← Общие книги

Общие книги · id 22615

أصول الدعوة

عبد الكريم زيدان

Полный текст (507 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الوجه الأول: ليس للمحتسب سماع الدعاوى التي تخرج عن نطاق المنكرات الظاهرة، أي: التي تخرج عن نطاق الدعاوى الثلاث التي أشرنا إليها في أوجه الاتفاق. الوجه الثاني: له النظر في الحقوق المعترف بها، أمَّا ما يدخله التجاحد والتناكر لا ينظر فيه؛ لأنَّ الحق لا يثبت عند ذاك إلّا ببينة من المدعي، أو تحليف المنكر اليمين، وهذا للقاضي لا للمحتسب. ثانيًا: وتزيد ولاية المحتسب على ولاية القاضي من وجهين: ١- للمحتسب أن يأمر بما هو معروف وينهى عمَّا هو منكر، وإن لم يرتفع إليه في ذلك خصم، ولم يتقدم إليه أحد بدعوى، وليس للقاضي ذلك إلّا برفع دعوى ومطالبة خصم. ٢- للمحتسب من سلاطة السلطة فيما يتعلق بالمنكرات الظاهرة ما ليس للقاضي؛ لأن الحسبة -كما يقول الفقهاء: تقوم على الرهبة، فلا تجافيها الغلظة واتخاذ الأعوان وسللاطة السلطة، أما القضاء فموضوع لإنصاف الناس واستماع البينات، حتى يتبيِّن المحِقُّ من المبطِل، فكان الملائم له الأناة والوقار والبعد عن الغلظة والخشونة والرهبة. ٢٢٧- ويمكن أن نضيف إلى ما قاله الفقهاء فرقًا ثالثًا تزيد به ولاية المحتسب على ولاية القاضي، وهي ولاية المحتسب على الأمر والنهي، فما لا يدخل في صلاحية القاضي ولا يجري فيه الحكم، فللمحتسب أن يأمر العامّة بالصلاة في أوقاتها، ويأمر بالجمعة والجماعات، وينهى عن منكرات المساجد، وعن تأخير الصلاة عن أوقاتها، ونحو ذلك مما لا يجري فيه حكم القضاء، ولا ينظر فيه القاضي. شروط المحتسب: ٢٧٨- اشترط الفقهاء شروطًا معينة في المحتسب ليكون أهلًا للاحتساب، وهذه الشروط: أولًا: أن يكون مكلفًا؛ لأن غير المكلَّف لا يلزمه أمر ولا يجب عليه تكليف. والمكلَّف في اصطلاح الفقهاء هو البالغ العاقل، وهذا في الحقيقة شرط وجوب الاحتساب على المسلم، أمَّا إمكان الحسبة وجوازها فلا يستدعي إلّا العقل، حتى إنَّ الصبي المميِّز وإن لم يكن مكلفًا فله إنكار المنكر، وليس لأحد منعه من ذلك؛ لأن احتسابه

стр. 177

من القربات، وهو من أهلها كالصلاة، وليس حكم احتسابه حكم الولايات، حتى يشترط له التكليف. ثانيًا: أن يكون مسلمًا، وهذا شرط واضح؛ لأن الحسبة نصرة للدِّين، فلا يكون من أهل النصرة من هو جاحد لأصل الدين. ٢٧٩- ثالثًا: الإذن من الإمام أو نائبه، وهذا شرط محلّ نظر، ذلك أنَّ المحتسب إذا عُيِّنَ من قِبَل ولي الأمر فلا حاجة له للإذن؛ لأنه ما عُيِّنَ إلّا للاحتساب، أما إذا لم يكن معينًا وهو الذي يسمونه: المتطوع، فإن اشترطوا له الإذن لكلِّ نوعٍ من أنواع الحسبة، فإن اشتراطهم هذا لا دليل عليه، بل إنَّ النصوص تدفعه؛ لأنَّ كل مسلم يلزمه تغيير المنكر إذا رآه وقدر على إزالته دون اشتراط إذن من الإمام، ويؤيد ذلك استمرار السلف الصالح على الحسبة دون إذن من الإمام، فضلًا عن أنَّ الحسبة تجري على الإمام نفسه، فكيف يحتاج المحتَسب إلى إذن منه للإنكار عليه؟ وإن اشترطوا الإذن بالنسبة لبعض أنواع الحسبة، وهي التي تجري فيها التعزير واتخاذ الأعوان واستعمال القوة، فهذا الشرط له وجه مقبول لابتنائه على المصلحة؛ لأن إباحة هذا النوع من الاحتساب لكلِّ أحد قد يؤدي إلى الفتنة والفوضى ووقع الاقتتال بين الناس بحجة الحسبة، وباشتراط الإذن تندفع هذه الأضرار، فيلزم الإذن لأنَّ دفع الضر واجب، وما يستلزمه هذا الدفع يكون مشروعًا، ومع هذا التوجيه المقبول نرى جواز تغيير المنكر من المتطوع إذا أمِنَ الفتنة، وإن استلزم التغيير اتخاذ الأعوان واستعمال القوة ومباشرة التعزير، كلما كان ذلك ضروريًّا، ولا يحتمل التأخير حتى يتحصَّل الإذن. ٢٨٠- رابعًا: العدالة، وهذا شرط قال به البعض، فعندهم لا بُدَّ أن يكون المحتسب عدلًا غير فاسق، ومن مظاهر عدالته أنَّه يعمل بما يعلم، ولا يخالف قوله عمله، ويمكن أن يستدلَّ لهذا القول بما يأتي: أ- قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . ب- المطلوب من المسلم أن يعمل بما يدعو الناس إليه، ولا يخالف قوله فعله؛ ليكون لقوله التاثير المطلوب في رفع المنكر واستجابة الناس له، ولهذا قال شعيب ﵇-

стр. 178

لقومه، كما أخبرنا الله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ ، وفي الحديث الشريف أن النبي ﷺ قال: "رأيت ليلة أسري بي رجالًا تقرض شفاهمم بالمقاريض، فقلت له: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطبأء أمتك الذين يأمرون الناس بالبرِّ وينسون أنفسهم". ٢٨١- وقال البعض الآخر: العدالة ليست شرطًا، وإنما الشرط القدرة على إزالة المنكر؛ لأنه ما من أحد إلّا ويصدر منه العصيان، والمعصية تثلم العدالة، فكيف يشترط ما يتعذّر تحققه في المسلم؟ ولهذا قال سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى: "إذا كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلّا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء". ٢٨٢- والراجح عدم اشتراط العدالة في المحتسب من حيث المبدأ، ومن حيث الجملة دون التفصيل؛ لأن الاحتساب فرض كسائر الفروض الإسلامية لا يتوقَّف القيام به على أكثر مما يتطلبه ويحتاجه هذا الفرض، وليس مما يتوقَّف عليه أن يكون المحتسب عدلًا بالاصطلاح المعروف عند الفقهاء؛ لأنَّ ما يأمر به المحتسب أو ينهى عنه هو من الأمور الحسنة والمشروعة، والحقّ ينبغي أن يُتَّبع ويقبل من قائله بغضِّ النظر عن فعله وسلوكه، وما احتجَّ به المشترطون لا حجة لهم فيه؛ لأنَّ الذمَّ على من يأمر غيره بالمعروف وينسى نفسه إنما استحق هذا الذم بسبب ارتكابه ما نهى عنه، لا على نهيه عن المنكر، وإن كان النهي عن المنكر ممن يأتيه مستقبحًا في النفوس، كما أنَّ أمره بالمعروف دلَّ على قوة علمه، وعقاب العالم وذمه إذا ارتكب المنكر أشد من الجاهل إذا ارتكب المنكر، وعليه فإنَّ الإنكار في قوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، إنما كان عليهم بسبب أنَّهم نسوا أنفهسم لا بسبب أنَّهم أمروا غيرهم بالمعروف. ٢٨٣- ومع ترجيحنا عدم اشتراط العدالة في المحتسب من حيث المبدأ والأصل، إلّا أنَّ العدالة لها تأثير في بعض أنواع الحسبة وفي وجوبها أو عدم وجوبها، ومن ثَمَّ يكون لاشتراط العدالة وجه مقبول، وبيان ذلك أنَّ الحسبة إذا كانت بالوعظ والإرشاد فإنَّ نفعها المرجوّ يحصل إذا كان المحتسب ورعًا تقيًّا عدلًا؛ حيث يكون لكلامه ووعظه -عادة- تأثير في الناس وقبول عندهم، فيتركون المنكر؛ وحيث كان نفع الحسبة مرجوًا بالوعظ ولا ضرر للمحتسب منه كانت الحسبة عليه واجبة،

стр. 179

فيكون اشتراط العدالة في هذه الحالة لوجوب الحسبة اشتراطًا مقبولًا، أمَّا إذا كان المحتسب فاسقًا غيرعدل فالغالب أنَّ وعظه لا يؤثِّر ولا يقبل فلا يفيد، وإذا لم ينفع وعظه لم تجب عليه الحسبة لفقدان شرط وجوبها وهو العدالة. أما إذا كانت الحسبة بالقوة والقهر فالعدالة ليست شرطًا في المحتسب لوجوب الحسبة عليه؛ إذ الشرط لوجوبها عليها القوة والقدرة وليست العدالة؛ ولأن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ٢٨٤- ومع هذا التفصيل الذي بيناه، فإنَّه مما لا ريب فيه أنَّ من المرغرب فيه بالنسبة لجميع المحتسبين أن يكونوا على أكبر قدر ممكن من العدالة وتجنب ما يخدشها، وكلما كان المحتسب أكثر عدالة من غيره، كان كما قالوا: "أزيد في توقيره وأنفى للطعن في دينه"، وتؤثر حسبته وتُقْبَل وإن كانت بالقوة والقهر. ٢٨٥- خامسًا: العلم، ويشترط في المحتَسِب أن يكون عنده من العلم ما يستطيع أن يعرف المنكر فينهى عنه، ويعرف المعروف فيأمر به، حسب الموازين الشرعية، وبهذا يكون احتسابه عن علم ومعرفة لا عن جهل وتخبُّط، وقد جاء في الأثر: "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلّا من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه"، ويدخل في حدِّ العلم المطلوب علم المحتسب بمواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها؛ ليقف عند حدود الشرع كما سنبينه فيما بعد، ولكن هل يشترط في المحتَسِب أن يكون مجتهدًا؟ الجواب بالإيجاب إذا قلنا: للمحتسب أن يحمل الناس على رأيه في الأمور المختلف فيها، أمَّا إذا قلنا: ليس للمحتسب ذك، فالاجتهاد ليس شرطًا، وإنما يكفي أن يكون عالمًا بالمنكرات المتفق عليها، وبالمعروف المتفق عليه، وعدم شرط الاجتهاد هو ما نرجِّحه. ٢٨٦- وهل يشترط في المحتسب أن يكون عارفًا بالصنائع الدنيوية والمهن والحرف التي يباشرها الناس؟ الواقع أنَّ هذا التساؤل وارد؛ لأنَّ عمل المحتسب يشمل مراقبة هذه المهن والحرف؛ ليتأكد من عدم غشِّ أصحابها واحتيالهم وإضرارهم بالناس، فقد ذكر الفقهاء أنَّ على المحتسب أن يراقب أصحاب المِهَن والصنائِع المختلفة، ويمنعهم من الغش فيها، كما يمنع مباشرتها من قِبَل الجهال بها، ومن البديهي أنَّ ذلك لا يتأتَّى للمحتسب إلّا إذا كان عارفًا بهذه الصنائع والحِرَف، بل ذهب

