← Общие книги

Общие книги · id 22615

أصول الدعوة

عبد الكريم زيدان

Полный текст (507 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الوجه الثالث: دفع الهلاك والعذاب عن المسلمين، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١، قال ابن عباس ﵄: أمر الله المؤمنين ألَّا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب، أي: يصيب الصالح والطالح، وفي مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت النبي ﷺ : يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث" ٢. الدعوة إلى الله بقدر حال الداعي وقدرته: ٥١٩- وإذ تبيّن أن الدعوة إلى الله واجب على كل مسلم، فإنَّ هذا الواجب يتحدَّد بقدر حال الداعي وقدرته؛ لأنَّ القدرة هي مناط الوجوب وقدره، فمن لا يقدر لا يجب عليه، ومن يقدر فالوجوب عليه بقدر قدرته، ويدخل في مفهوم القدرة العلم والسلطان، فيجب على العالم ما لا يجب على الجاهل، ويجب على ذي السلطان ما لا يجب على غيره من آحاد المسلمين، ولهذا فإنَّ الله خصَّ بالإنذار والوعيد أهل العلم، وحذَّرهم من كتمان الحق الذي عرفوه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٣، فأوجب الله تعالى على أهل العلم أن يبيِّنوا للناس ما علموا من معاني الإسلام، وأن ينشروها بين الناس؛ لينقذوهم من أوضار الشرك، وكل من عرف شيئًا من معاني الإسلام فهو عالم بهذا الشيء، وعليه تبليغه إلى من يجهله، فليس العلم شيئًا واحدًا لا يتجزَّأ ولا يتبعَّض، وإنما هو قابل للتجزئة، وكل مسلم يعلم أنّه لا إله إلّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الحساب في يوم القيامة حق، وأن القرآن الكريم كلام الله حق، وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، وأن الصلاة والصيام والحج والزكاة من فرائض الإسلام، فعليه أن يبلغ ما علمه، أمَّا ما يجهله فلا يكلف بتبليغه ولا تعليمه؛ لأنه يجهله، وفاقد الشيء لا يعطيه. والنوع الثاني من القدرة: وهو السلطان والتمكين في الأرض، فقد أشار القرآن

стр. 317

الكريم إلى هذا النوع، وأوجب على أصحابه أن يستعملوا ما وهبه الله لهم من تمكينٍ وسلطان في نشر الدعوة إلى الله تعالى، وإعمار الأرض بفضائل الأعمال وبعبادة الله ﵎، قال : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ١، وقد قال أهل التفسير في المراد من أهل التمكين في الأرض: إنهم الولاة، ومنهم من أدخل فيهم العلماء٢، والأوّل أظهر، وعلى هذا فمن أتاه الله تعالى الملك والسلطان فعليه أن يعمر الأرض بعبادة الله، وعلى رأسها الصلاة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وعلى رأس المعروف الدعوة إلى الله، وعلى رأس النهي عن المنكر النهي عن الشرك بجميع أنواعه وأشكاله، وهذا هو مقصود الولاية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنما نصب الإمام ليأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية"٣. وقد فَقِه هذا المعنى ولاة الأمر في الماضي، فاستعملوا سلطانهم في إقامة دين الله والدعوة إليه، كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمَّاله في الأقاليم كتابًا جاء فيه: "وإن من طاعة الله التي أنزل في كتابه أن يدعو الناس إلى الإسلام كافة، فادع إلى الإسلام وأمر به، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٤، والحقيقة أنَّ قيام ولي الأمر بواجب الدعوة إلى الله يؤدي إلى نتائج كبيرة جدًّا ومؤثِّرة جدًّا؛ لأنه يملك القوة والسلطان، وبيده الأمر والنهي، مما يجعله قادرًا على التنفيذ أكثر من أيِّ واحدٍ من آحاد الرعية، ولهذا جاء في الأثر المشهور "إنَّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وبقدر قدرة المسلم على الدعوة والتنفيذ يكون واجبة في الدعوة إلى الله ومسئوليته عن ذلك. الدَّاعي يدعو إلى الله في كل وقتٍ وفي جميع أحواله وظروفه: ٥٢٠- قلنا: إنَّ الدعوة إلى الله واجب على المسلم، فهو يؤديه بهذ الاعتبار.

стр. 318

وواجب الدعوة إلى الله ليس له وقت محدَّد كالصلاة والصيام، ولهذا فإنَّ هذا الواجب يؤدِّيه المسلم في جميع الأحوال والظروف، وفي كلِّ وقتٍ يتيسَّر له فيه أداؤه، قال تعالى مخبرًا عن نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ١، وكذلك كان رسولنا محمد ﷺ يدعو قومه ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، ولم يشغله شيئ عن الدعوة إلى الله تعالى٢، والواقع أن الداعي إذا كان صادقًا في دعوته منشغلًا بها، لا يفكِّر إلّا فيها، ولا يتحرَّك إلّا من أجلها، ولا يبخل عليها بشيء من جهده ووقته، لم يشغله عنها شاغل أبدًا حتى في أحرج الساعات وأضيق الحالات وأدق الظروف، وهكذا كان رسولنا محمد ﷺ ، فعندما هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق ﵁، لقي في طريق بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركبٍ من قومه فيما بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى الله، حتى وهو في طريقه مهاجرًا إلى المدينة والقوم يطلبونه. ويوسف ﵇ عندما دخل السجن مظلومًا لم يشغلها السجن وضيقه عن واجب الدعوة إلى الله، ولهذا فقد اغتنم سؤال السجينين عن رؤيا رأياها، فقال لهما قبل أن يجيبهما ما أخبرنا الله به: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ، المطلوب من الدَّاعي أن يدعو إلى الله، وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس. ٥٢١- المطلوب من الداعي أن يدعو إلى الله، وهذا هو الواجب عليه، وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ٤، فإذا كان الرسول غير مكَلَّف إلّا بالتبليغ، فغيره من آحاد الأمَّة أولى أن لا يكلف بغير التبليغ. وتعليل ذلك من وجهين؛ الأول: إنَّ القاعدة الأصولية تقول:

стр. 319

إن الإنسان لا يُكَلَّفُ بفعل غيره، أي: لا يكلف أن يفعل غيره فعلًا معينًا، أو يترك فعلًا معينًا؛ لأنَّ هذا من قبيل تكليف ما لا يطاق، وإنَّما يكَلَّف الإنسان أن يفعل هو فعلًا معينًا يتعلق بغيره، وقد يحمله على الفعل، كالدعوة إلى الله، وكالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمسلم مطالب ومكلَّف بأن يأمر بالمعروف، وقد يستجيب المأمور، فيكون أمر الآمر سببًا لفعل المأمور، وقد لا يستجيب المأمور، ولهذ مدح الله تعالى أحد أنبيائه بأنه ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾ ١، فالذي يمكله المسلم ويكلَّف به أن يأمر غيره بالمعروف، ويدعوه إلى عبادة الله، ولا يكلف بأن يفعل الغير فعلًا معينًا. الوجه الثاني: إن الاستجابة بيد الله وحده، فهو الهادي ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢، ولله الحجة على عباده، ولو شاء لهداهم أجمعين، لا يُسْأَل عمَّا يفعل وهم يسألون، أمَّا هداية التبليغ والبيان والدعوة فهي للرُّسل ولسائر الدعاة، فهم المكلَّفون بها، قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣، مع قوله تعالى في آية آخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤. الاستمرار على الدعوة إلى الله وإن لم يستجب أحد: ٥٢٢- وإذا كان المطلوب من المسلم أن يدعو إلى الله وليس المطلوب منه أن يهدي الناس، فعليه أن يستمرَّ على الدعوة بلا كلل ولا ملل ولا فتور؛ لأنَّ واجبه البلاغ والتبيين، وهذا متعلق به، فعليه أن يؤدِّيه كما يؤدي سائر العبادات، وإن لم يستجب له أحد، ألا ترى أن نوحًا ﵇ لبث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنه إلّا خمسين عامًا. وهكذا كان رسل الله يدعون أقوامهم مدة حياتهم، فمنهم من استجاب له قومه أو بعضهم، ومنهم من لم يستجب له أحد، وقال الإمام النووي: "لا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين، فإنَّ الذي عليه الأمر والنهي لا القبول"٥ ووجه الدلالة

стр. 320

بهذا القول أنَّ الدعو ة إلى الله في رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيسري عليها معنى هذ القول، وبهذا المعنى قال السيوطي في أشبهاهه١، ومما يؤكد وجوب الاستمرار على الدعوة إلى الله حرمة اليأس، واحتمال الإجابة؛ لأنَّ الأمور بيد الله، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فلا يستطيع الداعي أن يقطع بعدم الإجابة، فيجب عليه الاستمرار بالدعوة والوعظ والإرشاد حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. أجر الداعي على الله لا على العباد: ٥٢٣- الداعي إلى الله يؤدي واجبًا، ويقوم بعبادةٍ امتثالًا لأمر الله، والأجر على العبادة يناله العابد من الربِّ الجليل تفضلًا منه وإحسانًا، وعلى هذا فلا يطلب الداعي من أحد من الخلق أجرًا على دعوته، ولا مالًا ولا ثناء ولا جاهًا، ولا أيِّ عوض من الأعواض المادية أو المعنوية، قال تعالى مخبرًا عن نوح ﵇: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢، وقال عن نبينا ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٣، أي: إلَّا أن ترعوا قرابتي معكم، فتسمحوا لي بالدعوة إلى الله تعالى، ولا تمنعوني منها، ولا تصدوا الناس عنها، وهكذا شأن جميع رسل الله يدعون الناس إلى الله، ولا يبغون منهم جزاءً ولا شكورًا؛ لأنَّ أجرهم على الله الكريم، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٤. مكانة الداعي في الإسلام: ٥٢٤- مكانة الداعي إلى الله في الإسلام مكانة عظيمة جدًّا. فقوله في الدعوة

стр. 321

إلى الله أحسن الأقوال في ميزان الله وهو أصدق الموازين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١، وهذه الآية كما قال أهل التفسير: عامَّة فيمن دعا إلى الله، وهو في نفسه مهتدٍ يعمل الخير ويؤدي الفرائض ويجتنب المحارم٢. إنَّ كلمته في الدعوة إلى الله -لا سيما عند الجحود وشيوع التمرُّد على الله- هي أحسن كلمة تقال في الأرض، وصاحبها بهذه الصفة من الصلاح في نفسه مع استسلامه لله رب العالمين، أمَّا أجر الداعي إلى الله فأجر عظيم، قال ﷺ : "من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا"، وفي حديث آخر أنَّ النبي ﷺ قال لعلي ﵁: "فوالله لَأِن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمُر النِّعَم"، وفي حديث آخر: "من دَلَّ على خير فله مثل أجر فاعله".

