ووجدانه وكيانه الإنساني، ومن ثَمَّ لا بُدَّ من تقرير مبدأ حرية العمل للإنسان، وجعله هو الأصل والأساس، والتقييد هو الاستثناء الذي لا يجوز إلّا عند الضرورة.
وفي حرية العمل أيضًا إنماء لمواهب الإنسان وكفاءته وقدرته؛ لأن كل إنسان يختار من الأعمال ما يرغب فيه ويناسب ميوله وقدرته، فيندفع نحوه بشوقٍ ورغبة، فيكثر إنتاجه، ويبارك في عمله، وفي هذا خير عميم للمجتمع الذي يعيش فيه، وهذا بخلاف سلب الفرد حريته في العمل، وتسليط الدولة عليه لتختار هي العمل له، فإنَّ هذا الاتجاه لا يوفِّر للأفراد ما يناسبهم من أعمال، فتموت مواهبهم، ويقل نشاهطهم، ويقبلون على العمل متضجرين كارهين، فتقل ثمرات أعمالهم، ويقل الإبداع فيها، ويعود ضرر ذلك عليهم وعلى المجتمع. وأخيرًا فإنَّ الإنسان في الإسلام مسئول مسئولية كاملة عن أعماله، وعن اختياره وتركه، فمن العدل إعطاؤه الحرية الكافية لاختيار العمل الذي يريده.
ومع هذا الذي قلناه، يمكن عند الضرورة، وحيث يكون استعمال الناس لحريتهم الاقتصادية مضرًّا للمجموع، أو يكون وراء هذه الحرية سوء قصد وإرادة الشر بالجماعة، ففي هذه الحالات وأمثالها يكون لوليِّ الأمر الحق في التدخل في حرية الأفراد، وإلزامهم بما يدفع الضرر عن الناس، وعلى هذا الأساس قال بعض الفقهاء بجواز تسعير المواد الضرورية إذا امتنع التجار عن بيعها بقيمتها المعتادة، وحمل أرباب الصناعات والحرف على العمل بأجر المثل إذا امتنعوا عن العمل، وكان في الناس حاجة لصناعاتهم وأعمالهم١.
٤٠٥- ومن النتائج الحتمية لتقرير مبدأ حرية العمل للأفراد، إقرار المنافسة الحرة بين الأفراد في مجال النشاط الاقتصادي في إطارٍ من الأخلاق الإسلامية الفاضلة، فلكل فرد أن يضاعف نشاطه أو جهده؛ ليبز غيره في مجاله، بشرط مراعاة معاني الأخلاق، فلا يجوز الغش والخداع والخصام وتنزيل الأسعار إلى حد الخسارة بحجة المنافسة الحرة، بينما القصد منها الإضرار بالآخرين، واحتكار البيع في السوق من قِبَل فرد أو زمرة قليلة تتواطأ على هذا التنزيل والإضرار بالناس.
стр. 247
٤٠٦- ومن النتائج أيضًا لتقرير مبدأ حرية العمل التفاوت في الأرباح وثمرات الأعمال، نظرًا لاختلاف المواهب والكفاءات ومقدار الجهد المبذول، والإسلام يقر هذا التفاوت الطبيعي ما دام ناتجًا عن أسباب مباحة مشروعة؛ لأنه نتيجة لازمة لاختلاف الناس في مقدار ذكائهم ومعرفتهم ومواهبهم، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، فالله تعالى فاضل بين عباده في الرزق، وفي الغني والفقر؛ ليسخِّر ويستعمل بعضهم بعضًا في أسباب المعايش المختلفة، وهي كثيرة جدًّا لا يمكن أن يحيط بها الإنسان، ومنها تفاوتهم في المواهب والكفاءات، ولا يمكن إزالة هذا التفاوت مطلقًا ما دام التفاوت في مواهب البشر قائمًا لا يمكن إزالته، وإنما الممكن والمطلوب إعانة الضعيف من قِبَل الغني، وهذا ما أكَّده الإسلام ودعا إليه، ووضع من الوسائل ما يحققه فعلًا.
الفرع الثاني: حق الملكية الفردية
٤٠٧- من البديهيات التي يعرفها صغار المطَّلعين على الشريعة الإسلامية أنَّ الإسلام أقرَّ للأفراد بحق الملكية الفردية، وبهذا الإقرار أمكن للفرد أن يكون مالكًا، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُون﴾ ، فأثبت الله تعالى للناس الملك لما خلقه الله ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ، فأثبتت هذه الآية الملك للناس، وأضافت المال إليهم أضافة ملك واختصاص، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ، فهذه
стр. 248
الآيات الكريمة وأمثالها تضيف الملك للإنسان، مما يدل دلالة قاطعة وواضحة على أنَّ الإسلام يقرّ مبدأ الملكية الفردية، وفي السنة النبوية الشيء الكثير من الأحاديث الشريفة التي تقرر هذا المبدأ، منها: "لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب من نفسه".
وقد شرِّعت نظم في الإسلام تقوم أساسًا على الإقرار بمبدأ حق الملكلية الفردية، منها: الميراث، والزكاة، والمهور في النكاح، والنفقات، وغير ذلك؛ إذ بدون الاعتراف بحق الملكية لا يبقى معنى للميراث، ولا يمكن تحقيق في فرض الزكاة ... إلخ.
٤٠٨- والدلائل الشرعية الدالة على إقرار مبدأ حق الملكية الفردية لا تفرِّق بين مال ومال، فسواء كان المال المملوك منقولًا أو عقارًا، مأكولًا أو غير مأكول، حيوانًا أو نباتًا، وسائل إنتاج أو وسائل استهلاك، فكل هذا الاختلاف في المال موضوع الملكية لا يهم؛ لأنَّ المال المضاف إلى الفرد إضافة ملك واختصاص الذي جاءت به النصوص الشرعية، وذكرنا بعضها، لم تقيد المال بصفة معينة، بل جاءت مطلقة من كل قيد، عدا ما عرف من نصوص أخرى من حرمة تملك بعض الأشياء، كالخمر والخنزير، أو ما كان سبب ملكه حرامًا، وإن كان هو بنفسه يصلح أن يكون مملوكًا، كالمغصوب والمسروق ونحو ذلك.
٤٠٩- وقد رتَّب الإسلام على مبدأ حق الملكية الفردية التزامًا عامًّا على الكافَّة باحترامه وعدم المساس به إلّا بوجه حق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ ، وفي الحديث الشريف: "لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب من نفسه"، كما قرَّر الإسلام عقابًا لمن ينقض هذا الالتزام ويتجاوز على حق الملك للغير، فهناك عقوبة السرقة وقطع الطريق وخيانة الأمانة والنهب ونحو ذلك، سواء أكانت هذه العقوبات عقوبات حدود أم تعزير.
٤١٠- ولكنَّ إقرار الإسلام بحق الملكية الفردية لا يعني أنه حق مطلق من كل قيد، وأن موقف الإسلام منه هو موقف الحارس له فقط، فالحقيقة أنَّ الإسلام مع إقراره بحق الملكية وحمايته له، فإنه ينظمه ويقيده بجملة قيود منذ نشأته إلى اندثاره، وبهذا يجمع الإسلام بين موقفين بالنسبة لحق الملكية الفردية، الأول: الاعتراف به والحماية له، الثاني: التقيّد والتنظيم لهذا الحق، وهذا التقييد يظهر فيما يأتي:
стр. 249
٤١١- أولًا: من حيث نشأة حق الملكية الفردية، يشترط الإسلام أن ينشأ عن سبب شرعي، فإن نشأ عن سبب غير شرعي فإنَّ الإسلام لا يعترف به ولا يحميه، بل يأمر بنزعه من يد حائزه وردِّه إلى مالكه الأصلي، فإن لم يوجد وضع في بيت المال. والأسباب الشرعية للملكية:
أ- الاستيلاء على المال المباح، ويندرج تحت هذا النوع الصيد، وإحياء الأرض الموات، والاستيلاء على الكلأ والآجام، واستخراج المعادن والكنوز، وكل ذلك بشروط معينة١.
ب- العقود والتصرفات مثل البيع والهبة والوصية والإجارة والشركة والمضاربة والمزارعة والمغارسة ونحو ذلك، بشرط أن تكون هذه العقود والتصرفات بالكيفية التي شرعها الإسلام. ج- الميراث؛ حيث يخلف الوارث المورث في ملكية تركته بأسباب وشروط معينة معروفة في باب الميراث في كتب الفقه الإسلامي.
هذه هي الأسباب الشرعية المنشئة لحق الملكية، فإن نشأ هذا الحق بها اعترف الإسلام به، ولا يهم بعد ذلك كميتها ولا نوعيتها؛ لأن المنظور إليه في الشرع في باب الملكية الفردية الشرعية لا الكمية ولا النوعية، أي: المنظور إليه السبب المنشيء للملكية، فإن كان مشروعًا كان الملك مشروعًا محميًّا من قِبَل الإسلام، ولهذا فإنَّ الإسلام يحمي الملك الكثير إذا كان سببه مشروعًا، ويرفض الاعتراف والحماية للملك القليل إذا كان سببه غير مشروع، إنَّه يعترف بملك الأرض الواسعة ما دام ملكها نشأ عن سبب مشروع، ويرفض الاعتراف بملكية شبر واحد مغصوب؛ لأن الغصب ليس سببًا شرعيًّا للملكية.
٤١٢- ثانيًا: أمَّا قيود الملكية في بقائها ونمائها فتظر فيما شرعه الإسلام من حقوقٍ في مال الإنسان، ووجوب أداء هذه الحقوق، مثل: حق الزكاة والنفقات الشرعية، كما تظهر هذه القيود في نماء الملك، فقد حدَّد الإسلام سبل تثمير المال وتنميه، ومنها: التجارات والمزارعات والشركات ونحو ذلك، فلا يعترف الإسلام بالنماء الناتج عن سبب باطل حرام كالربا مثلًا، أو بيع الخمور، أو فتح نوادي القمار، إنَّ هذا النماء
стр. 250
الناتج عن هذه الأسباب المحرَّمة في نظر الإسلام، كالورم الذي يصيب بدن المريض، يحسبه الجاهل سمنة وعافية، وهو في نظر الحكيم العارف بلاء ومرض يجب التخلص منه.
