مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ، وكذلك كان أتباع نبينا محمد ﷺ في مكة من الضعفاء، وقد نالهم من المشركين أذى كثير١، والجمهور في كل وقت أسرع من غيرهم إلى قبول الحق، قال ابن كثير في تفسيره: "ثم الواقع غالبًا أن يتَّبِع الحق ضعفاء الناس"٢.
تعليل سرعة استجابة الجمهور للحق:
٦٠٦- وتعليل سرعة استجابة الجمهور للحق وقبولهم الدعوة إلى الله، أنَّهم خالون من موانع القبول الموجودة في "الملأ"، كحب الرياسة والتسلُّط والأنفة من الانقياد للغير لكبرهم النفسي، وبالتالي يكون أسرع إلى الإجابة للحق والانقياد له من غيرهم، وهذا التعليل أشار إليه القرطبي في تفسيره، والواقع أن الكبر وحب الرياسة والانغماس في الترف، ونحو ذلك مما لا ينفك عنه "الملأ" غالبًا، يجعل انفكاكهم عن هذه الموانع صعبًا، وبالتالي تكون قلوبهم في أكِنَّة لا تتأثَّر بالحق، وعلى عيونهم غشاوة لا ترى الحق واضحًا جليًّا، فتندفع إلى معاداته عن جهل، وبدافع الحرص على مكانتهم كما بيَّنَّا هذا من قبل.
احتمال تأثر الجمهور بالملأ:
٦٠٧- ومع أنَّ الجمهور مهيأ للاستجابة السريعة أكثر من غيره، وأنَّ فرص الإيمان أمامه كثيرة، وأنَّ فطرته سليمة، فإن هناك احتمال لتأثُّر الجمهور بمكائد "الملأ"، والسير وراء تضليلهم وأكاذيبهم كما حصل لقوم فرعون، فقد تابعوه على باطله وناصروه عليه، قال تعالى عنه وعنهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ، وفي تفسير ابن كثير: استخفَّ عقولهم فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له٣، والظاهر أنَّ فتنة فرعون كانت عظيمة، فقد جمع بين الملك والرئاسة والأعوان والأموال، مع فراغ قلوب قومه من العلم النافع والهدى العاصم والعقل الراجح، فوقعوا في فتنته وأباطيله التي كان يحتجُّ بها في رد دعوة موسى ﵇ ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْر
стр. 387
فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ كما أخبر الله عنهم.
وقال تعالى عن إغواء السادة والكبراء للضعفاء وهم الجمهور: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، في هذه الآيات الكريمة يخبر الله تعالى عن تمادي الكفَّار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن وبما أخبر به، ثم يخبر عن أحوالهم التي سيصيرون إليها يوم القيامة، ومنها: وقوفهم بين يدي ربهم يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب، والخصم بعد أن كانوا في الدنيا متناصرين، ومن هذه المحاججة والمراجحة في اللوم والعتاب قول الذين استضعفوا منهم، وهم الأتباع، للذين استكبروا منهم وهم قادتهم وسادتهم ورؤساؤهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِين﴾ ، أي: لولا أنتم كنتم تصدوننا عن الهدى لكنَّا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به من الحقِّ، فيقول الذين استكبروا وهم القادة والرؤساء: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ ، أي: نحن ما فعلنا بكم أكثر من أن دعوناكم فاتَّبَعْتُمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدِلَّة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل؛ لشهوتكم واختياركم الدنيا وما وعدناكم به، وكنتم مجرمين باتباعكم إيَّانا، فيقول المستضعفون وهم الجمهور من الكفار للملأ المستكبرين من الكفار: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ، أي: مكركم بالليل والنهار، أي: كنتم تمكرون بنا ليلًا ونهارًا، أوتغروننا وتمنُّوننا بالأماني الباطلة، وتخبروننا أنكم على الحق، وأنَّ دعوة الرسل باطلة، فإذا جميع ما ذكرتموه لنا باطل وكذب، وكنتم تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادًا، أي: نظراء وآلهة معه، وتقيموا لنا شبهًا لإثبات باطلكم لإضلالنا وإغوائنا، وهكذا فإنَّكم أيها الكبراء المجرمون بدعائكم لنا إلى الكفر وتزيينكم لنا الباطل اتبعناكم وصرنا من الكافرين، ثم يخبر الله تعالى عنهم أنَّهم أسروا الندامة لمَّا رأوا
стр. 388
العذاب، أي: أظهروا جميعًا الندم، السادة والأتباع، كلٌّ ندم على ما سلف منه، ولكن لا ينفعهم الندم، ولهذا توضع في أعناقهم السلاسل، أي: تجمع أيديهم مع أعناقهم جزاء أعمالهم وتكذيبهم، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع عذاب بحسبهم١.
لماذا يتأثر الجمهور بالملأ:
٦٠٨- قلنا: إنَّ الجمهور أكثر استجابة للحقِّ من غيرهم، وقلنا: هناك احتمال لتأثُّر الجمهور بالملأ وباطله، فلماذا يكون هذ التأثر بالباطل مع وضوح الحق وعدم وجود الموانع للاستجابة عند الجمهور؟ الجواب عن ذلك يرجع إلى جملة أسباب:
٦٠٩- أولًا: الخوف، فلا شك أنَّ الملأ الكافر وبيده القوة والنفوذ والمال يستطيع أن يرهب الجمهور ويخوفهم إن خرجوا عن الكفر الذي هم فيه، وهذا الخوف يثبِّط الهِمَمَ والعزائم عند أكثر الجمهور طلبًا لسلامة أنفسهم من الأذى، قال تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ ١، فالخوف من بطش فرعون وملئه منع أكثر الجمهور من الإيمان به، ولم يؤمن به إلّا قلة منهم وهم خائفون أن يصيبهم بطش فرعون، صحيح أنَّ قلة من الجمهور لا يخيفهم التهديد والوعيد بإنزال العذاب الشديد إن آمنوا بالحق، فيعلنوا إيمانهم غير هيَّابين ولا وجلين، كما حصل لسحرة موسى عندما أعلنوا إيمانهم بموسى وبدعوته الحق وبربهم ، ولم يلتفتوا إلى تهديد فرعون لهم بالصَّلْبِ والقتل، وقالوا له: ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وكذلك أصحاب الأخدود آمنوا بالرغم من العذاب الشديد، ولكن هؤلاء قلة من الجمهور، والكثير منهم يتأثرون بالخوف من الملأ، فلا يُقْدِمُون على الإيمان، ثم يطول عليهم الأمد، ويألفون الكفر فيرضونه طائعين بعد أن كانوا له كارهين، فيعمَّهم العذاب، ومما يشير أيضًا إلى أثر الخوف في منع الجمهور من أتباع الحق، قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ .
стр. 389
٦١٠- ثانيًا: الإغراء بالمال وحطام الدنيا، فإنَّ الملأ يملكون ذلك ويلوّحون به إلى الجمهور إن تابعوهم على باطلهم ورضوا بقيادتهم لهم، وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى عن قوم نوح، قال ربنا -عز شأنه: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ ، فإنهم اتبعوا ساداتهم وكبراءهم أصحاب الرئاسة والأموال على أمل الحصول على شيءٍ من أموالهم، وفي قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ إشارة -على ما أفهمه- إلى إغراء فرعون للجمهور بما يملكه من مالٍ وأسباب الحياة المادية، وأنه يعطيها من يوافقه على باطله، أو يهيئ له فرصة الاستفادة منها، وفي السيرة النبوية أنَّ أشراف قريش عرضوا على رسول الله ﷺ المال الكثير يعطونه له إذا ترك دعوته، مما يدل على أنَّ "الملأ" يغرون الناس بالمال إعطاءً أو منعًا لصدِّهم عن الدعوة إلى الله .
٦١١- ثالثًا: الشبهات، الملأ لا يكتفي بالقوة والبطش والتخويف لصدِّ الجمهور عن دعوة الحق، وإنما يسلك معهم سبيل الشبهات، وهذه الشبهات أنواع كثيرة، منها: رمي الداعي إلى الله بالجنون والضلال والسفاهة، وقد ذكرنا بعض الآيات الكريمة عن قوم نوح وهود ومنها: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ، وعن هود: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ، ومن شبهاتهم قولهم: إن الرسول بشر، وما ينبغي في زعمهم أن يكون الرسول من البشر ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ ، ومن شبهاتهم أنَّ الملأ في مقاومتهم دعوة الحق يريدون حماية عقيدة الناس ومصالحهم ودفع الفساد عنهم، قال تعالى عن مثل هذه الشبهة القديمة في الملأ، المتجدَّدة في كل زمان: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ١، ومثل هذا كان يقول الملأ من قريش، من أنَّ الرسول ﷺ يريد إفساد عقيدتهم، وتسفيه آلهتهم، ولهذا فهم يقاومونه.
ومن شبهاتهم: أنَّ لهم الأموال الكثيرة والجاه والسلطان، وأنَّ هذا دليل على أحقيتهم وصلاحهم، ولهذا فهم خيرٌ من الداعي ولو كان رسولًا، قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ
стр. 390
فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ ، ففرعون يعتزّ بملكه وسلطانه وثراه ومنعته، ويُوهِمُ الجمهور أنَّه وهذه منزلته أحق بالحق من موسى الذي ليس عنده شيء مما عند فرعون، الذي لا يكاد يفصح عن مقصده وغرضه، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ، فهم يستدلون بما أعطاهم الله من أموالٍ وأولاد على صلاحهم ونجاتهم من العذاب، وجهلوا سنة الله في العطاء والمنع، فالله تعالى يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، فلا يكون المال دليلًا على صلاح الشخص ورضى الله عنه. وهذه الشبهات على بطلانها فإنَّها تؤثر في الجمهور؛ لأن من يسمع يضل؛ ولأن الملأ يلقيها بأسلوب ناعمٍ مزخرف ليزيد من تضليله وإغرائه للجمهور بالمال، وإخافته لهم بالقوة. والإنسان يحب الحياة والتمتع فيها، ويخاف الأذى والحرمان، فتتجمَّع الشبهات مع هذه الغرائز الإنسانية فيقع التأثير في أكثر الجمهور، ولا ينجو منها إلّا القليل منهم، ومع هذا يبقى أكثر أتباع الرسل الكرام من الجمهور لا من الملأ.
