم به.
ورتبوا على ذلك أنَّ عليه أن يستفتي من يفتيه بموجب مذهبه.
الحالة الثانية: عدم انتساب العاميّ إلى مذهب معين، وفي هذه الحالة قولان عند العلماء:
القول الأول: لا يلزمه أن يتمذهب بمذهب معين، وبالتالي لا يلزمه أن يستفتي بموجب مذهب معين، بل له أن يستفتي أي عالم، ويأخذ بفتواه على أي مذهب جاءت فتوه. ودليل هذا القول أن السلف الصالح لم يلزموا العامي بتقليد علم معين ولزوم استفتائه دون غيره، بل كانوا يبيحون له استفتاء أي عالم شاء.
القول الثاني: يلزمه أن يتمذب بمذهب معين فيأخذ بعزائمه ورخصه ويستفتي بموجبه، واحتجَّ أصحاب هذا القول بأنه لو جاز للعامي اتباع أيّ مذهب شاء لأدَّى ذلك إلى التقاط رخص المذاهب اتباعًا لهواه، وهذا مسلك من شأنه أن يؤدي إلى الانحلال عن التكاليف الشرعية والتلاعب بالأحكام، ولا خلاص من هذه الفوضى إلّا بإلزام العامي بالانتساب إلى مذهب معين والاستفتاء بموجبه فقط، وقالوا عن حجة أصحاب القول الأول بأنَّ المذاهب لم تكن قد مهدت وحررت وعرفت في عهد السلف الصالح، ومن ثَمَّ أباحوا عدم التقيد بمذهب معين، ثم خلص أصحاب هذا القول إلى ضرورة الانتساب إلى مذهب معين يختاره بعد التحري والسؤال عن المذهب الأصلح، ويمكن أن يعرف ذلك بالسؤال كما قلنا، وبالشهرة وشيوع المذهب، ونحو ذلك، فإذا ما انتسب إلى مذهب معين كان عليه أن يستفتي بموجبه، ولا يستفتي وفق غيره.
القول الراجح في المسألة:
١٩٨- والراجح في المسألة التفصيل بعد ذكر بعض المقدمات على النحو التالي:
стр. 145
أ- إن الواجب على كل مسلم أن يعرف حكم الله فيما يلزمه من أمور، كما ورد في الكتاب والسنة وبالاستباط الصحيح منهما، أو من المصادر التي أشارت إليها نصوص الكتاب والسنة.
ب- والأصل أن المسلم -ما دام قادرًا على الاجتهاد- أن يعرف حكم الله تعالى عن طريق البحث والنظر في معاني القرآن والسنة، وفيما دلت عليه نصوصهما من أدلة الاستنباط، وبهذا تكون معرفته للأحكام مبنية على الدليل والبرهان، وهي المعرفة التي أمر بها الشرع الشريف.
ج- وللمسلم القادر على البحث والاجتهاد أن يأخذ بمناهج المجتهدين في البحث والاستنباط ما دامت تلك المناهج سائغة وجائزة الاتباع بموجب الدليل والبرهان، وإن تفاضلت فيما بينها بالجودة والقرب من الصواب وبالأولوية بالاتباع.
د- وإذا كان المسلم عاجزًا عمَّا تقدم، فعليه أن يستعين بأهل العلم ليدلوه على أحكام الشرع ويقلّدهم بما يقولون، باعتبار أنَّ ما يخبرونه به هو حكم الشرع، والله تعالى أمر من لا يعلم أن يسأل من يعلم، وفائدة السؤال هو الأخذ بجواب أهل العلم والعمل به، وإلّا لم يكن للسؤال فائدة ولا معنى، وهذا ما ينزّه عنه الشارع الحكيم.
هـ- وللمسلم العاجز عن الاجتهاد أن يستعين بكتب العلماء الموثوقة والمشهود لأصحابها بالإمامة بالدين، مثل أصحاب المذاهب المعروفة، فيتفقه بها ويتخرَّج عليها، ويأخذ بما فيها باعتبار أنَّ ما فيها هي أحكام الشرع التي وصل إليها أصحابها، وهم علماء فقهاء أهل لمعرفة أحكام الشرع.
و وإذا تفَقَّه المسلم بفقه هذه المذاهب وانتسب إلى أحدها، فقيل عنه: إنه شافعي أو حنفي، فإن هذا الانتساب يعني: تفقه بفقه هذا المذهب، واتخاذه دليلًا وهاديًا له إلى أحكام الشرع، فالمذهب بحقه كاشف له عن أحكام الشرع، وليس مصادمًا للشرع، وعلى هذا الأساس انتسب إليه.
ز- وعلى هذا، فإذا تبيِّن لهذا المنتسب أنَّ مذهبه لم يوفق في الدلالة إلى الصواب في مسألة معينة، وأن الصواب فيها عند غير هذا المذهب، وبالتالي اتبع غير مذهبه في هذه المسألة، فهو في هذا المسلك محسن غير مسيء، ولهذا نقل عن أصحاب المذاهب أن
стр. 146
كل واحد منهم قال: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط.
لأنَّ الحديث هو القول الحق، وفيه حكم الله فيلزم اتباعه، ويقاس على قولهم هذا كل قول صحيح ظهرت صحته بالدليل والبرهان، فيلزم اتباعه وهجر ما خالفه.
ح- وبناءً على ما تقدَّم يجوز للمسلم أن ينتسب إلى مذهب معين، فيدرسه ويتفقه به باعتباره مظنَّة الصواب، ويستفتي بموجبه، كما يجوز للعاميّ أن لا ينتسب إلى مذهب معين، وإنما يتعلم ما يلزمه من أحكام الشرع بسؤال أهل العلم عنها ابتداءً، أو عند نزول الحادثة به، ولهذا العامي غير المنتسب إلى مذهب معين أن يستفتي دون تقيد بأي مذهب، فإذا استفتى بمذهب معين فإن استفتاءه هذا يمكن توجيهه وتصحيحه باعتبار أنَّ هذا العامي اعتقد أنَّ هذا المذهب أولى من غيره بالاتباع، وكما يجوز لغير المنتسب لمذهب أن يستفتي دون تقيد بمذهب، فإن المنتسب هو الآخر له أن يستفتي دون تقيد بمذهب، وتوجيه ذلك أنه يريد معرفة حكم الشرع كما يدله عليه هذا المفتي الذي هو أعلم منه، ولذلك جاء يستفيته.
ط- والخلاصة: فإنه في جميع الأحوال يسع العامي الذي لم يصل إلى رتبة الاجتهاد أن يستفتي دون تقيّد بمذهب معين، وإنما يسأل عن حكم الشرع، سواء كان هذا العامي منتسبًا إلى مذهب معين أو غير منتسب، وسواء تفقَّه على مذهب معين أو لم يتفقه، فيقول للمفتي: ما حكم الشرع في كذا وكذا؟ وهذه صيغة صحيحة سليمة، أمَّا السؤال بمذهب معين فغايته أنه سائغ وجائز على التوجيه الذي بيناه.
مطالبة المستفتي بالدليل:
١٩٩- وهل للمستفتي أن يطالب مفتيه بدليل ما يفتيه به؟ قال بعضهم: ليس له ذلك، وإنما له أن يسأله عن الدليل في مجلس آخر، ولا نرى وجهًا لتعليق السؤال على مجلس آخر، والذي نرجِّحه أنَّ للعامي أن يطلب من مفتيه الدليل؛ لأن ما يفتيه به دين يدين الله تعالى به ويعمل به، فمن حقه أن يستوثق من ذلك، وأقل درجات الاستتيثاق أن يطلب منه الدليل، فإذا قال له المفتي: الدليل هو الحديث الشريف الذي نصه كذا وكذا، أو معناه كذا وكذا، سكن المستفتي واطمأنَّ؛ لأن المفروض في المفتي أنه عرف صحة الحديث ومعناه فأفتى بموجبه، أمَّا إذا قال له: إن الدليل هو رأي أو محض اجتهادي، فللمستفتي في هذه الحالة أن يستفتي غيره إذا لم يطمئن إلى
стр. 147
جواب المفتي كما قلنا من قبل، كما أنَّ للمستفتي أن يقبل جواب المفتي ولا يسأل غيره، باعتبار أنَّ المفتي من أهل العلم والفتيا، وأن اجتهاده سائغ ومظنَّة الصواب، ومع هذا كله يسوغ للمستفتي أن لا يطالب مفتيه بالدليل اكتفاءً منه بظاهر حال المفتي، وأنه لا يفتي إلّا بعلم ودليل.
أدب المستفتي:
٢٠٠- قال العلماء: يجب على المستفتي أن يكون مؤدبًا في استفتائه، وعددوا بعض مظاهر أدبه معه.
والواقع أنَّ آداب الكلام في الإسلام، وآداب التلميذ نحو أستاذه، وآداب المسلم نحو أهل العلم، كلها لازمة في حق المستفتي، فهو مسلم فعليه أن يلتزم بآداب الإسلام في هذا المجال، وهو يسأل أهل العلم فعليه أن يلتزم بآداب الإسلام نحو العلماء، وعلى هذا يجب عليه أن يظهر تواضعه نحو المفتي واحترامه له، فلا يعلي صوته عليه، ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يكلمه بلهجة جافة قاسية، وأن يستأذنه بالسؤال والجلوس، ويتخير الوقت المناسب والمكان المناسب لسؤاله، فلا يستفتيه وهو مشغول بغيره، ولا أن يطرق عليه بابه في وقت القيلولة أو النوم ليلًا، إلى غير ذلك من مظاهر الاحترام والتوقير وآداب السؤال، ولا شكَّ أن هذه المظاهر والآداب تتأثَّر بالعرف والعادات، فيجب مراعاتها ما دامت هذه العادات والأعراف لا تصادم معاني الشريعة الإسلامية.
стр. 148
المطلب الثاني: المفتي
شروط المفتي:
٢٠١- المفتي من يقول بالإفتاء، والإفتاء إخبار عن حكم الله، فلا بُدَّ أن يكون أهلًا لذلك، وهذه الأهلية تكون بشروط، ومن هذه الشروط أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا فقيهًا مجتهدًا عدلًا، وليس من الشروط المطلوبة الذكورة ولا الحرية ولا النطق، فتصح فتوى المرأة والعبد والأخرس. وهذا الإجمال في الشروط لا يغني عن شيء من التفصيل في بعضها على الأقل.
الشرط الأول: الإسلام
٢٠٢- وهذا الشرط في الحقيقة مفهوم؛ لأنَّ المفتي يخبر عن حكم الله، ويبلغ شرع الله، ويطبق أحكامه على الوقائع والأحداث، فلا بُدَّ أن يكون مؤمنًا بالله وبرسوله محمد ﷺ ، وبشرع الله الذي بلَّغه رسوله الكريم ﷺ .
هذا، وإنَّ الإسلام وما به يصير الشخص مسلمًا، وما به يفقد المسلم إسلامه فيصير مرتدًا، كل ذلك مبين في كتب العقائد وليس هو موضوع بحثنا، ويكفينا هنا أن نقول: إنَّ العنوان الظاهر للمسلم أن يتلفَّظ بالشهادتين معتقدًا بهما، فيقول: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأن يظهر ما تقتضيه هذه الشهادة من أقوال وأفعال، فيؤدي العبادات الظاهرة كالصلاة والصيام، ويؤدي الزكاة إن كان ذا مال وبلغ النصاب، وأن يحج البيت إن استطاع إليه سبيلًا، وعليه أن ينطوي قلبه على الانقياد التامِّ والاستسلام لله رب العالمين، فلا يكون في قلبه معارضة ولا كراهية ولا مزاحمة لما جاء به الرسول ﷺ ، لا في خبر، ولا في أمر، ولا في نهي، وعلم المسلم أيضًا أن لا يأتي ما يناقض حقيقة الإسلام وما تلفظ به من الشهادتين، لا في الاعتقادات، ولا في الأقوال، ولا في الأفعال، وإلّا وقع في العصيان والابتداع، وقد يؤدي به ذلك إلى الارتداد عن الإسلام، فيصير مرتدًّا، والمرتد لا يصلح للإفتاء. أمَّا الابتداع والعصيان إذا لم يصلا إلى درجة الردة فإنهما قادحان في الأهلية للإفتاء، وقد يصلان إلى درجة سلب هذه الأهلية عن صاحبها.