٤١٣- ثالثًا: أمَّا قيود استهلاك المال موضوع الملكية، فتظهر فيما قرَّره الإسلام من ضرورة الاعتدال في الإنفاق، قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ، وهذا الاعتدال المطلوب في الإنفاق إنما هو في الإنفاق على المباحات أو على حاجات الإنسان الضرورية كالأكل والشرب، أمَّا الإنفاق على المحرَّمات فممنوع قليله وكثيره، فلا يجوز الإنفاق على الملذات المحرَّمة كالفحش والخمور والرقص ولبس الذهب من قِبَل الرجال، ونحو ذلك مما وقع فيه المترفون الذين لا يخشون الله تعالى، مما أدَّى إلى شيوع الفاحشة في المجتمع، وظهور فئات كثيرة منحرفة تقوم بهذه الأفعال المحرَّمة التي يهواها هؤلاء المترفون.
٤١٤- رابعًا: نزع الملكية عند الضرورة وللمصلحة العامة بعد تعويض صاحب الملك التعويض العادل، وقد ضرب الفقهاء بعض الأمثلة على ذلك، منها: جواز نزع الملك لتوسعة طريق عام، كما يجوز بيع الملك جبرًا على صاحبه تسديدًا لدَيْن حُقَّ عليه للآخرين.
الفرع الثالث: حق الإرث
٤١٥- من المبادئ المقرَّرة في الشرع الإسلامي حق الإرث، فإذا مات الشخص وترك مالًا ورثه أقرباؤه، الأقرب فالأقرب، ونال المستحقون للميراث سهامًا معينة من تركة الميت إذا ما توفَّرت شروط الميراث وأسبابه، وزالت موانعه حسب القواعد المقرَّرة في الشرع الإسلامي.
وحق الإرث يقوم على أساسٍ من الفطرة والعدل واحترام إرادة المالك، ويدفع إلى بذل المزيد من الجهد والنشاط، ويحقق ضمانًا اجتماعيًّا لأفراد الأسرة الواحدة، ويفتِّتُ الثروات ويمنع تكديسها، فهو لهذا كله مبدأ عظيم من مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي.
стр. 251
٤١٦- أمَّا قيامه على أساسٍ من الفطرة، فقد بيِّنَّا فيما سبق أن من الفطرة في الإنسان اهتمامه بذريته، وقلقه عليهم إذا أحسذض بتركهم بلا مال، ورغبته في أن يوفِّر لهم ما يستعينون به في حياته وبعد موته.
وأما قيامه على أساسٍ من العدل، فإنَّ الإنسان في حياته يعيل أولاده وبقية من هو مكلَّف بإعالتهم، كأمه وأبيه وزوجته، وقد يلزم بهذا الإنفاق إلزامًا عن طريق القضاء إذا امتنع عنه، والغالب عدم امتناعه، فمن العدل أن تكون أمواله بعد موته لأولئك الذين كان هو السبب في وجودهم، كأولاده، أو كانوا هم السبب في وجوده مثل أبويه؛ ليستعينوا بهذه الأموال بالإنفاق منها على أنفسهم، كما كان هو في حياته ينفق منها عليهم.
٤١٧- وأمَّا قيام الميراث على أساس احترام إرادة المالك، فإن الإنسان يرغب رغبة أكيدة أن تكون أمواله بعد موته لأقربائه لا لغيرهم، فيجب احترام إرادته هذه، ودفع أمواله إلى ورثته بعد موته، وقد فصَّل الشرع الإسلامي هذا، فبيِّنَ حصص هؤلاء الأقرباء من الميراث على نحوٍ دقيق عادل، ولا شكَّ أنَّ المسلم يسُرُّه ويرضيه أن تصير أمواله إلى ورثته من بعده وفقًا لهذا التقسيم الشرعي العادل.
٤١٨- وأمَّا أنَّ مبدأ الإرث يدفع إلى المزيد من بذل النشاط والجهد فأمر واضح؛ لأنَّ الإنسان لا يعمل لنفسه فقط، وإنما لمن يهمه شأنهم من أفراد أسرته أيضًا، فهو يجهد نفسه ليسد حاجاتهم مع حاجات نفسه، وكما أنه يعمل لتوفير حاجاتهم الحاضرة فكذلك يبذل جهدًا آخر لتوفير ما يسد حاجاتهم في المستقبل، فإن بقي في قيد الحياة تولَّى الإنفاق بنفسه عليهم، وإن مات تولَّوا هم بأنفسهم الإنفاق من أمواله التي تركها لهم، وعلى هذا فإذا منع التوارث فإنَّ الإنسان تضعف همته في العمل، ويقلل نشاطه الاقتصادي؛ لأنه يعلم بأنَّ ثمرة جهوده لا ترجع إلى أفراد أسرته الذين يهتم بأمرهم.
ولا شك أن المجتمع سيخسر كثيرًا من فتور الناس عن العمل، ومن ضعف دوافعهم على بذل كل ما يستطيعون من جهد ونشاط اقتصادي.
ومبدأ الميراث يحقق ضمانًا اجتماعيًّا داخل الأسرة؛ لما يوفِّره من أموال تعود إلى الأحياء منهم إذا مات أحدهم وترك مالًا، فلا يضيع الصغير واليتيم والأرملة، ولا
стр. 252
يصيرون عالة على المجتمع، وفي هذا تخفيف عن كاهل الدولة في سدِّ حاجات المحتاجين.
٤١٩- والميراث يفتِّتُ الثروات ويمنع من تكديسها في أيد قليلة؛ لأن تركة الإنسان بعد موته تقسَّم على عدد غير قليل من أقاربه، ولمَّا كان الإنسان غير مخلَّد في الدنيا، وعمره في الغالب قصير لا يتجاوز بضع عشرات من السنين، فإن الثروة التي قد يجمعها الإنسان في حياته لا بُدَّ أن تتفتَّتَ بعد زمن قصير، وتفتيت الثروات الكبيرة مِمَّا يرغِّب فيه الإسلام، ويسلك لتحقيقه سبلًا كثيرة هادئة مريحة لا عنف فيها ولا اهتزاز، ومن هذه السبل تقرير مبدأ الميراث.
٤٢٠- وأخيرًا فإنَّ تنظيم الإرث في الإسلام جاء على غاية في العدل والدقة، مما لا نجد له نظيرًا مطلقًا في أيِّ شرع آخر، فقد لوحظ فيه مدى قرب الوارث من الميت، ومدى حاجته، وتكاليفه، وإعانته للمورِّث، وفي ضوء ذلك وغيره جاءت حصص الورثة مختلفة، ومن أمثلة هذا الاختلاف أنَّ نصيب الابن ضعف نصيب البنت، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ؛ لأن حاجة الابن إلى المال أكثر من حاجة البنت؛ لكثرة التكاليف المالية عليه، فالرجل هو الذي يدفع المهر في النكاح دون المرأة، وهو المكلَّف بالإنفاق على زوجته وعلى أولاده. فمن العدل أذن أن يكون نصيبه في الميراث ضعف نصيب أخته.
стр. 253
المطلب الثالث: بيت المال موارده ومصارفه: الفرع الأول: موارد بيت المال
تمهيد:
٤٢١- من البديهي أنَّ الدولة تحتاج إلى نفقات كثيرة لسد حاجاتها المختلفة، وهذه النفقات تغطيها من مواردها المتعددة، وقد كانت الدولة الإسلامية في عهد
الرسول ﷺ قليلة التكاليف، فلم يكن هناك موظفون لهم رواتب دائمة منظمة، وإنما كان يعطي من يقوم ببعض الأعمال أجرًا على عمله، مثل: جباة الزكاة، فإذا انتهت الجباية انتهى الأجر، وفي القتال كان يستنفر المسلمين ويأتون بأسلحتهم ودوابهم ويقاتلون، فإن غنموا شيئًا قسمه عليهم. وحصيلة الزكاة إذا وردت قسمها الرسول ﷺ على المستحقين، وعلى هذا لم تكن الحاجة قائمة لتنظيم واردات الدولة ومصارفها على النحو الذي حدث فيما بعد، وجاء أبو بكر الصديق ﵁ وسار على النهج الأول، فلم يضبط الواردات ولا المصروفات؛ لعدم ظهور الحاجة إلى ذلك، ولأنَّ أمد خلافته كان قصيرًا، فلمَّا جاء عمر بن الخطاب ﵁، واتَّسعت رقعة البلاد الإسلامية بما فتحه الله على المسلمين من بلاد الروم والفرس، وزادت واردات الدولة من الغنائم والفيء والجزية، فكَّر عمر بن الخطاب في طريقة تضبط هذه المصاريف، مثل: رواتب الجند والعمال والولاة ونحو ذلك من وجوه الصَّرف على المصالح العامَّة وحاجات الدولة، وما كان يبقى من أموالٍ بعد الصرف يحفظ في بيت المال، وينفق في حينه.
فبيت المال إذن يشبه الخزانة العامة في الوقت الحاضر؛ حيث كل ما يعود للدولة من حقوق مالية يضاف إليها باعتباره حقًّا لها، وكل ما تحتاجه الدولة من نفقات وصرف تتحمَّله هذه الخزانة العامَّة، ويضاف إليها باعتباره حقًّا عليها.
٤٢٢- وموارد الدولة الإسلامية، أي: موارد بيت المال، هي الزكاة والخراج والجزية والعشور والفيء وخمس الغنائم وغير ذلك مما نذكره فيما يلي تباعًا.
أولًا: الزكاة ١
٤٢٣- الزكاة مأخوذة من النماء والزيادة، وهي في الشريعة: حق يجب في المال، وهي من فروض الإسلام وأركانه، قال تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاة﴾ ، وفي الحديث الشريف أنَّ النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن وقال له: "أعلمهم أن الله فرض عليهم
стр. 254
صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم"، وأجمع المسلمون على وجوبها، واتفق الصحابة الكرام على قتال مانعيها، وعلى هذا فمن أنكر وجوبها كفر، ومن منعها معتقدًا وجوبها وقدِرَ الإمام على أخذها منه أخذها منه جبرًا، وعزَّره على امتناعه، وإن كان خارجًا عن قبضة الإمام قاتله كما فعل أبو بكر ﵁، وقال قوله المشهور: "لو منعوني عقالًا كانو يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم عليه".