стр. 180

الفقهاء إلى أنَّ المحتَسِب يمتحن بعض أصحاب المهن العلمية كالكحال -طبيب العيون؛ ليتأكَّد من صلاحيته لهذه المهنة، وهذا يستلزم معرفة المحتسب لهذا الجانب من العلم، قال الفقيه عبد الرحمن بن نصر الشيزري: "وأمَّا الكحالون فيمتحنهم المحتسب.. فمن وجده فيما امتحنه عارفًا بتشريح عدد طبقات العين السبعة.. وكان خبيرًا بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير، أذِن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس"، كما صرَّح الفقهاء بضرورة معرفة المحتسب بالأوزان ونحوها، فمن أقوالهم: "لمَّا كانت هذه -أي: القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهم- أصول المعاملات، وبها اعتبار المبيعات، لزم المحتسب معرفتها وتحقيق كميتها؛ لتقع المعاملة بها من غير غَبْنٍ على الوجه الشرعي". ٢٨٧- على هذا يجب على المحتسب أن يعرف ما يحتسب فيه من المِهَن والحِرَف والصنائع، ولكن يمكن أن يقال: إن إلزام المحتسب بمعرفة هذه الأشياء كلها أو أكثرها، بل وحتى بعضها، مما يشق عليه ويعسر، ولهذا نرى أنَّ وجوب هذه المعرفة في المحتسب يمكن أن تتحقق باستعانته بذوي الخبرة بهذه الأشياء، سواء كان هؤلاء الخبراء من أعوانه الدائمين أو من غيرهم، فيستشيرهم فيما يحتسب فيها من شئون هذه المهن والحرف والصنائع، ويأخذ بأقوالهم ما داموا أمناء ثقاة. ٢٨٨- سادسًا: القدرة، ويشترط في المحتسب أن يكون قادرًا على الاحتساب باليد واللسان، وإلّا وقف عند الإنكار القلبي، وهذا الشرط مفهوم فيمن يقوم بالاحتساب من تلقاء نفسه وبدون تعيين من ولي الأمر، أمَّا المعيَّن فإنَّ القدرة حاصلة فيه؛ لأنَّ الدولة معه، هذا ولا يقف سقوط وجوب الحسبة على العجز الحسي، بل يلحق به ما يخاف من المكروه الذي ينزل به ولا يطيقه على النحو الذي سنبينه فيما بعد إن شاء الله. آداب المحتسب: ٢٨٩- ذكر الفقهاء جملةً من الآداب التي يجب على المحتسب التحلي بها حتى بنجح في عمله، ويؤدي واجب الحسبة على الوجه المرضي المقبول، فمن ذلك ما قالوه: إنَّ على المحتسب أن يقصد باحتسابه وجه الله تعالى وطلب رضاه، ولا يقصد بحسبته الرياء والسمعة والجاه والمنزلة عند الناس، والواقع أنَّ خلوص النية مما يلزم المسلم في

стр. 181

جميع أعماله، فإنَّ الله تعالى لا يقبل من العمل إلّا ما كان خالصًا لوجه الكريم، ولكنَّ حاجة المسلم إلى الإخلاص تعظم وتشتد كلما كان علمه بطبيعته ظاهرًا أو متعلقًا بالآخرين، ولهذا قد يتسرَّب الوسواس إلى بعض الأتقياء، فيتركون الحسبة بحجّة عدم خلوص النية، ونقول لهؤلاء الطيبين الورعين: إنَّ عليهم أن يقوموا بالحسبة ويدفعوا هواجس الرياء، ولا يتعقَّموا في ذلك أو يسترسلوا في الخوف من الرياء؛ لأنَّ الشيطان قد يفتح عليهم بابًا من الوسواس الذي لا ينتهي. ٢٩٠- وقالوا: إنَّ المحتسب يلزمه الصبر والحلم بالإضافة إلى بقية الأخلاق الحسنة، والواقع أنَّ تأكيد فقهائنا -رحمهم الله تعالى- على الصبر والحلم له ما يبرره؛ لأنَّ الغالب لحوق الأذى والمضايقات بالمحتسب، فإن لم يكن صبورًا حليمًا كان ضرره أكبر من نفعه، وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه، وفاته ما كان مرجوًّا من احتسابه. ٢٩١- وقالوا أيضًا: يجب أن يكون المحتسب رقيقًا رفيقًا في أمره ونهيه، بعيدًا عن الفظاظة مع صلابة بالدِّين، وقد يبدو قولهم لأوَّل وهلة متناقضًا؛ إذ كيف يتفق الرفق مع الصلابة، والحقيقة لا تناقض، فالرفق وعدم الفظاظة مِمَّا أمر به الشرع، فقد جاء في الحديث الشريف: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله"، وفي القرآن الكريم: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ، فالمحتسب يستطيع أن يوصِّل أمره ونهيه بأسلوب رقيق يفتح مغاليق القلب، وسيأتي مزيد للكلام عن هذه المسالة فيما بعد إن شاء الله تعالى، أمَّا الصلابة بالدِّين فتعني: عدم التهاون في بيان أحكامه، ولا المداهنة للمحتسب عليه، ولا مجازاته على حساب الدِّين، وهذا لا يتناقض مع الرفق. ٢٩٢- وقالوا أيضًا: على المحتسب أن يقلل علاقاته مع الناس حتى لا يكثر خوفه من انقطاعها، وأن يقطع طمعه من الخلائق حتى تزول معاني الملق والمداهنة، وأن لا يقبل هداياهم فضلًا عن رشاواهم التي هي حرام وسحت، وأن يلزم أعوانه بما التزمه من الأخلاق والآداب، فإذا علم أن أحدًا من أعوانه خرج عن هذا النهج والسلوك عزله وأبعده إذا لم ينفع مع التحذير؛ لتنتفي عن المحتسب الظنون، وتنجلي عنه الشهبات، كما قال الفقهاء ﵏: لأنَّ الناس -غالبًا- يحمِّلُون المحتسب أوزار أعوانه، وقليل منهم من يفصل بين أعمالهم وأعماله، فلا خلاص من ذلك إلا بإبعاد الأعوان السيئين عنه.

стр. 182

المطلب الثالث: المحتَسَب عليه التعريف به وبشرطه: ٢٩٣- المحتسب عليه هو كل إنسان يباشر أيَّ فعل يجوز أو يجب فيه الاحتساب، ويسمَّى المحتَسَب عليه أو المحتَسَب معه. ويشترط فيه أن يكون بصفة يصير الفعل الممنوع منه في حقه منكرًا، وإن لم يكن معصية يحاسب عليها ديانة، وعلى هذا لا يشترط فيه أن يكون بالغًا عاقلًا، فالمجنون إذا زنى وجب الاحتساب معه، وكذا الصبي مميزًا كان أو غير مميزٍ إذا شرب الخمر أو همَّ بشربه أنكر عليه المحتسب وحال بينه وبين شربها، وإن كان فعل هذا الصبي لا يعتبر معصية يحاسب عليها ديانة. أنواع المحتَسَب عليهم: ٢٩٤- قلنا: إنَّ المحتَسَب عليه هو كلّ إنسان يباشر ما تجري فيه الحسبة، وعلى هذا يمكن أن يكون محتسبًا عليه أيّ فرد في المجتمع بلا استثناء، إذا ما صدر منه ما تجري فيه الحسبة، سواء كان إمامًا للمسلمين، أو واحدًا من عموم الناس، وعلى هذا تجري الحسبة على الأصناف الآتية التي قد يظنّ البعض عدم جريانها عليهم، أو يتهاونون في الاحتساب معهم، أو أنَّ الحسبة معهم تكون بشكل معين. أولًا: الأقارب ٢٩٥- تجري الحسبة على الأقارب والأباعد على حد سواء؛ لأن الحسبة أمر بمعروف ونهي عن منكر، والكل أمام هذا الفرض سواء، ولكن الفقهاء -رحمهم الله تعالى- قالوا: احتساب الابن على والديه يكون ببيان الحكم الشرعي والموعظة الحسنة والتخويف من الله تعالى، ولا يتعدَّى ذلك إلى الوسائل الأخرى كالكلام الغليظ والضرب، رعايةً لحقِّ الأبوة والأمومة دون تفريط بواجب الاحتساب. ثانيًا: غير المسلمين ٢٩٦- ويجري الاحتساب على غير المسلم المقيم في دار الإسلام ذميًّا كان أو

стр. 183

مستأمنًا؛ لأننا وإن أمرنا بتركهم وما يدينون إلّا أنَّ هذا الترك لهم لا يعني تركهم يخرقون نظام الإسلام ويتعاطون ما يناقضه علانية، وإنما يعني تركهم وما يعتقدون وما يباشرونه في بيوتهم ومعابدهم من صنوف العبادة، أمَّا إذا تظاهروا وأعلنوا ما يناقض الإسلام، كما لو سكروا في قارعة الطريق، أو خطبوا في الناس يعلنون شتمهم للإسلام وتكذيبهم لنبي الإسلام، فإنهم يمنعون من ذلك، وتجري الحسبة عليهم في ضوء ما يفعلون. ثالثًا: الأمراء ٢٩٧- ويجري الاحتساب على السلطان ونوابه وسائر ذوي الإمرة والولاية، كما يجري على آحاد الناس، ولكن يجب أن يلاحظ المحتسب منزلة السلطان وفِقْهِ الاحتساب معه، ومن هنا قال الفقهاء: يكون الاحتساب عليه بتعريف الحكم الشرعي والوعظ لا بالقوة والقهر، وقد زخر تاريخنا الإسلامي بأخبار المحتسبين مع الخلفاء والأمراء دون أن يلحقهم أذى، بل كانوا يقابلون بالقبول والتقدير، وهكذا يكون شأن الحكام الصالحين. رابعًا: القضاة ٢٩٨- وتجري الحسبة على القضاة، قال الفقهاء: "وينبغي للمحتسب أن يتردَّد على مجالس القضاة والحكام ويمنعهم من الجلوس في الجامع للحكم بين الناس، وأنه متى رأى المحتسب القاضي قد استشاط على رجل غضبًا أو شتمه أو احتدَّ عليه في كلامه ردعه عن ذلك، ووعظه وخوَّفه بالله ، فإنَّ القاضي لا يجوز أن يحكم وهو غضبان، ولا يقول هجرًا ولا يكون فظًّا غليظًا". خامسًا: أصحاب المهن المختلفة ٢٩٩- ويجري الاحتساب على جميع المِهَن والحِرَف والصنائع المختلفة؛ لأنَّ للإسلام حكمه فيهم وفيما يباشرونه، فمن أحكام الإسلام في الصنائع التي يحتاجها الناس أنَّه يعتبرها من فروض الكفاية، فإذا امتنع أصحابها عنها ألزمهم المحتسب بالقيام بها، وحكم الإسلام فيما يباشرونه هو أداؤه على الوجه الصحيح السليم الخالي من الغشِّ والتدليس والإضرار، ومن ثَمَّ كانت واجبات المحتسب تمتد إلى مراقبتهم جميعًا؛ ليقرهم على أعمالهم إن كان على الوجه الشرعي، ويمنهم منها إن كانت مخالفة للشرع، ولهذا بيِّنَ العلماء -رحمهم الله تعالى- الضوابط والحدود الواجب مراعاتها في مباشرة المهن المختلفة، والتي يجب على المحتسب التأكد من مراعاتها من قِبَل أصحاب هذه المهن.

