← Общие книги

Общие книги · id 22615

أصول الدعوة

عبد الكريم زيدان

Полный текст (507 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

النهوض بمهام رئاسة الدولة وهي كثيرة وجسيمة، ولا نريد أن نكثر من ذكر الحجج والأدلة فيما ذكرناه من قول الله تعالى وقول رسوله تكفينا، وتكفي من يؤمن بالله واليوم الآخر وبالإسلام دينًا، ومن يجد في نفسه شيئًا من ذلك نقول له: أمامك دول العالم في الماضي والحاضر، فامسك قلمًا واحص عدد النساء اللاتي تولَّيْن رئاسة الدولة، وعدد الرجال الذين تولَّوا رئاسة الدولة، ثم قارن بين العددين، تر ضآلة نسبتهنَّ إلى نسبتهم في ولاية رئاسة الدولة، مما يدل على أنَّ الناس بتجربتهم يعرفون أنَّ رئاسة الدولة لا يصلح لها إلّا الرجال، وأنَّ من صار منهنَّ في منصب رئاسة الدولة إنما كان نادرًا ولظروف استثنائية. ثالثًا: أن يكون جامعًا للعلم بالأحكام الشرعية؛ لأنه مكلف بتنفيذها، ولا يمكنه التنفيذ مع الجهل بها، والعلم قبل العمل، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ، واشترط بعض الفقهاء الاجتهاد، ولم يكتفوا بمجرَّد العلم عن طريق التقليد. رابعًا: وأن يكون عدلًا في دينه، لا يُعْرَف عنه فسق، متقيًا لله، ورعًا، عارفًا بأمور السياسة وشئون الحكم، جريئًا على إقامة حدود الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، شجاعًا ذا دراية بمصالح الأمة وسبل تحقيقها، مع حرص عليها وتقديمه لها١. خامسًا: أن يكون من قريش؛ لحديث رسول الله ﷺ : "الأئمة من قريش"، وهذا حديث صحيح روي من غير وجه، واحتج به الفقهاء٢، والحكمة من هذا الشرط كما يقول العلَّامة ابن خلدون: إنَّ مقصود الخلافة يحصل بالاجتماع ووحدة الكلمة وترك النزاع وانقياد الأمة لرئيسها، وهذ يحصل إذا كان الخليفة ممَّن تسكن النفوس إليهم، ويعترف لهم بالفضل والتقدم، وهذا الاعتراف وذاك السَّكن كان متحققًا فيمن يُولَّى من قريش؛ لأن قريش كانت ذات قوة وشوكة، وتعترف لها العرب بالتقدم والفضل والزعامة، ولم ينازعوها في ذلك، مما يجعل أمر اجتماع الكلمة وحصول الطاعة لهم أقرب احتمالًا وأسهل منالًا من غيرهم، ولذلك جاء الحديث بالتنويه بهم، وأن

стр. 212

الأئمة منهم؛ ليحصل الائتلاف ويسهل الانقياد ويتحقق مقصود الخلافة١، ثم يستنتج ابن خلدون فيقول: "فإذا ثبت أنَّ اشتراط القرشية إنَّما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أنَّ الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة، علمنا أنَّ ذلك إنما هو من الكفاية، فرددناه إليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية، فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها؛ ليستتبعوا من سواهم، وتجتمع الكلمة على حسن الحماية"٢ ومعنى ذلك: إنَّ مآل القرشية عنده أصبحت تعني الانتساب إلى جماعة قوية يعترف الناس لها بالقوة والشوكة والتقدم والفضل؛ ليحملهم ذلك على طاعة من يولَّى الخلافة منهم، فتهدأ تاثرتهم ويسهل حكمهم، وينقادوا إلى الحكم المرضي المطلوب. والواقع أنَّ الحديث: "الأئمة من قريش" حديث صحيح لا مجال للطَّعن في سنده ولا في متنه، فيبقى تحديد المعنى المقصود منه، والذي فهمه الفقهاء من هذا الحديث: هو اشتراط النسب القرشي في الخليفة، وهذا المعنى هو ما يذكرونه ولا يذكرون غيره، إلّا ابن خلدون، وهو فقيه ومؤرّخ، ذكر التوجيه الذي نقلناه عنه، وما ذكره ابن خلدون في فهمه للحديث، وإن كان -في نظرنا- يحتمله الحديث إلّا أنه احتمال مرجوح، كذلك يمكن القول على وجه الاحتمال المرجوح أنَّ الحديث مسوق على سبيل الإخبار بما سيقع، لا على سبيل الأمر بما يقع، وفي ضوء هذا كله الذي يترجَّح عندي الآن: إنَّه إذا تساوى اثنان في شروط الخلافة، وكان أحدهما قرشيًّا وجب اختيار القرشي، وإن كان القرشي عاريًا من شروط الخلافة والآخر مستوفيًا لها، إلّا أنه غير قرشي، قدِّم المستوفي لها على القرشي؛ لأن مقاصد الخلافة لا تتحقق بالقرشي وهو عاطل وعار من شروطها، وإنما تتحقق بالآخر الكفء القدير؛ لأن الأصل العام في الولايات لزوم توافر القدرة والكفاءة، وقد وجدتا، وإن لم يوجد القرشي أصلًا

стр. 213

كانت الخلافة لمن تتوافر فيه بقية شروطها. عزل الخليفة: ٣٤٥- الأمة هي التي تختار الخليفة، فلها حق عزله؛ لأن من يملك حق التعيين يملك حق العزل، ولكن استعمال هذا الحق يقتضي وجود المبرر الشرعي، وإلّا كان تعسفًا في استعمال الحق، واتباعًا للهوى، وهذان لا يجوزان في شرع الإسلام. والمبرِّر الشرعي لعزل الخليفة خروجه عن مقتضى وكالته عن الأمة خروجًا يبرر عزله، أو عجزه عن القيام بمهام الخلافة، وهذا ما صرَّح به الفقهاء، فالإمام ابن حزم يقول -وهو يتكلم عن الإمام- ما نصه: " ... فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله ﷺ ، فإن زاغ عن شيء منهما منع من ذلك، وأقيم عليه الحد والحق، فإن لم يؤمن أذاه إلَّا بخلعه خُلِعَ وولِّيَ غيره"١، ومن أقوال الفقهاء أيضًا: "وللأمة خلع الإمام وعزله بسبٍ يوجبه، مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين، كما كان لهم نصبه وإقامته عنه؛ لانتظامها وإعلائها"٢، ومن أمثلة العجز عن مهام الخلافة الموجب لزوالها عنه أو عزله واختيار غيره لمنصب الخلافة: جنونه المطبق، وعماه، وأسره بيد العدو على وجه لا يرجى خلاصه؛ لعجزه عن النظر في أمور المسلمين، فيختارون غيره ليقوم بمصالح المسلمين٣. تنفيذ العزل: ٣٤٦- وإذا كانت الأمَّة تملك حق عزل الخليفة عند وجود السبب الشرعي الداعي لذلك، إلّا أنه يجب أن يعرف جيدًا بأنَّ مجرد وجود السبب الشرعي للعزل لا يعني بالضرورة لزوم تنفيذ العزل؛ لأنه عند التنفيذ يجب أن ينظر في إمكانه ونتائجه، فإذا كان تنفيذه ممكنًا ورؤي أنه لا تترتب على العزل نتائج مضرة بالأمَّة تربو على عدم عزله، وجب العزل في هذه الحالة، وإذا رؤي أنَّ التنفيد غير ممكن، أو ممكن بذاته، ولكن يترتَّب عليه نتائج مضرة بالأمَّة تزيد على أضرار بقائه وعدم عزله، وجب أن ترجَّح عدم التنفيذ؛ لأن من قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يكون العمل إزالة المنكر مستلزمًا أو مقتضيًا وقوع منكر أعظم منه٤. وعزل الخليفة من النهي عن المنكر، فيخضع لهذه القاعدة.

стр. 214

المطلب الثاني: الشورى وجوب الشورى: ٣٤٧- مبدأ الشورى من أهمِّ مقومات نظام الحكم في الإسلام، به نطق القرآن، وجاءت السنة، وأجمع عليه الفقهاء، وهو حق للأمة وواجب على الخليفة، والتفريط به سبب لعزله كما سنذكره. والأدلة على وجوبه تستفاد من القرآن ومن سيرة النبي ﷺ ، ومن أقوال الفقهاء: أولًا: قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ، وظاهر الأمر يدل على الوجوب، ومن أقوال الفقهاء والمفسرين بصدد هذه الآية قول ابن تيمية: "لا غنى لوليِّ الأمر عن المشاورة، فإن الله تعالى أمر بها نبيه -صلى الله عليه وسلم١، وجاء في تفسير الطبري بصدد آية ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ : إنما أمر الله نبيه ﷺ بمشاروتهم فيه تعريفًا منه أمته؛ ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم"٢، وفي تفسير الرازي: "قال الحسن وسفيان بن عيينة: إنما أمر بذلك -أي: أمر الله رسوله ﷺ بالمشاورة؛ ليقتدي به غيره في المشاروة ويصير سنة في أمته"٣. ثانيًا: ومما يؤكّد وجوب المشاروة على رئيس الدولة أنَّ النبي ﷺ على جلالة

стр. 215

قدره وعظيم منزلته كان كثير المشاورة لأصحابه، شاروهم يوم بدر في التوجُّه إلى قتال المشركين، وشاورهم قبل معركة أحد أيبقى في المدينة أم يخرج إلى العدو. وشاور السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يوم الخندق، فأشاروا عليه بترك مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة مقابل انصرافهم عنها، فقبل رأيهما١، وهكذا كان رسول الله ﷺ كثير المشاورة لأصحابه، حتى قال العلماء: "لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ "٢. ترك المشاورة موجب لعزل رئيس الدولة: ٣٤٨- وإذا كانت المشاورة حقًّا للأمَّة وواجبًا على رئيس الدولة، فإنَّ التفريط بها إلى حدِّ تركها موجب للعزل، جاء في تفسير القرطبي: "قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشرعية وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدِّين فعزله واجب"٣، فلا بقاء لحاكمٍ مستبدٍّ في دولة الإسلام. تعليل أهمية المشاورة: ٣٤٩- مما ذكرناه يتبيِّن لنا بوضوحٍ أن المشاورة في نظام الحكم في الإسلام ذات أهمية بالغة، وتعليل ذلك على ما نرى: إنَّ المشاورة سبيل معرفة الرأي الصواب؛ لأن كل مستشار يظهر رأيه ووجهة هذا لرأي ومدى فائدته، وبعرض هذه الآراء ومقارنتها ومناقشتها يظهر الصواب غالبًا، كما أنَّ بالمشاورة استفادة بلا جهد من خبرات الآخرين وتجاربهم التي اكتسبوها في سنين طوال وبجهود وتضحيات، كما أن بالمشاورة عصمة لولي الأمر من الإقدام على أمور تضر الأمة ولا يشعر هو بضررها، ولا سبيل إلى إصلاح الضَّرر بعد وقوعه، ولا يرفعه كونه حسن النية. وفي المشاورة أيضًا تذكير للأمَّة بأنها هي صاحبة السلطان، وتذكير لرئيس الدولة بأنَّه وكيل عنها في مباشرة السلطان، وفي هذا وذاك عصمة من الطغيان الذي هو من صفات الإنسان، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ .

стр. 216

في أي شيء تجري الشورى: ٣٥٠- والمشاورة مع الأمَّة تجري في شئون الدولة المختلفة، وفي الأمور الشرعية الاجتهادية التي لا نصَّ فيها، أي: إنَّ رئيس الدولة يستشير في أمور الدين والدنيا كما يقول الفقهاء، فقد جاء في تفسير الجصاص: "الاستشارة تكون في أمور الدنيا وفي أمور الدِّين التي لا وحي فيها"١، والمشاورة في أمور الدنيا، أي: شئون الدولة المهمة منها، مثل تسيير الجيوش وإعلان الحرب وعقد المعاهدات وإسناد المناصب المهمة في الدولة إلى مستحقيها، ونحو ذلك، فلا تكون المشاورة في كل شيء من شئون الدولة حتى في صغائرها وجزئياتها، فإنَّ هذا غير ممكن ولا مطلوب، ولا حاجة إليه ولا منفعة فيه، ولا دليل عليه. أهل الشورى: ٣٥١- ولكن كيف تتمّ المشاورة؟ وهل يجب على رئيس الدولة أن يشاور الأمَّة كلها، أو طائفة منها، أو أفرادًا منها؟ المستفاد من سيرة النبي ﷺ وهديه في الشورى، أنَّه كان يشاور جمهور المسلمين في الأمور التي تهمهم مباشرة، كما حصل في مسألة الخروج إلى قتال المشركين في معركة أحد، فقد استشار جمهور الموجودين في المدينة، وكان يقول: "أشيروا عليّ" ١، وكذلك في مسالة غنائم هوازن، فقد حرص النبي ﷺ على أن يعرف آراء جميع المسلمين المشتركين في حرب هوازن في مسألة الغنائم التي صارت إليهم، فقد جاء في أخبارهم أنَّ النبي ﷺ بعد أن ذكر لهم ما يراه بصدد الغنائم، قال الحاضرون: "يا رسول الله، رضينا وسلَّمنا، قال: "فمروا عرفاءكم أن يرفعوا ذلك إلينا حتى نعلم"، فكان زيد بن ثابت على الأنصار يسألهم: هل سلموا؟ فأخبروه أنهم سلموا ورضوا ولم يتخلّف عنهم رجل واحد ... إلخ"٢. فهذه الواقعة تدل على أنَّ أهل الشورى كانوا جميع المسلمين الذين يتعلَّق بهم موضوع المشاورة، وأحيانًا كان النبي ﷺ يستشير بعض أصحابه لا كلهم، كما حصل في مسألة

стр. 217

أسرى بدر، فقد استشار ﵊ بعض أصحابه في هؤلاء الأسرى، وهل يأخذ منهم الفداء أم لا؟ واستشار ﵊ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في مسألة مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعوا عن قتال المسلمين في معركة الخندق، فقالا: يا رسول الله، إن كان هذا أمرًا من السماء فامض له، وإن كان أمرًا لم تؤمر فيه ولك فيه هوًى فسمع وطاعة، وإن كان إنما هو الرأي، فما لهم إلّا السيف، فأخذ الرسول ﷺ برأيهما وترك موضوع المصالحة مع غطفان١. فهذه السوابق الثابتة في سنة النبي ﷺ تدل على أنَّ أهل الشورى تارة يكونون جمهور الأمة، وطورًا يكونون جميع المسلمين الموجودين وقت المشاورة ويتعلق بهم موضوع المشاورة، كما في مسألة غنائم هوازن، وأحيانًا يكون أهل الشورى المتبوعين في قوهم، كما في مسألة مصالحة غطفان؛ حيث شاور النبي ﷺ السعدين من سادات الأنصار والمتبوعين فيهم، وأحيانًا أخرى يكون أهل الشورى بعض المسلمين من ذوي الرأي، كما في مسألة أسرى بدر. وفي ضوء هذه السوابق يمكن أن نقول: إن من يشاروهم رئيس الدولة يختلفون باختلاف موضوع المشاورة من المسائل التي تحتاج إلى نوع معرفة وحسن رأي ولطف إدراك، فيشاور رئيس الدولة أهل الاختصاص والمعرفة، وقد أشار الإمام القرطبي في تفسيره إلى ما نقول، فقال ﵀: "واجبٌ على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وما أُشْكِلَ عليهم من أمور الدِّين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعُمّال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها، إلى أن قال: قال العلماء: صفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالمًا ودينًا، وصفة المستشار إن كان في أمور الدنيا أن يكون عاقلًا مجربًا"٢. الخلاف بين رئيس الدولة وأهل الشورى: ٣٥٢- وقد يختلف رئيس الدولة مع أهل الشورى، فما الحال في هذه الحالة؟

стр. 218

الحل ما أمرت به الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ، فيجب رد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كما تقضي به الآية الكريمة وأجمع عليه المفسرون١، فإذا وجد الحكم صريحًا في الكتاب أو السنة وَجَب اتباعه، ولا طاعة لأحد في مخالفته، وإن لم يوجد الحكم صريحًا فأيّ الآراء أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عُمِلَ به٢. الأخذ برأي رئيس الدولة: ٣٥٣- وإذا لم يظهر الرأي الذي هو أشبه بكتاب الله وسنة رسوله، وبقي الخلاف بين رئيس الدولة وبين أهل الشورى، فما الحكم في هذه الحالة؟ الذي نراه ونرجِّحه ترك الأمر إلى رئيس الدولة، فإن شاء أخذ برأي الأكثرية، وإن شاء أخذ برأي الأقلية، وإن شاء أخذ برأيه هو، وإن كان خلاف رأي الأكثرية والأقلية، وقد يبدو قولنا هذا غريبًا؛ لأن الأذهان ألفت الأخذ برأي الأكثرية دائمًا، إلى درجة الاعتقاد بأنَّ الأخذ به ملزم، وأنَّ الخروج على رأي الأكثرية علامة الاستبداد والتعسُّف، إلى آخر ما يقال في هذا المجال، ولكن الحقَّ أحق أن يتبع، فما هي حجتنا فيما قلناه؟ إنَّ حجتنا تتلخَّص بالأدلة الآتية: أدلة الأخذ برأي رئيس الدولة وإن خالف رأي الأكثرية: ٣٥٤- أولًا: قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ، قال قتادة في تفسير هذه الآية: "أمر الله تعالى نبيه ﵇ إذا عزم على أمرٍ أن يمضي فيه ويتوكّل على الله لا على مشاورتهم"٣. ثانيًا: السوابق القديمة ومنها ما فعله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق في جيش أسامة، وفي محاربة المرتدين، وخلاصة القول في جيش أسامة بن زيد، أنَّ النبي ﷺ أرسله قائدًا على جيشٍ من المسلمين، فيه كبارهم وأبطالهم، وأمره بالتوجّه إلى جهة

стр. 219

فلسطين، وقبل أن ينفصل من المدينة توفِّي الرسول ﷺ ، فتوقف أسامة حتى بويع أبو بكر بالخلافة، فأرسل إليه عمر بن الخطاب يستأذنه بالرجوع مع جيشه؛ ليكون بجانبه ويسهم في دفع شرِّ المرتدين عن المدينة، وكان هذا رأي عمر بن الخطاب أيضًا، وغيره من المسلمين، ولكنَّ أبا بكر رفض هذا الرأي وقال: والله لو علمت أن السباع تجر برجلي إن لم أردّه ما رددته، ولا حللت لواءً عقده رسول الله -صلى الله عليه وسلم١. أما قصة المرتدين، فقد كان منهم فريق كبير امتنعوا عن أداء الزكاة مع بقائهم على الإيمان بالله وبرسوله، وأرسلوا وفدًا إلى المدينة ليقنع الخليفة بالموافقة على ذلك، فرفض أبو بكر هذا الرأي وقال: والله لو منعوني عقالًا لجاهدتهم عليه، وظلَّ أبو بكر ﵁ على هذا الرأي بالرغم من رأي أكثر الصحابة أن اللين أوْلَى في هذه الحالة؛ لضعف المسلمين وانتشار الردة وكثرة المرتدين، ولكنَّ أبا بكر ظلَّ باقيًا على رأيه ماضيًا في الذي شرح الله له صدره من الحق، لا يضعف ولا يني٢. ووجه الدلالة في هذه السابقة القديمة أنَّ أبا بكر ﵁ أخذ برأيه ونفَّذه، ولم يأخذ برأي غيره وإن كانوا كثيرين. ثالثًا: إنَّ الخليفة -رئيس الدولة- مسئول مسئولية كاملة عن أعماله، فلا يجوز إلزامه بتنفيذ رأي غيره إن لم يقتنع بصوابه، لأنَّ كون الإنسان مسئولًا عن عمله يعني أن يعمله باختياره ورأيه، لا أن يعمل وينفذ رأي غيره على وجه الإلزام وهو كاره له غير مقتنع به، ثم يُسْأَل هو عن هذا الرأي ونتائجه. رابعًا: إنَّ صواب الرأي أو خطأه يستمدان من ذات الرأي وطبيعته، لا من كثرة أو قلة القائلين به. خامسًا: ليست الكثرة لذاتها دليلًا قاطعًا أو راجحًا على الصواب، كما أنَّ القلة ليست لذاتها دليلًا قاطعًا أو راجحًا على الخطأ؛ إذ يمكن أن يكون الخطأ مع الكثرة، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ ، ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ .

стр. 220

سادسًا: في حالة الحروب: وهي أخطر ما تمرّ به الأمة، يفوَّض الأمر إلى قائد الجيش لينفِّذ ما يراه من خطط الهجوم والدفاع بعد أن يستشير مساعديه، ولا يلزم برأيهم مطلقًا، وإن كان ملزمًا باستشارتهم، ومعنى ذلك أنَّ البشر يدركون بفطرتهم أن خير حلّ عند اختلاف الرئيس مع مستشاريه هو ترك الأمر له، يقرر ما يراه، ولهذا يأخذون بهذا الحل في حالة الحرب، مع أنَّ خطأ القائد قد يؤدي إلى فناء الجيش وهلاك الأمة، ولكن مع هذا يأخذون بهذا الحلّ؛ لأنه خير الحلول وأصوبها عند اختلاف الرئيس مع مَنْ يشاورهم. اعتراضات ودفعها: ٣٥٥- إنَّ رأينا الذي قدمناه واعتبرناه هو الراجح، بل ونعتبره هو الصحيح، قد يعترض البعض عليه بالاعترضات التالية: الاعتراض الأول: إنَّ النبي ﷺ أخذ برأي الأكثرية في مسألة الخروج إلى معركة أحد، مع أنه كان يميل إلى عدم الخروج، والجواب: إنَّ النبي ﷺ إنَّمَا أخذ برأيهم لأنه رأى ذلك، لا لأنَّ الأخذ برأي الأكثرية ملزم، وكلامنا في إلزام الأكثرية لرئيس الدولة أو عدم إلزامه. الاعتراض الثاني: ما فائدة المشاورة إذا لم يلتزم رئيس الدولة برأي من يشاورهم، أو برأي أكثريتهم؟ والجواب: فائدة المشاورة تظهر في ظهور الرأي الصواب والمظنون في رئيس الدولة أن يأخذ بالصواب، فإذا لم يأخذ برأيهم، فمعنى ذلك أنَّه لم يقتنع بما قيل، لا لكونه يريد العناد والخلاف. الاعتراض الثالث: إنَّ الله تعالى أمر بالمشاورة، وهذ الأمر يتضمَّن الأخذ برأي من يشاورهم، والجواب: المشاورة غير التنفيذ، والله تعالى أمر بالمشاورة، وينقضي حق هذا الأمر بإجراء المشاورة فعلًا، أمَّا التنفيذ فشيء آخر، وهو متروك لرئيس الدولة حسب ما يراه، ما دام الأمر اجتهاديًّا. حق الأفراد في إبداء آرائهم: ٣٥٦- وقيام الخليفة بمشاورة أهل الحل والعقد لا يعني أنَّ غيرهم من أفراد الأمَّة لا حق لهم في إبداء آرائهم في شئون الحكم وتصرفات الخليفة، فالواقع أنَّ لكل