٤٢٤- وهي تجب على كل مسلم ومسلمة، فإذا ملك نصابًا خاليًا من دَيْنٍ فعليه زكاته عند تمام الحول، سواء أكان كبيرًا أو صغيرًا، عاقلًا أو مجنونًا، ولا زكاة في ما لا يحول عليه الحول، وهذا في الماشية والذهب والفضة وقيم عروض التجارة، أمَّا في الزرع والثمار والمعدن فلا يشترط له الحول، وتجب الزكاة في الذمة بحلول الحول، حتى ولو تلف النصاب على كل حال، إلّا أن يكون الإمام قد طلبها فمنعها، ولا تسقط بالموت، قال الحنفية بالسقوط إلّا إذا أوصى بها، فتجب من الثلث، والدولة الإسلامية تجبي زكاة الأموال الظاهرة وهي الماشية والزروع وتقسمها على مستحقيها، أمَّا الأموال الباطنة كالذهب والفضة وعروض التجارة فإنَّ أصحابها يخرجون زكاتها إلّا إذا دفعوها إلى الإمام، فإنه يقسهما على المستحقين، ويبدو لي جواز قيام الإمام بجباية زكاة الأموال الباطنة ابتداءً، وتقسيمها على مستحقيها.
٤٢٥- أمَّا النصاب ومقدار الزكاة فيختلف باختلاف الأموال وأصنافها على النحو التالي١:
٤٢٦- أولًا: المواشي: وتشمل الإبل والبقر والغنم على التفصيل التالي:
أ- نصاب الإبل وزكاتها:
عدد الإبل مقدار زكاتها
٥-٩ شاة جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز، والجذع من الغنم ما له ستة أشهر، والثني منها ما استكمل سنة.
١٠-١٤ شاتان.
стр. 255
١٥-١٩ ثلاث شياه.
٢٠-٢٤ أربع شياه.
٢٥-٣٤ ابنة مخاض من الإبل، وهي ما استكملت سنة، فإن لم يجد ابنة مخاض فابن لبون ذكر.
٣٦-٤٥ ابنة لبون، وهي ما استكملت سنتين.
٤٦-٦٠ حِقَّة، وهي ما استكملت ثلاث سنين، واستحقت الركوب وطرق الفحل.
٦١- ٧٥ جذعة، وهي ما استكملت أربع سنين.
٧٦-٩٠ بنتا لبون.
٩١-١٢٠ حِقَّتان.
١٢١-١٣٩ ثلاث بنات لبون.
١٤٠-١٤٩ حقتان وبنتا لبون.
١٥٠-١٥٩ ثلاث حِقَاق.
١٦٠-١٦٩ أربع بنات لبون.
١٧٠-١٧٩ حقة وثلاثة بنات لبون.
١٨٠-١٨٩ ثلاث حقاق وبنت لبون.
٢٠٠ أربع حقاق أو خمس بنات لبون,
وعلى هذا القياس فما زاد، في كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة، وذهب الحنفية والثوري والنخعي أنَّ الإبل إذا زادت على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة، فيكون في كل خمس من الإبل شاة، إلى خمس وأربعين ومائة، فيكون فيها حقتان وبنت مخاض، إلى خمسين ومائة، وفيها ثلاث حقاق، ثم تستأنف الفريضة بعد ذلك، فيكون في كل خمس شاة.
هذا ويشترط لزكاة الإبل مع تحقق النصاب ومرور الحول أن تكون سائمة، أي: ترعى الكلأ لنقل مئونتها، وعن مالك ﵀: السوم ليس بشرطٍ لزكاتها، فتجب الزكاة في المعلوفة والعاملة، هذا وليس فيما دون خمس من الإبل زكاة.
стр. 256
٤٢٧- ب- نصاب البقر والجاموس:
عددها زكاتها
٣٠-٣٩ تبيع ذكر، وهو ما له سنة ودخل في الثانية، فإن أعطى تبيعة أنثى قبلت.
٤٠-٥٩ مُسِنَّة أنثى، وهي التي لها سنتان، فإن لم تكن في البقرة مُسِنَّة قُبِلَ منه المسن الذكر.
٦٠- ٩٦ تبيعان.
٧٠-٧٩ مسنة وتبيع.
٨٠-٨٩ مسنتان.
٩٠-٩٩ ثلاث أتبعة.
١٠٠-١٠٩ مسنة وتبيعان.
١١٠-١١٩ مسنتان وتبيع.
١٢٠ ثلاث مسنات أو أربعة أتباع.
ثم على هذا القياس فيما زاد في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، هذا ويشترط في البقر والجاموس مع النصاب ومرور الحول السوم، وعن مالك: ليس هذا بشرط، فتجب الزكاة في المعلوفة والعاملة كقوله في الإبل، ويضم الجاموس إلى البقر عند عد النصاب، وليس فيما دون الثلاثين زكاة.
٤٢٨٥- ج- الغنم، ويشمل الضأن والمعز، ونصابها وزكاتها كما يلي:
العدد الزكاة
٤٠-١٢٠ جذعة أو ثنية من المعز، إلّا أن تكون كلها صغارًا دون الجذاع والثنايا، فيؤخذ منها صغيرة دون الجذعة والثنية.
١٢١-٢٠٠ شاتان.
٢٠١-٣٩٩ ثلاث شياه.
٤٠٠ أربع شياه.
ما زاد على الـ٤٠٠ في كل مائة شاة.
стр. 257
هذا وإنَّ المعز يضمّ إلى الشياه عند عدّ النصاب، ويشترط في زكاة الغنم السوم، أي: أن تكون سائمة.
٤٢٩- ثانيًا: زكاة الزورع والثمار
كل ما أخرج الله من الأرض مما ييبس ويبقى، مما يكال ويبلغ خمسة أوسق فصاعدًا ففيه العشر إن كان سقيه من السماء أو سيحًا، وإن كان يسقى بآلة والدوالي والنواضح وما فيه الكلف فنصف العشر.
وقال الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى: تجب الزكاة في كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض، إلّا الحطب والقصب والحشيش؛ لقوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر"، وهذا عام؛ ولأنَّ هذا يقصد بزراعته نماء الأرض، فأشبه الحب، وإنها تجب في القليل والكثير، ولا تقيِّد بالخمسة أوسق؛ ولأنه لا يعتبر لزكاة الزورع مرور الحول فلا يعتبر لها نصاب، واحتج القائلون بأنَّ الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق بالحديث الشريف: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، وهو حديث صحيح وهو خاصّ، فيجب تقديمه على الحديث الذي احتجوا به؛ لأنه عام، الخاص يخصِّص العام. أمَّا اشتراط الحول فلأنَّ الزرع يكمل نماؤه ياستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غير الزرع لأن مرور الحول مظنَّة لكمال النماء، والنصاب اعتبر ليبلغ المال حدًّا يحتمل أخذ الزكاة منه، وهذا المعنى يلاحظ في الزورع وغيرها.
٤٣٠- ثالثًا: زكاة الذهب والفضة: ويشترط في زكاتهما النصاب ومرور الحول، ونصاب الفضة مائتا درهم، وفيه خمسة دراهم، ونصاب الذهب عشرون مثقالًا، وفيه نصف مثقال، وإذا اتَّجر بالدراهم والدنانير زكَّاهها وربحها إذا حال عليها الحول وكانت نصابًا.
وليس في حلي المرأة زكاة إذا كان مما تلبسه عادة أو تعيره، وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ فيه زكاة.
٤٣١- رابعًا: زكاة المعادن:
стр. 258
وهي من الأمول الظاهرة، وتجب الزكاة في جميع الخارج منها، سواء أكانت من المعادن الصلبة كالذهب والفضة والحديد، أو المائعة كالقير والنفط، أو كانت تشبه الحجر وتنكسر بالطرق كالجواهر، ويشترط لوجوب الزكاة فيها أن تبلغ نصابًا بعد السبك والتصفية، ومقدار النصاب عشرون مثقالًا من الذهب، ومائتا درهم من الفضة، أو قيمة هذا النصاب من غير الذهب والفضة، ولا يشترط مرور الحول لوجوب لزكاة، ومقدار الزكاة ربع العشر. وقال الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى: يجب الخمس في قليل المعدن وكثيره من غير اعتبار نصاب بناءً على أنه ركاز، والركاز فيه الخمس؛ ولأنه لا يعتبر له حول، فلم يعتبر له نصاب.
ولا زكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان، وعن الإمام أحمد بن حنبل أنَّ فيه الزكاة؛ لأنه خارج من معدن.
٤٣٢- خامسًا: الركاز
وهو كل مالٍ وجد مدفونًا من ضرب الجاهلية "قبل الإسلام" في أرض موات، أو طريق سابل يكون لواجده، وعليه الخمس؛ لقول رسول الله ﷺ : "وفي الركاز الخمس"، ويجب هذا الخمس على واجده سواء أكان مسلمًا أو ذميًّا، صغيرًا أو كبيرًا، عاقلًا أو مجنونًا؛ لعموم هذا الحديث الشريف، ويعرف أنه من ضرب الجاهلية إذا كان عليه علامة تدل على ذلك كصورة صنم أو اسم ملك لهم، أو تاريخ قديم قبل الإسلام، أمَّا إذا كان من ضرب الإسلام بدلالة ما عليه من آية قرآنية أو تاريخ هجري فهو لقطة، وتسري عليها أحكامها.
هذا وإنَّ الركاز إذا عثر عليها في أرض مملوكة فهو لمالك الأرض، لاحق فيه لواجده، وعلى مالكه الخمس.
٤٣٣- سادسًا: عروض التجارة
والعروض جمع عرض، وهو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه من النبات والحيوان والعقار وسائر الأموال الأخرى التي يتَّجر بها صاحبها بقصد الربح، وتجب الزكاة في أموال التجارة إذا بلغت نصابًا بعد تقويمها بالذهب أو الفضة، ومضي عليها حول، ولا يلتفت إلى زيادة النصاب أو نقصانه خلال الحول ما دام النصاب حاصلًا في
стр. 259
أول الحول وآخره، والنماء أي: الربح تابع لأصل مال التجارة عند التقويم في نهاية الحَوْل.
ثانيًا: الجزية
٤٣٤- الجزية هي المال المقدَّر المأخوذ من الذميّ، فهي ضريبة على الرءوس، يلتزم غير المسلم بأدائها إلى الدولة الإسلامية؛ إذا ما دخل في الذمَّة، أي: صار ذميًّا.
وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ، وفي السنة أنَّ النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس البحرين، وأجمع المسلمون على أخذ الجزية من غير المسلم١.
٤٣٥- ويشترط لوجوب الجزية العقل والبلوغ والذكورة، فلا تجب على الصبيان والنساء والمجانين، كما يشترط لوجوبها السلامة من الزمانة والعمى والشيخوخة، فلا تجب على زمِن ولا أعمى ولا شيخ كبير، ولا تجب على الراهب، وعند بعض الفقهاء تجب عليه مطلقًا، وعند آخرين تجب عليه إذا خالط الناس أو كان قادرًا على العمل.