الشرط الثاني: البلوغ والعقل
٢٠٣- لا بُدَّ أن يكون المفتي ذا عقل يعقل به أحكام الشرع ويفهمها ويعرفها، وأقلّ درجات العقل المعتبرة يكون بالبلوغ، ولهذا كان شرط التكليف أن يكون المسلم بالغًا عاقلًا، فلا يكفي البلوغ وحده مع عدم العقل، ولا يكفي العقل وحده بدون بلوغ؛ لأنَّ البلوغ مظنَّة نضج العقل، ولذلك علق به التكليف، والتكليف إنما يقوم على
стр. 149
القابلية على فهم الخطاب الشرعي وأحكام الشريعة، والإفتاء يحتاج إلى قدر أكبر من الفهم، فيسلتزم العقل من باب أَوْلَى، ولهذا ما علمنا أنَّ أحدًا أفتى أو تصدَّى للإفتاء وهو دون البلوغ، ولا ينتقض قولنا بصحة تحمّل الحديث الشريف قبل سن البلوغ، بل وصحة روايته أيضًا عند بعض العلماء؛ لأنَّ تحمل الحديث يقوم على القدرة على حفظ المسموع وضبطه، وروايته مبنية على القدرة على الأداء، كما سمع وحفظ، وهذه القدرة يتصوّّر وجودها فيمن هو دون سن البلوغ، أمَّا الإفتاء فيقوم على إدراك معاني الشريعة وفهم أحكامها، وهذا لا يتأتى عادة لمن هو دون سن البلوغ.
الشرط الثالث: العدالة
٢٠٤- ويشترط في المفتي أن يكون عدلًا، والعدالة هيئة يكون عليها المسلم، من مقتضياتها ولوازمها فعل المطلوب شرعًا وترك المنهيّ عنه شرعًا، وهجر ما يخرم المروءة ويوقع في التهم والشكوك، وأن تكون أخلاق صاحبها وسلوكه على النحو اللائق بعلماء الإسلام، ولا يعني ما قلنا اشتراط العصمة من الذنوب حتى تتحقق العدالة بعلماء الإسلام، وإنما المقصود أن تكون أحوال المسلم العدل ظاهرة الحسن والطاعة للشرع، فلا يفعل كبيرة إلّا على وجه الندرة أو الخطأ أو غلبة الطبع، ولا يصدر على صغيرة، فهو يجتهد ليكون سلوكه كله وفق مقتضيات العدالة، وإن انحرف عنها الغالبة فيه، ولا يصدر عنه ما يعتبر قادحًا في عدالته إلّا على وجه الندرة أو الغفلة مع الخلوص من الإصرار على المعصية.
هذا وإنَّ ما يناقض العدالة ليس على درجة واحدة من القبح وشدة المناقضة، ولهذا كان بعضها مسقطًا للعدالة دون بعض، فالمسقط منها مثل القول على الله ورسوله بغير علم، إما عن طريق الابتداع في الدين، أو بالتأويلات الفاسدة الظاهرة الفساد والبطلان، ومثل مجاراة الظَّلَمَة والإفتاء لهم بما يشتهون، وأخذ الرشوة ونحو ذلك، وغير المسقِط للعدالة مثل ارتكاب الصغيرة من المعاصي وعدم الإصرار عليها.
الشرط الرابع: الاجتهاد
٢٠٥- ويشترط في المفتي كما ذكر العلماء: أن يكون فقيهًا مجتهدًا، والمجتهد هو
стр. 150
من قامت فيه أهلية معرفة الأحكام الشرعية التفصيلية من أدلتها المعتبرة عن طريق البحث والاستنباط، مع إحاطته بالأمور الضرورية للاجتهاد، ولا يشترط لثبوت هذه الأهلية كثرة الاجتهاد واستخراج الأحكام، بل يكفي وجودها، ولا يشترط كثرة عملها وفعاليتها؛ لأن المنظور إليه وجود هذه الأهلية بوجود مقوماتها التي ذكرناها، وهي القدرة على البحث واستخراج الأحكام ومعرفتها عن طريق الاستدلال من مصادرها المعتبرة. إنَّ مثل صاحب هذه الأهلية مثل الشاعر الذي قامت فيه ملكة نظم الشعر وأهليته، فهو شاعر سواء أكثر من نظم الشعر أو لم يكثر.
أقسام المجتهدين:
٢٠٦- هذا وإنَّ العلماء وهم يتكلمون عن الاجتهاد كشرطٍ في المفتي، قسَّموا المجتهدين إلى أقسام، وبينوا من يصلح من هذه الأقسام للإفتاء، فقالوا: قد يكون المجتهد مجتهدًا مطلقًا، أو مجتهدًا في مذهب معين، أو مجتهدًا في نوعٍ من العلم، أو مجتهدًا في مسألة أو مسائل معينة، فلا بُدَّ من التعريف بهؤلاء، وبيان من يصلح منهم للإفتاء ومن لا يصلح.
أولًا: المجتهد المطلق
٢٠٧- وقالوا في تعريفه: إنَّه "من حفظ وفهم أكثر الفقه وأصوله وأدلته في مسائله إذا كانت له أهليِّة تامَّة يمكنه بها معرفة أحكام الشرع بالدليل وسائر الوقائع إذا شاء، فإن كثرت إصابته صلح -مع بقية الشروط- أن يفتي ويقضي، وإلّا فلا" وقالوا: إنَّ الاجتهاد المطلق لا بُدَّ لتحصيله من توافر المعرفة الجيدة بالكتاب والسنة، وما ورد فيهما مما يتعلق بالأحكام، وأن يعرف الأمر والنهي، والمجمل والمبيّن، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمستثنى والمستثنى منه، وتوافر المعرفة الجيدة بالسنة النبوية الشريفة؛ بحيث يستطيع المجتهد التمييز بين صحيح السنة وسقيمها، ومراتب ما روي منها، وطرق الاحتجاج بها، وغير ذلك مما هو ضروري ولازم لمعرفة الحكم الشرعي من القرآن الكريم والسنة المطهرة.
وقالوا أيضًا: لا بُدَّ للمجتهد المطلق أن يعرف ما أجمع عليه الفقهاء، وما اختلفوا فيه، وأن يعرف القياس وشروطه، وأن يكون على قدر كافٍ من المعرفة باللغة العربية وأساليبها ونحوها وصرفها.
стр. 151
ولا خلاف بين العلماء في أنَّ المجتهد المطلق أهل للإفتاء، وأنه يصلح أن يكون مفتيًا.
ثانيًا: المجتهد في مذهب معين
٢٠٨- ولهذا المجتهد أربعة أحوال، ولكلِّ حالة حكمها، كما قال العلماء:
الحالة الأولى: أن يتبع إمام مذهبه في مناهج البحث والاستدلال والاستنباط، ولكن لا يقلده فيما وصل إليه هذ الإمام باجتهاده من أحكام تفصيلية، ولمثل هذا المجتهد الحق في أن يكون مفتيًا. ومن هذا النوع الإمام أبو يوسف والإمام محمد صاحبا أبي حنيفة -رحمهم الله تعالى جميعًا، والقاضي أبو يعلى الحنبلي في المذهب الحنبلي، والمزني وابن سريج في المذهب الشافعي.
الحالة الثانية: أن يكون مجتهدًا في مذهب إمامه مستقلًّا بتقريره بالدليل، ولكن لا يخرج على أصول إمامه وقواعده مع قدرته على التخريج والاستنباط وإلحاق الفروع بالأصول التي قررها إمامه، ولصاحب هذه الحالة الأهلية لِأَنْ يكون مفتيًا، ويعتبر مستفتيه مقلدًا لإمامه وليس مقلدًا له؛ لعدم استقلال هذا المجتهد المفتي بتصحيح نسبة من يقوله إلى الشرع الشريف رأسًا بلا واسطة إمامه، ولكن قد يكون لهذا المجتهد نوع من الاستقلال بالفتوى، كما في إفتائه في مسألة لا يجد لها حكمًا منقولًا عن إمامه، فيفتي عن طرق التخريج على مذهب إمامه، والتفريع على أقواله في المسائل المشابهة لهذه المسألة التي يفتي فيها، ولكن هل ينسب ما يقوله هذا المجتهد في فتواه إلى إمامه، فيكون من مذهب هذا الإمام، أم أنه ينسب إلى المجتهد نفسه، ويعتبر من قوله واجتهاده؟ فيه خلاف، والظاهر أنَّه تصح النسب إلى الاثنين، ولكن باعتبارين، فينسب القول إلى إمام مذهبه باعتباره مخرجًا على أصول هذا الإمام، وعلى هذا يكون المستفتي مقلدًا لهذا الإمام، كما يمكن نسبة ما يقوله هذا المفتي إلى نفسه باعتبار أنه هو الذي قام بالإفتاء، وإن كان عن طريق التخريج على أصول إمامه، وعلى هذا يكون المستفتي مقلدًا لهذا المجتهد فيما يفتيه به غير مقلد لإمامه.
الحالة الثالثة: أن لا يصل المجتهد إلى مرتبة أصحاب الحالة الثانية، وإنما يقف عند رتبة أصحاب الوجوه والتخريج في المذهب، مع حفظه لفقه مذاهب إمامه ومعرفته
стр. 152
بأدلته وقدرته على تقرير أقواله ونصرتها والاستدلال لها، كما أنه قادر على الترجيح بين أقول إمامه المذكورة في المذهب.
ولصاحب هذه الحالة الحق في الإفتاء وأن يصير مفتيًا، وتكون فتواه مقبولة وإن لم تبلغ فتوى أصحاب الحالة الثانية.
الحالة الرابعة: أن يكون قادرًا على فهم فقه مذهبه مع حفظٍ لهذا الفقه أو لأكثره، ويفهم ضوابطه وتخريحات أصحابه، ويستطيع الرجوع إلى مصادر هذا المذهب.
ولصاحب هذه الحالة أن يفتي وأن يصير مفتيًا، ولكن في المسائل التي بَيِّنَ أحكامها أصحاب المذهب والمجتهدون فيه، وكذلك له الإفتاء فيما يندرج تحت ضابط مفهوم وواضح من ضوابط المذهب.
ثالثًا: المجتهد في نوعٍ من العلم
٢٠٩- وقد مثَّلوا لهذ النوع بقولهم: من عرف القياس وشروطه فله أن يفتي في مسائل القياس، وكذلك من عرف الفرائض والمواريث وأصولها وقواعدها أن يفتي فيها.
ويبدو لي أنَّ مثل هذا المجتهد لا يصلح أن يعيِّنَ مفتيًا؛ لأن المفتي لا يفتي فقط في هذا النوع من العلم الذي علمه، ولكن له أن يفتي فيما علمه دون أن يعيِّن مفتيًا.
رابعًا: المجتهد في مسألة أو مسائل معينة
٢١٠- وهو من كان مجتهدًا في مسألة معينة أو مسائل معينة من الفقه، فله أن يفتي فيها دون غيرها، ويبدو لي أنَّ مثل هذا لا يصلح أن يعيِّنَ مفتيًا، وإن جاز له الإفتاء في المسائل التي علمها واجتهد فيها.
