والذي يتعلق بالمدعوين يتمثَّل بإظهار الحرص على مصالحهم وملتهم ودين آبائهم، والحفاظ على نعيمهم وحياتهم المطمئنة، مما يقصد منها إثارة حماس الناس ضد الدعاة إلى الله.
موقف الداعي من الشبهات:
٦٦١- والداعي إزاء هذه الشبهات مضطر إلى تنفيذها وإظهار زيفها وبطلانها؛ لأنها موانع تمنع من رؤية الحق في حق ضعاف البصر والبصيرة، كما تمنع الإحساس بالداء، والحاجة إلى الدواء، وتكون الإزالة بالحجة والبرهان، ولكن بصراحة ووضح وحسن بيان، مع أدبٍ بالقول ورفقٍ في الخطاب، دون أن تستفز الداعي أكاذيب المفترين، فيحمله ذلك على الانتصار لنفسه والغضب لها، والنطق بما لا يجوز. نحن نعلم أنَّ هذا شيء ثقيل على نفس الداعي، ولكنه لا بُدَّ منه، ولا سبيل غيره، ويهون إن شاء الله بكمال التجرُّد إلى الله، واحتساب ما يلقاه من أذى عند الله. إنَّ مهمة الداعي إزاء الشبهات وإزالتها مهمة الطبيب العالم الناصح الشفيق، لا تسنفزه صيحات المرضى وكرههم رؤية الطبيب، بل ولا يمنعه شتمهم له وطعنهم به من الاستمرار على معالجتهم؛ لأنه يعلم أنَّ هذه الأمور منهم هي بعض أعراض أمراضهم، والطيب إنما يريد علاجهم لا الانتقام منهم.
والأسلوب الجيد في إزالة الشبهات يعرفه الداعي من قصص الأنبياء، وموقفهم من الشبهات التي أثارها المبطلون، وهذا ما نذكر شيئًا عنه في الفقرات التالية:
أمثلة على شبهات أهل الباطل والردِّ عليها:
٦٦٢- أولًا: الطعن بالدعاة
يحرص "الملأ" وأتباعهم على إبعاد الناس عن الدعاة إلى الله تعالى بالطعن في أشخاصهم وأمانتهم وعقولهم، وهذا ما فعله أسلافهم مع رسل الله تعالى، فقد اتهموهم بالسحر والجنون والضلال، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ، وقال مشركوا العرب عن نبينا محمد ﷺ : ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ، وكان رسل الله يردُّون على هذا الافتراء ويزيلون ما يتولَّد
стр. 422
عنه من شبهات، بنفيه عن أنفسهم بأسلوب عالٍ رفيع واضح مع شفقة على أولئك المفترين، قال تعالى عن قوم نوح وما رموه به وأسلوب رده عليهم: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١.
ويلاحظ في رد نوح ﵇ أنَّه خاطبهم بقوله: "يا قوم"، فهم قومه ولم يتبرأ من انتسابه إليهم، ومن شأن هذا الخطاب أن يساعد على إيقاف لجاجتهم بالباطل، ثم بَيِّنَ لهم أنَّه ليس به ضلالة كما يدَّعون، ومعنى ذلك أنهم يكذبون أو يجهلون، فعليهم أن يقلعوا عن كذبهم وجهلهم، ثم بَيِّنَ لهم حقيقة أمره، وهي أنه رسول الله، ومن شأن رسل الله الصدق فيما يقولون ويبلغون عن الله تعالى، ثم بَيِّنَ لهم أنَّه يريد تبليغهم رسالة الله، وينصح لهم، ويريد الخير لهم، وأنَّه على علمٍ من أمر الله لا يعلمونه، ومن حق الناصح أن يُطَاع ويسمع منه، ثم بَيِّنَ لهم أن لا داعي لعجبهم أن جاءتهم رسالة الله على لسان رجل منهم يعرفهم ويعرفونه، وينذرهم عاقبة ما هم فيه، ويدعوهم إلى تقوى ربهم وخالقهم، فعسى أن تصيبهم رحمة الله في الدنيا والآخرة.
وبمثل هذا الأسلوب الرفيع المؤثر رد هود ﵇ على افتراءات وشبهات قومه، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ، قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ٢.