стр. 221

فرد أن يبدي رأيه فيما يرى فيه المصلحة أو إزالة مفسدة، وأساس هذا الحق تكليف الشارع لكلِّ مسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل جعل القيام بهذا التكليف من صفات المؤمنين الأصلية، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، وقال ﷺ في الحديث الصحيح المشهور: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، ومن الواضح أنَّ القيام بهذا الفرض يستلزم تمتع الفرد بحق إبداء رأيه بالمعروف الذي يأمر به، والمنكر الذي يريد تغييره، وهذا الحق للأفراد متمِّمٌ للشورى ومساعد لها، ويتفق مع أهدافها؛ لأن به يعان الخليفة على معرفة الصواب وتجنُّب الخطأ، فقد يفوت أهل الشورى بعض الأمور التي يعرفها غيرهم من أفراد الأمة، وعلى هذا لا يجوز للخليفة أو لغيره من أولياء الأمور الانتقاص من هذا الحق للأفراد، كما لا يجوز للأفراد التنازل عنه أو تعطيله؛ لأنه حق أوتوه من الشرع ليتمكَّنوا من أداء ما افترض عليهم من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا كان الحُكَّام الصالحون يربُّون أفراد الأمَّة على حرية الرأي، ويحثُّونهم على هذه الصفة، ويعيبونهم على تركها، قال رجل للإمام عمر بن الخطاب: "اتق الله يا عمر، فقال له عمر: ألا فلتقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها"، وفي خطبة لأبي بكر ﵁: "فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوّموني"١. حدود حرية الرأي: ٣٥٧- وحق الأفراد في إبداء آرائهم في تصرفات الخليفة له حدود وضوابط، الأول: أن يكون قصد صاحبه بذل النصح الخالص للخليفة، جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم أنَّ النبي ﷺ قال: "الدين النصحية"، قلنا: لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتهم"، فلا يجوز للفرد أن يقصد في بيان رأيه في تصرفات الحكام التشهير بهم، أو تكبير سيئاتهم، أو انتقاصهم، أو تجريء الناس عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الباطلة التي لا يراد بها وجه الله، ولا الخير للمنصوح، ولا المصلحة للأمة.

стр. 222

الثاني: أن يكون بيان المسلم لرأيه في تصرفات الحكّام على أساس من العلم والفقه، فلا يجوز أن ينكر عليهم أو ينتقصهم في الأمور الاجتهادية؛ لأن رأيه ليس أوْلى من رأيهم ما دام الأمر اجتهاديًّا. الثالث: لا يجوز للأفراد إحداث الفتنة ومقاتلة المخالفين لهم بالرأي إذا لم يأخذوا برأيهم، ما دام الأمر يحتمل رأيهم ورأي غيرهم. تنظيم الشورى في الوقت الحاضر: ٣٥٨- ذكرنا في الفقرات السابقة السوابق الثابتة في السنَّة النبوية في موضوع الشورى، ومجموعها يدل على أن الشريعة الإسلامية لم تنصّ على كيفية خاصَّة لتحقيق مبدأ الشورى، ومعنى ذلك أنَّها تركت تنظيم الشورى للأمة الإسلامية على النَّحو الذي يلائم ظروفها وأحوالها، ويحقق مقصود الشورى ومعرفة رأي الأمة، وهذا في الحقيقة من حسنات الشريعة واحتياطها للمستقبل، وعلى هذا فيبدو لنا أنَّ ما يوافق العصر الحاضر أن تقوم الأمة بانتخاب أهل الشورى الذين يشاورهم رئيس الدولة، ويعتبرون بنفس الوقت أهل العقد والحل، على أن يكون لرئيس الدولة الحقّ في مشاورة أهل الاختصاص في موضوع اختصاصهم، وأن يكون له الحق في استفتاء الأمَّة في المسائل الخطيرة، وأن يوضع نظام مفصَّل لكل هذه المسائل وغيرها، مما له علاقة في موضوع الشورى في ضوء قواعد الشريعة ومبائدها وأحكامها في نظام الحكم، كما يجب توفير حرية الرأي للمواطنين لإبداء آرائهم في شئون الدولة في الحدود الشرعية، فلا يجوز مثلًا التشهير والطعن والسباب وفاحش الكلام والافتراء والتضليل بحجة إبداء الرأي، فليس من حقِّ أحدٍ أن يشيع الفساد بحجة إبداء الرأي. والواقع أنَّ مجرَّد وضع الأنظمة لا يكفي لتحقيق الانتخاب السليم، ولا لتحديد حدود الرأي المباح الخالص من الغش والدَّجَل، وإنما الذي يفيد كثيرًا في هذا الباب -مع وضع الأنظمة اللازمة- إشاعة المفاهيم الإسلامية والأخلاق الإسلامية، وتربية الأفراد على معاني العقيدة الإسلامية ومخافة الله وتقواه في السر والعلن، فبهذا يقف الإنسان عند الحدود الشرعية، ويقوم بواجبه على الوجه المرضي، سواء أكان هذا الواجب في انتخاب أعضاء مجلس الشورى أو في قيام هؤلاء بإبداء آرائهم، أو في إبداء آحاد الناس آراءهم فيما يرونه من وجوه المصلحة.

стр. 223

المطلب الثالث: الخضوع لسلطان الإسلام تمهيد: ٣٥٩- قلنا فيما مضى: إنَّ الأمة مخاطبة بأحكام الشرع مكلَّفَة بتنفيذها، مثل أحكام العقوبات، والجهاد، والحكم بين الناس بالعدل، ونحو ذلك من الأحكام الشرعية التي هي من الفروض في الإسلام، وإنها تملك -بتمليك الشرع لها- السلطة لتنفيذ هذه الأحكام وحمل الناس عليها؛ وحيث إنَّ تنفيذ هذه الأحكام باستعمالها سلطتها لا يمكن أن يكون عن طريق جماعي، فقد برزت قاعدة النيابة لتحقيق ذلك، بأن تنيب الأمة واحدًا عنها من يباشر سلطانها نيابةً عنها لتحقيق ما هي مكلَّفَة به، وهذ النائب هو الخليفة. سلطان الأمة مقيد غير مطلَق: ٣٦٠- ولكن سلطان الأمَّة مقيد غير مطلق، مقيَّد بالغرض الذي من أجله منحت الأمةُ هذا السلطانَ من قبل الشرع، ومعنى ذلك أنَّ سلطانها مقيَّد بسلطان الله المطلق الذي له الحاكمية الحقيقة المطلقة ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ، وارادته الشرعية المتمثلة في شرعه، ومن شرعه نظام الحكم في الإسلام، وعلى هذا فإنَّ سلطان الأمة في الحقيقة سلطان تنفيذ لشرع الله ومنه نظام الحكم، وليس بسلطان خلق وابتداع لنظام يهواه. سلطان الخليفة مقيد غير مطلق: ٣٦١- وإذا كان سلطان الأمَّة مقيَّد بسلطان الإسلام، أي: بشرائعه وأحكامه ونظمه، ومنها نظام الحكم، فإن الخليفة -وهو نائبها- سلطانه في الحكم مقيَّد أيضًا بسلطان الإسلام؛ لأنه لا يمكن أن يملك الوكيل أكثر مما يملكه الموكِّل من سلطة وحق.. فسلطانه سلطان تنفيذ للشرع، وليس بسلطان ابتداع الشرع، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز في خطبته بعد توليه الخلافة: إنما أنا متَّبِع ولست بمبتَدِع. ما يترتَّب على تقييد سلطان الأمة والخليفة: ٣٦٢- ويترتَّب على تقييد سلطان الأمَّة والخليفة بسلطان الإسلام أنه لا يملك

стр. 224

واحد منهما الخروج على هذا السلطان أبدًا، فلا يجوز لأحدهما ولا لكليهما، وإن كان برضى منهما تغيير شرع الله أو اتباع غيره؛ لأن الاتفاق على الباطل لا يقلبه حقًّا، ولا يعطي المتفقين عليه تبريرًا شرعيًّا لعملهم الباطل ... ولكن يجوز للخليفة وضع الترتيبات اللازمة لتنفيذ شرع الله ومنه نظامه في الحكم، أو وضع الأنظمة اللازمة لإدارة شئون الدولة في نطاق القواعد العامَّة في الشرع الإسلامي، ما دام لا يوجد نصّ أو نصوص تحكم هذه الشئون، وهذه الدائرة التي يباح فيها للخليفة وضع هذه الأنظمة لتسهيل تنفيذ شرع الله وإدارة شئون الدولة هي التي تدخل فيما يسميه الفقهاء بالأمور الاجتهادية التي يجوز فيها البحث والنظر، وتشريع الأحكام الجزئية في نطاق الاجتهاد وقواعده وضوابطه، ويلزم تنفيذ هذه الأحكام الاجتهادية السائغة، ولا يجوز للأمَّة ولا لأهل الحل والعقد عصيان هذه الأحكام ولا التمرُّد عليها ما دام الخليفة قد قرَّر تنفيذها، ولا يقبل منهم تبرير عصيانهم بمخالفة هذه الأحكام لآرائهم الاجتهادية؛ لأنَّ الاجتهاد لا ينقضّ بمثله كما يقول الفقهاء، إلّا أنه من المرغوب فيه جدًّا للخليفة بل قد يكون من الواجب عليه أن يشاور أهل الشورى فيما يريد تشريعه من الأمور الاجتهادية، كما كان يفعل الإمام عمر بن الخطاب، ومن أمثلة ما فعله هذا الإمام الراشد تشاوره مع أهل الشورى في مسألة تقسيم أراضي السواد في العراق، أيقسمها على الفاتحين أم يبقيها بأيدي أصحابها ويضرب على أراضيهم الخراج؟ ولا شكَّ أن الخليفة عندما يشاور أهل الشورى في هذه المسائل قد يخرجون برأي واحد وقد يختلفون، وعند الاختلاف يترك الأمر للخليفة ليختار الرأي الذي يراه، والمأمول دائمًا أنَّ الرأي الصواب سيظهر نتيجة هذه المناقشة الهادئة الصريحة الهادفة إلى الصواب، وإذا ما تبين الصواب فالراجح جدًّا أن الخليفة يقبله؛ لأنه لا مصلحة له في مخالفة الصواب وهو المنصوب لتنفيذ أحكام الشرع وتحقيق مصالح الأمة، وإذا قدِّر أنه لم يقتنع بوجهات نظر الآخرين الصائبة، وأخذ بوجهة نظر خاطئة فهذا نادر لا غالب؛ لأن الغالب ما قلناه، والعبرة للغالب الشائع لا للنادر. الجدية والمساورة في تنفيذ شرع الله: ٣٦٣- وإذا كان الخليفة والأمَّة خاضعين لسلطان الإسلام المتمثل في شرعه

