← Общие книги

Общие книги · id 22615

أصول الدعوة

عبد الكريم زيدان

Полный текст (507 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ثامنًا: عند انسحاب خالد بن الوليد بمن معه من جند المسلمين في معركة مؤتة ودخولهم المدينة المنورة، جعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله، فيقول رسول الله ﷺ : "ليسوا بالفرار ولكنَّهم الكرار إن شاء الله تعالى"، وجه الدلالة في هذا الخبر أنَّ خالد بن الوليد ومن معه من المسلمين انسحبوا من ملاقاة العدوة تخلصًا من الأذى والضرر، فعابهم المسلمون في المدينة ووصفوهم بالفرَّار، ولكن سيد العارفين نبينا محمد ﷺ نظر إلى غير ما ينظرون، ورأى في انسحابهم الناجح نوعًا من النصر لتخلُّصهم من القتل ومن أذى المشركين واحتمال أسرهم، وأن انسحابهم كتحوّل الجند في ساحة المعركة من جهة أخرى، فدلَّ ذلك على أنَّ دفع البلاء أمر مطلوب إذا أمكن المسلم دفعه، وأن تسليم المسلم نفسه للأذى والضرر حيث يمكنه الخلاص ليس بالأمر الممدوح، بل ولا المشروع. تاسعًا: هاجر المسلمون من مكّة إلى الحبشة فرارًا بدينهم وتخلصًا من أذى قريش، فدلَّ ذلك على جواز دفع البلاء والأذى، وعدم الاستسلام له بحجة تحمُّل الأذى في سبيل الله؛ لأن نفس المسلم ليست ملكه، وإنما هي ملك الله، فلا يجوز إتلافها بلا فائدة تعود إلى الإسلام، وليس من الفائدة أن يقول الناس: ما أثبت هذا الداعي وأجرأه على تحمُّل الأذى في سبيل الله، بل قد يكون تحمُّل الأذى بهذا الدافع ولهذا الغرض رياءً وطلبًا للسمعة والجاه عند الناس، وهذا لا يجوز. عاشرًا: إنَّ رسول الله ﷺ لم ير بأسًا من عون عمه أبي طالب -وكان على دين قومه- في دفع ما يستطيعه من أذى قريش عنه، ولما ماتت خديجة وعمه في عام واحد سمَّاه "عام الحزن"، وقال: "ما نالت قريش مني شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب"؛ لأنه لم يكن في عشيرته وأعمامه حامٍ له، ولا ذابّ عنه غيره١. وعندما رجع ﵊ من الطائف، وانتهى إلى حراء، بعث رجلًا من خزاعة إلى المطعم بن عدي ليجيره حتى يبلِّغ رسالة ربه فأجاره، ودخل رسول الله ﷺ مكة فأقام بها، وجعل يدعو إلى الله٢.

стр. 352

وجه الدلالة في هذه الآثار أنَّ رسول الله ﷺ رضي بحماية عمِّه أبي طالب له، ودفعه الأذى عنه، وكذلك دخوله ﵊ بجوار المطعم، فدلَّ ذلك على جواز دفع البلاء والأذى عن الداعي ولو عن طريق حماية المشرك، وعدم استحباب تسليم المسلم نفسه لأهل الباطل، وكذلك فعل أصحاب رسول الله الذين هاجروا إلى الحبشة، فعندما رجعوا إلى مكة "لم يدخل منهم أحد إلّا بجوار أو متخفيًا"١، ويجب أن يعلم هنا أن الداعي المسلم في رغبته وسعيه لدفع الأذى عن نفسه إنما يقصد التمكين وإيجاد الجو المناسب لدعوته إلى الله، ويوضِّح ذلك ما جاء في السيرة أنَّ رسول الله ﷺ كان يخرج إلى القبائل أيام الموسم ويدعوها إلى الإسلام ويقول: "من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي، فإنَّ قريشًا قد منعوني أن أبلِّغ رسالة ربي" ٢. خلاصة القول في استدعاء البلاء ودفعه: ٥٥٩- ومن هذا العرض الذي قدمته، والنصوص التي ذكرتها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والسوابق القديمة في سيرة النبي الكريم ﷺ وأصحابه الكرام وهم أفقه المسلمين بشريعة الإسلام، يتبيِّن لنا بكل وضوح ما يأتي: أولًا: الأذى أو الضرر الذي يلحق الداعي المسلم هو بمنزلة الأمراض والمصائب التي تنزل على الإنسان، فكما أنه لا يحبها ولا يرغب فيها ولا يريد إيقاعها على نفسه، ولا يقدح ذلك في إيمانه، فكذلك لا يقدح في إيمانه عدم محبته ولا رغبته في وقوع أذى أهل الباطل عليه، وعدم استدعاء الضرر على نفسه. ثانيًا: إن احتمال وقوع الأذى والضرر به لا يقعد به عن دعوته إلى الله، ولكن الداعي لا يستدعي الأذى لنفسه، بل يعمل على عدم وقوعه، وإذا وقع عَملَ على دفعه بكل وسيلة مشروعة في ضوء ما جاء في القرآن والسنة. ثالثًا: إذا وقع الضرر والأذى على الداعي المسلم بالرغم من التزامه بالسير المشروع

стр. 353

في الدعوة إلى الله، فعليه أن يستعين بالله ويصبر الصبر الجميل، وليعلم أنَّ الأمور كلها بيد الله تعالى، وأنّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله. ثالثًا: الرحمة ٥٦٠- من أخلاق الداعي الضرورية: الرحمة، وقبل أن أبيِّنَ أهميتها للداعي أذكر ما ورد في السنة النبوية١. قال ﷺ : "لا يُرْحَم من لا يَرْحَم الناس"، "لا تنزع الرحمة إلّا من شقي"، "الراحموان يرحمهم الله تعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، قَبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي ﵄ وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إنَّ لي عشرة من الولد ما قَبَّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: "من لا يَرْحَم لا يُرْحَم"، "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض". ٥٦١- ومن صفات وأخلاق المصطفى ﷺ رحمته وشفقته على أمته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، ومن شفقته ﷺ دلالته على ما يبعدهم عن النار، وقد مثَّل ذلك بمثل بليغ، قال ﷺ : "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيه" ٢. ضرورة الرحمة للداعي: ٥٦٢- إنَّ الداعي لا بُدَّ أن يكون ذا قلب ينبض بالرحمة والشفقة على الناس، وإرادة الخير لهم والنصح لهم، ومن شفقته عليهم دعوتهم إلى الإسلام؛ لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار وفوزهم برضوان الله تعالى. إنَّه يجب لهم ما يحب لنفسه، وأعظم ما يحبه لنفسه الإيمان والهدى، فهو يحب ذلك إليهم أيضًا. إنَّ الوالد من شفقته على أولاده يحرص على إبعادهم عن الهلكة، ويتعب نفسه في سبيل ذلك، وأيَّة هلكة أعظم

стр. 354

من الضلال والتمرد على الله؟ والداعي بدعوته إنما يسعى لتخليص المتمرِّدين العصاة من الهلاك والخسران المبين. إنَّ الداعي الرحيم لا يكف عن دعوته ولا يسأم من الرد والإعراض؛ لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة، وأنَّ إعراضهم بسبب جهلهم، فهو لا ينفكّ عن إقناعهم وإرشادهم، وقد ذكرنا في شفقة رسول ﷺ المثل الذي ضربه لنفسه الكريمة مع أمته، وهكذا كان الأنبياء رحماء بمن أرسلوا إليهم، مشفقون عليهم من العذاب، قال تعالى حكايةً عن نوح ﵇: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١، فقوله ﵇ ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لا يصدر إلّا عن قلب رحيم، وشفقة ظاهرة عليهم، وكذلك قوله ﵇ وقد رموه بالضلالة ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢، فجواب نوح ﵇ مشحون بالرحمة والشفقة عليهم واللطف في مخاطبتهم، ولم يغضبه كلامهم؛ لأنهم قوم يجهلون؛ ولأن الداعي الرحيم لا يغضب لنفسه قط، وهكذا كان خُلُقُ رسولنا محمد ﷺ ، فما كان يغضب لنفسه، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله، ثم في جواب نوح أنَّه ينصح لهم، أي: يُخْلِص في القول النافع المفيد لهم، بالرغم من قولهم الباطل فيه، ويبيِّن لهم أنه رسول من رب العالمين؛ ليعلموا أن ما يخبرهم به هو الحق الصريح الواجب قبوله، وفي قبوله رحمة بهم، دليل على ما كان في قلبه ﵇ من عظيم الرحمة بقومه. الرحمة تهوّن على الداعي ما يلقاه من الجهلاء: ٥٦٣- والرحمة تهوّن على الداعي ما يلقاه من أصحاب الغفلة والجهالة؛ لأنه ينظر اليهم من مستوى عالٍ رفيع أوصله إليه إيمانُه وصلته بربه، ولذا فهو ينظر إليهم

стр. 355

كصغار يعبثون، والشأن في الصغار الأطفال والجهل وعدم إدراك ما ينفعهم، ولذلك لا يعجب الداعي من مقابلة نصحه بالإعراض والصدود والأذي، كما يفعل الطفل إذا نصحته أو أبعدته مثلًا عن مسِّ النار أو الشيء المؤذي، فإنه يصيح ويغضب وربما آذاك. إنَّ الداعي لا يعجب من صدودهم كما قلت، ولذلك فهو يعيد الكَرَّة معهم، ويتحمَّل أذاهم ويدعو لهم بالهداية، وهكذا كان رسول الله ﷺ يكرِّر دعوته إلى قريش ويتحمَّل أذاهم، ويقول: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون". إنَّ الإنسان ذا القلب الرحيم لا يستكثر على الصغير أن يصدر منه الصدود عن الناصح والأذى له؛ لأنه جاهل، ومن ثَمَّ يشفق عليه ذو القلب الرحيم، ولا يؤاخذه على إساءته إليه، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ . الرحمة تثمر العفو الصفح: ٦٥٤- وما دام الداعي المسلم ينظر إلى من يدعوهم نظرة الرحمة والشفة عليهم، فإنه يعفو ويصفح عنهم في حقّ نفسه، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ، وإذا كان هذا هو شأن الداعي المسلم بالنّسبة لمن يدعوهم ويحتمل صدور الأذى منهم، فإنَّ عفو الداعي وصفحه عن أصحابه أوسع، قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ . الفظاظة تؤدي إلى انفضاض الناس: ٥٦٥- والداعي المحروم من الرحمة الغليظ القلب لا ينجح في عمله، ولا يُقْبِلُ الناس عليه وإن كان ما يقوله حقًّا وصدقًا. هذه هي طبيعة الناس ينفرون من الغيظ الخشن القاسي ولا يقبلون قوله؛ لأن قبول قول الناصح يستلزم إقبال قلب المنصوح إليه، ولا يحصل هذا الإقبال مع خشونة الطبع وغلظة القلب، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ، فإذا كان هذا يمكن أن يقع بالنسبة لرسول الله ﷺ ، لو حصل ما ذكرته الآية الكريمة. والرسول لا ينطق إلّا بالحق، ومؤيَّد بالحق، فكيف يمكن تصور تخلف الانفضاض عن الداعي إذا كان فظًّا غليظ القلب؟ فليتق ربهم الدعاة إلى الله، وليتكلَّفوا الرحمة والرفق إن لم يكونوا رحماء حتى