стр. 184

المطلب الرابع: موضوع الحسبة المنكر هو موضوع الحسبة: ٣٠٠- قلنا في تعريف الحسبة: إنها أمر بمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن منكر إذا ظهر فعله، وهذا التعريف في الواقع يشمل موضوع الحسبة والاحتساب ذاته. فالموضوع هو المعروف والمنكر، والاحتساب هو الأمر بالأول والنهي عن الثاني. ثم إنَّ المنكر قد يكون بإيجاد فعلٍ نهت الشريعة عنه، وقد يكون بترك فعلٍ أمرت الشريعة بفعله، فيكون المنكر بهذ الاعتبار ذا وجهين: الأول: إيجابي يتمثَّل بإيجاد الفعل المحظور شرعًا. الثاني: سلبي يتحقق بترك الفعل المطلوب شرعًا، أي: المعروف، ويكون الاحتساب في الوجهين بالنهي عنهما، أي: بالنهي عن إيجاد الفعل المحظور حتى لا يوجد، أو الانكفاف عنه بعد وجوده، وبالنهي عن ترك الفعل المشروع حتى يوجد، وعلى هذا فنحن نؤثر أن نجعل موضوع الحسبة هو المنكر بوجهيه، ويكون الاحتساب فيه بالنهي عنه بهذين الوجهين. المقصود بالمنكر: ٣٠١- وإذا كان موضوع الحسبة هو المنكر بوجهيه الإيجابي والسلبي، فما المقصود بالمنكر؟ الغالب أنَّ هذه الكلمة تطلق على المعصية، والمعصية هي مخالفة الشريعة بارتكاب ما نهت عنه، أو ترك ما أمرت به، سواءً كانت المعصية من صغائر الذنوب أو كبائرها، وسواءً تعلَّقت بحقِّ الله أو بحقِّ العبد، وسواءً ورد بها نصّ شرعي خاص، أو عرف حكمها من قواعد الشريعة وأصولها العامة، وما أرشدت إليه من

стр. 185

مصادر، وسواء كانت المعصية من أعمال القلوب أو أعمال الجوارح، ولكن كلمة المنكر في باب الحسبة تطلق على معنى أوسع مما ذكرناه، فتطلق على كل فعلٍ فيه مفسدة، أو نهت الشريعة عنه، وإن كان لا يعتبر معصية في حقِّ فاعله، إما لصغر سنِّه أو لعدم عقله، ولهذا إذا زنا المجنون أو همَّ بفعل الزنى، وإذا شرب الصبي الخمر، كان ما فعلاه منكرًا يستحق الإنكار، وإن لم يعتبر معصية في حقهمها؛ لفوات شرط التكليف وهو العقل والبلوغ. من يملك إعطاء وصف المنكر: ٣٠٢- والجهة التي تملك إعطاء المنكر لأيّ فعلٍ أو تركٍ هي الشريعة الإسلامية؛ لأن إعطاء هذا الوصف حكم شرعي، والحاكم هو الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ، وما على الفقهاء إلّا التعرُّف على حكم الله، فعملهم هو كشف عن الحكم الشرعي وليس إنشاء للحكم الشرعي، ولهذا إذا تبيِّن خطؤهم لم نتابعهم عليه؛ لأنَّ الحجة فيما بيِّنَه الشرع وقد ظهر لنا؛ ولأنَّ مهمة الفقهاء الكشف وليس الإنشاء كما قلنا. ٣٠٣- وقد يعترض البعض علينا بأنَّ الفقهاء قالوا: إن ما رآه المسلمون حسنًا أو قيبحًا دخل في موضوع الحسبة، أمرًا بالأول ونهيًا عن الثاني، فكيف نوفِّق بين هذا القول وبين ما قلناه؟ والجواب: إنَّ الشريعة الإسلامية دلَّت على أنَّ الإجماع حجة معتبرة، فإذا أخذنا بما رآه المسلمون حسنًا فأمرنا به وبما رأوه قبيحًا فنهينا عنه، فإنما نأخذ بدليل الإجماع، وهو دليل شرعي أرشدتنا إليه الشريعة. وكذلك أخذنا بالعرف الصحيح هو اتباع بما أرشدتنا إليه الشريعة من مراعاة العرف الصحيح. شروط المنكر: ٣٠٤- وإذا كان المنكر بوجهيه هو موضوع الحسبة، فلا بُدَّ من توافر شروط معينة فيه ليمكن الاحتساب فيه، فما هي هذه الشرط؟ قال علماؤنا -رحمهم الله تعالى: يشترط فيه أن يكون ظاهرًا وقائمًا في الحال، ومتفقًا على حكمه، ولا بُدَّ من الكلام بإيجاز عن كل شرط:

стр. 186

أولًا: ان يكون ظاهرًا ٣٠٥- المراد بظهور المنكر انكشافه للمحتسب وعلمه به بدون تجسس، سواء كان هذا الانكشاف والعلم به حصل عن طريق السمع أو البصر أو الشم أو اللمس أو الذوق؛ لأنَّ هذه الحواسّ طرق سليمة للعلم بالشيء، وبها يكون الشيء ظاهرًا ما دامت خالية من التجسس، وعلى هذا من كان في بيته وقد أغلق بابه عليه وقام بشيء من المنكر لم يجز للمحتسب أن يتسلّق الجدار أو يكسر الباب ليطَّلِع على ما يفعله أهل الدار، ولكن لو ظهر المنكر الذي يباشرونه عن طريق الصياح أو الاستغاثة، جاز للمحتسب اقتحام الدار لظهور المنكر عن طريق سمعه للصياح أو الاستغاثة. ويدخل في مفهوم أو في معنى ظهور المنكر أيّ مكان يغلب على ظنّ المحتسب وقوع المنكر فيه، فعليه أن يخرج إلى ذلك المكان ويقوم بالاحتساب فيه، ولا يجوز له أن يسقط وجوب الحسبة عليه بالقعود بالبيت، بحجة عدم انكشاف المنكر وظهوره له. ثانيًا: أن يكون قائمًا في الحال ٣٠٦- ومعنى ذلك أن يكون موجودًا في الحال؛ لأنَّ المنكر إذا وقع وانتهى فلا احتساب فيه على فاعله، وإنما لولي الأمر أن يعاقبه إذا ثبت ذلك عليه، ولكن يجوز الاحتساب على فاعله بوعظه بعدم العودة إليه. ولكن هل يشترط وجود المنكر فعلًا، أو يكفي وجود مقدماته، وإن لم يوجد بعد؟ الواقع أنَّ المنكر إذا ظهرت بوادره ولاحت علاماته، وقامت القرائن على وشك وقوعه، دخل في موضوع الحسبة، وجاز الاحتساب فيه بالوعظ والإرشاد بلا تقريع؛ إذ قد يحمل التقريب المحتسب عليه على ارتكاب المعصية على وجه العناد. ولكن إذا لم ينفع الوعظ ورأى المحتسب أن المنكر يوشك أن يقع، وإذا وقع لم يكن تلافيه، جاز أو وجب على المحتسب الاحتساب فيه بالوجه الذي يمنع وقوعه ما دام قادرًا على ذلك. وإذا كان وجود مقدِّمات المنكر يكفي لجريان الاحتساب فيه، فهل يكفي العزم على المنكر للاحتساب؟ الواقع أنَّ العزم على المنكر ما دام حديث نفس ولم يظهر في الخارج على شكل أشياء مادية تعتبر مقدّمات للمنكر لم يجز الاحتساب فيه، ولكن لو صرّح صاحب هذا العزم الخبيث بعزمه جاز للمحتسب أن يحتسب عليه بالوعظ

стр. 187

والإرشاد، والتخويف من الله تعالى بالقدر الذي يستحقه عزمه. ثالثًا: عدم الخلاف فيه ٣٠٧- ويشترط في المنكر أن يكون مما اتفق الفقهاء على اعتباره منكرًا، حتى لا يحتجّ المحتسب عليه بأنَّ ما يفعله جائز على رأي بعض الفقهاء، وإن كان غير جائز على رأي المحتسب. ولكن إذا كان المنكر بما اختلف الفقهاء فيه، فهل يمنع ذلك الاختلاف من الاحتساب فيه بدون قيد ولا شرط؟ الواقع أنَّ الخلاف إمَّا أن يكون سائغًا، وإمَّا أن لا يكون سائغًا، ولكلٍّ حكمه. أ- الخلاف السائغ يمنع من الاحتساب على رأي بعض الفقهاء، وقال آخرون: يجوز للمحتسب أن ينكر على فاعل المنكر المختلف فيه، بشرط أن يكون المحتسب مجتهدًا. ب- الخلاف غير السائغ، وهو الخلاف الشاذّ أو الباطل الذي لا يعتدّ به لعدم قيامه علي أيّ دليل مقبول، كالذي يخالف صريح القرآن أو السنة الصحيحة المتواترة أو المشهورة، او إجماع الأمة، أو ما عُلِمَ من الدِّين بالضرورة، فمثل هذا الخلاف لا قيمة له، ولا يمنع المحتسب من الإنكار والاحتساب. اتِّساع موضوع الحسبة ٣٠٨- الشرط الجوهري في موضوع الحسبة أن يكون منكرًا في الشريعة الإسلامية، وحيث إنَّ من صفات الشريعة الشمول، بمعنى أنَّ لها حكمًا في كل شيء بلا استثناء، فإن موضوع الحسبة يصير واسعًا جدًّا؛ بحيث يشمل جميع تصرفات وأفعال الإنسان، ولا يخرج من ذلك إلّا ما تتوافر فيه شروط الاحتساب، ولا يدخل في ولاية المحتسب، وقد أشار الفقهاء إلى هذه السعة، فالفقيه ابن الإخوة يقول: والمحتسب من نصَّبه الإمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعية، والكشف عن أمورهم

стр. 188

ومصالهم، وبياعاتهم ومأكولاتهم ومشروبهم وملبوسهم ومساكنهم وطرقهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر"، ويقول ابن خلدون وهو يتكلم عن المحتسب: "ويبحث عن المنكرات ويعزِّر ويؤدِّب إلى قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة، مثل المنع من المضايقات في الطرقات، ومنع الحمَّالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتعينة للسقوط بهدمها، وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة ... إلخ". أمثلة على اتساع موضوع الحسبة: ٣٠٩- أولًا: في الاعتقادات تجري الحسبة في أمور العقيدة، فمن أظهرَ عقيدة باطلة، أو أظهر ما يناقض العقيدة الإسلامية الصحيحة، أو دعا الناس إليها، أو حرَّف النصوص، أو ابتدع في الدين بدعة لا أصل لها، منع ذلك، وجرت الحسبة عليه؛ لأنَّ القول على الله ودينه بالباطل لا يجوز، ويناقض العقيدة الإسلامية التي من أصولها الانقياد والخضوع لله رب العالمين ولشرعه، ويدخل في ذلك رواية الأحاديث المقطوع ببطلانها وكذبها، وتفسير كتاب الله بالباطل من القول؛ كتفسير الباطنية الذي لا يحتمله النصوص ولا اللغة ولا الشرع ولا المنقول عن السلف الصالح. ٣٠٩- ثانيًا: في العبادات مثل ترك صلاة الجمعة من قِبَل أهل قرية أو بلدٍ مع توافر شرط إقامتها، وترك الأذان، والزيادة فيها بما لم يأت به الشرع، ومثل المخالفة لهيئات العبادات كالجهر في صلاة الإسرار، والإسرار في صلاة الجهر، أو الزيادة في الصلاة، أو عدم الطمأنينة فيها، وكالإفطار في رمضان، وكالامتناع عن إخراج الزكاة. ٣١٠- ثالثًا: في المعاملات مثل عقد العقود المحرَّمة، وأكل أموال الناس بالباطل بالربا وغيره، والرشوة والغش

стр. 189

في الصناعات والبياعات، يدل على ذلك الحديث الشريف عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ مَرَّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام"؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، مَنْ غشَّنَا فليس منا"، والواقع أنَّ الغش يكون في أشياء كثيرة جدًّا، فيكون مثلًا في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع، مثل أن يكون ظاهر المبيع خيرًا من باطنه، ويدخل في الصناعات مثل الذين يصفون المطعومات والملبوسات، فيجب نهي هؤلاء عن الغش الذي يرتكبونه في مصنوعاتهم أو بياعاتهم. ٣١١- رابعًا: فيما يتعلق بالطرق والدروب مثل بناء الدكات، ووضع الاسطوانات، وغرس الأشجار، ووضع الأخشاب والسلع والأطعمة في الطرقات، وذبح الحيوانات في الطريق وتلويث الأرض بالدماء، وطرح القمامة في الدروب والأزِقَّة، وإلقاء قشور البطيع فيها ورشها بالماء؛ بحيث يخشى منها الزلق، ونحو ذلك مما فيه ضرر بالناس، فيمنع ذلك كله ويحتسب فيه؛ لأنه ضرر وهو ممنوع في الشريعة، وإذا وقع يجب رفعه. ٣١٢- خامسًا: فيما يتعلق بالحرف والصناعات وقد ذكر الفقهاء جميع الحرف والصناعات وبينوا كيفية الاحتساب فيها، والأصول الجامعة في الاحتساب فيها هي: أ- من حيث المكان: فيجب أن يكون مكان الحرفة أو الصنعة لا ضرر فيه على الآخرين، فلا يكون مكان الخباز في سوق الأقمشة مثلًا، وأن يكون المكان بذاته صالحًا لمباشرة المهنة أو الصنعة، وصلاحه من جهة نظافته وسعته وتهويته. ب- من حيث أدوات الحرفة أو الصنعة: يجب أن تكون صالحة للاستعمال، وقد وضع الفقهاء -رحمهم الله تعالى- مقاييس لصلاح كل أداة كأنَّهم هم أصحاب تلك الصنائع والحرف، فالإمام الشيرازي يقول في مقلى الزلابية: "ينبغي أن يكون مقلى