стр. 391
المبحث الثالث: المنافقون
تعريف المنافق:
٦١٢- المنافق في الاصطلاح الشرعي: هو الذي يظهر غير ما يبطنه ويخفيه، فإن كان الذي يخفيه التكذيب بأصول الإيمان فهو المنافق الخالص، وحكمه في الآخرة حكم الكافر، وقد يزيد عليه في العذاب لخداعه المؤمنين بما يظهره لهم من الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ، وإن كان الذي يخفيه غير الكفر بالله وكتابه ورسوله، وإنما هو شيء من المعصية لله، فهو الذي فيه شعبة أو أكثر من شعب النفاق، والذي نريد أن نتكلم عنه في هذا البحث هو المنافق الخالص الذي يخفي كفره وتكذيبه لله ولكتابه ولرسوله، ومع هذا فإنَّنَا سنذكر بعض صفات هؤلاء المنافقين ليتَّعِظَ ويعتبر المسلم، فقد يكون فيه من صفات المنافقين وهو لا يشعر؛ ولأنه من الجائز أن يجتمع مع الإسلام بعض شعب النفاق.
أين يوجد المنافق؟
٦١٣- عندما تنتصر الدعوة إلى الله في المجتمع الكافر وتعلو كلمة الله، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا، وتستأصل قوة الكفر، ويذهب سلطان الكافرين، وتكون القوة والمنعة للمسلمين، عند ذاك يمكن أن يوجد المنافقون الذين لم يؤمنوا مع المؤمنين، ولم يبقوا على كفرهم ظاهرين معروفين مع الكافرين، خوفًا من سطوة المسلمين، فيبطنوا الكفر ويظهروا الإسلام. وعلى هذا فالنفاق لا يوجد إذا كانت الغلبة والسطوة والسلطة للكفار؛ لأنه لا خوف في هذه الحالة من إظهار الكفر والتمرُّد على الإسلام،
стр. 392
ولهذا لم يكن أحد من المسلمين منافقًا في مكة قبل الهجرة إلى المدينة؛ لأنَّ المسلمين كانوا قلة مستضعفين لا حول لهم ولا قوة ولا سلطان، وإنما السلطان لكفار قريش، ولكن بعد أن هاجر النبي ﷺ والمسلمون إلى المدينة، وصار للمسلمين قوة وسلطان، وانتشر الإسلام في المدينة، ظهر النفاق والمنافقون.
أساس النفاق:
٦١٤- وأساس النفاق الكفر والجبن، أمَّا الكفر فهو ما يبطنه المنافق، وأمَّا الجبن فهو الذي يجعل المنافق يظهر خلاف ما يبطنه من الكفر، ولهذا لا يكون المنافق إلّا جبانًا خوَّارًا ضعيف القلب، يحسن الكيد والمواربة والعمل في الظلام، وإذا لقي المؤمنين أظهر لهم نفسه كأنَّه مؤمن ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ، فهم لجبنهم يقولون: إننا مؤمنون، وإذا خلوا إلى قرنائهم من المنافقين والكاذبين قالوا: نحن نستهزئ بالمؤمنين بقولنا لهم: إنَّنَا مؤمنون.
المنافق أسوأ من الكافر:
٦١٥- والمنافق أضرّ وأسوأ من الكافر؛ لأنه ساواه في الكفر، وامتاز عليه بالخداع والتضليل وإمكان تسلله في صفوف المسلمين، فيكون إيذاؤه شديدًا، والحذر منه قليلًا، بخلاف الكافر الذي لا يحصل فيه الاشتباه، ولا يمكن أن يخدع المسلمين بحقيقته الظاهرة.
علامات النفاق:
٦١٦- وإذا كان النفاق يقوم على الكفر الباطن، والأصل خفاء ما في القلوب، فإنَّ السبيل إلى معرفة المنافق هو ظهور علامات النفاق عليه، فإذا ظهرت هذه العلامات حذره المسلمون وتوقوا شره، سواء أكان من المنافقين الخالصين، أي: الذين يخفون تكذيب الله ورسوله، أو كان من الذين عندهم أصل التصديق بالله ورسوله، ولكن شاب تصديقه بعض معاني النفاق، واتَّصَف ببعض صفات المنافقين، فمن ظهرت عليه صفات المنافقين عومل معاملة المنافقين بقدر ما ظهر فيه من صفاتهم، سواء أكان عنده أصل الإيمان بالله ورسوله، أو لم يكن عنده الأصل.
стр. 393
٦١٧- وعلامات المنافق تعرف من كتاب الله وسنة رسوله، لا بما يتعارف عليه الناس، فقد يعتبرون بعض هذه العلامات من لوازم المجاملة، أو من حسن الآداب والأخلاق، وكل هذه التبريرات لصفات النفاق والمنافقين لا تغيِّر من الحقيقة شيئًا؛ لأنَّ العبرة بالمسمَّيَات لا بالأسماء، فإنَّ حقيقة الشيء التي تبقى هي هي وإن غيِّرَ الناس اسم هذا الشيء، فما هي علامات المنافق وصفاته؟
علامات المنافق وصفاته:
٦١٨- أولًا: مرض القلب، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ، ومرض القلب نوعٌ من الفساد يصيب القلب فيختلَّ إدراك صاحبه وإرادته، حتى لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه، وتختل إرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضارّ، ومريض القلب يؤذيه ما لا يؤذي صحيح القلب، فأدنى شيء يثير شهوته، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ ، فالخضوع بالقول يثير شهوة صاحب القلب الفاسد المريض، بينما صاحب القلب الصحيح لو تعرَّضت له امرأة لم يلتفت إليها، وقصة يوسف ﵇ معروفة، وكذلك الحال في الشبهات، فأدنى شبهة تثير الشكوك في صاحب القلب المريض، وأدنى فتنة تزلزل قدميه وترده على عقبيه، قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ..﴾ ، والمنافق له النصيب الأكبر من مرض القلب إذا كان منافقًا خالصًا، وله نصيب غير قليل إذا كان عنده أصل الإيمان ولكنَّه متَّصِفٌ بصفات أهل النفاق.
٦١٩- ثانيًا: الإفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ، فهم يفسدون ولا يشعرون أنهم مفسدون، بل ويحسبون أنفسهم من المصلحين، والفساد هو الكفر قولًا وعملًا، وعمل المعصية والأمر بها؛ لأنَّ من عصى الله في الأرض أو أمر بالمعصية فقد أفسد في الأرض؛ لأنَّ صلاح الأرض بالطاعة وفسادها بالمعصية، وفساد المنافقين كفرهم وشكّهم وتكذيبهم ومخادعتهم الله ورسوله والمؤمنين، وموالاتهم لأعداء الدِّين، ومحاربتهم لأولياء الله والدَّاعين إليه، إلى غير ذلك مما يتبيِّن من صفاتهم.
٦٢٠- ثالثًا: رميهم المؤمنين بالسَّفَه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا
стр. 394
آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ، والسفيه هو الجاهل، الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضارّ١، ولكن الحقيقة كما أخبر الله تعالى أنَّهم هم السفهاء، فالسفاهة محصورة فيهم وبأمثالهم من الكفرة، ولكن من تمام جهلهم أنَّهم لا يعرفون ما فيهم من الضلالة والجهالة.
٦٢١- رابعًا: اللدد في الخصومة والعزة بالإثم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ٢، فالمنافق يأتي بالقول الجيد يتشدَّق به ويلوي لسانه به، ويظهر الإسلام، ويشهد الله والمؤمنين أنَّ الذي في قلبه موافق للسانه وهو ألدّ الخصام، أي: أعوج في خصامه، ووجه هذا العوج أنَّه يكذب ويزوّر عن الحق ويفتري ويفجر، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"، وهو مع هذا يقصد الفساد في الأرض، فليس له هِمَّة إلّا في الفساد في الأرض وإهلاك ما ينفع الناس من حرثٍ ونسل، وإذا قيل له: اتق الله واترك ما أنت فيه من قول فاجر وسعي فاسد، وارجع إلى الحق، امتنع وأبى وأخذته الحميَّة والغضب بالأثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام.
٦٢٢- خامسًا: موالاة الكافرين والتربُّص بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا، الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ٣. المنافق يوالي الكافرين، أي: ينصرهم
стр. 395
ويودهم، ويقول إذا خلا بهم: إني معكم، فهو في الحقيقة منهم. ومن صفات المنافقين أنَّهم ينتظرون زوال دولة المسلمين وظهور الكفَّار عليهم وذهاب دينهم، فإن كان للمسلمين نصر وغلبة قال لهم المنافقون: ألم نكن معكم، وإن كان للكفرين غلبة على المسلمين قالوا لهم: ألم نساعدكم في الباطن. فالمنافقون يصانعون الكفار والمسلمين، وإن كان ودهم وميلهم مع الكفار، ولكن لا يريدون الظهور معهم علانية، ولا تحمل ما يتحملون من جهد في محاربة المسلمين.
٦٢٣- سادسًا: الخداع والرياء والتكاسُل عن أداء العبادات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا، مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ ١، من صفات المنافقين الخداع، يخادعون الله ويخادعون الناس، أمَّا وجه مخادعتهم الله تعالى فهو اعتقادهم أن أمرهم كما راج بين الناس وجرت عليهم أحكام الإسلام في الظاهر، وخفت حقيقتهم على الناس، فكذلك يظنون يكون حكمهم عند الله يوم القيامة، فيروج أمرهم ويخفى عند الله كما راج وخفي على الناس، وهذا محض الجهل؛ لأنَّ الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. ومن صفاتهم: تثاقلهم عن العبادات، فهم إذا تذكَّروا الصلاة وقاموا إليها قاموا كسالى لا يحبونها ولا يريدونها، وإنما يفعلونها على وجه الرياء للناس، ولهذا فهم لا يذكرون الله إلّا قليلًا. جاء في الحديث: قال رسول الله ﷺ : "تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا، لا يذكر الله فيها إلّا قليلًا".
