فيها أو تعطيلها؛ لأنَّها من شرع الله، وأنَّ تعطيلها يؤدي إلى سخط الله تعالى، كما يؤدي إلى فساد المجتمع واضطراب أحواله وسوء أوضاعه؛ لأن تعطيل حدود الله من المعاصي الكبيرة القبيحة، وظهور المعاصي من أسباب نقص الرزق، والخوف من العدو وضنك العيش، فإذا اقيمت الحدود الشرعية ظهرت طاعة الله ونقصت معصيته، وحصل الخير والنصر، فينبغي أن يكون ولاة الأمور أشدَّاء في إقامة حدود الله، لا تأخذهم رأفة في دِين الله، وأن يكون قصدهم من إقامتها رحمة الخلق بكفِّ الناس عن المنكرات، لا إشفاءً لغيظِ نفوسهم، ولا إرادة العلوِّ والفساد، فيكون أحدهم بمنزلة الوالد إذا أدَّب ولده، يؤدّبه رحمة به وإصلاحًا لحاله، مع أنَّه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى التأديب، وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه.
المساواة في إقامة العقوبات الشرعية وحرمة تعطيلها:
٥٧٤- والعقوبات الشرعية تُقَام على جميع من قامت فيهم أسبابها وشروطها، لا فرق بين شريف ووضيع، وقويّ وضعيف، فإنَّ المحاباة في إنزال العقوبات الشرعية سبب لهلاك الأمَّة، جاء في الحديث الشريف أنَّ امرأة من بني مخزوم سرقت، فأهمَّ قومُها أمرَهَا، فكلَّموا فيها أسامة بن زيد ليكَلِّم رسول الله ﷺ في شأنها، فلمَّا فعل ذلك غضِبَ رسول الله ﷺ وقال: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ١، والواقع أنَّ المساواة بين الرعية في إقامة العقوبات خير رادعٍ للأقوياء الذين قد تسوّل لهم قوتهم الإجرام؛ لما يظنُّونَه من محاباة لهم بسبب قوتهم وعدم معاقبتهم؛ لأنهم إذا رأوا هذه المساوة الصارمة في العقاب خنسوا ولم تعد توسوس لهم أنفسهم بهذا الوسواس الباطل؛ لأن قوتهم -وقد رأوا حزم الدولة في معاقبتهم- لا تخلِّصُهم من العقاب؛ لأنَّ قوة الدولة أكبر من قوتهم، كما أنَّ الضعيف سيطمئنُّ؛ لأنَّ الدولة معه، فهو أقوى من أيّ فرد قوي، فلا يخشى اعتداءه.
ولمَّا كان المطلوب من ولي الأمر المسلم الحزم في إنزال العقاب والمساوة بين الرعية
стр. 282
فيه، فلا يجوز لأحد أن يشفع لمجرم لإسقاط العقاب عنه، جاء في الحديث الشريف: "من حالت شفاعته دون حَدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ الله في أمره"، وهذه هي الشفاعة السيئة، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ ١، ولا شكَّ أنَّ من يشفع لإسقاط الحدِّ الشرعي عن المجرم يشفع شفاعة سيئة، وكما لا تجوز الشفاعة السيئة لإسقاط الحدود الشرعية، لا يجوز لولي الأمر أن يأخذ من المجرم مالًا لتعطيل الحدِّ الشرعي، سواء كان هذا المال لبيت المال أو لغيره؛ لأنه مال خبيث وسحت.
ابتناء العقوبات الشرعية على العدل والردع:
٤٧٥- وجميع العقوبات الشرعية بنيت على أساسين كبيرين: الأول: العدل، والثاني: الردع، ويظهر الأساس الأول -العدل- في أنَّ العقوبة بقدر الجريمة، قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٢، فليس فيها زيادة على ما يستحقه المجرم، وإن ظنَّ بعض الجهلاء هذه الزيادة كما سنبينه بعد قليل، ويظهر الأساس الثاني -الردع- في مقدار الألم الذي تُحْدِثُه العقوبة في المجرم، وما يسببه له من فقدان حريته، أو بعض أعضائه، ولا شكَّ أن فقد هذه الأشياء يؤلمه ويخيفه، فيمتنع من الإجرام بدافعٍ من حب الذات، والخوف من المؤذي المؤلم إذا ما سوَّلت له نفسه الإجرام، وزيِّنَ له الشيطان مخالفة حدود الإسلام.
أنواع العقوبة:
٤٧٦- العقوبات في الشريعة الإسلامية أربعة أنواع: الحدود، والقصاص، والدِّيَّات، والتعزير، وكنَّا قد أشرنا إليها من قبل عند كلامنا على تقسيم الجرائم، فلا بُدَّ من الكلام بإيجاز شديد عن كل عقوبة من هذه العقوبات؛ من حيث دليل مشروعيتها ومقدارها.
стр. 283
أ- الحدود:
٤٧٧- وهي العقوبات المقدَّرَة لجرائم الحدود، وقد وجبت كما قال الفقهاء حقًّا لله تعالى؛ لأنَّ نفعها للعامَّة لا اختصاص لأحدٍ بها، وما كان نفعه عامًّا يعتبر من حقِّ الله، ولهذا نُسِبَ إلى ربِّ الناس جميعًا لعظيم خطره وشمول نفعه١؛ ولأنَّ هذه النسبة تشعر بلزوم العناية والاهتمام به وعدم التفريط فيه، ولهذا لا يجوز إسقاط هذه العقوبات "الحدود" بعد ثبوت جرائمها أمام القضاء، حتى ولو رضي المجني عليه بهذا الإسقاط؛ لتعلق حق الله بهذه العقوبات.
وجرائم الحدود التي ثبت فيها هذا النوع من العقوبات هي: الزنى، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة، والردة، والبغي.
٤٧٨- أولًا: عقوبة الزنا
وهو كلّ وطء وقع على غير نكاح، ولا شبهة نكاح، ولا ملك يمين٢، وعقوبته الجلد أو الرجم، والتغريب.
أمَّا الجلد فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وجاءت السنة النبوية مقرِّرةً الجلد، من ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه أمر بجلد رجل أقرَّ بزناه مائة جلدة، وكان بكرًا ٤، ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصَنًا.
أمَّا الرجم: فقد ثبت بسنَّة رسول الله ﷺ ، وأجمع عليه الصحابة والمسلمون، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلّا الخوارج٥، والرجم معناه: رجم الزاني بالحجارة، أو ما يقوم مقامها حتى الموت، ولا يجب الرجم إلّا على المحصن بإجماع العلماء، ومن شروط
стр. 284
الإحصان أن يكون الزاني قد وطئ وطأً كاملًا في نكاحٍ تام.
أمَّا التغريب فمعناه: نفي الزاني عن البلد الذي زنى فيه إلى بلد غيره، وقد اختلف العلماء في وجوبه مع الجلد، فعند الحنفية: لا تغريب مع الجلد إلّا إذا رأى الإمام المصلحة فيه، فيكون تعزيرًا لا حدًّا، وهذا مذهب الزيدية أيضًا، وعند الحنابلة والشافعية: لا بُدَّ من تغريب الزاني غير المحصن لمدَّة سنة مع جلده، سواء كان ذكرًا أو أنثى، وقال مالك: يغرَّب الرجل ولا تغرَّب المرأة، وبه قال الإمام الأوزاعي١.
٤٧٩- واللواط يدخل في مفهوم الزنى عند الجمهور؛ كالمالكية والشافعية والحنابلة، وأبي يوسف ومحمد صاحبيْ أبي حنيفة، فيكون عقابه عقاب الزنى٢.
ويقول الإمام ابن تيمية: "والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة أن يقتل الاثنان الأعلى والأسفل -أي: الفاعل والمفعول به، سواء كانا محصنين أو غير محصنين، فإنَّ أهل السنن رووا عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" ٣.
٤٨٠- ثانيًا: عقوبة القذف
القذف شرعًا الاتهام بالزنى، أي: نسبة الشخص إلى الزنى بشروط معينة، كأن يقال: يا زاني، أو يا زانية، وعقوبته الجلد ثمانون جلدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور٤] ، والنصّ وإن ورد في المحصنات لكنَّ الحكم يثبت في المحصنين أيضًا، وعليه اجتمع الفقهاء٤، ويشترط لوجوب عقوبة القذف شروط، منها: أن يكون القاذف بالغًا عاقلًا، وأن يكون المقذوف محصنًا، رجلًا كان أو امرأة، وشرائط الإحصان هي: العقل، والبلوغ، والحرية، والعفَّة عن الزنى، والإسلام، وهذا عند جمهور الفقهاء، وعند الظاهرية ليس الإسلام
стр. 285
شرطًا للإحصان، فمن قذف ذميِّة بالزنى وجب عليه الحدّ كما لو قذف مسلمة، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ، وهذا عموم يدخل فيه الكافرة والمسلمة١.
٤٨١- وإذا قذف الزوج زوجته بالزنى، وعجز عن إثبات قذفه، وجب عليه اللعان، وإذا أثبت قذفه بالبينة وجب على زوجته حدّ الزنى، والأصل في اللعان قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢.
إذا نكل الزوج القاذف ولم يلاعن حُدَّ في قول الجمهور حدَّ القذف، وقال أبو حنيفة ﵀: لا يُحَدّ ويحبسه الحاكم حتى يلاعن أو يذُبَّ نفسه فيحد حدَّ القذف، وإن نكلت الزوجة وجب الحدّ عليها في قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: تحبس حتى تلاعن، وعند الحنابلة: إذا نكلت الزوجة لم تحدّ، وفي حبسها حتى تلاعن أو تقرّ روايتان٣.
٤٨٢- ثالثًا: عقوبة الخمر
وحد الشرب ثابت بسُنَّة رسول الله ﷺ وإجماع المسلمين، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه ضرَبَ في شرب لخمر بالجريد والنِّعَال أربعين، وضرب أبو بكر ﵁ أربعين، وضرب عمر في خلافته ثمانين. وكان علي ﵁ يضرب مرَّة أربعين، ومرَّة ثمانين، فمن العلماء من يقول: يجب ضرب الثمانين، ومنهم من يقول: الواجب أربعون، والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة إذا أدمن الناس الخمر، أو كان الشارب ممن لا يرتَدِع بدونها، ونحو ذلك، فأمَّا مع قلة الشاربين وعدم اعتيادها من الشارب، فتكفي الأربعون٣، والخمر التي حرمها الله ورسوله، وأمر النبي ﷺ
стр. 286
بجلد شاربها، كل شراب مسكر من أيِّ أصل كان، سواء كان من الثمار أو الحبوب أو غيرها، وكذلك الحشيشة يُُجْلَد صاحبها كما يُجْلَد شارب الخمر؛ لما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مسكر حرام"، وفي حديث آخر: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"، وفي رواية أخرى: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"، وفي حديث آخر: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" ١.