стр. 190

الزلابية من النحاس الأحمر الجيِّد ... ثم يبيِّن الشيرازي ﵀ كيفية إعداده للاستعمال فيقول: ويحرق فيه النخالة ثم يدلكه بورق السلق إذا برد، ثم يعاد إلى النار، ويجعل فيه قليل من عسلٍ ويوقد عليه حتى يحترق العسل، ثم يجلى بعد ذلك بمدقوق الخزف، ثم يُغْسَل ويستعمل، فإنه ينفي من وسخه وزنجاره"، وقد ذكرت هذا الكلام بطوله ليتبيِّن للناس مدى اهتمام فقهائنا -رحمهم لله تعالى- بما ينفع للناس في حياتهم ويدفع عنهم الضرر في معايشهم. جـ- إذا كانت أدوات الحرفة مقاييس للوزن أو الكيل أو الذرع وجب التأكُّد من سلامة هذه المقاييس وصحتها. د- من جهة المصنوع أو المبيع: يجب أن يكون خاليًا من الغش والتدليس، فلا تخلط الحنطة بالتراب، ولا الطحين بغيره من المواد الرديئة، وأن توضع العلامات المميزة لكل نوع إذا اتحد الجنس، فتنقط لحوم المعز -كما قال الفقهاء- بنقط الزعفران حتى تُعْرَف وتميَّز من غيرها، وأن تبقى أذناب المعز معلقة على لحومها إلى آخر البيع. هـ- من جهة من يباشر الصنعة والحرفة: يجب أن يلاحظ المحتسب أهلتيهم، وقد ذكرنا من قبل قيام المحتسب بامتحان الكحَّال -طبيب العيون، وهكذا قالوا في امتحان أصحاب الحرف الأخرى كالمجبِّرين والفصَّادين والحجَّامين والجرَّاحين وغيرهم. كما تلاحظ أمانتهم وعفتهم. ٣١٣- سادسًا: فيما يتعلّق بالأخلاق والفضيلة ومما يلاحظه المحتسب ويحتسب فيه ما يتعلّق بالأخلاق والآداب والفضيلة، فيمنع مما يناقض الأخلاق الفاضلة والآداب الإسلامية مثل: الخلوة بالأجنبية، والتطلع على الجيران من السطوح والنوافذ، وجلوس الرجال في طرقات النساء وأماكن خروجهن، أو تجمعهن أو التحرّش بهنّ، ومثل التكشُّف بالطرقات بإظهار العورات وما لا يحل كشفه وإظهاره، ومنع من عرف بالفجور من معاملة النساء، قال أبو يعلى الحنبلي: "وإذا كان من أهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء راعى المحتَسِب سيرته وأمانته، فإذا تحققها منه أقره على معاملته، وإن ظرهت منه الريبة وبان عليه الفجور منعه من معاملتهن وأدَّبَه على التعرض لهنّ".

стр. 191

المطلب الخامس: الاحتساب معنى الاحتساب: ٣١٤- نريد بالاحتساب القيام فعلًا بالحِسْبة؛ كأن يأمر المحتسب بفعل معيِّن بكيفية معينة، أو يزيل منكرًا بيده؛ كأن يكسره أو يمزِّقه أو يتلفه، أو يدفع صاحب المنكر بيده، وبالقوة عمَّا هو فيه. ما يتم به الاحتساب: ٣١٥- الاحتساب الكامل يتمّ بازالته تمامًا ومحوه فعلًا ولو بالقوة عند الاقضاء من قِبَل المحسب أو أعوانه، أو من قِبَل صاحب المنكر نفسه، بأن يأمره المحتسب بتكسير آلة المنكر فيطيع أمره، فإن عجز المحتسب عن التغيير باليد انتقل إلى الاحتساب بالقول عن طريق الوعظ والإرشاد والتخويف من الله تعالى، وقد يزول المنكر بهذ الطريق وقد لا يزول، ويبقى صاحب المنكر مصرًّا على منكره، فإذا عجز المحتسب عن الإنكار بالقول تحوَّل إلى الإنكار بالقلب، بأن يكرهه بقلبه ويودّ لو استطاع تغييره، ودليل ما قلناه الحديث الشريف: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقبله، وذلك أضعف الإيمان". مراتب الاحتساب: ٣١٦- وبناء على ما تقدَّم تكون مراتب الاحتساب ثلاثة: المرتبة الأولى: تغيير المنكر باليد، أي: تغييره فعلًا ولو باستعمال القوة واستعمال

стр. 192

السلاح والاستعانة بالأعون، كما في دفع الصائل لتخليص النفس البرئية من الموت، وتخليص العرض المصون من الهتك، ويدخل في نطاق التغيير باليد ضرب المحتسب عليه أو حبسه أو دفعه لمنعه من مباشرة المنكر. المرتبة الثانية: الاحتساب بالقول، وهو أنواع: أ- التعريف: أي تعريف المحتَسَب عليه بالحكم الشرعي لفعله أو تركه؛ إذ قد يكون المحتَسَب عليه جاهلًا بذلك فارتكب المنكر. ب- الوعظ والنصح والإرشاد والتخويف من الله تعالى، وقد يقلع العاصي عن معصيته إذا سمع لناصحٍ ووعظ الواعظ، فيحصل المقصود من الاحتساب. جـ- التقريع والتعنيف بالقول الغليظ؛ كقول المحتسب للمحتَسَب عليه: يا فاسق، يا أحمق، يا جاهل، ولكن لا يجوز للمحتسب استعمال الكلمات والألقاب المنوّعة شرعًا، كما لا يجوز لعن أبيه. د- التهديد والتخويف بإنزال الأذى به من قِبَل المحتسب، وينبغي أن يكون ذلك مما يقدر عليه المحتسب فعلًا، وبما هو غير ممنوع شرعًا؛ لأنه إذا هدده بما لا يقدر عليه لم يؤثر تهديده، وإذا هدد بغير الجائز شرعًا كان ذلك غير جائز؛ لأن على المحتسب أن لا يخالف الشرع في احتسابه. المرتبة الثالثة: الاحتساب بالقلب: وهذا إذا عجز عن المرتبتين السابقتين، وهذه المرتبة لا يجوز أن يخلو منها أيّ مسلم يسمع بمنكر أو يراه؛ إذ لا ضرر فيه، ثم يتبع ذلك بالاحتساب القولي أو الفعلي. فقه الاحتساب: ٣١٧- الغرض من الاحتساب إزالة المنكر من الأرض وإيجاد المعروف فعلًا، وإذا كان هذا الغرض من الاحتساب فيجب الوصول إليه بأيسر طرق وأقصره، بشرط أن يكون مشروعًا، وأن ينظر إلى ما يئول إليه احتسابه من جهة ما يترتَّب عليه من زوال مفسدة المنكر وحلول مصلحة المعروف مكانه، وفي ضوء ذلك يقدم أو يحجم عن الاحتساب، وما يعين على تفهم فقه الاحتساب بيان القواعد التالية:

стр. 193

القاعدة الأولى: ٣١٨- الإنكار القلبي يجب أن يكون كاملًا ودائمًا وبالنسبة لكل منكر. وفائدته بقاء القلب في حساسيته ضد المنكر، وبقاء عزمه على التغيير عند الإمكان، أمَّا الإنكار القولي أو الفعلي فيكون حسب الاستطاعة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، وما جاء في الحديث الشريف الذي ذكرنا: "من رأى منكم منكرًا فليغيره.... إلخ "، ويلاحظ هنا أنَّ الثواب يكون كاملًا -إن شاء الله تعالى- إذا كان المحتسب ينكر المنكر بقلبه، ويكرهه كراهية تامَّة، ويفعل لازالته بقدر استطاعته. القاعدة الثانية: ٣١٩- إنما يطلب الاحتساب إذا كان من ورائه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، فإذا كان ما يترتَّب عليه فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر لم يكن هذا الاحتساب مطلوبًا شرعًا، وإن كان المحتَسَب عليه قد ترك واجبًا أو فعل محرَّمًا؛ لأن على المحتسب أن يتقي الله في عباده، وليس عليه هداهم، وليس من تقوى الله أن يتسبَّب باحتسابه في فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر؛ لأن الشرع إنما أوجب الحسبة لقمع الفساد وتحصيل الصلاح، فإذا كان ما يترتب على الاحتساب مقدارًا من الفساد أكبر من الفساد القائم، أو يفوّت من الصلاح مقدارًا أكبر من الصلاح الفائت، لم يكن هنا الاحتساب مما أمر به الشرع، ولا شكَّ أنَّ ما قلناه يختلف باختلاف الاشخاص والأحوال والظروف، وعلى المحتَسِب أن يتبصَّر فيها ويزن مقادير المعروف والمنكر التي تنتج عن احتسابه، ثم يقدم بعد ذلك على احتسابه، أو يحجم عنه، وهذا كله بالنسبة للواقعة المعينة والشخص المعين، أما بالنسبة للعموم فهو يأمر بالمعروف مطلقًا، وينهى عن المنكر مطلقًا. ٣٢٠- وبناءً على هذه القاعدة نستطيع أنْ نفهم لماذا قال العلماء: لا يجوز الخروج على السلطان بالقوة وحمل السلاح وإن ظهر منه شيء من الفسوق؛ لأن الغالب في هذا الخروج حصول مفاسد أعظم من مفسدة فسقه، وحيث كانت المفسدة أعظم لم يجز الاحتساب، كما أنَّ الإمام لا يزال في دائرة الإسلام ولم يخرج منه بفسقه، فيبقى له حق الطاعة على الرعية ما لم يأمر بمعصية، فلا يستوجب الاحتساب عليه بالقوة وحمل السلاح وإحداث الفتنة والاقتتال بين المسلمين.