стр. 356

يكتسبوها ويألفوها، ولا يكونوا منفردين عن الإسلام بسوء أخلاقهم وغلظة قلوبهم وخشونة طبعهم وبذاءة كلامهم، فإن عجزوا عن اكتساب الرَّحْمة وحمل نفوسهم على أخلاق الإسلام فمنَ الخير لهم وللدعوة ترك الدعوة والانصراف إلى علاج نفوسهم. رابعًا: التواضع التكبُّر حماقة وجهل: ٥٦٦- التكبُّر حماقة وجهل ودليل قاطع على جهل المتكبر بربه وبنفسه، فلو عرف ربَّه لعَلِمَ أنَّ الكبرياء لله وحده، قال رسول الله ﷺ : قال الله : "العز إزاري والكبراء ردائي، فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته" ١، ولو عرف المتكبر نفسه، وأنَّ أوله نطفة قذرة، وآخره جيفة قذرة، لخجل من نفسه ووقف عند حده، قال محمد بن الحسين بن علي كما ذكر صاحب "الإحياء": ما دخل قلب امرئ شيء من التكبر قط إلّا نقص عن عقله بقدر ما دخل من ذلّ قلَّ أو كثر. جزاء المتكبرين: ٥٦٧- من جزاء المتكبر حرمانه من الاتعاظ والانتفاع بآيات الله؛ لأن تكبره يمنعه من الانصياع للحق، فيطبع الله على قلبه ويصرفه عن آياته، ونتيجته الخيبة والفشل وسخط الله تعالى، ودخول جهنم داخرًا، وفقده ما يناله المتواضعون لربهم من نعيم الآخرة، وبهذه المعاني نطق القرآن والسنة النبوية، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ، ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ ، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . وفي السنة النبوية قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم"، ومعنى يذهب بنفسه يرتفع ويتكبَّر، وقال عليه

стр. 357

الصلاة والسلام: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، "ألا أخبركم بأهل النار: كل عتلٍّ جوَّاظ مستكبر". النهي عن الكبر: ٥٦٨- وما ذكرناه من نصوص كلها تتضمَّن النهي عن الكبر، وقد جاءت نصوص أخرى فيها النهي الصريح عن التكبُّر، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ . حقيقة الكبر: ٥٦٩- جاء في الحديث الشريف الذي رواه مسلم في صحيحه: "الكبر بطر الحق وغمط الناس"، أي: رد الحق واحتقار الناس. فحقيقة الكبر استعظام المتكبر نفسه واستصغار قدر غيره، فيدفعه ذلك إلى رذائل ومهلكات. فالمتكبر يرد الحق ولا يقبله، ولا يذعن إليه، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ، ولا يعترف بخطئه ولا تقصيره ولا سوء عمله؛ لأنه معجب بنفسه، وفي الحديث الشريف: "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوًى متَّبَع، وإعجاب المرء بنفسه". والمتكبِّر يحتقر الناس ولا يرى لهم قدرًا، ويستنكف أن يسألهم عمَّا يجهله، ولا يقبل تعليم من يعلمه، ولا يقبل نصيحة ناصح؛ لأنه لا يراه شيئًا، ويرى أنَّ على الناس أن يلهجوا بالثناء عليه، يأنف من مجالستهم ومحادثتهم، يرى أنه هو الناجي وهم الهلكى، إلى غير ذلك من آثار الكبر وأفعال المتكبرين. سبب الكبر: ٥٧٠- وسبب الكبر عجب الإنسان بنفسه؛ لعلمه أو ماله أو جاهه أو حسبه أو نسبه أو سلطانه، وغير ذلك مما يدعو إلى الإعجاب بالنفس، ناسيًا هذا المعجب أن الله تعالى هو المُنْعِم بهذه الأشياء وأن لو شاء لسلبها منه، فيؤدي به هذا الإعجاب إلى استعظام نفسه، ورؤية قدره فوق أقدار الناس، فيحتقرهم ويزدريهم.

стр. 358

علاج الكبر: ٥٧١- وعلاج هذا الداء العضال الصعب -الكبر، واكتساب حقيقة التواضع، يكون بالمعرفة اليقينية: معرفة المتكبِّر لربه ولنفسه، فيعرف أنَّ الكبرياء هو لله وحده حصرًا، ولا يجوز مطلقًا لأي أنسان أن يسمح لذرَّة من الكبر أن تتسرب إلى قلبه، فإنها جرثومة خطرة فتَّاكة كثيرة التوالد، تطمس نور الإيمان وتكدِّر الأعمال وتحبطها، وأن يعرف المتكبِّر قدر نفسه، فهو نشأ من نطفة قذرة، ثم يصير جيفة قذرة، وأنَّ كل ما عنده من علم ومال وجاه وسلطان هو محض عطاء الله له، وأن لو شاء الله لسلبه ذلك كله، وأن ليس له من نفسه إلّا العدم، ثم يأتي المتكبر على أسباب إعجابه بنفسه ثم إلى تكبره سببًا سببًا فينقضه، فالعلم الذي عنده قليل جدًّا بالنسبة إلى ما يجهله ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ، وهناك من هو أعلم منه ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ، فلِمَ العجب والكبرياء؟ وأنَّ العلم الحقيقي هو الذي يثمر المعرفة بالربِّ ﷻ ، ويحجز النفس عن الرذائل والحماقات مثل الكبر، ويروّضُها على الفضائل مثل التواضع. أمَّا العبادة التي يقوم بها المتكبِّر والتقوى والورع فلا تصلح سببًا للإعجاب بالنفس والإدلال بها على الله، والتكبُّر على الخلق. فما يدري هذا المسكين أنَّ عبادته مقبولة، وأنه من الصالحين عند الله، وخاتمته مجهولة، وتزكية النفس ممنوعة ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ، والعبادة هي حق الله على العبد، ولا يحق للعبد أن يمُنّ بها على الله، ولا أن يتكبَّر على الغير لقيامه بما هو حقٌّ عليه، والله هو الذي مكَّنه منها وهداه إليها ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ، وأي تقوى هذه التي لا تقي صاحبها من منازعة الله حقه الخالص في الكبرياء، ولا تعصم صاحبها من التمرغ في رذيلة أخرجت إبليس من ملكوت السماوات والأرض، وجعلته طريدًا معلونًا إلى يوم الدين، يوم امتنع من السجود لآدم تكبرًا منه عليه، وإعجابًا بنفسه؛ حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْه﴾ ، وهكذا القول في المال والسلطان والجاه وقوة الأنصار والأتباع والتعزز بالأحساب والأنساب، فكلها من الأباطيل وإيحاءات من الشيطان الرجيم. فالمال غاد ورائح، والسلطان لا يبقى فالأيام دول، والجاه مثله، وقوة الأنصار والأتباع لا تغني من الله شيئًا: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ ، والتعزز بالأحساب والأنساب يعني تشبث وتعزز بعظام بالية إن بقيت العظام!! وما يغني

стр. 359

الآباء الصالحون عن الأبناء الصالحين ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . التواضع: ٥٧٢- وإذ قد بيَّنَّا الكبر وأسبابه وبعض عواقبه وآثاره، ظهرت لنا حقيقة التواضع، فهو ضد التكبُّر، وهو ثمرة المعرفة بالله وبالنفس، فلا يمكن أبدًا أن يتكبَّر ولا يتواضع إنسان عرف ربه وعرف قدر نفسه، وعلى هذا فإذا كان المتكبِّر جاهلًا بربه، فالمتواضع عارف بربه، وإذا كان المتكبر محتقرًا غيره يراهم كالذباب وكالعبيد، فإن المتواضع يفقه جيدًا قول أبي بكر الصديق ﵁: "لا يحتقرَنَّ أحدٌ أحدًا من المسلمين، فإن صغير المسلمين عند الله كبير"، وإذا كان المتكبر يستنكف عن مجالسة الصالحين والفقراء والضعفاء بالرغم من أنَّ أحدهم يعدل ملء الأرض من أمثاله، فإن المتواضع يفقه جيدًا معنى قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ ، وقد قال المفسرون في أسباب نزولها: إنَّ قريشًا قالت للرسول ﷺ : إنَّا لا نرضى أن نكون أتباعًا لهؤلاء من ضعفاء المسلمين مثل صهيب وعمار وبلال وخبَّاب، فاطردهم عنك ولا تبقهم في مجلسك إذا دخلنا عليك، فإذا فرغنا وخرجنا فأدخلهم إن شئت، فأنزل تعالى هذه الآية، وأتبعها بآية عن أولئك المتكبرين المتعجرفين الذين طلبوا طرد الضعفاء من مجلس رسول الله، فقال تعالى عنهم: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ١، ويفقه المتواضع جيدًا معنى قول الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وإذا كان المتكبر يجحد الحق ويرده ولا يذعن له، فإن المسلم المتواضع يفقه جيدًا معنى قول العارف المتواضع الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى- وقد سئل عن التواضع فقال: التواضع أن تخضع للحق وتنقاد له، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته.