والمنافقون متحيِّرون، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكافرين.
٦٢٤- سابعًا: التحاكم إلى الطاغوت، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ
стр. 396
صُدُودًا، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ١. من صفات المنافقين: زعمهم أنَّهم يؤمنون بما أنزل الله على رسوله محمد ﷺ ، وما أنزل الله على رسُلِه من قبله، ومع هذا الزعم بألسنتهم، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وهو الباطل، وهو ما عدا الكتاب والسنة، وقد أمرهم الله تعالى بالبراءة منه، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا في دفعهم إلى التحاكم إلى ما عدا الكتاب والسنة، فكيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة بسبب نفاقهم وتمرُّدهم على أوامر الله، ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ يحلفون بالله أنَّهم ما قصدوا بالتحاكم إلى الطاغوت إلّا الإحسان والتوفيق، إلّا الاصلاح والخير ومصانعة أهل الباطل. إن أولئك المنحرفين عن دين الله وعن شريعته يعلم الله ما في قلوبهم من المرض والنفاق، فأعرض عنهم، أي: لا تعنِّفهم على ما في قلوبهم، ولكن انههم عمَّا في قلوبهم من النفاق وانصحهم بكلام بليبغ رادعٍ لهم.
٦٢٥- ثامنًا: الإفساد بين المؤمنين، قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٢، ويحرص المنافقون على إضعاف المسلمين وتفريق صفوفهم وإشغالهم فيما بينهم، وهذه الآية الكريمة تبيِّنُ هذه المعاني وغيرها، فقد يحزن المسلمون على عدم النظام بعض الناس إليهم، وعدم العمل معهم، ظنًّا منهم أنَّهم منهم وأنهم ينفعونهم إذا خرجوا معهم، ولكنَّ الله يعلم غير ذلك؛ يعلم أنهم لو خرجوا مع المسلمين لما زادوهم إلّا خبالًا، أي: فسادًا بالنَّميمة، وإيقاع الاختلاف بين المسلمين، وبثّ الأراجيف، ولأوضعوا خلال المسلمين، أي: لأسرعوا فيما بينهم بالنميمة والبغضاء والفتنة، وفي المسلمين سمَّاعون لأولئك المنافقين، أي: مطيعون لهم ومستجيبون لحديثهم وكلامهم يستنصحونهم أو يسألونهم لا يعلمون حالهم، فيؤدي ذلك إلى وقوع الشرِّ بين المؤمنين٣.
стр. 397
٦٢٦- تاسعًا: الكذب والخوف وكره المسلمين، قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ، لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ ١، فمن صفات المنافقين الكذب والحلف عليه، جاء في الحديث: "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان"، وفي رواية: "وإذا خاصم فجر"، وفي الآية الكريمة إخبار عن المنافقين أنَّهم يحلفون بالله أنَّهم من المسلمين، والحقيقة خلاف ذلك، ولكنَّهم قوم يفرقون، أي: يخافون، فالدافع لهم على الكذب أنَّهم يخافون أن ينكشف كفرهم، فيعاقبهم المسلمون، فهم من كرههم للمسلمين لا يودون مخالطتهم ولا رؤيتهم، ولهذا فهم في هَمٍّ وحزَن كلما رأوا الإسلام وأهله في عزٍّ ونصر؛ لأنَّ هذا يسوؤهم ويحزنهم، ولو رأوا ملجًأ، أي: حصنًا، أو مغارات أو مدَّخَلًا وهو النفق في الأرض، لأسرعوا في ذهابهم إليها ليغيبوا عنكم ولا يروكم.
٦٢٧- عاشرًا: يعيبون أهل الحق، ويرضون ويسخطون لحظوظ أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ٢، ومن صفات المنافقين الطَّعن في أهل الحق وفي أعمالهم الحَقَّة العادلة؛ لأنَّ المنافقين لا يحبون الحق والعدل، ورضاهم وسخطهم لأنفسهم، فإن أعطوا شيئًا مما يريدون رضوا، وإن لم يعطوا سخطوا أو غضبوا، ورموا أهل الحق بالظلم والحَيْف، وهذا كان ديدنهم مع رسول الله ﷺ ، وهذا ما تخبرنا به هذه الآية الكريمة، فقد كان من المنافقين من يلمز، أي: يعيب رسول الله ﷺ ، ويطعن عليه في قسم الصدقات، أي: الزكاة على المستحقين، فإذا أعطوا منها رضوا وسكتوا، وإن لم يعطوا منها غضبوا وسخطوا، وهذا شأن المنافقين في كل زمان، يرضون على الشخص إذا أعطاهم ما يأملون، ويسخطون عليه إذا لم يعطهم ما يأملون، وهم في رضاهم وسخطهم ينظرون إلى أنفسهم ولا ينظرون إلى الحق والعدل.
٦٢٨- حادي عشر: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
стр. 398
الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١، ومن صفات المنافقين أنَّهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف؛ لأن نفوسهم المريضة لم تعد ترغب في رؤية الخير يعمله الناس، فهم يحبون أن يشيع الشر والمنكر بين الناس، فهذا هو الذي تهواه نفوسهم، ويشفي حقدهم وغيظهم على أهل الحق، وحتى يتساووا مع الناس في فعل القبائح، ومع هذه الصفة الخبيثة لا ينفقون فيما يحبه الله، فهم بخلاء في الإنفاق وفي فعل الخير، وفي الأمر به والدلالة عليه.
٦٢٩- ثاني عشر: الغدر وعدم الوفاء بالعهد، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ٢، من صفات المنافقين الغدر والخيانة وعدم الوفاء بالعهد، حتى مع الله ﷻ ، بخلاف المؤمن، فإنَّ الكلمة تلزمه، فلا يغدر ولا يخون، ويفي بعهده مع الناس ومع الله تعالى، وهذه الآية الكريمة تبيِّن أنَّ من المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئِنْ أغناه من فضله ليصدقَنَّ من ماله، وليكونَنَّ من الصالحين، فما وفى بما قال، ولا صدق فيما ادَّعى، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقًا سكن وثبت في قلوبهم إلى يوم يلقون الله يوم القيامة٣.
٦٣٠- ثالث عشر: يعيبون المؤمنين ويسخرون منهم، ولا يرضيهم منهم شيء، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤.
من صفات المنافقين عيبهم الدائم للمؤمنين، وطعنهم فيهم، ولا يرضيهم منهم شيء، فإن تصدَّق أحد المؤمنين بالمال الكثير قالوا عنه: هذا مراء، وان تصدَّق بالقليل لأنه لا يجد أكثر منه، قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، ومع عيبهم هذا يسخرون من المؤمنين ويستهزءون بهم، ويضحكون منهم.
стр. 399
٦٣١- رابع عشر: تواصيهم بترك الجهاد، قال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ١.
من صفات المنافق عدم المعرفة وعدم الفقه، فهو يترك الإيمان بالله، ويفرح بقعوده عن الجهاد في سبيله، ويوصي غيره من المنافقين بعدم الجهاد لما فيه من المشقَّة كالحر، وينسى هذا المنافق أنَّ نار جهنم أشدُّ حرًّا من هذا، وأنَّ العاقل من يعمل ما ينجيه منها.
٦٣٢- خامس عشر: الإضرار بالمؤمنين وتستُّرهم بفعلٍ ظاهره مشروع، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٢، تشير الآية إلى بعض صنيع المنافقين في عهد النبي ﷺ ، فقد بنوا مسجدًا ضرارًا لمسجد قباء، أي: ضررًا لأهل مسجد قباء وهم المؤمنون، وكفرًا بالنبي ﷺ ، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله، أي: انتظارًا وترقبًا لمن حارب الله ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار، وهذا هو مقصودهم من بناء المسجد، وإن حلفوا كاذبين أنَّهم إنَّمَا أرادوا ببنائه الحسنى، أي: الخير والرفق بالمسلمين؛ ليصلي فيه ذو العلة والحاجة، والله يشهد أنهم لكاذبون فيما يحلفون عليه، وقد كان من خبر هذا المسجد أنَّ الله أمر النبي ﷺ أن يهدمه ولا يصلي فيه، وأنَّ مسجد قباء الذي أُسِّسَ على التقوى وطلب رضاء الله هو الذي يستحق أن يصلِّيَ فيه المسلمون ويجتمعون فيه على الخير، "وهذا المسجد ما يزال يتخذ في صور شتَّى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين. تتخذ في صورة نشاط ظاهره للإسلام، وباطنه لسحق الإسلام أو تشويهه وتمويهه وتمييعه.
وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدِّين عليها لتختفي وراءها وهي ترمي هذا الدين، وتتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدَّث عن الإسلام.........
стр. 400
ومن أجل مساجد الضِّرَار الكثيرة هذه يتحتَّم كشفها وإنزال اللافتات الخادعة عنها، وبيان حقيقتها للناس وما تخفيه وراءها. ولنا أسوة في كشف مسجد الضرار على عهد رسول الله ﷺ ... "١.
стр. 401
المبحث الرابع: العصاة
تعريفهم:
٦٣٣- نريد بالعصاة كصنفٍ من أصناف الناس مَنْ كان عندهم أصل الأيمان وهو الإقرار بشهادة أن لا إله إلّا الله وأن محمدًا رسول الله، ولكنَّهم لا يقومون بحقوق هذه الشهادة، فهم يخالفون بعض أوامر الشرع ويرتكبون بعض نواهيه، ومنهم المكثِر من المعاصي، ومنهم المقِلّ، ومنهم بين ذلك على درجات كثيرة جدًّا ومتنوعة جدًّا، لا يحصيها إلّا الله تعالى.
المسلم غير معصوم من المعصية:
٦٣٤- والمسلم غير معصوم من المعصية، جاء في الحديث: "كل ابن آدم خطَّاء وخير الخطائين التوابون"، وتعليل ذلك أنَّ نفس الإنسان قابلة لارتكاب المعصية كما هي قابلة لفعل الطاعة، والمطلوب من المسلم أن يحرص على طاعة الله وعدم معصيته، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ، وإذا وقع في معصية فعليه أن يسارع إلى التوبة، ويقلع عن معصيته، وينيب إلى ربه.