الخلاصة والترجيح:
٢١١- والخلاصة: إنَّ مدار الأهلية للإفتاء هو العلم المقبول بما يفتي به، وهو المبني على المبحث ومعرفة الدليل والاجتهاد فيه، فكل من حصل على مثل هذا العلم في مسألة من المسائل كان له أن يفتي فيها، وهذا متوجّه على القول بتجزئ الاجتهاد، وهو من نرجّحه. كل من جهل حكم مسألة فليس له أن يفتي فيها وإن كانت عنده
стр. 153
أهلية الإفتاء من حيث الجهة، هذا من جهة الصلاحية للإفتاء في مسألة معينة، أمَّا من جهة صلاحية التعين في منصب الإفتاء، أي: في أن يعيِّنَ مفتيًا، فهذا المنصب يحتاج إلى أهلية الاجتهاد على النحو الذي ذكره العلماء، ولا تلازم بين الأهليتين بالنسبة للإفتاء في مسألة معينة، فقد يكون الشخص مجتهدًا الاجتهاد الذي يؤهله للتعيين في منصب المفتي، ويعيِّن فعلًا في هذا المنصب، ولكن لا يكون أهلًا للإفتاء في مسألة معينة لجهله بحكمها، أو لعدم وصوله إلى معرفة حكمها، وقد يكون الشخص أهلًا للإفتاء في مسألة معينة أو مسائل معينة، ولكن ليس أهلًا لأن يعيِّنَ مفتيًا للناس.
شروط أخرى:
٢١٢- وقد اشترط العلماء شروطًا أخرى في المفتي ليتمكَّن من أداء وظيفته على نحوٍ جيد وسليم، فقالوا: يشترط فيه أن يكون على قدر كافٍ من اليقظة وجودة الذهن والمعرفة بالناس ومكرهم وخداعهم، حتى لا يقع في هذا الخداع وذلك المكر، وأن يكون صلبًا في دينه لا تأخذه في الحق لومة لائم، وأن لا يتأثر بوعد أو وعيد، وأن يكون على قدرٍ كبير من الورع والزهد ومخافة الله تعالى.
ولا شكَّ أن هذه الشروط ضرورية للمفتي، ولا يسد مسدها أو يقوم مقامها مجرَّد علمه وعدالته الظاهرة، ولكن هذه الصفات لا يمكن معرفتها على وجه جيد إلّا بالعمل وممارسة الإفتاء فعلًا، ولهذا يصعب جدًّا معرفتها ابتداءً إذا أريد تعيين شخص ما في منصب الإفتاء، وعلى هذا يجب على ولي الأمر عند إرادته اختيار شخص ليعينه مفتيًا أن يتحرَّى عن سلوكه وأحواله، والسؤال عنه مِمَّن يعرفه، ويثق بأخباره قبل الإقدام على تعيينه.
وجوب وجود المفتي:
٢١٣- وجود المفتي الكفء المستجمِع لشروط الإفتاء من فروض الكفاية، فيجب أن يوجد في كل قرية أو بلدة مفتٍ يقوم بإفتاء الناس فيما يسألون عنه من أمور الدين، أو يعلمهم بها ابتداءً دون أن يسألوه، وقد قال بعض العلماء: يجب تعدد المفتين بحيث يكون في كل مسافة قصر -أي: المسافة التي تقصر فيها الصلاة- مفتٍ واحد.
ولأهمية وجود المفتي في البلد، قال العلماء: إذا لم يوجد مفتٍ في مكانٍ ما حرِّم السكن
стр. 154
فيه، ووجب الرحيل منه إلى حيث يوجد من يفته في أحكام الدين، وما ينزل به من نوازل.
العمل على إيجاد المفتين:
٢١٤- وإذا كان وجود المفتي من فروض الكفاية فيجب العمل على إيجاده باتخاذ الوسائل الضرورية لذلك، ولهذا قال الإمام ابن حزم "فرض على كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو حصن أن ينتدب منهم من يطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها، ويتعلم القرآن كله، وما صحَّ عن النبي ﷺ من أحاديث الأحكام ... إلخ، ثم يقوم بتعليمهم، فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في ذلك كله، ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المجتهدين في صنوف العلم وإن بعدت ديارهم، وإن كانوا بالصين، فالجماعة إذن تهيئ من يتعلم أحكام الدِّين ويتفقه فيه، ثم يقوم بتعليم الجاهلين ابتداءً أو يفتيهم عمَّا يسألون.
٢١٥- وحيث إنَّ ولي الأمر يمثل جماعة المسلمين وينظر في مصالحهم، فعليه أن يقوم بواجب إيجاد المفتين الأكفاء بتهيئة الوسائل الضرورية اللازمة لذلك، مثل تأسيس المدارس لتعليم الفقه، واختيار الطلبة، وتخصيص المال اللازم لهم حتى يكملوا تحصيلهم العلمي، ثم يعيِّنهم في مناصب الإفتاء، ويجعل لهم رواتب كافية تغنيهم عن الكسب، وتعينهم على التفرغ للإفتاء.
منع المفتي الماجن والمفتي الجاهل:
٢١٦- ولوليِّ الامر أن يمنع المفتي الماجن والمفتي الجاهل من الإفتاء، سواء كان هذا المفتي قد عَيِّنه ولي الأمر أو أنَّه يقوم بالإفتاء بلا تعيين، فإن كان قد عينه فله أن يعزله عن منصبه ويولي غيره من الأكفاء، وإن كان يفتي الناس بلا تعيين من ولي الأمر منعه من الإفتاء، وتوعده إذا عاد، والمفتي الماجن هو الذي يفتي الناس بما يشتهون، فيُحِلّ لهم الحرام ويحرِّم عليهم الحلال بالشُّبَه الباطلة والتأويلات الفاسدة إرضاءً لهم واتباعًا لأهوائهم، أمَّا المفتي الجاهل فهو الذي يجهل أحكام الإسلام فيفتي بغير علم، وكلاهما -الماجن والجاهل- لا يصلح لمنصب الإفتاء، ومن لا يصلح للإفتاء يجب منعه فيه، قال الفقيه ابن نجيم الحنفي: "ينبغي للإمام أن يسأل أهل العلم المشهورين في
стр. 155
عصره عمَّن يصلح للفتوى؛ ليمنع من لا يصلح، ويتوعَّده بالعقوبة إذا عاد"، وقال الشافعية والحنابلة: ينبغي للإمام أن يتصفَّح إحوال المفتين، فمن صلح للفتيا أقرَّه، ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود، وهدده بالعقوبة إذا عاد، وهذا الكلام ينطبق على المفتين الذين يباشرون الإفتاء بلا تعين من ولي الأمر، ولكن إذا كان لولي الأمر منع هؤلاء لعدم صلاحهم، فله من باب أوْلَى أن يعزل المفتي الذي عينه إذا ظهر أنَّه غير كفء للإفتاء لمجونه أو جهله.
كفاية المفتي من بيت المال:
٢١٧- ويحلّ للمفتي أن يأخذ من بيت المال ما يكفيه؛ لأنه يقوم بالإفتاء، وهو من المصالح العامة كالأذان، ولهذا يجوز لولي الأمر أن يخصص مرتبًا شهريًّا للمفتي من بيت المال بالقدر الذي يكفيه ويغنيه عن الكسب؟
ضمان المفتي:
٢١٨- إذا أفتى المفتي مستفتيه بفتوى معينة فتعلّم بها وأدى علمه إلى إتلاف نفس أو مال، وحكم على المستفتي بالضمان، فهل يرجع على مفتيه بما ضمن أم لا؟ ينظر، فإن كانت فتوى المفتي باطلة بالضمان قطعًا لمخالفتها للنص القاطع أو الإجماع الظاهر، كان للمستفتي أن يرجع بما ضَمِن على المفتي؛ لأنه هو المتسبِّب في ذلك، وإن كانت فتوى المفتي سائغة، ولم يضمن المفتي شيئًا، لا يكون للمستفتي أن يرجع بما ضمن، أمَّا إذا كان المفتي غير أهل للافتاء فإنه يضمن مطلقًا؛ لأنه غرَّ من استفتاه، ومعنى ذلك أنَّ للمستفتي أن يرجع عليه بما ضمن، وقيل: لا يضمن ولا يكون للمستفتي حق الرجوع عليه؛ لأن المستفتي هو المقصِّر؛ إذ سأل من لا يصلح للإفتاء.
واجبات المفتي وآدابه:
٢١٩- على المفتي أن يعلم أنَّ ما يقوله ويفتي به دِينٌ يحاسب عليه أمام الله تعالى، ولهذا يجب عليه أن يطيل النظر والفكر ولا يسرع في الإجابة، وإذا لم يعرف الجواب فليقل: لا أدري، فإن نصف العلم لا أدري، وقد كان الإمام مالك يسأل عن مسائل فيقول عن بعضها أو أكثرها: لا أدري، فقد روى الهيثم بن جميل قال: شهدت مالكًا سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في ثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وعن عبد الله
стр. 156
ابن مسعود وابن عباس ﵄: من أفتى عن كل ما يسأل عنه فهو مجنون.
٢٢٠- هذا وينبغي للمفتي أن يلاحظ عرف البلد وعاداته؛ ليعرف مقصود المستفتي، وإذا لم يفهم السؤال من السائل عن مراده، وإذا جهل لغته كفاه ترجمة واحة ثقة، كما ينبغي للمفتي أن يشاور الفقهاء الحاضرين في موضوع الاستفتاء إذا رأى حاجة لذلك، وأن يتحرَّز من الميل في إفتائه إلى المستفتي أو إلى خصمه، فيبيِّن في فتواه ما لأحدهما من حقٍّ دون أن يبيِّن ما عليه من واجب.
٢٢١- وعلى المفتي، كما قال العلماء، أن يقدِّم رقاع الفتوى حسب تسلسل تقديمها، فيجيب على استفتاء الأسبق ثم الذي يليه، وهكذا، ولكن يجوز تقديم استفتاء المسافر والمرأة إذا كان تأخير الجواب يضرّ بهما.
٢٢٢- وعلى المفتي أن يبتعد عن مظانِّ التُّهَم والريب ليكمن قوله مقبولًا عند المستفتي وغيره، وأن لا يقبل هدية ممن يستفتيه لئلَّا يجره ذلك إلى التساهل معه في الفتيا دون أن يشعر.
٢٢٣- وعلى المفتي أن يكون لينًا متواضعًا لا فظًّا، وأن يُقْبِلَ على المستفتي بلطف وبشاشة، وإذا رآه بطيء الفهم فليترفَّق به حتى يفهمه الجواب، وأخيرًا فإنَّ المفتي من حملة العلم، فيجب أن يكون له حلم ووقار وسكنية وسمت على النحو اللائق بالعلماء.
стр. 157
المطلب الثالث: الإفتاء
تعريفه:
٢٢٤- الإفتاء هو قيام المفتي بجواب المستفتي، وهو في حقيقته تبليغٌ عن الله تعالى، وإخبار عمَّا شرعه لعباده من أحكام.
أول من قام به:
٢٢٥- وأوّل ما قام به سيدنا محمد ﷺ ، فكان إفتاؤه ﵊ متضمنًا جوامع الكلم، ومشتملًا على فصل الخطاب.
الإفتاء بعد النبي ﷺ :
٢٢٦- ثم قام بالإفتاء بعد النبي ﷺ صحابته الكرام، وكان منهم المكثِر في إفتائه والمتوسِّط والمُقِلّ، والذين حفظت عنهم الفتوى مائة ونيف وثلاثون نفسًا، ما بين رجل وامرأة، والمكثرون منهم في الإفتاء سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ﵃ أجمعين.
من له حق الإفتاء:
٢٢٧- أولًا: كلُّ من كان أهلًا لِأَنْ يكون مفتيًا كان أهلًا لِأَنْ يفتي، سواء عُيِّنَ مفتيًا أم لم يعيِّن، وقد بيّنَّا من قبل شروط المفتي.