стр. 360

حاجة الداعي إلى التواضع: ٥٧٣- والداعي إلى الله أحوج من غيره إلى خلق التواضع، فهو يخالِط الناس ويدعوهم إلى الحق وإلى أخلاق الإسلام، فكيف يكون عاريًا من التواضع وهو من ركائز أخلاق الإسلام؟ ثم إنَّ من طبيعة الناس التي جبلهم الله عليها أنَّهم لا يقبلون قول من يستطيل عليهم ويحتقرهم ويستصغرهم ويتكبَّر عليهم، وإن كان ما يقوله حقًّا وصدقًا، هكذا جُبِلَت طبائع الناس، فإنهم ينفرون عن المتكبِّر ويغلقون قلوبهم دون كلامه ووعظه وإرشاده، فلا يصل إليه من قوله شيء، بل قد يكون ذلك سببًا إلى كرههم الحق منه ومن غيره، فعلى الداعي أن يفقه هذا الأمر جيدًا، وليتق الله ربه ولا يكون سببًا لنفرة الناس من الدعوة إلى الله، ونزيد هنا شيئًا آخر له علاقة بالموضوع، وله أهميته البالغة، ذلك أنَّ من طبائع الناس أنَّهم لا يحبون من يكثِرُ الحديث عن نفسه، ويكثر الثناء عليها، ويكثر من قول: أنا أنا، ولهذا فعلى الداعي أن يحذر ذلك وأن لا يدَّعي شيئًا يدل على تعاليه، كأن ينسب إلى نفسه المزيد من العلم أو الفصاحة أو المعرفة، إنَّ على الداعي أن يعرف أن جميع ما عنده هو محض فضل الله عليه، فليتحدَّث إلى الناس وهو بهذا اليقين وبهذا الشعور يتحدث إليهم بفضل الله لا بفضل نفسه، فإذا عرف الناس منه ذلك فتحوا له قلوبهم، أو على الأقل لم يغلقوها دون كلامه، فيقع فيها من معانيه الطيبة النافعة ما يشاء الله وقوعه، والله المستعان. ٥٧٤- ومن التواضع العظيم الذي قد يغفل عنه الداعي وهو مهم وضروري طاعة من أمره الشرع بطاعته، كالأمير ومن يتولى شئونه أو تعليمه، وأن لا يستنكف عن هذه الطاعة، ولا يحس منها بغضاضة، ولا يمنعه منها كِبْرٌ خفي في نفسه، فيرفضها ويستثقلها، أو يتهرب منها بتأويلاتٍ فاسدة، هي في حقيقتها من إيحاءات الشيطان، كأن يقول: هذا الأمير أو المعلم غير صالح ولا كفء أو صغيرًا، أو أنا أعلم منه وأكفأ، أو هذا المعلم لا يصلح للتعليم ونحو ذلك، وليتذكَّر جيدًا تأمير رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وكان شابًّ على جيش كان فيه سادات المهاجرين والأنصار ومشايخهم وكبارهم، قال صاحب "إمتاع الأسماع" في هذه الحادثة: "ثم دعا رسول الله ﷺ ، يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر- أسامة بن زيد، قال: يا أسامة، سِرْ على اسم الله وبركته حتى

стр. 361

تنتهي ألى موت أبيك فأوطئهم الخيل، وقد وليتك هذا الجيش ... فلمَّا كان يوم الأربعاء ابتداء مرض رسول الله ﷺ فصدع وحُمَّ، وعقد يوم الخميس لأسامة لواءً بيده، وقال: "يا أسامة، اغز باسم الله في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأة، ولا تتمنَّوا لقاء العدو، فإنَّكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم، ولكنكم قولوا: اللهم اكفناهم واكفف بأسهم عنَّا، فإنَّ لقوكم قد أجلبوا وضجوا فعليكمم بالسكينة والصمت، ولا تنازعوا فتفشلوا فتذهب ريحكم، وقولوا: اللهمَّ إنا عبادك، نواصينا ونواصيهم بيدك، وإنما تغلبهم أنت، واعلموا أنَّ الجنة تحت البارقة" ١ ثم يذكر صاحب "إمتاع الأسماع" أنَّ بعض الناس تكلَّموا عن تأمير أسامة على الجيش باعتباره شابًّا لا خبرة له، وأنَّ هذا الجيش يضمّ المهاجرين والأنصار، وأن عمر بن الخطاب ردَّ على هذا الكلام على من تكلَّم به، وأخبر رسول الله ﷺ بهذا الذي قاله البعض، وأنَّ رسول الله ﷺ غضب لذلك غضبًا شديدًا، وأنه ﵊ خرج وقد عصب على رأسه عصابة، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟ والله لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنَّه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقًا لها" ٢، وقد ذكرت معظم ما ورد في قصة تأمير أسامة لما في هذا من دلالات وعِبَر وعظات وأحكام، وأخيرًا فإنَّ الداعي الفقيه يزداد تواضعًا لله تعالى كُلَّمَا وُفِّقَ في دعوته ونجح في مساعيه، ونصره الله على أعدائه. وهكذا كان رسول الله ﷺ ، فقد دخل مكة فاتحًا وهو منكِّس الرأس تواضعًا لربه، واعترافًا له بفضله. خامسًا: المخالطة والعزلة أيهما أفضل: المخالطة أم العزلة؟ ٥٧٥- أيهما أفضل للمسلم: المخالطة مع الناس أم العزلة عنهم؟ قال بعضهم: العزلة أفضل، وقال أكثرهم: المخالطة أفضل، والصواب أن يقال: الأفضل للمسلم أحبهما إلى الله تعالى، فإذا كانت المخالطة أحب إلى الله بالنسبة لهذا المسلم نظرًا

стр. 362

لظروف حاله ومكانه وزمانه، فهي أفضل في حقه، وإذا كانت العزلة بالنسبة إليه أحب إلى الله؛ لظروف حاله وزمانه، فالعزلة أفضل في حقه. المخالطة لا بُدَّ منها: ٥٧٦- والمخالطة لا بُدَّ منها، فإنَّ الإنسان اجتماعيٌّ بطبعه، لا يستطيع العيش بمفرده، ولو استطاعه لكان أمرًا شاذًّا لا يستطيع جميع الناس متابعته عليه، هذا في أمور الدنيا وحوائجها، أمَّا بالنسبة لأمور الدين فكذلك الحال، فإنَّ من فرائض الإسلام ومستحباته ما لا يمكن تأديته إلّا بالمخالطة مع الناس وتعاونهم، مثل: صلاة الجمعة والعيدين وتشييع الجنائز وعيادة المرضى وتعلُّم أمور الدين وتعليمها، إلى غير ذلك من المطلوبات التي تسلتزم المخالطة. المخالطة واجبة على الداعي: ٥٧٧- الدعوة إلى الله من وجائب الإسلام، ومن وسائلها مخالطة الناس، فتكون المخالطة واجبة؛ لأنَّ ما لا يؤدَّى الواجب إلّا به فهو واجب، والواقع أنَّ طبيعة الإسلام تقتضي المخالطة، فالإسلام ليس معنًى خاصًّا بالفرد، بل هو أيضًا عمل المسلم خارج نفسه، ورسول الله ﷺ منذ أكرمه الله بالنبوة وأمره بالتبليغ، عاش مع الناس وخالطهم وغشي مجالسهم يدعوهم إلى الله، ويحذرهم مما هم فيه، وكذلك فعل أصحابه الكرام؛ خالطوا الناس وبثّوا فيهم ما تعلموه من رسول الله ﷺ من الهدى والعلم والدين، وما روي عن بعض التابعين من استحباب العزلة وكراهية المخالطة فهو أمر يتعلّق بأحوال طارئة وظروف استثنائية، فليس ما ذكروه هو القاعدة التي يستهدي بها المسلمون من بعدهم؛ لأن وجوب الدعوة إلى الله أمر ثابت في الشرع، والمخالطة هي المقدِّمة إلى الدعوة، فلا يمكن التخلي عنها، بل إنَّ هذا الواجب أصبح أشد في زماننا من أيِّ زمان مضى؛ لما غشي البشر من غاشية رهيبة قاسية من المدنية الصمَّاء السوداء، التي حجبت عنهم أنوار الحق، وقطعت صلاتهم بالله ، مما جعل لزامًا على كل مسلم أن يسهم في الدعوة إلى الله بقدر طاقته، وبأيِّ نوع من أنواع القدرة يستيطعه، وهذا يستلزم مخالطة الناس ليدعوهم إلى الله.

стр. 363

حدود المخالطة الواجبة: ٥٧٨- والمخالطة الواجبة هي ما كانت ضروريَّة لأعمال الدعوة إلى الله تعالى، أو أداء فروض الإسلام الأخرى، فإذا خلت من هذا المقصود زالت عنها صفة الوجوب وصارت مباحة أو مكروهة أو حرامًا، فالمباحة كالمخالطة لغرض تحصيل مباح دنيوي، والمكروهة إذا فوَّتت على الداعي فائدة أخروية إذا حملته إثمًا، وعلى هذا فإنَّ المأمول من الداعي أن تكون مخالطته كلها بدافعٍ من الدعوة إلى الله، فإذا زار شخصًا أو تعارف معه أو صادقه أو رافقه أو آخاه، أو غشي مجلسًا، أو تكلم في جمع، فإنه يصدر عن رغبة في الدعوة إلى الله، أو بالإعداد والتهيئة لها. الحب في الله والبغض في الله: ٥٧٩- والداعي في مخالطته يقيم علاقاته معهم على أساس الحب في الله والبغض في الله، والمقصود بهذه العبارة أنَّ المسلم لا يحب الشخص إلّا لطاعته لربه، ومسارعته إلى مرضاته، ولا يبغضه إلّا لعصيانه ومخالفته أمر ربه، وكلما اشتدت محبَّة المسلم لربِّه اشتدت محبته لأحباب الله، حتى تصير موالاة ونصرة وذَبًّا عنهم بالنفس والمال، وليس هذا الذي نقوله خيالًا أو مبالغة، فإنَّ مَنْ أحبَّ إنسانًا أحبَّ من يحبه محبوبه، ومن يحب محبوبه يقوم بخدمته ويثني عليه، فإذا كان هذا معروفًا بين الناس فالشأن أعظم في مسالة محبَّة المسلم لربه، وآثارها في محبة أحباب الله وأوليائه، وإذا اجتمع في الشخص طاعات وسيئات أحبه المسلم لطاعته وأبغضه لسيئاته. المختارون لصحبة الداعي: ٥٨٠- وما دام الداعي يحب في الله ويبغض في الله، فمن البدهي أنه يختار لصحبته ورفقته وأخوته، المطيعين لله القائمين بحق العبودية لله، فهم نِعْمَ الرفيق له، ونعم الإخوة له، يشتدُّ ارتباطه بهم، ويعتزُّ بهم، ويحافظ على أخوتهم، ويرفض مصاحبة ومواددة العصاة والفُسَّاق المعرِضين عن أوامر ربهم، قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ، وهو إذ يرفض مصاحبة ومخالطة العصاة والفُسَّاق لا ينفَكّ عن دعوتهم إلى الله، والدعاء لهم بالهداية والرحمة والرشاد.