٦٦٣- ثانيًا: الإفساد في الأرض وطلب الرئاسة على الناس:
ومن شبهاتهم التي يثيرونها حول الداعي أنَّه يريد العلوَّ في الأرض والرياسة على
стр. 423
الناس، وتغيير عقائدهم وتقاليدهم الموروثة، وأنَّ ما جاء به بدعة مضرة ودعوة مفرقة ما سمعوا مثلها من قبل، وأنَّها تؤدي إلى الفساد في الأرض، فيجب أن يقاوم الداعي ودعوته، ويمنع من الاستمرار فيها، قال تعالى حكاية عن أقوام نوح وعاد وثمود وما قالوه لرسلهم، وما أجابتهم به رسلهم لتفنيد هذه الشبهات الباطلة: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٢، فالملأ أثاروا في الناس شبهة التقليد والحرص على دين الآباء، وأن رسل الله يريدون صرفهم عن ذلك، وقال تعالى عن قوم نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ٣، فهم يزعمون أنَّ نوحًا ﵇ يريد اكتساب المنزلة العالية فيهم، والرياسة عليهم، وإظهار الفضل لنفسه بدعوته هذه؛ لأنَّ أهل الباطل يقيسمون أهل الحق بموازينهم المعوجَّة، ويحسبون أنَّ غرض الدعاة إلى الله هو غرض أهل الباطل، من طلب العلوِّ في الأرض والتسلط على رقاب الناس، كما قال فرعون وملؤه لموسى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ ، ثم احتجَّ قوم نوح بأنَّه بشر مثلهم، ولا يستحق -بزعمهم- أن يكون مبلغًا عن الله، وأنَّ الله تعالى لو أراد تبليغهم بشيء لأنزل عليهم ملائكة.
وشبهتهم هذه التي أثاروها مثل شبهة قريش، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٤، أي: لول أنزل الله ملكًا لجعله بصورة رجل
стр. 424
منهم حتى يبلغهم، وعند ذلك يثيرون نفس الشبهة.
وقد قال تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ، قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
"فالملأ" أثاروا حفيظة فرعون على موسى ﵇ بادِّعائهم أنَّ موسى يريد الفساد في الأرض، فلا يصح تركه يستمر في دعوته، والظاهر أيضًا أنهم أرادوا بما أثاروه من هذه الشبهة الباطلة التبرير للتنكيل بموسى ومن معه من المؤمنين، وليجدوا تأييدًا من أتباعهم الضالِّين، والظاهر أيضًا أنَّ هذا الادِّعاء من أهل الباطل وما عزم علي فرعون من تقتيل أتباع موسى قد بلغهم، فقال لهم موسى ﵇: استعينوا بالله واصبروا، وبيِّنَ لهم أنَّ العاقبة دائمًا تكون للمتقين، أمَّا جواب موسى لشبهات فرعون وطعونه في موسى، فقد بَيَّنَها الله تعالى في آيات أخرى، مثل قوله عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ٣، فأهل الترف -الملأ- يثيرون في الناس شبهة التقليد ويغرونهم على ضرورة التمسك بدين آبائهم، وبالتالي ضرورة مقاومة الدعوة إلى الله، فيرُدُّ عليهم الرسل الكرام بردٍّ منطقيٍّ سليم: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ أي: إنَّ الحق هو الواجب الاتباع وإنْ كان مخالفًا لما كان عليه آباؤكم، والحق هو ما جئتكم به من ربكم، فانظروه وقارنوه مع ما عندكم يتبيِّن لكم صدق ما أقول، فينقطع أهل الباطل عن هذا الردِّ ويقولون: أنهم كافرون بالذي جاء به.
стр. 425
٦٦٤- ثالثًا: رميهم الدعاة بالاتصال المشبوه، وأنَّ دعوتهم من خرافات الماضيين:
ومن أساليب المبطلين في إثارة الشبهات حول الداعي، زعمهم أنَّه متصل بقوم معينين يساعدونه على التلفيق والقيام بهذه الدعوة، وأنَّ دعوته لا صلة لها بالدين ولا بالله، وإنما هي من خرافات الماضين، يريد بها الوصول إلى ما يريده بمن يعينه عليها.
قال ربنا تعالى عن قريش وما أثاروه من شبهات كاذبة حول دعوة الإسلام ونبيه ﵊: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١.
٦٦٥- رابعًا: الداعي رجل مغمور
ومن شبهاتهم أنَّ الداعي رجل مغمور، لا هو في العير ولا في النفير، وليس هو من المثقَّفين الكبار، ولا من الاغنياء المعروفين، ولا من ذوي المناصب والجاه في المجتمع، ويرتبون على ذلك أنَّهم أولى بكلِّ خير، وبكل دعوة إلى الإصلاح، فلو كان ما يدعو إليه الداعي صلاحًا وحقًّا لجاء بهذه الدعوة غيره من أشراف المجتمع، قال تعالى حكاية عن مشركي العرب فيما قالوه لسيدنا محمد ﷺ : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١، فالله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته، فهو الحكيم العليم، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ ٣، فأهل
стр. 426
الباطل يحتجون بكثرة الأموال والأولاد والأنصار على أحقيتهم بكل دعوة إلى الإصلاح، وأنَّهم لهذا أهل للفوز من أي عذاب، فبَيِّنَ لهم القرآن العظيم أنَّ الله يبسط الرزق لمن يشاء، ويضيقه لحكمة بالغة، وأنَّ الأموال والأولاد لا تقرِّب عند الله، وإنما الذي يقرِّب هو العمل الصالح.