ثانيًا: من كان مجتهدًا في نوع العلم أو في مسألة من مسائل الفقه كان له أن يفتي في هذه المسألة أو ذلك النوع من العلم.
ثالثًا: مقلدة المذاهب، فمن قلَّد مذهبًا وحفظه وعرف ما قاله أصحابه، فله أن يفتي بما قالوه، على أن يقول في جوابه ما يدل على أنَّه قول أو رأي هذا المذهب، فيقول مثلًا: مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة كذا وكذا، وإذا ترقَّى في المعرفة بأصول المذهب وقواعده، وسئل عن مسألة تندرج تحت قاعدة من هذه القواعد، فعليه أن يقول: مقتضى مذهب أبي حنيفة مثلًا في هذه المسألة كذا وكذا.
العاميّ إذا عرف حكم المسألة:
٢٢٨- وإذا عرف العامي حكم مسألة من المسائل ودليلها، فهل له أن يفتي من سأله عنها؟ قال بعضهم: يجوز له ذلك، وقال آخرون: يجوز إن كان دليل المسألة نصًّا من كتاب الله أو سنة نبيه، وقال بعض آخر: لا يجوز للعاميّ أن يفتي مطلقًا، ولو في مسألة عرف حكمها ودليلها؛ إذ قد يكون لهذا الدليل معارض يجهله هو.
ولكن لو أفتاه عالم بحكم مسألة، ثم سُئِلَ عنها، فله أن يخبر بحكمها عمَّن أخبره؛ لأنَّ الافتاء إنما يكون باجتهاد من نفسه لا بالحكاية عن غيره، هذا ما قالوه، والظاهر لي أنَّ العامي إذا عرف حكم مسألة بطريق من طرق المعرفة المعتبرة شرعًا، فلهذا العامي أن يفتي غيره بها، وإن كان الأحوط أن ينقل له نص فتوى من أفتاه بها.
стр. 158
هل يفتي العامي بما يجده في كتب الحديث:
٢٢٩- ومن لم يكن مجتهدًا وكان عند كتب الحديث وشروحه وأقوال الصحابة، فهل له أن يفتي بما يجده في هذه الكتب أم لا؟ قال عبد الله: سألت أبي -أي: الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- عن الرجل تكمن عنده الكتب المصنّفة، فيها قول الرسول ﷺ ، واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك، ولا بالإسناد القوي من الضعيف، فهل يجوز له أن يعمل بما شاء، ويتخيِّر ما أحبَّ مما يجده في الكتب فيفتي ويعمل به؟ قال -أي: الإمام أحمد بن حنبل: لا يعمل حتى يسأل أهل العلم عمَّا يأخذ به منها، حتى يكون علمه على وجه صحيح.
هل يشترط إذْنُ الإمام للقيام بالإفتاء:
٢٣٠- من كان أهلًا للإفتاء وعيِّن مفتيًا فلا خلاف في جواز الإفتاء له، بل ووجوبه عليه؛ لأنه ما عُيِّن إلّا لذاك، أمَّا من كان أهلًا للإفتاء ولم يعيِّن مفتيًا، فله أن يفتي دون حاجة لإذن مسبَّقٍ من ولي الأمر؛ لأنّ الإفتاء إخبار عن شرع الله، وتبليغ لأحكامه، فهو إذًا من الواجبات الدينية بالنسبة للقادرين عليه، ولا يشترط للقيام بالواجب الديني أخذ الإذن من ولي الأمر، وإن كان ولي الأمر حق مراقبة القائمين بالإفتاء، ولكن حقه هذا في المراقبة لا ينسحب إلى وجوب أخذ الإذن المسبَّق منه للقيام بالإفتاء، وما علمنا أحدًا كان يأخذ الإذن من الإمام أو من ولي الأمر قبل أن يفتي الناس، كما لم نعلم أن أحدًا من أهل العلم قال: إنَّ الإفتاء مقصور على من يعينهم ولي الأمر مفتين.
التصدي للإفتاء:
٢٣١- وإذا كان إذن الإمام أو ولي الأمر ليس شرطًا لثبوت حق الإفتاء للمسلم كما قلنا، إلّا أنه يجب على من يتصدَّى للإفتاء أن يتأكَّد من أهليته له، ولا يتسرَّع في الوثوق من أهليته وكفاءته، ومن سُبل التأكد من أهليته شهادة أهل العلم له بالأهلية، بالإضافة إلى ما يعرفه من نفسه، قال الإمام مالك: لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلًا لذلك، ويرى هو نفسه أهلًا لذلك، وقول الإمام مالك: "حتى يراه الناس
стр. 159
أهلًا لذلك" محمول على شهادة العلماء له بالأهلية وشيوع شهادتهم له في الناس.
خلوص النية والقصد عند الإفتاء:
٢٣٢١- فإذا وثق المسلم من أهليته للإفتاء بشهادة أهل العلم له، وبما يعرف من نفسه، فعليه أن يفحص نيته جدًّا حتى تكون خالصة لله؛ بحيث لا يقصد من تصديه للإفتاء والقيام به إلّا تبليغ شرع الله وتعليم الناس ما أنزل الله ابتغاء مرضاة الله، فهو لا يريد بإفتائه مباهاة العلماء وحصول المنزلة عند الناس، وبهذا القصد الحسن والنية الخالصة يبارك الله في مسعاه، ويعلمه ما لم يعلم، ويثيبه على إفتائه.
على من يجب الإفتاء:
٢٣٣- وقد يصير الإفتاء واجبًا على من هو أهلٌ فيه في حالتين:
الحالة الأولى: الإفتاء واجب في حقِّ من عينه ولي الأمر مفتيًا ورضي بهذ التعيين.
ولكن يجب أن يعرف بأنَّ هذا الوجوب لا يعني وجوب الإفتاء عليه في كلِّ ما يسأل عنه، وإنما يعني وجوب النظر في موضوع الاستفتاء وإرادته الإفتاء، فإذا عرف حكم المسألة المسئول عنها أفتى فيها، وإذا لم يعرف قال: لا أعرف، ولا يجوز إلزامه بالإفتاء فيما يجهله.
الحالة الثانية: إذا كان أهلًا للإفتاء ولم يعيِّنه ولي الأمر مفتيًا، ولا يوجد غيره يفتي الناس، فإنَّ الإفتاء يتعيِّن عليه إذا استفتاه أحد في مسألة شرعية وقدِر على الجواب.
على من يحرم الإفتاء:
٢٤٣- ويحرم الإفتاء على الجاهل؛ لأنَّ الإفتاء إخبار عن شرع الله، فلا يجوز إلّا بعلم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . فالإفتاء بغير علم ضلال وإضلال للغير، وكل ذلك حرام، وكما يحرم على الجاهل الإفتاء يحرم الإفتاء على الماجن والذي لا يبالي بما يفتي وبما يقول.
على من يكره الإفتاء:
٢٣٥- اختلف الفقهاء في حكم الإفتاء بالنسبة للقاضي، فقال بعضهم: يكره
стр. 160
الإفتاء للقاضي في مسائل الأحكام التي ينظرها مخافة أن يجبن عن الرجوع عمَّا أفتى به إذا ترجَّح عنده وقت المحاكمة ضد ما أفتى به، قال القاضي شريح: أنا أقضي لكم ولا أفتي، ولكنَّ للقاضي أن يفتي في مسائل العبادات كالصلاة والصيام، وقال الحنفية: للقاضي أن يفتي من لم يخاصم إليه، ولا يفتي أحد الخصمين فيما خوصِمَ إليه.
وقال بعض الفقهاء: للقاضي أن يفتي ما دام أهلًا للإفتاء، ولم يقيدوا هذا الجواز بشيء.
٢٣٦- والراجِح عندي هو القول الأوّل، ولكن بشرط أن يتعيِّن عليه الإفتاء، فإن تعيِّنَ عليه الإفتاء فعليه أن يفتي وإن كان قاضيًا، ولو في مسألة ينظر فيها قضاءً، وإن كان السائل أحد الخصوم؛ لأن المستفتي إذا علم أن الحق لخصمه فقد يترك المخاصمة ويسلّم الحق له، ولا خوف من هذا الإفتاء؛ لأن المفتي يبيّن الحكم على فرض ثبوت الوقائع عند المستفتي، أمّا القاضي فإنه وإن كان يطبِّق نفس الحكم الذي يفتي به، ولكن بشرط أن يثبت الوقائع أمامه بالطرق الشرعية، فإذا عجز صاحب الحق عن إثبات حقِّه أمام القاضي فإنَّ القاضي لا يحكم له به على خصمه، وإن كان يفتي له به على سبيل الفتوى.
التهيب من الإفتهاء:
٢٣٧- الإفتاء وإن كان تبليغًا لشرع الله وقيامًا بواجب ديني، إلّا أن صاحبه معرَّض للخطأ، ومن هنا كان السلف الصالح يتهيبون من الإفتاء مع صلاحيتهم له، ويود كل واحد منهم أن يقوم غيره به، بل وكان كل واحد منهم أو أكثرهم يحيل الإفتاء إلى غيره ليكفيه مؤنته ويجنبه خطره، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ ، يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول. وفي رواية أخرى: ما منهم من يحدِّث بحديث إلّا ودَّ أنَّ أخاه كفاه إياه، ولا يُسْتَفْتَى عن شيء إلذا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفتيا. وقال الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى: لولا الخوف من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت، يكون لهم المهنأ وعليَّ الوزر.
الجرأة على الإفتاء:
٢٣٨- وإذا كان التهيّب من الإفتاء مسلكًا حميدًا عرف به السلف الصالح، فإن
стр. 161
الجرأة على الإفتاء وجدت أيضًا في السلف الصالح، ولهذا كان بعضهم كثير الفتيا، ولا تتأتى الكثرة في الفتيا مع التهيّب من الإفتاء عادة، فكيف نوفِّق بين التهيب من الإفتاء -وهو مسلك حميد، والجرأة عليه، وقد وجد المسلكان في السلف الصالح دون نكير؟
التحقيق في المسألة أنَّ التهيب من الإفتاء قد يكون سببه كثيرة المفتين وعدم تعيين الإفتاء على المسئول، وهذا ما كان واقعًا وغالبًا في السلف الصالح، أمَّا الجرأة على الإفتاء فقد يكون سببها قلة العلم، كما قد يكون سببها سعة العلم، وابتلاء صاحبه بكثرة السائلين. أمَّا السبب الأول للجرأة، وهو قلة العلم؛ حيث يندفع من قلَّ عمله إلى الجواب عن كل مسألةٍ مخافةَ أن يُتَّهَم بالجهل، فهذا -ولله الحمد- لم يقع في السلف الصالح، أمَّا السبب الثاني للجرأة وهو سعة العلم وابتلاء المسئول بكثرة السائلين، فهذا قد وقع في السلف الصالح، ولهذا عُرِف من كثرت فتواه، وبسبب هذة الكثرة عرف بالجرأة على الإفتاء، وهذه بلا شكٍّ جرأة محمودة غير مذمومة، ولهذا كان ابن عباس ﵄ من أوسع الصحابة إفتاءً، وجمعت فتواه في عشرين سفرًا، وكان سعيد بن المسيب في التابعين واسع الفتيا، وكانوا يسمّونه سعيد بن المسيب الجريء.
الامتناع عن الإفتاء:
٢٣٩- وقد يكون الشخص أهلًا للإفتاء غير متهيِّب منه، ولكن يرى أن يوجد ما يدعوه إلى الامتناع عن الإفتاء، فيجوز له ذلك الامتناع، ومن هذه الحالات:
أ- قد يسأل المستفتي عن أمر شرعي وتدلّ القرائن للمفتي المتيقِّظ أنَّ مراد المستفتي التوصُّل بالفتوى إلى غرض فاسد.