وتحريم الخمر ثابت في القرآن كما هو ثابت بالسُّنَّة النبوية، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢.
٤٨٣- رابعًا: عقوبة السرقة
السرقة اعتداءٌ على مالِ الغير بأخذه خِفْيَة ظلمًا بشروط معينة، منها: أن يكون محرَّزًا، ولا تقل قيمته عن ربع دينار، وعقوبتها قطع اليد، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣، ومن صور الاعتداء على مال الغير التي لا تعتبر سرقة بالمعنى الاصطلاحي الفقهي، وبالتالي لا يجب فيها قطع اليد، وإنما يجب فيه التعزير، خيانة الأمانة؛ كجحد الوديعة العارية وغيرها من الأمانات، وغصب المال وانتهابه، وخطفه من يد صاحبه.
٤٨٤- خامسًا: عقوبة قطع الطريق
جريمة قطع الطريق أو الحرابة عند الفقهاء: الخروج على المارَّة لأخذ المال منهم مجاهرة بالقوة والقهر، مِمَّا يؤدي إلى امتناع الناس عن المرور وانقطاع الطريق، سواء ارتكب هذه الجريمة فرد أو جماعة، بسلاحٍ أو غيره، ويسمَّى مرتكب هذه الجريمة بالمحارب٤.
стр. 287
والأصل عن عقوبتها قوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وعقوبة قاطع الطريق أن يُقْتَل أو يُصْلَب إذا قتل وأخذ المال. ويقتل بلا صلب إذا قتل ولم يأخذ مالًا، وتقطع يده ورجله من خلاف إذا أخذ المال ولم يقتل، وينفى من الأرض إذا أخاف السبيل فقط، فلم يقتل ولم يأخذ مالًا، وعند المالكية: يقتل قاطع الطريق وجوبًا إذا قتل المجني عليه، وإن لم يقتله ولكن أخذ ماله فقط فإنَّ الإمام مخيِّر فيه بين القتل والصلب والقطع من خلاف، وإذا أخاف السبيل فقط فالإمام مخَيِّر فيه بين القتل والصلب من خلافٍ والنفي٢.
٤٨٥- سادسًا: عقوبة المرتد
المرتد لغة: الراجع مطلقًا، وشرعًا: الراجع عن دين الإسلام، والرِّدَّة تكون بالألفاظ أو الأفعال أو الاعتقادات، فتكون بالفظ بأن يتكلَّم المسلم بكلمة الكفر كسبِّ الله ورسوله، وبالأفعال بأن يأتي المسلم عملًا يدل على استخفافه بالدين الإسلامي كالصلاة بلا وضوء عمدًا على وجه الاستخفاف بالدِّين، وكإلقاء القرآن الكريم في قذر عمدًا، وبالاعتقادات بأن يعتقد المسلم أمورًا باطلة مناقضة لما عرف من الإسلام بالضرورة، مثل: إنكار وجود الله، أو يوم القيامة، أو الملائكة أو الجنِّ، أو يعتقد قدم العالم، أو كذب الرسول ﷺ أو حلَّ الزنى، أو يعتقد أن القرآن ليس من عند الله، أو أن محمدًا ﷺ ليس خاتم الأنبياء والرسل ونحو ذلك، ويشترط لوقوع الردة أن يكون المرتدُّ عاقلًا مختارًا، فلا تعتبر ردة المجنون ولا الصبي الذي لا يعقل ولا السكران الذي زال عقله بالسكر ولا المكره إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان.
стр. 288
وليست الذكورة شرطًا لوقوع الردة، وكذا البلوغ عند الحنيفة خلافًا لغيرهم الذين يرون البلوغ شرطًا لها١.
وعقوبة المرتدّ القتل لحديث رسول الله ﷺ "من بدَّل دينه فاقتلوه"، وهذا الحكم يشمل المرتد والمرتدة عند الجمهور، وقال الحنفية: المرتدة لا تقتل وإنَّما تُحْبَس حتى تتوب. أما إمهال المرتد قبل قتله فقد قال الجمهور بوجوب إمهاله، ويعرض الإسلام عليه لعلَّه يرجع عن ردَّته، فإن أبى قُتِل، وقال الحنفية: الإمهال ليس واجبًا بل مستحبًّا٢.
٤٨٦- سابعًا: عقوبة البغي
جريمة البغي هي خروج جماعة ذات قوة وشوكة على الإمام بتأويل سائغ يريدون خلعه بالقوة والعنف، ويسميهم الفقهاء: البغاة، والأصل في هذه الجريمة وعقوبتها قول الله ﷻ : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٣.
وعقوبة البغاة قتالهم إذا أظهروا العصيان للإمام، وامتنعوا عن أداء ما عليهم من حقوق، وجاهروا بذلك، وتهيئوا للقتال، سواء نصبوا عليهم إمامًا ولم ينصبوا، ولا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم الإمام من يسألهم ويكشف لهم الصواب، ويدفع ما يحتجونه به، وينذرهم ويخوفهم نتيجة بغيهم، وهذا هو ما فعله سيدنا علي ﵁ مع الخوارج، فقد أرسل إليهم عبد الله بن عباس ﵄ يدعوعهم إلى الطاعة والرجوع إلى الجماعة، فإذا أبوا قاتلهم. هذا ويجوز قتالهم وإن لم يبدءوا بالقتال فعلًا، إذا ترجَّح للإمام أنهم يماطلون ويسوّفون ويريدون كسب الوقت وتجميع الأنصار استعدادًا للقتال، وقد يكون في هذه الحالة من الحزم معاجلتهم قبل أن يستفحل شرّهم وتقوى شوكتهم فيصعب القضاء عليهم، فإذا رجع البغاة إلى الطاعة ولزوم
стр. 289
الجماعة لم يجز قتالهم؛ لأنَّ المقصود حصل وهو رجوعهم إلى طاعة الإمام. هذا ولا شيء على من قاتلهم من إثم أو ضمان أو كفارة؛ لأنَّ الله تعالى أحلَّ قتالهم، وكذلك لا ضمان في إتلاف أموالهم، وكذلك ليس على أهل البغي ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفس أو مال، وبهذا قال الحنابلة والحنفية والشافعي في أحد قوليه، والحجة لهذا القول: السوابق القديمة المحفوظة عن الصحابة الكرام، وعن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، ولأن للبغاة سائغًا، وفي تضمينهم تنفير لهم عن الرجوع إلى الطَّاعة ولزوم الجماعة، فلا يجوز١.
ب- القصاص والديات
٤٨٧- والنَّوْع الثاني من أنواع العقوبة في الشريعة الإسلامية: القصاص والديات، وتجب هذه العقوبة في جرائم الاعتداء على النَّفس أو على ما دون النفس، أي: في جرائم القتل والجروح وقطع الأطراف والأعضاء، وقد تجب الكفَّارة أيضًا في جرائم القتل، ونتكلم عن هذه العقوبات بإيجازٍ فيما يلي:
القصاص في جريمة القتل: قتل الجاني، وهو حقٌّ لأولياء القتيل، وهم جميع الورثة من ذوي الأنساب والأسباب عند أكثر الفقهاء، والأصل في وجوب القصاص في النفس قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ ٢ ولوجوب القصاص شروط، منها: أن يكون القتل عمدًا عدوانًا؛ لقول رسول الله ﷺ : "العمد قَوْد"، وأن يكون القتيل معصوم الدم، أي: غير مباح الدم، وأن يكون مكافئًا للقاتل، بمعنى: أنَّ القاتل لا يزيد عليه بحرية أو إسلام، وهذا الشرط عند جمهور الفقهاء خلافًا للحنفية٣.
стр. 290
أمَّا القصاص في جرائم الاعتداء على ما دون النفس، فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ﴾ ١ وجاءت السنة النبوية أيضًا بوجوب القصاص فيما دون النفس، كما في قصة الربيعة بنت النضر التي كسرت ثنية جارية، فأمر النبي ﷺ بالاقتصاص منها.
وشروط القصاص فيما دون النفس هي شروط القصاص في النفس، مع وجوب توفُّر شرطين آخرين هما: أولًا: المماثلة بين محل الجريمة وبين ما يقابلها في الجاني المراد الاقتصاص منه في هذا المحل. الثاني: أن يكون المثل ممكن الاستيقاء١.
٤٨٨- الديِّة:
الدية في الشرع في باب القتل: اسم للمال الذي يدفع لأهل القتيل من قِبَل من يجب عليه هذا المال، ويختلف مقدارها باختلاف المال الذي تجب فيه، فهي عند الحنفية: إذا كان القتيل ذكرًا مسلمًا من الإبل مائة، ومن الذهب ألف دينار، ومن الفضة عشرة آلاف درهم، ومن الحلل مائتا حلة، كل ثوبان إزار ورداء، ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألف شاة، ودية الأنثى على النصف من دية الذكر، ودية الجنين عشرة دية أمه.
وتجب الدية في القتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني، وهم العصبة النسبية، أي: أقارب القتيل الذكور من جهة الأب، وأضاف إليهم الحنابلة العصبة السببية المتأتية من ولاء العتاقة، وعند الحنفية: عاقلة الرجل أهل ديوانه من المقاتلة، فإن لم يكن فقبيلته.
وتدفع الدية أقساطًا في ثلاث سنوات، ويؤدِّي كل رجل من العاقلة من الدية المقدار الذي يطيقه، وتجب الدية أيضًا في القتل العمد إذا اختارها أولياء القتيل على رأي من يقول: إنهم يخيرون بين القصاص وبين الدية، وتكون في هذه الحالة في مال الجاني فقط٣.
стр. 291
٤٨٩- الكفَّارة:
وهي عتق رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين عند عدم القدرة على العتق.
وتجب الكفَّارة في القتل الخطأ بلا خلاف بين العلماء، وتجب أيضًا في القتل شبه العمد عند كثير من الفقهاء كالحنفية والشافعية والحنابلة. أمَّا في القتل العمد فقد قال بوجوبها الشافعية والزيدية، ولم يقل بوجوبها الحنفية والظاهرية على المشهور في مذهبهم١.