أسباب العصيان:
٦٣٥- وقد يرد إلى الذهن هذا السؤال: لماذ يعصي المسلم أوامر الشرع الإسلامي وهو مؤمن بالله وبرسوله وباليوم الآخر، ومؤمن بأن معصية الخالق ﷻ تؤدي إلى سخطه وعذابه؟ والجواب على ذلك: إنَّ الإيمان قد يضعف في قلب
стр. 402
المسلم فتغلبه شهوته، ويقبل إغراء الشيطان فيرتكب المعصية؛ لأنَّ العقاب على الذنوب شيء موعود به في الآخرة، ولذائذ الدنيا المحرَّمة شيء حاضر، والنفس مجبولة على التأثُّر بالحاضر لا بالغائب، وإن كانت عاقبة الحاضر مُرَّة وعاقبة الغائب حلوة، ولا يمنعها من هذا التأثير إلّا الإيمان القوي المنير الذي يجعل الغائب كالحاضر، فيكون التأثر به لا بالحاضر المحسوس فعلًا، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ، فالإنسان بطبيعته يؤثر اللذة العاجلة -وإن كانت تافهة- على اللذة الآجلة -وإن كانت جسيمة، ومع ضعف الإيمان يقوى هذا الطبع وهذه الجِبّلة في الإنسان، فيستسهل ارتكاب المخالفة ابتغاء اللذة العاجلة، أو دفع المشقة العاجلة، لا سيما مع أمل البقاء والتوبة في المستقبل وتسكين النفس بأمل عفو الله تعالى.
جهل العاصي:
٦٣٦- العاصي جاهل قطعًا، فلولا جهله لما عصى الله تعالى، قال ربنا ﷻ : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١، قال مجاهد وغير واحد من أهل العلم: كل من عصى الله خطأً أو عمدًا فهو جاهل حتى ينزع من الذنب. وقال قتادة عن أبي العالية: أنه كان يحدِّث أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة. وعن مجاهد أيضًا قال: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عمله. وعن ابن عباس: من جهالته عمل السواء٢.
ووجه جهل العاصي أنَّه يجهل قدر ربه، وما يجب له من طاعة لحق ربوبيته وألوهيته وعظمته وكمال إنعامه على عبده، وكمال فقر العبد له، وعدم خفاء شيء على الله تعالى مِمَّا عمل الخلق، وأنهم مجزيون على أعمالهم، ومن جهل العاصي جهله بضرر الذنوب، وكان ينبغي أن ينفر منها أشد من نفرته من الحيات والعقارب، ولا يلامسها ولا يضعها على جسمه، ولكنَّ العاصي من جهله يقبل عليها ويباشرها، ومن جهله أن يؤثر العاجلة على الآخرة، وما نسبة العاجلة وما فيها من لذائذ إلى نعيم الآخرة إلّا كنسبة ما يعلق بالأصبع إذا غمستها في البحر إلى مائه، ومن جهله التسويف وطول الأمل وتأجيل التوبة، ولم يعلم أن الموت أقرب إلى الإنسان من شراك نعله، وأنه لا
стр. 403
يستأذنه إذا حان الأجل، ومن جهله أنَّه يتعب كثيرًا، ويترك لذائذ كثيرة في سبيل ظفره بربحٍ آجل في الدنيا، ولو عقل لفعل للآخرة ما يفعله لنوال هذا الربح. ألَا ترى الطالب يحبس نفسه في بيته يقرأ ويدرس أيامًا وأسابيع لينجح في الامتحان، وإن فاتته بعض اللذات، والتاجر يركب الأخطار ويفارق أهله ويقطع الفيافي والقفار ليربح شيئًا من المال، فلماذا لا يعمل للآخرة كما يعمل في هذه الأحوال، ثم أليس من جهل العاصي أنَّه إذا سمع قول طبيب يخبره أنَّه إذا شرب كذا أو أكل كذا مات، أو كان على خطر شديد، فإنه يتَّبِع نصيحة الطبيب، ويفطم نفسه مما نهاه عنه، مع أنَّ قول الطبيب يحتمل الخطأ، بينما ما أخبرنا به الرسول ﷺ من وعيد الله وعذابه لمن تخطَّى حدوده هو خبر صدق ويقين قطعًا، فلماذا لا يأخذ بقول الرسول ﷺ ويأخذ بقول الطبيب، لولا جهله وجهالته؟ ومن جهل العاصي اتكاله على عفو الله ورحمته، ونسي أنَّ رحمة الله قريب من المحسنين، وأنَّ العارفين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أن لا يقبل منهم، وأنَّ الراجي حقًّا من قام بالأسباب وانتظر رحمة العليم العلَّام، كالذي يحرث الأرض ويلقي البذر ويقوم بالسقي ويتعَهَّد الزرع، ويرجوا أن يحفظ الله زرعه ويجنِّبه الآفات. أمَّا الأحمق المغرور فهو الذي يترك أرضه تملأها الأشواك والأدغال، ولا يلقي فيها بذرًا، ويرجو أن ينبتها الله له.
الوقاية من المعاصي:
٦٣٧- العلاج من ارتكاب المعاصي أو الميل إليها، وإن كنَّا قد أشرنا إليه بعض الإشارة، سنتكلم عنه إن شاء الله تعالى عند كلامنا عن أساليب الدعوة في الباب الرابع، ويكفينا هنا أن نقول: إنَّ الوقاية خير العلاج كما قالوا، وهو يصدق في الوقاية من أمراض البدن ومن أمراض القلب، والمعاصي هي سبب مرض القلب، ونتائج مرض القلب، فكيف يتقي من المعاصي؟ في كل نفس استعداد وقابلية لارتكاب المعاصي ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ، فالنفس تحمل جراثيم المعاصي، وهذه الجراثيم تكون مقهورة مغلوبة ما دام القلب في صحة وعافية معمورًا بالإيمان، فإذا ضعف لأيِّ سبب كان، ووجدت هذه الجراثيم المناخ الملائم انتعشت ونمت وظهرت فعاليتها، كما يحصل لجراثيم الجسم، ومن المناخ الملائم لجراثيم المعاصي كل المهيِّجَات للمعصية من المرئيات والملموسات والمسموعات والمطعومات،
стр. 404
والقراءات. لكل واحد من هذه المهيجات إذا أهاج شهوتك دفعك نحو المعصية وأنساك ذكر الله، فمن المناخ الملائم لجراثيم المعاصي النساء الكاسيات العاريات، والغناء الفاحش القبيح، والمخالطات المحرَّمة، وارتياد محلات أهل الغفلة، وسماع كلام أهل الدنيا، كل هذا وأمثاله يقوي جرثومة المعصية حتى تكون هي القاهرة الغالبة، بعد أن كانت مقهورة مغلوبة، وبالتالي يواقع المعصية وينغمس فيها، أما المناخ الملائم لإضعاف جرثومة المعصية، فهو كل شيء يقوي فيه معاني الإيمان، والعلم الحق بالله واليوم الآخر، ويبصرك طريق الآخرة. فصحبتك للطيبين العاملين للإسلام الداعين إلى الله من أكبر الحصون لنفسك ولإيمانك، وبالتالي لإضعاف جرثومة المعصية. وأخيرًا، فإنَّ من الوقاية أن لا يستصغر المسلم ذنبًا مهما كان صغيرًا، فإنَّ الحزمة من الحطب تتكون من عيدان. وأن لا يعرِّضَ نفسه إلى ما يضعف إيمانه ويقوي فيه جرثومة المعصية اعتمادًا منه على قوته وعافيته، فليس من العقل أن يعرِّض الإنسان نفسه لجرثومة السل، ويغشى محلات المسلولين، بحجة أنه قوي صحيح البدن.
موقف الداعي من العصاة:
٦٣٨- الداعي ينظر إلى العصاة نظرة إشفاق ورحمة، فهو يراهم كالواقفين على حافِّة وادٍ عميق سحيق في ليلة ظلماء، يخاف عليهم من السقوط، ويعمل جهده لتخليصهم من الهلاك. وهو في سبيل هذا الغاية يتجاوز عن تجاوزهم على حقه إن كانت معصيتهم في حقه، ولا يعيرهم ولا يشمت بهم، ولا يحتقرهم افتخارًا بنفسه عليهم وإدلالًا بطاعته، ولكن له أن يستصغرهم لمعصيتهم وتجاوزهم حدود الشرع، وأن يغضب لهذا التجاوز، قالت عائشة ﵂: "ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط، ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه إلّا أن تنتهك محارم الله، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله". ومن محارم الله التي يغضب لها المسلم محاربة العصاة الدعوة إلى الله والصدِّ عن سبيله وإلحاق الأذى بالدعاة حتى يمتنعوا عنه القيام بواجب الدعوة، ففي هذه الأحوال ونحوها يجوز للداعي أن يسلك مع هؤلاء العصاة ما يكفّ به ضررهم عن الدعوة والدعاة بالقدر الذي يبيحه الشرع، على أن لا يتجاوز هذا القدر، وأن يتوسَّل بالأسهل فالأسهل من وسائل كفِّ ضررهم، مع رغبته التامّة في هدايتهم وصلاحهم.
стр. 405
الباب الرابع: أساليب الدعوة ووسائلها
مدخل
...
الباب الرابع: أساليب الدعوة ووسائلها
تمهيد:
٦٣٩- الدعوة إلى الله تحتاج إلى علمٍ وكفاءة معينة على التبليغ والتأثير والاستفادة من الظروف والأحوال ومعرفة النفس الإنسانية، أمَّا العلم فقد تكلمنا عنه فيما يتَّصِل بموضوع الدعوة، أي: الإسلام، وهنا نتكلم عن العلم الذي يتصل بكيفية مباشرة التبليغ وإزالة العوائق عنه، وهذه هي أساليب الدعوة، كما نتكلم عمَّا يستعين به الداعي لتبليغ الدعوة من أشياء وأمور، وهذه هي وسائل الدعوة، فإذا فقه الداعي ذلك كله أمكنه أن يكون على قدر من الكفاءة لتبليغ معاني الدعوة إلى الله تعالى، وكل ميَسَّر لما خلق له، والأمور كله بيد الله.