ب- قد يسأل العاميّ عن مسألة عويصة لا يستطيع إدراكها، وليس هي من المسائل التي يلزمه معرفة حكمها، فيمتنع المفتي عن الإجابة لئلَّا يوقعه في الحيرة والفهم الفاسد.
ج- إذا كان موضوع الاستفتاء حادثة لم تقع بعد، فيمتنع المفتي عن الإجابة اتباعًا لمسلك بعض السلف في الامتناع عن الإفتاء فيما لم يقع بعد، مخافة أن يتبدَّل اجتهاده عند وقوع الحادثة.
د- إذا كان المفتي في حالة يخشى فيها عليه من عدم التثبت والتأمّل في موضوع
стр. 162
الاستفتاء، كحال الغضب والجوع والعطش والهمِّ والخوف والمرض والحر الشديد وانشغال الفكر ومدافعة الأخبثين، ونحو ذلك من الظروف والأحوال.
الأجرة على الإفتاء:
٢٤٠- يجوز لمن يقوم بالإفتاء أن يأخذ عليه أجرًا من بيت المال؛ لأنَّ الإفتاء من المصالح العامَّة، وعلى هذا يجوز للإمام أن يخصِّصَ شيئًا لمن يقوم بالإفتاء من بيت المال، سواء كان ذلك العطاء لمن عينه مفتيًا أو لمن لم يعينه ولكنه يقوم بالإفتاء، وساء كان العطاء منظمًا في كل شهر أو متقطعًا، فإذا لم يكن لم يقم بالإفتاء رزق معين من بيت المال، فالأولى له عدم أخذ الأجرة على إفتائه، ولكن إذا كان انقطاعه للإفتاء يمعنه على الكسب، فله أخذ الأجرة، إلا أنَّه إذا تعيِّن عليه الإفتاء لم يجز له أن يأخذ أجرًا من المستفتي؛ لأنه اعتياض عن واجب عليه، وهذا لا يجوز حتى لو لم يكن عنده ما يكفيه، ومن المفيد أن أقوله هنا: لو أنَّ أهل بلد أو جماعة جعلوا لمفتهيم -غير المعيِّن من قِبَل ولي الأمر- رزقًا من أموالهم، كان ذلك حسنًا وجاز للمفتي أخذه.
الإفتاء لمن لا تقبل شهادته للمفتي:
٢٤١- ويجوز الإفتاء لمن لا تقبل شهادته للمفتي، كأن يفتي الشخص لأبيه أو أمه أو زوجته أو شريكه؛ لأنَّ القصد من الإفتاء بيان الحكم الشرعي فقط، وليس فيه إلزام بخلاف القضاء.
стр. 163
المطلب الرابع: الفتوى
تعريفها:
٢٤٢- هي نصّ جواب المفتي، أو هي حكم الشرعي الذي يخبر عنه المفتي بإفتائه.
أساس الفتوى:
٢٤٣- وما دامت الفتوى تتضمَّن حكم الشرع، فيجب أن تقوم على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وما دلَّ عليه هذان الأصلان الكبيران من أدلة الأحكام كالإجماع.
٢٤٤- أما الرأي فإن كان مقبولًا صلح أن يكون أساسًا للفتوى، وإن كان فاسدًا لم يصلح، والفاسد هو المخالف للكتاب والسُّنَّة، أمَّا الرأي المقبول فهو أنواع:
الأول: رأي الصحابة الكرام لاعتماده على النظر السديد والفقه العميق والاستنباط الدقيق؛ لمشاهدتهم التنزيل، وصحبتهم للنبي الكريم ﷺ ، ولما عرفوا به من جودة الذهن وإحاطةً بمقاصد الشرع ومعانيه.
الثاني: الرأي الذي يفسِّر النصوص ويبيِّن دلالتها ويسهل الاستنباط منها، مثل رأي الصحابة في العول في الميراث.
الثالث: ما قبلته الأمة من الآراء الفقهية، ويدخل في هذا النوع الأقيسة الصحيحة التي توافرت فيها شروط القياس الصحيح ولم تخالف النصوص.
٢٤٥- وإذا كانت الفتوى تتضمَّن حكم الشرع، وبالتالي يجب أن تقوم على الكتاب والسنة وما دلت عليه نصوصهما، فمن البديهي أن لا تقوم الفتوى على الحيل المحرَّمة شرعًا، ولا على الشُّبَه الباطلة تحليلًا لحرام أو تحريمًا لحلال، قال ﷺ : "لعن الله اليهود والنصارى حُرِّمت عليهم الشحوم فجمَّلوها -أي: أذابوها- وباعوها وأكلوا ثمنها"، ولكن يجوز أن تقوم الفتوى على الترخّص المباح الذي يجوز للمستفتي أن يأخذ به، ويجوز للمفتي أن يفتي به، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ ، وفي الحديث الشريف: "إن الله يحب أن تؤخذ رخصه كما يحب أن تؤخذ عزائمه".
تعلق الفتوى بموضوع الاستفتاء:
٢٤٦- الأصل في الفتوى أن تكون متعلّقة بموضوع الاستفتاء مطابقة له؛ ليحصل المستفتي على بغيته من استفتائه غير خارجة عنه.
٢٤٧- ولكن يجوز أن تكون الفتوى أوسع من موضوع الاستفتاء، بمعنى: إنها تتعلق به وبغيره، إذا رأى المفتي أنَّ في هذا التوسُّع فائدة للمستفتي، ودليل ذلك أنَّ بعض الصحابة الكرام سألوا النبي ﷺ عن ماء البحر، وهل يجوز التوضؤ به، فقال ﷺ : "هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته"، فأجابهم ﷺ عن ميتة البحر ولم يسألوه عنها؛ لعلمه ﷺ بفائدة بيان هذا الحكم لهم.
стр. 164
٢٤٨- كما يجوز أن تكون الفتوى متعلقة بموضوع آخر غير موضوع الاستفتاء، وهذا يكون إذا رأى المفتي أنَّ الجواب على موضوع الاستفتاء لا يفيد المستفتي، أو لا يقوى على إدراكه وفهمه، فيحيد عن جواب سؤاله إلى بيان بعض ما يحتاجه المستفتي، ويدل على ذلك قوله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ .
وضوح الفتوى:
٢٤٩- ولما كانت الفتوى تتضمَّن بيان حكم الشرع وتبليغه، فيجب أن تكون واضحة مفهومة؛ لأنَّ التبليغ يجب أن يكون بالأسلوب المبيّن، ولهذا قال تعالى في تبليغ الرسالة وقيام الرسول ﷺ بهذا التبليغ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ، ويتأتَّى وضوح الفتوى باللغة السهلة والأسلوب المفهوم لدى المستفتي، بعيدةً عن الاصطلاحات التي لا يفهمها المستفتي، كما ينبغي أن تكون خالية من التردد وعدم القطع في الجواب، كأن يقول المفتي: في المسألة قولان؛ لأن المستفتي يريد الجواب القاطع الذي يقلد المفتي فيه، ويعمل بموجبه.
ومن لوازم وضوح الفتوى وإيضاحها للمستفتي أن يمهد المفتي إذا كان فيها حكم مستغرب، حتى يزول هذا الاستغراب عند المستفتي بهذ التمهيد.
الإيجاز والإطالة في الفتوى:
٢٥٠- والوضوح في الفتوى لا يستلزم الإطالة بالضرورة، ولهذا كان الأصل في الفتوى الإيجاز والاختصار حتى تبدو وكأنَّها نص قانوني؛ لأنَّ الغرض من الفتوى بيان الحكم الشرعي في المسألة للمستفتي، وليس الغرض منها مناقشة الآراء وسوق الأدلة، وعلى هذا يجوز للمفتي ويسعه أن يقول في فتواه جوابًا للمستفتي: يجوز، أو لا يجوز.
أو يقول: نعم، أو لا.
٢٥١- ولكن يجب أن يعلم أن الإيجاز في الفتوى لا يجوز إذا كان على حساب الإخلال بالبيان المطلوب والوضوح المطلوب، وعلى هذا يجب على المفتي أن يطيل في فتواه إذا كان ذلك لا بُدَّ منه لوضوح الفتوى وتخليصها من الإبهام والغموض، فمن
стр. 165
استفتى عن حكمِ مَنْ قال قولًا يكفِّر قائله، فلا يبادر المفتي بالقول: إنَّه حلال الدم، وإنما يجب أن يكون الجواب بشيء من التفصيل والإطالة، كأن يقول في الجواب: إذا ثبت ذلك عليه بالبينة الشرعية، أو بالإقرار، استتابه ولي الأمر، فإن تاب قبلت توبته، وإن أصر ولم يتب قُتل. وكذلك إذا سُئِل المفتي عن كلام يحتمل معنيين فليقل في فتواه: إن أراد المستفتي بكلامه كذا وكذا، فالحكم كذا، وإن أراد كذا، فالحكم كذا.
٢٥٢- وإذا كان في المسألة تفصيل لم يطلق المفتي الجواب بل يفصله، وإذا كان السؤال يتضمَّن جملة مسائل فصلها المفتي وذكر مع كل مسألة الفتوى التي تخصها.
ذكر دليل الفتوى:
٢٥٣- ويجوز أو يندب للمفتي أن يذكر في فتواه الدليل الذي استند إليه، كأن يذكر نصًّا من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ ، أو إجماع الفقهاء، أو قياسًا جليًّا، وإذا كانت المسألة مما اختلفت فيها أنظار المجتهدين فيندب للمفتي أن يذكر في فتواه الأدلة التي جعلته يرجِّح أو يأخذ بفتواه هذه، كما يجوز للمفتي أن يناقش أدلة الآراء الأخرى التي لم يأخذ بها.
وكذلك يندب ذكر الدليل إذا كانت هناك فتوى باطلة تتعلق بموضوع الاستفتاء حتى يعلم المستفتي وغيره دليل فتواه، وبطلان الفتوى السابقة.
وما قلناه يفعله المفتي من تلقاء نفسه، أمَّا إذا سأله المستفتي عن الدليل، فقد قلنا فيما سبق: إنَّ على المفتي أن يجيبه ويذكر له الدليل.
تغيُّر الفتوى بتغيُّر المكان والزمان:
٢٥٤- والفتوى قد تتغيِّر بتغيُّر المكان والزمان، وهذا إذا كان الحكم الشرعي مبنيًّا على عرف بلد وتغيِّر هذا العرف، ولم يكن العرف الجديد مخالفًا للنصِّ الشرعي، أو كان الحكم الشرعي مبنيًّا على معنى معين وتغيِّر ذلك المعنى، كما في صدقة الفطر، فقد جاء الحديث الشريف بإخراج صاعٍ من تمرٍ أو شعيرٍ أو زبيبٍ أو أقط، وقد قال العلماء: يجوز إخراج صدقة الفطر من الذرة أو الأرز أو غيرهما إذا كانت هذه
стр. 166
الأصناف غالب أقوات البلد، وعلّل العلماء ذلك بأنَّ الأصناف الواردة في الحديث الشريف إنما جاءت لأنَّها كانت هي غالب أقوات أهل المدينة، ولم تأت على سبيل الحصر والتخصيص.
وكذلك إذا كان الحكم الشرعي واردًا بالنسبة لمكانٍ معيِّن وزمان معين، فيجب الإفتاء فيه في ذلك المكان والزمان دون الإفتاء بالحكم العام، كالسرقة، الحد فيها هو قطع اليد، وهذا هو حكمها العام، ولكنَّ السرقة في الغزو في أرض العدو حكمها عدم القطع هناك، ولزوم تأحيل إقامة الحدِّ؛ لورود الحديث الشريف: "لا تقطع الأيدي في الغزو".