جـ- التعزير:
٤٩٠- وثالث أنواع العقوبات التعزير، وقد عرفناه من قبل، وقلنا: إنه يجب في كل معصية -ترك واجب أو فعل محرَّم- لم يرد في الشرع تقدير لعقوبتها، مثل: تقبيل الصبي الأمرد، أو أكل ما لا يحل كالدم والميتة، أو قذف الناس بغير الزنى، أو السرقة من غير حرز، أو سرقة ما لا يبلغ نصاب حد السرقة، أو خيانة الأمانة كالوكلاء والشركاء إذا خانوا، أو الغش في المعاملة، أو التطفيف في المكيال والميزان، أو شهادة الزور، أو الرشوة، أو التعزِّي بعزاء الجاهلية، أو غير ذلك من أنواع المحرَّمات. فمرتكبها يعاقب تعزيرًا بقدر ما يراه ذوو الشأن، مثل: ولي الأمر أو القاضي على حسب كثرة هذه المحرمات في الناس أو قلتها، فإذا كانت المعصية كثيرة الوقوع في الناس زاد في العقوبة بخلاف ما إذا كانت قليلة، وعلى حسب حال الجاني، فإذا كان من ذوي السوابق والفجور زاد في عقوبته، بخلاف المقلّ من ذلك. وعلى حسب كِبَر الجرم وصغره، فيعاقب من يتعرَّض لنساء الناس وأولادهم، ويتكرَّر ذلك منه، بما لا يعاقب به من لم يتعرَّض إلا لامرأة واحدة أو لصبي واحد.
أنواع التعزير:
٤٩١- التعزير يكون بكل ما فيه إيلام، من قول وفعل، وترك قول، وترك
стр. 292
فعل، فقد يعزَّر الشخص بوعظه وتوبيخه والإغلاظ له، وقد يعزَّر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب أو يقلع عن معصيته، كما هجر النبي ﷺ وأصحابه ﴿الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ، وقد يعزَّر بعزله عن ولايته، كما كان النبي ﷺ وأصحابه يعزِّرون بذلك، وقد يكون التعزير بالنفي عن الوطن أو بالحبس، أو بالضرب، وقد يعزَّر بتسويد وجهه. وقد يكون بالعقوبات المالية كما دلَّت على ذلك سنة النبي ﷺ ، فقد أمر ﵊ بكسر دنان الخمر وشق ظروفه، وأمره لهم يوم خيبر بإكفاء القدور التي طبخت فيها لحوم الحمر، وإتلاف هذا اللحم، ومثل هدمه لمسجد الضرار.
وكذلك فعل عمر وعليِّ ﵄، فقد أمرا بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، مثل أخذ شطر مال مانع الزكاة، ومثل إراقة عمر بن الخطاب ﵁ اللبن المشوب بالماء المعَدِّ للبيع، وأخيرًا قد يكون التعزير بالقتل مثل قتل الجاسوس المسلم إذا تجسَّس للعدو على المسلمين، وهذا مذهب الإمام مالك وبعض الحنابلة١.
أكثر التعزير:
٤٩٢- اختلف العلماء في أكثر التعزير على أقوال، الأوَّل: عشر أسواط، الثاني: دون أقلِّ الحدود، إما تسعة وثلاثون سوطًا، وإما تسعة وسبعون سوطًا، الثالث: إنَّه لا يقدر بذلك، ولكن إن كان التعزير فيما من جنسه مقدَّر لم يبلغ به ذلك المقدر، وإن زاد على حد جنس آخر مثل التعزير على سرقة دون النصاب لا يبلغ به قطع اليد، وأن ضرب السارق أكثر من حد القذف، والتعزير على فعل دون الزنى لا يبلغ حد الزنى، وإن جاز ضربه كثر من حد القذف، وهذا القول كما يقول ابن تيمية: أعدل الأقوال وعليه دلت سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم٢.
٤٩٣- وهل يجوز التعزير بالقتل؟ ذهب الإمام مالك إلى الجواز، ووافقه عليه طائفة من أصحاب أحمد بن حنبل والشافعي على ذلك من حيث الجملة، وإن اختلفوا في بعض الجزئيات، فعندهم يجوز قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، أمَّا
стр. 293
قتل الجاسوس المسلم الذي أجازه مالك وبعض الحنابلة فقد منعه الشافعي. وأبو حنيفة -رحمه الله تعالى- يجوّز التعزير بالقتل في مواضع، منها: فيما تكرَّر من الجرائم إذا كان جنسه يوجب القتل، كما يقتل من تكرَّر منه اللواط أو اغتيال النفوس لأخذ المال.
ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بقتله جاز قتله، مثل المفرق لجماعة المسلمين، ويدل على هذا ما جاء في الحديث الشريف: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرِّق جماعتكم فاقتلوه"، وسئل رسول الله ﷺ عمّن لم ينته عن شرب الخمر، فقال: "من لم ينته عنها فاقتلوه"، وهذا أيضًا يدل على جواز التعزير بالقتل١.
اعتراضات ودفعها:
٤٩٤- اعترض أو يعترض البعض على نظام الجريمة والعقوبة في الشريعة الإسلامية باعتراضات يظنها مقبولة، ويخلص منها إلى أنَّ العقوبات الشرعية لا يمكن تطبيقها في الوقت الحاضر، أو لا يمكن تطبيق أكثر عقوبات الحدود على الأقل.
ويقوم هذا الاعتراض على أن عقوبات الحدود تتضمَّن إهدار آدمية الشخص بجلده في الزنى والقذف وشرب الخمر، والتدخل في الحرية الشخصية كما في الزنى وشرب الخمر، وقطع الأعضاء في عقوبة السرقة وقطع الطريق، والرجم في الزنى بالنسبة للمحصن، والتدخل في حرية العقيدة، وقتل المخالف كما في عقوبة الرِّدَّة، وإعطاء حق العقاب للفرد لا للمجتمع في عقوبة القصاص، وتحميل أقارب الجاني أو إشراكهم في دفع الدية خلافًا لمبدأ شخصية العقاب، وعدم مسئولية الإنسان عن جرم غيره.
والواقع أنَّ هذه الاعتراضات واهية، وما قامت عليه أوهى منها، وإن اغترَّ بها أصحابها وحسبوها حججًا وأدلة دامغة تبرر الاعتراضات بشيء من التوضيح والتفصيل.
٤٩٥- قولهم: إنَّ الجلد فيه إهدار لآدمية الشخص مردود؛ لأن الجاني هو
стр. 294
الذي أهان نفسه ولم يكرمها، وعرَّضها للإهدار ولم يصنها، فإنَّ الزاني الذي أباح لنفسه أن يلغ في إناء غيره لم يعد ينفعه وعظ وتوبيخ، وإنما يحتاج إلى تذكير بالسوط وتحسيسه بالألم الجسدي لا المعنوي، وأمَّا رجمه إن كان محصنًا فلأنه لم يعد صالحًا للعيش في المجتمع الإسلامي الطاهر؛ لأنه ولغ في إناء الغير وعنده إناء يكفيه. وأمَّا الجلد في القذف فإنه السبيل لتبرئة المتهمة بالزنى، ورفع الشكوك عنها؛ إذ لا سبيل إلى ذلك إلّا بإظهار كذب القاذف بمعاقبته، وسِرُّ المسألة أنَّ الإسلام يُعنَى بنظافة المجتمع وطهارته وسلامة الأعراض والأخلاق، فإذا كانت هذه الأمور مطلوبة فوسائلها مطلوبة، وهذا ما يقرره الإسلام، وإذا كانت هذه الأمور: من العفَّة وسلامة العرض والخلق وطهارة المجتمع غير مرغوبة فوسائلها غير مرغوبة، وهذا ما يقرره ضمنًا المعترضون على العقوبات الشرعية، فالخلاف إذن في المحافظة على هذه الأغراض، الإسلام يقول: لا بُدَّ من المحافظة عليها، ومن ثَمَّ أوجب التشدد على من يريد تلويث المجتمع وتفويت هذه الأغراض المهمة الشريفة عليه.
٤٩٦- أمَّا ادعاؤهم بأن هذه العقوبات تتضمَّن التدخل في الحرية الشخصية كما في الزنى وشرب الخمر فمردود؛ لأنَّ الحرية الشخصية لا يجوز أن تؤدِّي الإضرار بالمجتمع، فالحرية الشخصية تقف حيث تكون أداة ضرر وهدم في المجتمع، ولا يمكن لمنصف أن يقول: إنَّ زنى الزاني نفع للمجتمع، فأضراره أوضح من أن نتكلم عنها في هذا المقام. أمَّا بالنسبة لشرب الخمر، فإنَّ عقل الإنسان جوهرة ثمنية لا يجوز تعطيلها اختيارًا، فيكفي الإنسان تعطيل عقله اضطرارًا في النوم، فضلًا عمَّا في شرب الخمر من تسهيل سبل الإجرام للسكران، كما هو واضح ومعروف، والدولة مسئولة عن منع الإجرام في إقليمها وسد سبله.
٤٩٧- أما ادعاؤهم بقسوة بعض العقوبات لما فيها من بتر وقطع بعض الأعضاء، فإنهم قد فاتهم مدى ترويع السارق وقاطع الطريق للآمنين، كان عليهم أن يتصوروا فعل السارق وهو يسير في جنح الظلام على رءوس أقدامه، فينقب الجدار ويكسر القفل، ويدخل على الآمنين في بيوتهم من نساء وأطفال ورجال، وبيده السلاح يزهق روح من يقاومه، فيأخذ المتاع من البيت ويخرج، وربما يستيقظ أهل الدار فيحصل القتل أو الفزع والهلع، فهم لو تصوروا فظاعة جرم السارق لما أسِفوا على قطع يده
стр. 295
الآثمة الخبيثة، ومثل هذا يقال عن قطاع الطرق الذين يتربصون بالمارَّة ويهاجمونهم ويسلبونهم أموالهم وأرواحهم. ثم يقال: إن العقوبة يجب أن يكون فيها قدر كافٍ من الرَّدع والزجر، ولا شكَّ أن قطع يد السارق أو المحارب فيه هذا المقدار، أمَّا غيرهما من العقوبات الوضعية كالحبس والغرامات فلا تملك هذا القدر من الردع، ودليل ذلك الواقع، فإن جرائم السرقة بازدياد ولم تقللها عقوبة الحبس، بل إنَّ السجن صار نزلًا لأصحاب السوابق يتردَّدون إليه ويعتبرونه مأوى أمينًا لهم، بل ومحلًّا للقائهم وتبادل خبراتهم في عالم السرقة والإجرام.