٦٦٦- خامسًا: أتباع الداعي أناس مغمورون
ومن شبهاتهم حول الدعوة أنَّ أتباع الداعي إلى الله أناس مغمورون، فقراء جهال، أصحاب حرف خسيسة، قصار نظر ورأي، وأنَّ الدعاة وأتباعهم لا يستحقون إرشاد الناس إلى الخير، ولا قيادتهم إلى الهدى، ولهذا كله فإنَّ "الملأ" هم وحدهم المستحقون لقيادة الناس إلى الخير، ولا يمكن أن يكونوا أتباعًا للداعي إلى الله؛ لأنهم أهل نظر ورأي، خلاف أولئك الفقراء الذين اتبعوا الداعي بلا بينة وبرهان، قال تعالى عن قوم نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ، فيجيبهم نوح ﵇ بما قصَّه الله علينا: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ، وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ، وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، يبيّن لهم نوح ﵇ أنه على بينة من ربه، أي: على يقين وأمر واضح جلي ونبوة صادقة،
وإذا كان ذلك قد خفي عليكم ولم تهتدوا إليه، وبادرتم إلى التكذيب، فكيف نكرهكم على قبول الدعوة، والشأن في قبولها الاقتناع والقبول الاختياري؛ لأنَّ الإكراه في الدين ممنوع، وأمَّا بشأن أتباع نوح ﵇ وكونهم من الفقراء والضعفاء، فيقول نوح ﵇: بأنه رسول الله يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، لا فرق في دعوته
стр. 427
بين شريف ووضيع، ولا بين غني وفقير، فكلهم أهلٌ لأن يدعوهم، ومطالب بأن يدعوهم، فمن استجاب منهم له قَبِلَه وصار من أتباعه، ولا يمكنه أبدًا أن يطردهم من مجلسه بحجة أنَّهم فقراء ضعفاء، وأن الأشراف يأنفون منهم من حضور مجلس يضمهم، كما لا يمكن أن يقول لهم: ليس لكم عند الله ثواب على أعمالكم، وقد آمنوا برسالة ربهم، فالله أعلم بما في نفوسهم.
والواقع أنَّ أهل الباطل -لا سيما الملأ منهم- يضيقون ذرعًا بالفقراء والضعفاء، ويأنفون أن يكونوا مثلهم أتباعًا للدعاة إلى الله، ولذلك فهم يطلبون إبعادهم من مجلسهم، وكذلك فعل أشراف قريش، طلبوا من رسول الله ﷺ أن يطردهم من مجلسه، فأنزل الله ﷻ : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ، فلا يجوز اتباع أصحاب الأهواء والغافلة قلوبهم عن ذكر الله فيما يقترحون ويطلبونه من باطل، ومنه إبعاد المؤمنين الصادقين لكونهم من الفقراء المستضعفين.
٦٦٧- هذه بعض شبهات أهل الباطل التي ذكرها الله تعالى في قصص الأنبياء، في القرآن العظيم، ويجمعها جامع واحد هو الطعن بالداعي والدعوة، وتحريض الدهماء والعامَّة على مخاصمة الدعوة؛ ليخلوا الجوَّ للملأ الكافر الضَّالِّ، فيبقوا على باطلهم وتسلطهم على رقاب الخلق.
ابتعاد الداعي عن الشبهات:
٦٦٨- وإذا كان أهل الباطل يثيرون الشبهات ويفترون الأكاذيب في وجه الدعوة وضد الداعي، فعلى الداعي أن يبتعد عن موضع الشبهات حتى لا يتلعق المبطلون بها، ويتخذونها تكأة لافترائهم. وقد دلَّ القرآن الكريم على ضرورة الابتعاد عمَّا قد يتشبث به أهل الباطل في إثارتهم الشبهات، ومن هذه الدلالات القرآنية:
أولًا: كان رسل الله جميع يقولون لأقوامهم: لا نريد منكم على دعوتنا مالًا ولا أجرًا؛ لأنَّ أجرنا على الله وحده، قال تعالى عن نوح ﵇:
стр. 428
﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ ، وقال تعالى عن نبينا محمد ﷺ : ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١، وجه الدلالة بهذه الآية والتي قبلها وغيرها مثلها، أنَّ الرسل الكرام لو طلبوا مالًا أو أجرًا على دعوتهم لتعلَّق أهل الباطل بذلك وجعلوه شبهة يثيرونها؛ ليصدوا الناس عن الدعوة والدعاة فيقولون: إنَّ هؤلاء طلاب مال....