وكذلك إذا كان الحكم ملحوظًا فيه تحقيق غرض معين، ورأي الفقيه المفتي أنَّ هذا الغرض لا يتحقق في موضوع الاستفتاء، فلا ينبغي أن يفتي به، مثل أن يستفتيه أحد في إزالة منكر معين باليد، ورأي الفقيه أنَّ أزالته يترتَّب عليه شرٌّ ومنكر أكبر من المنكر القائم، فينبغي له أن لا يفتيه بالحكم العام وهو إزالة المنكر باليد، ما دام المفتي يرى ترتب منكر أكبر من المنكر المزال، وهذا باب واسع يعتمد على فطنة المفتي وملاحظته الأحوال والأمكنة والأزمنة والظروف وحالة المستفتي.
التشدد في عبارات الفتوى والحلف عليها:
٢٥٥- ويجوز التشدد في عبارة الفتوى عند الحاجة أو المصلحة، فيقول المفتي في فتواه مثلًا: وهذا عليه إجماع المسلمين، أو لا أعلم فيه خلافًا، أو من خالف حكم هذه الفتوى فقد أثم وعصى الله تعالى، ونحو ذلك، كما يجوز الحلف على ثبوت الحكم الشرعي الوارد في الفتوى في بعض الأحيان، وفي الأمور الخطيرة، ما دام الحكم ثابتًا بدليلٍ قطعيٍّ، يدل على هذا الجواز قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ .
ما يراعى في كتابة الفتوى أو النطق بها:
٢٥٦- والفتوى كما يجوز شفاهًا تجوز كتابة، وفي الحالتين ينبغي للمفتي أن يبدأ فتواه بالبسملة وحمد الله تعالى والصلاة والسلام علي نبيه ﷺ ، وأن يختم فتواه بقوله: وبالله التوفيق، أو والله هو الموفق، أو والله أعلم.
стр. 167
٢٥٧- وإذا كانت الفتوى مكتوبة فعلى المفتي أن يقارب سطورها وكلماتها، ولا يترك فواصل فيما بينها؛ لئلَّا يزوّر أحد عليه ويضيف إليها ما لم يقله، وأن تكون موصولة بآخر سطر من السؤال، وإذا ضاقت ورقة الاستفتاء عن الفتوى لطولها، فينبغي أن يكتب الجواب او يكمله في ظهر الورقة، ولا يكتبها في ورقة مستقلة منفصلة خوفًا من الاحتيال عليه.
٢٥٨- وإذا كان في ورقة الاستفتاء فتوى مَنْ ليس أهلًا للفتوى، فللمفتي أن يشطب اسم صاحب هذه الفتوى وإن كانت صحيحة، أمَّا إذا كان الفتوى خطأ فيشطب اسمه ويشطب الفتوى، ولكن هذا الشطب يكون بإذن صاحب الاستفتاء، وإذا رفض فللمفتي أن يمتنع عن إعطاء الفتوى كتابة، وإنما يجيبه شفاهًا، والسبب في ذلك أنَّ في ذكر اسم المفتي مع اسم من سبقه وهو غير أهل للإفتاء تقريرًا للناس لما يتوهمونه من صلاحية وأهلية ذلك الشخص للإفتاء إذا رأوا اسمه مقرونًا باسم المفتي، أمَّا إذا كان اسم من سبقه أهلًا للإفتاء، ولكن كانت فتواه خطأ قطعًا فله شطبها بإذن صاحب الاستفتاء، إو إعادتها إلى صاحب الفتوى ليصحِّحها، أو ينبه على ما فيها من خطأ عندما يحرِّر فتواه، أمَّا إذا كانت سائغة فليس له أن يتعرَّض له بالشطب أو التخطئة، وإن خالفت اجتهاده.
العمل بالفتوى:
٢٥٩- والفتوى متى صدرت مِمَّن هو أهل للإفتاء عمل بها المستفتي، وكان في عمله هذا مقلدًا لصاحب الفتوى، ولكن إذا رجع المفتي عن هذه الفتوى قبل أن يعمل بها المستفتي وعلم برجوعه حرِّم عليه العمل بها، وعليه أن يعيد استفتاءه ويعمل بما يفتي به، وأمَّا لو عمل بالفتوى ثم رجع المفتي عن فتواه وعلم المستفتي برجوعه، فعلى المستفتي إعادة استفتائه والعمل بالفتوى الجديدة، حتى ولو استلزمت نقض عمله السابق ما دام هذا العمل له صفة الاستمرار، كما لو نكح من لم يجز له نكاحها بموجب فتوى سابقة رجع عنها صاحبها، ثم استفتى فأفتي بعدم الجواز، فإنه يفارق زوجته، هذا ما قالوه، ويبدو لي أنَّ هذا النقض إنما يكون إذا كانت الفتوى السابقة التي رجع عنها صاحبها باطلة قطعًا؛ لمخالفتها للدليل القاطع، أمَّا إذا كانت سائغة ورجع عنها صاحبها، وكان المستفتي قد عمل بها، فلا أرى وجوب نقض عمل المستفتي بها؛ لأنه
стр. 168
عمل بما هو سائغ، وبزعم شرعي.
الفرق بين الفتوى والحكم:
٢٦٠- هناك جملة فروق بين الفتوى التي تصدر عن المفتي وبين الحكم الذي يصدر عن القاضي، ومن هذه الفروق:
أ- الفتوى تعتبر محض إخبار عن الله تعالى بما هو مطلوب شرعًا من المستفتي، أو بما هو مباح له، أما حكم القاضي فهو وإن كان إخبارًا عن حكم الشرع أيضًا، إلّا أنَّ فيه إلزامًا للمحكوم عليه بما تضمَّنه الحكم.
ب- إنَّ كل ما يجري فيه حكم القاضي تجري فيه الفتوى أيضًا ولا عكس، فالعبادات تجري فيها الفتوى، ولكن لا يجري فيها حكم القضاء، فليس لحاكم أن يحكم أنَّ هذه الصلاة صحيحة أو فاسدة، أو أنَّ هذا الماء نجس لا يجوز الوضوء به، ولكن للمفتي أن يفتي في هذه المسائل ونحوها، ويلحق بالعبادات أسبابها، كما لو شهد شاهد أو شاهدان بهلال رمضان، وأثبت ذلك حاكم وأمر بإعلانه، فإن ذلك منه فتوى وليس بحكم، وهذا ما قاله المالكية.
ج- فتوى المفتي أعظم خطرًا من حكم القاضي؛ لأنَّ الفتوى تعتبر شريعة عامَّة تتعلّق بالمستفتي وغيره، أمَّا حكم القاضي فهو خاصّ لا يتعدَّى إلى غير المحكوم عليه وله.
стр. 169
المبحث الرابع: نظام الحسبة
مدخل
...
المبحث الرابع: نظام الحسبة
تمهيد:
٢٦١- قلنا فيما سبق: إنَّ المطلوب من المسلم أن تكون أفعاله وأقواله وفق المناهج الإسلامية، ولهذا أمر الله تعالى أهل العلم بتبليغ الناس أحكام الإسلام، وتعليمهم حدود ما أنزل الله، كما أمر من لا يعلم أن يتعلّم، ومن سُبل التعلُّم أن يسأل أهل العلم، ولهذا وجد في الإسلام نظام الإفتاء الذي تكملنا عنه. ومع هذا قد يبقى المسلم جاهلًا شرع الله، إمَّا لأنَّ تبليغ العلماء لم يصله، أو أنَّه قصَّر في تعلُّم ما يجب عليه تعلُّمه، كما لم يستفت أهل العلم فيما يهمه من أمور فيقع في المعصية ومخالفة الشرع بسبب جهله، وقد يعلم المسلم حدود ما أنزل الله، ومع هذا يقع في المعصية اتباعًا لهواه، والمعصية في الحالتين منكر ارتُكِبَ أو معروف هجر، والمنكر إذا وقع وجبت إزالته، والمعروف إذا هجر وجب الأمر به، وإزالة المنكر إذا ظهر فعله، والأمر بالمعروف إذا ظهر تركه هو أساس وملاك ما يعرف بالشريعة الإسلامية بنظام الحسبة، وهو ما نتكلم عنه في هذا المبحث.
منهج البحث:
٢٦٢- تسهيلًا للبحث وإحاطة بالموضوع نقسِّم هذا المبحث إلى خمسة مطالب:
المطلب الأول: للتعريف بالحسبة وبيان مشروعيتها ومكانتها في الإسلام.
المطلب الثاني: للكلام عن المحتسب.
المطلب الثالث: للكلام عن المحتسب عليه.
المطلب الرابع: للكلام عن المحتسب فيه.
المطلب الخامس: للكلام عن نفس الاحتساب.
стр. 170
المطلب الأول: التعريف بالحسبة ومشروعيتها ومكانتها في الإسلام
معناها في اللغة:
٢٦٣- الحبسة في اللغة تدلّ على العدِّ والحساب، ويقال: احتسب بكذا إذا اكتفى به، واحتسب على فلان الأمر أنكره عليه، واحتسب الأجر على الله ادخره لديه، والحسبة اسم من الاحتساب، والاحتساب يُسْتَعمل في فعل ما يُحْتَسب عند الله تعالى.
معناها في الاصطلاح:
٢٦٤- والحسبة عند الفقهاء "أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله"، فهي إذن من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إنَّ الفقهاء يسمِّون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر احتسابًا وحسبة ما دام القائم به يفعله ابتغاء مرضاة الله وما عنده من ثواب.
دليل مشروعيتها:
٢٦٥- دلَّ على طلب الشرع للحِسبَة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فكل آية وردت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي دليل على مشروعية الحسبة وطلب الشرع لها، والواقع أنَّ القرآن الكريم دلَّ على طلب الحسبة بأساليب متنوعة، فطورًا يأمر بها، وتارةً يجعلها وصفًا لازمًا للمؤمنين، وسببًا لخيرة الأمة، وأنَّ الغاية من التمكين في الأرض والظفر بالسلطان والحكم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تَرْك ذلك سبب لاستحقاق اللعنة، فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
стр. 171
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
٢٦٦- والسنة النبوية دلَّت على مشروعية الحسبة وطلب الشرع لها، فمن ذلك قوله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، "لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليسلطنَّ الله عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم"، "أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك".
مدى مشروعيتها:
٢٦٧- والحسبة -وهي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر- قد ينظر إليها من ناحية المطالب بها، وقد ينظر إليها من حيث هي أمر ونهي، فمن الناحية الأولى: هي فرض كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإن لم يقم بها أحد أثم القادرون جميعًا،
وقد يصير فرض عَيْن إذا تعيِّنَت على شخص معيِّن، كما أنها قد تصير مستحبَّة بالنسبة للمسلم غير واجبة عليه، بل وقد تصير محرَّمة في ظروف خاصَّة كما سنبينه فيما بعد.
أمَّا من الناحية الثانية -أي: بالنظر إلى ذاتها- فإنها تكون -على رأي البعض- واجبة أو مندوبة نظرًا إلى موضوعها، أي: إلى ما تتعلق به، فإن كانت أمرًا بواجب، أو نهيًا عن حرام، كانت الحسبة واجبة، سواء كان وجوبها عينيًّا او كفائيًّا، وإن كان موضوعها أو ما تتعلق بها مندوبًا كانت مندوبة، وقال البعض الآخر من الفقهاء: إن الحسبة بذاتها تكون واجبة دائمًا بغضِّ النظر عَمَّا تتعلق به.