стр. 225

فإنَّ هذا الخضوع يظهر في جدية التنفيذ والمسارعة فيه والحرص عليه، فلا يفيد الادِّعاء بالخضوع لسلطان الإسلام مع المخالفة الفعلية له، ومع هذه الجدية في التنفيذ والمسارعة فيه مساواة بين الرعية في تنفيذ القانون الإسلامي عليهم؛ لأنَّ الخليفة لا يملك تعطيل القانون بالنسبة لواحدٍ منهم، وإلّا كان مسئولًا عن ذلك مسئولية دينية أمام الله في الآخرة، وأمام الأمة التي اختارته في الدنيا، كما أنَّ الأمة كلها لا تملك تعطيل القانون بالنسبة لأيِّ فرد، ولا يجوز لها السعي في هذا المجال المحرم بالشفاعة السيئة أو التأثير على الخليفة، وقد بَيِّنَ الرسول ﷺ هذه المعاني بصورة حاسمة وصريحة في مسألة المرأة المخزومية التي سرقت وأهمَّ الناسُ أمرها، فطلبوا من أسامة أن يكلِّم فيها رسول الله ﷺ على وجه الشفاعة لها عنده، عسى أن يعفيها من إقامة الحدِّ أو يجد لها مخرجًا، وقد غضب رسول الله ﷺ لذلك، وقال في خطبة له في الناس على أثر ذلك: "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". الدولة الإسلامية دولة قانونية: ٣٦٤- وإذا تبيِّن لنا أنَّ الخليفة والأمَّة خاضعون لسلطان الإسلام، فإنَّ معنى ذلك أنَّ الدولة الإسلامية يمكن وصفها بأنها "دولة قانونية" أو "دولة قانون"، أي: إنها تخضع في جميع تصرفاتها وشئونها كما يخضع جميع الأفراد في جميع تصرفاتهم وعلاقاتهم إلى القانون، وأعني بالقانون هنا بالنسبة للدولة الإسلامية القانون الإسلامي المتمثِّل بكتاب الله وسنة رسوله، وما قام عليهما من استنباط صحيح واجتهاد سائغ مقبول، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ، ويترتَّب على ذلك أنَّ نظام الحكم الإسلامي لا يقوم على معنى باطل قد يتلبس الحكم أو يقارنه أو يخالطه، مثل: الهوى والطغيان والتكبر في الأرض وحب الفساد والتسلط على الآخرين وغمط حقوق الناس وتسخيرهم للشهوات، ونحو ذلك من المعاني الفاسدة التي لا تنفكّ عنها نظم الحكم الوضعية؛ لأن نظام الحكم الإسلامي خاضع للقانون الإسلامي المبرَّأ من هذه العيوب والمفاسد، ومن مظاهر هذا الخضوع أنَّ الأمة في اختيارها الخليفة أو

стр. 226

أهل الشورى، تختارهم وفقًا للموازين الشرعية، بعيدةً عن الأهواء، وهؤلاء المنتخبون في مجلس الشورى يباشرون حقهم في إبداء الرأي مستحضرين في قلوبهم مخافة الله ومراقبته، فلا يقولون إلّا ما يعتقدونه الحق والصواب، ولا يألون جهدًا في إرادة الخير للأمة، والنصح للخليفة، ولا يبغون من وراء ذلك إلّا مرضاة الله. وأفراد الأمة عندما ينتقدون أو يبدون آراءهم في تصرفات الخليفة يفعلون ذلك وهم يشعرون بلزوم خضوعهم إلى شرع الله، الذي يأخرهم بالعدل في القول والصدق فيه وإرادة النصح الخالص في النقد أو الاعتراض. والخليفة في شئون الدولة ومباشرته سلطان الحكم إنما يستهدي بشرع الله، فلا يعطي ولا يمنع ولا يقدِّم ولا يحجم إلّا ببراهنٍ من شرع الله، وينفذ القانون الإسلامي بعدل ومساواة وجِدِّية، لا تمنعه من إقامة الشرع صداقة ولا قرابة، ولا أيّ معنى من المعاني التي لا يعترف بها الشرع في مجال التنفيذ؛ لأن تنفيذ القانون الإسلامي من لوازم خضوعه له كما قلنا، ولا يعطّل تنفيذه بحجة الرحمة المتوهَّمة، فالرحمة الحقة في تنفيذ القانون الإسلام لا في تعطيله، وقد نبهنا الله تعالى إلى هذا الجانب الضعيف في النفس الإنسانية الذي يتسلل منه الشيطان ليمنع ولي الأمر في إقامة حدود الله، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ . وإذا كانت الدولة الإسلامية دولة قانون، وقانونها هو شرع الله -الإسلام، فإنَّ أي خلاف ينشب يكون مرجعه إلى هذا الشرع لا إلى شيء غيره، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ، والمحق من كان الحق بجانبه ببرهانٍِ من الشرع، ومن ثَمَّ تكون الدولة بجانبه وإن كان ضعيفًا، والمبطل من لم يكن الحق بجانبه ببرهان من الشرع، ومن ثَمَّ تكون الدولة ضده وإن كان قويًا. ٣٦٥- وإذا كانت الدولة الإسلامية دولة قانونية خاضعة لسلطان الإسلام، فإن معنى ذلك أنَّ الحكم الحقيقي والسلطان الحقيقي لمشرِّع هذا الإسلام، وهو الله ﷻ ، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ .

стр. 227

المطلب الرابع: مقاصد الحكم في الإسلام الحكم وسيلة لا غاية: ٣٦٦- الحكم في الإسلام وسيلة لا غاية، وسيلة فعَّالة إلى مقاصد معينة يستطيع الحكم تحقيقها؛ لما للحاكم من سلطان يستطيع به تنفيذ ما يعجز عنه آحاد المسلمين، فيختصر الطريق ويبلغ الأهداف ويحقق المقاصد، وهي بعض مقاصد الإسلام، فما هي مقاصد الحكم الإسلامي؟ مقاصد الحكم: ٣٦٧- يقول الفقهاء في تعريفهم للإمامة -أي: الخلافة: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدِّين وسياسة الدنيا به"١. فهذا التعريف يؤكِّد على وظائف الخلافة، أي: مقاصد الحكم، ويُجْمِلُها في مقصدين كبيرين؛ الأول: حراسة الدين، والثاني: سياسة الدنيا به. فلا بُدَّ من الكلام عن كل مقصد على حدة، وبيان ما يندرج تحته من مقاصد فرعية. المقصد الأول: حراسة الدين ٣٦٨- ويقصد بالدين هنا بداهة الإسلام، فهو الدين المطلوب حراسته بالحكم، وحراسة تعني شيئين: حفظه وتنفيذه، فما معنى الحفظ والتنفيذ في هذه المقام؟ ٣٦٩- أولًا: حفظه وحفظ الإسلام يعني: إبقاء حقائقه ومعانيه ونشرها بين الناس كما بلَّغَها رسول الله

стр. 228

- ﷺ ، وسار عليها صحابته الكرام ونقلوها إلى الناس من بعده، وعلى هذا لا يجوز أيَّ تبديلٍ أو تحريف في هذه الحقائق والمعاني؛ لأنَّ التحريف والتبديل يدخلان في نطاق الابتداع المذموم في دين الله، ولا يجوز التردد أبدًا في منع التبديل والتحريف بحجة حق الفرد في إبداء الرأي وحرية الفكر والاجتهاد؛ لأنَّ الفرد إن كان مسلمًا فليس من حقِّه أن يبدِّل دين الله، وإذا اختار لنفسه الضلالة ولعقيدته الفساد فليس من حقه أبدًا أن يخرج على نظام دار الإسلام ويشوِّه حقائق الإسلام، وإلّا كان ناقضًا لعقد الذمة، ومع هذا فقد يقع المسلم في زيغ أو شبهة أو خطأ نتيجة فهمٍ سقيمٍ أو تضليلٍ خبيث، فيجب على ولي الأمر -الخليفة- أو نائبه أن يعمل على كشف الشبهة وإظهار الصواب بالدليل والبرهان، حتى يظهر الحق وتقوم الحجة، فإن أصرَّ المبطل على باطله وسعى إلى نشره في الناس مُنِعَ من ذلك وأقيم عليه ما يوجبه الشرع، وقد أشار الفقهاء إلى ما ذكرناه، فقد قالوا: إنَّ على الإمام "حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإن زاغ ذو شبهة عنه بيِّنَ له الحجة وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدِّين محروسًا من خللٍ، والأمة ممنوعة من الزلل"١. ٣٧٠- ومن لوازم حفظ الدين "تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظهر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرمًا، ويسفكون فيها لمسلمٍ أو معاهدًا دمًا"١. والحقيقة أنَّ دفع الأعداء عن دار الإسلام ضروري لحفظ الدين وبقائه؛ لأنَّ استيلاء الكفرة على دار الإسلام ضياع للإسلام وطمس لحقائقه، وفتنة عظيمة للمسلمين، وزعزعة لعقائدهم، بسبب حكم الكفرة له، وما يبذلونه لصرف المسلمين عن دينهم الحق بالوعد والوعيد، والتلبيس والخداع والتضليل، بل نستطيع القول أنَّ من لوازم وتمام حفظ الدِّين إعلاءه واظهاره على جميع أنظمة الكفر، حتى لا يبقى للباطل حكم قائم ولا راية مرفوعة، وهذا ما أشار إليه الماوردي؛ إذ يقول وهو يعدِّد واجبات

стр. 229

الإمام، "والسادس جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل الذمّة؛ ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله"١. ٣٧١- ثانيًا: تنفيذه وأمَّا تنفيذ الدين -الإسلام- وهو المظهر الثاني لحراسته، فيتحقق في أمور منها: تطبيق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، وفي علاقاتهم مع الدولة، وفي علاقة الدولة -دار الإسلام- مع غيرها من الدول، ومنها: حمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره، وترغيبهم في ذلك، ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية، ومنها: إزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع كما يقضي به الإسلام؛ إذ لا يمكن الادِّعاء بحفظ الدِّين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إنكار ولا إزالة مع توفر القدرة على ذلك. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المقصد من مقاصد الحكم الإسلامي، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور﴾ . المقصد الثاني: سياسة الدنيا به أمور الدنيا محكومة بالدِّين: ٣٧٢- إن هذا المقصد يعني أنَّ الدنيا داخلة في نطاق الدين، محكمومة به، غير خارجة عنه. والقول الجامع في سياسة الدنيا بالدِّين هو إدارة شئون الدولة والرعية على وجهٍ يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وهذا يتمُّ إذا كانت إدارة شئون الحياة وفقًا لقواعد الشريعة ومبادئها وأحكامها المنصوص عليها أو المستنبطة منها وفقًا لقواعد الاجتهاد السليم. فهذه هي السياسة الشرعية لأمور الدنيا بالدين، ومن أوجه هذه السياسة التي يضطلع بها الحكم الإسلامي ويلتزم بها الحاكم المسلم، والتي أشار إليها الفقهاء ما يأتي:

стр. 230

أ- إقامة العدل بين الناس: ٣٧٣- أول مظهر لسياسة الدنيا بالدين الالتزامُ بالعدل في إدارة شئون الناس وعدم الحيدة عنه مطلقًا؛ لأنه هو الأساس الذي لا قيام لدولة بدونه، ولا بقاء لأمة بفقده، ولهذا كان من صفة عقد البيعة للإمام أن يقال فيها: "بايعناك بيعة رضًى على إقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة"١. والعدل يتضمَّن إعطاء كل إنسان حقَّه وعدم ظلمه في شيء، فمن الظلم تكليفه بما لا يجب عليه شرعًا، أو أخذ ماله بغير وجه، أو منعه ما يستحق، وهذا ما أشار إليه الفقهاء، فالفقيه الماوردي يقول -وهو يعدد واجبات الإمام: "وجبابة الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصًّا واجتهادًا من غير عسفٍ، وتقدير العطاء وما يستحق من بيت المال من غير سف ولا تقصير فيه، ودفعه في وقتٍ لا تقديم فيه ولا تأخير٢"، والعلَّامة ابن خلدون يوضِّح الظلم الممنوع فيقول: "ولا تحسبنَّ الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عِوَض ولا سبب، كما هو المشهور، بل الظلم أعمّ من ذلك، وكل من أخذ ملك أحد، أو غصبه في عمله، أو طالبه بغير حق، أو فرض عليه حقًّا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه، فجباية الأموال بغير حقها ظلمة، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة، ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران"٣، وعلى هذا يجب على الخليفة أن يقوم بما يلزم لتحقيق العدل ومنع الظلم، وأوَّل ما يلزمه في هذا الباب اختيار الموظَّفين الأكفاء والأمناء، والثاني: مراقبتهم. ٣٧٤- أمَّا اختيار الموظفين الأكفاء، فهذا شيء ضروري؛ لأن الخليفة لا يمكنه أن يباشر أمور الناس بنفسه؛ لأن ذلك فوق طاقته، بل ويستحيل عليه حتى لو أراده. وإنما يباشر أمور الناس بواسطة نوَّابه، أي: الموظفين الذين يختارهم، فعليه أن يتخيِّر الكفء الأمين، ومرد الكفاءة إلى القدرة على ما يتولاه، ومرَدُّ الأمانة عدم التفريط