стр. 194

القاعدة الثالثة: ٣٢١- الأخذ بالرفق ما أمكن ذلك، ومستند هذه القاعدة ما يأتي: أ- الحديث النبوي الشريف: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله"، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف. ب- إنَّ الإنسان بطبيعته وما فُطِرَ عليه يقبل الأمر والنهي باللطف والرفق ولين القول أكثر من قبوله عن طريق العنف، بل ربما حمله العنف على الإصرار على المنكر مراغمةً للآمر وعنادًا له، وربما دَلَّ على ما نقول قول الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ، مع أنَّه ﷺ لا يأمر إلّا بالمعروف، ولا ينطق إلّا بالحق. جـ- إنَّ الاحتساب المثمر هو الذي يجعل المحتَسَب عليه قابلًا للاحتساب راضيًا به، مقتنعًا بضرورته ومضمونه، حتى يكون له من نفسه وازع يمنعه من العودة إلى المنكر، وهذا كله يحتمل حصوله بقدر أكبر إذا كان الاحتساب بالرفق وعدم الغضب والعنف، وبالمحاجَجَة والمناقشة الهادئة المقنعة، جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- عن أبي أمامة أنَّ غلامًا شابًّا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به، فقال النبي ﷺ : "قرِّبوه، ادن" فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي ﵊: "أتحبّه لأمك"؟، فقال: لا، جعلني الله فداك، قال: "كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك"؟ حتى ذكر ﷺ العمّة والخالة، والغلام يقول في كل واحدة: لا، جعلني الله فداك، والنبي ﷺ يقول: "كذلك الناس لا يحبونه"، فوضع رسول الله ﷺ يده على صدره وقال: "اللهم طهِّر قلبه، واغفر ذنبه، وحصِّن فرجه"، فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنى. د- الاحتساب يجري على السلطان كما قلنا، والسلطان بحاجة إلى التلطُّف معه لما يحسّ من نفسه من سلطة؛ ولأنه محتاج إلى الهيبة، وقد يتطاول عليه المغرضون بحجة الاحتساب، فمنعًا لذلك ومراعاةً لما يحسّ هو من نفسه، كان الرفق معه في الاحتساب هو المطلوب، وبهذا أشار الفقهاء، ويقاس على السلطان نوَّابه وولاة الأمور، وقد يدل على ما قلناه أو يؤيده أنَّ الله تعالى أمر نبيه موسى ﵇ وأخاه هارون وقد

стр. 195

أرسلهما إلى فرعون أن يقولا قولًا ليِّنًا لعلَّه يتذكَّر أو يخشى. ٣٢٢- وما قلناه لا يعني أنَّ الرفق هو الأسلوب الوحيد للاحتساب، أو أنَّه لا يجوز تركه في بعض الأحيان، وإنَّمَا يعني ما قلناه التأكيد على الرفق والأخذ به كلما أمكن ذلك، ولا يستعاض عنه بغيره إلّا عند الحاجة أو الضرورة، فمن مجالات الرفق اللازمة للمحتسب إذا غلب على ظنِّه أن المحتَسَب عليه قام بالمنكر جهلًا منه بحكمه، أو استجابة لهوًى عابرٍ، أو لضعف في إرادته، كما أنَّ الرفق يلازم الاحتساب بالتعريف بالحكم، أو بالوعظ والإرشاد، أو التخويف من الله تعالى، فإذا لم ينفع الرفق تحوَّل المحتَسِب إلى الشدة، وكذلك إذا كان المنكر جسيمًا لا يمكن معه الانتظار، أخذ المحتسب بالشدة الكافية لدفعه، ولا يعتبر ذلك خروجًا عن قاعدة الرفق؛ لأنَّ من معاني الرفق الحرص على مصلحة المحتَسَب عليه بإبعاده عن المنكر وتخليصه من المعصية، وما يترتَّب عليه من عقاب. متى يجب الاحتساب: ٣٢٣- الاحتساب القلبيّ واجب على كل مسلم في جميع الأحوال إذا ما سمع بمنكره أو رآه كما قلنا. أمَّا الاحتساب باليد أو بالقول فهذا يجب بالقدرة على هذا النوع من الاحتساب، بشرط أن يأمن المحتَسِب على نفسه من الأذى والضرر، كما يأمن على غيره المسلمين من الأذى والضرر. وتعليل ذلك أنَّ الخوف من لحوق الأذى والضرر بمنزلة العجز الحسيّ، والعجز الحسي يفوت شرط القدرة، فلا يجب الاحتساب إلّا أنَّه يجب هجران أصحاب المنكرات وعدم مخالطتهم. هل يشترط الانتفاع بالاحتساب لوجوبه: ٣٢٤- وإذا توفَّرت القدرة وأمِنَ المحتسب من الأذى والضرر، فهل يشترط الانتفاع باحتسابٍ لوجوب الحسبة عليه؟ قولان للعلماء: القول الأول: لا يجب الاحتساب، وإنما يستحب عند عدم رجاء الانتفاع، فإذا كان مرجوًّا وجب الاحتساب، ودليل هذا القول ما فهموه من قوله تعالى: ﴿فَذَكِّر

стр. 196

إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ، جاء في تفسير ابن كثير بصدد هذه الآية: منهم من حملها على ظاهرها فيكون المعنى: ذكِّر حيث تنفع التذكرة. القول الثاني: يجب الاحتساب سواءً نفع أو لم ينفع؛ لأنَّ احتسابه قيام منه بواجب شرعي، فلا يتوقف على انتفاع الغير به، ولأنَّ على المسلم أن يؤدي ما عليه، وليس عليه أن يقوم الغير بما عليه، مثل ترك صاحب المنكر منكره، وأجابوا على احتجاج أصحاب القول الأوَّل بأن الكريمة: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ لا تعلق الوجوب على حصول الانتفاع؛ للأدلة التالية: أ- إن المعلق "بأن" على الشيء لا يلزم أن يكون عدمًا عند عدم ذلك الشيء، يدل على ذلك آيات منها قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ ، فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ والرهن جائز مع وجود الكاتب. ب- إنَّ ذكر الشرط في الآية الكريمة: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ لفوائد، منها: إنَّه ذكر أشرف الحالتين عند التذكير وهي حالة الانتفاع، وسكت عن الحالة الأخرى وهي عدم الانتفاع منبهًا عليه، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وتقدير الآية: وتقيكم البرد، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ تقديرها: فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع، ومن الفوائد أيضًا أنَّ المراد الحثّ على الانتفاع بالذكرى كما يقول الشخص لغيره إذا بَيِّنَ له الحق: قد أوضحت لك الأمر إن كنت تعقل، فيكون مراده الحثّ على القبول. ٣٢٥- والراجح عندي من القولين الوجوب كلما كان الانتفاع مرجوًّا أو ممهدًا لتحقيق الانتفاع، أو كان فيه إظهار شعائر الإسلام، أو يحقق مصلحة مشروعة غير انتفاع المحتَسَب عليه، فإذا عري عن ذلك كله كان مستحبًّا لا واجبًا. من يستحب الاحتساب: ٣٢٦- ويستحَبُّ الاحتساب القولي إذا عَلِمَ المحتسب أنَّ قوله لا يفيد، ولكن لا يلحقه أذى منه، وهذا على رأي بعض العلماء، وقد قيدنان هذا الاستحباب بما قلناه في الفقرة السابقة.

стр. 197

كما يستحب الاحتساب إذا علم المحتسب أن إنكاره يفيد ولكن يلحقه أذى. ووجه الاستحباب إزالة المنكر مع تَحمُّله الأذى، وحتى إذا علم المحتَسِب أنَّ احتسابه لا يفيد المحتَسَب عليه ولا يمنعه من منكره، ولكن احتسابه يفيد من ناحية أخرى؛ كأن تقوى به قلوب المؤمنين وتنكسر أو تضعف شوكة الفاسقين، أو يمهد لإزالته، ففي هذه الأحوال يصير مستحبًّا برغم الأذى الذي يناله ما دام يتحمله، ولا يتعدَّى إلى غيره. متى يحرم الاحتساب: ٣٢٧- ويحرم الاحتساب إذا لحق المحتسب من جرَّائه أذًى جسيمًا بغيره من أصحابه أو أقربائه أو رفقائه أو عموم المسلمين، حتى ولو قدَّرنا زوال المنكر؛ لأنه يفضي إلى منكر آخر، هو إلحاق الأذى بالآخرين، وهذا لا يجوز؛ لأن للمسلم أن يتسامح في حق نفسه ويتحمَّل الأذى، ولكن ليس من حقه أن يتسامح في إيذاء غيره عن طريق احتسابه، وكذلك يحرم الاحتساب إذا أدَّى إلى وقوع منكر أكبر من المحتَسَب عليه من لحوق الأذى بالآخرين، وكذلك يحرم الاحتساب إذا لم يكن من ورائه إلّا إلحاق الأذى الجسيم بنفسه؛ كقتله أو هتك عرضه دون أن يكون لاحتسابه أيّ مصلحة، أو أيّ أثر في إزالة المنكر ورفعه. ٣٢٨- والأذى المخوف من جرَّاء الاحتساب، وبالتالي ينقله إلى الاستحباب أو الحرمة على النحو الذي بيناه، هو الأذى الذي يتحقَّق به زوال ما هو حاصل للمحتسب أو لغيره من سلامة وعافية في جسمه أو عرضه أو حريته أو ماله، وليس هو خوف امتناع حصول هذه الأشياء له؛ لأن الضرر الحقيقي هو فوات شيء موجود فعلًا من هذه الأشياء، وليس هو -أي: الضرر- امتناع حصولها، وعلى هذا فالضرب الشديد المؤلم والجرح وهتك العرض وإتلاف عضو من البدن أو إزهاق الروح أو التعذيب الشديد أو السجن الشديد، كل هذا ونحوه يعتَبَر من الأذى الذي ينقل الاحتساب من الوجوب إلى الاستحباب أو الحرمة على النحو الذي فصَّلناه. الشرط في مباشرة الاحتساب: ٣٢٩- من لمعلوم أنَّ القاضي لا يباشر النظر في حقوق الناس ودعاويهم إلّا إذا

стр. 198

رفعوها إليه، فالشرط في نظر القاضي فيها هو رفع الدعوى، فهل يشترط للمحتَسِب لمباشرة احتسابه رفع المنكر إليه من قِبَلِ مَنْ وقع عليه هذا المنكر أو شاهده؟ الجواب على ذلك: إن كان الاحتساب يتعلّق بحقٍّ خاصٍّ توقَّف نظر المحتسب فيه على طلب صاحب الحق وإعلامه بحقه، ووجّه الاعتداء عليه، وليس للمحتسب أن يتدخَّل فيه من تلقاء نفسه؛ لأن المحتسب إنما يتدخل في منكر ظاهر، وقبل رفع صاحب الحق ظلامته إليه لا يكون ظاهرًا، ولكن بعد إعلامه به يصير ظاهرًا، فيحقّ للمحتسب النظر فيه والاحتساب فيه، فإذا رفع إليه المنكر المتعلق بحق خاصٍّ كان على المحتسب أن يثبت من وجوده بطريق المشاهدة أو بإقرار المعتدي، أمَّا عند الخفاء والإنكار والجحود ممن نسب إليه الاعتداء فلا يتدخَّل المحتسب؛ لأنه لا يسمع بينة كما قلنا من قبل، ولا يوجه يمينًا عند الإنكار، ولا يتجسس. أمَّا إذا كان الاحتساب في حقٍّ من حقوق الله تعالى، أو يغلب فيه حقّ الله، أو كان في حقٍّ عام يتعلق به نفع الناس؛ كاعتداء على مرفق عام، فإنَّ الاحتساب حينئذ يقوم على المشاهدة والعلم الشخصي المستند إلى قيام المنكر ووجوده. الاحتساب في الوقت الحاضر: ٣٣٠- يمكن لولي الأمر المسلم في الوقت الحاضر أن ينظم شئون الحسبة على النحو الذي يتحقق المقصود من الاحتساب، وأن يتخذ ما يلزم لذلك، فله أن يفتح المدارس لتخريج المحتسبين الأكفاء، كما له أن ينظم شئون الحسبة بين المحتسبين، فيعيِّن لأمور المساجد محتسبين، وللأسواق محتسبين، ولمنكرات الطرق محتسبين، وهكذا، كما له أن يرسل بعضهم إلى القرى والأرياف لتعليم الناس أمور دينهم؛ لأن الغالب عليهم الجهل. أما إذا لم يقم وليّ الأمر بما ذكرنا، جاز أو وجب على المسلمين القيام بمهمة الاحتساب، وتهيئة المحتسبين والإنفاق عليهم، على أن يقوموا بالاحتساب في حدود الوعظ والإرشاد والتذكير فقط، دون استعمال العنف؛ لئلَّا يؤدي ذلك العنف إلى الفوضى والفتنة، مما يجعل المغرضين يستغلون ذلك ويتقولون بالباطل على الحسبة والمحسبين، وتأليب ولاة الأمر على المحتسبين.