ثانيًا: قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٢، وجه الدلالة أنَّ الله تعالى أبعد رسوله الكريم ﷺ عن تعلم الكتابة والقراءة دفعًا لما قد يتشبَّث به المبطلون، فيدَّعون أنَّ ما جاء به تعلمه من كتبٍ قديمة قرأها واستنسخها، بل يمكن القول أنَّ الداعي يترك بعض ما فيه فائدة لدفع ضرر الشبهة الباطلة؛ لأن تعلم القراءة والكتابة فيهما نفع، ولكن دفع ضرر الشبهة الباطلة أكثر نفعًا، فقُدِّم الدفع على هذا النفع.
ثالثًا: قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ٣، وجه الدلالة أن رسول الله ﷺ ما بلغ بالوحي إلّا بعد بلوغه الأربعين من عمره المبارك؛ ليكون ذلك أدفع للشبهة وأدحض لقول أهل الباطل، فقد لبث فيهم رسول الله ﷺ هذه المدة الطويلة وخبروه وعرفوا سيرته الطيبة وأخلاقه القويمة وأمانته وصدقه، فلا يعقل أن يكذِب على الله بعد هذا العمر الطويل فيدعي الرسالة، وإذا كان الأمر كذلك وإن صدقه ظاهر، فادّعاء الكفرة أنه ساحر أو مجنون أو كاذب ادعاء باطل وشبهة مدحوضة.
ويمكن هنا أن نقول ما قلناه من أنَّ دفع الشبهة مقدَّم على جلب بعض النفع، ذلك أنَّ رسول الله ﷺ مضى أكثر عمره حتى بلغ بالرسالة، ولا شكَّ أن بعثه قبل الأربيعن كان يمكن أن يكون فيها مزيد في الدعوة إلى الله، ولكن شاءت حكمة الله ألَّا يجعل بعثته إلّا بعد بلوغه الأربعين من عمره المبارك الميمون، وإن فات بعض النفع والخير لتأخُّر بعثته؛ ليدفع الشبهة ويدحض ادعاءات أهل الباطل كما هو واضح من سياق
стр. 429
الآية الكريمة. وهكذا يجب على الداعي الفقيه أن يترك بعض ما فيه فائدة ونفع ليدفع شبهات أهل البطل وما يترتَّب عليه من ضرر، وسبب ذلك كله أنَّ الشبهة إذا أثيرت بين الناس وشاعت فلا بُدَّ أن تترك أثرًا في النفوس، لا سيما الضعيفة والجاهلة والمتربصة، ويصعب عند ذاك مكافحتها والقضاء عليها إلّا بجهد كبير، فكل ما يمنع حدوث الشبهات أو إعطاءها ما تستنتد إليه مطلوب من الداعي ملاحظته واعتباره وأخذه، وإنْ فوِّت عليه بعض الفوائد؛ لأن القاعدة تقول: "درء المفاسد أولى من جلب المنافع"، ويدفع أعظم الضررين بتحمُّل أقلهما.
رأبعا: وقد قال تعالى عن رسولنا الكريم ﷺ : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ، فمنع الله تعالى رسوله من تعلُّم الشعر وإنشائه حتى لا يكون ذلك وسيلة بيد أهل الباطل يبنون عليها شبهاتهم الباطلة.
٦٦٩- والواقع أنَّ الدعاة إلى الله محتاجون أكثر من غيرهم إلى الابتعاد عن كثير من المباح، الذي قد يتشبَّث به أهل الباطل ويجعلونه مثارًا لشبهاتهم وللصد عن سبيل الله، ولكن يجب التنبه لما يجب توقيه دفعًا للشبهة، وما يجب مباشرته؛ لأنه من الدعوة، وإنْ ظنَّ أنه من الشبهة، وهذا موضع دقيق يكثر فيه الخطأ، ويحتاج إلى تفصيل، يكفينا منه هنا أن نقول: يسع الداعي أن يترك ما يخص نفسه وحظوظه المباحة دفعًا هنا للشبهة، وقد يجب أن يندب هذا الترك، ولا يسع الداعي أن يترك ما يخص صميم الدعوة، أو ما يتصل بها اتصالًا مباشرًا، أو يتعلق بنهجها وأسلوبها، فلا يجوز مثلًا ترك دعوة الأمير والدخول عليه لهذا الغرض بحُجَّة دفع شبهة تقوُّل الناس أنه من بطانة الأمير أو أنه يداهن الأمير.