стр. 364

سلوك الداعي مع من يصاحب ومن لا يصاحب: ٥٨١- والداعي يعرف حقوق الصحبة، ويحمل نفسه على الوفاء بهذه الحقوق، ومنها: مواساته لأصحابه، وقضاء حوائجهم، وسكوته عن عيوبهم، فالأنسان لا يخلو من عيب، إلّا إذا وجب عليه النطق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتحمَّل إساءتهم في حق نفسه، ويقبل أعذارهم، فالمؤمن الكريم يحضر في نفسه محاسن أخيه، والمنافق اللئيم يحضر في نفسه معايب أخيه، قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله تعالى:"المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب العثرات". ٥٨٢- أمَّا سلوكه مع من لا يصاحبه ولا يرافقه لفسقه وعصيانه، فهو سلوك المؤمن، فلا يخاصمهم ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ ، ولكن ينصحهم ويعظهم، وقد يضطر إلى هجرهم ومقاطعتهم إذا كانت معصيتهم تقتضي الهجر والمقاطعة، كما لو كانوا يدعون إلى بدعة في الدِّين، أو يفرِّقون صفوف المسلمين، أو يكيدون لهم، أو يعملون لإلحاق الأذى بهم، أو يسعون لظلمهم والبغي عليهم، فإنَّه في هذه الحالة وبعد الأعذار لهم وإفراغ الجهد في نصحهم، إذا لم يكفوا عمَّا هم فيه يضطر إلى هجرهم ومقاطتعهم وعدم الكلام معهم، زجرًا لهم عن بغيهم وكيدهم وعدوانهم وبدعتهم، حتى يتحاشاهم الناس ويعرفوهم فيحذروهم، بل وللداعي أن لا يرُدَّ ﵈ إذا سلموا، إمعانًا في زجرهم، وأظهارًا لإنكار عملهم، ويعلّل الإمام الغزالي عدم رَدِّ السلام عليهم، مع أنَّ رده واجب بقوله: "ورد السلام وإن كان واجبًا فإنَّه يسقط بأدنى غرض فيه مصلحة، حتى يسقط بكون الإنسان في الحمَّام وقضاء حاجته، وغرض الزجر أهم من هذه الأغراض؛ لأنَّ فيه زجرًا وتنفيرًا عنه"١، وبهذا المعنى أيضًا قال شيخ الإسلام ابن تمية"٢. عزلة الداعي: ٥٨٣- وإذا كانت المخالطة من مقدِّمات الدعوة إلى الله تعالى، وأنَّ الداعي لا يستغني عنها كما قلنا، فإنه مع ذلك يحتاج إلى شيء من العزلة والوحدة والانفراد بنفسه؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا بُدَّ للعبد من أوقاتٍ ينفَرِد بها بنفسه في

стр. 365

دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه"١ ويلاحظ في هذه العزلة شيئان: الأول: أن تكون في الأوقات التي نَدَب الشرع فيه إلى نوعٍ معين من العبادة، كالاعتكاف في رمضان، وقيام الليل والصلاة فيه، والجلوس في المساجد انتظارًا للصلاة، فإنَّ في هذه الأوقات والقيام فيها بعبادة الله بالصلاة والذكر والدعاء نوعًا ممتازًا من العزلة والخلوة المشروعة، وهي على قِصَرها ذات أثر بليغ جدًّا. الثاني: إذا احتاج الداعي إلى عزلة أكثر مما ورد في النوع الأول، كأن يخلو في مبيته أيامًا؛ لِمَا يحسه من حاجة إلى هذه الخلوة للراحة والاستجمام ومراجعة الحساب مع نفسه، وتدارك ما فاته، فلا بأس في ذلك، بشرط أن يكون قصده من ذلك إعداد نفسه وتهيئتها إلى المزيد من الدعوة إلى الله، فيكون مثله في هذه الحالة مثل المجاهد الذي يتحوّل عن ميدان القتال ليشحذ سيفه، أو يعلف فرسه، أو يصلح رمحه، أو يداوي جرحه، وقلبه معلق بالجهاد، ونيته الرجوع إليه من قريب، فهو في جهاد في الحالتين، والأعمال بالنيات، والله المستعان. ٥٨٤- هذا وإنَّ للداعي عزلة أخرى من نوعٍ آخر، وهي غياب فكره عن الحاضرين مع بقاء جسمه معهم، وهذه العزلة يحتاجها كُلَّما وجد نفسه مضطرًا بين قوم سوء، ومجلس غيبة، وكلام باطل لا يستطيع الخروج منه، ولا تحويل مجراه الخبيث، فيغيب عنه بروحه، ويبقى جسده معهم. ٥٨٥- وهناك عزلة ثالثة للداعي، وهي مفارقة الكفرة والتحوّل عنهم إلى غيرهم، إذا بدا له أنَّ بذل الجهد معهم عبث أو لا يجدي، أو أنَّ احتمال إجابتهم في الوقت الحاضر احتمال ضعيف، أو أنَّ أذاهم لا يطاق، فيتحول عنهم إلى غيرهم ويوجِّه جهده إليهم، فيدعوهم إلى الله تعالى؛ لأنَّ جهد الداعي محدود، ووقته محدود، فإذا لم يجد الإجابة عند قومٍ تحوَّل إلى غيرهم، واعتزل الأوَّلين، وله أن يعتزل الجميع إلى حين، وقد يستأنس لهذا بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، وبقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَإِنْ لَمْ

стр. 366

تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ ، وقوله تعالى عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ ، والله أعلم.

стр. 367

الباب الثالث: المدعو مدخل ... الباب الثالث: المَدْعُو تمهيد: ٥٨٦- تكلمنا في الباب الأول عن موضوع الدعوة -الإسلام، ثم تكلمنا في الباب الثاني عن الداعي الذي يؤمن بالإسلام ويدعو إليه، والشخص الذي يُدْعَى إلى الإسلام وهو المدعوّ، وهو ما نتكلم عنه في هذا الباب، والكلام عن المدعو يستلزم التعريف به، وبيان ما له وما عليه، وأصناف المدعوين، وعلى هذا سنقسم هذا الباب إلى فصلين: الفصل الأول: التعريف بالمدعو وما له وما عليه. الفصل الثاني: أصناف المدعوين.

стр. 368

الفصل الأول: التعريف بالمدعو ومَا لَه ومَا عَلَيْه من هو المدعو؟ ٥٨٧- الإنسان، أيّ إنسان كان، هو المدعو إلى الله تعالى؛ لأنَّ الإسلام رسالة الله الخالدة، بعث الله به محمدًا ﷺ إلى الناس أجمعين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ، وهذا العموم بالنسبة للمدعوين لا يستثنى منه أيّ إنسان مخاطب بالإسلام ومكلَّف بقبوله والإذعان له، وهو البالغ العاقل مهما كان جنسه ونوعه ولونه ومهنته وإقليمه، وكونه ذكرًا أو أنثى، إلى غير ذلك من الفروق بين البشر، ولذلك كان مِمَّن آمن بمحمد ﷺ العربيّ كأبي بكر، والحبشي كبلال، والرومي كصهيب، والفارسي كسلمان، والمرأة كخديجة، والصبي كعلي بن أبي طالب، والغني كعثمان بن عفان، والفقير كعمَّار. ٥٨٨- وعلى هذا فالدَّعوة إلى الله عامَّة لجميع البشر، وليست خاصَّة بجنس دون جنس، أو طبقة دون طبقة، أو فئة دون فئة، ولهذا يخاطب القرآن البشر بصفتهم الآدمية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم﴾ ، ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ، وعلى الداعي أن يفقه عموم دعوته إلى الله، ويحرص على إيصالها لكلِّ إنسان يستطيع الوصول إليه، وهذا لا يناقض ابتداءً الداعي بالأقربين إليه، فيدعوهم قبل البعيدين؛ لأنَّ لكل إنسان الحق في إيصال الدعوة إليه، فليس الأبعد بأولى من الأقرب، بل الأقرب أولى لسهولة تبليغه واحتمال صيرورته داعيًا أيضًا بعد إسلامه، فيسهل إيصال الدعوة إلى البعيدين، ولهذا جاء في القرآن الكريم: ﴿وَأَنْذِر

стр. 369

عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ ، وهذا وإن كان خطابًا لرسول الله ﷺ ، ولكنه يشتمل معناه الدعاة إلى الله، فعليهم أن ينذروا الأقربين إليهم، مبتدئين بأفراد أسرهم وأقاربهم ومن يعرفونهم، بل إنَّ دعوة الأهل وأفراد الأسرة أوجب من غيرهم؛ لأنَّ الداعي إن كان ربَّ أسرة فإنَّه مسئول عنهم، "كلكم راعٍ ومسئول عن رعيته"، وهذه المسئولية تشمل القيام بشئونهم المادية من توفير الطعام والشراب والسكن، ونحو ذلك من الأشياء المادية، كما تشمل شئونهم الدينية، بتعليمهم ما يلزمهم من أمور الإسلام ودعوتهم إليه. قال تعالى مثنيًا على أحد رسله الكرام: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاة﴾ ، وقال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ ، ووقايتهم من النار تكون بدعوتهم إلى الإسلام وطاعة أوامر الله وترك نواهيه. حقوق المدعو: ٥٨٩- ومن حق المدعوِّ أن يؤتى ويدعى، أي: إنَّ الداعي يأتيه ويدعوه إلى الله تعالى، ولا يجلس الداعي في بيته وينتظر مجيء الناس إليه، وهكذا كان يفعل الداعي الأوّل نبينا الكريم ﷺ ، يأتي مجالس قريش ويدعوهم، ويخرج إلى القبائل في منازلها في موسِم قدومها مكة ويدعوهم، ويذهب إلى ملاقاة من يقدُم إلى مكة ويدعوه، فقد جاء في سيرة ابن هشام: "فكان رسول الله ﷺ يعرِض نفسه في المواسم -إذا كانت- على قبائل العرب يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنَّه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدِّقوه ويمنعوه حتى يبيِّن عن الله ما بعثه به، فيقف على منازل القبائل من العرب فيقول: "يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتنمعوني حتى أبيِّن عن الله ما بعثني به.... وكان ﷺ لا يسمع بقادمٍ إلى مكة من العرب له اسم وشرف إلّا يتصدَّى له، فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده"١، ولم يكتف ﷺ بأهل مكة ومن كان يأتيها، وإنما ذهب إلى خارجها، ذهب إلى الطائف يدعو أهلها، "فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى نفرٍ من ثقيف هم يؤمئذ سادة ثقيف وأشرافهم، فجلس إليهم رسول الله ﷺ فدعاهم إلى الله".