стр. 322

الفصل الثاني: عدة الداعي مدخل ... الفصل الثاني: عُدَّة الدَّاعِي تمهيد: ٥٢٥- يحتاج الداعي إلى الله في أداء مهمته ووظيفته التي هي في الأصل وظيفة رسل الله، إلى عدة قوية من الفهم الدقيق والإيمان العميق والاتصال الوثيق بالله تعالى، هذه هي مقومات عُدَّة الداعي وأركانها، وإذا فقدها لم يغن عنها شيئ آخر، وإذا ضعفت معانيها في نفسه، فعليه أن يقويها، فلا بُدَّ من الكلام عنها بما يبيِّن المقصود منها في أبحاث متتالية.

стр. 323

المبحث الأول: الفهم الدقيق العلم قبل العمل: ٥٢٦- العلم قبل العمل، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ١، فقدَّم العلم على العمل، والواقع أنَّ تقديم العلم على أيِّ عمل ضروري للعامل حتى يعلم ما يريد؛ ليقصده ويعمل للوصول إليه، وإذا كان سبق العلم لأيِّ عمل ضروريًّا، فإنَّه أشدّ ضرورة للداعي إلى الله؛ لأنَّ ما يقوم به من الدين منسوب إلى رب العالمين، فيجب أن يكون الداعي على بصيرة وعلم بما يدعو إليه، وبشرعيِّة ما يقوله ويفعله ويتركه، فإذا فقد العلم المطلوب واللازم له كان جاهلًا بما يريده، ووقع في الخبط والخلط والقول على الله ورسوله بغير علم، فيكون ضرره أكثر من نفعه، وإفساده أكثر من إصلاحه، وقد يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف؛ لجهله بما أحلَّه الشرع وأوجبه، وبما منعه وحرَّمه، فيجب إذن لكل داعٍ إلى الله تعالى العلم بشرع الله، وبالحلال والحرام، وبما يجوز وما لا يجوز، وبما يسوغ فيه الاجتهاد وما لا يسوغ، وما يحتمل وجهين أو أكثر، وما لا يحتمل. والعلم ما قام عليه الدليل الشرعي من كتاب الله أو سنة رسوله أو من أدلة الشرع الأخرى، وعلى المسلم أن يستزيد من هذا العلم الشرعي النافع ليعرف موضوع دعوته، وليكون فيها على بصيرة وبينة، فلا يأمر إلّا بحق، ولا ينهى إلّا عن باطل. فضل العلم: ٥٢٧- وفضل العلم وأهله معروف غير منكور نطق به القرآن الكريم، ورفع شأنه

стр. 324

وأكَّدته السنَّة النبوية، وأمر الله بالتزود منه وطلب المزيد منه، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ١، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٢، وفي السنة النبوية: "من يرد الله به خيرًا يفقِّهه في الدين"، واستشهد الله تعالى بأهل العلم على أجلِّ مشهود به، وهو توحيد الله، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة، وهذه تزكية لهم، وتعديل وتوثيق؛ لأنَّ الله تعالى لا يستشهد بمجروح، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣. وأهل العلم لا ينفعون أنفسهم فقط، وإنما ينفعون غيرهم بما يرشدونهم إليه، ويدلونهم عليه، ويوصلونهم به إلى ربهم، فالناس كما قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى: إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأنهم يحتاجون إليهما في اليوم مرة أو مرتين، وحاجتهم إلى العلم بعدد أنفاسهم، ومن أجل هذا كله كان طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وغيرهم من أئمة المسلمين، وجاءت السنة النبوية بالبشارة لهم، ففيها: "إن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، وإنَّ الله تعالى وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير" ٤، فعلى الداعي المسلم أن يحرص أن يكون دائمًا من المتفقهين في الدِّين، العلماء بأحكامه، المعلِّمين للناس الخير، حتى يصيبه ما نطقت به هذه الآيات والأحاديث. الفهم الدقيق: ٥٢٨- ومن العلم العزيز النادر الذي يغفل عنه الكثيرون مع دلالة القرآن عليه وتصريحه به والدعوة إليه، علم طريق الآخرة الذي يهيِّج القلب ويزعجه ويدفعه إلى سلوكه، ويشعر صاحبه بغربته في الدنيا، وقرب رحيله عنها إلى سفر بعيدٍ لا يرجع بعده إلى دنياه، ولا ينفع فيه زاد إلّا التقوى، ولذلك فهو دائمًا مشغول بإعداد هذا

стр. 325

الزاد ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ١، متطلعًا إلى ما هناك، إلى ما يئول إليه أمره بعد سفره البعيد، أيكون مصيره إلى نار جهنم، وفي ذلك شقاؤه العظيم، أم يكون مصيره في دار النعيم بجوار الربِّ الكريم؟ إنه لهذه العاقبة المجهولة يكون دائمًا بين الخوف والرجاء، ولكنَّه خوف العارف لا الجاهل، ورجاء العالم لا الخامل. إنَّ هذا العلم هو الذي قلَّ وجوده بين الناس وبين طلاب العلم، وبدونه لا يعتبر العالم عالمًا وإن حفظ الشروح والمتون والأحكام، وملأ رأسه منها، ورددها على لسانه، وإنَّ هذا العلم هو لب العلم وغايته، وكل مسلم محتاج إليه، والعالم أشد حاجة إليه، والداعي أحوج من الجميع إليه. إنَّ هذا العلم هو الذي نسميه "الفهم الدقيق"، وهو الذي فقهه الصحابة الكرام وأشربت به عقولهم وقلوبهم، فضنّوا بوقتهم أن يذهب سدًى في غير طاعة الله ودعوة إليه، فنشطت جوراحهم في العبادة والجهاد في سبيل الله والدعوة إليه، حتى أتاهم من ربهم اليقين. الفهم الدقيق يقوم على تدبُّر معاني القرآن: ٥٢٩- ويقوم الفهم الدقيق على تدبُّر معاني القرآن وإطالة النظر فيها، وترديدها، والوقوف عندها، والتغلغل في مراميها ومقاصدها، فإنَّ الله تعالى أنزل كتابه ليتدبَّر الناس آياته لا لمجرد أن يتلوه، فلا فهم ولا تدبر، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٣، إنَّ تلاوة القرآن بتدبُّر وإمعانٍ تعرف المسلم بالربِّ الذي يدعوا إليه، وطريق الوصول إليه، وما للمستجيب من الكرامة إذا قدم عليه، وتعرِّفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان وحزبه، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوة الشيطان من الإهانة والعذاب. إنَّ هذه المعرفة ضرورية للداعي؛ إذ بها تجعله كأنَّه في الآخرة وإن كان هو في الدنيا، وتميِّز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه الناس، فتريه الحق حقًّا والباطل باطلًا

стр. 326

وتعطيه فرقانًا ونورًا يفرِّق به بين الهدى والضلال، والغي والرشاد، وتعطيه قوة في قلبه، وحياة وسعة وانشراحًا وبهجة وسرورًا، وتعلقًا بالآخرة، وعزوفًا عن الدنيا، فيصير هو في شأن، والناس في شأن آخر١. أركان الفهم الدقيق: ٥٣٠- معاني الفهم الدقيق التي تكون دعائمه وأركانه كثيرة، وأهمها في نظرنا اثنان؛ الأول: فهم الداعي غايته في الحياة، ومركزه بين البشر. الثاني: تجافيه عن دار الغرور وتعلقه بالآخرة، فلنبيّن المقصود من هذين الركنين. معرفة الداعي غايته في الحياة ومركزه بين الناس: ٥٣١- ما هي غاية الإنسان في الحياة؟ وهل وراء هذه الغاية غاية أخرى؟ أجابنا القرآ ن الكريم على هذا التساؤل، فجعل الناس صنفين: الصنف الأول: يجعلون غايتهم الأكل والشرب والتمتع بملاذ الجسد، وليس وراء هذه الغاية عندهم غاية أخرى، فهم يهتبلون فرص العمر وأيامه ليتمتعوا ما وسعهم التمتع، فما بعد هذه الحياة في نظرهم الكليل وقلوبهم الميتة إلّا العدم والفناء، وهؤلاء شر الخلق وأشقاهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ ١، فهم صاروا كالدوابِّ والبهائم، لا يختلفون عنها إلّا في الصورة والشكل، وإلّا في دخول النار. تلك هي غاية هذا الصنف، أما مركزهم بين الناس فهو مركز الإضلال والإفساد، ومآلهم جميعًا دخول النار، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢. الصنف الثاني: وهم الذين عرفوا الحقيقة والغاية، عرفوا أنهم خلقوا لله لعبادته، وأنهم إليه راجعون، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٣.