стр. 430
المبحث الثالث: الترغيب والترهيب
معناهما وأهميتها:
٦٧٠- نقصد بالترغيب: كل ما يشوق المدعوّ إلى الاستجابة وقبول الحق والثبات عليه. ونقصد بالترهيب: كل ما يخيف ويحذر المدعوَّ من عدم الاستجابة أو رفض الحق أو عدم الثبات عليه بعد قبوله. والملاحظ أنَّ القرآن الكريم مملوء بما يرغِّب الناس في قبول دعوة الإسلام والتحذير من رفضها، مما يدل دلالة قاطعة على أهمية هذا الاسلوب: أسلوب الترغيب والترهيب في الدعوة إلى الله تعالى، وعدم إهماله من قِبَلِ الداعي المسلم.
بم يكون الترغيب والترهيب؟
٦٧١- والأصل في الترغيب أن يكون في نيل رضى الله ورحمته وجزيل ثوابه في الآخرة، وأن يكون الترهيب بالتخويف من غضب الله وعذابه في الآخرة، وهذا هو نهج رسل الله الكرام كما بينه القرآن الكريم، وجاءت به السنة النبوية المطهرة.
فمن الآيات القرآنية قوله تعالى:
١- عن نوح ﵇: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١.
٢- وعن نوح ﵇: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ
стр. 431
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
٣- وقال تعالى عن رسوله محمد ﷺ : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٢.
٤- ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ ٣.
٥- وفي السنة النبوية: كان ﷺ يَعِدُ المبايعين له بالجنَّةِ، من ذلك ما قاله ﵊ لأصحاب بيعة العقبة الأولى: "فإن وفيِّتُم فلكم الجنة" ٤، وكان ﷺ يمرُّ بآل ياسر وهم يعذَّبون بسبب إسلامهم، فيقول لهم: "صبرًا آل ياسر موعدكم الجنة"٥.
٦٧٢- ومع أنَّ الأصل في الترغيب والترهيب يكون بالجزاء في الآخرة، فإنه يجوز أن يكون بما يصيب المدعوين في الدنيا من خير في حالة استجابتهم، وما يصيبهم من شر في حالة رفضهم، على أن لا يغفل الداعي أبدًا عن الترغيب والترهيب بالجزاء في الآخرة، ومن أدلة هذا الجواز ما يأتي:
١- قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي
стр. 432
ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ ١.
٢- وقال تعالى حكاية عن قوم نوح ﵇ لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ ٢.
٣- ما قاله رسول الله ﷺ عندما جاء أشراف قريش عمَّه أبا طالب ليحدِّثوه بشأن رسول لله ﷺ ، وطلبوا منه أن يكلِّمه ليكفَّ عنهم ويكفوا عنه، فبعث إليه أبو طالب فجاءه، فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله ﷺ : "يا عم، كلمة واحدة تعطونيها، تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم"، فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات. فقال رسول الله ﷺ : "تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه" ٣.
من أساليب الترغيب والترهيب:
٦٧٣- ومن أساليب الترغيب والترهيب تذكير القوم بما هم عليه من نِعَمٍ، وأنَّ من شأن ذلك أن يدعوهم إلى طاعة الله الذي أنعم عليهم بهذه النِّعَم، والتحذير من فقدهم لها إذا امتنعوا من الاستجابة وكفروا بالله، ومع زوال النِّعَم نزول العذاب، ومن الآيات الكريمة المبينة لهذا النوع من الأسلوب، قوله تعالى:
١- عن هود ﵇: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤.
٢- وقال تعالى عن هود ﵇ أيضًا: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٥.
стр. 433
٣- وقال تعالى عن صالح ﵇: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١.
٤- وقال تعالى عن قريش: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْف﴾ .
من لوازم الترغيب والترهيب:
٦٧٤- ولما كان الإنسان يعيش في الدنيا ويشاهدها ويحسّ بها ويتعرَّض لإغراءاتها، مما قد يجره إلى الركون إليه والتعلق بها ونسيان الآخرة، فلا بُدَّ إذن من تنفير المدعوين من إيثارها على الآخرة، لا من الفرار منها جملة واحدة، مع بيان حقيقتها وقيمتها وقدرها بالنسبة إلى الآخرة ونعيمها، وقد بَيِّنَ ذلك كله القرآن الكريم خير بيان، مما يجعل أيّ مسلم عاقل يؤثر الآخرة على الدنيا، بل ويجعل المدعوَّ غير المسلم منجذب إلى هذه الحقائق في موازنة الدنيا مع الآخرة، وقد يجره ذلك إلى الإيمان لما يحسه من صدق هذا البيان والتصوير لقيمة الدنيا.