стр. 370

٥٩٠- ونسأل هنا: لماذا كان المدعو يؤتى ويدعى ولا يأتي؟ والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: إنَّ وظيفة الرسول الكريم ﷺ التبليغ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ، وهذا التبليغ قد يستلزم نقلة الرسول ﷺ إلى مكان مَنْ يراد تبليغه؛ لاحتمال عدم وصول خبر الدعوة إليه، أو أنها وصلته بصورة غير صحيحة، أو وصلته بصورة صحيحة ولكن لم ينهض فيأتي إلى رسول الله ﷺ ليسمع منه، فلأجل هذه الاحتمالات كان الرسول ﵊ يأتي إلى أماكن الناس لتبليغيهم الدعوة إلى الله. الوجه الثاني: شفقته ﷺ على عباد الله، وحرصه على هدايتهم وتخليصهم من الكفر، كل ذلك كان يحمله على الذهاب إليهم في أماكنهم ومنازلهم، وتبلغهم الدعوة إلى الله. الوجه الثالث: إن البعيد عن الإسلام قلبه مريض، ومرضى القلوب لا يعرفون مرضهم ولا يحسون به، فلا يشعرون بالحاجة إلى علاجه، فلا بُدَّ من إخبارهم بمرضهم من قِبَل الرسل الكرام، ولا ينتظرون مجيئهم إليهم ليخبروهم، بل يذهبون إليهم ويخبرونهم بالمرض والعلاج؛ لأن من أعراض مرضهم إعراضهم عن الدعوة والمجيء إلى صاحبها. ٥٩١- وعلى الداعي المسلم أن يقتدي برسول الله ﷺ ، فينتقل إلى الناس في أماكنهم ومجالسهم وقراهم، ويبلغهم الإسلام ويدعوهم إلى الله تعالى، ويا حبذا لو توزَّع الدعاة إلى القرى والمحلات، وتفرَّغ كل واحد منهم إلى جهة، وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي: "يتكفَّل كل عالم بإقليم أو بلدة أو محلة أو مسجد أو مشهد، فيعلِّم أهله دينهم، وتمييز ما يضرهم عمَّا ينفهم، وما يشقيهم عمَّا يسعدهم، ولا ينبغي أن يصبر إلى أن يسأل عنه، بل ينبغي أن يتصدَّى إلى دعوة الناس إلى نفسه، فإنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء ما تركوا الناس على جهلهم، بل كانوا ينادونهم في مجامعهم، ويدورون على أبواب دورهم في الابتداء، ويطلبون واحدًا واحدًا فيرشدونهم، وهذا فرض عين على العلماء كافَّة، وعلى السلاطين كافَّة أن يرتِّبوا في كل قرية وفي كل محلة فقيهًا متدينًا يعلم

стр. 371

الناس دينهم، فإنَّ الخلق لا يولدون إلّا جهالًا، فلا بُدَّ من تبليغ الدعوة إليهم في الأصل والفرع"١. لا يستهان بأيِّ إنسان: ٥٩٢- لا يجوز للداعي أن يستصغر بشأن أيِّ إنسان أو أن يستهين به فلا يدعوه؛ لأنَّ من حق كل إنسان أن يدعى، وقد يكون هذا الذي لا يقيم له الداعي وزنًا سيكون له عند الله وزن كبير بخدمته للإسلام والدعوة إليه، وهكذا كان رسول الله ﷺ يدعو كل إنسان يلقاه أو يذهب إليه. جاء في السيرة النبوية أنَّ الرسول ﷺ بعد أن عرض نفسه الكريمة على قبائل العرب التي وافقت الموسم في مكة، وكان ذلك قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، ولم يستجب لهم منهم أحد، لقي ستة نفر من الخزرج عند العقبة من منى، وهم يحلقون رءوسهم، فجلس إليهم رسول الله ﷺ فدعاهم إلى الله، وقرأ عليم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله وآمنوا، ثم رجعوا إلى قومهم بالمدينة، وذكر لهم رسول الله ﷺ "ودعوهم إلى الإسلام ففشا فيهم، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلّا فيها ذكر رسول الله ﷺ "١، فرسول الله ﷺ لم يستصغر شأن أولئك الستة وهم يحلقون رءوسهم بعد أن لم يستجب له أحد من القبائل النازلة حوالي مكة، ولم يقل في نفسه الكريمة: أيّ أمل في هؤلاء المشغولين بحلق رءوسهم، ثم إنَّ أولئك الستة كانوا هم الدعاة الأُوَل إلى الإسلام في المدينة، فعلى الداعي أن يقتدي بهدي رسول الله ﷺ ، ولا يستهين بأحد فيزهد في دعوته، فقد يكون الخير الكثير على يد الذي لا يرى فيه خيرًا الآن. واجبات المدعو: ٥٩٣- وإذا كان من حق المدعو أن يؤتَى ويدعى، وأن لا يُسْتَهان به ولا يستصغر شأنه، فإنَّ عليه أن يستجيب إذا ما دعي إلى الله؛ لأنه يدعى إلى الخير والحق، ويستجيب لنداء ربه ﷻ ، ومن بيان الواقع الذي قد يسفيد منه الداعي، ويطرد عنه اليأس، ويبقي أمامه الأمل، نقول: إنَّ الناس ليسوا سواء في

стр. 372

الاستجابة إلى الحق وقبول الدعوة، فمنهم السريع جدًّا في الاستجابة، ومنهم البطيء جدًّا، ومنهم بين هذين الحدَّين في درجات كثيرة جدًّا تستعصي على العدِّ والإحصاء، فمن الناس من يؤمن حالًا وبدون تردد أو تلكؤ أو تعثر، حتى كأنه ينتظر سماع الدعوة ليؤمن، ومن أمثلة ذلك إيمان أبي بكر الصديق وإيمان السحرة بموسى، أمَّا إيمان أبي بكر فقد أخبر عنه رسولنا الكريم ﷺ ؛ إذ قال: "ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلّا كانت فيه عنده كبوة ونظرة وتردد، إلّا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة، ما عكم -أي: ما تلبَّث- حين ذكرته له وما تردد فيه" ١، أمَّا إيمان السحرة فأعني بهم السحرة الذين جاء بهم فرعون مصر لإبطال معجزة موسى ﵇، وأخبرنا الله تعالى بقصتهم وإيمانهم، قال تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ، قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، فأولئك السحرة جاءوا لينصروا باطل فرعون وكفره، ويقاوموا دعوة موسى نبي الله، ولكن ما إن رأوا المعجزة وعلموا أنَّها ليست من السحر الذي تعلَّموه، وإنَّما هي من عند الله، ودليل صدق نبيه الكريم موسى ﵇، أقول: ما إن رأوا ذلك حتى آمنوا حالًا وأعلنوا إيمانهم صراحة، بما يدل على عِظَم الإيمان، وقوة نوره الذي دخل قلوبهم وبدَّد كل باطل فيها، حتى هتفت ألسنتهم وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ، ولمَّا هدَّدَهم اللعين بما هدَّدَهم به قالوا: ﴿لَا ضَيْر﴾ ، أي: لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عذاب الدنيا، فإن عذابك ساعة فنصبر لها، ثم نلقى الله ربنا مؤمنين، ونحن نرجوا ونطمع أن يغفر خطايانا السابقة، فإنَّنَا بادرنا إلى الإيمان عند ظهور معجزة موسى ﵇. هذان مثلان للاستجابة السريعة لدعوة الله تكون عند بعض الناس، أمَّا الأمثلة على الاستجابة البطيئة فهي كثيرة، نكتفي منها بما قصَّه الله علينا من أخبار قوم نوح، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عامًا، ومع هذا لم يؤمن له إلّا القليل كما جاء في

стр. 373

القرآن الكريم. وأبو سفيان والطلقاء لم يؤمنوا بالإسلام ونبي الإسلام محمد ﷺ إلّا بعد فتح مكة، وبعد عداوة شديدة ومحاربةٍ دامت عشرين سنة، وهناك من لا يستجيب إلى دعوة الله ويموت وهو كافر، نعوذ بالله من الخذلان. ٥٩٤- ومن واجبات المدعو بعد أن هداه الله إلى الإسلام أن يقوم بحق الإسلام، فيقيم أمور حياته وسلوكه على مناهج الإسلام، ويعبد الله على النحو الذي أُمِرَ به وبيّنَه في قرآنه وعلى لسان رسوله الكريم ﷺ ، حتى لا يكون في إسلامه شوب نفاق، يقول: إنه من المسلمين، ولكنه لا يؤدي حقوق الإسلام.

стр. 374

الفصل الثاني: أصناف المدعوين مدخل ... الفصل الثاني: أصناف المدعوين تمهيد: ٥٩٥- في كل مجمتع يوجد سادة وأشراف لهم نفوذ فيه، وقد يكون بأيديهم السلطان، وهؤلاء هم الصنف الأول من المدعوين، ويسميهم القرآن "الملأ"، وإزاء هؤلاء يوجد جمهور الناس وعامتهم، وهؤلاء هم الصنف الثاني من المدعوين، فإذا ما استجاب الناس إلى الدعوة إلى الله ودخل الإيمان في قلوبهم، وصارت الغلبة للمؤمنين، وصار المجتمع إسلاميًّا، أمكن عند ذاك ظهور صنفٍ آخر يظهر الإسلام رياءً ونفاقًا ويبطن الكفر، وهؤلاء هم المنافقون، وهم الصنف الثالث من أصناف المدعوين، كما أنَّ من دخل في الإسلام قد يكون إسلامه ضعيفًا، وإيمانه رقيقًا، مما يجعل انزلاقه إلى المعاصي سهلًا، وهؤلاء هم العصاة، ويكونون الصنف الرابع من أصناف المدعوين، ولا بُدَّ من الكلام عن هذه الأصناف في المباحث التالية.