стр. 327

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيه﴾ ١، فغايتهم عبادة الله وحده، ومنها: الجهاد في سبيله، والدعوة إليه، وعمارة الأرض بفعل الخير، وهداية الحيارى إلى الحق، وقيادتهم في درب الحياة، تلك غايتهم في الحياة الدنيا، ووراؤها الغاية العظمى والعليا، وهي ابتغاء مرضاة الله وحده ﷻ . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ٢، هذه مهمَّة المسلم في الحياة وغايته فيها، عبادة الله وحده، وجهاد في سبيله، يجاهد نفسه حتى يحملها على الطاعة ويبعدها عن المعصية، ويجاهد بقلمه ولسانه وماله ويده في سبيل الله حتى تعلو كلمة الله، ويستنير البشر بنور الإسلام. وقد اختار الله تعالى المسلمين لهذه المهمة الخطيرة، مهمة هداية الناس وقيادتهم للحق، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فلا مجال للتخلي عن هذه المهمة الشريفة، وهذه المكرمة العظيمة التي أكرم الله بها المسلمين، بل عليهم أن يقابلوها بالرضى والنهوض بها، وشكر الله عليها. التجافي عن دار الغرور والتعلق بالآخرة: ٥٣٣- لا شيء أفسد للقلب من التعلق بالدنيا والركون إليها، وإيثارها على الآخرة، فإن هذا الفساد يقعد بالمسلم عن التطلع إلى الآخرة والعمل ليها، وإتعاب الجسد في سبيل الله والدعوة إليه، وهيهات لقلب فاسد مريض أن يقوى على مهامِّ الدعوة إلى الله. إنَّ الدنيا فيها قابلية الإغراء، ولهذا وصفها رسول الله ﷺ بقوله: "إنَّ الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء"، وحذَّرنا الله تعالى من الوقوع في شباكها والتعلق بها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ٣.

стр. 328

ووجه الإغراء في الدنيا والاغترار بها أنَّ فيها مباهج وملذات يحسّ بها الإنسان بجميع حواسِّه، وتهواهاه نفسه بطبيعها، وتؤثرها على ما سواها، ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ، وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ ١، فإذا تركت النفس وشأنها زاد تعلقها والتصاقها به، حتى تصبح هي كل غايتها، ومنتهى أملها، ومبلغ علمها، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٢، وإذا مات وصلت النفس إلى هذا الحدِّ فقدت حاسَّة القبول والاعتبار، وعند ذلك لا يجدي معها وعظ ولا تذكير، وبالتالي وبالبداهة لا يصلح صاحب هذه النفس أن يكون داعيًا إلى الله. فما هو العلاج لتخليص القلب من أسر الدنيا وتعلقه بها؟ العلاج في ذلك: تيقُّن زوال الدنيا ومفارقتها، وتيقُّن لقاء الآخرة وبقاءها، ثم يقارن بين الأمرين، فيؤثر الآخرة على الدنيا، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ٤، ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ ٥، وأن يحضر في ذهنه هذا الذي تيقنه. وهذه الغاية واستحضارها في الذهن لا تكفي وحدها، بل لا بُدَّ من قطع التسويف وطول الأمل حتى يحسّ بالغربة في هذه الدنيا، وأنَّه قد يرحل عنها في أية ساعة، قال ﷺ : "إذا أصبحت فلا تحدِّث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدِّث نفسك بالصباح"، وقال ﵊: "مالي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلّا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها". وإذا وسوس له الشيطان وألقى في روعه أنَّه شابٌّ قوي موفور الصحة والعافية، فليطرد وسواسه باستحضار الشباب الذين رحلوا وهم الآن تحت الثرى، وإذا لجَّ الشيطان في وسوسته فليخرج إلى المقابر ويستنطق الراقدين: كم فيهم من الشباب الذين شربوا كأس الموت مبكرين، ثم ليرجع إلى محلته، وليعد شيوخ وكهول بلده، فسيجدهم

стр. 329

أقل من عشر رجال بلده، ومعنى ذلك أنَّ الموت في الشباب كثير لم ينج منهم إلّا القليل، وهم الكهول الحاضرون. فإذا قصر أمله في الحياة انبعث إلى التجهُّز للآخرة بعلم الطاعات؛ إذ لا يدري متى ينادى عليه بالرحيل. فإذا تخلَّص الداعي المسلم من التعلق بالدنيا، وأفرغ ما في قلبه من سمومها، وأقبل على الآخرة، أحسَّ بغربة شديدة في الدنيا، ولكن مع خِفَّة في روحه، وإقبال شديد على مراضي ربه، وعلى رأسها الدعوة إليه، وهداية الحيارى من عباده، لا يعيقه عن ذلك تعب ولا نصب ولا ألم ولا سفر ولا سهر ولا بذل ولا تضيحة؛ لأنَّ ذلك كله من الزاد المؤكَّد نفعه وفائدته في سفره الطويل البعيد إلى الآخرة، بل إنَّه سيجد في تعبه راحة، وفي أمله لذة، وفي بذله ربحًا، وفي تضيحته عوضًا مضمونًا، وليس فيما أقوله خيالًا أو مبالغة، فإنَّ الغريب عن أهله الذي طالت غربته عنهم، وازداد شوقه إليهم، سيجد لذَّة وهو يعدّ أسباب سفره إليهم، وإن كان في إعداد ذلك تعب لجسمه، وسهر في ليله، ومن جرَّب عرف.

стр. 330

المبحث الثاني: الإيمان العميق حقيقة الإيمان العميق: ٥٣٣- نريد بالإيمان العميق أنَّ الداعي المسلم تيقَّن بأنَّ الإسلام الذي هداه الله إليه، وأمره بالدعوة إليه، حقّ خالص؛ لأنه هُدى الله، وما عداه باطل وضلال قطعًا، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ ١، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٢، وإنَّ هذا اليقين بأحقية الإسلام صار عند الداعي المسلم كالبدهية وكالواحد زائد واحد يساوي اثنين، ومن ثَمَّ لا تقبل هذه البدهية أيَّ نقاش أو جدال أو شكٍّ أو مراجعة أو إعادة نظر، وتيقن أنَّ أيَّ تحوُّلٍ عن هذا اليقين وميلٍ إلى غيره يعني اتباع الأهواء الباطلة التي فيها الضلال وضياع الإيمان، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ٣، إنَّ هذا الإيمان العميق بأحقية الإسلام قائم على علم قطعي وبينة راسخة لا شكَّ فيها، وإن كذَّب بها المبطلون الضالون الذين لا يبصرون الحق المنزَّل من عند الله، لا لخفائه، ولكن لعمى أبصارهم وموت قلوبهم، فلا يتصوّر ميل الداعي المسلم إلى باطلهم، ولا يتصور منه الشك في دعوته، كما لا يتصور ارتياب البصير في بصره إذا وجد نفسه بين العميان، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ ٤، وإنَّ هذه البينة التي أقام عليها الداعي المسلم إيمانه العميق

стр. 331

مستمدَّة من ذات الإسلام وطبيعته، لا من شيء خارج عنه، ولهذا فإنَّ إيمانه العميق ينبض به كيانه كله، ويسري فيه مسرى الدم، ولا يمكن أن يتأثَّر أو يضعف أو يزول لأيِّ سبب خارجي مهما كان نوع وطبيعة هذا السبب الخارجي، فهو ليس من الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ١، فهذا شأن المنافق أو ضعيف الإيمان المرتاب، كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "هو المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلّا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر"١. فإيمان الداعي العميق ثابت لا يتزعزع مهما صادفته محنة أو شدة، ومهما كانت حاله من ضعف وقلة، ومهما كان حال الكفرة من قوة ومنعة، حتى لو بقي وحده في الأرض، وهكذا كان إيمان صحابة رسول الله ﷺ في جميع أحوالهم يوم كانوا في مكة محاصَرين يعذّبهم الكفرة، ويوم هاجروا فارين بدينهم إلى الحبشة، ويوم هاجروا إلى المدينة، ويوم انتصروا في بدر، وانكسروا في أحد، وحوصروا في الخندق، إنَّهم في جميع تلك الأحوال التي تقلَّبوا فيها لم يتزعزع إيمانهم، ولم يتسرَّب إلى قلوبهم ذرةٌ من الشكِّ في كونهم على الحق، وموصولين بالحق، ويدعون إلى الحق، وأنَّ الكفرة في ضلالٍ مبين، قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ٣، ولا يضعف إيمان الداعي انصراف الناس عنه وعدم إجابتهم له. فقد لبث نوح ﵇ كما أخبرنا الله عنه ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ ٤، ولم يؤمن له إلّا القليل، كما لا يدل انصراف الناس عنه أنَّه مقصِّر في دعوته ما دام قد أفرغ جهده، فالتقصير يعرف -إن وجد- من قلة ما يقدمه الداعي للدعوة، لا من عدم إجابة المدعو.