٤٩٨- أمَّا قولهم: إنَّ عقوبة الردة بقتل المرتدِّ تدخل في حرية العقيدة ومصادرة لها، وإكراه للإنسان على اعتقاد ما لا يريد، فهذا القول مأخذه الجهل في طبيعة هذه العقوبة، ومعنى الردة، ومعنى الإكراه على تبديل الدِّين، فالردَّة كما قلنا: الرجوع عن الإسلام، أي أنَّ مسلمًا يرجع عن إسلامه، فنحن إذن إزاء مسلم ارتكب جرمًا معينًا يسمَّى "الردة"، ولسنا أمام رجل يهودي أو نصراني نكرِهُه على تبديل عقيدته، ومبدأ لا إكراه في الدِّين مقرَّر في الشريعة الإسلامية، وفي نص القرآن الكريم، ولا يجوز المساس به، بدليلٍ واضحٍ أنَّ الإسلام شرع الجزية، والجزية إقرار لغير المسلم على دينه، فلو كان هناك إكراه على تبديل عقيدة غير المسلم وتحويله بالجبر عن عقيدته لما شرعت الجزية.
أمَّا سبب عقوبة المرتد وجعلها القتل فيرجع إلى أمرين خطيرتين: الأول: إنَّ المسلم بردته أخل بالتزامه؛ لأن المسلم بإسلامه يكون قد التزم أحكام الإسلام وعقيدته، فإذا ارتدَّ كان ذلك منه إخلالًا خطيرًا في أصل التزامه، ومَنْ يخل بالتزامه عمدًا يعاقب، وقد تبلغ عقوبته الإعدام، ألا يرى أنَّ من تعاقد مع الدولة لتوريد الطعام لإفراد الجيش ثم أخلَّ بالتزامه عمدًا في حالة احتياج الجيش للأرزاق أنَّ جزاءه قد يصل إلى الإعدام؟ الثاني: إنَّ المرتد مع إخلاله بالتزامه يقوم بجريمة أخرى هي الاستهزاء بدين الدولة والاستخفاف بعقيدة سكانها المسلمين، وتجريء لغيره من المنافقين ليظهروا نفاقهم، وتشكيك لضعاف العقيدة في عقيدتهم، وهذه كلها جرائم خطيرة يستحق معها المرتد استئصال روحه، وتخليص الناس من شره، وإنما قلنا: إنَّ المرتدَّ من يرتكب هذه الأمور؛ لأنه لا يعرف ارتداده إلّا بالتصريح، وإلَّا لو أخفى ردَّته لما عرف. ومع
стр. 296
هذا فقد قلنا: إنه يمهل ثلاثة أيام لإعطائه فرصة للرجوع عن ردته، وهذا الإمهال واجب عند كثير من الفقهاء، فهل يمكن بعد هذا أن يقال: عقوبة الرِّدَّة قاسية، أو أنَّ فيها إكراهًا على تبديل العقيدة، أو أنَّ فيها تدخلًا في حرية العقيدة؟
٤٩٩- وأمَّا قولهم: إنَّ العقوبة في جريمة القتل، وهي القصاص، اعتبرات حقًّا لأولياء القتيل لا للمجتمع، مع أن القتل يهم المجتمع، ويعتَبَر اعتداءً عليه، فيكون العقاب حقه لا حق أولياء القتيل، فهذا القول هزيل وسطحي، فأولًا: إنَّ للمجتمع حقه في هذه العقوبة، ولهذا إذا عفا أولياء القتيل عن القاتل جاز للقاضي أن يحكم عليه بعقوبة تعزيرية بالسجن أو بالضرب أو بهما، وفي هذا يقول ابن فرحون المالكي: "إذا عفي عن القاتل العمد على الدية فإنَّ على القاتل الدية، ويستحب له الكفَّارة، ويضرب مائة ويحبس سنة"١؛ لأنَّ حق أولياء القتيل في القصاص هو الغالب، أي: أغلب من حق المجتمع فيه، ومن ثَمَّ كان لهم العفو عنه، كما كان لهم طلبه، وإذا طلبوه لم يسع القاضي أن يعفو عنه، بل ولا لرئيس الدولة أن يعفو عن القاتل ما دام أولياء القتيل طلبوا القصاص؛ لأن القصاص من حقهم أو الغالب فيه حقهم، فلا يمكن لأحد أن يتصرَّف فيه بغير رضاهم، أمَّا في القوانين الوضعية فالنظرة تختلف؛ لأنَّ هذه القوانين تجعل عقوبة القاتل من حق المجتمع لا من حق أهل القتيل، وبالتالي فلا يترتب على عفوهم عنه إسقاط العقوبة، كما أن للمجتمع ممثلًا برئيس الدولة أو غيره أن يعفو عن القاتل، أو يبدِّل عقوبة الإعدام بغيرها. والنظرة الفاحصة في جريمة القتل العمد تبيِّن أن ضرر هذه الجريمة يقع أولًا وبصورة مباشرة على المجني عليه وأهله، فهم الذي اكتووا بنار هذه الجريمة ولحقهم الأذى والضرر المباشر بفقدهم عزيزهم، وأن ضررهم هذا والمهم وأذاهم أشد وأكثر بكثير من تضرر المجتمع وأذاه وألمه، فمن الطبيعي والعدل أن يكون حقهم في القصاص من الجاني أغلب من حق المجتمع، ثم إنَّ في تمكينهم من القصاص حسمًا للجريمة وإطفاءً لنار الغضب وطلب الثأر في نفوسهم، وفي الحليولة بينهم وبين ذلك إبقاءً لجذور الجريمة، فقد يندفع أهل القتيل لقتل الجاني بعد حبسه، كما يحدث هذا كثيرًا، ويقال أيضًا:
стр. 297
إن في القصاص من القاتل وإعطاء حق القصاص لأهل القتيل ردعًا مؤثِّرًا وزجرًا كافيًا لمن تسوّل له نفسه إزهاق روح البريء؛ لأنَّ الإنسان يحبُّ ذاته ويحرص عليها، ويخاف من فواتها، فينزجر عمَّا يؤدي إلى ذلك إذا ما علم أنَّ القصاص من حق أولياء القتيل، وأنه لا يمكن للقاضي ولا رئيس الدولة العفو عنه إذا ما طلب أهل القتيل القصاص منه، ولهذا كله رأينا أن جرائم القتل قليلة يوم كان نظام القصاص الشرعي هو المطبَّق السائد في البلاد الإسلامية، وأن جرائم القتل ازدادت ولا تزال في ازدياد عندما نُحِّيَت عقوبة القصاص الشرعية، فكيف بعد هذا يمكن لمنصفٍ أن يعترض على عقوبة القصاص الشرعية، والنظر السديد يؤيِّدها، والواقع يشهد بصحتها وبكفايتها للزجر والردع، وأثرها في حفظ حياة الناس، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ١.
ولا بُدَّ هنا من الإشار إلى أنَّ هذا الحجاج والمناقشة إنما يساقان على سبيل التنزيل وإسكات المعترض بنفس اعتراضه، وإلّا فإنَّ المؤمن بالله وباليوم الآخر وبدين الإسلام لا يجوز له الاعتراض على شرع الله؛ لأن الاعتراض عليه نوع من الارتداد عن دين الإسلام، وأنَّ من شرط الإيمان: الحكم بما شرعه الله وارضى به، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢.
٥٠٠- وأمَّا اعتراضهم في الدية وأنَّها تحميل لغير الجاني، وأنَّ هذا يناقض مبدأ قصر المسئولية على من قام فيه سببها، فالجواب أنَّ مبدأ قصر المسئولية على من قام فيه سببها، المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٣ مبدأ قائم في الشريعة غير منسوخ ولا معطّل، وليس في تشريع الدية مناقضة له أصلًا؛ لأن إيجاب الدية على العاقلة في القتل الخطأ، إنما كان بناء على التعاون والمواساة؛ لأنَّ المخطئ من حقه أن يعان، وأنَّ أَوْلى من يعينه أهله وأقرباؤه من عصبته الذين يرثونه بعد موته، فمن باب الغنم بالغرم وجب عليهم مواساته، والاشتراك معه في الدية، وفي
стр. 298
هذا الاشتراك تسهيل على أهل المجني عليه الظفر بالدية؛ لأن مبلغها كبير، وإمكان أدائها من الجاني ضعيف، في حين أنَّ تحميل العاقلة به سيجعل ما يصيب الواحد منهم مبلغًا يسيرًا يسهل عليه أداؤه، فيسهل على أهل القتيل الظفر به كما قلنا، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى تعليلٍ آخر في وجوب الدية على العاقلة، خلاصته: إنَّ عصبة القاتل خطأ كان عليهم أن يراقبوه ويوجهوه لئلَّا يقع في الرعونة والطيش فيقتل غيره خطأ، فإذا لم يفعلوا ذلك كان خطأ منهم وتقصيرًا في واجبهم في مراقبة بعضهم بعضًا فيتحمَّلون جزاء تقصيرهم بتحميلهم الدية مع الجاني.
الخلاصة:
٥٠١- والخلاصة: إنَّ نظام الجزية والعقوبة نظام عادل قام على أسس متينة وإحاطة تامَّة بما يصلح له أمر الناس، وبمراعاة غرائز الناس، مما يؤدي إلى قمع أو تقليل الإجرام فيهم، مع عدالة تامَّة في تقدير العقوبة وجعلها بقدر الجريمة، وفي تطبيق العقوبة على الجميع. وقد رأينا تهافت اعتراضات المعترضين على الحدود والقصاص والديات، أمَّا التعزير فاعتراضهم عليه قليل جدًّا، بل إنَّ نظام التعزير مما انفردت به الشريعة الإسلامية، وهو إحدث ما ينادي في الوقت الحاضر علماء القانون الجنائي. وإذا علمنا أنَّ نطاق العقوبات التعزيرية أوسع بكثير من نطاق الحدود والقصاص، علمنا مدى متانة القانون الجنائي الإسلامي وامتيازه على ما سواه من القوانين الوضعية، ووفائه بحاجات الناس، وقيامه بتوفير الأمن من الاطمئنان لهم، مما يجاريه في ذلك، ولا يقاربه فيه أيّ قانون وضعي، وهذا من بعض دلائل تنزيل شرعة الإسلام من الله ﷻ .