مكانة الحسبة في الإسلام:
٢٦٨- وللحسبة مكانة عظيمة جدًّا في الإسلام؛ لأنها أمر بمعروف ونهي عن منكر، وهذا من أخصِّ خصائص الرسول ﷺ ، قال الله تعالى مبينًا هذه الحقيقة: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، وقد وصف الله الأمة الإسلامية بما
стр. 172
وصف به رسولها حتى تقوم من بعده بما قام به ﷺ ، قال تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأصول العظيمة للإسلام، ومن ثَمَّ كانت الحِسْبَة محل عناية الفقهاء والتنويه بشأنها. قال الفقيه المشهور بابن الأخوة: "الحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم؛ لعموم صلاحها وجزيل ثوابها، وهي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وإصلاح بين الناس"، وقال ابن خلدون في مقدمته: "أمَّا الحسبة فهي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين أن يعيِّن لذلك من يراه أهلًا له".
حكمة مشروعيتها:
٢٦٩- وحكمة مشروعيتها ظاهرة؛ لأنَّ تبليغ الدعوة الإسلامية بجميع معانيها يندرج تحت مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنَّ من حكمة مشروعيتها توقّي العذاب واستنزال رحمة الله، وبيان ذلك أنَّ المعاصي سبب المصائب، وما ينزل على الناس من عذاب التأديب أو الانتقام أو الاستئصال، وبهذا جرت سُنَّة الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ، وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سببًا للمصائب والهلاك، فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت الآخرون فلا يأمرون ولا ينهون، فيكون ذلك من ذنوبهم، فتصيبهم المصائب، وفي الحديث الشريف: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمَّهم بعذاب منه"، وكما أنَّ المعصية سبب المصيبة والعذاب، فإن الطاعة سبب النعمة والرخاء ورضوان الله تعالى، وبذلك جرت سُنَّة الله تعالى، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
أركان الحسبة:
٢٧٠- الحسبة تستلزم وجود من يقوم بها، وهذا هو المحتَسِب، ومن تجري عليه الحسبة، وهذا هو المحتَسَب عليه، وعمل أو ترك تجري فيه الحسبة، وهذا هو المحتَسَب فيه، وما يقوم به المحتسب وهذا هو الاحتساب، فأركان الحسبة أربعة: المحتَسِبُ، والمحتَسَب عليه، والمحتَسَب فيه، والاحتساب، ولا بُدّ من الكلام عن هذه الأربعة في المطالب التالية:
стр. 173
المطلب الثاني: المحتَسِب
من هو المحتسب؟
٢٧١- المحتسب من يقوم بالاحتساب، أي: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن شاع عند الفقهاء إطلاق هذا الاسم على من يعيِّنُه ولي الأمر للقيام بالحسبة، وأطلقوا عليه أيضًا اسم: والي الحسبة، أمَّا من يقوم بها من دون تعيينٍ من ولي الأمر فقد أطلقوا عليه اسم: المتطوع، ثم راحوا يفرِّقون بين المحتَسِب والمتطوِّع.
الفرق بين المحتسب والمتطوع:
٢٧٢- أ- الاحتساب فرض متعين على المحتسب بحكم الولاية، أي: بحكم تعيينه محتسبًا، أمَّا فرضه على غيره فهو من فروض الكفاية، ومن ثَمَّ لا يجوز للمحتسب أن يتشاغل عمَّا عُيِّنَ له من أمور الحسبة بخلاف المتطوع.
ب- وقالوا: إن المحتَسِب عُيِّنَ للاستعداء إليه وطلب العون منه عند الحاجة، ومن ثَمَّ تلزمه إجابة من طلب ذلك منه، بخلاف المتطوع؛ إذ لا يلزمه من ذلك شيء.
جـ- وقالوا: إن المحتسب عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة حتى يتمكَّن من إزالتها، كما أنَّ عليه أن يبحث عمَّا ُترِكَ من المعروف الظاهر حتى يأمر بإقامته، أمَّا المتطوع فلا يلزمه ذلك.
د- وقالوا: للمحتسب أن يستعين على أداء مهمته بالأعوان، فيتخذ له من الأعوان والمساعدين بقدر ما يحتاج لأداء مهمته التي عُيِّنَ لها، وليس للمتطوع ذلك.
هـ- قالوا: وللمحتسب أن يعزِّر على المنكرات الظاهرة، ولا يتجاوزها إلى إقامة الحدود، وليس للمتطوع ذلك.
стр. 174
و للمحتسب أن يأخذ على عمله أجرًا من بيت المال، وليس للمتطوع ذلك.
ز- للمحتسب أن يجتهد في المسائل المبنية على العرف، فيقر منها ما يراه صالحًا للإقرار، وينكر منها ما يراه مستحقًّا للإنكار، وليس للمتطوع ذلك.
رأينا في هذه الفروق:
٢٧٣- هذه الفروق بُنِيَت على أساس التفريق بين المعيَّن للحسبة وغير المعيَّن لها.
والواقع أنَّ الحسبة من فروض الإسلام، فلا يتوقف القيام بها على التعيين من قِبَل ولي الأمر، ومن ثَمَّ كانت تسمية غير المعيَّن بالمتطوِّع تسمية غير دقيقة؛ لأنها تشعر بأنَّ القيام بالحسبة من قِبَل غير المعيَّن لها هو من قبيل القيام بالأمور المستحبَّة غير الواجبة.
ومع هذا، فإن تنظيم الحسبة وضبطها من قِبَل ولي الأمر، وتعيين الأكفاء لها، حتى لا تسود الفوضى في المجمتع باسم الحسبة أقول: إن هذه التنظيم من الأمور الحسنة، ولكن يشرط أن لا يكون هذا التنظيم مانعًا من قيام الآخرين بواجب الحسبة على الوجه المشروع، وعلى هذا لا نرى ما قاله الفقهاء من أنَّ المحتسب له أن يتَّخذ أعوانًا، أمَّا التطوع فليس له ذلك؛ لأن اتِّخَاذ الأعوان على الحسبة من التعاون على البر والتقوى، فلا ينبغي منع من يقوم بالحسبة من هذا التعاون بحجّة أنه غير معيَّن من قِبَل ولي الأمر، ما دام صالحًا للحسبة وتتوفَّر فيه شروط الحسبة. وكذلك لا نرى منع المتطوع من التعزيز على المنكرات الظاهرة، أو على الأقل: لا نرى منعه من التعزير مطلقًا؛ لأنَّ التعزير درجات، فينبغي أن لا يمنع إلّا من بعضها لا كلها، كأن يمنع من الضرب والجلد.
ولاية المحتسب:
٢٧٤- ولاية المحتسب يستمدُّها من الشرع الشريف؛ لأنَّ المسلم مكلَّف بالحسبة، وحيث يوجد التكليف توجد الولاية على القيام بما كلف به، إلّا أنه في حالة قيام ولي الأمر بتنظيم أمور الحسبة وتعيين الأكفاء لها، فإن المعيَّن يملك من الولاية أكثر مما يملكه غير المعيَّن، ومع هذا فإنَّ ولاية المحتسب المعيَّن من قِبَل ولي الأمر يستمدها من الشرع، وإن جاءت عن طريق ولي الأمر، باعتبار أنَّ تنظيم ولي الأمر للحسبة سائغ مشروع، فكأن الشرع خوله ذلك.
стр. 175
مقصود هذه الولاية:
٢٧٥- ومقصود ولاية المحتسب سواء عُيِّنَ من قِبَل ولي الأمر أو لم يعيِّن، هو إقامة شرع الله في الأرض وتطهيرها من الفساد؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وهذا المقصود في الحقيقة هو مقصود كل ولاية في الإسلام، وكل الفرق بين ولاية وأخرى هو في سعتها ومتعلقاتها، وهكذا تعمل جميع الولايات منسجمة لتحقيق مقصود واحد، هو إقامة شرع الله في الأرض، وتطهيرها من الفساد والمفسدين.
ولاية المحتسب وولاية القاضي:
٢٧٦- وقد بحث الفقهاء أوجه الفرق والاختلاف بين ولاية المحتسب وولاية القاضي، وخرجوا من بحثهم هذا ببيان أوجه الفرق والخلاف بينهما، على النحو التالي:
أ- أوجه الاتفاق:
تتفق الولايتان في جواز الاستعداء إلى المحتسب والادِّعاء أمامه في حقوق الآدميين في دعاوي خاصَّة هي المتعلقة ببخسٍ أو تطفيفٍ في كيل أو وزن، أو متعلقة بغشٍّ أو تدليسٍ في بيع أو ثمنٍ، أو متعلقة بمطل أو تأخير لدَيْن مستَحَق الأداء مع القدرة على الوفاء، وإنما جاز للمحتسب أن ينظر في هذه الدعاوي دون غيرها؛ لأنها كما قالوا: "تتعلق بمنكر ظاهر هو منصوب لإزالته، واختصاصها بمعروف بيِّنٍ هو مندوب إلى إقامته".
وللمحتسب كما للقاضي أن يلزم المدَّعي عليه بأداء الحق الواجب عليه إلى مستحقه في الدعاوي التي له حق النظر فيها، إذا ثبتت تلك الحقوق بإقرار المدَّعَى عليه، وثبتت قدرته على الوفاء. وإنما كان للمحتسب إلزام المدَّعى عليه بأداء هذه الحقوق؛ لأن تأخير وفائها مطل، والمطل منكر نهى الشارع عنه، قال ﷺ : "مطل الغني ظلم يحل ماله وعرضه"، والمحتسب منصوب لإزالة المنكر.
ب- أوجه الاختلاف:
أولًا: تقصر ولاية المحتسب عن ولاية القاضي من وجهين:
стр. 176
الوجه الأول: ليس للمحتسب سماع الدعاوى التي تخرج عن نطاق المنكرات الظاهرة، أي: التي تخرج عن نطاق الدعاوى الثلاث التي أشرنا إليها في أوجه الاتفاق.
الوجه الثاني: له النظر في الحقوق المعترف بها، أمَّا ما يدخله التجاحد والتناكر لا ينظر فيه؛ لأنَّ الحق لا يثبت عند ذاك إلّا ببينة من المدعي، أو تحليف المنكر اليمين، وهذا للقاضي لا للمحتسب.
ثانيًا: وتزيد ولاية المحتسب على ولاية القاضي من وجهين:
١- للمحتسب أن يأمر بما هو معروف وينهى عمَّا هو منكر، وإن لم يرتفع إليه في ذلك خصم، ولم يتقدم إليه أحد بدعوى، وليس للقاضي ذلك إلّا برفع دعوى ومطالبة خصم.
٢- للمحتسب من سلاطة السلطة فيما يتعلق بالمنكرات الظاهرة ما ليس للقاضي؛ لأن الحسبة -كما يقول الفقهاء: تقوم على الرهبة، فلا تجافيها الغلظة واتخاذ الأعوان وسللاطة السلطة، أما القضاء فموضوع لإنصاف الناس واستماع البينات، حتى يتبيِّن المحِقُّ من المبطِل، فكان الملائم له الأناة والوقار والبعد عن الغلظة والخشونة والرهبة.
٢٢٧- ويمكن أن نضيف إلى ما قاله الفقهاء فرقًا ثالثًا تزيد به ولاية المحتسب على ولاية القاضي، وهي ولاية المحتسب على الأمر والنهي، فما لا يدخل في صلاحية القاضي ولا يجري فيه الحكم، فللمحتسب أن يأمر العامّة بالصلاة في أوقاتها، ويأمر بالجمعة والجماعات، وينهى عن منكرات المساجد، وعن تأخير الصلاة عن أوقاتها، ونحو ذلك مما لا يجري فيه حكم القضاء، ولا ينظر فيه القاضي.
شروط المحتسب:
٢٧٨- اشترط الفقهاء شروطًا معينة في المحتسب ليكون أهلًا للاحتساب، وهذه الشروط:
أولًا: أن يكون مكلفًا؛ لأن غير المكلَّف لا يلزمه أمر ولا يجب عليه تكليف.