стр. 332

ضرورة هذا الإيمان للداعي المسلم: ٥٣٤- إنَّ مثل هذا الإيمان العميق ضروريّ لكل مسلم، وهو للداعي أشد ضرورة في الوقت الحاضر، الذي ضعفت فيه كلمة الإسلام، وعلت فيه كلمة الكفر، ونضب معين الإيمان في النفوس، وازدادت مِحَن المسلمين، وصال الكفرة عليهم وجالوا، وصارت لهم دِوَل كبار تحميهم، وتقذف بالباطل وتثير الشبهات والشكوك حول أحقية الإسلام، وزاد من هذه المحنة وجود أدعياء الإسلام وعلماء السوء البائعين دينهم بدنياهم، والمستترين وراء كلمة الإسلام يقولونها بألسنتهم، ويخفون وراءها باطلًا كثيفًا، وضلالًا عظيمًا، ومع هذا فإنَّ المسلم ولا سيما الداعي المسلم الصادق يجب أن لا تدهشه هذه المحن وهذه الأحوال، بل يجعلها دافعًا للمزيد من بذل الجهد في سبيل إعلاء كلمة الله وتلمُّس الدواء والعلاج لما آل إليه أمر الإسلام، وأن لا يبقى مفتوح العينين محدِّقًا بالكفرة إعجابًا بهم وإكبارًا لهم، فإنهم والله على ضلال مبين، يحتاجون إلى تقويم وتهذيب وتأديب، لا إلى تعظيم وتفخيم، وليستحضر الداعي المسلم في ذهنه ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: حدثنا رسول الله ﷺ يومًا حديثًا عن الدجَّال، فكان فيما حدثنا به أنه قال: "يأتي الدَّجَّال وهو محرَّم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينزل بعض السباخ ١ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل، وهو خير الناس أو من خير الناس، فيقول: أشهد أنك الدجَّال الذي حدَّثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكّون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقلته ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشدّ بصيرة مني الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه" ٢، وفي هذا الحديث الشريف فوائد عظيمة جدًّا، منها: أنَّ الدجال ادَّعى الألوهية والربوبية، وفتن الناس بدعوته لِمَا أوتيه من الخوارق، ومنها أنَّه يقتل الشخص ويحييه، ويأمر الأرض بالإنبات فتنبت، ويأمر المطر بالنزول فينزل، كما وردت بذلك الآثار، ويتبعه دهماء الناس وجهلتهم الخالية قلوبهم من معاني الإيمان وأنواره، ولكنّ ذلك المسلم

стр. 333

الذي يخرج له لم يشك قط في أنه هو الدجال الكذاب، ولم تؤثر في ذلك المسلم خوارقه ولا كثرة أتباعه، ولا في اعتزازه هو بالإسلام؛ لأنَّ دعوة ذلك الدجال باطلة قطعًا؛ لمخالفتها لمعاني الإسلام الحقَّة، فلا يمكن أبدًا أن ينقلب الباطل حقًّا لأيِّ سبب خارجي مقترن به، ولو كان من خوارق العادات، كما لا يمكن أبدًا أن يصيِّر الإسلام الحق باطلًا بكون المؤمن به رجلًا واحدًا أعزل، ولهذا ولمَّا قتل الدجال ذلك المسلم ازداد يقينًا بأنه على الحق، وأنَّ الدجال مبطل كذاب، وأن خوارقه تصديق لخبر الرسول ﷺ ، وبالتالي يظل ذلك المسلم على إيمانه وإن كان وحيدًا، لا حول له ولا قوة ولا ناصرًا. ثمرات هذا الإيمان ولوازمه: ٥٣٥- إنّ لهذا الإيمان العميق لوازم وثمرات لا بُدَّ منها ويستحيل تخلفها، وإذا ما تخلفت أو ضعفت كان ذلك دليلًا قاطعًا على عدم وجود هذا النوع من الإيمان، أو دليلًا على ضحالته وضعفه، فما هي هذه الثمرات واللوازم؟ الواقع أنَّها كثيرة وهي مذكورة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، في باب صفات المؤمنين، فما على المسلم إلّا أن يتلو تلك الآيات والأحاديث الشريفة، ويقف عند كل صفة وردت فيها ويتمعَّن في معناها، ويتأمَّل في مدلولها، ثم يرجع إلى نفسه ويتفحَّصها ويسبر مقدار ما فيها من معاني تلك الصفة، فإن وجدها فيه فليحمد الله تعالى، وإن لم يجدها أو وجدها هزيلة فليتدرك إيمانه، ويعيد النظر فيه ويقويه ويعمقه ويغذيه بالغذاء الإيماني الخاص، فإنه سيثمر إن شاء الله تعالى الثمر المطلوب، وتنصبغ نفسه بصبغة أهل الإيمان العميق، ويكفينا هنا أن نذكر بعض هذه الثمار الطيبة للإيمان العميق وبعض لوازمه؛ لأهميتها، ونترك غيرها لمقامٍ آخر إذا يسَّر الله تعالى ذلك. أولًا: المحبة ٥٣٦- محبة العبد لربِّه ومحبة الرب لعبده من ثمرات الإيمان المنوَّه به في القرآن، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ١، وهي ثمرات الإيمان العميق قطعًا، بل هي

стр. 334

روح الإيمان ولبّه؛ لأنَّ الإيمان يقوم على المعرفة اليقينية بالرب ﷻ كما قلنا، ومن عرف ربه أحبَّه، كما قال الحسن: وكلما قويت المعرفة ازداد عمق الإيمان، وازدادت محبة العبد لربه، وقوة المعرفة إنما تكون بالفكر الصافي في صفات الربِّ وعظمته ونعمائه، التي أعظمها هدايته للداعي المسلم إلى الإيمان به ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ١، وحب المسلم لربه تعالى يمتدُّ إلى ما يحبه المحبوب ﷻ ؛ ولهذا يحب المسلم نبيه محمدًا ﷺ ؛ لأنه حبيب الله ورسوله إلى الناس، ومبلغهم الإسلام، وكذلك يحب المسلم القرآن وتعاليم الإسلام؛ لأنَّها رسالة الله، ويحب المؤمنين؛ لأنهم عباد الله المطيعين الذين يقومون بعبادة مولاهم، وحب المسلم لله وما تعلّق به يترك أثرًا طيبًا حلوًا في نفس المسلم، يحس بحلاوته وطيبه، قال ﷺ : "ثلاثة من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار، وأن يحب المرء لا يحبه إلّا الله"، فحب العبد لربه يستلزم هذه الأمور قطعًا، ولا يمكن أن تتخلف عنه، وقد يكون من المفيد أن أتبسَّط ولو قليلًا في لوازم محبة المسلم لربه ﷻ ، وأجعل هذه اللوازم في فقرات، زيادة في إيضاحها وإظهارها لعظيم أهميتها، فأقول: لوازم محبة العبد لربه: ٥٣٧- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢، فلوازم محبَّة المسلم لربه في ضوء هاتين الآيتين الكريمتين هي: أولًا: أذلَّة على المؤمنين: فالمسلم رقيق رحيم شفيق على أخيه المسلم، والداعي وهو

стр. 335

يدعو آخاه المسلم إلى ما يرضي الله، يستشعر هذه الشفقة والرحمة التي تصل إلى صورة الذلة المشروعة، وسنتكلم عن هذه فيما بعد، وهذه مثل قوله تعالى في صفة محمد ﷺ وأصحابه: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١. ثانيًا: أعزَّة على الكافرين، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ٢ لا يهين ولا يستكين ولا يشعر بصغار أمامهم ولا في غيبتهم، لا في ظاهره ولا في باطنه، فهو قويّ عليهم بقدر ما هو ليِّن على المؤمنين. ثالثًا: يجاهدون في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله يعني: جهاد النفس الدائم حتى تستقيم وتثبت وتستمر على طاعة الله، وجهاد العدو حتى يخنس وينكف ضرره، وجهاد الدعوة إلى الله حتى يتمَّ التبليغ والتبيين ويتيسَّر للناس سبل الهداية، وهذا الجهاد المبذول من الداعي المسلم في دعوته إلى الله تعالى يظهر ويتميز بالانشغال التامّ في أمور الدعوة والافتكار بها، وتقليب وجوه الرأي في وسائلها، والحرص على نجاحها، وإيثارها على الولد والمال والنفس والراحة وحطام الدنيا كلها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٢. رابعًا: لا يخافون لومة لائم، أي: لا يردُّهم عمَّا هم فيه من طاعة الله والدعوة إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردُّهم عن ذلك رادّ، ولا يصدُّهم عن ذلك صادّ، ولا يمنعهم منه لوم اللائمين ولا عذل العاذلين٣. خامسًا: متابعة الرسول ﷺ في هديه في جميع أحواله، بالإضافة إلى طاعة أمره، والابتعاد عمَّا نهى عنه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤، فهو قدوة الداعي إلى الله، يقتدي به في سيرته، في دعوته إلى الله خطوة خطوة ﴿لَقَدْ

стр. 336

كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ١، وأنفع شيء للداعي المسلم أن يتفقَّه في سُنَّة رسول الله ﷺ ، وسيرته في الدعوة إلى الله منذ أن بعثه الله إلى أن أختاره إلى جواره الكريم، ووجه هذا النفع للداعي أنَّ سيرة رسول الله ﵊ هي ترجمة عمليّة للمنهج الرباني للدعوة إليه، الذي جاءت به آيات الله في قرآنه، وما من حالة قط يمرُّ بها الداعي إلى الله إلّا يجد مثيلها أو شبيهًا لها أو قريبًا منها في سيرة النبي ﷺ ، وكيف تصرَّف إزاءها سيد الدعاة إلى الله. إنَّ التفقه في السيرة النبوية إذا انضمَّ إلى التفقه في القرآن، لا سيما فيما يخصّ الدعوة إلى الله، يجعل الداعي على نور من ربه، وفرقان مبين يبيِّن له الصواب في الأمور المشتبهة والدقيقة، والذي يعين على متابعة الرسول ﷺ استحضار شخصه الكريم في فكر الداعي، ومصاحبته مصاحبة روحية وجدانية، وتخيل مواقفه المختلفة، واستحضار صفاته الكريمة وعظيم شفقته على الأمَّة، فإنَّ هذا ونحوه سيزيد من محبة المسلم لرسوله الكريم ﷺ ، وكلما ازدات محبته له ازداد تعلقه به ومتابعته له. ٥٣٨- ومن لوازم محبة الداعي المسلم لربه المستفادة من القرآن الكريم والسنة، وطبيعة المحبَّة، أمور أخرى منها: أ- الولع بذكره تعالى في كل حين، فلا يفتر عنه لسان الداعي ولا يخلو منه قلبه، فمن أحبَّ شيئًا أكثر بالضرورة من ذكره وذكر ما يتعلق به، ومن هنا كان من علامات المحبيين الإكثار من تلاوة كتابه ﷻ ، فهو ربيع قلوبهم، وأنيسهم في وحدتهم، والنور الذي ينير صدورهم، وكذلك ذكر الله في كل حين، وفي كل مناسبة، ولهذا يستَحبّ للداعي المسلم أن يأخذ نفسه بأوراد الذكر التي وردت بها السنة النبوية يتلوها بعد صلاة الصبح وعند النوم، وعند الخروج والدخول، والأكل والشرب واللباس، والسفر والإقامة، وفي الأسحار. ب- يأنس بمناجاة الله بالخلوة، فهو لا يستوحش منها ولا يضيق بها، بل يستغلها فرصة لهذه المناجاة. جـ- يتنعَّم بطاعته ولا يستثقلها، فإن المُحِبَّ يتلذَّذ بخدمة محبوبه وينشط لها، ولهذا