٤٣٦- وتجب الجزية في آخر كل سنة، وتؤخذ في آخرها، وعند الحنفية تجب في أولها، وتؤخذ في آخرها، ومقدارها ١٢ درهمًا على الفقير المعتمل، و٢٤ درهمًا على المتوسط، ٤٨ درهمًا على الموسِر، وعند بعض الفقهاء أنَّها غير مقدَّرة، وإنما يقدِّرها الإمام حسب اجتهاده ورأيه.
٤٣٧- وتسقط الجزية بعد وجوبها إذا أسلم الذميّ أو عجزت الدولة الإسلامية عن حماية الذميين، ولهذا ردَّ أبو عبيدة بن الجراح ﵁ الجزية إلى الذمِّيين في بعض مدن الشام، عندما عجز الجيش الإسلامي عن حمايتهم٢، وفي صلح خالد بن الوليد مع صلوبا بن نسطونا صاحب قس الناطف في منطقة الحيرة: "فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم"٣.
стр. 260
ثالثًا: الخراج
٤٣٨- الخراج ما ضُرِبَ على أراضي الكفار المغنومة عنوة، التي تركتب بيد أهلها١، فهي ضريبة مالية على الأراضي المفتوحة التي تركها المسلمون بيد أهلها يزرعونها ويستغلونها. وأوَّل من فعل ذلك الإمام الراشد عمر بن الخطاب ﵁؛ إذ فرض على أرض العراق الخراج وتركها بيد أصحابها، بعد مشاورةٍ منه للصحابة الكرام وموافقتهم على رأيه، والأرض التي تفرض عليها ضريبة الخراج تسمَّى بالأرض الخراجية.
٤٣٩- والخراج نوعان: خراج وظيفة، وهو ما يفرض على الأرض بالنسبة إلى مساحتها ونوع زراعتها، وخراج مقاسمة وهو أنَّ المفروض جزء من الخارج؛ كالخمس والسدس ونحو ذلك، والفرق بين النوعين أنَّ في خراج الوظيفة يكون الواجب شيئًا في الذمَّة يتعلق بالتمكن من الانتفاع بالأرض، ويؤخذ مرة واحدة في السنة، أمَّا في خراج المقاسمة فيكون الواجب متعلقًا بما يخرح من الأرض لا بالتمكين من زراعتها، حتى إذا عطل الأرض صاحبها مع التمكّن من الانتفاع بها لم يجب عليه شيء، كما أنَّ خراج المقاسمة يتكرَّر بتكرر الخارج من الأرض.
٤٤٠- والمنظور إليه عند تقرير الخراج طاقة الأرض حتى لا يكون الخراج مرهقًا لصاحبها، وقد نصَّ الفقهاء على بعض ما يسترشد به لمعرفة مدى طاقة الأرض لمقدار الخراج٢، فمن ذلك: خصوبة الأرض، ونوع ما يزرع فيها، وأثمانه، وطريقة سقيها، وقربها أو بعدها عن المدن والأسواق.
٤٤١- وإذا عجز صاحب الأرض عن استغلال أرضه فقد ذهب الحنفية أنَّ للإمام في هذه الحالة أن يعطيها لغيره مزراعة، أو أن يؤجرها، أو أن يزرعها بمال بيت المال، ويستوفي من جميع ذلك ضريبة الخراج، ويمسك الباقي لصاحب الأرض، وعن أبي يوسف -رحمه الله تعالى: يدفع للعاجز كفايته من بيت المال قرضًا ليعمل ويستغل أرضه، وعند الشافعية والحنابلة: ويؤمر صاحب الأرض بإيجارها أو رفع يده عنها، ولا
стр. 261
تترك بيده خرابًا، وإن دفع خراجها لئلَّا تصير بالخراب أرضًا ميتة، فيتضرَّر بيت المال ويقل الإنتاج في الدولة الإسلامية، وفي هذا ضرر عام.
والواقع أنَّ الحلول التي ذكرها الفقهاء كلها سائغة، ولولي الأمر أن يختار منها ما يراه أصلح من غيره١.
رابعًا: العشور
٤٤٣- ضريبة تجارية يخضع لها الذميون والمستأمنون، فهي بالنسبة إلى الذمِّي تفرض على أمواله المعدَّة للتجارة، إذا انتقل من بلد إلى بلد داخل الدولة الإسلامية، ومقدارها نصف العشر. وهي بالنسبة للمستأمن -وهو غير المسلم إذا دخل إلى دار الإسلام بأمان- تفرض على ما يدخل به من مالٍ للتجارة إلى إقليم دار الإسلام، مقدارها عُشْر ما يدخل به من مالٍ، كقاعدة عامَّة، وإن كان من الجائز أن يقلَّ عن هذا المقدار أو يزيد تبعًا لقاعدة المعاملة بالمثل، بمعنى أنَّ دولة المستأمن إذا أخذت من تجار دار الإسلام إذا دخلوا أراضيها ضريبة أكثر من العشر أو أقلّ، فإن الدولة الإسلامية تعامل رعايا هذه الدولة بالمثل، فتستوفي من أموالهم التجارية نفس هذه الضريبة.
٤٤٣- ويشترط لوجوب هذه الضريبة في مال الذمي أن يبلغ نصاب الزكاة، وهذا ما قاله الحنفية والزيدية وبعض الحنابلة١، وقال الإمام مالك: النصاب ليس بشرطٍ لوجوب هذه الضريبة٢، وتستوفى هذه الضريبة في السنة مرة واحدة من الذمي والمستأمن، إلّا إذا رجع المستأمن بماله إلى بلده، ثم عاد بنفس ماله إلى دار الإسلام، فإنه تؤخذ منه الضريبة مرَّة أخرى على نفس المال.
стр. 262
خامسًا: الغنائم
٤٤٤- والغنيمة كما يقول الإمام ابن تيمية: هي المال المأخوذ من الكفَّار بالقتال، وسماها الله تعالى أنفالًا؛ لأنها زيادة في أموال المسلمين١.
والغنمية أربعة أصناف: أسرى وسبي وأرضون، وأموال منقولة، أمَّا الأسرى فهم الرجال المقاتِلون من الكفار إذا ظفر بهم المسلمون وأسروهم، والإمام مخيَّر فيهم -إذا قاموا على كفرهم- في فعل الأصلح حسب اجتهاده، إمَّا القتل وإمَّا الاسترقاق وإمّا الفداء بمالٍ أو أسرى، أو المنّ بغير فداء١، ولكن إذا أسلم الأسير سقط القتل عنه، وكان الإمام على خياره فيه بين الرق والمَنّ والفداء٢.
٤٤٥- وأمَّا السبي فهم النساء والأطفال، وهؤلاء لا يجوز قتلهم، ويكون سببًا مسترقًّا، يقسمون مع الغنائم "الأموال المنقولة"، فإن فادى الإمام بالسبي على مالٍ جاز، ويكون مال فدائهم مغنومًا مكانهم، وإن أراد الإمام إن يفادي بهم عن أسرى المسلمين في أيدي العدو جاز بذلك، وعوّض الغانمين عنهم من سهم المصالح، وأن أراد المَنّ عليهم لزم استطابة نفوس الغانمين عنهم، إمَّا بالعفو عن حقوقهم فيهم، وإمَّا بمال يعوِّضُهم عنهم٤.
٤٤٦- وأمَّا الأرضون، فخلاصة القول فيها على ما ذكره الإمام أبو عبيد في كتابه "الأموال"، والماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية٥": إنَّ الأرض التي يستولي عليها المسلمون ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أرض أسلم عليها أهلها فهي لهم، وتكون أرضًا عشرية، أي: يستوفي من زرعها الزكاة المقررة.
стр. 263
القسم الثاني: أرض فتحت صلحًا على خراجٍ معلوم، فهي على ما صالحوا عليه، ولا يلزمهم أكثر منه، وهي على نوعين: أحدهم: يصالحهم الإمام على أنَّ ملك الأرض للمسلمين، فتصير بهذا الصلح وقفًا من دار الإسلام، ويكون الخارج أجرة لا يسقط عنهم بإسلامهم.
والنوع الثاني: أن يصالحهم الإمام على أنَّ الأرض لهم، على أن يؤدوا خراجًا معلومًا، ويجوز لهم التصرف بها بالبيع ونحوه، بخلاف النوع الأول.
القسم الثالث:
أرض فتحها المسلمون بالحرب واستولوا عليها عنوة، فهذه اختلف فيها الفقهاء، تقسَّم على الغانمين المسلمين بعد إخراج خمسها إلى من ذكرهم الله تعالى، إلّا إذا رغب الغانمون بتركها لبيت المال، فتوقف على مصالح المسلمين، وقال الإمام مالك -رحمه الله تعالى: تصير وقفًا على المسلمين، ولا يجوز قسمتها بين الغانمين، وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى: الإمام فيها بالخيار بين قسمتها بين الغانمين، فتصير أرضًا عشرية، أو يعيدها إلى أيدي المشركين أصحابها الأصليين بخراجٍ يضربه عليها، فتكون أرض خراج، ويكون المشركون بها أهل ذمَّة، أو يوقفها على كافّة المسلمين، وتصير هذه الأرض من إقليم دار الإسلام، سواء سكنها المسلمون أو أعيد إليها المشركون لملك المسلمين لها، ولا يجوز التنازل عنها للمشركين، ورجَّح الإمام أبو عبيد أنَّ الخيار للإمام في الأرض المفتوحة عنوة، فله أن يقسمها على الغانمين بعد إخراج الخمس منه، كما له أن يجعلها موقوفة على المسلمين عامَّة، ورأي الحنفية يتضمَّن هذ الذي رجَّحه أبو عبيد، وعلى هذا نميل إلى رأي الحنفية.