والمكلَّف في اصطلاح الفقهاء هو البالغ العاقل، وهذا في الحقيقة شرط وجوب الاحتساب على المسلم، أمَّا إمكان الحسبة وجوازها فلا يستدعي إلّا العقل، حتى إنَّ الصبي المميِّز وإن لم يكن مكلفًا فله إنكار المنكر، وليس لأحد منعه من ذلك؛ لأن احتسابه
стр. 177
من القربات، وهو من أهلها كالصلاة، وليس حكم احتسابه حكم الولايات، حتى يشترط له التكليف.
ثانيًا: أن يكون مسلمًا، وهذا شرط واضح؛ لأن الحسبة نصرة للدِّين، فلا يكون من أهل النصرة من هو جاحد لأصل الدين.
٢٧٩- ثالثًا: الإذن من الإمام أو نائبه، وهذا شرط محلّ نظر، ذلك أنَّ المحتسب إذا عُيِّنَ من قِبَل ولي الأمر فلا حاجة له للإذن؛ لأنه ما عُيِّنَ إلّا للاحتساب، أما إذا لم يكن معينًا وهو الذي يسمونه: المتطوع، فإن اشترطوا له الإذن لكلِّ نوعٍ من أنواع الحسبة، فإن اشتراطهم هذا لا دليل عليه، بل إنَّ النصوص تدفعه؛ لأنَّ كل مسلم يلزمه تغيير المنكر إذا رآه وقدر على إزالته دون اشتراط إذن من الإمام، ويؤيد ذلك استمرار السلف الصالح على الحسبة دون إذن من الإمام، فضلًا عن أنَّ الحسبة تجري على الإمام نفسه، فكيف يحتاج المحتَسب إلى إذن منه للإنكار عليه؟
وإن اشترطوا الإذن بالنسبة لبعض أنواع الحسبة، وهي التي تجري فيها التعزير واتخاذ الأعوان واستعمال القوة، فهذا الشرط له وجه مقبول لابتنائه على المصلحة؛ لأن إباحة هذا النوع من الاحتساب لكلِّ أحد قد يؤدي إلى الفتنة والفوضى ووقع الاقتتال بين الناس بحجة الحسبة، وباشتراط الإذن تندفع هذه الأضرار، فيلزم الإذن لأنَّ دفع الضر واجب، وما يستلزمه هذا الدفع يكون مشروعًا، ومع هذا التوجيه المقبول نرى جواز تغيير المنكر من المتطوع إذا أمِنَ الفتنة، وإن استلزم التغيير اتخاذ الأعوان واستعمال القوة ومباشرة التعزير، كلما كان ذلك ضروريًّا، ولا يحتمل التأخير حتى يتحصَّل الإذن.
٢٨٠- رابعًا: العدالة، وهذا شرط قال به البعض، فعندهم لا بُدَّ أن يكون المحتسب عدلًا غير فاسق، ومن مظاهر عدالته أنَّه يعمل بما يعلم، ولا يخالف قوله عمله، ويمكن أن يستدلَّ لهذا القول بما يأتي:
أ- قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ .
ب- المطلوب من المسلم أن يعمل بما يدعو الناس إليه، ولا يخالف قوله فعله؛ ليكون لقوله التاثير المطلوب في رفع المنكر واستجابة الناس له، ولهذا قال شعيب ﵇-
стр. 178
لقومه، كما أخبرنا الله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ ، وفي الحديث الشريف أن النبي ﷺ قال: "رأيت ليلة أسري بي رجالًا تقرض شفاهمم بالمقاريض، فقلت له: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطبأء أمتك الذين يأمرون الناس بالبرِّ وينسون أنفسهم".
٢٨١- وقال البعض الآخر: العدالة ليست شرطًا، وإنما الشرط القدرة على إزالة المنكر؛ لأنه ما من أحد إلّا ويصدر منه العصيان، والمعصية تثلم العدالة، فكيف يشترط ما يتعذّر تحققه في المسلم؟ ولهذا قال سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى: "إذا كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلّا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء".
٢٨٢- والراجح عدم اشتراط العدالة في المحتسب من حيث المبدأ، ومن حيث الجملة دون التفصيل؛ لأن الاحتساب فرض كسائر الفروض الإسلامية لا يتوقَّف القيام به على أكثر مما يتطلبه ويحتاجه هذا الفرض، وليس مما يتوقَّف عليه أن يكون المحتسب عدلًا بالاصطلاح المعروف عند الفقهاء؛ لأنَّ ما يأمر به المحتسب أو ينهى عنه هو من الأمور الحسنة والمشروعة، والحقّ ينبغي أن يُتَّبع ويقبل من قائله بغضِّ النظر عن فعله وسلوكه، وما احتجَّ به المشترطون لا حجة لهم فيه؛ لأنَّ الذمَّ على من يأمر غيره بالمعروف وينسى نفسه إنما استحق هذا الذم بسبب ارتكابه ما نهى عنه، لا على نهيه عن المنكر، وإن كان النهي عن المنكر ممن يأتيه مستقبحًا في النفوس، كما أنَّ أمره بالمعروف دلَّ على قوة علمه، وعقاب العالم وذمه إذا ارتكب المنكر أشد من الجاهل إذا ارتكب المنكر، وعليه فإنَّ الإنكار في قوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، إنما كان عليهم بسبب أنَّهم نسوا أنفهسم لا بسبب أنَّهم أمروا غيرهم بالمعروف.
٢٨٣- ومع ترجيحنا عدم اشتراط العدالة في المحتسب من حيث المبدأ والأصل، إلّا أنَّ العدالة لها تأثير في بعض أنواع الحسبة وفي وجوبها أو عدم وجوبها، ومن ثَمَّ يكون لاشتراط العدالة وجه مقبول، وبيان ذلك أنَّ الحسبة إذا كانت بالوعظ والإرشاد فإنَّ نفعها المرجوّ يحصل إذا كان المحتسب ورعًا تقيًّا عدلًا؛ حيث يكون لكلامه ووعظه -عادة- تأثير في الناس وقبول عندهم، فيتركون المنكر؛ وحيث كان نفع الحسبة مرجوًا بالوعظ ولا ضرر للمحتسب منه كانت الحسبة عليه واجبة،
стр. 179
فيكون اشتراط العدالة في هذه الحالة لوجوب الحسبة اشتراطًا مقبولًا، أمَّا إذا كان المحتسب فاسقًا غيرعدل فالغالب أنَّ وعظه لا يؤثِّر ولا يقبل فلا يفيد، وإذا لم ينفع وعظه لم تجب عليه الحسبة لفقدان شرط وجوبها وهو العدالة.
أما إذا كانت الحسبة بالقوة والقهر فالعدالة ليست شرطًا في المحتسب لوجوب الحسبة عليه؛ إذ الشرط لوجوبها عليها القوة والقدرة وليست العدالة؛ ولأن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
٢٨٤- ومع هذا التفصيل الذي بيناه، فإنَّه مما لا ريب فيه أنَّ من المرغرب فيه بالنسبة لجميع المحتسبين أن يكونوا على أكبر قدر ممكن من العدالة وتجنب ما يخدشها، وكلما كان المحتسب أكثر عدالة من غيره، كان كما قالوا: "أزيد في توقيره وأنفى للطعن في دينه"، وتؤثر حسبته وتُقْبَل وإن كانت بالقوة والقهر.
٢٨٥- خامسًا: العلم، ويشترط في المحتَسِب أن يكون عنده من العلم ما يستطيع أن يعرف المنكر فينهى عنه، ويعرف المعروف فيأمر به، حسب الموازين الشرعية، وبهذا يكون احتسابه عن علم ومعرفة لا عن جهل وتخبُّط، وقد جاء في الأثر: "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلّا من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه"، ويدخل في حدِّ العلم المطلوب علم المحتسب بمواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها؛ ليقف عند حدود الشرع كما سنبينه فيما بعد، ولكن هل يشترط في المحتَسِب أن يكون مجتهدًا؟ الجواب بالإيجاب إذا قلنا: للمحتسب أن يحمل الناس على رأيه في الأمور المختلف فيها، أمَّا إذا قلنا: ليس للمحتسب ذك، فالاجتهاد ليس شرطًا، وإنما يكفي أن يكون عالمًا بالمنكرات المتفق عليها، وبالمعروف المتفق عليه، وعدم شرط الاجتهاد هو ما نرجِّحه.
٢٨٦- وهل يشترط في المحتسب أن يكون عارفًا بالصنائع الدنيوية والمهن والحرف التي يباشرها الناس؟ الواقع أنَّ هذا التساؤل وارد؛ لأنَّ عمل المحتسب يشمل مراقبة هذه المهن والحرف؛ ليتأكد من عدم غشِّ أصحابها واحتيالهم وإضرارهم بالناس، فقد ذكر الفقهاء أنَّ على المحتسب أن يراقب أصحاب المِهَن والصنائِع المختلفة، ويمنعهم من الغش فيها، كما يمنع مباشرتها من قِبَل الجهال بها، ومن البديهي أنَّ ذلك لا يتأتَّى للمحتسب إلّا إذا كان عارفًا بهذه الصنائع والحِرَف، بل ذهب
стр. 180
الفقهاء إلى أنَّ المحتَسِب يمتحن بعض أصحاب المهن العلمية كالكحال -طبيب العيون؛ ليتأكَّد من صلاحيته لهذه المهنة، وهذا يستلزم معرفة المحتسب لهذا الجانب من العلم، قال الفقيه عبد الرحمن بن نصر الشيزري: "وأمَّا الكحالون فيمتحنهم المحتسب.. فمن وجده فيما امتحنه عارفًا بتشريح عدد طبقات العين السبعة.. وكان خبيرًا بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير، أذِن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس"، كما صرَّح الفقهاء بضرورة معرفة المحتسب بالأوزان ونحوها، فمن أقوالهم: "لمَّا كانت هذه -أي: القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهم- أصول المعاملات، وبها اعتبار المبيعات، لزم المحتسب معرفتها وتحقيق كميتها؛ لتقع المعاملة بها من غير غَبْنٍ على الوجه الشرعي".
٢٨٧- على هذا يجب على المحتسب أن يعرف ما يحتسب فيه من المِهَن والحِرَف والصنائع، ولكن يمكن أن يقال: إن إلزام المحتسب بمعرفة هذه الأشياء كلها أو أكثرها، بل وحتى بعضها، مما يشق عليه ويعسر، ولهذا نرى أنَّ وجوب هذه المعرفة في المحتسب يمكن أن تتحقق باستعانته بذوي الخبرة بهذه الأشياء، سواء كان هؤلاء الخبراء من أعوانه الدائمين أو من غيرهم، فيستشيرهم فيما يحتسب فيها من شئون هذه المهن والحرف والصنائع، ويأخذ بأقوالهم ما داموا أمناء ثقاة.
٢٨٨- سادسًا: القدرة، ويشترط في المحتسب أن يكون قادرًا على الاحتساب باليد واللسان، وإلّا وقف عند الإنكار القلبي، وهذا الشرط مفهوم فيمن يقوم بالاحتساب من تلقاء نفسه وبدون تعيين من ولي الأمر، أمَّا المعيَّن فإنَّ القدرة حاصلة فيه؛ لأنَّ الدولة معه، هذا ولا يقف سقوط وجوب الحسبة على العجز الحسي، بل يلحق به ما يخاف من المكروه الذي ينزل به ولا يطيقه على النحو الذي سنبينه فيما بعد إن شاء الله.
آداب المحتسب:
٢٨٩- ذكر الفقهاء جملةً من الآداب التي يجب على المحتسب التحلي بها حتى بنجح في عمله، ويؤدي واجب الحسبة على الوجه المرضي المقبول، فمن ذلك ما قالوه: إنَّ على المحتسب أن يقصد باحتسابه وجه الله تعالى وطلب رضاه، ولا يقصد بحسبته الرياء والسمعة والجاه والمنزلة عند الناس، والواقع أنَّ خلوص النية مما يلزم المسلم في
следующие страницы →