стр. 337

كانت الصلاة قُرَّة عينٍ لرسول الله ﷺ ، وراحة لنفسه الكريمة من تعب الدنيا، قال الجنيد ﵀: علامة المحبّ دوام النشاط في طاعة الله. د- لا يتأسَّف على ما يفوته مما سوى الله ، ويعظم تأسُّفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله وعن القيام بخدمته وطاعته. هـ- يؤثر ما يحبه الله على ما يحبه هو في ظاهره وباطنه، فإنَّ المحبَّ الصادق يؤثر دائمًا ما يحبه محبوبه، ولا يبالي بالمشاق والأتعاب في هذا الإيثار. ز- يحب لقاء الله، لأنَّ المحب يحب لقاء الحبيب، وبالتالي فهو لا يكره الموت إذا جاء؛ لأنه مفتاح اللقاء وطريق الوصول إلى الله. ح- الغيرة لله، وعلامتها الغضب إذا انتهكت محارم الله، وهكذا كان رسول الله ﷺ لا يغضب لنفسه، وإنما يغضب لربه إذا انتهكت محارمه، ومع هذه الغيرة حزن يصيب المسلم إذا رأى مخالفة المسلمين لشرع الله، روي أنَّ أحد الصحابة -وأظنُّه أبا الدرداء- دخل إلى بيته يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: دخلت المسجد فرأيت الناس لا يقيمون صلاتهم على النحو الذي شاهدته في زمن النبي ﷺ . ثانيًا: الخوف ٥٣٩- ومن ثمرات الإيمان العميق ولوازمه الخوف من الله، فإنَّ رأس الحكمة مخافة الله، ومن عرف الله خافه، ومن خاف الله لم يخف أحدًا من الناس، وخافه الناس. وبيان ذلك أنَّ حقيقة الخوف عبارة عن تألم القلب بسبب توقع المؤلم في المستقبل، وسبب هذا الخوف العلم بالمفضي إلى وقوع هذا المؤلم في المستقبل، فالخوف من الله علم المسلم بما يفضي إليه عقابه، وهو عصيانه وعدم القيام بحقِّه ﵎، ويزداد هذا الخوف كلما فَقِه المسلم عِظَم الجناية في مخالفة الربِّ ﵎، وأنه ﷻ لو أهلك العالمين لم يمنعه من ذلك مانع. وأعظم ما يقوي جانب الخوف في العبد تدبر آيات الوعيد في القرآن، فإنها حق وصدق، لا مبالغة فيها ولا تخييل، وإنَّ العباد مجزيُّون على أعمالهم حتى الذرة من الخير أو الشر يعملونها، فإذا حصل عنده هذا الإيمان العميق بأثر الذنوب ودقة الحساب، وتفرُّد الله بالحكم يوم الحساب، ومجهولية الخاتمة، انبعثت في القلب الخشية من الربِّ ﷻ ، وابتعد المسلم عن مفضيات

стр. 338

المكروه المؤلم، ثم لا تلبث هذه الخشية وحرقة الخوف أن تفيض من القلب على البدن، فلا يُرَى المؤمن إلّا وجلًا كالمصاب الحزين، لا يمزح ولا يهزل ولا يضحك إلّا تبسمًا، فإنَّ الحزين الخائف المشدوه لا يجد فرصة للهزل، وأن وجدها لا يستطيع ولا يقدر عليه، وللخوف أثره القطعي، فإنَّ من خاف من شيء هرب منه وابتعد عنه وأخذ الوقاية منه، ولهذا يفِرُّ من الأسد الهائج والنار المحرقة، والذنوب والمعاصي عقارب وحيات ومؤذيات ومحرقات لا بُدَّ أن يفِرَّ منها كل خائف من الله، ولا بد أن يغلبها بالطاعات. إنَّ الداعي المسلم إذا ما استشعر خوف الله انكفَّ وانزجر عن المخالفات، واندفع إلى ما يقي نفسه من المؤذيات والمؤلمات في الآخرة، وعلى رأس الوقاية تقوى الله، وفي مقدمة تقوى الله الجهاد في سبيل الله، ومنه الدعوة إليه، وازداد بخشيته من ربه هدى ورحمة، قال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ فالهدى والرحمة للخائف لا للآمن. ثالثًا: الرجاء ٥٤٠- ومن ثمرات الإيمان العميق الرجاء وعدم القنوط من رحمة الله، ذلك أنَّ الله تعالى وَعَد عبادة المؤمنين بما وعدهم به في كتابه المجيد، ومنعهم من القنوط، والشان في صاحب الإيمان العميق أن يؤمن بهذا الوعد الصادق من الربِّ القادر الرحيم، فيحمله هذا الرجاء على تحقيق أسبابه، وأسبابه هي طاعة الرب ومنها الدعوة إليه؛ لأنَّ حقيقة الرجاء ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب للنفس عند حصول أكثر أسبابه، فإن كان انتظاره مع فقد أسبابه كان حُمْقًا وغرورًا، فرجاء رحمة الله وتأييده ورضوانه يكون بتحصيل أسباب ذلك التي أخبرنا الرب بها، ووعد عليها الرحمة والتأييد والنصر والرضوان، فيندفع المسلم ذو الإيمان العميق إلى تحصيل هذه الأسباب جهد الإمكان بلا تسويف ولا تأخير، راجبًا من الله تعالى أن يوفقه إلى تصحيح هذه الأسباب، والاستمرار على تحصيلها وقبولها منه، إنَّ حالته حالة الذي نثر البذر في الأرض الخصبة الجيدة، وأوصل اليها الماء والسماد وظلَّ يتعهدها إلى وقت

стр. 339

الحصاد راجيًا الله تعالى أن يحفظ زرعه ويدفع عنه الآفة. والداعي المسلم في رجاءٍ دائم لا يقنط أبدًا؛ لأنه آمن بوعد الله للعالمين الداعين بالنصر والتأييد والثواب الجزيل، فهو مضمون النصر والتأييد من الرب الجليل.

стр. 340

المبحث الثالث: الاتصال الوثيق ٥٤١- معناه وآثاره: نريد بالاتصال الوثيق تعلُّق الداعي المسلم بربه، وتوكله عليه في جميع أموره؛ لتيقنه بأنَّ الله تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير والضرر والنفع والعطاء، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنَّ الله تعالى يكفي من يتوكل عليه ويفوّض الأمور إليه ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، لا سيما من يتوكَّل عليه في أمور الدعوة إلى الله، ونصره وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه، قال تعالى حكاية عن موسى وهارون: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى، قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ، وهذه المعيِّة النصر والتأييد غير مقصورة على أنبيائه ورسله المتوكلين عليه في تبليغ رسالاته، وإنما هي شاملة لعباده المتقين، لا سيما الدعاة منهم إلى دينه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ . ٥٤٢- وحالة الداعي المسلم في توكله على الله وصلته به يجب أن تكون كحالة الطفل مع أمه، لا يعرف غيرها، ولا يتعلق إلّا بها، ولا يفزع إلّا إليها، ولا يعتمد إلّا عليها، وإذا نابه شيء لم يهتف إلّا باسمها، ولكن هذه الحالة لا تعني ترك الأسباب وإنما تعني عدم التعلق بها والركون إليها؛ لأن التعلق يكون بمسبِّب الأسباب الله ﷻ القوي العزيز. ٥٤٣- ويزداد هذا الاتصال بالرب ﷻ إذا استحضر الداعي المسلم ما يعلمه ويؤمن به يقينًا، وهو أنَّ الخلق لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًّا، وأن الأمور كلها بلا استثناء بيد الله القوي العزيز، فإذا استحضر الداعي هذه المعاني

стр. 341

في قلبه، فإنه سيزهد حتمًا في الاعتماد على أيّ مخلوق، ويتوجه بكليته إلى خالقه ومولاه وناصره ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ ، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . ومع اعتماد الداعي على الله في جميع أموره فإنَّه يثق بربه ثقة كاملة بأنَّه يحفظه وينصره ويدفع عنه الشرور، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . ٥٤٤- ولكن لا يجوز للداعي المسلم أن يحدِّد لله وقتًا لإنزال نصره وإعانته على أعدائه، ولا نوعًا معينًا أو كيفية معينة لهذا النصر أو العون، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ، وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم، كما فعل بقتلة يحيي وزكريا وشعيبًا: سلّط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم، فسلّط على اليهود الذين أرادوا قتل عيسى ﵇، سلط عليهم الروم فأهانوهم وأذلّوهم وأظهرهم الله تعالى عليهم، وقال السدي: لم يبعث الله رسولًا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قومًا من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله ﵎ لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا، قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها، وهكذا رسوله، أمره بالهجرة ثم رجع إليها فاتحًا منتصرًا١. ٤٥٤- وما دام الداعي المسلم ينصر الله، أي: ينصر دينه بالدعوة إليه، فإنَّ الله تعالى ناصره، قال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾ ، فعلى الداعي أن يتيقَّن ذلك ولا يشكّ فيه أبدًا، قال ﷺ عند رجوعه من الطائف، وقد ردَّه أهلها أسوأ ردٍّ، وكان معه زيد، قال ﵊ لزيد: "إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وأن الله تعالى ناصر دينه ومظهر نبيه" ٢، الداعي لا

стр. 342

ييأس أبدًا؛ لأنَّ اليأس حرام أن يتسرَّب القلب الموصول بالله، وإنما يدخل قلوب الكافرين المنقطعة صلتهم بالله، قال عز من قائل: ﴿وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ . ٥٤٦- إن هذا الاتصال بالرب ﷻ ضروري جدًّا للداعي المسلم، فيه تهون عليه الصعاب، وتخف الآلام، وتنتزع من قلبه الخشية من الناس ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ، ويحسّ بعزة الإيمان؛ لأنه موصول بالقوي العزيز ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ، فلا يعْظُم في عينه باطل ولا مبطل؛ لأنَّ الباطل وأهله من التافه الحقير، فلا يمكن أن يعظم في أعين المؤمنين.