стр. 299
الفصل الخامس: مقاصد الإسلام
تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل:
٥٠٢- إنَّ مقاصد الإسلام التي دلَّ استقراء نصوص الشريعة عليها، هي تحقيق مصالح العباد وردء المفاسد والأضرار عنهم في العاجل والآجل، وبهذا كله تتحقق لهم السعادة الحقة في حياتهم هنا وحياتهم هناك، وبهذا صرَّح المحققون من علماء الإسلام، قال الإمام العز بن عبد السلام: "إن الشريعة كلها مصالح؛ إمَّا درء مفاسد، أو جلب مصالح"١، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها"٢، وقال تلميذه الإمام ابن قيم الجوزية: "الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة، ومصالح كلها وحكمة كلها"٣، وقال الشاطبي في موافقاته: "إنها -أي: الشريعة- وضعت لمصالح العباد"٤.
الواقع أنَّ ما ذكره هؤلاء الأئمة الأعلام حقّ ووصف ثابت للإسلام، تدلّ عليه نصوصه كما قلنا، ويكفي هنا أن نذكر نصًّا في تعليل رسالة محمد ﷺ ، يتضمَّن ما قالوه، قال ﷻ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ، وإنما كانت رسالته ﵊ رحمة للعالمين؛ لأنها تتضمن تحقيق المصالح للعباد في دنياهم وآخرتهم، وتدرأ عنهم المفاسد والأضرار.
стр. 300
أنواع مصالح العباد:
٥٠٣- ومصالح العباد التي يعنَى بها الإسلام إيجادًا وحفظًا هي ثلاثة: المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية، وقد شرع الإسلام من الأحكام ما يحقق هذه المصالح ويحفظها، فيتحقق للناس سعادتهم في الدنيا والآخرة، وقد فصَّلنا القول في هذه المصالح فلا نعيده.
معيار المصلحة والمفسدة:
٥٠٤- معيار المصلحة والمفسدة هو الإسلام، فما شهد له الإسلام بالصلاح فهو المصلحة، وما شهد له بالفساد فهو المفسدة، والخروج عن هذا المعيار معناه اتباع الهوى، والهوى باطل لا يصلح لتمييز الصلاح من الفساد، قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢، فليس هناك إلّا الحق والهوى، والحق هو ما أنزله الله، وفيه بيان للمصلحة والمفسدة، وما عداه الهوى وهو باطل، وفيه فساد للناس، فالمصلحة إذن في اتباع الحق المنزَّل من عند الله وهجر ما سواه.
عجز الإنسان عن إدراك المصلحة والمفسدة:
٥٠٥- والإنسان عاجز بطبيعته عن إدراك المصالح الحقيقية وطرق الوصول إليها في الدنيا والآخرة، وإذا أدرك بعضها في الدنيا فإنه عاجز عن معرفة مصالحه في الآخرة وطريق الوصول إليها، وإنما يستطيع ذلك إذا سار خلف الشريعة واستنار بنورها، ووقف عند حدودها، ووزن الأمور بميزانها.
مصلحة الإنسان الحقيقية في اتباع ما أنزل الله:
٥٠٦- ومصلحة الإنسان الحقيقية في اتباعه ما أنزل الله، وإقامة الدنيا وفق النظام الإسلامي؛ لأنَّ في ذلك تحقيقًا مؤكدًا لمصالحه الحقيقة وسعادته في الدنيا.
ومع هذه السعادة الدنيوية سعادة عظمى له في الآخرة بالظفر برضوان الله، والدخول
стр. 301
إلى دار النعيم، وهذا من مزايا الإسلام العظيم، فإنَّ تطبيق أحكامه واتباع تعاليمه ومناهجه في الحياة لا يفوت على الإنسان الحياة الطيبة في الدنيا -كما يظنّ بعض الجهال، بل يحققها له على وجهٍ سليمٍ خالٍ من العثار والشطط، وإنَّ هذه الحياة القائمة على معاني الإسلام تسهّل له سلوك سبيل الآخرة بيسر وسلامة، حتى توصله إلى الله تعالى راضيًا، بخلاف المعاني غير الإسلامية، فإنها تكدر حياة الإنسان وتشقيه في الدنيا وتقطع صلته بالله، ولا توصله في الآخرة إلّا إلى النار.
مصالح الدنيا معتبرة بمصالح الآخرة:
٥٠٧- يقول الفقيه الشاطبي: "المصالح المجتلبة شرعًا، والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تمام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية١.
ومعنى هذا الكلام أنَّ تقدير الإسلام لمصالح العباد وتشريعه الأحكام والمناهج لتحصليها، إنما يقصد من ذلك كله تهيئتهم للظفر بسعادة الآخرة، فمصالح الدنيا في الحقيقية ليست مطلوبة لذاتها، وإنما هي وسيلة لمصالح الآخرة، فأيُّ شيء يعارض ظفره بسعادة الآخرة يجب أن يترك أو يؤخَّر، وأيّ شيء يؤدي إلى سعادته في الآخرة يجب أن يؤخذ ويقدَّم، فلا يجوز التفريط بالآخرة من أجل الدنيا ومنافعها الزائلة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ٣، وفي هذا المعنى قال الإمام الشاطبي في موافقاته: "والمصالح والمفاسد الأخروية مقدَّمة في الاعتبار على المصالح والمقاصد الدنيوية باتفاق؛ إذ لا يصح اعتبار مصلحة دنيوية تخل بمصالح الآخرة، فمعلوم أنَّ ما يخلّ بمصالح الآخرة غير موافِق لمقصود الشارع فكان باطلًا"٤، فالممنوع إذن تقديم الدنيا على الأخرة، وليس الممنوع تحصيل الدنيا واستعمالها للآخرة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ، فالدنيا مرزعة الآخرة، ومتاعها وسيلة للوصول إليها،
стр. 302
فلا يجوز تخريب المزرعة، ولا الخروج منها على وجه الفرار؛ لأن الإنسان جاء إليها ليعمل الخير ويتزوَّد بزاد التقوى، ويفني عمره في ذلك، ولكن عليه أن لا ينسى هذه المهمة، فيجعل الدنيا مقصوده وغايته، وقد أرادها الله وسيلةً للآخرة وخادمةً لها لا مزاحمة لها، فإذا تعارضت مصلحته الدنيوية مع مصلحته الأخروية قدَّم الثانية على الأولى غير آسفٍ عليها؛ لأنه غير مغبون ولا خاصر في هذا التقديم؛ لأنَّ المصلحة الكبرى تقدم على الصغرى في نظر الإسلام وفي نظر العقلاء، ومصلحة الآخرة أكبر قطعًا من مصلحة الدنيا؛ لأنَّ تقييم المصلحة إنما يكون بقدرٍ من لذة وراحة ومنفعة من حيث الكم والكيف، وبقدر دوامها للإنسان، ولا شكَّ أن مصلحة الآخرة أعظم من مصلحة الدنيا من هاتين الناحيتين، ذلك أنَّ ما في الدنيا من لذائذ ومنافع وراحة لا يقاس بما في الآخرة كمًّا ولا كيفًا، فإنَّ لذائذ الدنيا مشوبة بالمنغِّصات وتافهة من حيث الكيف والكم، أما الآخرة فلذائذها خالصة من المنغصات والمكدرات، وفريدة من حيث نوعها وكيفيتها، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفيها رضوان الله ورؤية وجهه الكريم، والقرب منه في جنات النعيم، وكل هذه الأمور العظام لا يساوي اليسير منها كل نعيم الدنيا.
وأمَّا من حيث الدوام فإنَّ سعادة الآخرة ولذائذها دائمة غير منقطعة، بينما نعيم الدنيا ولذائذها منقطعة قطعًا، فهي لا تتجاوز عمر الإنسان، إذا فرضنا أنه يتنعَّم في عمره كله، وأية نسبة بين سعادة مقدَّرة بعمر الإنسان المتناهي، وسعادة الآخرة الدائمة لمدة غير متناهية؟ فالمسلم العاقل لا يمكن أن يؤثر الدنيا على الآخرة أبدًا؛ لأنَّ الشرع يأمر بتقديم الآخرة، والحساب يقتضي هذا التقديم، ومصلحة الإنسان تدعو إلى هذا التقديم، وهذا هو الحق، وماذ بعد الحق إلّا الضلال والجهل والخسران المبين.
стр. 303
الباب الثاني: الداعي
مدخل
...
الباب الثاني: الدَّاعِي
تمهيد:
٥٠٨- الدَّاعِي هو المكلَّف شرعًا بالدعوة إلى الله، فلا بُدَّ من التعريف به وبيان أدلة تكليفه، والداعي وهو يقوم بهذ التكليف الشرعي يحتاج إلى عدَّة تعينه على أداء ما كُلِّفَ به، وتسهيل عليه هذه المهمة العظيمة، كما يحتاج إلى نوع معين من الأخلاق الإسلامية أكثر مما يحتاجه غيره، وعلى هذا سنقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول: التعريف بالداعي.
الفصل الثاني: عدة الداعي.
الفصل الثالث: أخلاق الداعي.
стр. 304
الفصل الأول: التعريف بالداعي
الداعي الأول:
٥٠٨- الداعي الأول إلى الله تعالى بعد أن أنعم الله علينا بالإسلام، هو رسولنا الكريم محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ١، وقد كرَّر القرآن الكريم الخطاب إلى الرسول ﷺ يأمره بالدعوة إلى الله والاستمرار عليها وعدم التحوّل عنها، فمن هذه الآيات الكريمة قوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ ٤، وقد ظلَّ ﷺ يدعو إلى ربه ﵎ حتى أتاه اليقين من ربه، وصار إلى جواره الكريم راضيًا مرضيًّا، فجزاه الله على المسلمين خير الجزاء.
الدعوة إلى الله وظيفة رسل الله:
٥١٠- والواقع أنَّ الدعوة إلى الله هي وظيفة رسل الله جميعًا، ومن أجلها بعثهم الله تعالى إلى الناس، فكلهم بلا استثناء دعوا أقوامهم ومن أرسلوا إليهم إلى الإيمان بالله، وإفراده بالعبادة على النحو الذي شرعه لهم، قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ
стр. 305
غَيْرُهُ﴾ ١، وقال تعالى عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢، وعن صالح قال تعالى: ﴿إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣، وعن شعيب ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٤.
وهكذا جميع رسل الله دعوا إلى الله، إلى عبادته وحده، التبرؤ من عبادة ما سواه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٥، فرسل الله هم الدعاة إلى الله، وقد اختارهم الله لحمل دعوته وتبليغها إلى الناس.