٤٤٧- أما الأموال المنقولة فهي الغنائم المألوفة، ولا تقسم إلّا بعد انجلاء الحرب وتحقق ظفر المسلمين، ويجوز بعد جمعها قسمتها في دار الحرب، كما يجوز تأخير قسمتها بعد الرجوع إلى دار الإسلام بحسب ما يراه الأمير من المصلحة، فإذا أرادوا قسمتها بدأ بأسلاب القتلى، فأعطى كل قاتل سلب قتيله، والسلب ما كان عى المقتول من لباس، وما كان معه من سلاح يقاتل به، وما كان تحته من فرس يقاتل عليه، ثم يبدأ بعد إعطاء السلب لمسحقيه بإخراج الخمس من جميع الغنيمة، ويوزَّع إلى مستحقيه على ما سنذكره في باب مصارف بيت المال، ثم يرضخ بعد إخراج الخمس لأهل الرضخ، وهم من لا سهم له مِمَّن يكون مع الجيش الإسلامي؛ كالنساء والصبيان
стр. 264
وأهل الذمة، فيرضخ لهم من الغنيمة بحسب ما قدَّموه من عون للمقاتلين، ولا يبلغ برضخ أحدهم سهم فارس ولا راجل، وبعد إخراج الخمس والرضخ يقسم الباقي من الغنيمة على المقاتلين، للراجل منهم سهم واحد، وللفارس ثلاث أسهم، ويجوز لأمير الجيش أن يزيد في سهام بعض المقاتلين إذا ظهرت منهم زيادة نكاية بالعدو، أو قاموا بأعمالٍ سهَّلت نصر المسلمين، وهذه الزيادة المعطاة لهؤلاء يجوز أن تكون من الخمس، كما يجوز أن تكون من أربعة الأخماس الباقية من الغنيمة.
سادسًا: الفيء
٤٤٨- الفيء هو كل مال أخذه المسلمون من الكفار بغير قتال وأدخل الفقهاء في مفهومه الجزية والخراج والعشور، والمال لذي يصالح عليه العدو، وما يتركه المشركون بعد هربهم أو جلائهم، وسمِّي فيئًا لأنَّ الله تعالى أفاءه على المسلمين، أي: ردَّه عليهم من الكفار؛ لأنَّ الله تعالى خلق الخلق لعبادته، وخلق المال للاستعانة به على عبادته، فالكافر لكفره أباح الله تعالى لعباده المؤمنين الذين يعبدونه نفس هذا الكافر وماله؛ لأنه لم يستعمل ماله في عبادة الله١، والأصل في الفيء قول الله تعالى في سورة الحشرة: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، فالفيء هو المال الواصل للمسلمين من المشركين بلا قتال.
سابعًا: الموارد الأخرى:
٤٤٩- ومن موارد بيت المال الأموالُ التي ليس لها مالك معين، مثل من مات من المسلمين وليس له وراث معين، وكالغصوب والعواري والودائع التي تعذر معرفة أصحابها، واللقطة التي لم يظهر صاحبها في بعض الحالات٢.
ومن موارد بيت المال ما يكون للدولة من أراضي تستغلها أو تؤجرها، فتكون الغلة أو الأجرة لبيت المال، ومن ذلك ما اصطفاه عمر بن الخطاب ﵁، باستطابه نفوس الغانمين- من أرض السواد في العراق، التي كانت لكسرى وأهل بيته
стр. 265
وما هرب عنه أربابه أو هلكوا، والإمام مخيَّر بين استغلالها رأسًا لمصلحة بيت المال، كما له أن يؤجرها لمصلحة بيت المال، وقد فعل بالأول عمر بن الخطاب، وبالتالي عثمان بن عفان -رضي الله عنهما١.
ومن موارد بيت المال ما يفرضه الإمام في أموال الأغنياء عند الضرورة؛ لصرفه على شئون الدولة والرعية الضرورية عند عدم وجود مال في بيت المال، مثل: نفقات الجند وسد حاجات المحتاجين.
الفرع الثاني: مصارف بيت المال
٤٥٠- أولًا: الزكاة
وتصرف لمن سماهم الله تعالى في كتابه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ، والفقراء والمساكين هم المحتاجون، والعاملين عليها هم جباة الزكاة، والمؤلَّفة قلوبهم نوعان: كافر ترجى بعطيته منفعة كإسلامه، أو دفع مضرته، ومسلم يرجى حسن إسلامه، أو إسلام نظيره٢، وفي الرقاب يدخل فيه إعانة الأرِقَّاء الذين يكاتبون أسيادهم على مالٍ يؤدونه إليهم حتى يعتقوا، وافتداء الأسرى وعتق الرقاب، والغارمين هم الذين عليهم ديون في أمور مباحة ولا يجدون وفاءها، فيعطون وفاء ديونهم، أمَّا لو استدانوها في معصية الله فلا يعطون حتى يتوبوا٣، وفي سبيل الله وهم الغزاة، فيعطون ما يغزون به، أو تمام ما يغزون به من خيلٍ وسلاح ونفقة وأجرة، وابن السبيل هو الغريب في البلد وليس عنده نفقة سفره، ولا ما يوصله إلى بلده، ويجوز صرف الزكاة في أحد الأصناف الثمانية مع وجودهم، ولا يجوز دفعها إلى كافر ولا
стр. 266
إلى ذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب.
٤٥١- ثانيا: زكاة المعادن وخمس الركاز
ومصرف زكاة المعادن وخمس الركاز مصرف الزكاة المعتادة، أي: مصرف زكاة الماشية والزروع والثمار والذهب والفضة وعروض التجارة.
٤٥٢- ثالثًا: الغنيمة
الواجب في الغنمية لبيت المال خمسها، ويقسَّم هذا الخمس على من ذكرهم الله تعالى في سورة الأنفال، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [سورة الأنفال: ٤١] وكان رسول الله ﷺ يصرف سهم الله وسهمه في مصالح الإسلام، وأربعة أخماس الخمس في أهلها المستحقين لها مقدمًا للأهم فالأهم، والأحوج فالأحوج، دون أن يقسم بينهم أربعة أخماس الخمس السوية١.
٤٥٣- رابعًا: الفيء
ويقسم على ما ذكرهم الله تعالى في سورة الحشر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحشر: ٧-١٠] .
стр. 267
وقال الفقيه الماوردي: يؤخذ خمس الفيء ويقسَّم على خمسة أسهم متساوية: سهم منها كان لرسول الله ﷺ في حياته، ينفق منه على نفسه وأزواجه ومصالحه ومصالح المسلمين، وقد صار هذا السهم بعد وفاته ﷺ مصروفًا في مصالح المسلمين؛ كأرزاق الجيش وإعداد السلاح وبناء الحصون والقناطر وإعطاء رواتب القضاة والموظفين، وما جرى هذا المجرى من وجوه المصالح العامة، والسهم الثاني: سهم ذوي القربى، وهم بنوا هاشم وبنو عبد المطلب بن عبد مناف، والسهم الثالث: لليتامى من ذوي الحاجات، واليتم موت الأب مع الصِّغَر، والسهم الرابع: للمساكين، وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم، والسهم الخامس: لبني السبيل، وهم المسافرون الذين لا يجدون ما ينفقون، وأما أربعة أخماس الفيء ففيه قولان أحدهما: إنه للجيش خاصة، والثاني: إنه مصروف في المصالح العامَّة، ومنها: أرزاق الجيش وما يلزمه١.
والواقع أنَّ الآية الكريمة كما يقول الفقيه المشهور ابن القيم: إنما أفاء الله على رسوله بجملتها لمن ذكر في هذه الآيات، ولم يخص منه خمس بالمذكورين، بل عمَّم وأطلق واستوعب، فيصرف الفيء على المذكورين كلهم، أمَّا ذكر اليتامى والمساكين ونحوهم فإنما يفيد العناية بهم، وضرورة إدخالهم في جملة المستحقين للفيء وإن كانوا يستحقون أيضًا من خمس الغنيمة، ولا يفيد حصر الاستحقاق بهم، وعلى هذا فالفيء يستحقه هؤلاء المذكورون والمهاجرون والأنصار الذين جاءوا من بعدهم من المسلمين الذين يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.. إلخ، ولا يدخل معهم من يلعنهم ويتبرأ منهم، وعلى هذا فيصرف الفيء في جميع مصالح المسلمين، ومنها: الإنفاق على ذوي الحاجات، ودفع الأرزاق للجند والعلماء والقضاة وسائر موظفي الدولة، كما يعطى منه إلى عموم المسلمين، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين في سيرتهم وهديهم، ولذلك قال عمر ﵁: "وليس أحد أحق بهذا المال من أحد، إنما هو الرجل وسابقته، والرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته".
فجعلهم عمر ﵁ أربعة أقسام، الأول: ذوي السوابق الذين بسابقتهم، أي: بإسلامهم حصل المال، والثاني: من يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم، كولاة الأمور والعلماء الذين يجلبون لهم منافع الدنيا والآخرة، والثالث: من يبلي بلاء حسنًا في دفع
стр. 268
الضرر عنهم كالمجاهدين في سبيل الله من الأجناد والمرابطين ونحوهم، والرابع: ذوي الحاجات كما روي عن عمر ﵁ أنَّه قال: "والله لئن بقيت لهم ليأتينَّ الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه"١، ويفهم من هذا كله أنَّ عموم المسلمين لهم نصيب من مال الفيء، فيعطون منه بعد سدِّ النفقات الضرورية للدولة؛ كأرزاق الجند والولاة ونحوهم، وهذا ما تدل عليه الآية لكريمة، ويقدَّم ذوو الحاجات على غيرهم من الفاضل بعد سدّ النفقات الضرورية للدولة.
ويلحق بالفيء ويكون مصرفه مصرف الفيء الأموال التي ليس لها مالك معين، مثل من مات من المسلمن وليس له وارث معين، وكالغصوب والعواري، والودائع، وغير ذلك من أمول المسلمين التي تعذر معرفة أصحابها٢.
стр. 269
المبحث السابع: نظام الجهاد
٤٥٤- الجهاد في اللغة: بذل الإنسان جهده وطاقته، وفي الاصطلاح الشرعي: بذل المسلم طاقته وجهده في نصرة الإسلام ابتغاء مرضاة الله، ولهذا قيِّد الجهاد في الإسلام بأنه في سبيل الله؛ ليدلَّ على هذا المعنى الضروري؛ لتحقق الجهاد الشرعي، وبهذا جاءت الآيات القرآنية معلنة أنَّ جهاد المسلمين ومنه القتال، إنَّما هو جهاد في سبيل لله، بخلاف الكافرين فإنَّ جهادهم وقتالهم في غير سبيل الله، أي: في سبيل الشيطان، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ ١، وقد يعبر عن المعنى الذي بيَّنَّاه بعبارة: القتال لتكون كلمة الله هي العليا، كما جاء في الحديث الشريف: سئل رسول الله ﷺ : الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل لله"؛ لأنَّ المقصود بكلمة الله الإسلام، وجعلها هي العليا أي: هي النافذة الظاهرة، ولا شكَّ أن إظهار دين الله مما يرضي الله تعالى.