стр. 199

المبحث الخامس: نظام الحكم مدخل ... المحبث الخامس: نظام الحكم تمهيد: ٣٣١- قلنا فيما سبق أن المجتمع ضروري للإنسان، وأنَّ النظام -على أيِّ نحوٍ كان- ضروري للمجتمع، ونضيف هنا فنقول: إنَّ وجود رئيس للمجتمع ضروري لبقائه ونظامه؛ لأنه يستطيع أن يحمل الناس على طاعة النظام وعدم الخروج عليه، فيجنبهم حياة الفوضى والاضطراب والهرج والمرج، ولهذا لم يوجد مجتمع إلّا وجد فيه رئيس -علي أيّ نحوٍ كان- يطيعه الناس عن رضى واختيار، أو قهر واضطرار -لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيهم- يمنعهم من المظالم، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين وهمجًا مضاعين"١؛ ولأن بني آدم لا تتمّ مصالحتهم إلّا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بُدَّ لهم عند الاجتماع من رئيس٢. وإذا وجد رئيس للمجتمع أمكن عند ذاك أن يأخذ المجتمع شكل دولة على نحوٍ ما؛ لتوافر عناصر الدولة من أقليمٍ وسكان ونظام وحاكم يباشر السلطة في المجتمع، ويحمل الناس على عدم الخروج على أحكامه. المقصود بنظام الحكم: ٣٣٢- ونريد بنظام الحكم في بحثنا هذا مجموعة من القواعد والأحكام التي

стр. 200

تتعلق بالحاكم -أي رئيس الدولة، وتبيِّن كيفية اختياره ومركزه القانوني وعلاقة الأمَّة به، والأغراض التي يهدف اليها الحكم، ونحو ذلك. هل يوجد نظام حكم في الإسلام؟ ٣٣٣- وقد يسأل البعض: هل يوجد في الإسلام نظام للحكم؟ والجواب: نعم؛ لأنَّ من خصائص الإسلام الشمول، فمن البديهي أن يرد فيه من القواعد والأحكام ما يكون نظامًا خاصًّا للحكم في الإسلام، فنحن نجد في القرآن الكريم الأمر بالشورى، ولزوم طاعة الحكام، والحكم بما أنزل الله، ونحو ذلك، وفي السنة النبوية تتكرَّر ألفاظ الأمير والإمام والبيعة، وطاعة الأمير في غير معصية الله، وفي اجتهادات الفقهاء القائمة على نصوص القرآن والسنة كثير من الأحكام والقواعد المهمّة المتعلقة بالحكم، وكل هذا وما سنذكره يدل على أنَّ للإسلام نظامه الخاص في الحكم. مقومات نظام الحكم في الإسلام: ٣٣٤- وإذا كان في الإسلام نظام للحكم، فلا بُدَّ له من مقومات أو أسس وهي في نظرنا: وجود الخليفة، وقاعدة الشورى، والخضوع لسلطان الإسلام، ولا بُدَّ من الكلام عن كل واحد من هذه المقومات في مطلَب على حدة.

стр. 201

المطلب الأول: الخليفة تعريف الخليفة: ٣٣٥- الخليفة اسم يقال لمن استخلفه غيره، ولمن خالف غيره في أمر من الأمور١، وفي الاصطلاح الشرعي يراد بالخليفة عند الإطلاق: مَنْ يتولى إمرة المسلمين، أي: رئاسة الدولة الإسلامية، ويسمَّى أيضًا بالإمام، فهو رئيس لدولة موصوفة بوصف الإسلام، أي: قائمة على أسسه ومصبوغة بصبغته، وتطبق أحكامه، والخليفة هو الحارس لبقاء صفتها هذه، كما سنبيِّن فيما بعد.

стр. 202

وجوب نصب الخليفة: ٣٣٦- يقول الإمام ابن تيمية: "يجب أن يعرف أنَّ ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدِّين، لا قيام للدِّين إلّا بها"١، وهذا حق، فنصب الخليفة الذي يتولَّى الحكم وإدارة شئون الناس من فرائض الإسلام التي دَلَّ عليها القرآن والسنة والإجماع وطبيعة أحكام الشريعة الإسلامية. أولًا: فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ، وأولو الأمر هم الأمراء، وأدخل بعضهم في مفهوم أولي الأمر العلماء أيضًا٢. ثانيًا: ومن السنة القولية، الحديث الشريف: "...... ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"، أي: بيعة للإمام، وهذا صريح في الدلالة على وجوب نصب الخليفة، وفي حديث آخر: "لتنقض عرى الإسلام عروة عروة، وأولها نقضًا الحكم، وآخرها الصلاة"، والمقصود بالحكم: الحكم على المنهج الإسلامي، ويدخل فيه بالضرورة وجود الخليفة الذي يقوم بهذا الحكم، ونقضه يعني التخلي عنه وعدم الالتزام به، وقد قرن بنقض الصلاة وهي واجبة فدلَّ على وجوبه. ثالثًا: ومن السنة الفعلية، أنَّ الرسول ﷺ أقام أول دولة إسلامية في المدينة بعد أن مهَّد لها وهو في مكة، وصار هو ﷺ أوّل رئيس لتلك الدولة الإسلامية التي قامت في المدينة، وما معاهدته ﵊ مع يهود المدينة ثم مع غيرهم، إلّا من مظاهر السلطان الذي أخذ يباشره بصفته رئيسًا لدولة الإسلام، وقد أدرك الفقهاء اجتماع صفة الإمام -الرئاسة- مع صفة النبوة في شخص الرسول الكريم ﷺ ، وبيِّنُوا حكم ما يصدر عنه بهذه الصفة أو بتلك٣. رابعًا: الإجماع، قال الفقهاء: نصب الخليفة واجب بالإجماع، فمن أقوالهم هذه، ما قاله الماوردي الشافعي، وأبو يعلى الحنبلي: "عقد الإمامة لمن يقوم به في الأمة واجب بالإجماع"٤، ويفصِّل ابن خلدون فيقول في مقدمته: "إنَّ نصب الإمام

стр. 203

واجب، فقد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر ﵁، وإلى تسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كلِّ عصر من الأعصار، واستقرَّ ذلك إجماعًا دالًّا على وجوب نصب الإمام١، وحكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإمامة، وقال: "لم يخالف في هذا إلّا فرقة من الخوارج هي النجدات، فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمام، إنما عليهم أن يتعاطوا الحب بينهم"، ثم قال ابن حزم: "وهذه فرقة ما نرى بقي منهم أحد"، ثم أخذ يسرد الأدلة على إثبات وجوب الأمامة والرَّد على هذه الفرقة٢. والواقع أنَّ قول النجدات لا يعوَّل عليه، فإنَّ الأدلة تخالفه؛ لأنَّ الإسلام يوجب التأمير في أقلّ الاجتماعات، فكيف بأكثرها، جاء في الحديث: "لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلّا أمَّروا أحدهم"، وفي رواية في سنن أبي داود: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم"، ويقول الإمام ابن تيمية تعليقًا على هذين الحديثين: "فإذا كان قد أوجب في أقلِّ الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولَّى أحدهم، كان هذا تنبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك"٣. خامسًا: إنَّ كثيرًا من أحكام الشريعة يحتاج تنفيذها إلى قوة وسلطان، مثل أحكام الجهاد، وإقامة الحدود والعقوبات، وإقامة العدل بين الناس، فلا بُدَّ من نصب الإمام حتى يمكن تنفيذ هذه الأحكام، وقد أشار إلى هذا المعنى ابن تيمية إذ يقول: "ولأنَّ الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحج والجُمَع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتمّ إلا بالقوة والإمارة"٤. من يملك حق انتخاب الخليفة: ٣٣٧- والأمّة هي التي تملك حق نصب الخليفة قيامًا منها بهذا الواجب الشرعيّ الذي خوطب به المسلمون، كما سنذكره، يدل على ذلك ما جاء في المغني: "من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته"٥، ومعنى ذلك أنَّ الأمَّة

стр. 204

هي صاحبة الحق في اختيار من تراه أهلًا لمنصب الخلافة. أساس حق الأمة في انتخاب الخليفة: ٣٣٨- وأساس حق الأمة في انتخاب الخليفة -على ما نرى- كونها هي المخاطبة في القرآن بتنفيذ أحكام الشرع وإعلاء كلمة الله في الأرض، وإقامة المجتمع الإسلامي الفاضل، فمن هذه النصوص القرآنية: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، فهذه النصوص وأمثاله كثيرة تدل على مسئولية جماعة المسلمين عن تنفيذ أحكام الإسلام. وما دامت الأمة مسئولة عن تنفيذ أحكام الإسلام ومطالبة به، فهي تملك -بداهةً- السلطة على هذا التنفيذ -بتمليك من الشارع؛ وحيث إنَّ جماعة المسلمين لا تستطيع أن تباشر سلطانها بصفتها الجماعية لتعذره في الواقع، فقد ظهرت النيابة في الحكم والسطان بأن تختار الأمة الخليفة لينوب عنها في مباشرة سلطاتها؛ لتنفيذ ما هي مكلفة بتنفيذها شرعًا؛ لأن إنابة الملك غيره في مباشرة ما يملكه أمر جائز كما هو معروف في نظرية النيابة في الفقه الإسلامي. المركز القانوني للخليفة: ٣٣٩- وإذا كانت الأمة هي التي تتار رئيسها -الخليفة، فهو إذن وكيلها ونائب عنها، مركزه القانوني هو مركز النائب والوكيل عن الأمة، وقد أدرك الفقهاء هذا المعنى وصرَّحوا به، فمن أقوالهم في هذا الباب ما ذكره الفقيه الماوردي وهو يتكلّم عن موت الخليفة والوزير، وأثر ذلك في سلطة أمير البلد أو القطر، فقال ما نصه: "وإذا كان تقليد الأمر من قِبَل الخليفة لم ينعزل بموت الخليفة، وإن كان من قِبَل الوزير انعزل بموت الوزير؛ لأن تقليد الخليفة نيابة عن المسلمين، وتقليد الوزير نيابة عن نفسه"١.

стр. 205

كيف تختار الأمة الخليفة؟ ٣٤٠- وإذا كانت الأمة هي التي تختار الخليفة، فكيف تمارس هذا الاختيار، هل تقوم به مباشرة، بأن يقوم جميع أفرادها بإظهار رأيهم بمن يرضونه لهذا المنصب، أم يقوم به طائفة منها نيابة عنها؟ الواقع أننا لا نجد نظامًا محدَّدًا لاختيار رئيس الدولة، وهذا يعني أنَّ الأمر متروك للأمة، فهي التي تختار طريقة اختيارها للإمام، وعلى هذا فيمكنها أن تباشر انتخاب الخليفة بالطريقة المباشرة؛ حيث يشترك جميع أفراد الأمة إلّا من استثني منهم بدليل شرعي، كالصغار والمجانين وغير المسلمين، ونجد سندًا لهذه الطريقة في الآية الكريمة: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ، فظاهر هذا النَّص يدل على أنَّ المسلمين يتشاورون فيما يهمهم، ولا شكَّ أن اختيار الخليفة من أهمِّ ما يهمهم، ويؤيد ما استظهرناه ما جاء في تفسير هذه الآية الكريمة في تفسير الإمام الرازي، فقد جاء فيه: "إذا وقعت واقعة اجتمعوا وتشاروا، فأثنى الله عليهم، أي: لا ينفردون برأي، بل ما لم يجتمعوا عليه لا يعزمون عليه"١. ويجوز للأمَّة أن تباشر حقها في انتخاب الخليفة بصورة غير مباشرة عن طريق النيابة، وهذه الطريقة نجد لها سندًا في السوابق التاريخية القديمة في عصر الخلفاء الراشدين، وهو خير العصور فهمًا للإسلام وتطبيقًا له، فقد تَمَّ انتخاب أولئك الخلفاء الكرام من قِبَل طائفة من المسلمين، هم الذين يسمِّيهم الفقهاء بأهل الحَلّ والعقد، وتبعهم المسلمون الموجودون في المدينة فبايعوا من اختاروه خليفة، ولم ينتخبهم جميع المسلمين، كما يبايعهم بعد انتخابهم جميع المسلمين في جميع المدن الإسلامية، ولم ينقل لها اعتراض على هذه الطريقة، لا من الخلفاء الراشدين، ولا من غيرهم، فدلَّ ذلك على إجماعهم على صحة هذه الطريقة في الانتخاب، ويؤيد هذه الطريقة من النَّظر أنَّ الأمَّة هي صاحبة الحق في انتخاب الخليفة كما قلنا، وصاحب الحق له أن يباشره بنفسه، كما له أن يباشره بواسطة نائبه، بأن يوكِّل من يقوم به نيابة عنه، وقد أقرَّ الفقهاء هذه الطريقة من الانتخاب وصرحوا بها، فمن أقوالهم: "وإذا تقرَّر أنَّ هذا المنصب -أي: منصب الخليفة- واجب بإجماع، فهو من فروض الكفاية، وراجع إلى