الأمَّة شريكة لرسولها في وظيفة الدعوة إلى الله:
٥١١- ذكرنا في الفقرة السابقة أنَّ الداعي الأوَّل إلى الله تعالى هو رسولنا ﷺ ، وذكرنا الآيات الكريمة التي تأمره ﵊ بالدعوة إلى الله، وهذه الآيات يدخل فيها المسلمون جميعًا؛ لأن الأصل في خطاب الله لرسوله ﷺ دخول أمته فيه، إلّا ما استثني، وليس من هذا المستثنى أمر الله ﵎ بالدعوة إليه، ومعنى ذلك أنَّ الله تعالى أكرم هذه الأمة الإسلامية وشرَّفها أن أشركها مع رسوله الكريم في وظيفة الدعوة إليه، وهذا التشريف والتكريم لا يستفاد فقط من الخطابات الإلهية لرسوله بالدعوة إليه كما ذكرنا، وإنما هو صريح الآيات الكثيرة في القرآن، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ٦، فهذه الآية الكريمة أفادت معنيين: الأول: خيرية هذه الأمة، والثاني: أنها جازت هذه الخيرية لقيامها بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي وظيفة رسول الله ورسل الله جميعًا، وأوّل ما يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 306
المنكر الدعوة إلى الله وحده، والبراءة من الشرك بأنواعه، بل إنَّ القرن الكريم جعل من صفات المؤمنين الدعوة إلى الله، بخلاف المنافقين الذين يصدون عن سبيل الله، ويدعون إلى غيره، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ ١، ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ٢، قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: "فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقًا بين المؤمنين والمنافقين، فدلَّ على أن أخصَّ أوصاف المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام"٣.
وأضيف إلى ذلك أنَّ الله ﵎ بهذه الآية وصف الأمة الإسلامية بما وصف به رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ٤.
من هو المكَلَّف بالدعوة إلى الله:
٥١٢- ومما ذكرنا يتضح بجلاءٍ أنَّ المكلَّف بالدعوة إلى الله هو كل مسلم ومسلمة؛ لأن الأمة الإسلامية تتكون منهم، فكل بالغ عاقل من الأمة الإسلامية -وهي المكلفة بالدعوة إلى الله- مكلف بهذا الواجب، ذكرًا كان أو أنثى، فلا يختص العلماء أو كما يسميهم البعض رجال الدين، بأصل هذا الواجب؛ لأنه واجب على الجميع، وإنما يختصون بتبليغ تفاصيله وأحكامه ومعانيه نظرًا لسعة علمهم به ومعرفتهم بجزئياته.
ويزيد الأمر وضوحًا -وهو أنَّ المكلَّف بالدعوة إلى الله تعالى هو كل مسلم ومسلمة- قول ربنا ﷻ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٥، فأتباع الرسول ﷺ ، المؤمنون به، يدعون إلى الله على بصيرة، أي: علم ويقين، كما كان رسولهم ﷺ يدعو إلى الله على بصيرة ويقين، ومعنى ذلك أنَّ من اللوازم الضرورية لإيمان المسلم أن يدعو إلى الله،
стр. 307
فإذا تخلَّف عن الدعوة دلَّ تخلفه هذا على وجود نقص أو خلل في إيمانه، ويجب تداركه بالقيام بهذا الواجب، واجب الدعوة إلى الله. قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يقول الله تعالى إلى رسوله ﷺ أن يخبر الناس أنَّ هذه سبيله، أي: طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقينٍ وبرهان، هو وكل من اتَّبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي"١، وفي الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري عن ابن عباسٍ أنَّ النبي ﷺ قال: "فليبلغ العلم الشاهد الغائب "٢، ويدخل في معنى الشاهد كل مسلم علم من أمر الإسلام شيئًا.
٥١٣- والدعوة إلى الله وهي واجبٌ على كل مسلم ومسلمة كما قلنا، قد تؤدَّى بصورة فردية، وقد تؤدَّى بصروة جماعية، وإذا أردنا الدقة بالتعبير قلنا: إنَّ هذا الواجب يؤدَّى على نحوين: الأول: نحو فردي، بأن يقوم به المسلم بصفته فردًا مسلمًا، والثاني: يؤدي هذا الواجب أو جانبًا منه بصفته فردًا في جماعة تدعوا إلى الله تعالى.
يدل على هذا كله قول الله ﵎: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢، قال الامام ابن كثير في تفسير هذه الآية: "والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمَّة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". والواقع أنَّ تجمُّع الدعاة للقيام بواجب الدعوة بصورة جماعية، يكون ضروريًّا كلما كانت مهمة الدعوة جسيمة، كما لو أريد نشر الدعوة إلى الله في المجتمعات الوثنية الجاهلية التي عشعش فيها الشيطان وبيِّضَ، وصدَّ أهلها عن سبيل الله، وأركسهم في حمأة الشرك كما في الأقطار الوثنية في إفريقيا ونحوها، فإنَّ مثل هذه الأقطار تحتاج إلى جهود كبيرة جدًّا ومنظمة لنشر الدعوة إلى الله، وتعليمهم أمور الإسلام، مما لا يقوى عليه جهد فرد ولا جهود مبعثرة لبعض الأفراد، ويؤيِّد هذه التبشير بالإسلام على شكل
стр. 308
جميعي، ما جاء في السنة النبوية، أنَّ النبي ﷺ كان يأمر من يسلم بالتحوّل إلى دار الهجرة ليضمَّ جهده إلى جهود المسلمين، وتوجيهها التوجيه السليم من قِبَلِ رسول الله ﷺ .
كما أننا نجد في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ١ دليلًا آخر على مشروعية التجمع والدعوة الجماعية، بل ووجوبها إذا كان البِرُّ لا يمكن تحصيله بدون ذلك، وقد أشار الإمام أبو حنيفة على ما رواه الجصاص عنه، إلى ضرورة التجمع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوجيه الجهود الجماعية لتحقيق هذا المقصود.
شبهات واعتراضات:
٥١٤- قد يتوهم البعض أنَّ واجب الدعوة إلى الله لا يلزمه؛ لأنه ليس من رجال الدين، وإنَّ هذا الوجب واجب كفائي يجب على العلماء فقط لا على الجميع، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
والجواب على ذلك: إنَّ تفسير هذه الآية الكريمة، كما نقلناه عن ابن كثير، الفقرة السابقة: "أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه". وجاء في تفسير الرازي بصدد هذه الآية في قوله تعالى: ﴿مِنْكُم﴾ قولان: أحدهما: إنَّ "من" ههنا ليست للتبعيض؛ لدليلين؛ الأول: إنَّ الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمَّة في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، الثاني: هو أنه لا مكلَّف إلَّا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إمَّا بيده أو بلسانه أو بقلبه، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس، إذا ثبت هذا فنقول: معنى هذه الآية: كونوا أمَّة دعاة إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، وأمَّا كلمة "من" فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ
стр. 309
الْأَوْثَانِ﴾ ١، ثم ذكر الرازي القول الثاني، وهو أنَّ "من" للتبعيض؛ لأنَّ "في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ثم قال عن أصحاب هذا القول: إنَّ هذا التكليف مختص بالعلماء؛ لأنَّ الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر، فثبت أنَّ هذا التكليف متوجِّه على العلماء لا على الجهَّال، والعلماء بعض الأمة"٢، وبنفس هذا المعنى وذكر القولين في هذه الآية، جاء تفسير القرطبي وتفسير الجصاص٣: والواقع أنَّ القول الذي ذكره الرازي أصح لما استدلَّ به أصحابه، وهو ما ذكره ابن كثير بعبارته الدقيقة التي ذكرناها؛ إذ جعل الوجوب على كل فرد، مع لزوم وجود فرقة متصدية لشأن الدعوة إلى الخير.
والحقيقة أنَّ هناك شيئًَا من الالتباس في فهم هذه المسألة بسبب كلمة "العلماء" التي فسّر بها أصحاب القول الثاني كلمة "ولتكن منكم أمة" الواردة في الآية، باعتبار أنَّ الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم، والسبب الثاني لهذا الالتباس متأتٍ من فهم الفرض الكفائي، فلا بُدَّ من توضيح هذين الأمرين، فنقول:
لا شكَّ أنَّ الدعوة إلى الخير، وأعلاها الدعوة إلى الله، مشروط لها العلم، ولكن العلم ليس شيئًا واحدًا لا يتجزَّأ ولا يتبعَّض، وإنما هو بطبيعته يتجزَّأ ويتبعَّض، فمن علم مسألة وجهل أخرى فهو عالم بالأولى جاهل بالثانية، ومعنى ذلك أنَّه يُعَدّ من جملة العلماء بالمسألة الأولى، وبالتالي يتوفّر فيه شرط وجوب الدعوة إلى ما علم دون ما جهل، ولا خلاف بين الفقهاء أنَّ من جهل شيئًا أو جهل حكمه أنَّه لا يدعو إليه؛ لأنَّ العلم بصِحَّة ما يدعو إليه الداعي شرط لصحة الدعوة، وعلى هذا فكلّ مسلم يدعو إلى الله بالقدر الذي يعلمه كما سنبينه فيما بعد، ويكون هذا المعنى هو المقصود من قولهم: إنَّ الدعوة تجب على العلماء لا غيرهم، أي: على من يعلم المسألة وحكمها التي يدعو إليها، سواء كان من عامَّة المسلمين أو ممن نال حظًّا كبيرًا من العلم، وبهذا يظهر فساد قول من قال: إن المقصود بالعلماء هم الذين نالوا حظًّا كبيرًا من العلم دون سواهم، وقد يسمونهم برجال الدين؛ لأن هذه التسمية تصدق على كل مسلم، فهو من
стр. 310
رجال الإسلام، وليست مقصورة على فئة منهم، أمَّا الأمر الثاني الذي يسببه حصول هذا اللبس، وهو معنى الفرض الكفائي، فالمقصود به أنَّه إذا قام به البعض سقط التكليف عن البعض الآخر، وإن كان واجبًا على الكل، قال الرازي: "ثم قالوا -أي أصحاب القول الأول القائلين بالوجوب على الكل: وإن كلمة "من" للتبيين وليست للتبعيض: إنَّ ذلك وإن كان واجبًا على الكل إلّا أنه متى قام قوم سقط التكليف عن الباقين، ونظيره قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ ، وقوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ، فالأمر عام، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين١، وقال الجصاص وهو يتكلم عن تفسير الآية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ... ﴾ : حوت هذه الآية معنيين، أحدهما: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآخر: أنَّه فرض على الكفاية ليس بفرض على كل واحد في نفسه إذا قام به غيره"٢، فقوله: ليس بفرض على كل واحد في نفسه إذا قام به غيره، يبيِّن المقصود من الفرض الكفائي وهو سقوطه إذا قام به الغير، خلافًا للفرض العيني الذي لا يسقط إلّا بالقيام به من كل فرد، وعلى هذا فالدعوة إلى الخير وأعلاها الدعوة إلى الله، واجبة على كل مسلم بقدر استطاعته؛ لأنَّ هذه الدعوة من صفات المؤمنين كما بينَّا؛ ولأن الحديث الشريف أمر كل مسلم ومسلمة بإزالة المنكر حسب استطاعته، فإذا حصل المقصود بفرد أو أفراد لم يطالب الآخرون بإعادة المنكر لإزالته، ولا يؤاخذون لأنَّهم لم يزيلوه، والشأن في المسلم المبادرة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون انتظار غيره، فقد لا يقوم به الغير فيقع في الإثم.