стр. 270
٤٤٥- والجهاد أنواع، فهناك الجهاد باللسان ببيان شرائع الإسلام ودحض الأباطيل المفتراة عن الإسلام، والجهاد بالمال بإنفاقه في وجوه البر، لا سيما على الغزاة والمقالين في سبيل الله، بشراء العتاد والسلاح والأرزاق لهم، والجهاد بالنفس بمقاتلة أعداء الله، وإذا أطلق الجهاد فإنه يراد به -غالبًا- الجهاد بالنفس، أي: القتال، كما أنَّ الجهاد بالنفس يُقْرَن غالبًا بالجهاد بالمال، كما نلاحظ ذلك في آيات القرآن الكريم، من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
٥٤٦- والجهاد بالنفس بمقاتلة الأعداء من فروض الكفاية في الأحوال الاعتيادية إذا حصلت به الكفاية، ولكنه يصير فرض عين إذا احتلَّ الكفرة بلدًا من بلاد الإسلام، أو إذا استنفر الإمام المسلمين، قال الإمام ابن العربي المالكي: "إذا كان النفير عامًّا لغلبة العدو على الحوزة، أو استيلائه على الأسارى، كان النفير عامًّا، ووجب الخروج خفافًا وثقالًا، وركبانًا ورجالًا، عبيدًا وأحرارًا، من كان له أب من غير إذنه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة، ويخزي الله العدو ويستق الأسرى، ولا خلاف في هذا"١.
٤٥٧- ولما كان الجهاد من فروض الإسلام فقد عظمت به الوصية، وأمر الله تعالى بأخذ العُدَّة اللازمة له، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ، فكل ما به قوة وحاجة في القتال وجب تحصيله وإعداده، وهذا يختلف باختلاف الأزمان والأحوال، ولا شكَّ أنَّ من وسائل القوة المهمة في زماننا تعلُّم إتقان مختلف العلوم والفنون والصناعات اللازمة لإعداد القتال، وتعلم هذه الأمور من الفروض الكفائية في الأمّة؛ لأنَّ ما لا يتمّ
стр. 271
الواجب إلّا به فهو واجب، ومن المستحبّ لكل مسلم أن يتعلَّم ما يستطيعه من أمور القتال؛ كالرمي والطعن واستعمال السلاح مبتغيًا بذلك وجه الله تعالى، ويعلمه للآخرين، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذه الأمور فقال ﵀: "وتعلم هذه الصناعات -أي: صناعات الحرب وآلات القتال- هو من الأعمال الصالحة لمن يبتغي بذلك وجه الله ، فمن علَّم غيره ذلك كان شريكه في كل جهاد يجاهد به، لا ينقص أحدهما من الأجر شيئًا"، وكان سيدنا عمر ﵁ يوصي المسلمين وولاتهم: "أن علِّموا أولادكم الرمي والفروسية"، وفي حديث عن النبي ﷺ : ".... ومن تعلَّم الرمي ثم نسيه فليس منَّا".
٤٥٨- والواقع أنَّ الجهاد ضروري لبقاء المسلمين أمة قوية مرهوبة الجانب، بعيدة عن أطماع الطامعين والحاقدين من الكافرين والمنافقين، كما أنَّ الجهاد بنفسه دليل قاطع على إيمان المسلم ومبادرته إلى ما يحبه الله تعالى، وإيثاره مرضاته وما عنده، ولهذا وبَّخ الله تعالى من يتقاعس عن الجهاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ١.
٤٥٩ ولعظيم أثر الجهاد ودلالته على الإيمان، قال الفقهاء: المقام في ثغور المسلمين أفضل من المجاورة في المساجد الثلاث: المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى، وتعليل ذلك أنَّ الرباط من جنس الجهاد، والمجاورة غايتها أن تكون من جنس الحج، وقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ ، أنَّه سُئِل عن أيّ الأعمال أفضل؟ قال ﷺ : "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم جهاد في سبيله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم حج مبرور".
٤٦٠- وترك الجهاد سبب للمذلة والهوان وضياع الديار وتسلط الكفرة على بلاد الإسلام، وهذا من العذاب الذي توعَّد به الله تعالى تارك الجهاد، قال ربنا في
стр. 272
القرآن الكريم ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، قال الإمام ابن العربي المالكي في تفسيره: في هذه الآية تهديد ووعيد مؤكَّد في ترك النفير والخروج إلى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا، أمَّا نوع العذاب فقال عنه الإمام ابن العربي: "هو الذي في الدنيا باستيلاء العدو على من يستولي عليه، وبالنار في الآخرة"، ووقائع التاريخ القديمة والحديثة تؤيِّد ما ذكرها ابن العربي، فما أصاب المسلمين من ذلٍّ وتسلط الكفرة عليهم إلّا بتركهم الجهاد المطلوب منهم.
٤٦١- وعلى ذكر الجهاد والقتال في سبيل الله، يقول بعض الكتاب المحدثين: إن القتال في الإسلام أو الجهاد في الإسلام هو دفاعي لا هجومي، بمعنى أنَّه لا يجوز للدولة الإسلامية أن تهاجم دولة غير إسلامية إلّا إذا هاجمتها هذه الأخيرة، والواقع أنَّ هذا القول غير سديد وينقصه التحقيق والتدقيق، ولا تدل عليه دلائل الشريعة، ذلك أنَّ القتال في الإسلام له أسباب، منها: ردّ الاعتداء، وفي هذا قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٢، ومنها: القتال لنصرة ضعفاء المسلمين الذين يتعرَّضون لظلم الكفرة، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ٣.
ومنها: أن يبدأ المسلمون قتال الكفرة إذا رفضوا الإسلام ومنعوا المسلمين من تولي الحكم والسلطان؛ لاقامة شرع الله وتطبيقه في الأرض، وهذا هو الذي يجادل فيه البعض ويعتبره من قبيل القتال الذي يبدأ به المسلمون غيرهم بلا مبرِّر، والحقيقة أنَّ القرآن والسنة النبوية يدلان على هذا النوع من القتال، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٤، والفتنة معناها: الكفر والشرك، قال الإمام أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" في تفسير هذه الآية: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا
стр. 273
تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ يوجب فرض قتال الكفار حتى يتركوا الكفر، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع، أمَّا الدين فهو الانقياد لله بالطاعة، والدين الشرعي هو الانقياد لله والاستسلام له، ودين الله هو الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ١، فقول الإمام الجصاص: حتى يتركوا الكفر، أي: كفرهم المتعلق بتشريع الأحكام؛ لأنَّ التشريع من حق الله وحده، فمن نازعه ذلك فقد كفر وأشرك، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢.
ويؤيد ما قلناه أيضًا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٢، قال الإمام الشافعي: الصَّغَار أن تؤخذ منهم الجزية وتجري عليهم أحكام الإسلام٣، فهذا صريحٌ في أنَّ قتال المسلمين إنما هو لإظهار دين الله بتطبيق شرائعه بعد أن يتولَّى المسلمون الحكم والسلطان، وليس المقصود قتل غير المسلمين أو إكراههم على الإسلام؛ لأنَّه لو كان هذا هو المقصود لما شرِّعت الجزية، ولما أقرَّ الكافر على كفره في دار الإسلام.
وفي السنة النبوية ما يؤيد ما قلناه، فقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، وفيها يأمر الرسول ﷺ أمراء الجند عند توجيههم إلى المشركين أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أَبَوْا فإلى الجزية، أي: الخضوع إلى سلطان الدولة الإسلامية، فإن أبوا قاتلوهم حتى يخضعوهم قهرًا لسلطان المسلمين٤.
٤٦٢- والحقيقة أنَّ بدء المسلمين لغيرهم بالقتال إذا رفضوا الإسلام أو الجزية إنَّما هو لمصلحة عموم المشركين الذين يخضعون لسلطان الكفر؛ لأنَّ المسلمين يريدون بهذا القتال رفع هذا الحكم الكافر عنهم، وإزالة شرائعه الباطلة، ورفع
стр. 274
الحواجز عن عموم الناس لرؤية الإسلام وشرائعه، فمن شاء آمن، ومن شاء بقي على كفره بشرط الولاء للدولة الإسلامية. وهذا كله من مصلحة المشركين الدنيوية والأخروية، أمَّا الدنيوية فتظهر في تمتعهم بعدل الإسلام والمحافظة على أموالهم وحقوقهم، وأمَّا الأخروية فبتهيئة سبل رؤيتهم الإسلام واحتمال دخولهم فيه عن رضًى واختيار، لا عن جبر وإكراه، وفي هذا سعادتهم وفوزهم في الآخرة.
٤٦٣- والخلاصة: فإنَّ المسلم لا ينفَكّ عن الجهاد في سبيل الله أبدًا، فهو في جهاد دائم: يجاهد نفسه ليحملها على الطاعة وعلى بذل المال والنفس في سبيل مرضاة الله تعالى، ويجاهد بلسانه وقلمه ليبيِّنَ معاني الإسلام ويردَّ على افتراءات المبطلين، ويجاهد في جميع أحواله، في الرخاء والشدة، وفي حالة الضعف والقوة، وفي حالة الفقر والغنى، وبهذا قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١، والأمر بالجهاد وذكر فضائله وثوابه في الكتاب والسنة أكثر من أن يحصر، بل ولم يرد في ثواب الأعمال وفضلها -كما يقول ابن تيمية ﵀ مثل ما ورد فيه، وتعليل ذلك أنَّ نفع الجهاد عامٌّ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ويشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، مثل: محبة الله، والإخلاص له، والصبر، والزهد، وأنَّ القائم به بينَ إحدى الحسنيين دائمًا، إمَّا النصر والظفر، وإمَّا الشهادة والجنة٢.
стр. 275
المبحث الثامن: نظام الجريمة والعقوبة
تمهيد:
٦٤٦- في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أحكام كثيرة تبيِّن الأفعال والتروك المحرَّمة التي يعاقب مرتكبها، وهذه الأحكام وما ينبني عليها أو يتفرَّع منها تكوّن ما يمكن تسميته بنظام الجريمة والعقوبة في الإسلام، أو بالقانون الجنائي الإسلامي.