ومن الآيات القرآنية في هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ .
٦٧٥- وفي السنة النبوية المطهرة تحذير من الدنيا وإيثارها على الآخرة وقيمتها
стр. 434
بالنسبة للآخرة، من ذلك الحديث الشريف: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلكفم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء"، وكان ﷺ يقول: "اللهم لا عيش إلّا عيش الآخرة"، وقال ﷺ في بيان قدر الدنيا بالنسبة للآخرة: "ما الدنيا في الآخرة إلّا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليمِّ فينظر بم يرجع".
стр. 435
المبحث الرابع: التربية والتعليم
ضرورة التعليم:
٦٧٦- فإذا حصلت الاستجابة وقَبِلَ المدعوُّ الدعوةَ إلى الله، وهداه الله وشرح صدره للإسلام، وجب على الداعي أن يتعهَّده بما يكفل له المناعة ضد الداء القديم، ويبصِّره بمعالم الدين، ويثبِّته عليه، وذلك بتعليمه معالم الإسلام ومعانيه وأفكاره، فلا يجوز للداعي أن يترك المستجدين وشأنهم بمجرَّد أنهم قَبِلوا الإسلام وصاروا من عداد المسلمين، فقد تبقى بقايا كثيرة أو قليلة من دائهم القديم: الشرك بأنواعه، مما يعرضهم إلى الانتكاس والرجوع عن الإسلام، أو السير على غير هدى، ويحسبون أنهم مهتدون.
٦٧٧- وفي السُّنَّة النبوية سوابق قديمة تدل على هذا المنهج القويم في الدعوة إلى الله، أي: تعليم من يقبل الإسلام، فقد ثبت في السنة المطهرة أنه عندما أسلم عُمَيْر بن وهب، قال ﷺ لأصحابه: "فقِّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن" ١، ويستدل بهذا الخبر على ضرورة تعليم من يدخل في الإسلام، وأن من يعرف معاني الإسلام أو بعضها عليه أن يعلمها غيره من المسلمين الجدد، وفي السنة أيضًا، أنَّ النبي ﷺ أرسل مصعب بن عمير ليعلِّم مسلمي المدينة القرآن، وقد ظلَّ مصعب يعلِّم القرآن ويدعو إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلّا وفيها مسلمون٢. وعندما أسلم بنو
стр. 436
المصطلق أرسل ﷺ إليهم رسولًا يعلمهم أمور الإسلام١.
٦٧٨- ومما يدل على حرص رسول الله ﷺ على تعليم الناس أمور الإسلام، ما رواه أبو رفاعة تميم بن أسيد ﵁ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، فأقبل عليَّ رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتى بكرسي فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علَّمه الله، ثم أتى خطبته فأتمَّها"٢.
فلولا أنَّ تعليم الناس أمور الإسلام أمر ضروري ولا يحتمل التأخير، لما ترك رسول الله ﷺ خطبته ونزل لتعليم السائل.
فعلى الدعاة إلى أن يعلِّموا الناس أحكام الإسلام ويعرِّفوهم بحدود الله، ولا يكتفوا منهم بالعاطفة الطيبة، وترديد بعض الكلمات الحقة، وأنَّ الإسلام صالح لكل زمان ومكان، فإنَّ هذه العمومات لا تكفي، بل لا بُدَّ من معرفة تفصيل الإسلام بالقدر المستطاع. إن نشر مفاهيم الإسلام واجب على كل مسلم، فمن كان عنده علم فلا يجوز له كتمانه، لا سيما عند شيوع الجهل وظهور البدع، قال ابن كثير -رحمه الله تعالى: "فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله، وتفسير ذلك، وطلبه من مظانِّه وتعلّم ذلك وتعليمه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ، ثم قال ابن كثير ﵀: "فعلينا أيها المسلمون أن ننتهي عمَّا ذمهم الله تعالى به، وأن نأتمر به أمرنا به من تعلم الله المنزَّل إلينا، وتعليمه وتفهمه وتفهيمه"٣. ولا شكَّ أن هذا الواجب على الدعاة أوجب؛ لأن الشأن في الدعاة أنَّهم يدعون إلى الله على بصيرة وعلم، فعليهم تبصير غيرهم وتعليهم، ولا يبخلوا بما عندهم من علم، فإن كتم العلم لا يجوز، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ
стр. 437
اللاَّعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ .
التربية مع التعليم:
٦٧٩- ولا يكفي أن يقوم الداعي المسلم بتعليم المستجيب معاني الإسلام، وإنما عليه أن يحمله على العمل بها، وصياغة سلوكه بموجبها ومقتضاها، وهذا هو ما نريده بالتربية مع العلم ... وهكذا كان نهج المسلمين الأولين، قال عبد الله بن مسعود ﵁: كان الرجل منَّا إذا تعلَّم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدَّثنا الذين كانوا يقرئوننا أنَّهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ ، وكانوا إذا تعلَّموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا١.