стр. 231

بشئون ما ولِّي عليه من أمور، وقد أشار القرآن الكريم إلى قانون تولي الأمور الواجب مراعاته من كل حاكم وولي أمر، قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين﴾ ، فإذا وفِّقَ الخليفة إلى حسن اختيار الموظفين الأكفاء الأمناء حكموا بالعدل وحفظوا حقوق الناس ومنعوا عنهم الظلم، وشعر الناس بالأمن والأمان والاطمئنان، وانكمش أولو الأطماع وأهل البغي، ولم يستطع قويٌّ أن يتعدَّى على ضعيف؛ لأن الدولة أقوى منه، ولم يخش الضعيف المحق من عدوان القوي؛ لأن الدولة مع المحق وإن كان ضعيفًا، وهذا كله يؤدي إلى كسب قلوب الناس وربطهم بالدولة وتعليقهم بالإمام، فيزداد حرصهم على بقاء دولتهم واستعدادهم للذود عنها؛ لأنها في نظرهم كالبيت لهم، وكالحارس لحقوقهم، أما إذا عيِّنَ الخليفة الموظفين العاجزين والفاسدين والخائنين، فإنَّ الناس سيكتوون بنار فسادهم وخيانتهم، ويقعون تحت ظلمهم وبغيهم، مما يضعف الدولة والولاء لها، ويزهِّدهم في الدفاع عنها، "ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران" كما قال ابن خلدون. ولا يشفع للخليفة عند الناس كرهه لتصرفات ولاته الظلمة الفاسدين؛ لأن الناس يحمِّلونه مسئولية أعمالهم؛ لأنه هو الذي ولَّاهم، ولهذا كله يجب الاهتمام الكامل باختيار الموظفين الأكفاء الأمناء، وبدون ذلك يقع المحذور الذي أشرنا إليه، ولا يدفعه كون الخليفة بنفسه صالحًا، وقد أشار الفقهاء إلى واجب الخليفة في اختيار الموظفين الأكفاء، فقال الفقيه الماوردي عند تعداد واجبات الإمام: "التاسع: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء يما يفوضه إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال بالأكفاء مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة"١. ٣٧٥- ولا يكفي أن يعين الخليفة الأكفاء الأمناء، بل عليه أيضًا أن يراقبهم في أعمالهم، فقد "يخون الأمين ويغش الناصح" كما يقول الفقهاء، وحتى إذا استبعدنا خيانتهم وغشهم، فلا يمكننا استبعاد خطئهم، وظلم الناس خطأ كظلم الناس عمدًا من جهة لحوق الضرر بالمظلوم وكرهه للظلم، فلا بُدَّ من المراقبة المستمرة والمحاسبة الدائمة للموظفين، حتى لا تقع خيانة ولا غش، ويقل الخطأ، ويعرف الناس شدة

стр. 232

حرص الخليفة على العدل ومنع الظلم، ويخرج هو من عهدة الخلافة ومسئولية الحكم، وقد نبَّه الفقهاء -رحمهم الله تعالى- إلى هذا المعنى، فقال الفقيه أبو يعلى الحنبلي: على الخليفة "أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال؛ ليهتمَّ بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلًا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ ، فلم يقتصر سبحانه على التفويض دون المباشرة، وقد قال النبي ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" ١. ب- إشاعة الأمن والاستقرار: ٣٧٦- ومن واجبات الخليفة المهمة، ومن واجبات الحكام المسلمين جميعًا، إشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام، حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأمولهم، وينتقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين. إنَّ هذا المقصود يتحقق بصورة كاملة بتطبيق القانون الإسلامي الجنائي، أي: بتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين في الأمن، المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلًا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد، فإذا ما طبِّقت الأحكام الشرعية على المعتدين أمن الناس وخاف المجرم، وتحقق الاطمئنان، وسنتكلم عن أهمية العقوبات الشرعية وأثرها الفعَّال في منع الإجرام، وفي تحقيق الأمان للناس، عند الكلام عن نظام الجرائم والعقوبات، وقد أشار الفقهاء إلى هذا المقصد قالوا: وعلى الخليفة "إقامة الحدود لتُصَان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك"٢. جـ- تهيئة ما يحتاجه الناس: ٣٣٧- ومن مظاهر سياسة الدنيا بالدين قيام الحكم الإسلامي، بتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسدِّ حاجاتها، وقد أشار الفقهاء إلى ذلك، فقد قال العلَّامة ابن عابدين في حاشيته "رد المحتار" على "الدر المختار": ومن فروض الكفاية

стр. 233

الصنائع المحتاج إليها١. ومن الواضح أن الصنائع المحتاج إليها تختلف باختلاف العصور والأزمان، فما كان الناس يحتاجون في الأمس قد يحتاجون إلى غيره اليوم، فعلى الحكم الإسلامي حكم ملاحظة ذلك وتهيئة وسائله، ويترتب على اعتبار تحصيل الصناعات والحِرَف المحتاج إليها من فروض الكفايات لحوق الإثم بالأمَّة وبالحكام إذا قصروا في تحصيلها، وثبوت حق الحكام في إجبار أصحاب الصناعات على القيام بها إذا امتنعوا عنها، وهذا ما صرَّح به الفقهاء، فقد قال الفقيه المشهور ابن قيم الجوزية في كتابه "الطريق الحكمية": إن لوليِّ الأمر إجبار أصحاب الحِرَف والصناعات على العمل بأجر المثل إذا امتنعوا عنها، وكان في الناس حاجة إلى صناعاتهم١. د- استثمار خيرات البلاد: ٣٧٨- ومن مظاهر سياسية الدنيا بالدين، استثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية الرفه الاقتصادي والعيش الكريم، وقد أشار الفقهاء إلى هذا الواجب، فقد قال الفقيه المشهور أبو يوسف في كتابه القيم "الخراج"، الذي وجه إلى الخليفة هارون الرشيد: إن على الخليفة أن يأمر بحفر الأنهار وإجراء الماء فيها، وتحميل بيت المال وحده نفقات ذلك، وهذا نص كلامه: "فإذا اجتمعوا -أي: أهل الخبرة- على أنَّ في ذلك -أي: في حفر الأنهار- صلاحًا وزيادة في الخراج، أمرت بحفر تلك الأنهار، وجعلت النفقة من بيت المال، ولا تحمل النفقة على أهل البلد، ولك ما فيه مصلحة لأهل الخراج في أرضهم وأنهارهم، وطلبوا إصلاح ذلك لهم، أجيبوا إليه إذا لم يكن فيه ضرر على غيرهم"٢ وما ذكره أبو يوسف ﵀ من ضرورة حفر الأنهار لأرض الخراج٣ هو من قبيل التمثيل لا الحصر، يدل على ذلك عبارته الأخيرة: "وكل ما فيه مصلحة لأهل الخراج في أرضهم وأنهارهم، وطلبوا إصلاح ذلك لهم، أجيبوا إليه" كما يمكن القياس على ما ذكره أبو يوسف جميع الأعمال اللازمة لاستغلال

стр. 234

ثروات البلاد وخيراتها على وجهٍ يعود بالنفع العميم على الجميع، فهذه يجب القيام بها، مثل: تنظيم الري في البلاد، وإقامة السدود، وتحسين الزراعة، واستخراج المعادن، وإقامة المصانع، وتعبيد الطرق التي تسهّل نقل المحاصيل، وإيجاد سبل العمل الشريفة للمواطنين، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها وعدها، وتختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال.

стр. 235

المبحث السادس: النظام الاقتصادي مدخل ... المبحث السادس: النظام الاقتصادي تمهيد: ٣٧٩- من الحقائق الثابتة أنَّ الإنسان يبذل كثيرًا من نشاطه وجهده للحصول على وسائل العيش من طعام ولباس وسكن، وغير ذلك من الأمور الضرورية وغير الضرورية، ولا شكَّ أن هذا الجهد المبذول من كلِّ إنسان ضروري لتوفير وسائل العيش للآخرين؛ لأنَّ الإنسان لا يستطيع بمفرده توفير جميع ما يحتاجه لنفسه. إنَّ نشاط الإنسان في هذا المجال وما يترتَّب عليه هو الذي يسمَّى بالنشاط الاقتصادي. ولما كان الإنسان يعيش في المجتمع، فلا يمكنه أن يتمتع بحرية مطلقة فيما يباشره من نشاط، ومنه النشاط الاقتصادي، بل لا بُدَّ من تنظيمه على نحوٍ يرتضيه المجتمع ويحقق الخير له وللفرد. والقواعد والأحكام التي تنظم النشاط الاقتصادي للأفراد في مجتمعٍ ما هِيَ إلّا التي تكوّن النظام الاقتصادي فيه، وهذا النظام -على أيِّ نحو كان- لا بُدَّ له من أساس يقوم عليه، وأفكار معينة تشيع فيه، تكوّن معالمه وخصائصه، وتنسجم أحكامه وقواعده مع هذه المعالم والخصائص، ومع ذلك الأساس الذي يقوم عليه. ٣٨٠- ولما كان الشمول من خصائص الإسلام، فمن البديهي أن يجد في الإسلام تنظيمًا للنشاط الاقتصادي للإنسان، بما وضعه له من قواعد وأحكام في ضوء أفكاره، وهذه القواعد والأحكام وما قامت عليه من أساسٍ تكوّن النظام الاقتصادي الإسلامي. ٣٨١- ويقوم نظام الإسلام في الاقتصاد على أساس العقيدة الإسلامية ويتفرَّع منها، فهذه العقيدة إذن هي أساسه الفكري، وهو يراعي الفطرة الإنسانية ومعاني الأخلاق الفاضلة، ويؤكد على ضرورة سدِّ حاجات الأفراد اللازمة للعيش، وهذه هي خصائصه. وبناء على أساسه وخصائصه تنبثق جملة مبادئ عامة وتنظيمات جزئية، كما أنه يحدِّد موارد بيت المال ومصارفه؛ لتستطيع الدولة توفير حاجات الأفراد ومصلحة المجتمع، وعلى هذا سنتكلم عن أساسه الفكري وخصائصه في مطلب أوّل، ثم عن مبادئه العامَّة في مطلب ثانٍ، ثم عن بيت المال في مطلب ثالث.