والقانون الجنائي الإسلامي في أصله قانون عالمي؛ لأنه جزء من الشريعة
стр. 276
الإسلامية، وهي بطبيعتها شريعة عالمية لا إقليمية، أراد مشرِّعها -وهو الله ﷻ تطبيقها على كافَّة الناس في جميع بقاع الأرض، وهم مخاطبون بأحكامها، مطالبون بتنفيذها، ولكن لعدَمِ ولاية دار الإسلام على ما سوى إقليمها فقد تعذَّر تطبيقها في خارج إقليمها، أمَّا في داخل إقليم الإسلام فيجب التطبيق؛ لأنَّ الولاية فيها للمسلمين، وفي هذا المعنى يقول الإمام أبو يوسف: "ولأنَّ الشرائع هو العموم في حق الناس كافَّة، إلّا أنه تعذَّر تننفيذها في دار الحرب؛ لعدم الولاية، وأمكن في دار الإسلام، فلزم التنفيذ فيها"١، وعلى هذا فإنَّ أحكام القانون الجنائي الإسلامي تطبَّق على جميع الجرائم التي تقع في دار الإسلام، بغَضِّ النظر عن جنسية مرتكبها أو ديانته، وهذه هي القاعدة العامة، إلّا أنَّ في بعض جزئياتها اختلافًا قليلًا بين الفقهاء بالنسبة للذمِّيين والمستأمنين، واختلافًا أكثر بالنسبة للمستأمنين١، فمن ذلك أنَّ جمهور الفقهاء استثنوا الذميين والمستأمنين من عقوبة شرب الخمر باعتبار أنهم يعتقدون حلها، وعند الظاهرية تجب عليهم عقوبة شرب الخمر شأنهم في ذلك شأن المسلمين٢، وبعد هذا التمهيد نتكلم عن الجريمة أولًا، ثم عن العقوبة ثانيًا، في فرعين متتاليين.
الفرع الأول: الجريمة
تعريف الجريمة:
٤٦٥- عرَّف فقهاء الشريعة الإسلامية الجرائم بأنَّها محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحَدٍّ أو تعزير٣، ويفهم من هذا التعريف أنَّ الجريمة في الاصطلاح الفقهي يجب أن تتوفَّر فيها الأمور الآتية:
стр. 277
أ- أن تكون من المحظورات الشرعية، أي: مِمَّا نهى عنه الشرع الإسلامي نهي تحريم لا نهي كراهة، بدليل وجوب العقاب على مرتكب هذه المحظورات، والعقاب لا يجب إلّا على ترك واجب أو فعل محرَّم، فيكون المقصود من المحظورات الشرعية: ترك واجب أو فعل محرَّم.
ب- أن يكون تحريم الفعل أو الترك من قِبَل الشريعة الإسلامية، فإن كان من غيرها فلا يعتبر المحظور جريمة.
جـ- أن يكون للمحظور عقوبة من قِبَل الشرع الإسلامي، سواء أكانت هذه العقوبة مقدَّرة وهي التي يسميها الفقهاء بـ"الحد"، أو كان تقديرها مفوضًا إلى رأي القاضي، وهي التي يسميها الفقهاء "التعزير"، فإذا خلا الفعل أو الترك من عقوبةٍ لم يكن جريمة.
أساس اعتبار الفعل والترك جريمة:
٤٦٦- وأساس اعتبار الفعل أو الترك جريمة هو ما فيه من ضرر محقَّق للفرد وللجماعة، فكان من رحمة الله تعالى بعباده أن بيِّنَ لهم ما يفعلون وما يتركون لحفظ مصالحهم وتحقيق الخير والسعادة لهم في دنياهم وآخرتهم، واستقراء نصوص الشريعة الإسلامية يدل دلالة قاطعة على أنَّ ما حرَّمه الإسلام من فعلٍ وتركٍ وعاقب عليه، يشتمل على أضرار محقَّقة بالفرد والمجتمع، وتظهر هذه الأضرار بالمساس بالدِّين أو بالعقل أو بالنفس أو بالعرض أو بالمال، وما يترتَّب على ذلك من فسادٍ وإخلال في المجتمع.
أنواع الجرائم:
٤٦٧- الجرائم على اختلاف أنواعها يجمعها جامع واحد، هو أنَّها محظورات شرعية معاقب عليها، وقد قسَّمَها الفقهاء إلى ثلاثة أنواعٍ بالنظر إلى نوع عقوبتها، وهي: جرائم الحدود، وجرائم القصاص والديات، وجرائم التعزير.
جرائم الحدود:
٤٦٨- وهذه الجرائم هي: الزنى، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة
стр. 278
-قطع الطريق، والرِّدَّة، والبغي على خلافٍ فيه١.
والحد في اللغة: المنع، وفي الشرع: عقوبة مقدَّرة وجبت حقًّا لله تعالى٢.
وبعض الفقهاء يعرِّف الحدَّ بأنه العقوبة المقدَّرة شرعًا، ولا يقيِّدها بكونها حقًّا لله تعالى، فيسمَّى القصاص بهذا الاعتبار حدًّا أيضًا٣.
جرائم القصاص والدِّيَّات:
٤٦٩- وهذه هي جرائم القتل، والجروح، وقطع الأطراف، ويسميها الفقهاء بالجنايات على النفس، أو ما دون النفس، وعقوبة هذه الجرائم القصاص إذا توافرت شروطه، أو الدية إذا كانت الجريمة غير عمدية، أو كانت عمدًا ولم تتوافر شروط القصاص الأخرى، وقد تجب الكفَّارة أيضًا في جرائم القتل. والقصاص معناه: أن يُفْعَل بالجاني مثل فِعْلِه بالمجني عليه، فيُقْتَل أو يُقطَع طرفه، وأما الدية: فهي المال الواجب في الجناية على النفس أو على ما دون النفس بشروطها المقرَّرة في الفقه الإسلامي، ولولي القتيل أن يعفو عن القصاص، كما له أن يعفو عن الدية؛ لأنها حقه.
وفي جرائم الجراح ونحوها يجوز للمجني عليه أن يعفو عن الجاني، وأما الكفَّارة: فهي عقوبة فيها معنى العبادة، وتكون بعتق رقبة مؤمنة أو بالصيام.
جرائم التعزير:
٤٧٠- التعزير لغة: التأديب، وشرعًا: تأديبٌ على معاصٍ لم تشرَّع فيها عقوبات مقدَّرة٤، وجرائم التعزير هي المحظورات الشرعية التي ليس لها عقوبة مقدَّرة من الشرع الإسلامي، مثل: الخلوة بأجنبية، وأكل الربا، وخيانة الأمانة، ونحو ذلك٥، والإمام أو نائبه هو الذي يقدِّر عقوبة التعزير، وهو في تقديره عقوبة
стр. 279
التعزير لا يصدر عن الهوى، وإنما يلاحظ جسامة الجريمة وظروفها ومقدار ضررها، وحال الجاني من كوْنه من ذوي المروءات، أو من ذوي السوابق والإجرام، وما يتمّ به انزجار الجاني وعدم عودته إلى مثل فعله في المستقبل١، ويجب التعزير على كل بالغ عاقلٍ إذا ارتكب شيئًا من جرائم التعزير، سواء كان ذكرًا أو أنثى، مسلمًا كان أو كافرًا، أمَّا الصبي العاقل فيعزَّر تأديبًا لا عقوبة٢.
الفرع الثاني: العقوبة
تمهيد:
٤٧١- قلنا: إن الجزاء في الشريعة الإسلامية أخروي ودنيوي٣، وإنَّ الأصل في الجزاء في الشريعة هو جزاء الآخرة، ولكنَّ مقتضيات الحياة وضرورة استقرار المجتمع وتنظيم علاقات الأفراد على نحوٍ واضحٍ، وضمان حقوقهم، كلّ ذلك دعا إلى أن يكون مع الجزاء الأخروي جزاء دنيوي، وهذا الجزاء هو العقوبة التي توقعها الدولة على من يرتكب محرَّمًا أو يترك واجبًا، أي: يرتكب جريمة، وبهذا العقاب تنزجر النفوس التي لم ينفعها الوعظ والتذكير، والحقيقة أنَّ الشريعة الإسلامية تعنى بإصلاح الفرد إصلاحًا جذريًّا عن طريق تربيته على معاني العقيدة الإسلامية، ومنها: مراقبته لله وخوفه منه، وأداء ما افترضه عليه من ضروب العبادات، وهذا كله سيجعل نفسه مطاوعة لفعل الخير، كارهة لفعل الشر، بعيدةً عن ارتكاب الجرائم، وفي هذا كله أكبر زاجر للنفوس، وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ الشريعة تهتم بطهارة المجتمع وإزالة مفاسده، ولهذا ألزمت أفراده بإزالة المنكر، ولا شكَّ أن المجتمع الطاهر العفيف سيساعد كثيرًا على منع الإجرام وقمع المجرمين، وسيقوّي جوانب الخير في النفوس، ويسد منافذ الشر التي تطلّ منها النفوس الضعيفة، وفي هذا ضمان أيضًا لتقوية النفوس وإعطائها مناعةً ضد الإجرام.
стр. 280
ولكن مع هذا كله فقد تسوّل للبعض نفوسهم ارتكاب الجرائم، فكان لا بُدَّ من عقوبةٍ عاجلة توقعها الدولة الإسلامية عليهم زجرًا لهم من العودة إليها، وردعًا للآخرين الذين قد تسوّل لهم أنفسهم ارتكاب الجريمة، وفي هذا استقرار للمجتمع وإشاعة للطمأنينة فيه، كما أنَّ في إنزال العقاب بالمجرمين مصلحة لهم كما سنبيِّن.
هذا وإنَّ العقاب الدنيوي للمجرِم لا يمنع العقاب الأخروي ما لم يقترن به التوبة النصوح، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١، ومن تمام التوبة النصوح التحلُّل من حقِّ الغير إن كان إجرامه مسَّ هذا الحق، ويؤيد ما قلنا أيضًا الحديث الشريف: "إن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار" ٢، فهذا السارق الذي قطعت يده تسبقه يده المقطوعة إلى الجنة إن تاب، وإلّا سبقته إلى النار.
تشريع العقاب من رحمة الله بعباده:
٤٧٢- وتشريع العقاب الدنيوي في الشريعة الإسلامية من مظاهر رحمة الله بعباده؛ لأنه يزجر الإنسان عن ارتكاب الجريمة، فيتخلَّص من الإثم، وإذا وقع في الجريمة فإنَّ العقوبة في حقِّه بمنزلة الكيِّ بالنسبة للمريض المحتاج إليه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل، فإنَّ بهذا القطع وذلك الكي مصلحة له وإبقاء لحياته، وإيقافًا للمرض من السراية وإهلاك الجسم كله، كما أنَّ في هذا العقاب للمجرم مصلحة مؤكَّدة للمجتمع، كما أشرنا من قبل؛ لما يترتَّب عليه من اطمئنان الناس على حياتهم وأموالهم وإخافة للمجرمين، وهذه المصلحة العامة يهون معها الضرر الذي يصيب المجرم بسبب ما جنت يداه.