وعلى هذا سنقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول: مصادر هذه الأساليب والوسائل ومدى الحاجة إليها.
الفصل الثاني: أساليب الدعوة.
الفصل الثالث: وسائل الدعوة.
стр. 406
الفصل الأول: مصادر أساليب الدعوة ووسائلها، ومدى الحاجة إليها
تعداد المصادر:
٦٤٠- مصادر أساليب الدعوة ووسائلها هي: القرآن الكريم، السنة النبوية المطهَّرة، سيرة السلف الصالح، واستنباطات الفقهاء، التجارب، ونتكم فيما يلي بشيء من الإيجاز عن كل مصدر للتعريف به.
أولًا: القرآن الكريم
٦٤١- في القرآن الكريم آيات كثيرة تتعلق بأخبار الرسل الكرام وما جرى لهم مع أقوامهم.
وما خاطب الله تعالى به خاتمهم سيدنا محمدًا ﷺ من أمور الدعوة إليه، وهذه الآيات الكريمة يُسْتَفاد منها أصول أساليب الدعوة ووسائلها التي يجب أن يفقهها المسلم كما يتفقَّه أمور الدين الأخرى؛ لأنَّ الله ﷻ ما قصَّها علينا وأخبرنا بها إلّا لنستفيد منها، ونتزود من معانيها ما يعيننا على الدعوة إلى الله، ونلتزم بنهجها، قال ربنا ﵎: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، قال بن كثير في تفسير هذه الآية: "كل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك
стр. 407
مع أممهم، وكيف جرى لهم من المحاجَّات والخصومات، وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين، وخذل أعداءه الكافرين، كل هذا مما نثبت به فؤادك يا محمد، أي: قلبك؛ ليكون لك ممن مضى من إخوانك المرسلين أسوة"١.
ولا شكَّ أنَّ المسلمين يقتدون برسولهم ﷺ ، وفيما كان يتأسَّى به من سيرة المرسلين في أمور الدعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢. ففي قصص السابقين من أمم الأرض وما جرى عليهم وما جرى لأنبياءهم معهم عبرة وموعظة لأصحاب العقول السليمة، وهداية ورحمة للمؤمنين بالله ورسوله، فهم الذين يعتبرون بما قصَّه الله عن الماضين ويتعظون به؛ لأن الإيمان قد فتح قلوبهم للحق، وأرهف حسَّهم لمواضع العبرة ومعاني الموعظة، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ٣، فهذه الآية الكريمة تشير إلى لزوم الاقتداء بنهج رسل الله في الدعوة إليه.
ثانيًا: السنة النبوية
٦٤٢- وفي السنة النبوية أحاديث كثيرة تتعلَّق بأمور الدعوة ووسائلها، كما أنَّ السيرة النبوية المطهرة، وما جرى لرسول الله ﷺ في مكة والمدينة، وكيفية معالجته للأحداث والظروف التي واجهته، كل ذلك يعطينا مادَّة غزيرة جدًّا في أساليب الدعوة ووسائلها؛ لأنَّ الرسول الكريم ﷺ مَرَّ بمختلف الظروف والأحوال التي يمكن أن يمرَّ بها الداعي في كل زمان ومكان، فما من حالة يكون فيها الداعي، أو أحداث تواجهه، إلّا ويوجد نفسها أو مثلها أو شبهها أو قريب منها في سيرة النبي ﷺ ، فيستفيد الداعي منها الحل الصحيح والموقف السليم الذي يجب أن يقفه إذا ما فقه معاني السيرة النبوية، وقد يكون من حكمة الله ولطيف لطف الله أن جعل رسول
стр. 408
الكريم يمرّ بما مرَّ به من ظروفٍ وأحوال، حتى يعرف الدعاة المسلمون كيف يتصرَّفون، وكيف يسلكون في أمور الدعوة في مختلف الظروف والأحوال اقتداءً بسيرة رسول الله ﷺ .
فالسيرة النبوية والتوجيهات النبوية تطبيقات عملية لما أمر الله به رسوله في أمور الدعوة وتبليغ الرسالة، وما ألهم رسوله في هذا المجال، فلا يجوز للداعي أن يغفل عن سيرة النبي الكريم ﷺ .
ثالثًا: سيرة السلف الصالح
٦٤٣- وفي سيرة سلفنا الصالح من الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، سوابق مهمة في أمور الدعوة يستفيد منها الدعاة إلى الله؛ لأنَّ السلف الصالح كانوا أعلم عن غيرهم بمراد الشارع وفقه الدعوة إلى الله، وما زال أهل العلم يستدلون بسيرتهم.
رابعًا: استنباطات الفقهاء
٦٤٤- الفقهاء يعنون باستنباط الأحكام الشرعية العلمية من أدلتها الشرعية، ومن هذه الأحكام ما يتعلق بأمور الدعوة إلى الله، مثل أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، والحسبة، وقد أفردوا لهذه الأحكام أبوابًا خاصَّة في كتبهم الفقهية، وما قرروه من اجتهادات في أمور الدعوة ومجالها، حكمه حكم اجتهاداتهم الأخرى التي يجب اتباعها أو يُنْدَب؛ لأنَّ الوسائل والأساليب في الدعوة من أمور الدِّين، مثل: مسائل العبادات والمعاملات.
خامسًا: التجارب
٦٤٥- التجربة معلم جيد للإنسان، لا سيما لمن يعمل مع الناس، وللداعي تجارب كثيرة في مجال الدعوة هي حصيلة عمله المباشر مع الناس، ومباشرته للوسائل فعلًا في ضوء ما فهمه من المصادر السابقة؛ لأنَّ التطبيق قد يظهر له وجه خطئه فيتجبنَّه في المستقبل، وقد يكون الثمن غاليًا، ولكن ما يتعلمه من التجارب أغلى من الثمن المدفوع إذا انتفع من التجارب حقًّا، وهذا هو المأول من المؤمن، فإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.. وكما أنَّ الداعي يستفيد من تجاربه الخاصة، يستفيد أيضًا من تجارب
стр. 409
الآخرين في مجال الوسائل والأساليب، فإنَّ الحكمة ضالَّة المؤمن يأخذها من أيِّ وعاء خرجت....
ضرورة الاستمساك بالنهج الصحيح في الوسائل والأساليب:
٦٤٦- النهج الصحيح في الوسائل والأساليب هو المُسْتَقَى من المصادر التي بَيَّنَّاها، والاستمساك بهذا النهج ضروري لكلِّ داعٍ ولازم له، وواجب عليه، لأنَّ الإسلام يقضي به، والواجب على المسلم أن يتمسَّك بما يقضي به الدين، كما أنَّ التزام هذا المنهج الصحيح يقرِّب من الغاية ويوصِّل إلى المطلوب، ثم إنّ المطلوب من الداعي أن يحرص على طاعة الله، واتباع الصواب، وعدم الوقوع في الخطأ وفي العصيان، وهذا المطلوب من الداعي إنما يكون بالالتزام بالنهج الصحيح الذي جاءت به المصادر.
فإذا ما قام الداعي بما هو مطلوب منه لم يكن مسئولا عن نتيجة عمله من حيث بلوغ الغاية والوصول إلى المراد؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، والحساب إنما يكون على مشروعية عمل الإنسان، وهل أدَّى كل ما عليه من واجب؟ وإذا تبيِّنَ هذا الأمر ووعاه الداعي وفقهه، لم يكن له أن يخرج على النَّهج الصحيح بحجة صعوبته أو طوله، أو عدم قبول الناس له، أو تعجلًا من الداعي لبلوغ الغاية، أو انسياقًا منه وراء عاطفة نبيلة دينية حسنة، ورغبة صادقة في العمل والجهاد والشهادة في سبيل الله؛ لأنَّ الخطأ لا يصير صوابًا بالنيات الحسنة والعواطف النبيلة، وأنَّ الوصول إلى المقصود لا يكون بالسير على ما لا يؤدي إليه، وإن كان السائر جَدُّ حريص على الوصول، ويكفي للتدليل على ما أقول أن أذكر أنَّ أحكام الشريعة ما نزلت دفعة واحدة، وأنَّ الدعوة الإسلامية ما سارت وراء رغبات المتحمسين وعواطف الصادقين المتعجلين، فالقتال ما شُرِّعَ في مكة، وكان جواب النبي ﷺ للمتعجلين: أن اصبروا.
وصلح الحديبية لم تتَّسِع له صدور كثير من المسلمين بالرغم من صدقهم وعمق إيمانهم واستعدادهم للقتال وللاستشهاد، ولكن اتسع له صدور رسول الله ﷺ ؛ لأن المسألة ليست مسألة استعداد للموت، والصدق في هذا الاستعداد، وإنَّما المسألة هي لزوم السير على النهج الصحيح، فهو وحده الموصِّل إلى المراد وبلوغ الغاية على الوجه المطلوب.
ولهذ نزل القرآن واصفًا ذلك الصلح بالفتح المبين، فعلى الداعي أن لا يتأثَّر
стр. 410
بالعواطف والقصود الطيبة والحماس لخدمة الإسلام عند تعين الوسيلة والأسلوب، وليدع النظر السديد يُعيِّن الوسائل والأساليب في ضوء ما جاء في المصادر التي ذكرناها. إن الحماس والعاطفة والرغبة في العمل يجب أن يوجّه ذلك كله لتحقيق وتنفيذ الأسلوب الصحيح، والوسيلة الصحيحة بعد تقريرهما، لا أن يوجِّه ذلك للتشكيك في الأسلوب الصحيح، والتجديف بعيدًا عن الوسائل الصحيجة، والجدل العقيم.