стр. 236

المطلب الأول: الفرع الأول: الأساس الفكري للنظام الاقتصادي الإسلامي ٣٨٢- العقيدة الإسلامية هي الأساس الفكري للنظام الاقتصادي الإسلامي، وهذه العقيدة -كما أشرنا من قبل- تبيِّنُ علاقة الإنسان بالكون، وبخالق الكون، وبالغاية التي من أجلها خُلِق الإنسان، وتفصيل وسائل تحقيق هذه الغاية، فالإنسان -في ضوء هذه العقيدة الحقة- من مخلوقات الله، بل ومن أفضل هذه المخلوقات، وأنَّ الله خلقه لعبادته بمعناها الواسع، وأنه لا يبلغ هذه الغاية إلّا بالخضوع الاختياري المطلق لله رب العالمين، ومظهر هذا الخضوع صياغة نفسه وسلوكه ونشاطه، ومنه النشاط الاقتصادي، على النحو الذي فصَّله وشرَّعه الله تعالى، وعلى هذا فإنَّ النظام الاقتصادي في الإسلام يعمل مع غيره من أنظمة الإسلام؛ لتسهيل وتيسير السبل للإنسان لبلوغ الغاية التي خُلِق من أجلها، وهي عبادة الله وحده، فإذا تيسَّرت هذه العبادة للإنسان زكت نفسه بالقدر المطلوب، وصار أهلًا للظفر بالحياة الطيبة في الآخرة، فضلًا عن ظفره بالسعادة في الدنيا. إنَّ فقه هذا الأساس الفكري للنظام الاقتصادي في الإسلام من قِبَل المسلم ضروري جدًّا له؛ لأنه بهذا الفقه واستحضاره في ذهنه سيعرف مركزه الحقيقي في الدنيا وعلاقته بها، وغايته في الحياة، وبالتالي يتقبَّل بنفس رضيِّة جميع الضوابط والتنظيمات التي جاء بها الشرع الإسلامي في مجال النشاط الاقتصادي، وسيندفع لتنفيذ هذه الضوابط والتنظيمات والتقيُّد بها، وبهذا تظهر ثمار النظام الاقتصادي في واقع الحياة، ويسهم هذا النظام في تحقيق ما خُلِق الإنسن من أجله.

стр. 237

٣٨٣- ومن معاني العقيدة الإسلامية ولوازمها التي لها علاقة في موضوع النظام الاقتصادي ما يأتي: ٣٨٤- أولًا: الملك لله وحده: إنَّ الكون بكلِّ ما فيه وبدون أيِّ استثناءٍ مملوك لله تعالى وحده على وجه الحقيقة والخلوص، فلا شريك لأحد معه في ذرَّة منه؛ لأن الله تعالى هو خالقه، قال ربنا في القرآن الكريم: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ، ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ ، ومن لوازم الملك التامّ التصرّف التام في المملوك، ولهذا فإنَّ لله وحده حق التصرُّف المطلق في جميع مخلوقاته. ٣٨٥- ثانيًا: المال مال الله: والمال -وهو ما يتموله الناس ويستفيدون منه ويمكن إحرازه- هو من جملة ما في الكون، فهو أذن لله وحده، وإنَّ الله تعالى هو مالكه الحقيقي، قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ . ٣٨٦- ثالثًا: تسخير الله تعالى مخلوقاته لنفع الإنسان: الله تعالى بمحض فضله سخَّر للإنسان ما خلقه في السماوات والأرض لينتفع به، وهيَّأ له سبل هذا الانتفاع بما أودعه في الإنسان من عقل وجوارحٍ يستطيع بها الاهتداء إلى سبل الانتفاع بما خلقه الله تعالى، قال ربنا ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ، ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ، وقال تعالى ممتنًّا على الإنسان بما أودعه فيه، مما يستطيع به الاهتداء إلى سبل الانتفاع بما خلقه الله له: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ . ٣٨٧- رابعًا: الملك المجازي للإنسان: ومع أنَّ الملك الحقيقي هو لله رب العالمين، فقد إذن الله تعالى -بمحض فضله- للإنسان أن يختص بالانتفاع بالمال والتصرف فيه، وإضافته وتسميته مالكًا له، قال ربنا ﵎: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ، ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ، فهذه الآيات الكريمة تضيف المال للإنسان إضافة

стр. 238

ملك واختصاص، وفي الحديث الشريف: "لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيبٍ من نفسه"، فهذا الحديث الشريف يضيف المال للإنسان على وجه الملك له، ومع هذا فإنَّ الملك الحقيقي يبقى لله رب العالمين؛ لأنه يستحيل أن يشاركه أحد في ملك شيء. ومعنى ذلك أنَّ إضافة الملك للإنسان هي من قبيل المجاز لا الحقيقة، وأن الإنسان فيما يملكه كالوكيل فيه عن مالكه الحقيقي، ويترتب على ذلك أن على الإنسان أن يخضع إلى جميع القيود والتنظيمات التي شرعها المالك الحقيقي وهو الله تعالى، وأنه لا يجوز للإنسان أبدًا أن يخرج عن هذه القيود، فإن خرج عنها كان عاصيًا لأمر الله، واستحق العقاب المقرَّر في الشرع، وقد ينزع منه الملك نهائيًّا أو مؤقتًا، كليًا أو جزئيًّا، وقد أدرك فقهاؤنا -رحمهم الله تعالى- هذه المعاني وأشاروا إليها، فقد قال الإمام القرطبي في تفسيره، وهو يفسِّر قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ قال ﵀: وفي هذا دليل على أن أصل الملك لله سبحانه، وأنَّ العبد ليس له فيه إلّا التصرف الذي يرضي الله. ثم قال -رحمه الله تعالى: وهذا دليل على أن الأموال ليست أموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلّا بمنزلة النوَّاب والوكلاء، فاغتنموا الفرصة فيها قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم١. إنَّ فقه هذه الحقيقة تجعل المسلم مندفعًا إلى تنفيذ شرع الله في المال الذي آل إليه، فلا يبخل به حيث يجب عليه بذله؛ لأنه وكيل عليه وليس بمالك حقيقي له، والشأن في الوكيل تنفيذ ما يريده الموكّل فيما وكله فيه. ٣٨٨- خامسًا: استعمال المال في مرضاة الله: وكُلّ ما يؤتاه المسلم من مالٍ يجب أن يستعمله في مرضاة الله؛ لتحقيق الغاية التي خُلِق من أجلها وهي عبادة الله تعالى؛ ليظفر بالحياة الطيبة في الأخرى، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ، ولكن هذا لا يعني حرمان نفسه من طيبات الدنيا، ولا إرهاق جسده بحرمانه مما يحتاج إليه، قال ربنا: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ . ٣٨٩- سادسًا: الدنيا وسيلة لا غاية: والدنيا بكل ما فيها من متاع وأموال ليست

стр. 239

هي الغاية للإنسان، وإنما هي وسيلة إلى الغاية التي خلق من أجلها وهي إعداد نفسه للدار الآخرة بعبادة ربه، فلا يجوز أن ينسى هذه الغاية إذا ظفر بوسائل الدنيا ومتاعها، ولا يجعل الدنيا أو شيئًا منها هي غايته. إن الحذاء وظيفته أن يضع الإنسان قدميه فيه، وإنَّ الدابة وظيفتها أن يركبها الإنسان ليبلغ المكان الذي يريده، فلا يجوز في فقه الإسلام ولا في إدراك العقل السليم أن يكون القصد من اقتناء الحذاء غاية في نفسه، ولا الحصول على الدابَّة غاية في نفسها، وهكذا متاع الدنيا يميل إليه المسلم كوسيلة فقط تسهِّل له بلوغ الغاية التي خُلِق من أجلها، وأنه سيفارق هذه الوسائل قطعًا، ولا يبقى له إلّا ما استفاده منها في عبادة ربه ومرضاته، إنَّ إدراك هذه المعاني واستحضارها في الذهن من الأمور الضرورية لضبط النشاط الاقتصادي على النحو الذي يريده الإسلام؛ لأن الضوابط الحقيقية لنشاط الإنسان هي التي تضبطه من داخله، تضبط ارداته وقصده ونظرته وميله، فإذا انضبط الداخل سهل ضبط الخارج، أي: النشاط الخارجي للإنسان، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المعاني جميعًا في آيات كثيرة، منها: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُون﴾ ، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ . الفرع الثاني: خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي ٣٩٠- قلنا فيما سبق: إنَّ خصائص النظام الاقتصادي في الإسلام مراعاته للفطرة الإنسانية ومعاني الأخلاق الفاضلة، وتأكيده على سَدِّ حاجات الإنسان الضرورية للحياة، ونذكر فيما يلي شيئًا عن كل خصيصة بإيجاز.

стр. 240

أولًا: مراعاة الفطرة الإنسانية ٣٩١- فطر الله الإنسان على جملة غرائز وميول ورغبات لا يمكن قلعها واستئصالها أبدًا، وإن كان يمكن تقويمها وتهذيبها إذا ما انحرفت أو تكدَّرت، وعلى هذا فأيّ نظام يصادم الفطرة الإنسانية ويناقضها لا يمكن أن يأتي بخير، ولا تتيسَّر له فرص البقاء، ونظام الاقتصاد في الإسلام راعى جانب الفطرة للإنسان؛ لأن الإسلام هو دين الفطرة، ومن مظاهر هذه المراعاة إقراره بحق الملكية للإنسان؛ لأنه مفطور على ذلك، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ ، وإقراره نظام الإرث؛ لأن الإنسان مفطور على حُبِّه لأبنائه، وقلقه عليهم إذا تركهم بدون مال، ومن ثَمَّ أقرَّ الإسلام نظام الإرث؛ لأنه ينسجم ويتفق مع هذه الفطرة. وقد أشار القرآن الكريم إلى نوازع فطرة الإنسان نحو أبنائه، وشفقته عليهم، واهتمامه بهم، وخوفه عليهم بعد موته، قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ، كما أنَّ الإسلام في نظامه الاقتصادي أقرَّ للإنسان بالتمتع بثمرات جهوده ونشاطه؛ لأن هذا مما يتفق وما فُطِر عليه كل إنسان، بل إنَّ في أصل غريزة الإنسان رفضه أن يشاركه الغير في ثمرات جهوده، وإنما قد يرضى بهذه المشاركة لمعنًى آخر؛ كالحصول على ثواب الله تعالى، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الغريزة الإنسانية، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ، قال القرطبي في تفسير هذه الآية: أي جعل الله منكم غنيًّا وفقيرًا، فما الذين فضلوا بالرزق برادِّي مما زرقوا شيئًا على رقيقهم حتى يستوى المملوك والمالك في المال١، وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ

стр. 241

سَوَاءٌ﴾ ، ويقول القرطبي في تفسير هذه الآية: من أنفسكم: "من" هنا للابتداء، كأنه قال: أخذ مثلًا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم. إلى أن قال الإمام القرطبي: والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله، فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء١. وعلى أساس مراعاة الفطرة الأنسانية قامت جملة مبادئ عامة في النظام الاقتصادي الإسلامي سنذكرها فيما بعد، ولكنَّ مراعاة الفطرة الإنسانية لا يعني السير وراءها كيفما سارت وإلى أية جهة اتجهت؛ لأن مراعاتها لا تقتضي ولا تستلزم هذه التبعية العمياء، وإنما تعني مراعاة أصلها، مع تهذيب لها ورقابة عليها إذا ما انحرفت أو تكدَّرت. ثانيًا: مراعاة معاني الأخلاق ٣٩٢- ويراعي النظام الاقتصادي معاني الأخلاق الفاضلة، فلا يجوز لإنسان أن يهدِر هذه المعاني أو يتخطَّى حدودها في أي جانب من جوانب نشاطه الاقتصادي؛ لأن المجتمع الإسلامي يقوم على معاني الأخلاق، كالمحبة والتعاون النظيف، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، فلا حسد ولا خصام ولا حقد ولا بغضاء ولا كذب ولا غش ولا خداع ولا غدر، وإذا ما صار في يد الإنسان مال لم يجز أن ينفقه في الفحش والرذيلة ومتع الجسد المحرمة، بل عليه أن ينفقه في السبل الحلال وتنفيس الكرب عن المكروب والمحتاجين، وإذا أراد أن ينمِّي الإنسان أمواله، فلا يجوز له أن ينمِّيها بما يفسد الأخلاق ويقطع روابط المودة بين أبناء المجتمع، كفتح حانات الخمور والفحش والإقراض بالربا، وهذه المراعاة لمعاني الأخلاق منها ما هو متروك لإيمان الإنسان ووجدانه، كالالتزام بالصدق والوفاء، ومنها ما تتدخل الدولة في إلزام الأفراد به وإجبارهم عليه، مثل منعهم من الربا وفتح محلات الفحش والخمور. ثالثًا: التأكيد على سد حاجات الأفراد ٣٩٣- للإنسان حاجات مادية ضرورية لا يمكنه العيش بدونها، كحاجته إلى