стр. 375

المبحث الأول: الملأ تعريف الملأ: ٥٩٦- يَسْتَعمل القرآن الكريم كلمة "الملأ" في قصصه عن الرسل الكرام وما جرى لهم مع أقوامهم، "والملأ" كما يقول المفسرون: هم أشراف القوم وقادتهم ورؤساءهم وساداتهم١، فهم إذن البارزون في المجتمع وأصحاب النفوذ فيه، الذين يعتبرهم الناس اشرافًا وسادة، أو يُعْتَبرون حسب مفاهيم المجتمع وقيمه أشراف المجتمع وسادته، ومن ثَمَّ يستحقون -في عرف الناس- قيادة المجتمع والزعامة والرئاسة فيه، وقد يباشرون ذلك فعلًا، وإطلاق كلمة الملأ على هؤلاء في القرآن الكريم بهذا المعنى هو من قبيل بيان الواقع، لا من قبيل بيان استحقاقهم فعلًا للشرف والسيادة والقيادة والرئاسة، ويشبه هذا الإطلاق ما ورد في رسائل النبي ﷺ إلى رؤساء فارس والروم ومصر، فقد جاء في بعض هذه الرسائل مخاطبة الرسول الكريم ﷺ إلى رئيس الروم بعبارة: "إلى عظيم الروم"، فإطلاق هذه العبارة على رئيس الروم من قبيل بيان واقعه، وهو أنه عظيم في نظر الروم لرئاسته لهم، وليس بيانًا لاستحقاقه هذا الوصف. الملأ والدعوة إلى الله: ٥٩٨- والوصف الغالب على الملأ من كل قوم معاداتهم للدعوة إلى الله تعالى،

стр. 376

فقد قاوموا دعوة الرسل الكرام إلى الله تعالى، وكانوا هم الذين يتولَّوْن كبر المقاومة الأثيمة للدعوة إلى الله، ويقودون حملة الكذب والافتراء والتضليل ضدَّ أنبياء الله تعالى، يدل على ذلك قول ربنا ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ١، يخبر الله في هذه الآية الكريمة رسوله محمدًا ﷺ مسليًّا له أنه ما أرسل من رسول إلى قرية إلّا قال مترفوها -وهم أولو القوة والحشمة والثروة والترف والرياسة، وقادة الناس في الشر: لا نؤمن به ولا نتبعه٢، وقال تعالى عن سيدنا نوح ﵇: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ٣، فالملأ من قوم نوحٍ هم الذين تصدَّوا للدعوة إلى الله، وهم الذين نسبوا نبيهم إلى الضلال المبين، وهذا من أعظم الظلم، والصد عن سبيل الله إذ يوصف الحق الذي جاء به نوح من ربه بالضلال، ولكن هذا هو منطق الملأ، وكذلك كان موقف الملأ من قريش من دعوة رسول الله ﷺ ، قاوموا هذه الدعوة المباركة، وآذوا رسول الله ﷺ ، ورموه بالكذب، وتآمروا به، قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ ٤. والملأ في الآية الكريمة هم سادة قريش وقادتها ورؤساؤها وكبراؤها، قالوا لقومهم: استمرّوا على دينكم ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد ﷺ من التوحيد٥. وفي السيرة النبوية الشيء الكثير عن موقف الملأ من قريش وغيرهم من الدعوة إلى الله، التي بلغهم إياها الرسول الكريم ﷺ ، من ذلك ما ذكره ابن هشام في سيرته من

стр. 377

أنَّ الرسول ﷺ كان يخرج إلى القبائل ويدعوها إلى الله تعالى، وكان يمشي وراءه أبو لهب وهو من أشراف قريش ويقول للناس: ".. فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه"١. وكذلك عندما خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف واجتمع بنفرٍ منهم -وهم يؤمئذ سادة ثقيف وأشرافها- ردُّوه أقبح ردٍّ ولم يكتفوا بذلك، وإنما "أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس"٢. أسباب عداوة الملأ للدعوة إلى الله: ٥٩٨- من التأمل في الآيات المسوقة في قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أقوامهم، تظهر لنا أسباب مخاصمة الملأ للرسل الكرام وعداوتهم لهم ورفضهم دعوتهم، ومن أهمّ هذه الأسباب الكِبر الذي تغلغل في نفوسهم، وحبِّهم الرياسة والجاه، والجهالات التي حسبوها أدلة ويقينيات، ونتكلم فيما يلي عن كل سبب مع ما ورد بشأنه من آيات وآثار. أولًا: الكبر ٥٩٩- الكبر خلق ذميم وآفة عظيمة مستقِرَّة في النفس، وتظهر آثاره في الخارج بأشكال مختلفة، ومواقف متعددة، ومن آثاره: عدم رؤية الحق في غالب الأحيان، أو رؤيته ولكنَّ الكبر يمنع من الاعتراف به والانقياد له، كما يمنع الاعتراف بالفضل لأولي الفضل، ويمنع المتكبِّر من الرؤية الصحيحة لقدر نفسه، فيراها فوق أقدار الناس، فيستنكف أن يكون معهم، أو تابعًا لأحد منهم، وقد يقترن الحسد مع الكبر فيزيد من آثاره سوءًا وصدودًا عن الحق، وجحدًا له، ومحاربة لأهله، وعداوة لهم. ٦٠٠- ومن الآيات الدالة على صفة الكبر في الملأ، وما أدَّت إليه من نتائج غاية في السوء والقبح، قوله تعالى: ١- ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ، ففرعون وقومه أنكروا نبوة موسى ﵇، مع أنَّ نفوسهم أيقنت بها، وكان الحامل لهم على إنكارها ظلمهم وتكبُّرهم على موسى ﵇.

стр. 378

٢- ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فالملأ بدلًا من رؤيتهم الحق الذي جاءهم به نوح رأوه ضلالًا، ونوره ظلامًا، وادَّعَوْا أنَّ هذا الضلال بيِّن، أي: ظاهر واضح، وهو في الحقيقة دليل على عماهم وعدم رؤيتهم الحق الذي أدَّى بهم إلى هذا الادعاء، وبالتالي إلى هلالكهم، قال تعالى مخبرًا عن عاقبتهم: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ ١. ٣- وقال تعالى مخبرًا عن الملأ من قوم عادٍ وما قالوه لنبيهم هود: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ، والمقصود بالسفاهة الحمق وخِفَّة العقل، فالملأ من قوم عادٍ يرَوَن ما يدعوهم إليه نبيهم حمقًا وخِفَّة عقل، ولو كان عندهم بصر حديد لرأوا ما يدعوهم إليه هو الحق الصريح. ٤- ما بيّنَه الله تعالى عن الملأ من قريش وكيف أنَّهم وصفوا دعوة الرسول ﷺ بالكذب والاختلاق، قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ ، وكيف أنَّهم وصفوه بالسحر والجنون -قبَّحهم الله تعالى. ٥- قال تعالى مخبرًا عن الملأ من قوم نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ٢، فالملأ من قوم نوح يقولون: ما نراك اتبعك إلّا أراذل القوم -وهم الفقراء والضعفاء وأصحاب الحرف الخسيسة- ولم يتبعك السادة والأشراف، ولا القادة الرؤساء، فكيف نكون معهم ومثلهم في متابعتك؟ ثم يقولون: وهؤلاء الأراذل اتبعوك بلا إعمال فكر ولا روية، ولا تأمّل؛ لأنهم من الأراذل، لا من السادة والأشراف، ثم يضيفون إلى ذلك بأنَّهم لا يرون لرسول الله ولا لأتباعه أيّ فضل عليهم، ثم ينتهون إلى القول بأنه من الكاذبين. وهذا

стр. 379

كله من نتائج كبرهم النفسي الذي جعلهم يقلبون الحقائق، ويأنفون عن الحقِّ بحجة أن الأراذل اتبعوه، وفاتهم أنَّ الحق في نفسه يبقى حقًّا، سواء اتبعه الضعفاء والفقراء أو القادة والرؤساء، وأنَّ أتباع الحق في الحقيقة هم الأشراف ولو كانوا فقراء، وأن الأراذل في الحقيقة هم المعاندون المخالفون للحق وإن كانوا في أعين الناس من الأشراف. ٦- وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ، فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ، فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ ، وفرعون وملؤه استكبروا عن اتباع الحق فجحدوا وجاءوا بهذه الجهالات تبريرًا لكفرهم، وفرعون هذا هو الذي أدَّى به كبره إلى ادِّعاء الألوهية وشيء من الربوبية، قال تعالى مخبرًا عنه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ، ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ . ٧- وفي السيرة النبوية أنَّ الملأ من قريش قالوا لرسول الله ﷺ : لا نرضى أن نكون مع هؤلاء -يعنون: ضعفاء المسلمين مثل صهيب وعمار وبلال وخباب- فاطردهم عنك ولا تبقهم في مجلسك إذا دخلنا عليك، فإذا فرغنا من الحديث معك والسماع منك وخرجنا فأدخلهم إن شئت، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ ، وقال تعالى عن أولئك المتكبِّرين المتعجرفين الذين طلبوا ما طلبوا: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ١. ٨- وقال تعالى عن المتكبرين عن رسالة الإسلام والإيمان بمحمد ﷺ : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٢. ومعنى هذه الآية الكريمة: إنَّ المعترضين على القرآن الكريم المتكبرين عن الإيمان به والتصديق بنبوة محمد ﷺ قالوا: هلَّا كان إنزال القرآن على رجل كبير في أعينهم