نتائج الخروج عن النهج الصحيح:
٦٤٧- والخروج عن النهج الصحيح في الأسلوب والوسيلة يؤدِّي إلى الفشل وعدم بلوغ الغاية، وإن ظنَّ الخارج أنَّه قارب أن يصلها، وحتى ولو وصلها فعلًا، فإنه سرعان ما يدفع عنها ويُرْمَى بعيدًا عنها، وفضلًا عن ذلك فإنَّ الخروج عن النهج الصحيح يؤدِّي غالبًا إلى لحوق الأذى بالعاملين، وضياع الجهود بلا طائل، كالذي يقيم البناء على غير أساسٍ سليمة أو بمواد غير صالحة، فإنَّ بناءه إلى الزوال مع احتمال انهدامه على ساكنيه. إن هذه النتائج تقع حتمًا وإن كان الداعي حسن النية والقصد؛ لأنَّ النتائج في الدنيا تترتب على أسبابها ومقدماتها بغض النظر عن نيّات أصحابها.
وعلى سبيل التمثيل أو التدليل على ما نقول، إنَّ من نهج الدعوة الصحيح حسن الخلق والترفُّق، فإن عُدِمَ الداعي ذلك بأن كان فظًّا غليظ القلب، كان سببًا لانصراف الناس عنه وإن كان محقًّا في دعوته مخلصًا في علمه؛ إذ ليس هو بأحسن حالًا من رسول الله ﷺ ، الذي خاطبه ربه بقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ، وأخيرًا فإنَّ الخروج على النهج الصحيح قد يكون من المعاصي التي يقع فيه الداعي؛ لأنَّ المنهج الصحيح في الدعوة من الدين ومخالفة أحكام الدين في أمور الدعوة إلى الله معصية يسأل عنها المسلم؟
صعوبة الالتزام بالنهج الصحيح:
٦٤٨- والحقيقة أنَّ الالتزام بالنهج الصحيح ليس بالأمر اليسير؛ لأنَّه يقتضي أن يحيط الداعي بمعاني النهج الصحيح وحضورها في ذهنه، بحيث تصدر أفعاله بموجبها بسهولة ويسر، ثم عليه أن يطَبِّق ما فهمه من هذه المعاني على الجزئيات التي يباشرها أو
стр. 411
يواجهها، وهي كثيرة جدًّا ويصعب عدها وحصرها، وكثيرًا ما تختلط هذه الجزئيات ببعضها، وتدق الفروق فيما بينها، وكثيرًا ما ينسى الداعي معاني المنهج الصحيح، وكثيرًا أيضًا ما يصعب عليه استنباط الحلول الجديدة من هذه المعاني الكثيرة، إنَّ مَثَلَ الداعي في هذه الحالة -حالة التطبيق- مَثَلُ القائد العسكري، فقد يستوعب أساليب الحرب والقتال والخطط العسكرية وقواعدها استيعابًا جيدًا جدًّا، ولكن هذا لا يكفيه عند التطبيق؛ إذ لا بُدَّ له من كفاءة وقدرة على حسن الاستفادة مما تعلمه لوضع الخطة الملائمة والأسلوب الصحيح للحالة التي يواجهها في ضوء ما تعلمه، وصعوبة التطبيق بالنسبة للداعي أشد بكثير مما هي بالنسبة للقائد العسكري؛ لأنَّ القائد يجد بين يديه جنودًا مطيعين ينفِّذون ما يأمرهم به القائد، أمَّا الداعي فهو يواجه أناسًا جاهلين بربِّهم، متمرِّدين عليه، نافرين من الحق، مقبلين على الدنيا، معادين للداعي، أو على الأقل لا يهتمون بما يدعوهم إليه من الخير، ولا يحسُّون بحاجة إليه، أضف إلى ذلك أنَّ أحوال الناس وأهواءهم مختلفة متضاربة، وأمراضهم كثيرة متنوعة، وكل ذلك يجعل مهمة الداعي في تطبيق ما تعلمه صعبة وليست يسيرة. ومع هذا كله فإنَّ من الممكن تذليل هذه الصعوبة جهد الإمكان، وهذا ما نبينه في الفقرة التالية:
تيسير الالتزام بالنهج الصحيح:
والذي يسهل الالتزم بالنهج الصحيح ويعين عليه أمور، منها:
٦٤٩- أولًا: الفهم الدقيق الجيِّد لمعاني النهج الصحيح بطول التأمل وتكرار هذه المعاني التي جاءت في المصادر التي ذكرناها، بحيث تصبح كأنها تجري في دمه، وحاضرة في ذهنه، ولهذا لا يجوز للداعي أن يملَّ من ترداد وإعادة قراءة ما ورد في مصارد الدعوة، مع التأمل الطويل عند القراءة.
ثانيًا: تقوى الله، فإنَّ تقوى الله تنوّر قلب المسلم وتقوي فيه قوة الإدراك والرؤية، فيبصر الحق واضحًا، ويعرف الوسائل والأساليب الصحيحة المناسبة لما يمرّ به من ظروف وأحوال وأشخاص، والتي قد تشتبه بغيرها، فيشتبه عليه الصحيح من الوسائل والأساليب؛ لأنه لا يكفي -كما قلنا- أن يعرف الوسائل والأساليب بصورة عامَّة أو بتفصيل، وإنما يجب أن يعرف ما يجب تطبيقه منها بالنسبة لهذا الشخص، أو بالنسبة لهذه الحالة أو الظروف، وكثيرًا ما تتعارض مبررات تطبيق وسيلة معينة تعارض معاني
стр. 412
هذه الحالة المعينة أو الظرف المعيَّن، فيحتاج الداعي إلى بصيرة نافذة تدرك الوسيلة المناسبة، أو تسخرجها من مجموع الوسائل الصحيحة عن طريق المزج أو الاستنباط أو القياس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ١، وقد جاء في تفسير هذه الآية: "يجعل لكم فرقانًا، أي: فصلًا بين الحق والباطل، فإنَّ من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره وُفِّقَ لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته، ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة"٢، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن كثير في تفسيره: ويعلمكم الله؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ يريد رحمة الله بقوله هذا، إن معناها مثل معنى هذه الآية٣.
ثالثًا: الالتجاء الدائم إلى الله تعالى، والانطراح بين يديه، والتوسُّل إليه ليعلمه ويفهمه، لقد كان الإمام بن تيمية يخرج إلى الصحراء ويضع خدَّه على التراب ويقول: "يا معلم إبراهيم علمني" يكررها مرارًا، ويكرر هذه الحالة مرارًا كما ذكر تلميذه ابن القيم.
رابعًا: تطهير قلبه من جراثيم الرياء تطهيرًا كاملًا، بتجريد الإخلاص لله رب العالمين؛ بحيث لا يبقى فيه أيّ تلفُّت إلى الناس وطلب السمعة عندهم، أو طلب مرضاتهم على حساب النهج الصحيح للدعوة. إنَّ الداعي قد ينحرف عن النهج الصحيح لما يسمعه من ضجيج الناس ومن صياحهم، أو من رغبة أصحابه في التساهل في معاني النهج الصحيح، والذي يعينه على الثابت والاستقامة وعدم الخروج على النهج الصحيح إخلاصه الكامل التامّ، الذي يجعله لا يلتفت إلى أيٍّ من دواعي الخروج.
إن تجريد الإخلاص صعب جدًّا؛ لأنَّ جراثم الرياء خفية ودقيقة قد يحملها الداعي ولا يحس بها، كما يحمل الصحيح جراثيم المرض ولا يحس بها، ولهذا يمكن أن تؤثر فيه أو تضعف مقاومته لدواعي الخروج عن النهج الصحيح، والله المستعان.
стр. 413
الفصل الثاني: أساليب الدعوة
مدخل
...
الفصل الثاني: أساليب الدعوة
تمهيد:
٦٥٠- تقوم أساليب الدعوة الناجحة على تشخيص الداء في المدعوين ومعرفة الدواء، والتأكيد على ذلك، وإزاحة الشبهات التي تمنع المدعوين من رؤية الداء والإحساس به، وترغيبهم في استعمال الدواء، وترهيبهم من تركه، ثم تعهُّد المستجيبين منهم بالتربية والتعليم؛ لتحصل لهم المناعة ضدَّ دائهم القديم، وكل هذا نبينه في المباحث التالية:
стр. 414
المبحث الأول: الداء والدواء
تحديد أصل الداء والدواء:
٦٥١- إنَّ طيب الأبدان يشخِّص الداء أولًا، ثم يعيِّن العلاج ثانيًا، وهذا هو الأسلوب الصحيح في المعالج، والداعي إلى الله تعالى طبيب القلوب والأرواح، فعليه أن يسلك نفس هذا الأسلوب في معالجة الأرواح، فيشخص الداء أولًا، ثم يعيِّن العلاج ثانيًا، ولا يقف عند أعراض الداء محاولًا علاجها، تاركًا أصلها وعلتها، فما أصل داء البشر وما هو أصل الدواء؟
أصل داء البشر وأصل دوائهم:
٦٥٢- وأصل داء الناس في القديم والحديث جهلهم بربهم وشردوهم عنه، أو كفرهم ورفضهم الدخول في العبودية الكاملة له، والسير على النهج الذي جاء به محمد ﷺ من ربه، واغترارهم بالدنيا وركونهم إليها، وغفلتهم عن الأخرة أو إنكارهم لها، هذه هي مقوّمات الداء، وهي تجمع مع الكفر بالله، وتتفرَّق مع أصل الأيمان به، كما نجده في ضعاف العقيدة من المسلمين، فإذا وجد أصل الداء بكلِّ مقوماته وجدت الشرور والمفاسد بكل صنوفها وأنواعها، وإذا وجدت بعضها وجد من الشرور والمفاسد بقدرها.
أمَّا أصل الدواء لهذ الداء فهو الإيمان بالله ربًّا وإلهًا لا إله غيره، والكفر بالطاغوت بكل أنواعه ومظاهره، والإقبال على الله وعدم الركون إلى الدنيا، قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيم﴾ ، وكذلك قال سيدنا محمد
стр. 415
- ﷺ لرؤساء قريش، وقد جاءوا إلى أبي طالب يسألونه: ماذا يريد منهم محمد ﷺ ، فقال الرسول الكريم: "تقولون: لا إله إلّا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه" ١، وهكذا قالت رسل الله جميعًا بلا استثناء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .
التأكيد على معاني العقيدة الإسلامية:
٦٥٣- وإذ قد تبيِّنَ لنا أصل الداء وأصل الدواء، فعلى الداعي المسلم في دعوته إلى الله تعالى أن يؤكِّد على معاني العقيدة الإسلامية، فهي الدواء لأصل الداء الذي بيناه، فيؤكد على الإيمان بالله ربًّا وإلهًا، وعلى الإيمان بمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، وعلى البعث بعد الموت بالروح والجسد، وعلى ضرورة العمل الصالح للنجاة من العذاب في الآخرة.
فالعقيدة الإسلامية وتجلية معانيها وأصولها وما تستلزمه وتتضمَّنه هي الأساس في دعوة الداعي وما يؤكد عليه دائمًا، ولا يغفل عنه مطلقًا؛ لأنها هي الأصل في دعوته، وما عداه فروع، فإذا استقام له هذا الأصل واستجاب له المدعوون بعد كفرهم، سهل عليه إقناعهم بمعاني الإسلام وفروعه المختلفة، وإذا رفضوه رفضوا سائر فروعه ومعانيه، وهذا هو النهج الصحيح الذي دلَّ عليه القرآن الكريم، وسار عليه النبي الكريم ﷺ , فإن القرآن ظلَّ يتنزَّل في مكة بالسور والآيات في بيان أصول العقيدة ومعانيها، مثل: الإيمان بالله ووحدانيته في الربوبية والألوهية، والإيمان بيوم الحساب، ومآل الناس إلى الجنة والنار، وضرورة الإيمان بالرسول ﷺ ، والقيام بالعمل الصالح المشروع.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ
стр. 416
عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
وهذ النهج القرآني في التأكيد على العقيدة الإسلامية ظلَّ مستمرًّا حتى بعد الهجرة إلى المدينة، فكانت الآيات تنزل ببيانها، أو تختم آيام المعاملات بأصول العقيدة كالأيمان بالله واليوم الآخر. والتأكيد على العقيدة -وهو النهج السليم كما قلنا- لازم كالإيمان للداعي في دعوته بالنسبة لضعاف العقيدة من المسلمين الذين يظهر ضعف عقيدتهم بعصيان أوامر الشرع واستثقال تكاليفه، والتخبط في كثير من دروب الغواية والضلال، بل إنَّ هذا النهج لازم حتى بالنسبة للمسلمين الذين لا يظهر عليهم عصيان ظاهر؛ لأنَّ هذا التأكيد على العقيدة وتذكيرهم بمعانيها يقيهم الانحراف والعصيان.
اعتراض ودفعه:
٦٥٤- وقد يعترض علينا بأنَّ في دعوة الأنبياء لأقوامهم إنكارًا منهم لبعض مفاسدهم، كما في قصة لوط وشعيب ﵉، فكيف يقال: إنَّ التأكيد يكون على معاني العقيدة أولًا، فإذا حصلت الاستجابة انتقل الداعي إلى الفروع، والجواب على ذلك أنَّ التأكيد على العقيدة معناه: جَعْلُ معاني العقيدة في المقام الأول وعدم نسيانها أبدًا، وربط المفاسد الخطيرة في المجتمع بمعاني العقيدة، وبيان أنها بعض آثار التمرُّد على الله، هذا هو المقصود مما قلناه من لزوم التأكيد على العقيدة، وليس المقصود إغفال ما يراه الداعي من مفاسده خطيرة في المجتمع، يدل على ذلك ما جاء
стр. 417
في القرآن الكريم عن لوط ﵇: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ١.
فلوط ﵇ بدأهم بالأمر بتقوى الله، وأعلمهم بأنَّه رسول الله، وأن من حق الرسول أن يطاع فيما يخبرهم به من مناهج العبادة لله وحده، ثم أتبع ذلك أنْ بَيِّنَ لهم بعض مفاسدهم المخالفة لأمر الله.
وعن شعيب ﵇، قال ربنا تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
فشعيب ﵇ بدأهم بعبادة الله وحده، ثم بَيِّنَ لهم أنَّ ما جاء به من الله هو الحق الواضح المبين، الذي يستلزم وفاء الكيل والميزان، وعدم ظلم الناس وارتكاب الفساد في الأرض، فهذا هو الخير لهم إن كانوا مؤمنين بالله ورسوله.
فلوط وشعيب ﵉ بَيَّنَا لقوميهما أن لا إله إلا الله، ثم زادا على ذلك أن ذكَّرُوهما ببعض نتائج تمرُّدهم على الله، ومنها: سواء أفعالهم كاللواط والتطفيف، مثل هذا ما نزل بمكة بشأن المطففين، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
فربط التطفيف والنهي عنه بأصل من أصول العقيدة وهو يوم الحساب، وقيام الناس لرب العالمين.
стр. 418
ابتعاد الداعي عن النهج الصحيح:
٦٥٥- وقد يبتعد الداعي عن النهج الصحيح، فلا يهتم بأمور العقيدة، ويهوى الخوض فيما يهواه الناس ولا يكلفهم شيئًا، كالخوض فيما تعورف عليه من أمور ما يسمَّى بالسياسة والثرثرة فيها، وتحليل الأمور تحليلًا بعيدًا عن مفاهيم العقيدة وشمولها، كل ذلك يفعله الداعي استجابة لرغبات الناس أو لرغبة في نفسه هو، وهذا المنهج خطأ؛ لأنَّ الداعي إلى أمور بعيدة عن أصل الداء والدواء، وهو الانحراف عن العقيدة الإسلامية ولزوم تعميق معانيها في النفوس، ونتيجة ذلك بقاء أصل الداء والسير في البناء من السطح أو بلا أساس.
الكليات لا الجزئيات:
٦٥٦- وما دام أصل الأمر وسنامه التأكيد على أصل الداء والدواء، فعلى الداعي أن لا يبدِّد جهوده في الجزئيات واستئصالها إن كان في ذلك تعويق له عن غرس معاني العقيدة الإسلامية في النفوس، ودعوته إلى الله.
ودليلنا على ذلك أنَّ رسول الله ﷺ كان يرى الأصنام تلوث بيت الله، وتحيط به، وهي تطل بعيونها الجامدة القبيحة، وهو ﵊ لا يرفع يده لتحطيمها، ولا يأمر أصحابه بتكسيرها، ولو أراد الأمر، ولو أمر لنفَّذَ المسلمون ما يأمرهم به، ولكنه لم يفعل ذلك ﵊؛ لأنَّ المسألة ليست مسألة تكسير أصنام آنذاك، وإنما هي تكسير أقفال القلوب حتى تفقه الحق، ثم يأتي اليوم الذي تخرم فيه تلك الأصنام تحت ضربات المؤمنين، وقد كان ذلك في يوم فتح مكة، فكان ﷺ يشير بعصاه إلى الأصنام وهو يقول: "لقد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا" فتخِرّ إلى الأرض مكسَّرة محطَّمة.
стр. 419
المبحث الثاني: إزالة الشبهات
ماهية الشبهات:
٦٥٧- المقصود بالشبهة هنا: ما يثير الشكَّ والارتياب في صدق الداعي وأحقية ما يدعو إليه، فيمنع ذلك من رؤية الحق والاستجابة له، أو تأخير هذه الاستجابة، وغالبًا ترتبط الشبهة بعادة موروثة، أو مصلحة قائمة، أو رياسة دنيوية، أو حمية جاهلية، فتوثِّر الشبهة بسبب هذه الأمور في النفوس الضعيفة المتصلة بهذه الأشياء، وتتعلق بها وتحسبها حجة وبرهانًا تدفع به الحق، وتخاصم الدعاة إلى الله تعالى.
مصدر الشبهات:
٦٥٨- والغالب أنَّ "الملأ" هم الذين يثيرون الشبهات ويزينونها للناس، ويشيعونها فيما بينهم، ويكررونها على مسامعهم حتى تألفها نفوس البسطاء من عامَّة الناس، ويأخذون في ترديدها، ثم تصديقها، ثم تبنّيها واعتبارها كالحقائق الثابتة، وعند ذلك يندفعون إلى الدفاع ومخاصمة الحق وأهله من أجلها، والملأ منهم يضحكون ويسخرون، فقد حققوا ما يريدون.
لا خلاص من الشبهات ولا تبديل فيها:
٦٥٩- وليعلم الداعي أنَّ إثارة الشبهات في وجه الدعوة إلى الله أمر قديم مضت به سنة الله في العباد، وشنشنة قديمة متوارثة بين أهل الباطل، فلا يستغرب منها الداعي ولا يضيق بها، وهي في جوهرها لا تتغيِّر ولا تتبدل، وإنما يتغيِّر فيها الأسلوب والكيفية، قال تعالى مخاطبًا نبيه الكريم محمدًا: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ
стр. 420
لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ١، والذي قيل للرسل الكرام هو الباطل الذي كان في حق الناس شبهات، وقال تعالى: ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ٢، فالأقوام قبل قريش اتهموا الرسل الكرام بالسحر والجنون، وكذلك فعلت قريش؛ لتنفير الناس من الداعي إلى الله محمد ﷺ ، ومن دعوته.
فإذا فقه الداعي هذه الحقيقة ووعاها جيدًا زال عنه العجب والحنق والغضب إذا اتُّهِمَ بالتهم الباطلة، أو أثيرت الشكوك والريب حول دعوته؛ لأنه ليس أحسن حالًا من رسل الله، ولا أفصح بيانًا منهم، ولا أكثر إخلاصًا منهم، ولا أكثر تأييدًا من الله تعالى منهم، ومع هذا كله أثار أهل الباطل ما أثاروه من الشبهات حولهم، مما قصه الله تعالى علينا في أخبارهم، ثم إنَّ الداعي بفقهه هذه الحقيقة يعلم مدى ما يبلغ الضلال بالإنسان؛ بحيث يجعله يخاصم رسل الله الذين يريدون شفاءه من الأمراض، وخلاصه من النيران، وإدخاله في الجنان، وأخيرًا فإنَّ فقه هذه الأمور لازمة لكل مسلم بلا استثناء؛ ليميز الخبيث من الطيب، وحتى لا يتأثَّر بهذه الشبهات فينساق وراءها، ويصير -من حيث لا يشعر- مع الأعداء، ضد الدعاة إلى الله تعالى.