стр. 206

اختيار أهل العقد والحل، فيتعيِّن عليهم نصبه، ويجب على الخلق طاعته"١. أهل العقد والحل: ٣٤١- وإذا كان انتخاب الخليفة من حق الأمة، ولها أن تباشر هذا الحق عن طريق أهل الحلِّ والعقد، فمن هم أهل الحل والعقد؟ وما علاقتهم بالأمة؟ وكيف ينالون هذه المنزلة؟ أما عن السؤال الأول: من هم أهل الحد والعقد؟ فإنَّ الفقهاء يذكرون أوصافًا عامة لهم، ويقولون: هي الشروط المعتبرة فيهم، وهي: الأول: العدالة الجامعة لشروطها. والثاني: العلم الذي يتوصّل إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها. والثالث: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للأمة أصلح وبتدبير المصالح أقوم٢، ويذهب بعض الفقهاء المحدثين إلى تحديدٍ أوضح في أوصاف أهل العقد والحل، فيقول صاحب تفسير المنار رشيد رضا -رحمه الله تعالى: "أولو الأمر جماعة أهل الحل والعقد، وهم الأمراء والحكماء والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة"٣، فيفهم من هذا القول ومِمَّا ذكره الفقهاء أنَّ أهل العقد والحل هم المتبعون في الأمة الحائزون على ثقتها، ورضاها لما عرفوا به من التقوى والعدالة٤ والإخلاص والاستقامة وحسن الرأي ومعرفة الأمور، والحرص على مصالح الأمة. أما علاقة أهل العقد والحل بالأمَّة فهي علاقة النائب والوكيل، فهم يباشرون انتخاب رئيس الدولة -الخليفة- نيابةً عن الأمة، ومن ثَمَّ يعتبر انتخابهم ملزمًا للأمة. أما كيف ينالون هذه المنزلة -منزلة أهل العقد والحل، فإنَّ المتبادر إلى الذهن أنَّ الأمة هي التي ترفعهم إلى هذه المنزلة باختيارهم لهم، ولكننا لا نجد في السوابق التاريخية القديمة ما يشير إلى أنَّ الأمة اجتمعت وانتخبت طائفة منها وأعطتها صفة

стр. 207

أهل الحل والعقد، ومع هذا فإنَّ خلوَّ السوابق التاريخية مما ذكرنا لا يدل على أنَّ من كانوا يسمُّون أهل العقد والحل ما كانوا يمثلون الأمة ولا يعتبرون وكلاء عنها؛ لأنَّ الوكالة -كما هو معروف- تنعقد صراحة أو ضمنًا، وقد كانت وكالة أهل العقد والحل عن الأمة في عصر الإسلام الأول -عصر الخلفاء الراشدين- وكالة ضمنية؛ لأنهم كانوا معروفين بتقواهم وسابقتهم في الإسلام ودرايتهم بالأمور وإخلاصهم في العمل، مع فضل الصحبة لرسول الله ﷺ ، ومدح الله لهم في قرآنه، وثناء رسوله العام والخاص إليهم، ومن ثَمَّ فقد كانوا حائزين على رضى الأمة وثقتها، فما كانت هناك حاجة لقيام الأمة بانتخابهم وتوكيلهم عنها صراحة، وحتى لو قامت بهذا الانتخاب لما فاز فيه إلّا أولئك الأخيار الذين عُرِفوا بأهل العقد والحل، ولما نازعهم أحد في هذه المنزلة، ومن ثَمَّ كان انتخابهم يعتبر انتخابًا من الأمة نفسها؛ لأنه تَمَّ بتوكيل ضمنيّ منها لهم للقيام بهذا الانتخاب. معرفة أهل العقد والحل في الوقت الحاضر: ٣٤٢- وإذا أخذنا في الوقت الحاضر بالانتخاب غير المباشر لرئيس الدولة وفقًا للأحكام الشرعية، فلا مناص من قيام الأمة بانتخاب من يمثلونها وينوبون عنها في مباشرة هذا الانتخاب، ومن تنتخبهم الأمة لهذه المهمة يمكن أن يوصفوا بأنهم أهل العقد والحل؛ لمتابعة الأمة لهم ورضاها بنيابتهم، وعلى الدولة أن تضع النظام اللازم لإجراء هذا الانتخاب، وضمان سلامته من التزييف والتضليل، وأنْ تُعَيِّن في هذا النظام الشروط الواجب توافرها فيمن تنتخبهم الأمة لتكوين جماعة أهل العقد والحل، في ضوء ما ذكره الفقهاء من شروط فيهم. إنَّ مثل هذا الانتخاب على النحو الذي ذكرناه ضروري على ما نرى؛ لإيجاد أو معرفة أهل العقد والحل؛ ولاثبات نيابتهم عن الأمة بالتوكيل الصريح؛ لأنَّ التوكيل الضمني يتعذَّر حصوله في الوقت الحاضر لكثرة أفراد الأمة؛ ولأن إجازة مثل هذا التوكيل الضمني يفتح بابًا خطيرًا على الأمَّة، ويؤذن بفوضى وشرِّ مستطير؛ إذ يستطيع كل عاطل عن شروط أهل الحد والعقد أن يدَّعي لنفسه هذه المنزلة، وينصب نفسه ممثِّلًا عن الأمة ونائبًا عنها، بحجة أنها ترضى نيابته ضمنًا.

стр. 208

ولاية العهد: ٣٤٣- قلنا: إنَّ الأمة هي التي تختار الخليفة عن طريق أهل الحل والعقد، وقد يعترض علينا بولاية العهد التي أقرها الفقهاء كطريق لتولي منصب الخلافة، فالماوردي وأبو يعلى الحنبلي يقولان: "والإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل، الثاني بعهد الإمام من قبله"١. والجواب على هذا الاعتراض أنَّ اختيار الخليفة عن طريق عهد الإمام السابق قد وقع فعلًا في عصر الخلفاء الراشدين، فقد عهد أبو بكر إلى عمر بن الخطاب ﵄، وعَهِد عمر إلى ستة يختارون من بينهم واحدًا للخلافة، وعلى هاتين السابقتين اعتمد الفقهاء في تجويزهم ولاية العهد، واعتبروا جواز هذا المسلك ثابتًا بالإجماع. ولكن ما هو التكييف القانوني الشرعي لولاية العهد؟ وهل يصير المعهود إليه بالخلافة خليفة بهذا العهد فقط؟ وما الذي يسبق العهد؟ إنَّ الجواب على هذه الأسئلة ضرورية حتى يتبيِّن لنا مدى موافقة أو مناقضة ولاية العهد لحق الأمة في اختيار الخليفة، وهذا الجواب يظهر مما يأتي: أولًا: جاء في كتاب الأحكام السلطانية للفقيه أبي يعلى الحنبلي ما يأتي: أ- يجوز للإمام أن يعهد إلى إمام بعده ... ؛ ولأنَّ عهده إلى غيره ليس بعقد للإمامة"٢. ب- لأنَّ الإمامة لا تنقعد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسملين ... إنَّ إمامة المعهود إليه تنعقد بعد موته باختيار أهل الوقت"٣. فهذه الأقوال صريحة في دلالتها على أنَّ الإمامة لا تنعقد ولا تثبت بمجرَّد العهد، وإنما تثبت باختيار أهل الحل والعقد، ومعنى ذلك أنَّ التكييف القانوني للعهد أنَّه ترشيح للخلافة، وليس تعيينًا نهائيًّا لمن يتولاه، أمَّا قولهم: الإمامة تنعقد بالعهد، والانعقاد غير الترشيح، فجوابنا أنَّ استعمالهم كلمة "تنعقد" محمولة على الترشيح

стр. 209

لتتفق أقوالهم التي ذكرناها مع هذ الاستعمال، أو أنَّ هذا الاستعمال محمول على ما يئول إليه العهد، وهو انعقاد الإمامة للمرشَّح بناءً على رضى أهل الحل والعقد المتوقع نظرًا لمشاورتهم بأمر العهد كما هو الغالب. ثانيًا: في سابقة عند أبي بكر إلى عمر، شاور أبو بكر أهل الحل والعقد في رغبته في العهد إلى عمر، فاظهروا رضاهم وموافقتهم، وهذا ثابت في التاريخ، وعلى هذا يكون عهد أبي بكر إلى عمر كأنَّه عهدٌ من أهل الحل والعقد بالإمامة إلى عمر بعد وفاة الخليفة، وعلى هذا التوجيه يمكن اعتبار عهد أبي بكر كاشفًا لإرادة أهل الحلّ والعقد، وكذلك في عهد عمر بن الخطاب إلى الستة لاختيار خليفة منهم، فقد آل أمر الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف، فقام باستشارة كبارة الصحابة وأهل الحل والعقد ثلاثة أيام بلياليهم، فرآهم يرضون بعثمان ابن عفان، فأعلن عند ذاك اختياره له، ومبايعته له، فبايعه المسلمون، فيكون اختيار عبد الرحمن بن عوف لعثمان كاشفًا عن اختيار أهل الحل والعقد، ولذلك بايعوه، ومع هذا فنحن نعتبر كلًّا من عهد أبي بكر إلى عمر، وعهد عمر إلى الستة ترشيحًا للخلافة، وإن سبقه تشاور مع أهل الحل والعقد وموافقتهم على المرشَّح؛ لأن موافقتهم هذه لا يترتَّب عليها تولي الخلافة فعلًا من قِبَل المرشح إلّا بعد وفاة الخليفة المعاهد، وإعلان الموافقة الصريحة منهم ببيعتهم للمرشح، فما لم يعلن أهل الحل والعقد اختيارهم الصريح وبيعتهم الصريحة منهم ببيعتهم للمرشح، لا يصير المعهود إليه -المرشح- خليفة، وقد نبَّه إلى هذا المعنى الفقيه المشهور ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فقال -وهو يتكلم عن الإمامة ويرد على أقوال من قال أنَّ الأمامة تنعقد ببيعة أربعة أو اثنين أو واحد: "فليست هذه أقوال أئمة السنة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشرك الذي يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإنَّ المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إمامًا، وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنَّما صار إمامًا لمَّا بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفِّذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إمامًا، سواء كان ذلك جائزًا، أو غير جائز، فمن قال: إنه يصير إمامًا بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة، وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أنَّ من ظنَّ أن تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر، فقد غلط.