стр. 380

من القريتين: مكة والطائف، وعن ابن عباس: يعنون بالرجل العظيم جبَّارًا من جبابرة قريش١، فهم بدافع كبرهم النفسي يستصغرون شأن الرسول ﷺ ، ولا يرونه أهلًا للرسالة، وأنهم أو غيرهم من الكبراء هم المستحقون للرسالة وتنزُّل الوحي، وردَّ الله عليهم قولهم بأنَّ الأمر بيد الله، والله أعلم حيث يجعل رسالته. ثانيًا: حب الرياسة والجاه ٦٠١- "والملأ" يحبون الرياسة والجاه والتسلط على رقاب العباد، ولذلك فهم يعارضون كل دعوة تسلبهم مكانتهم بين الناس وتجعلهم تابعين كبقية الناس، وهم يتصوَّرون أنَّ قبولهم الدعوة إلى الله يسلبهم جاههم وسلطانهم، ولذلك يقاومونها ويعادونها ويأتون بالأباطيل لتبرير عداوتهم، ومن الآيات الدالة على حبهم للرياسة والجاه، وأنَّ هذ الحب كان من أسباب رفضهم دعوة الحق إلى الله تعالى، ما يأتي: ١- في قصة نوح ﵇ قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ٢. "فالملأ" دفاعًا عن رياستهم على الناس وتسلطهم عليهم يقولون لقومهم: إنَّ نوحًا بدعوته هذه يريد أن يتفضَّل عليكم، أي: يترفَّع ويتعاظم عليكم ويترأس عليكم. ويريد الملأ بهذ الادعاء صرف الناس عن نوح ﵇؛ لتبقي سيطرتهم ورياستهم عليهم، والحقيقة أنَّ رسل الله لا يريدون علوًّا في الأرض وفسادًا، ولا رياسة ولا تعاظمًا، وإنما هم بطبيعة دعوتهم يصيرون أئمة للناس، وتصير لهم الرياسة، ولكن ليست هي مثل رياسة أولئك الملأ المتكبرين على الله. ٢- قال تعالى عن فرعون وملئِه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ

стр. 381

هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ، قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ ١. ففرعون وملؤه استكبروا عن اتباع الحق والانقياد له، وكانوا قومًا مجرمين، ثم برروا استكبارهم عن الحق بالادعاء بأنَّ موسى وهارون يريدون ثنيهم عن الدِّين الذي كان عليه آبائهم، أو أنهم يريدان أن تكون لهما الكبرياء، أي: العظمة والرياسة في الأرض. فأسباب رفض فرعون وملئه دعوة الحق ترجع إلى الكبر وإلى حب الرياسة والعلوّ في الأرض، ولهذا اتهموا موسى وهارون بحب الرياسة؛ لأنَّ فرعون يظنّ أن القصد من دعوتهما هو ذلك، أو أنَّ مآل دعوتهما ذهاب رياسته على الناس. ٣- وقال تعالى عن الملأ من قريش: ﴿انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ، هذا بعض ما قاله الملأ من قريش، ومعناه كما جاء في تفسير القرطبي: "إن هذا الشيء يراد: كلمة تحذير، أي: إنما يريد محمد ﷺ بما يقول الانقياد له؛ ليعلوا علينا ونكون له أتباعًا فيتحكَّم فينا بما يريد، فاحذروا أن تطيعوه"٢. وفي تفسير ابن كثير في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَاد﴾ : قال ابن جرير في معنى هذه الآية: إنَّ الملأ قالوا: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد ﷺ من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع، ولسنا نجيبه٣، ومعنى ذلك كله أنَّ الملأ من قريش حرصًا منهم على الرياسة والجاه رفضوا دعوة الإسلام؛ لظنِّهم أنها تفقدهم جاههم وسلطانهم على الناس. ثالثًا: الجهالة ٦٠٢- "والملأ" غارق في الجهالة ولا يشعر بجهالته، فهو يكفر بربه ويردّ دعوته الكريمة التي بعث بها رسله إلى الناس، ويصفها بأنها ضلال، ويرمي مبلغيها وهم الرسل الكرام بالسفاهة وخفة العقل، ويؤلّب الدهماء عليهم، ويكيد ضدهم، ويعاديهم

стр. 382

ويستغرب من دعوتهم، ويدَّعي أن آية كذب الرسول أنه من البشر، وأنَّهم -أي: الملأ- أولى بالرسالة ممن أرسلوا؛ لأنهم -الملأ- أكثر مالًا وأعز نفرًا، وأنَّ الرسل الكرام يريدون تحويلهم عن ملة آبائهم، ويأتونهم بدين جديد ما سمعوا به من قبل، وأنهم -أي: الملأ- يسخرون ويستهزئون بالمؤمنين، زاعمين أنهم لا يفهمون ولا يعلمون، ولهذا اتبعوا الدعوة إلى الله واتبعوا رسل الله بلا رؤية ولا تمحيص ولا تأويل، بينما هم لم يفعلوا ذلك؛ لأنهم سادة أشراف يفهمون ويعقلون ويدركون. وأنهم يحسبون الأنبياء الكرام مفسدين في الأرض، وأنهم -أي الملأ- هم المصلحون المدافعون عن دين الناس وحقوقهم، وأنهم في سبيل هذا الدفاع سيحاربون الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى. وهذه بعض آثار جهالتهم وحماقاتهم، أخبرنا الله تعالى بها في آيات كثيرة، وهي من أسباب ضلالهم وحماقاتهم، وهي من أسباب ضلالهم وعدم انتفاعهم بهدي الله تعالى، فمن ذلك: ١- قال تعالى عن قوم نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ، فهم لجهالتهم يقولون لنبيهم نوح ﵇: لست بمَلَك ولكنك بشر، فيكف أوحي إليك من دوننا؟ ثم ما نراك اتبعك إلّا الذين هم أراذلنا، ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منَّا، وهذا كله من جهالتهم، وإلّا لو كان لهم عقل لعلموا أن لا بدَّ أن يكون الرسول من البشر حتى يمكن أن يخاطبهم، ويمكن لهم أن يفهموه، كما أنهم لو كان لهم عقل سليم لعلموا أنَّ الحرمان والفقر والضعف لا علاقة لشيء منها في أمور الديانة، وأن الضعفاء والفقراء باتباعهم الحق يبرهنون على حسن إدراكهم وصفاء نفوسهم. ٢- وقال تعالى عن قوم ثمود وما قالوه لنبيهم صالح: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ١، فالملأ من ثمود كانوا مصرِّين على جهالتهم وإنكارهم نبوة صالح ﵇، وإنما سألوا المؤمنين سؤال متكبِّر جاهلٍ لا سؤال متفهم متواضع.

стр. 383

٣- قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ والمترفون هم "الملأ"، وجوابهم على دعوة رسل الله أنَّهم وجدوا آباءهم على ملة ودين، وأنَّهم مقتفون أثرهم لا يحيدون عن ذلك، وهذا من جهلهم؛ لأن الباطل لا يتابع، وأنَّ الحق أحق أن يُتَّبَع، وهذا التقليد الذميم للباطل القديم الذي كان عليه الآباء والأجداد من أعظم أسباب التمرُّد على الحق، قال تعالى في داء التقليد الذميم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ ١. ٤- وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ٢. "الملأ" من قوم فرعون يعتبرون موسى نبي الله والداعي إليه وأتباعه المؤمنين مفسدين في الأرض، ويؤلبون فرعون على مقاومتهم والقضاء عليهم؟ إن جهلهم مع كبرهم وحبهم للرياسة والجاه جعلهم يعتبرون موسى مفسدًا في الأرض. الملأ هم الملأ في كل مكان وزمان: ٦٠٣- والملا بأوصافهم وأخلاقهم التي بيَّنَها القرآن الكريم يوجدون في كل مجتمع، وفي كل مكان وزمان، ولهذا فهم يقفون غالبًا في وجه كل دعوة إلى الله تعالى، ويحاربونها بدافعٍ من الكبر الذي يغشى نفوسهم، وبدافع حب الرياسة على الناس، وخوفهم من أن تسلبهم هذه الدعوة الإصلاحية مركزهم ومكانتهم وترفهم، ومما يدل على بقاء الملأ في كل زمان ومكان معارضين لكل دعوة طيبة خيرة تريد الإصلاح وإيصال الناس إلى خالقهم، إنَّ الدوافع التي دفعت الملأ من الأقوام الماضية إلى محاربة رسل الله والدعوة إليه، هي نفسها توجد في نفوس الكبراء والمترفين، فالكبر يعلق في النفوس المريضة والحرص على الرياسة والجاه والمنزلة، موجود في النفوس، وإنما ينقمع بالإيمان، والجهل يخيِّم على مثل هذه النفوس التي تعشق العلوَّ في الأرض

стр. 384

والترف في الحياة، وإذا ما دخل أصل الإيمان في نفوس السادة والكبراء والأشراف، فإنَّ هذا الإيمان يبقى ضعيفًا غالبًا، لا يقوى على منعهم من الصد عن سبيل الله، ولا عن محاربة الدعاة إلى الله تعالى بشبهاتٍ واهية من جنس شهبات الملأ القدامى، الذين حاربوا رسل الله وصدوا عن دعوتهم المباركة، وقد تنبه المفسرون إلى أنَّ "الملأ" يبقون معارضون للدعوة إلى الله. جاء في تفسير ابن كثير بصدد قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال: وهكذا حال الفجَّار إنما يرون الأبرار في ضلاله١، وقال أيضًا في مكان آخر من تفسيره: ثم الواقع غالبًا أنَّ من يتَّبِعُ الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته٢، ومثله جاء في تفسير القرطبي٣.