أنواع الشبهات:
٦٦٠- والشبهات أنواع، منها ما يتعلق بالداعي، ومنها ما يتعلق بموضوع الدعوة، ومنها ما يتعلق بعموم المدعوين.
فالذي يتعلق بالداعي يتمثَّل بالطَّعْن في شخصه وسيرته وسلوكه وإلصاق التهم به، ورميه بالسَّفَه والجهالة والضلال والجنون والافتراء، إلى غير ذلك، مما يكون المقصود منه تنفير الناس منه وعدم الثقة به.
والذي يتعلق بموضوع الدعوة يتمثَّل اتِّهَامُها بالابتداع والخروج على مألوفات الناس وتقاليدهم ونظامهم الموروث، مما يراد به تنفير الناس من الدعوة إلى الله وصدّهم عن سبيله.
стр. 421
والذي يتعلق بالمدعوين يتمثَّل بإظهار الحرص على مصالحهم وملتهم ودين آبائهم، والحفاظ على نعيمهم وحياتهم المطمئنة، مما يقصد منها إثارة حماس الناس ضد الدعاة إلى الله.
موقف الداعي من الشبهات:
٦٦١- والداعي إزاء هذه الشبهات مضطر إلى تنفيذها وإظهار زيفها وبطلانها؛ لأنها موانع تمنع من رؤية الحق في حق ضعاف البصر والبصيرة، كما تمنع الإحساس بالداء، والحاجة إلى الدواء، وتكون الإزالة بالحجة والبرهان، ولكن بصراحة ووضح وحسن بيان، مع أدبٍ بالقول ورفقٍ في الخطاب، دون أن تستفز الداعي أكاذيب المفترين، فيحمله ذلك على الانتصار لنفسه والغضب لها، والنطق بما لا يجوز. نحن نعلم أنَّ هذا شيء ثقيل على نفس الداعي، ولكنه لا بُدَّ منه، ولا سبيل غيره، ويهون إن شاء الله بكمال التجرُّد إلى الله، واحتساب ما يلقاه من أذى عند الله. إنَّ مهمة الداعي إزاء الشبهات وإزالتها مهمة الطبيب العالم الناصح الشفيق، لا تسنفزه صيحات المرضى وكرههم رؤية الطبيب، بل ولا يمنعه شتمهم له وطعنهم به من الاستمرار على معالجتهم؛ لأنه يعلم أنَّ هذه الأمور منهم هي بعض أعراض أمراضهم، والطيب إنما يريد علاجهم لا الانتقام منهم.
والأسلوب الجيد في إزالة الشبهات يعرفه الداعي من قصص الأنبياء، وموقفهم من الشبهات التي أثارها المبطلون، وهذا ما نذكر شيئًا عنه في الفقرات التالية:
أمثلة على شبهات أهل الباطل والردِّ عليها:
٦٦٢- أولًا: الطعن بالدعاة
يحرص "الملأ" وأتباعهم على إبعاد الناس عن الدعاة إلى الله تعالى بالطعن في أشخاصهم وأمانتهم وعقولهم، وهذا ما فعله أسلافهم مع رسل الله تعالى، فقد اتهموهم بالسحر والجنون والضلال، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ، وقال مشركوا العرب عن نبينا محمد ﷺ : ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ، وكان رسل الله يردُّون على هذا الافتراء ويزيلون ما يتولَّد
стр. 422
عنه من شبهات، بنفيه عن أنفسهم بأسلوب عالٍ رفيع واضح مع شفقة على أولئك المفترين، قال تعالى عن قوم نوح وما رموه به وأسلوب رده عليهم: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١.
ويلاحظ في رد نوح ﵇ أنَّه خاطبهم بقوله: "يا قوم"، فهم قومه ولم يتبرأ من انتسابه إليهم، ومن شأن هذا الخطاب أن يساعد على إيقاف لجاجتهم بالباطل، ثم بَيِّنَ لهم أنَّه ليس به ضلالة كما يدَّعون، ومعنى ذلك أنهم يكذبون أو يجهلون، فعليهم أن يقلعوا عن كذبهم وجهلهم، ثم بَيِّنَ لهم حقيقة أمره، وهي أنه رسول الله، ومن شأن رسل الله الصدق فيما يقولون ويبلغون عن الله تعالى، ثم بَيِّنَ لهم أنَّه يريد تبليغهم رسالة الله، وينصح لهم، ويريد الخير لهم، وأنَّه على علمٍ من أمر الله لا يعلمونه، ومن حق الناصح أن يُطَاع ويسمع منه، ثم بَيِّنَ لهم أن لا داعي لعجبهم أن جاءتهم رسالة الله على لسان رجل منهم يعرفهم ويعرفونه، وينذرهم عاقبة ما هم فيه، ويدعوهم إلى تقوى ربهم وخالقهم، فعسى أن تصيبهم رحمة الله في الدنيا والآخرة.
وبمثل هذا الأسلوب الرفيع المؤثر رد هود ﵇ على افتراءات وشبهات قومه، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ، قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ٢.
٦٦٣- ثانيًا: الإفساد في الأرض وطلب الرئاسة على الناس:
ومن شبهاتهم التي يثيرونها حول الداعي أنَّه يريد العلوَّ في الأرض والرياسة على
стр. 423
الناس، وتغيير عقائدهم وتقاليدهم الموروثة، وأنَّ ما جاء به بدعة مضرة ودعوة مفرقة ما سمعوا مثلها من قبل، وأنَّها تؤدي إلى الفساد في الأرض، فيجب أن يقاوم الداعي ودعوته، ويمنع من الاستمرار فيها، قال تعالى حكاية عن أقوام نوح وعاد وثمود وما قالوه لرسلهم، وما أجابتهم به رسلهم لتفنيد هذه الشبهات الباطلة: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٢، فالملأ أثاروا في الناس شبهة التقليد والحرص على دين الآباء، وأن رسل الله يريدون صرفهم عن ذلك، وقال تعالى عن قوم نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ٣، فهم يزعمون أنَّ نوحًا ﵇ يريد اكتساب المنزلة العالية فيهم، والرياسة عليهم، وإظهار الفضل لنفسه بدعوته هذه؛ لأنَّ أهل الباطل يقيسمون أهل الحق بموازينهم المعوجَّة، ويحسبون أنَّ غرض الدعاة إلى الله هو غرض أهل الباطل، من طلب العلوِّ في الأرض والتسلط على رقاب الناس، كما قال فرعون وملؤه لموسى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ ، ثم احتجَّ قوم نوح بأنَّه بشر مثلهم، ولا يستحق -بزعمهم- أن يكون مبلغًا عن الله، وأنَّ الله تعالى لو أراد تبليغهم بشيء لأنزل عليهم ملائكة.
وشبهتهم هذه التي أثاروها مثل شبهة قريش، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٤، أي: لول أنزل الله ملكًا لجعله بصورة رجل
стр. 424
منهم حتى يبلغهم، وعند ذلك يثيرون نفس الشبهة.
وقد قال تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ، قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
"فالملأ" أثاروا حفيظة فرعون على موسى ﵇ بادِّعائهم أنَّ موسى يريد الفساد في الأرض، فلا يصح تركه يستمر في دعوته، والظاهر أيضًا أنهم أرادوا بما أثاروه من هذه الشبهة الباطلة التبرير للتنكيل بموسى ومن معه من المؤمنين، وليجدوا تأييدًا من أتباعهم الضالِّين، والظاهر أيضًا أنَّ هذا الادِّعاء من أهل الباطل وما عزم علي فرعون من تقتيل أتباع موسى قد بلغهم، فقال لهم موسى ﵇: استعينوا بالله واصبروا، وبيِّنَ لهم أنَّ العاقبة دائمًا تكون للمتقين، أمَّا جواب موسى لشبهات فرعون وطعونه في موسى، فقد بَيَّنَها الله تعالى في آيات أخرى، مثل قوله عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ٣، فأهل الترف -الملأ- يثيرون في الناس شبهة التقليد ويغرونهم على ضرورة التمسك بدين آبائهم، وبالتالي ضرورة مقاومة الدعوة إلى الله، فيرُدُّ عليهم الرسل الكرام بردٍّ منطقيٍّ سليم: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ أي: إنَّ الحق هو الواجب الاتباع وإنْ كان مخالفًا لما كان عليه آباؤكم، والحق هو ما جئتكم به من ربكم، فانظروه وقارنوه مع ما عندكم يتبيِّن لكم صدق ما أقول، فينقطع أهل الباطل عن هذا الردِّ ويقولون: أنهم كافرون بالذي جاء به.
стр. 425
٦٦٤- ثالثًا: رميهم الدعاة بالاتصال المشبوه، وأنَّ دعوتهم من خرافات الماضيين:
ومن أساليب المبطلين في إثارة الشبهات حول الداعي، زعمهم أنَّه متصل بقوم معينين يساعدونه على التلفيق والقيام بهذه الدعوة، وأنَّ دعوته لا صلة لها بالدين ولا بالله، وإنما هي من خرافات الماضين، يريد بها الوصول إلى ما يريده بمن يعينه عليها.
قال ربنا تعالى عن قريش وما أثاروه من شبهات كاذبة حول دعوة الإسلام ونبيه ﵊: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١.
٦٦٥- رابعًا: الداعي رجل مغمور
ومن شبهاتهم أنَّ الداعي رجل مغمور، لا هو في العير ولا في النفير، وليس هو من المثقَّفين الكبار، ولا من الاغنياء المعروفين، ولا من ذوي المناصب والجاه في المجتمع، ويرتبون على ذلك أنَّهم أولى بكلِّ خير، وبكل دعوة إلى الإصلاح، فلو كان ما يدعو إليه الداعي صلاحًا وحقًّا لجاء بهذه الدعوة غيره من أشراف المجتمع، قال تعالى حكاية عن مشركي العرب فيما قالوه لسيدنا محمد ﷺ : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١، فالله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته، فهو الحكيم العليم، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ ٣، فأهل