стр. 343

الفصل الثالث: أخلاق الداعي أخلاق الداعي هي أخلاق الإسلام: ٥٤٧- أخلاق الداعي المسلم هي أخلاق الإسلام التي بَيَّنَها الله تعالى في قرآنه، وفصلها رسول الله ﷺ في سنته، وانصبغ بها صحابته الكرام في سلوكهم، وهي لازمة لكلِّ مسلم، وما عليه إلّا أن يعرض نفسه عليها؛ ليزن نفسه في ميزانه، ليعلم ما عنده منها، وما لم يصل إليه بعد منها، وقد ذكرنا جملة من هذه الأخلاق في فصل سابق، فارجع إليه إن شئت، ونريد هنا أن نذكر بعض تلك الأخلاق الإسلامية التي لها صلة وثيقة بعمل الداعي، ويحتاج إليها حاجة ملحة تبلغ حَدَّ الضرورة إذا أراد النجاح في عمله الطيب المبرور. أولًا: الصدق ٥٤٨- في كتاب الله تعالى آيات كثيرة تتحدث عن الصدق وفضليته، وتأمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ١، وأنَّه في يوم القيامة ينفع العبد وينجيه من سخط الله، ويؤدي به إلى الجنان ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﵃﴾ ٢. وحقيقة الصدق حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه، هكذا قال ابن

стр. 344

قيم الجوزية في مدارجه، ويكون في القصد والقول والعمل، ومعناه في القصد: كمال العزم وقوة الإرادة على السير إلى الله وتجاوز العوائق، ويكون ذلك بالمبادرة إلى أداء ما افتراضه الله عليه، وفي مقدمته الجهاد في سبيله، ومنه: الدعوة إلى الله، والصدود عن كل معوّق أو مثبِّط، والانصراف عنهم والنفرة منهم؛ لأنهم أناس في غفلة يعيشون، ولا يعلمون إلّا ظاهرًا من الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم، وهو في حقيقته الجهالة والهوى. والحقيقة أنَّ قلب الصادق شديد الحساسية لا يحتمل هؤلاء المثبطين، ولهذا فهو يضيق بهم، ولا يستطيع مجاورتهم ولا مصاحبتهم ولا مجالستهم، إنَّه ينشرح صدره ويهِشُّ لمن يشوقه إلى الإسراع في سيره إلى الله والدعوة إليه، أمَّا صدق القول فمعناه: نطق اللسان بالحق والصواب فلا ينطق بالباطل، أيّ باطلٍ كان، ويكون الصدق في الأعمال بأن تكون وفق المناهج الشرعية والمتابعة لرسول الله ﷺ ، وإذا ما تحقَّق للمسلم الصدق في القول والقصد والعمل أدَّى به ذلك إلى درجةٍ أخرى في الصديقية، وهي التي أمر الله عباده المؤمنين بطلبها، موجِّهًا ﷻ الخطاب إلى رسوله الكريم ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ ومعنى مدخل الصدق ومخرجه أن يكون دخول المسلم في أي شيء، ومباشرته لأيِّ عمل، وخروجه منه وتركه له بالله ولله، بمعنى أنَّ أفعاله وتروكه موصولة بالله وموصولة إليه، مستعينًا على أدائها بالله، ومقصوده مرضاة الله، فغايته هي الله وحده ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فإذا بلغ المسلم هذه الدرجة من الصديقية لم يعد في نظره غرض مقبول لرغبته في الحياة إلّا إذا كان بقاؤه فيها وسيلة لمرضاة الله، فإذا فاته هذا الغرض أو لم يستطعه رَغِب عن الحياة وأحبَّ الموت. روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قال: "لولا ثلاث لما أحببت البقاء، لولا أن أحمل جياد الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب التمر، ويريد الإمام عمر بهذه الثلاث التي ذكرها: الجهاد والصلاة والعلم النافع، وكلها ترضي الرب "١.

стр. 345

٥٤٩- والداعي المسلم الصادق يظهر أثر صدقه في وجهه وصوته، فقد كان ﷺ يتحدث إلى من لا يعرفونه، فيقولون: والله ما هو بوجه كذَّاب ولا صوت كذاب١، ولا شكَّ أن ظهور أثر الصدق في وجه الداعي وصوته يؤثر في المخاطب، ويحمله ذلك على قبول قوله واحترامه، إلّا إذا كان عمى القلب قد بلغ منه مبلغًا عظيمًا، ومهما يكن من أمر فإنَّ الصدق والنفاق أساسه الكذب، فكيف يمكن أن يكون الداعي كذابًا؟ والكذي يهدي إلى الفجور كما قال الرسول ﷺ ، فكيف يمكن أن يكون الفاجر داعيًا إلى الله؟ ثانيًا: الصبر ٥٥٠- الصبر من فروض الإسلام وهو نصف الإيمان، وذكره القرآن الكريم في أكثر من ثمانين موضعًا أمر به ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ ، ونهيًا عن ضده ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ ، ومحبة لأهله ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِين﴾ ، ومعيته تعالى لهم ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ ، وعاقبته خير ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُم﴾ ، وجزاؤه عظيم ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ، وأهل الصبر هم المنتفعون بالآيات والعظات ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ، وهو سبب لدخول الجنان ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ، هذا بعض ما في القرآن الكريم عن الصبر، وفي السنة النبوية أحاديث كثيرة في الصبر، منها: "ما أعطي أحد عطاء خيرًا له أوسع من الصبر"، "عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا اللمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له". ٥٥١- والصبر لغة: الحبس والكف، وشرعًا: هو على ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر على معصية الله، وصبر على المصائب والبلاء. أمَّا الصبر على طاعة الله فيكون بالمحافظة عليها دومًا، والإخلاص فيها ووقوعها

стр. 346

على مقتضى الشرع، ومما يعين على تحصيله المعرفة بالله وحقه على العباد، وحسن الجزاء للمطيعين، وأمَّا الصبر عن المعصية فيكون بهجر السيئات والفرار من المعاصي، والدوام على هذا الفرار، وذلك الهجر مما يعين على تحصيل هذا الصبر واستحضار الخوف من عذاب الله، وأعلى من هذا استحضار الحياء من الله والمحبَّة له، مع استحضار ثمرة هذا الصبر وهي إبقاء الإيمان وتقويته وإنماؤه؛ لأن المعصية تنقص الإيمان أو تضعفه أو تكدره أو تذهب نوره وبهاءه. أما الصبر على البلاء والمصائب فيكون بترك التسخُّط واحتمال المؤلم المكروه، وترك الشكوى للناس، فإن الصبر الجميل ينافيه الشكوى للمخلوق، أمَّا الشكوى لله فلا ينافيه، قال تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ، وقال عن أيوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ، مع قوله تعالى عنه في آية آخرى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ، ومما يستدعي هذا الصبر استحضار نعم الله التي لا تُعَدّ ولا تحصى، فتهون على المصاب مصيبته، ويقل وقعها على نفسه، ويكون مثله مثل من يعطي ألف دينار ويفقد فلسًا واحدًا، ومما يعين أيضًا على الصبر على البلاء تذكر الجزاء العظيم للصابرين. الصبر بالله ولله: ٥٥٢- والصبر بأنواعه إنما هو بالله، بمعنى: إنَّ المسلم يؤمن بأنَّ صبره إنما يكون بعون الله، فالله هو المصبِّر له، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ، وصبر المسلم لله، أي: إنَّ المسلم يصبر طاعةً ومرضاة له، فالباعث على صبره محبة الله وطلب مرضاته، وهذا النوع من الصبر وهو يشمل الصبر على الطاعة وعن المعصية أكمل من الصبر على الابتلاء؛ لأنَّ في الأول اختيارًا وإيثارًا ومحبة، أمَّا الثاني فهو صبر ضرورة ولا اختيار للصابر. حاجة الإنسان إلى الصبر: ٥٥٣- الصبر من الصفات اللازمة لكلِّ إنسان؛ إذ بدونه لا يستطيع بلوغ ما يريد؛ لأنَّ المراد لا ينال غالبًا إلّا بتحمُّل المكاره وحبس النفس عيها، وهذا مطَّرد في جميع أمور الحياة، فالطالب يحبس نفسه على المذاكرة والدرس وكفّ نفسه عمَّا تهواه