стр. 242

الطعام والشراب والسكن واللباس، وما يلحق بهذه الأشياء وينزل منزلتها، ولا بُدَّ من توفير هذه الأشياء لكل إنسانٍ إلى الحد الأدنى للعيش الكريم، وقد أكد النظام الاقتصادي الإسلامي على هذه الناحية، أي: لزوم سد هذه الحاجات الضرورية لكل إنسان في المجتمع الإسلامي، وقد قرَّر لتحقيق هذا المطلب وسائل متعددة ومتدرّجة، إن لم تف الواحدة منها وجب الأخذ بالتي تليها، حتى يتحقق المقصود، ويجد كل فرد كفايته في المجتمع الإسلامي، وهذه الوسائل هي: ٣٩٤- أولًا: الأصل أن كل إنسان مكلَّف بسد حاجاته بنفسه، أي: بما يبذله من جهد ونشاط، ولهذا حثَّ الإسلام على العمل والاكتساب، ومدح العاملين الكاسبين، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ، وفي الحديث الشريف: "إنَّ أفضل الكسب كسب الرجل من يده". ٣٩٥- ثانيًا: على الدولة أن تهيء سبل العمل للقادرين عليه، حتى ولو اقتضى الأمر إقراضهم من بيت المال ما يستطيعون به العمل والاكتساب، وقد أشار الفقيه الكبير أبو يوسف ﵀ إلى جواز إقراض المحتاج من بيت المال، فقد قال الفقيه ابن عابدين ﵀: وعن أبي يوسف: يدفع للعاجز -أي العاجز عن زراعة أرضه الخراجية لفقره- كفايته من بيت المال قرضًا ليعمل ويستغل أرضه١. ويقاس على ما ذكره أبو يوسف إقراض المحتاجين -من غير أصحاب الأراضي الخراجية- من بيت المال؛ ليستعينوا على الكسب الحلال. ٣٩٦- ثالثًا: إذا عجز عن الفرد عن سدِّ حاجاته بنفسه؛ لعجزه أو شيوخته أو مرضه أو عدم تيسير العمل له مع قدرته عليه، وجب على أفراد أسرته القيام بالإنفاق عليه حسب القواعد المقرَّرة في الفقه الإسلامي في باب النفقات الشرعية لأفراد الأسرة. ٣٩٧- رابعًا: إذا لم يجد العاجز الفقير من ينفق عليه من أفراد أسرته؛ لعدم وجودهم، أو لفقرهم، وجب إعطاؤه ما يكفيه من الزكاة، وهي حق الفقراء في أموال

стр. 243

الأغنياء، وحصيلة الزكاة من أوسع أبواب الضمان الاجتماعي العام للفقراء والمحتاجين. ٣٩٨- خامسًا: إذا لم تكف الزكاة وجب سد حاجات المحتاجين من موارد بيت المال الأخرى التي سنذكرها فيما بعد. ٣٩٩- سادسًا: إذا لم يوجد في بيت المال ما يسد حاجات المحتاجين وجب على الأغنياء سد حاجات الفقراء، وفي هذا يقول الفقيه المعروف ابن حزم: "وفرضٌ على الأغنياء من أهل كل بلدٍ أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكاة بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بُدَّ منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنّهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة"١. ويؤيد ما ذهب إليه ابن حزم أنَّ الزكاة ليست هي الحق الوحيد في أموال الأغنياء للفقراء، فقد روي عن السيدة عائشة أمّ المؤمنين، وابن عمر ﵃، وغيرهما من الصحابة الكرام أنهم قالوا: "إنَّ في المال حقًّا سوى الزكاة"٢، وقد ذكر القرطبي والرازي في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ قالا: إنَّ الإيتاء هنا غير الزكاة، وإنه من الواجبات لا التطوعات، وضرب الرازي لهذه الواجبات بعض الأمثلة منها إطعام المضطر، ثم قال القرطبي: "واتفق العلماء على أنَّه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة، فإنه يجب صرف المال إليها، قال مالك ﵀: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم، وهذا إجماع أيضًا"٢. ٤٠٠- وعلى هذا نرى جواز قيام ولي الأمر المسلم بتنظيم جباية المال اللازم من الأغنياء، بفرض الضرائب العادلة في أموالهم بقدر ما يسد حاجات المحتاجين، ويمكِّن الدولة الإسلامية من القيام بالوجائب المفروضة على المسلمين، والتي تقم بها الدولة نيابةً عنهم، مثل: تحصين الثغور وإعداد السلاح للدفاع عن دار الإسلام، وهذ كله إذا لم

стр. 244

المطلب الثاني: المبادئ العامّة في النظام الاقتصادي الإسلامي ٤٠١- في النظام الاقتصادي الإسلامي جملة مبادئ عامة تقوم على أساس العقيدة الإسلامية والفطرة الإنسانية والمصلحة العامة، وعن هذه المبادئ تتفرَّع جزئيات كثيرة وتنظيمات مختلفة، ونذكر من هذه المبادئ العامة حرية العمل، وحق الملكية، وحق الإرث. الفرع الأول: حرية العمل ٤٠٢- يحثّ الإسلام على العمل ويكره العجز والكسل، وأشرف الأعمال وأعظمها قدرًا ما يقرِّب من الله تعالى، كالعبادات الخالصة كالصلاة، والأعمال المباحة إذا اقترنت بها النية الصالحة كالزراعة والصناعة ونحو ذلك، وفي باب الكسب والنشاط الاقتصادي يحثّ الإسلام على العمل، ويبارك العامل ويثني على جهده وكسبه الحلال، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ . وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ، وفي الحديث الشريف: "ما أكل أحد طعامًا قط خير من أن يأكل من عمل يده"، وفي حديث آخر: "من بات كالًّا في طلب الحلال بات مغفورًا له"، والحث على العمل وبذل النشاط الاقتصادي جاء عامًّا مطلقًا غير مقصور على نوع معين، وغير مقيد بشيء سوى الحِلّ الشرعي، وعلى هذا فإنَّه يشمل جميع أنواع النشاط الاقتصادي، ومختلف أنواع المعاملات والمكاسب، مثل: التجارة والزراعة والصناعة والشركة والمضاربة والإجارة، وسائر ما يباشره الإنسان من أوجه العمل والنشاط الاقتصادي لغرض الكسب الحلال، ولا تنقص قيمة الإنسان في نظر الإسلام بمباشرة أيِّ عمل حلال وإن عده الناس عملًا بسيطًا أو حقيرًا؛ لأنَّ قيمة الإنسان في نظر الإسلام في دينه وتقواه، لا في ماله وغناه، ولا في عمله ومهنته، ولهذا وجدنا أكابر الأمَّة من علمائها وفقهائها يمتهنون مختلف المهن الحرة المباحة، كما وجدنا بعض الصحابة الكرام يؤجرون أنفسهم لغيرهم؛ للقيام ببعض الأعمال المباحة الحلال لقاء أجر معلوم. ٤٠٣- ومن وسائل الحثِّ على العمل والكسب غير المباشرة أنَّ الإسلام حثَّ على إعانة الفقير، وجعل المعين خيرًا من المعان من جهة نوال الأجر والثواب، ففي الحديث

стр. 245

"اليد العليا خير من اليد السفلى"، كما أنَّ في الزكاة والحج وصنوف البرِّ المختلفة والإنفاق في سبيل الله ثوابًا عظيمًا، ولا يتأتَّى هذا الثواب إلّا بالقيام بأسبابه؛ من حج وزكاة وغيرها، وهذه لا تتأتَّى إلا بوجود المال عند المسلم، والأصل في تحصيل المال العمل وبذل الجهد، ومن هنا صار العمل وسيلة للحصول على ثواب الله تعالى؛ لأنه وسيلة لتحصيل المال، وبذل المال وسيلة لمرضاة الله ونوال ثوابه، ولهذا جاء في الحديث الشريف: "نعم المال الصالح للرجل الصالح"؛ لأنَّ العبد الصالح ينفق المال الحلال الذي صار في يده في السبل المرضية عند الله، فينال ثوابه ورضوانه. ٤٠٤- واختيار العمل المناسب للفرد متروك لتقديره، بمعنى أنَّ الإسلام يمنح الفرد حرية العمل، أي: الحرية الاقتصادية، فله أن يباشر ما يشاء من أوجه النشاط الاقتصادي دون إكراه أو إجبار أو منع، وليس في نصوص الشريعة ما يدل على خلاف هذا الأصل: الحرية الاقتصادية، أو حرية العمل للأفراد، والحقيقة أنَّ تقرير هذا المبدأ يقوم على أساسٍ من فطرة الإنسان، وحفظ كرامته وآدميته، ومسئوليته الفردية بما يصدر عنه، وملاحظة مصلحة الجماعة، وبيان ذلك أنَّ فطرة كل إنسان نزع إلى الحرية في رواحه ومجبيئه، وفي ما يأخذ ويترك، فلا يصح إهدار هذا الميل الفطري السليم الذي يحسّ به حتى الحيوان الأعجم، نعم قد تنحرف الفطرة فيختار الفرد ما يضر ولا ينفع، وما يحرم ولا يحل، فتحتاج في هذه الحالة إلى التقويم والتقييد لتعود حريتها في دائرة الحلال الواسعة الفسيحة، وأيضًا فإن في إقرار حرية العمل للإنسان حفظًا أكيدًا لكرامته وآدميته؛ لأن الإنسان حر مختار يمتاز عن الحيوان في اختياره، فلا يجوز أن يسوَّى بالحيوان الذي يسيره قائده كيفما يشاء، فلا يجوز أذن تقييد حريته في مجال العمل والنشاط الاقتصادي، وغلِّ يده عمَّا يهوى ويريد بلا ضرورة تقضي بذلك؛ لأن في هذا التقييد إهدارًا لآدميته، وهذا المعنى ملحوظ لدى فقهائنا العظام، حتى إنَّ الإمام أبا حنيفة -رحمه الله تعالى- لم يجز الحجر على السفيه بحجَّة أنَّ في هذا الحجر إهدارًا لآدميته، وهو أشد ضررًا على السفيه من ضياع ماله. ولا يصح القول هنا بأنَّ من المصلحة للفرد وللمجموع تقييد حرية الفرد وإعطاء الدولة الحق في تعيين الأعمال لجميع الأفراد، لا يقال هذا القول؛ لأنَّ الإنسان لا يحتاج فقط إلى خبز يأكله ويملأ به معدته، وإنما يحتاج أيضًا إلى نسيم الحرية يملأ به روحه