الحزم في إقامة العقوبات الشرعية:
٤٧٣- والعقوبات الشرعية واجبة التطبيق والتنفيد، لا يسع ولي الأمر التهاون
стр. 281
فيها أو تعطيلها؛ لأنَّها من شرع الله، وأنَّ تعطيلها يؤدي إلى سخط الله تعالى، كما يؤدي إلى فساد المجتمع واضطراب أحواله وسوء أوضاعه؛ لأن تعطيل حدود الله من المعاصي الكبيرة القبيحة، وظهور المعاصي من أسباب نقص الرزق، والخوف من العدو وضنك العيش، فإذا اقيمت الحدود الشرعية ظهرت طاعة الله ونقصت معصيته، وحصل الخير والنصر، فينبغي أن يكون ولاة الأمور أشدَّاء في إقامة حدود الله، لا تأخذهم رأفة في دِين الله، وأن يكون قصدهم من إقامتها رحمة الخلق بكفِّ الناس عن المنكرات، لا إشفاءً لغيظِ نفوسهم، ولا إرادة العلوِّ والفساد، فيكون أحدهم بمنزلة الوالد إذا أدَّب ولده، يؤدّبه رحمة به وإصلاحًا لحاله، مع أنَّه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى التأديب، وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه.
المساواة في إقامة العقوبات الشرعية وحرمة تعطيلها:
٥٧٤- والعقوبات الشرعية تُقَام على جميع من قامت فيهم أسبابها وشروطها، لا فرق بين شريف ووضيع، وقويّ وضعيف، فإنَّ المحاباة في إنزال العقوبات الشرعية سبب لهلاك الأمَّة، جاء في الحديث الشريف أنَّ امرأة من بني مخزوم سرقت، فأهمَّ قومُها أمرَهَا، فكلَّموا فيها أسامة بن زيد ليكَلِّم رسول الله ﷺ في شأنها، فلمَّا فعل ذلك غضِبَ رسول الله ﷺ وقال: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ١، والواقع أنَّ المساواة بين الرعية في إقامة العقوبات خير رادعٍ للأقوياء الذين قد تسوّل لهم قوتهم الإجرام؛ لما يظنُّونَه من محاباة لهم بسبب قوتهم وعدم معاقبتهم؛ لأنهم إذا رأوا هذه المساوة الصارمة في العقاب خنسوا ولم تعد توسوس لهم أنفسهم بهذا الوسواس الباطل؛ لأن قوتهم -وقد رأوا حزم الدولة في معاقبتهم- لا تخلِّصُهم من العقاب؛ لأنَّ قوة الدولة أكبر من قوتهم، كما أنَّ الضعيف سيطمئنُّ؛ لأنَّ الدولة معه، فهو أقوى من أيّ فرد قوي، فلا يخشى اعتداءه.
ولمَّا كان المطلوب من ولي الأمر المسلم الحزم في إنزال العقاب والمساوة بين الرعية
стр. 282
فيه، فلا يجوز لأحد أن يشفع لمجرم لإسقاط العقاب عنه، جاء في الحديث الشريف: "من حالت شفاعته دون حَدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ الله في أمره"، وهذه هي الشفاعة السيئة، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ ١، ولا شكَّ أنَّ من يشفع لإسقاط الحدِّ الشرعي عن المجرم يشفع شفاعة سيئة، وكما لا تجوز الشفاعة السيئة لإسقاط الحدود الشرعية، لا يجوز لولي الأمر أن يأخذ من المجرم مالًا لتعطيل الحدِّ الشرعي، سواء كان هذا المال لبيت المال أو لغيره؛ لأنه مال خبيث وسحت.
ابتناء العقوبات الشرعية على العدل والردع:
٤٧٥- وجميع العقوبات الشرعية بنيت على أساسين كبيرين: الأول: العدل، والثاني: الردع، ويظهر الأساس الأول -العدل- في أنَّ العقوبة بقدر الجريمة، قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٢، فليس فيها زيادة على ما يستحقه المجرم، وإن ظنَّ بعض الجهلاء هذه الزيادة كما سنبينه بعد قليل، ويظهر الأساس الثاني -الردع- في مقدار الألم الذي تُحْدِثُه العقوبة في المجرم، وما يسببه له من فقدان حريته، أو بعض أعضائه، ولا شكَّ أن فقد هذه الأشياء يؤلمه ويخيفه، فيمتنع من الإجرام بدافعٍ من حب الذات، والخوف من المؤذي المؤلم إذا ما سوَّلت له نفسه الإجرام، وزيِّنَ له الشيطان مخالفة حدود الإسلام.
أنواع العقوبة:
٤٧٦- العقوبات في الشريعة الإسلامية أربعة أنواع: الحدود، والقصاص، والدِّيَّات، والتعزير، وكنَّا قد أشرنا إليها من قبل عند كلامنا على تقسيم الجرائم، فلا بُدَّ من الكلام بإيجاز شديد عن كل عقوبة من هذه العقوبات؛ من حيث دليل مشروعيتها ومقدارها.
стр. 283
أ- الحدود:
٤٧٧- وهي العقوبات المقدَّرَة لجرائم الحدود، وقد وجبت كما قال الفقهاء حقًّا لله تعالى؛ لأنَّ نفعها للعامَّة لا اختصاص لأحدٍ بها، وما كان نفعه عامًّا يعتبر من حقِّ الله، ولهذا نُسِبَ إلى ربِّ الناس جميعًا لعظيم خطره وشمول نفعه١؛ ولأنَّ هذه النسبة تشعر بلزوم العناية والاهتمام به وعدم التفريط فيه، ولهذا لا يجوز إسقاط هذه العقوبات "الحدود" بعد ثبوت جرائمها أمام القضاء، حتى ولو رضي المجني عليه بهذا الإسقاط؛ لتعلق حق الله بهذه العقوبات.
وجرائم الحدود التي ثبت فيها هذا النوع من العقوبات هي: الزنى، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة، والردة، والبغي.
٤٧٨- أولًا: عقوبة الزنا
وهو كلّ وطء وقع على غير نكاح، ولا شبهة نكاح، ولا ملك يمين٢، وعقوبته الجلد أو الرجم، والتغريب.
أمَّا الجلد فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وجاءت السنة النبوية مقرِّرةً الجلد، من ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه أمر بجلد رجل أقرَّ بزناه مائة جلدة، وكان بكرًا ٤، ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصَنًا.
أمَّا الرجم: فقد ثبت بسنَّة رسول الله ﷺ ، وأجمع عليه الصحابة والمسلمون، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلّا الخوارج٥، والرجم معناه: رجم الزاني بالحجارة، أو ما يقوم مقامها حتى الموت، ولا يجب الرجم إلّا على المحصن بإجماع العلماء، ومن شروط
стр. 284
الإحصان أن يكون الزاني قد وطئ وطأً كاملًا في نكاحٍ تام.
أمَّا التغريب فمعناه: نفي الزاني عن البلد الذي زنى فيه إلى بلد غيره، وقد اختلف العلماء في وجوبه مع الجلد، فعند الحنفية: لا تغريب مع الجلد إلّا إذا رأى الإمام المصلحة فيه، فيكون تعزيرًا لا حدًّا، وهذا مذهب الزيدية أيضًا، وعند الحنابلة والشافعية: لا بُدَّ من تغريب الزاني غير المحصن لمدَّة سنة مع جلده، سواء كان ذكرًا أو أنثى، وقال مالك: يغرَّب الرجل ولا تغرَّب المرأة، وبه قال الإمام الأوزاعي١.
٤٧٩- واللواط يدخل في مفهوم الزنى عند الجمهور؛ كالمالكية والشافعية والحنابلة، وأبي يوسف ومحمد صاحبيْ أبي حنيفة، فيكون عقابه عقاب الزنى٢.
ويقول الإمام ابن تيمية: "والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة أن يقتل الاثنان الأعلى والأسفل -أي: الفاعل والمفعول به، سواء كانا محصنين أو غير محصنين، فإنَّ أهل السنن رووا عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" ٣.
٤٨٠- ثانيًا: عقوبة القذف
القذف شرعًا الاتهام بالزنى، أي: نسبة الشخص إلى الزنى بشروط معينة، كأن يقال: يا زاني، أو يا زانية، وعقوبته الجلد ثمانون جلدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور٤] ، والنصّ وإن ورد في المحصنات لكنَّ الحكم يثبت في المحصنين أيضًا، وعليه اجتمع الفقهاء٤، ويشترط لوجوب عقوبة القذف شروط، منها: أن يكون القاذف بالغًا عاقلًا، وأن يكون المقذوف محصنًا، رجلًا كان أو امرأة، وشرائط الإحصان هي: العقل، والبلوغ، والحرية، والعفَّة عن الزنى، والإسلام، وهذا عند جمهور الفقهاء، وعند الظاهرية ليس الإسلام
стр. 285
شرطًا للإحصان، فمن قذف ذميِّة بالزنى وجب عليه الحدّ كما لو قذف مسلمة، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ، وهذا عموم يدخل فيه الكافرة والمسلمة١.
٤٨١- وإذا قذف الزوج زوجته بالزنى، وعجز عن إثبات قذفه، وجب عليه اللعان، وإذا أثبت قذفه بالبينة وجب على زوجته حدّ الزنى، والأصل في اللعان قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢.
إذا نكل الزوج القاذف ولم يلاعن حُدَّ في قول الجمهور حدَّ القذف، وقال أبو حنيفة ﵀: لا يُحَدّ ويحبسه الحاكم حتى يلاعن أو يذُبَّ نفسه فيحد حدَّ القذف، وإن نكلت الزوجة وجب الحدّ عليها في قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: تحبس حتى تلاعن، وعند الحنابلة: إذا نكلت الزوجة لم تحدّ، وفي حبسها حتى تلاعن أو تقرّ روايتان٣.
٤٨٢- ثالثًا: عقوبة الخمر
وحد الشرب ثابت بسُنَّة رسول الله ﷺ وإجماع المسلمين، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه ضرَبَ في شرب لخمر بالجريد والنِّعَال أربعين، وضرب أبو بكر ﵁ أربعين، وضرب عمر في خلافته ثمانين. وكان علي ﵁ يضرب مرَّة أربعين، ومرَّة ثمانين، فمن العلماء من يقول: يجب ضرب الثمانين، ومنهم من يقول: الواجب أربعون، والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة إذا أدمن الناس الخمر، أو كان الشارب ممن لا يرتَدِع بدونها، ونحو ذلك، فأمَّا مع قلة الشاربين وعدم اعتيادها من الشارب، فتكفي الأربعون٣، والخمر التي حرمها الله ورسوله، وأمر النبي ﷺ