ضرورة التربية على معاني الإسلام:
٦٨٠- وتربية المسلم على معاني الإسلام وصياغة سلوكه وفق هذه المعاني أمر ضروري لا غنى للمسلم عنه، ومن ثَمَّ وجب على الداعي الاهتمام به، وجعله في مقدَّمة ما يحرص عليه. إنَّ حفظ معاني الإسلام فقط دون أن تمسّ هذه المعاني القلب، ودون أن ينصبغ بها السلوك، لا يفيد في التقويم ولا في صلاح المسلم. إن من يحفظ مناهج الرياضة في تقوية الجسد، ويذكرها إذا سئل عنها، أو يرددها بنفسه دون أن يطبقها فعلًا على نفسه، لا يكتسب صحة جيدة ولا جسمًا قويًّا، وكذا من يعرف الإسلام ويحفظ معانيه دون أن يربِّي نفسه عليها، وفضلًا عن ذلك فإنَّ من يتعلم ولا يعمل بما تعلّم يكون عرضة للانزلاق والانقلاب عند أوّل فتنة أو امتحان، وما أكثر فتن الدنيا واختباراتها، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ، ولهذا كانت الفترة المكية متميزة بالتربية على معاني الإسلام وفقه أصوله العظيمة التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية، وبتلك التربية العميقة الصارمة صفت نفوس أولئك الكرام، وامتلأت بحقائق الإسلام، وصاروا طليعة الإسلام الأُولى
стр. 438
وكتيبته المظفرة، ومكَّنتهم تلك التربية من تحمُّل ما لا يطيقه غيرهم من المحن في سبيل الله، ونصرة دينه ونشره في الآفاق.
من معالم التربية:
٦٨١- ومن معالم التربية وأصولها شدَّ المسلم إلى غاية عليا ينقضي عمره، ولا ينتهي من التحليق إليها والسير الحثيث إليها، هذه الغاية هي الله ﷻ ، ونوال رضاه، والتلذُّذ بذكره، والتنعيم بعبادته، والتطلُّع إلى ما عنده. إنَّ هذه الغاية العليا لا تضيق بالراغبين فيها، المتطلعين إليها، ومن ثَمَّ فلا يمكن أن يكون تحاسد في طلابها ولا تباغض، وإنما أنس ومحبة وتنافس. وهي بعد ذلك لا يُنَال بالأماني الفارغة مع القعود والكسل، فإنَّ من يريد الوصول إلى مكة فعليه أن يعزم على السفر والرحيل ومفارقة الأهل والوطن، وحثّ السير والتزوُّد، ولكن الزاد هنا زاد التقوى، وجعل حياة المسلم كلها لله رب العالمين، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وكان ﷺ يذكر المسلمين بهذه المعاني، وبهذه الغاية العليا، وبالتزوّد من زاد التقوى، حتى إنَّ أول خطبة خطبها في المدينة كانت في الحثِّ على تقوى الله والتعلق بالآخرة١.
من وسائل التربية:
٦٨٢- ومن وسائل التربية المؤثِّرة جدًّا الاتصال بكتاب الله العظيم تلاوة وتأملًا وفهمًا، وفتح منافذ القلب إلى هذا الروح العظيم: القرآن؛ لتنساب أنواره إلى كيان المسلم، فتزيل أدواءه وظلمته، وتبعث فيه الحياة الحقيقة، فإنَّ القرآن كما وصفه الله تعالى نور وهدًى وشفاء وروح، ولا يبقى مع النور ظلمة، ولا مع الهدى شكّ، ولا مع الشفاء داء، ولا مع الروح موت، قال تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا....﴾
стр. 439
٦٨٣- وكذلك ينبغي الاتصال الدائم بالسيرة النبوية الكريمة، وسيرة أصحابه الكرام، حتى يصبح المسلم كأنَّه يعيش هناك مع رسول الله وصحبه، متخطيًا حدود الزمن مسلخًا بروحه للحاق بهم والتأسي بسيرتهم. إن على الداعي المسلم أن يعين المستجيبين على هذا النمط من التربية، وبهذا الأسلوب وغيره حتى يثبتوا على الإسلام، ويكونوا دعاة إلى الله، فإن الإسلام يحتاج إلى المزيد من الدعاة الفاهمين.
стр. 440
الفصل الثالث: وسائل الدعوة
مدخل
...