стр. 246

ووجدانه وكيانه الإنساني، ومن ثَمَّ لا بُدَّ من تقرير مبدأ حرية العمل للإنسان، وجعله هو الأصل والأساس، والتقييد هو الاستثناء الذي لا يجوز إلّا عند الضرورة. وفي حرية العمل أيضًا إنماء لمواهب الإنسان وكفاءته وقدرته؛ لأن كل إنسان يختار من الأعمال ما يرغب فيه ويناسب ميوله وقدرته، فيندفع نحوه بشوقٍ ورغبة، فيكثر إنتاجه، ويبارك في عمله، وفي هذا خير عميم للمجتمع الذي يعيش فيه، وهذا بخلاف سلب الفرد حريته في العمل، وتسليط الدولة عليه لتختار هي العمل له، فإنَّ هذا الاتجاه لا يوفِّر للأفراد ما يناسبهم من أعمال، فتموت مواهبهم، ويقل نشاهطهم، ويقبلون على العمل متضجرين كارهين، فتقل ثمرات أعمالهم، ويقل الإبداع فيها، ويعود ضرر ذلك عليهم وعلى المجتمع. وأخيرًا فإنَّ الإنسان في الإسلام مسئول مسئولية كاملة عن أعماله، وعن اختياره وتركه، فمن العدل إعطاؤه الحرية الكافية لاختيار العمل الذي يريده. ومع هذا الذي قلناه، يمكن عند الضرورة، وحيث يكون استعمال الناس لحريتهم الاقتصادية مضرًّا للمجموع، أو يكون وراء هذه الحرية سوء قصد وإرادة الشر بالجماعة، ففي هذه الحالات وأمثالها يكون لوليِّ الأمر الحق في التدخل في حرية الأفراد، وإلزامهم بما يدفع الضرر عن الناس، وعلى هذا الأساس قال بعض الفقهاء بجواز تسعير المواد الضرورية إذا امتنع التجار عن بيعها بقيمتها المعتادة، وحمل أرباب الصناعات والحرف على العمل بأجر المثل إذا امتنعوا عن العمل، وكان في الناس حاجة لصناعاتهم وأعمالهم١. ٤٠٥- ومن النتائج الحتمية لتقرير مبدأ حرية العمل للأفراد، إقرار المنافسة الحرة بين الأفراد في مجال النشاط الاقتصادي في إطارٍ من الأخلاق الإسلامية الفاضلة، فلكل فرد أن يضاعف نشاطه أو جهده؛ ليبز غيره في مجاله، بشرط مراعاة معاني الأخلاق، فلا يجوز الغش والخداع والخصام وتنزيل الأسعار إلى حد الخسارة بحجة المنافسة الحرة، بينما القصد منها الإضرار بالآخرين، واحتكار البيع في السوق من قِبَل فرد أو زمرة قليلة تتواطأ على هذا التنزيل والإضرار بالناس.

стр. 247

٤٠٦- ومن النتائج أيضًا لتقرير مبدأ حرية العمل التفاوت في الأرباح وثمرات الأعمال، نظرًا لاختلاف المواهب والكفاءات ومقدار الجهد المبذول، والإسلام يقر هذا التفاوت الطبيعي ما دام ناتجًا عن أسباب مباحة مشروعة؛ لأنه نتيجة لازمة لاختلاف الناس في مقدار ذكائهم ومعرفتهم ومواهبهم، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، فالله تعالى فاضل بين عباده في الرزق، وفي الغني والفقر؛ ليسخِّر ويستعمل بعضهم بعضًا في أسباب المعايش المختلفة، وهي كثيرة جدًّا لا يمكن أن يحيط بها الإنسان، ومنها تفاوتهم في المواهب والكفاءات، ولا يمكن إزالة هذا التفاوت مطلقًا ما دام التفاوت في مواهب البشر قائمًا لا يمكن إزالته، وإنما الممكن والمطلوب إعانة الضعيف من قِبَل الغني، وهذا ما أكَّده الإسلام ودعا إليه، ووضع من الوسائل ما يحققه فعلًا. الفرع الثاني: حق الملكية الفردية ٤٠٧- من البديهيات التي يعرفها صغار المطَّلعين على الشريعة الإسلامية أنَّ الإسلام أقرَّ للأفراد بحق الملكية الفردية، وبهذا الإقرار أمكن للفرد أن يكون مالكًا، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُون﴾ ، فأثبت الله تعالى للناس الملك لما خلقه الله ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ، فأثبتت هذه الآية الملك للناس، وأضافت المال إليهم أضافة ملك واختصاص، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ، فهذه

стр. 248

الآيات الكريمة وأمثالها تضيف الملك للإنسان، مما يدل دلالة قاطعة وواضحة على أنَّ الإسلام يقرّ مبدأ الملكية الفردية، وفي السنة النبوية الشيء الكثير من الأحاديث الشريفة التي تقرر هذا المبدأ، منها: "لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب من نفسه". وقد شرِّعت نظم في الإسلام تقوم أساسًا على الإقرار بمبدأ حق الملكلية الفردية، منها: الميراث، والزكاة، والمهور في النكاح، والنفقات، وغير ذلك؛ إذ بدون الاعتراف بحق الملكية لا يبقى معنى للميراث، ولا يمكن تحقيق في فرض الزكاة ... إلخ. ٤٠٨- والدلائل الشرعية الدالة على إقرار مبدأ حق الملكية الفردية لا تفرِّق بين مال ومال، فسواء كان المال المملوك منقولًا أو عقارًا، مأكولًا أو غير مأكول، حيوانًا أو نباتًا، وسائل إنتاج أو وسائل استهلاك، فكل هذا الاختلاف في المال موضوع الملكية لا يهم؛ لأنَّ المال المضاف إلى الفرد إضافة ملك واختصاص الذي جاءت به النصوص الشرعية، وذكرنا بعضها، لم تقيد المال بصفة معينة، بل جاءت مطلقة من كل قيد، عدا ما عرف من نصوص أخرى من حرمة تملك بعض الأشياء، كالخمر والخنزير، أو ما كان سبب ملكه حرامًا، وإن كان هو بنفسه يصلح أن يكون مملوكًا، كالمغصوب والمسروق ونحو ذلك. ٤٠٩- وقد رتَّب الإسلام على مبدأ حق الملكية الفردية التزامًا عامًّا على الكافَّة باحترامه وعدم المساس به إلّا بوجه حق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ ، وفي الحديث الشريف: "لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب من نفسه"، كما قرَّر الإسلام عقابًا لمن ينقض هذا الالتزام ويتجاوز على حق الملك للغير، فهناك عقوبة السرقة وقطع الطريق وخيانة الأمانة والنهب ونحو ذلك، سواء أكانت هذه العقوبات عقوبات حدود أم تعزير. ٤١٠- ولكنَّ إقرار الإسلام بحق الملكية الفردية لا يعني أنه حق مطلق من كل قيد، وأن موقف الإسلام منه هو موقف الحارس له فقط، فالحقيقة أنَّ الإسلام مع إقراره بحق الملكية وحمايته له، فإنه ينظمه ويقيده بجملة قيود منذ نشأته إلى اندثاره، وبهذا يجمع الإسلام بين موقفين بالنسبة لحق الملكية الفردية، الأول: الاعتراف به والحماية له، الثاني: التقيّد والتنظيم لهذا الحق، وهذا التقييد يظهر فيما يأتي:

стр. 249

٤١١- أولًا: من حيث نشأة حق الملكية الفردية، يشترط الإسلام أن ينشأ عن سبب شرعي، فإن نشأ عن سبب غير شرعي فإنَّ الإسلام لا يعترف به ولا يحميه، بل يأمر بنزعه من يد حائزه وردِّه إلى مالكه الأصلي، فإن لم يوجد وضع في بيت المال. والأسباب الشرعية للملكية: أ- الاستيلاء على المال المباح، ويندرج تحت هذا النوع الصيد، وإحياء الأرض الموات، والاستيلاء على الكلأ والآجام، واستخراج المعادن والكنوز، وكل ذلك بشروط معينة١. ب- العقود والتصرفات مثل البيع والهبة والوصية والإجارة والشركة والمضاربة والمزارعة والمغارسة ونحو ذلك، بشرط أن تكون هذه العقود والتصرفات بالكيفية التي شرعها الإسلام. ج- الميراث؛ حيث يخلف الوارث المورث في ملكية تركته بأسباب وشروط معينة معروفة في باب الميراث في كتب الفقه الإسلامي. هذه هي الأسباب الشرعية المنشئة لحق الملكية، فإن نشأ هذا الحق بها اعترف الإسلام به، ولا يهم بعد ذلك كميتها ولا نوعيتها؛ لأن المنظور إليه في الشرع في باب الملكية الفردية الشرعية لا الكمية ولا النوعية، أي: المنظور إليه السبب المنشيء للملكية، فإن كان مشروعًا كان الملك مشروعًا محميًّا من قِبَل الإسلام، ولهذا فإنَّ الإسلام يحمي الملك الكثير إذا كان سببه مشروعًا، ويرفض الاعتراف والحماية للملك القليل إذا كان سببه غير مشروع، إنَّه يعترف بملك الأرض الواسعة ما دام ملكها نشأ عن سبب مشروع، ويرفض الاعتراف بملكية شبر واحد مغصوب؛ لأن الغصب ليس سببًا شرعيًّا للملكية. ٤١٢- ثانيًا: أمَّا قيود الملكية في بقائها ونمائها فتظر فيما شرعه الإسلام من حقوقٍ في مال الإنسان، ووجوب أداء هذه الحقوق، مثل: حق الزكاة والنفقات الشرعية، كما تظهر هذه القيود في نماء الملك، فقد حدَّد الإسلام سبل تثمير المال وتنميه، ومنها: التجارات والمزارعات والشركات ونحو ذلك، فلا يعترف الإسلام بالنماء الناتج عن سبب باطل حرام كالربا مثلًا، أو بيع الخمور، أو فتح نوادي القمار، إنَّ هذا النماء

стр. 250

الناتج عن هذه الأسباب المحرَّمة في نظر الإسلام، كالورم الذي يصيب بدن المريض، يحسبه الجاهل سمنة وعافية، وهو في نظر الحكيم العارف بلاء ومرض يجب التخلص منه. ٤١٣- ثالثًا: أمَّا قيود استهلاك المال موضوع الملكية، فتظهر فيما قرَّره الإسلام من ضرورة الاعتدال في الإنفاق، قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ، وهذا الاعتدال المطلوب في الإنفاق إنما هو في الإنفاق على المباحات أو على حاجات الإنسان الضرورية كالأكل والشرب، أمَّا الإنفاق على المحرَّمات فممنوع قليله وكثيره، فلا يجوز الإنفاق على الملذات المحرَّمة كالفحش والخمور والرقص ولبس الذهب من قِبَل الرجال، ونحو ذلك مما وقع فيه المترفون الذين لا يخشون الله تعالى، مما أدَّى إلى شيوع الفاحشة في المجتمع، وظهور فئات كثيرة منحرفة تقوم بهذه الأفعال المحرَّمة التي يهواها هؤلاء المترفون. ٤١٤- رابعًا: نزع الملكية عند الضرورة وللمصلحة العامة بعد تعويض صاحب الملك التعويض العادل، وقد ضرب الفقهاء بعض الأمثلة على ذلك، منها: جواز نزع الملك لتوسعة طريق عام، كما يجوز بيع الملك جبرًا على صاحبه تسديدًا لدَيْن حُقَّ عليه للآخرين. الفرع الثالث: حق الإرث ٤١٥- من المبادئ المقرَّرة في الشرع الإسلامي حق الإرث، فإذا مات الشخص وترك مالًا ورثه أقرباؤه، الأقرب فالأقرب، ونال المستحقون للميراث سهامًا معينة من تركة الميت إذا ما توفَّرت شروط الميراث وأسبابه، وزالت موانعه حسب القواعد المقرَّرة في الشرع الإسلامي. وحق الإرث يقوم على أساسٍ من الفطرة والعدل واحترام إرادة المالك، ويدفع إلى بذل المزيد من الجهد والنشاط، ويحقق ضمانًا اجتماعيًّا لأفراد الأسرة الواحدة، ويفتِّتُ الثروات ويمنع تكديسها، فهو لهذا كله مبدأ عظيم من مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي.
следующие страницы →