والمسلم يدعو إلى الله باعتباره مسلمًا مؤمنًا بالله ورسوله، وقد ذكرنا قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣، فلا بُدَّ للمسلم أن يدعوا إلى الله، ولكن لو قدِّر أنه لم يدع شخصًا معينًا إلى الله، أو لم يدع في وقت وقام بالدعوة مسلم آخر، فإنَّ الداعي يؤجر دون الأول، ولكن لو ترك المسلم الدعوة إلى الله تركًا دائمًا مستمرًّا متعمدًا، فإنَّه لا ينضوي تحت مفهوم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ لأن اتباع
стр. 311
الرسول ﷺ هم الذين يدعون إلى الله.
هذا ومن معاني الفرض الكفائي أنَّه متوجه إلى المسلمين جميعًا بأن يعملوا لتحقيقي هذ الفرض، وعلى القادر فعلًا أن يقوم بهذا الفرض مباشرة، فيكون معنى الآية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أن يقوم المسلمون بإعداد هذه "الأمة"، أي: الجماعة المتصدية للدعوة إلى الله، وأن يعاونوهم بكل الوسائل ليتحقق المقصود من قيامهم وهو إقامة دين الله ونشر دعوته، فإن لم يفعل المسلمون ذلك أثم الجميع، المتأهِّل للدعوة وغيره١.
ويقال أيضًا: إنَّ الدعوة إلى الله حتى لو قلنا: إنها تجب على البعض دون البعض الآخر باعتبار أنَّها من الفروض الكفائية، فإنَّ الشرط للخروج من عهدة الفرض الكفائي حصول الكفاية بمن يقوم به، ولما كانت الكفاية غير حاصلة، فيجب أن يقوم بهذا الواجب كل مسلم حسب قدرته، لا سيما في زماننا؛ حيث لا يزال الشرك والوثنية والجاهلية تغشى مجتمعات بشرية كثيرة في أفريقيا وأمريكا، وغيرها من أقطار الأرض المختلفة، ونشر الدعوة إلى الله في هذه المجتمعات الجاهلية يحتاج إلى جهود جبَّارة يشترك فيها جميع المسلمين كل حسب استطاعته، بماله أو تعليمه، أو بفكره، أو بسلطانه.
٥١٥- وقد يتشبث البعض توهمًا منه، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ٢؛ ليتخلَّص من واجب الدعوة إلى الله، ويبرِّر قعوده وتقاعسه، متوهمًا أنَّ هذه الآية الكريمة تعفيه من تكليف الدعوة إلى الله ما دام هو في نفسه صالحًا مهتديًا. إن هذا الوهم تسرَّب إلى البعض في زمن الصديق أبي بكر ﵁، فخطب في الناس وقال: "يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية الكريمة وتضعونها في غير موضعها: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ
стр. 312
إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ، وأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمَّهم الله بعقاب" ١.
هذا، ويلاحظ أن في الآية نفسِها ما يؤكِّد وجوب الدعوة إلى الله تعالى على كل مسلم، وينفي الوهم الذي يتشبث به القاعدون، ذلك أنَّ الله قال في الآية: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ، والاهتداء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنما يتمُّ بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضلّال"٢.
٥١٦- وقد يتشبث البعض بشبهة أخرى، وهي: إنَّ الباطل انتشر في الأرض، ولم تعد الدعوة إلى الله تنفع شيئًا، وعلى المسلم أن يهتمَّ بنفسه ويدع أمر الخلق، والجواب على هذه الشبهة كما سنوضحه فيما بعد: إنَّ الواجب على المسلم هو القيام بواجب الدعوة إلى الله، سواء حصل المقصود واستجاب الناس أو لم يستجيبوا، وقد حصلت هذه الشبهة لأقوام سالفين قصَّ الله لنا من أخبارهم، وكيف أنَّ الدعاة إلى الله ردوا عليهم شبهتهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ٣، والآية الكريمة تشير إلى أهل قرية صاروا ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المعاصي، وفرقة أنكرت عليهم ووعظتهم، وفرقة سكتت عنهم فلم تفعل ولم تنه، ولكنها قالت للمنكِرة: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنَّهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله، فلا فائدة في نهيكم إياهم، فقالت الفرقة المنكرة، بالجواب الصحيح: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما أخذ علينا من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنحن نعتذر إلى ربنا، لا نملك إلّا أن ندعو هؤلاء العصاة للإقلاع عن معصيتهم والإنابة إلى
стр. 313
ربهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ أي: ولعلَّ هذا الإنكار عليهم، ودعوتنا إياهم للإنابة إلى ربهم والرجوع إليه، يدعوهم إلى الاستجابة١، وفي هذا أشار إلى أنَّه ما دام هناك احتمال قبول الدعوة فلا بُدَّ من استمرار الوعظ والإرشاد والدعوة إلى الله تعالى؛ ليحيا من حيّ عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة.
٥١٧- وقد يتشبث البعض بشبهةٍ أخرى تقوم على فهمٍ سقيمٍ للآية الكريمة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٢، فيتعلّل بأنَّ الدعوة إلى الله تسبِّب له تعبًا ونصبًا لا يستطيع تحمله، والواقع أنَّ هذه حجة ضعاف الإيمان رقيقي الدِّين، فإنَّ التعب المزعوم ينالهم في سعيهم للظفر بمآرب الدنيا التافهة، كالحصول على ربحٍ ماديٍّ زهيد مثلًا، فأولى بهم أن يتحمَّلوا شيئًا من التَّعَب في الدعوة إلى الله، وفي هذا التعب أجر عظيم لهم، والحقيقة أنَّ التَّعَب المزعوم يسير وبسيط، فهل هناك تعب شديد في تعليم الجاهل أمور الإسلام، أو في عرض الإسلام على الكافر الذي لم يسمع بالإسلام؟ وهل يتعب إذا حرَّك لسانه بالكلام الطيب، أو يتعب فكره في أمور الإسلام؟ وهل يتعب تعبًا لا يطاق إذا تيسَّر له السفر إلى المجتمعات هناك؟ إنَّ المسلم أَوْلَى منهم بالتبشير ونشر الدعوة إلى الله بين أولئك الوثنيين، وإنَّ عليه إذا وسوس له الشيطان بالتَّعَب والإرهاق أن يتذكَّر قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ ٣، وعليه أن يتذكَّر أنَّ أصحاب رسول الله تحمَّلوا كثيرًا من الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، ونذكر على سبيل المثال شيئًا من أخبارهم وجهادهم في سبيل الله، فقد جاء في كتب السيرة، أنَّ النبي ﷺ بعد أن رجع إلى المدينة ومعه المسلمون بعد معركة أحد، جاءه الخبر أنَّ أبا سفيان ومن معه من المشركين عزموا على الرجوع إلى المدينة؛ لاستئصال من بقي من المسلمين، فلما صلَّى الرسول ﷺ الصبح أمر بلالًا فنادى: إنَّ رسول الله ﷺ
стр. 314
يأمركم لطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلّا من شهد القتال أمس، فخرج سعد بن معاذ إلى داره يأمر قومه بالمسير وكلهم جريج، فقال: إنَّ رسول الله يأمركم أن تطلبوا عدوكم، فقال أسيد بن حضير -وبه سبع جراحاتٍ يريد أن يداويها: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، وأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء، ولحق برسول الله ﷺ ، وجاء سعد بن عبادة قومه، وجاء أبو قتادة إلى طائفة فبادروا جميعًا، وخرج من بني سلمة أربعون جريحًا -بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحًا، وبالحارث بن الصِّمَّة عشر جراحات- حتى وافوا رسول الله ﷺ فقال لمَّا رآهم: "اللهم ارحم بني سلمة" ١، وهكذا كان صحابة رسول الله، وهذا نموذج من جهادهم في سبيل إعلاء كلمة الله، فهل يستكثر المسلم إذا أتعب نفسه قليلًا في الدعوة إلى الله، ونشر محاسن الإسلام، وتعليم الناس مكارم الأخلاق؟ ألَا يستحي من نفسه إذا استكثر الجهد البسيط الذي يبذله في الدعوة إلى الله، وصحابة رسول الله يخرجون جرحى للقتال وهم يقولون: سمعًا وطاعة لله ولرسوله.
تعليل تكليف المسلم بالدعوة إلى الله:
٥١٨- ذكرنا في الفقرات السابقة الأدلَّة الشرعية على وجوب الدعوة إلى الله على كل مسلم ومسلمة، ومعنى ذلك أنَّ الإسلام لا يكتفي من المسلم بأن يكون في نفسه صالحًا مهتديًا، وإنما يريد منه أن يكون مصلحًا وهاديًا لغيره، فما تعليل ذلك؟ تعليل ذلك من وجوه.
الوجه الأول: إنَّ الله تعالى أرسل رسوله محمدًا ﷺ إلى الناس جميعًا ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٢، ورسالته ﵊ باقية إلى يوم الدين، ومقصدها هداية الخلق أجميعن؛ ليفوزوا بالسعادة في الدارين، ولهذا كانت رسالته رحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣، وقد بلَّغَ ﵊ رسالة ربه ومضى إلى جواره الكريم راضيًا مرضيًّا، فكان لا بُدَّ للمسلمين من
стр. 315
النهوض من بعده، وتبليغ دعوة الإسلام إلى أهل الأرض ليهدوهم بها، ويخرجوهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ١.
فهم شهداء الله على خلقه، ومبلغو رسالته إليهم بعد نبيهم، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٢، إنَّ قيام المسلم بالدعوة إلى الله يؤدي أعظم نفع وعونٍ لعباد الله؛ لأنه يمد إليهم يدًا كريمة تنقذهم مما هم فيه من رجس الشرك والوثنية، ويضعهم على صراط الله المستقيم، فيؤدون حق ربهم عليهم، ويحققون الغاية التي من أجلها خلقوا ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ ٣.