стр. 347

من لذةٍ وراحةٍ حتى يستوعب الدروس لينجح في الامتحان، وكذلك التاجر، وكذلك أيّ صاحب غرض يريد نواله، وما يقال عن الأفراد يقال عن الأمم، فالأمة التي تريد بلوغ ما تصبوا إليه تحتاج إلى صبر عظيم وتحمّل للمشاق، والانتصار في الحروب يكون بجانب الذي يملك أسبابه، ومن أعظم أسبابه الصبر، فالصبر إذَن ضروري لكل إنسان في الحياة، وإلّا صار هشًّا سريع الانكسار أمام الأحداث، وما أكثرها في الحياة، فإنها مملوءة بالمنغَّصَات والمشقَّات والصعاب والمؤلفات، فإذا لم يقابلها بشيء من الصبر انكسر وتفتَّتَ وتمزَّقت شخصيته في دروب الحياة، فتسحقه الأقدام وتلقيه بعيدًا عن طريق المارِّين. ٥٥٤- وإذا كان الصبر لأيِّ إنسانٍ من لوازم بقائه وسيره في الحياة وبلوغ ما يريد، فإنَّ الصبر أشدَّ ضرورة للمسلم من غيره؛ لأنَّ المسلم مطلوب منه أن يحبس نفسه ويكفّها عن المعصية، وفي المعاصي لذة للنفس يصعب عليها فراقها، فيحتاج إلى قدر كبير من ضبط النفس ومن الإرادة القوية التي تكفّ النفس وتمنعها من مقارفة الخطئية. ومطلوب من المسلم أيضًا فعل الطاعات، وهذا يقتضيه أن يحبس نفسه عليها، وهو الصبر على الطاعة، وهو مطالب أيضًا بأن يصبر على المقدَّر ولا يجزع لئلَّا يتحمَّل إثمًا ووزرًا، بالإضافة إلى ضياع الأجر والثواب. ضرورة الصبر على المسلم: ٥٥٥- وإذا كان الصبر ضروريًّا لأيِّ إنسان، لا سيما للمسلم، فإنَّ الصبر للداعي المسلم أشدّ ضرورة له من غيره؛ لأنَّه يعمل في ميدانين: ميدان نفسه؛ يجاهدها ويحملها على الطاعة ويمنعها من المعصية، وميدان خارج نفسه، وهو ميدان الدعوة إلى الله، ومخاطبة الناس في موضوعها، فيحتاج إلى قَدْر كبير من الصبر في المجالين: مجال النفس ومجال الدعوة، حتى يستطيع تجاوز العقبات وتحمُّل الأذى، فإن فقد الصبر قعد أو انسحب من الميدان، وحق عليه الحساب، وفاته الثواب. ٥٥٦- الابتلاء لا بُدَّ منه: والابتلاء لا بُدَّ منه، فلا بُدَّ من الصبر لاجتياز الامتحان بنجاح، قال تعالى:

стр. 348

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ، فالإبتلاء من سُنَّة الله في الحياة، يبتلي عباده بمن يشاء ومتى يشاء وكيف يشاء؛ ليظهر ما في نفوسهم من إيمان ونفاق، وهذا الابتلاء يكون بأشياء كثيرة على رأسها التكاليف الشرعية، فهي ابتلاء وامتحان، وقد يكون في تزاحم محبوبات الرب مع محبوبات النفس، فإذا آثر محبوبات الله على محبوبات النفس اجتاز هذا الامتحان، وإلّا رسب وفشل، وقد يكون الابتلاء في المصائب والآلام التي يصاب بها كالمرض وفقد الأعِزَّة وتلف الأموال، فإذا صبر وسلَّم واسترجع ولم يجزع أثابه الله ثواب الصابرين، وكان في هذا الامتحان من الناجحين، وإلّا كان من الخاسرين. ابتلاء الدعاة إلى الله: ٥٥٧- وإذا كان الابتلاء مما قضت به سُنَّة الله في الحياة، فإنَّ ابتلاء الدعاة إلى الله مما جرت به السُّنَّة الإلهية أيضًا، فهم يبلتون بأذى الكفرة والمارقين بالقول والكيد واليد، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ ، ومعنى يسخفَّنَّك٣: يحملونك على الخِفَّة والطيش بعدم الصبر، والدعاة إلى الله

стр. 349

يكيد لهم أهل الباطل، ويفترون عليهم الكذب، ويؤذونهم بأنواع الأذى؛ لأنهم قوم يجهلون وضالون، وقد أوذي أصحاب النبي ﷺ في مكة أشدّ الأذى، وكان رسول الله ﷺ يأمرهم بالصبر: "صبرًا آل ياسر إن موعدكم الجنة"، فعلى الداعي المسلم أن يقابل الأذى الذي يلقاه بالصبر الجميل، كما فعل رسول الله ﷺ وصحابته الكرام، ومن قبلهم رسل الله، فإنَّ هذا الصبر مما ينعقد عليه عزم المؤمنين وتتوجَّه إليه إرادتهم ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ . استدعاء البلاء ودفعه: ٥٥٨- وإذا كان البلاء والابتلاء مما يصيب الدعاة إلى الله، وبهذا جرت سنة الله، فهل معنى ذلك أنَّ على الداعي المسلم أن يستدعي البلاء ويعمل على وقوعه، ولا يجوز له دفعه؟ في المسألة تفسير وتوضيح؛ لأنَّ هذه المسألة مما يقع فيها الاشتباه والخلط بسبب سوء الفهم، لا بسبب سوء النية والقصد، ولتوضيح هذه المسألة أذكر ما يأتي: أولًا: المطلوب من الدَّاعي المسلم أن يدعو الله على بصيرة بالوسائل والكيفيات المشروعة التي بيّنَها القرآن الكريم وطبَّقها الرسول ﷺ ، فإذا أدَّت هذه الوسائل إلى أذى يصيب الداعي، فعليه أن يتقلبه بالصبر لا بالجزع، وبالثبات لا بالفرار. ثانيًا: إذا كان للداعي المسلم مندوحة من الأذى، أي: يستطيع أن يتوقاه ولا يجب عليه أن يقابله، فله أو عليه أن يتوقاه حسب الظروف والأحوال، فقد يباح له الابتعاد عنه وعدم مباشرة ما يستدعيه، وقد يجب عليه الابتعاد وعدم مباشرة ما يستدعيه؛ لأن الابتلاء صعب على النفس، فلا يجوز الحرص عليه ولا الرغبة فيه؛ لأن فيه فتنة مجهولة العاقبة، وقد يحس المسلم من نفسه القدرة على الثبات، ومن ثَمَّ لا يبالي بالابتلاء، بل ربما رغب فيه إمَّا طمعًا بثواب الله، وإمَّا لتدخل وسوسة الشيطان؛ ليقال عنه: ما أثبته وما أصبره على البلاء، فإذا نزل البلاء ضعف عن الاحتمال ووقع في

стр. 350

الافتتان، ورسب في الامتحان، كما روي عن أحدهم أنه قال: يا رب امتحني بما شئت، فأنا راضٍ بقدرك، صابر على ابتلائك، فابتلاه الله باحتباس البول، فأخذ يصيح ويولول ويطوف على الأولاد ويقول لهم: ارموا عمَّكم الكذاب بالحجارة. ثالثًا: لا ينبغي للمسلم أن يتعرَّض لما لا يطيقه من البلاء فيرسب في الامتحان، جاء في الحديث الشريف: "لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه"، قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: "يتحمَّل من البلاء ما لا يطيق" ١. رابعًا: من الأدعية المأثورة أن يسأل المسلم ربَّه العفو والعافية، والعافية يدخل فيها المعافاة من الابتلاء والمؤذيات، وهذا يدل على أنَّ التخلص والخلاص من أذى أهل الباطل ممدوح ومحمود غير مذموم. خامسًا: وفي وصيته ﵊ لأسامة بن زيد وقد جعله أميرًا على الجيش لغزو الروم قبل وفاته ﵊ بأيام، قال له: "ولا تمنَّوا لقاء العدو، فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم، ولكن قولوا: اللهمَّ اكفناهم وأكفف بأسهم" ٢. وقال ربنا في القرآن الكريم: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ ، وهذا يشعر بأنَّ عدم احتياج المؤمنين للقتال لكفاية الله تعالى يُعْتَبر من نعمة الله على المؤمنين، والقتال فيه أذى ونصب وألم، فلو كان تعريض المسلم نفسه للابتلاء والأذى مطلوبًا لذاته لما كان عدم الاحتياج إليه مما يمنّ الله به على المؤمنين. سادسًا: إيذاء أهل الباطل للمؤمنين غير مطلوب قطعًا، بل هو من سيئات أهل الباطل؛ لأنه إيذاء لأهل الحق، فكيف يسوغ تسليم المسلم نفسه للمبطل يؤذيه ويهينه ويذله؟ ألا يكون في هذا التسليم إعانة على وقوع ما يسخط الله تعالى، وإلقاءً للنفس في التهلكة والمهانة والذلة؟ وكل هذا لا يجوز. سابعًا: أَذِنَ الله للمكرَه أن يقول كلمة الكفر تخليصًا لنفسه من الأذى والتلف، وهذا يدل على إباحة دفع الأذى، وأنَّ للمسلم أن لا يساعد على وقوعه عليه.

стр. 351

ثامنًا: عند انسحاب خالد بن الوليد بمن معه من جند المسلمين في معركة مؤتة ودخولهم المدينة المنورة، جعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله، فيقول رسول الله ﷺ : "ليسوا بالفرار ولكنَّهم الكرار إن شاء الله تعالى"، وجه الدلالة في هذا الخبر أنَّ خالد بن الوليد ومن معه من المسلمين انسحبوا من ملاقاة العدوة تخلصًا من الأذى والضرر، فعابهم المسلمون في المدينة ووصفوهم بالفرَّار، ولكن سيد العارفين نبينا محمد ﷺ نظر إلى غير ما ينظرون، ورأى في انسحابهم الناجح نوعًا من النصر لتخلُّصهم من القتل ومن أذى المشركين واحتمال أسرهم، وأن انسحابهم كتحوّل الجند في ساحة المعركة من جهة أخرى، فدلَّ ذلك على أنَّ دفع البلاء أمر مطلوب إذا أمكن المسلم دفعه، وأن تسليم المسلم نفسه للأذى والضرر حيث يمكنه الخلاص ليس بالأمر الممدوح، بل ولا المشروع. تاسعًا: هاجر المسلمون من مكّة إلى الحبشة فرارًا بدينهم وتخلصًا من أذى قريش، فدلَّ ذلك على جواز دفع البلاء والأذى، وعدم الاستسلام له بحجة تحمُّل الأذى في سبيل الله؛ لأن نفس المسلم ليست ملكه، وإنما هي ملك الله، فلا يجوز إتلافها بلا فائدة تعود إلى الإسلام، وليس من الفائدة أن يقول الناس: ما أثبت هذا الداعي وأجرأه على تحمُّل الأذى في سبيل الله، بل قد يكون تحمُّل الأذى بهذا الدافع ولهذا الغرض رياءً وطلبًا للسمعة والجاه عند الناس، وهذا لا يجوز. عاشرًا: إنَّ رسول الله ﷺ لم ير بأسًا من عون عمه أبي طالب -وكان على دين قومه- في دفع ما يستطيعه من أذى قريش عنه، ولما ماتت خديجة وعمه في عام واحد سمَّاه "عام الحزن"، وقال: "ما نالت قريش مني شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب"؛ لأنه لم يكن في عشيرته وأعمامه حامٍ له، ولا ذابّ عنه غيره١. وعندما رجع ﵊ من الطائف، وانتهى إلى حراء، بعث رجلًا من خزاعة إلى المطعم بن عدي ليجيره حتى يبلِّغ رسالة ربه فأجاره، ودخل رسول الله ﷺ مكة فأقام بها، وجعل يدعو إلى الله٢.