стр. 210

وعثمان لم يصر إمامًا باختيار بعضهم -أي: الستة الذين اختارهم عمر، بل بمبايعة الناس له، وجميع المسملين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد"١. وإذا كان تكييف ولاية العهد أنَّه ترشيح، وأنَّه يسبق بمشاورة أهل الحل والعقد، وظهور رضاهم عن المرشح، فإنه لا شك مسلك سديد وحميد لاختيار الخليفة، ولا يناقض حق الأمة في اختيار الخليفة، بل وقد يرجّح على طريقة انتخاب أهل الحل والعقد للخليفة دون عهد منه إلى أحد، لما في العهد من حسم لمادة الخلاف والنزاع، ولهذا رجح هذه الطريقة الإمام ابن حزم فقال: "وهذا -أي العهد- هو الوجه الذي نختاره ونكره غيره؛ لما في هذا الوجه من اتصال الإمامة وانتظام أمر الإسلام وأهله، ورفع ما يتخوّف من الاختلاف والشغب ممَّا يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى، ومن انتشار الأمر وحدوث الأطماع٢. شروط الخليفة: ٣٤٤- يشترط في الخليفة جملة شروط، كلها تلتقي في تحقيق كفايته للنهوض بأعباء هذا المنصب الخطير على الوجه المرضي لله تعالى، والمحقق لمصلحة الأمة، وهذه الشروط على ما ذكره الفقهاء هي: أولًا: الإسلام: فيجب أن يكون مسلمًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ، أي: منكم أيها المسلمون، فهو من المسلمين، ولقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ، والخلافة أعظم السبيل فلا تكون لغير مسلم، ولأنَّ حقيقة الخلافة كما سنبيِّن فيما بعد خلافة عن صاحب الشرع في حفظ الدين، فمن البديهي أن تودع هذه الأمانة بيد من يؤمن بهذا الدِّين، وأن لا تسند لمن يكفر به. ثانيًا: أن يكون رجلًا؛ لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ، ولحديث رسول الله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، وهذا حديث صحيح رواه البخاري وغيره من أئمة الحديث٤، والواقع خير شاهد، فإن المرأة تعجز عن

стр. 211

النهوض بمهام رئاسة الدولة وهي كثيرة وجسيمة، ولا نريد أن نكثر من ذكر الحجج والأدلة فيما ذكرناه من قول الله تعالى وقول رسوله تكفينا، وتكفي من يؤمن بالله واليوم الآخر وبالإسلام دينًا، ومن يجد في نفسه شيئًا من ذلك نقول له: أمامك دول العالم في الماضي والحاضر، فامسك قلمًا واحص عدد النساء اللاتي تولَّيْن رئاسة الدولة، وعدد الرجال الذين تولَّوا رئاسة الدولة، ثم قارن بين العددين، تر ضآلة نسبتهنَّ إلى نسبتهم في ولاية رئاسة الدولة، مما يدل على أنَّ الناس بتجربتهم يعرفون أنَّ رئاسة الدولة لا يصلح لها إلّا الرجال، وأنَّ من صار منهنَّ في منصب رئاسة الدولة إنما كان نادرًا ولظروف استثنائية. ثالثًا: أن يكون جامعًا للعلم بالأحكام الشرعية؛ لأنه مكلف بتنفيذها، ولا يمكنه التنفيذ مع الجهل بها، والعلم قبل العمل، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ، واشترط بعض الفقهاء الاجتهاد، ولم يكتفوا بمجرَّد العلم عن طريق التقليد. رابعًا: وأن يكون عدلًا في دينه، لا يُعْرَف عنه فسق، متقيًا لله، ورعًا، عارفًا بأمور السياسة وشئون الحكم، جريئًا على إقامة حدود الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، شجاعًا ذا دراية بمصالح الأمة وسبل تحقيقها، مع حرص عليها وتقديمه لها١. خامسًا: أن يكون من قريش؛ لحديث رسول الله ﷺ : "الأئمة من قريش"، وهذا حديث صحيح روي من غير وجه، واحتج به الفقهاء٢، والحكمة من هذا الشرط كما يقول العلَّامة ابن خلدون: إنَّ مقصود الخلافة يحصل بالاجتماع ووحدة الكلمة وترك النزاع وانقياد الأمة لرئيسها، وهذ يحصل إذا كان الخليفة ممَّن تسكن النفوس إليهم، ويعترف لهم بالفضل والتقدم، وهذا الاعتراف وذاك السَّكن كان متحققًا فيمن يُولَّى من قريش؛ لأن قريش كانت ذات قوة وشوكة، وتعترف لها العرب بالتقدم والفضل والزعامة، ولم ينازعوها في ذلك، مما يجعل أمر اجتماع الكلمة وحصول الطاعة لهم أقرب احتمالًا وأسهل منالًا من غيرهم، ولذلك جاء الحديث بالتنويه بهم، وأن

стр. 212

الأئمة منهم؛ ليحصل الائتلاف ويسهل الانقياد ويتحقق مقصود الخلافة١، ثم يستنتج ابن خلدون فيقول: "فإذا ثبت أنَّ اشتراط القرشية إنَّما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أنَّ الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة، علمنا أنَّ ذلك إنما هو من الكفاية، فرددناه إليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية، فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها؛ ليستتبعوا من سواهم، وتجتمع الكلمة على حسن الحماية"٢ ومعنى ذلك: إنَّ مآل القرشية عنده أصبحت تعني الانتساب إلى جماعة قوية يعترف الناس لها بالقوة والشوكة والتقدم والفضل؛ ليحملهم ذلك على طاعة من يولَّى الخلافة منهم، فتهدأ تاثرتهم ويسهل حكمهم، وينقادوا إلى الحكم المرضي المطلوب. والواقع أنَّ الحديث: "الأئمة من قريش" حديث صحيح لا مجال للطَّعن في سنده ولا في متنه، فيبقى تحديد المعنى المقصود منه، والذي فهمه الفقهاء من هذا الحديث: هو اشتراط النسب القرشي في الخليفة، وهذا المعنى هو ما يذكرونه ولا يذكرون غيره، إلّا ابن خلدون، وهو فقيه ومؤرّخ، ذكر التوجيه الذي نقلناه عنه، وما ذكره ابن خلدون في فهمه للحديث، وإن كان -في نظرنا- يحتمله الحديث إلّا أنه احتمال مرجوح، كذلك يمكن القول على وجه الاحتمال المرجوح أنَّ الحديث مسوق على سبيل الإخبار بما سيقع، لا على سبيل الأمر بما يقع، وفي ضوء هذا كله الذي يترجَّح عندي الآن: إنَّه إذا تساوى اثنان في شروط الخلافة، وكان أحدهما قرشيًّا وجب اختيار القرشي، وإن كان القرشي عاريًا من شروط الخلافة والآخر مستوفيًا لها، إلّا أنه غير قرشي، قدِّم المستوفي لها على القرشي؛ لأن مقاصد الخلافة لا تتحقق بالقرشي وهو عاطل وعار من شروطها، وإنما تتحقق بالآخر الكفء القدير؛ لأن الأصل العام في الولايات لزوم توافر القدرة والكفاءة، وقد وجدتا، وإن لم يوجد القرشي أصلًا

стр. 213

كانت الخلافة لمن تتوافر فيه بقية شروطها. عزل الخليفة: ٣٤٥- الأمة هي التي تختار الخليفة، فلها حق عزله؛ لأن من يملك حق التعيين يملك حق العزل، ولكن استعمال هذا الحق يقتضي وجود المبرر الشرعي، وإلّا كان تعسفًا في استعمال الحق، واتباعًا للهوى، وهذان لا يجوزان في شرع الإسلام. والمبرِّر الشرعي لعزل الخليفة خروجه عن مقتضى وكالته عن الأمة خروجًا يبرر عزله، أو عجزه عن القيام بمهام الخلافة، وهذا ما صرَّح به الفقهاء، فالإمام ابن حزم يقول -وهو يتكلم عن الإمام- ما نصه: " ... فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله ﷺ ، فإن زاغ عن شيء منهما منع من ذلك، وأقيم عليه الحد والحق، فإن لم يؤمن أذاه إلَّا بخلعه خُلِعَ وولِّيَ غيره"١، ومن أقوال الفقهاء أيضًا: "وللأمة خلع الإمام وعزله بسبٍ يوجبه، مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين، كما كان لهم نصبه وإقامته عنه؛ لانتظامها وإعلائها"٢، ومن أمثلة العجز عن مهام الخلافة الموجب لزوالها عنه أو عزله واختيار غيره لمنصب الخلافة: جنونه المطبق، وعماه، وأسره بيد العدو على وجه لا يرجى خلاصه؛ لعجزه عن النظر في أمور المسلمين، فيختارون غيره ليقوم بمصالح المسلمين٣. تنفيذ العزل: ٣٤٦- وإذا كانت الأمَّة تملك حق عزل الخليفة عند وجود السبب الشرعي الداعي لذلك، إلّا أنه يجب أن يعرف جيدًا بأنَّ مجرد وجود السبب الشرعي للعزل لا يعني بالضرورة لزوم تنفيذ العزل؛ لأنه عند التنفيذ يجب أن ينظر في إمكانه ونتائجه، فإذا كان تنفيذه ممكنًا ورؤي أنه لا تترتب على العزل نتائج مضرة بالأمَّة تربو على عدم عزله، وجب العزل في هذه الحالة، وإذا رؤي أنَّ التنفيد غير ممكن، أو ممكن بذاته، ولكن يترتَّب عليه نتائج مضرة بالأمَّة تزيد على أضرار بقائه وعدم عزله، وجب أن ترجَّح عدم التنفيذ؛ لأن من قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يكون العمل إزالة المنكر مستلزمًا أو مقتضيًا وقوع منكر أعظم منه٤. وعزل الخليفة من النهي عن المنكر، فيخضع لهذه القاعدة.

стр. 214

المطلب الثاني: الشورى وجوب الشورى: ٣٤٧- مبدأ الشورى من أهمِّ مقومات نظام الحكم في الإسلام، به نطق القرآن، وجاءت السنة، وأجمع عليه الفقهاء، وهو حق للأمة وواجب على الخليفة، والتفريط به سبب لعزله كما سنذكره. والأدلة على وجوبه تستفاد من القرآن ومن سيرة النبي ﷺ ، ومن أقوال الفقهاء: أولًا: قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ، وظاهر الأمر يدل على الوجوب، ومن أقوال الفقهاء والمفسرين بصدد هذه الآية قول ابن تيمية: "لا غنى لوليِّ الأمر عن المشاورة، فإن الله تعالى أمر بها نبيه -صلى الله عليه وسلم١، وجاء في تفسير الطبري بصدد آية ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ : إنما أمر الله نبيه ﷺ بمشاروتهم فيه تعريفًا منه أمته؛ ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم"٢، وفي تفسير الرازي: "قال الحسن وسفيان بن عيينة: إنما أمر بذلك -أي: أمر الله رسوله ﷺ بالمشاورة؛ ليقتدي به غيره في المشاروة ويصير سنة في أمته"٣. ثانيًا: ومما يؤكّد وجوب المشاروة على رئيس الدولة أنَّ النبي ﷺ على جلالة

стр. 215

قدره وعظيم منزلته كان كثير المشاورة لأصحابه، شاروهم يوم بدر في التوجُّه إلى قتال المشركين، وشاورهم قبل معركة أحد أيبقى في المدينة أم يخرج إلى العدو. وشاور السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يوم الخندق، فأشاروا عليه بترك مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة مقابل انصرافهم عنها، فقبل رأيهما١، وهكذا كان رسول الله ﷺ كثير المشاورة لأصحابه، حتى قال العلماء: "لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ "٢. ترك المشاورة موجب لعزل رئيس الدولة: ٣٤٨- وإذا كانت المشاورة حقًّا للأمَّة وواجبًا على رئيس الدولة، فإنَّ التفريط بها إلى حدِّ تركها موجب للعزل، جاء في تفسير القرطبي: "قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشرعية وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدِّين فعزله واجب"٣، فلا بقاء لحاكمٍ مستبدٍّ في دولة الإسلام. تعليل أهمية المشاورة: ٣٤٩- مما ذكرناه يتبيِّن لنا بوضوحٍ أن المشاورة في نظام الحكم في الإسلام ذات أهمية بالغة، وتعليل ذلك على ما نرى: إنَّ المشاورة سبيل معرفة الرأي الصواب؛ لأن كل مستشار يظهر رأيه ووجهة هذا لرأي ومدى فائدته، وبعرض هذه الآراء ومقارنتها ومناقشتها يظهر الصواب غالبًا، كما أنَّ بالمشاورة استفادة بلا جهد من خبرات الآخرين وتجاربهم التي اكتسبوها في سنين طوال وبجهود وتضحيات، كما أن بالمشاورة عصمة لولي الأمر من الإقدام على أمور تضر الأمة ولا يشعر هو بضررها، ولا سبيل إلى إصلاح الضَّرر بعد وقوعه، ولا يرفعه كونه حسن النية. وفي المشاورة أيضًا تذكير للأمَّة بأنها هي صاحبة السلطان، وتذكير لرئيس الدولة بأنَّه وكيل عنها في مباشرة السلطان، وفي هذا وذاك عصمة من الطغيان الذي هو من صفات الإنسان، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ .
следующие страницы →