الوجه الثاني: إن بقاء الشرك والكفر في الأرض يوثِّر عاجلًا أو آجلًا على معاني الإسلام القائمة في أيِّ جانب من جوانب الأرض، ولهذا يمنع الإسلام المسلم من البقاء في ديار الكفر، ويأمره بالتحوّل إلى ديار الإسلام؛ لئلَّا يفتتن في دينه أو يمرض قلبه أو يسلب إيمانه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٤، وقال أهل التفسير في هذه الآية: إنها نزلت في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع٥.
وقال الإمام مالك: "تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهرًا ولا يستتر فيها"٧.
وعلى هذا، فقيام المسلم بدعوة أهل الشرك والكفر إلى الله وإلى دينه يفيده ويقيه شرور الكفر.
стр. 316
الوجه الثالث: دفع الهلاك والعذاب عن المسلمين، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١، قال ابن عباس ﵄: أمر الله المؤمنين ألَّا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب، أي: يصيب الصالح والطالح، وفي مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت النبي ﷺ : يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث" ٢.
الدعوة إلى الله بقدر حال الداعي وقدرته:
٥١٩- وإذ تبيّن أن الدعوة إلى الله واجب على كل مسلم، فإنَّ هذا الواجب يتحدَّد بقدر حال الداعي وقدرته؛ لأنَّ القدرة هي مناط الوجوب وقدره، فمن لا يقدر لا يجب عليه، ومن يقدر فالوجوب عليه بقدر قدرته، ويدخل في مفهوم القدرة العلم والسلطان، فيجب على العالم ما لا يجب على الجاهل، ويجب على ذي السلطان ما لا يجب على غيره من آحاد المسلمين، ولهذا فإنَّ الله خصَّ بالإنذار والوعيد أهل العلم، وحذَّرهم من كتمان الحق الذي عرفوه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٣، فأوجب الله تعالى على أهل العلم أن يبيِّنوا للناس ما علموا من معاني الإسلام، وأن ينشروها بين الناس؛ لينقذوهم من أوضار الشرك، وكل من عرف شيئًا من معاني الإسلام فهو عالم بهذا الشيء، وعليه تبليغه إلى من يجهله، فليس العلم شيئًا واحدًا لا يتجزَّأ ولا يتبعَّض، وإنما هو قابل للتجزئة، وكل مسلم يعلم أنّه لا إله إلّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الحساب في يوم القيامة حق، وأن القرآن الكريم كلام الله حق، وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، وأن الصلاة والصيام والحج والزكاة من فرائض الإسلام، فعليه أن يبلغ ما علمه، أمَّا ما يجهله فلا يكلف بتبليغه ولا تعليمه؛ لأنه يجهله، وفاقد الشيء لا يعطيه.
والنوع الثاني من القدرة: وهو السلطان والتمكين في الأرض، فقد أشار القرآن
стр. 317
الكريم إلى هذا النوع، وأوجب على أصحابه أن يستعملوا ما وهبه الله لهم من تمكينٍ وسلطان في نشر الدعوة إلى الله تعالى، وإعمار الأرض بفضائل الأعمال وبعبادة الله ﵎، قال : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ١، وقد قال أهل التفسير في المراد من أهل التمكين في الأرض: إنهم الولاة، ومنهم من أدخل فيهم العلماء٢، والأوّل أظهر، وعلى هذا فمن أتاه الله تعالى الملك والسلطان فعليه أن يعمر الأرض بعبادة الله، وعلى رأسها الصلاة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وعلى رأس المعروف الدعوة إلى الله، وعلى رأس النهي عن المنكر النهي عن الشرك بجميع أنواعه وأشكاله، وهذا هو مقصود الولاية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنما نصب الإمام ليأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية"٣.
وقد فَقِه هذا المعنى ولاة الأمر في الماضي، فاستعملوا سلطانهم في إقامة دين الله والدعوة إليه، كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمَّاله في الأقاليم كتابًا جاء فيه: "وإن من طاعة الله التي أنزل في كتابه أن يدعو الناس إلى الإسلام كافة، فادع إلى الإسلام وأمر به، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٤، والحقيقة أنَّ قيام ولي الأمر بواجب الدعوة إلى الله يؤدي إلى نتائج كبيرة جدًّا ومؤثِّرة جدًّا؛ لأنه يملك القوة والسلطان، وبيده الأمر والنهي، مما يجعله قادرًا على التنفيذ أكثر من أيِّ واحدٍ من آحاد الرعية، ولهذا جاء في الأثر المشهور "إنَّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وبقدر قدرة المسلم على الدعوة والتنفيذ يكون واجبة في الدعوة إلى الله ومسئوليته عن ذلك.
الدَّاعي يدعو إلى الله في كل وقتٍ وفي جميع أحواله وظروفه:
٥٢٠- قلنا: إنَّ الدعوة إلى الله واجب على المسلم، فهو يؤديه بهذ الاعتبار.
стр. 318
وواجب الدعوة إلى الله ليس له وقت محدَّد كالصلاة والصيام، ولهذا فإنَّ هذا الواجب يؤدِّيه المسلم في جميع الأحوال والظروف، وفي كلِّ وقتٍ يتيسَّر له فيه أداؤه، قال تعالى مخبرًا عن نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ١، وكذلك كان رسولنا محمد ﷺ يدعو قومه ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، ولم يشغله شيئ عن الدعوة إلى الله تعالى٢، والواقع أن الداعي إذا كان صادقًا في دعوته منشغلًا بها، لا يفكِّر إلّا فيها، ولا يتحرَّك إلّا من أجلها، ولا يبخل عليها بشيء من جهده ووقته، لم يشغله عنها شاغل أبدًا حتى في أحرج الساعات وأضيق الحالات وأدق الظروف، وهكذا كان رسولنا محمد ﷺ ، فعندما هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق ﵁، لقي في طريق بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركبٍ من قومه فيما بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى الله، حتى وهو في طريقه مهاجرًا إلى المدينة والقوم يطلبونه. ويوسف ﵇ عندما دخل السجن مظلومًا لم يشغلها السجن وضيقه عن واجب الدعوة إلى الله، ولهذا فقد اغتنم سؤال السجينين عن رؤيا رأياها، فقال لهما قبل أن يجيبهما ما أخبرنا الله به: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ، المطلوب من الدَّاعي أن يدعو إلى الله، وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس.
٥٢١- المطلوب من الداعي أن يدعو إلى الله، وهذا هو الواجب عليه، وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ٤، فإذا كان الرسول غير مكَلَّف إلّا بالتبليغ، فغيره من آحاد الأمَّة أولى أن لا يكلف بغير التبليغ. وتعليل ذلك من وجهين؛ الأول: إنَّ القاعدة الأصولية تقول:
стр. 319
إن الإنسان لا يُكَلَّفُ بفعل غيره، أي: لا يكلف أن يفعل غيره فعلًا معينًا، أو يترك فعلًا معينًا؛ لأنَّ هذا من قبيل تكليف ما لا يطاق، وإنَّما يكَلَّف الإنسان أن يفعل هو فعلًا معينًا يتعلق بغيره، وقد يحمله على الفعل، كالدعوة إلى الله، وكالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمسلم مطالب ومكلَّف بأن يأمر بالمعروف، وقد يستجيب المأمور، فيكون أمر الآمر سببًا لفعل المأمور، وقد لا يستجيب المأمور، ولهذ مدح الله تعالى أحد أنبيائه بأنه ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾ ١، فالذي يمكله المسلم ويكلَّف به أن يأمر غيره بالمعروف، ويدعوه إلى عبادة الله، ولا يكلف بأن يفعل الغير فعلًا معينًا.
الوجه الثاني: إن الاستجابة بيد الله وحده، فهو الهادي ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢، ولله الحجة على عباده، ولو شاء لهداهم أجمعين، لا يُسْأَل عمَّا يفعل وهم يسألون، أمَّا هداية التبليغ والبيان والدعوة فهي للرُّسل ولسائر الدعاة، فهم المكلَّفون بها، قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣، مع قوله تعالى في آية آخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤.
الاستمرار على الدعوة إلى الله وإن لم يستجب أحد:
٥٢٢- وإذا كان المطلوب من المسلم أن يدعو إلى الله وليس المطلوب منه أن يهدي الناس، فعليه أن يستمرَّ على الدعوة بلا كلل ولا ملل ولا فتور؛ لأنَّ واجبه البلاغ والتبيين، وهذا متعلق به، فعليه أن يؤدِّيه كما يؤدي سائر العبادات، وإن لم يستجب له أحد، ألا ترى أن نوحًا ﵇ لبث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنه إلّا خمسين عامًا.
وهكذا كان رسل الله يدعون أقوامهم مدة حياتهم، فمنهم من استجاب له قومه أو بعضهم، ومنهم من لم يستجب له أحد، وقال الإمام النووي: "لا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين، فإنَّ الذي عليه الأمر والنهي لا القبول"٥ ووجه الدلالة
стр. 320
بهذا القول أنَّ الدعو ة إلى الله في رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيسري عليها معنى هذ القول، وبهذا المعنى قال السيوطي في أشبهاهه١، ومما يؤكد وجوب الاستمرار على الدعوة إلى الله حرمة اليأس، واحتمال الإجابة؛ لأنَّ الأمور بيد الله، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فلا يستطيع الداعي أن يقطع بعدم الإجابة، فيجب عليه الاستمرار بالدعوة والوعظ والإرشاد حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
أجر الداعي على الله لا على العباد:
٥٢٣- الداعي إلى الله يؤدي واجبًا، ويقوم بعبادةٍ امتثالًا لأمر الله، والأجر على العبادة يناله العابد من الربِّ الجليل تفضلًا منه وإحسانًا، وعلى هذا فلا يطلب الداعي من أحد من الخلق أجرًا على دعوته، ولا مالًا ولا ثناء ولا جاهًا، ولا أيِّ عوض من الأعواض المادية أو المعنوية، قال تعالى مخبرًا عن نوح ﵇: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢، وقال عن نبينا ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٣، أي: إلَّا أن ترعوا قرابتي معكم، فتسمحوا لي بالدعوة إلى الله تعالى، ولا تمنعوني منها، ولا تصدوا الناس عنها، وهكذا شأن جميع رسل الله يدعون الناس إلى الله، ولا يبغون منهم جزاءً ولا شكورًا؛ لأنَّ أجرهم على الله الكريم، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٤.
مكانة الداعي في الإسلام:
٥٢٤- مكانة الداعي إلى الله في الإسلام مكانة عظيمة جدًّا. فقوله في الدعوة