стр. 385

المبحث الثاني: جمهور الناس تعريف جمهور الناس: ٦٠٤- نريد من قولنا: جمهور الناس معظمهم؛ لأن جمهور كل شيء معظمه وأكثره، والمقصود بمعظم الناس ما عدا "الملأ"، وقد تكلَّمنا عنهم وهم عادة قلة، أمَّا ما عداهم فهم أكثرية الناس في أيِّ مجتمع بشري، وهؤلاء الجمهور يكونون عادة مرءوسين للملأ وتابعين لهم، كما يكونون غالبًا فقراء وضعفاء ويباشرون مختلف الأعمال والحِرَف. الجمهور أسرع من غيرهم إلى الاستجابة: ٦٠٥- الجمهور أسرع من غيرهم إلى الاستجابة إلى الحق، فهم أتباع رسل الله، يصدقونهم ويؤمنون بهم قبل غيرهم، كما قال هرقل لأبي سفيان يوم اجتمع به في الشام لمَّا سمع هرقل بأنه من مكة، فأراد أن يسأل عن أخبار النبي ﷺ ، قال هرقل: أشرف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هم أتباع الرسل١، والواقع أنَّ أتباع رسل الله كانوا من جمهور الناس، وقد ذكرنا في بحثنا عن "الملأ" كيف قالوا لنوحٍ ﵇: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ ، وقول "الملأ" من ثمود كما حكاه الله ﷻ عنهم: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا

стр. 386

مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ، وكذلك كان أتباع نبينا محمد ﷺ في مكة من الضعفاء، وقد نالهم من المشركين أذى كثير١، والجمهور في كل وقت أسرع من غيرهم إلى قبول الحق، قال ابن كثير في تفسيره: "ثم الواقع غالبًا أن يتَّبِع الحق ضعفاء الناس"٢. تعليل سرعة استجابة الجمهور للحق: ٦٠٦- وتعليل سرعة استجابة الجمهور للحق وقبولهم الدعوة إلى الله، أنَّهم خالون من موانع القبول الموجودة في "الملأ"، كحب الرياسة والتسلُّط والأنفة من الانقياد للغير لكبرهم النفسي، وبالتالي يكون أسرع إلى الإجابة للحق والانقياد له من غيرهم، وهذا التعليل أشار إليه القرطبي في تفسيره، والواقع أن الكبر وحب الرياسة والانغماس في الترف، ونحو ذلك مما لا ينفك عنه "الملأ" غالبًا، يجعل انفكاكهم عن هذه الموانع صعبًا، وبالتالي تكون قلوبهم في أكِنَّة لا تتأثَّر بالحق، وعلى عيونهم غشاوة لا ترى الحق واضحًا جليًّا، فتندفع إلى معاداته عن جهل، وبدافع الحرص على مكانتهم كما بيَّنَّا هذا من قبل. احتمال تأثر الجمهور بالملأ: ٦٠٧- ومع أنَّ الجمهور مهيأ للاستجابة السريعة أكثر من غيره، وأنَّ فرص الإيمان أمامه كثيرة، وأنَّ فطرته سليمة، فإن هناك احتمال لتأثُّر الجمهور بمكائد "الملأ"، والسير وراء تضليلهم وأكاذيبهم كما حصل لقوم فرعون، فقد تابعوه على باطله وناصروه عليه، قال تعالى عنه وعنهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ، وفي تفسير ابن كثير: استخفَّ عقولهم فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له٣، والظاهر أنَّ فتنة فرعون كانت عظيمة، فقد جمع بين الملك والرئاسة والأعوان والأموال، مع فراغ قلوب قومه من العلم النافع والهدى العاصم والعقل الراجح، فوقعوا في فتنته وأباطيله التي كان يحتجُّ بها في رد دعوة موسى ﵇ ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْر

стр. 387

فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ كما أخبر الله عنهم. وقال تعالى عن إغواء السادة والكبراء للضعفاء وهم الجمهور: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، في هذه الآيات الكريمة يخبر الله تعالى عن تمادي الكفَّار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن وبما أخبر به، ثم يخبر عن أحوالهم التي سيصيرون إليها يوم القيامة، ومنها: وقوفهم بين يدي ربهم يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب، والخصم بعد أن كانوا في الدنيا متناصرين، ومن هذه المحاججة والمراجحة في اللوم والعتاب قول الذين استضعفوا منهم، وهم الأتباع، للذين استكبروا منهم وهم قادتهم وسادتهم ورؤساؤهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِين﴾ ، أي: لولا أنتم كنتم تصدوننا عن الهدى لكنَّا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به من الحقِّ، فيقول الذين استكبروا وهم القادة والرؤساء: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ ، أي: نحن ما فعلنا بكم أكثر من أن دعوناكم فاتَّبَعْتُمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدِلَّة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل؛ لشهوتكم واختياركم الدنيا وما وعدناكم به، وكنتم مجرمين باتباعكم إيَّانا، فيقول المستضعفون وهم الجمهور من الكفار للملأ المستكبرين من الكفار: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ، أي: مكركم بالليل والنهار، أي: كنتم تمكرون بنا ليلًا ونهارًا، أوتغروننا وتمنُّوننا بالأماني الباطلة، وتخبروننا أنكم على الحق، وأنَّ دعوة الرسل باطلة، فإذا جميع ما ذكرتموه لنا باطل وكذب، وكنتم تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادًا، أي: نظراء وآلهة معه، وتقيموا لنا شبهًا لإثبات باطلكم لإضلالنا وإغوائنا، وهكذا فإنَّكم أيها الكبراء المجرمون بدعائكم لنا إلى الكفر وتزيينكم لنا الباطل اتبعناكم وصرنا من الكافرين، ثم يخبر الله تعالى عنهم أنَّهم أسروا الندامة لمَّا رأوا

стр. 388

العذاب، أي: أظهروا جميعًا الندم، السادة والأتباع، كلٌّ ندم على ما سلف منه، ولكن لا ينفعهم الندم، ولهذا توضع في أعناقهم السلاسل، أي: تجمع أيديهم مع أعناقهم جزاء أعمالهم وتكذيبهم، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع عذاب بحسبهم١. لماذا يتأثر الجمهور بالملأ: ٦٠٨- قلنا: إنَّ الجمهور أكثر استجابة للحقِّ من غيرهم، وقلنا: هناك احتمال لتأثُّر الجمهور بالملأ وباطله، فلماذا يكون هذ التأثر بالباطل مع وضوح الحق وعدم وجود الموانع للاستجابة عند الجمهور؟ الجواب عن ذلك يرجع إلى جملة أسباب: ٦٠٩- أولًا: الخوف، فلا شك أنَّ الملأ الكافر وبيده القوة والنفوذ والمال يستطيع أن يرهب الجمهور ويخوفهم إن خرجوا عن الكفر الذي هم فيه، وهذا الخوف يثبِّط الهِمَمَ والعزائم عند أكثر الجمهور طلبًا لسلامة أنفسهم من الأذى، قال تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ ١، فالخوف من بطش فرعون وملئه منع أكثر الجمهور من الإيمان به، ولم يؤمن به إلّا قلة منهم وهم خائفون أن يصيبهم بطش فرعون، صحيح أنَّ قلة من الجمهور لا يخيفهم التهديد والوعيد بإنزال العذاب الشديد إن آمنوا بالحق، فيعلنوا إيمانهم غير هيَّابين ولا وجلين، كما حصل لسحرة موسى عندما أعلنوا إيمانهم بموسى وبدعوته الحق وبربهم ، ولم يلتفتوا إلى تهديد فرعون لهم بالصَّلْبِ والقتل، وقالوا له: ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وكذلك أصحاب الأخدود آمنوا بالرغم من العذاب الشديد، ولكن هؤلاء قلة من الجمهور، والكثير منهم يتأثرون بالخوف من الملأ، فلا يُقْدِمُون على الإيمان، ثم يطول عليهم الأمد، ويألفون الكفر فيرضونه طائعين بعد أن كانوا له كارهين، فيعمَّهم العذاب، ومما يشير أيضًا إلى أثر الخوف في منع الجمهور من أتباع الحق، قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ .

стр. 389

٦١٠- ثانيًا: الإغراء بالمال وحطام الدنيا، فإنَّ الملأ يملكون ذلك ويلوّحون به إلى الجمهور إن تابعوهم على باطلهم ورضوا بقيادتهم لهم، وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى عن قوم نوح، قال ربنا -عز شأنه: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ ، فإنهم اتبعوا ساداتهم وكبراءهم أصحاب الرئاسة والأموال على أمل الحصول على شيءٍ من أموالهم، وفي قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ إشارة -على ما أفهمه- إلى إغراء فرعون للجمهور بما يملكه من مالٍ وأسباب الحياة المادية، وأنه يعطيها من يوافقه على باطله، أو يهيئ له فرصة الاستفادة منها، وفي السيرة النبوية أنَّ أشراف قريش عرضوا على رسول الله ﷺ المال الكثير يعطونه له إذا ترك دعوته، مما يدل على أنَّ "الملأ" يغرون الناس بالمال إعطاءً أو منعًا لصدِّهم عن الدعوة إلى الله . ٦١١- ثالثًا: الشبهات، الملأ لا يكتفي بالقوة والبطش والتخويف لصدِّ الجمهور عن دعوة الحق، وإنما يسلك معهم سبيل الشبهات، وهذه الشبهات أنواع كثيرة، منها: رمي الداعي إلى الله بالجنون والضلال والسفاهة، وقد ذكرنا بعض الآيات الكريمة عن قوم نوح وهود ومنها: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ، وعن هود: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ، ومن شبهاتهم قولهم: إن الرسول بشر، وما ينبغي في زعمهم أن يكون الرسول من البشر ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ ، ومن شبهاتهم أنَّ الملأ في مقاومتهم دعوة الحق يريدون حماية عقيدة الناس ومصالحهم ودفع الفساد عنهم، قال تعالى عن مثل هذه الشبهة القديمة في الملأ، المتجدَّدة في كل زمان: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ١، ومثل هذا كان يقول الملأ من قريش، من أنَّ الرسول ﷺ يريد إفساد عقيدتهم، وتسفيه آلهتهم، ولهذا فهم يقاومونه. ومن شبهاتهم: أنَّ لهم الأموال الكثيرة والجاه والسلطان، وأنَّ هذا دليل على أحقيتهم وصلاحهم، ولهذا فهم خيرٌ من الداعي ولو كان رسولًا، قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ

стр. 390

فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ ، ففرعون يعتزّ بملكه وسلطانه وثراه ومنعته، ويُوهِمُ الجمهور أنَّه وهذه منزلته أحق بالحق من موسى الذي ليس عنده شيء مما عند فرعون، الذي لا يكاد يفصح عن مقصده وغرضه، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ، فهم يستدلون بما أعطاهم الله من أموالٍ وأولاد على صلاحهم ونجاتهم من العذاب، وجهلوا سنة الله في العطاء والمنع، فالله تعالى يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، فلا يكون المال دليلًا على صلاح الشخص ورضى الله عنه. وهذه الشبهات على بطلانها فإنَّها تؤثر في الجمهور؛ لأن من يسمع يضل؛ ولأن الملأ يلقيها بأسلوب ناعمٍ مزخرف ليزيد من تضليله وإغرائه للجمهور بالمال، وإخافته لهم بالقوة. والإنسان يحب الحياة والتمتع فيها، ويخاف الأذى والحرمان، فتتجمَّع الشبهات مع هذه الغرائز الإنسانية فيقع التأثير في أكثر الجمهور، ولا ينجو منها إلّا القليل منهم، ومع هذا يبقى أكثر أتباع الرسل الكرام من الجمهور لا من الملأ.
следующие страницы →