стр. 352

وجه الدلالة في هذه الآثار أنَّ رسول الله ﷺ رضي بحماية عمِّه أبي طالب له، ودفعه الأذى عنه، وكذلك دخوله ﵊ بجوار المطعم، فدلَّ ذلك على جواز دفع البلاء والأذى عن الداعي ولو عن طريق حماية المشرك، وعدم استحباب تسليم المسلم نفسه لأهل الباطل، وكذلك فعل أصحاب رسول الله الذين هاجروا إلى الحبشة، فعندما رجعوا إلى مكة "لم يدخل منهم أحد إلّا بجوار أو متخفيًا"١، ويجب أن يعلم هنا أن الداعي المسلم في رغبته وسعيه لدفع الأذى عن نفسه إنما يقصد التمكين وإيجاد الجو المناسب لدعوته إلى الله، ويوضِّح ذلك ما جاء في السيرة أنَّ رسول الله ﷺ كان يخرج إلى القبائل أيام الموسم ويدعوها إلى الإسلام ويقول: "من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي، فإنَّ قريشًا قد منعوني أن أبلِّغ رسالة ربي" ٢. خلاصة القول في استدعاء البلاء ودفعه: ٥٥٩- ومن هذا العرض الذي قدمته، والنصوص التي ذكرتها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والسوابق القديمة في سيرة النبي الكريم ﷺ وأصحابه الكرام وهم أفقه المسلمين بشريعة الإسلام، يتبيِّن لنا بكل وضوح ما يأتي: أولًا: الأذى أو الضرر الذي يلحق الداعي المسلم هو بمنزلة الأمراض والمصائب التي تنزل على الإنسان، فكما أنه لا يحبها ولا يرغب فيها ولا يريد إيقاعها على نفسه، ولا يقدح ذلك في إيمانه، فكذلك لا يقدح في إيمانه عدم محبته ولا رغبته في وقوع أذى أهل الباطل عليه، وعدم استدعاء الضرر على نفسه. ثانيًا: إن احتمال وقوع الأذى والضرر به لا يقعد به عن دعوته إلى الله، ولكن الداعي لا يستدعي الأذى لنفسه، بل يعمل على عدم وقوعه، وإذا وقع عَملَ على دفعه بكل وسيلة مشروعة في ضوء ما جاء في القرآن والسنة. ثالثًا: إذا وقع الضرر والأذى على الداعي المسلم بالرغم من التزامه بالسير المشروع

стр. 353

في الدعوة إلى الله، فعليه أن يستعين بالله ويصبر الصبر الجميل، وليعلم أنَّ الأمور كلها بيد الله تعالى، وأنّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله. ثالثًا: الرحمة ٥٦٠- من أخلاق الداعي الضرورية: الرحمة، وقبل أن أبيِّنَ أهميتها للداعي أذكر ما ورد في السنة النبوية١. قال ﷺ : "لا يُرْحَم من لا يَرْحَم الناس"، "لا تنزع الرحمة إلّا من شقي"، "الراحموان يرحمهم الله تعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، قَبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي ﵄ وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إنَّ لي عشرة من الولد ما قَبَّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: "من لا يَرْحَم لا يُرْحَم"، "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض". ٥٦١- ومن صفات وأخلاق المصطفى ﷺ رحمته وشفقته على أمته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، ومن شفقته ﷺ دلالته على ما يبعدهم عن النار، وقد مثَّل ذلك بمثل بليغ، قال ﷺ : "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيه" ٢. ضرورة الرحمة للداعي: ٥٦٢- إنَّ الداعي لا بُدَّ أن يكون ذا قلب ينبض بالرحمة والشفقة على الناس، وإرادة الخير لهم والنصح لهم، ومن شفقته عليهم دعوتهم إلى الإسلام؛ لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار وفوزهم برضوان الله تعالى. إنَّه يجب لهم ما يحب لنفسه، وأعظم ما يحبه لنفسه الإيمان والهدى، فهو يحب ذلك إليهم أيضًا. إنَّ الوالد من شفقته على أولاده يحرص على إبعادهم عن الهلكة، ويتعب نفسه في سبيل ذلك، وأيَّة هلكة أعظم

стр. 354

من الضلال والتمرد على الله؟ والداعي بدعوته إنما يسعى لتخليص المتمرِّدين العصاة من الهلاك والخسران المبين. إنَّ الداعي الرحيم لا يكف عن دعوته ولا يسأم من الرد والإعراض؛ لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة، وأنَّ إعراضهم بسبب جهلهم، فهو لا ينفكّ عن إقناعهم وإرشادهم، وقد ذكرنا في شفقة رسول ﷺ المثل الذي ضربه لنفسه الكريمة مع أمته، وهكذا كان الأنبياء رحماء بمن أرسلوا إليهم، مشفقون عليهم من العذاب، قال تعالى حكايةً عن نوح ﵇: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١، فقوله ﵇ ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لا يصدر إلّا عن قلب رحيم، وشفقة ظاهرة عليهم، وكذلك قوله ﵇ وقد رموه بالضلالة ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢، فجواب نوح ﵇ مشحون بالرحمة والشفقة عليهم واللطف في مخاطبتهم، ولم يغضبه كلامهم؛ لأنهم قوم يجهلون؛ ولأن الداعي الرحيم لا يغضب لنفسه قط، وهكذا كان خُلُقُ رسولنا محمد ﷺ ، فما كان يغضب لنفسه، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله، ثم في جواب نوح أنَّه ينصح لهم، أي: يُخْلِص في القول النافع المفيد لهم، بالرغم من قولهم الباطل فيه، ويبيِّن لهم أنه رسول من رب العالمين؛ ليعلموا أن ما يخبرهم به هو الحق الصريح الواجب قبوله، وفي قبوله رحمة بهم، دليل على ما كان في قلبه ﵇ من عظيم الرحمة بقومه. الرحمة تهوّن على الداعي ما يلقاه من الجهلاء: ٥٦٣- والرحمة تهوّن على الداعي ما يلقاه من أصحاب الغفلة والجهالة؛ لأنه ينظر اليهم من مستوى عالٍ رفيع أوصله إليه إيمانُه وصلته بربه، ولذا فهو ينظر إليهم

стр. 355

كصغار يعبثون، والشأن في الصغار الأطفال والجهل وعدم إدراك ما ينفعهم، ولذلك لا يعجب الداعي من مقابلة نصحه بالإعراض والصدود والأذي، كما يفعل الطفل إذا نصحته أو أبعدته مثلًا عن مسِّ النار أو الشيء المؤذي، فإنه يصيح ويغضب وربما آذاك. إنَّ الداعي لا يعجب من صدودهم كما قلت، ولذلك فهو يعيد الكَرَّة معهم، ويتحمَّل أذاهم ويدعو لهم بالهداية، وهكذا كان رسول الله ﷺ يكرِّر دعوته إلى قريش ويتحمَّل أذاهم، ويقول: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون". إنَّ الإنسان ذا القلب الرحيم لا يستكثر على الصغير أن يصدر منه الصدود عن الناصح والأذى له؛ لأنه جاهل، ومن ثَمَّ يشفق عليه ذو القلب الرحيم، ولا يؤاخذه على إساءته إليه، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ . الرحمة تثمر العفو الصفح: ٦٥٤- وما دام الداعي المسلم ينظر إلى من يدعوهم نظرة الرحمة والشفة عليهم، فإنه يعفو ويصفح عنهم في حقّ نفسه، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ، وإذا كان هذا هو شأن الداعي المسلم بالنّسبة لمن يدعوهم ويحتمل صدور الأذى منهم، فإنَّ عفو الداعي وصفحه عن أصحابه أوسع، قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ . الفظاظة تؤدي إلى انفضاض الناس: ٥٦٥- والداعي المحروم من الرحمة الغليظ القلب لا ينجح في عمله، ولا يُقْبِلُ الناس عليه وإن كان ما يقوله حقًّا وصدقًا. هذه هي طبيعة الناس ينفرون من الغيظ الخشن القاسي ولا يقبلون قوله؛ لأن قبول قول الناصح يستلزم إقبال قلب المنصوح إليه، ولا يحصل هذا الإقبال مع خشونة الطبع وغلظة القلب، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ، فإذا كان هذا يمكن أن يقع بالنسبة لرسول الله ﷺ ، لو حصل ما ذكرته الآية الكريمة. والرسول لا ينطق إلّا بالحق، ومؤيَّد بالحق، فكيف يمكن تصور تخلف الانفضاض عن الداعي إذا كان فظًّا غليظ القلب؟ فليتق ربهم الدعاة إلى الله، وليتكلَّفوا الرحمة والرفق إن لم يكونوا رحماء حتى
следующие страницы →