الفصل الثالث: وسائل الدعوة
تمهيد:
٦٨٤- نريد بالوسائل ما يستعين به الداعي على تبليغ الدعوة إلى الله على نحوٍ نافع مثمر، وهي نوعان: وسائل تتعلّق باتخاذ الأسباب لتهيئة المجال الجيِّد المساعد لتبليغ الدعوة إلى الله، ونسميها بالوسائل الخارجية للدعوة، ووسائل تتعلّق بمهمة تبليغ الدعوة بصورة مباشرة، ونسميها وسائل تبليغ الدعوة، وعلى هذا نقسِّم هذا الفصل إلى مبحثين:
المبحث الأول: للوسائل الخارجية.
المبحث الثان: لوسائل تبليغ الدعوة.
стр. 441
المبحث الأول: الوسائل الخارجية للدعوة
أساسها:
٦٨٥- أساس هذه الوسائل النظرة الصحيحة لواقع الحياة وجريان أحداثها وفق قانون الأسباب والمسببات، وهذه الوسائل كثيرة، نذكر منها: الحذر، والاستعانة، أو يكون قريبًا منها، ونتكلم فيما يلي عن هذه الوسائل في فروع ثلاث:
الفرع الأول: الحذَر
معناه:
٦٨٦- الحذر في اللغة: الخفية والتحرُّز والتيقُّظ، ورجل حذر، أي: متيقظ، فهو متحرِّز ومتأهب لما يخاف أن يفاجأ به من مكروه١.
الحذر ممدوح غير مذموم:
٦٨٧- ومن تعريفه باللغة يتبيِّن لنا أنَّه يقوم على أساس المعرفة وأخذ الحيطة، فالحَذِرُ يعرف مدى ضرر المكروه المتوقع حصوله، فيخاف من وقوعه خوفًا يدفعه إلى أخذ الحيطة والتحرز، ومباشرة الأسباب لمنع وقوعه، أو لدفعه إذا وقع، أو لتقليل أضراره وأذاه، فهو ليس بخوفٍ مشوب باستسلام وقعود وانخلاع الفوائد واضطراب
стр. 442
الفكر وتشوّش البال، واليأس من الخلاص، والاستسلام له قبل الوقوع، ولهذا فالحذر بالمعنى الذي بيَّنَّاه محمود غير مذموم، وهو من صفات أهل الإيمان والعقل السليم والفهم الدقيق لسنن الله في الكون، لا من صفات أهل الطيش والحماقة والجهالة وقِصَر النظر، فهؤلاء لا يعرفون الحَذَر ولا تَتَّسِع له عقولهم؛ لأنهم لا ينظرون إلى أبعد من أنوفهم، ولا يحسّون بالمكروه المتوقَّع الحصول، إلّا إذا وقع فعلًا، أمَّا قبل وقوعه فهم عنه لاهون ساهون سادرون، ومن ثَمَّ يفاجئون به، فيدهشهم ويبهرم. والفرق دائمًا بين العاقل والجاهل أنَّ الأول يعرف الخطر قبل وقوعه، والمكروه قبل حلوله، فيتَّخذ العُدَّة لملاقاته ودفعه. أمَّا الثاني فلا يحسّ به أصلًا إلّا إذا وقع، ومن ثَمَّ لا يتخذ من الأسباب ما يدفعه أو يتوقاه، ولهذا الفرق يحسب الجاهل ما يفعله الرجل الحَذِرُ نوعًا من الخوف الذي لا مبرِّرَ له، ونوعًا من الجُبْن لا يتفق مع الإيمان، وكثيرًا ما يتأثَّر الرجل الحَذِرُ بأقوال الجهّال، فيترك ما يدعو إليه الحََذَر، ويتجاهل الخطر وإن تحققت مقدماته، فعلى الداعي المسلم أن لا يلتفت إلى أقوال هؤلاء. إنَّ مَثَلَ الحَذِرِ كصاحب السفينة يسير في البحر على ضوء ما تشير به حالة الجو، في ضوء قواعد علم الفلك والأنواء، ويأخذ الحذر المطلوب لتقلُّبات الجوِّ، وحتى إذا لم يحدث المتوقع فلا ضرر عليه فيما يأخذ من الحيطة، ومَثَلُ الجاهل الأحمق مَثَلُ الذي يسير في المحيط في مركب صغير، ولا يلتفت إلى ما تشير إليه الأخبار العلمية عن حالة الجو المتوقعة، بل يبلغ به الجهل إلى مخالفة ذلك، وسرعان ما يعطب به مركبه، وتتكسر ألواحه فيغرق بما فيه ومن فيه، وإن كانت نيته حسنة، وقصده مرضاة الله تعالى، وقد يكون مأجورًا في الآخرة، ولكن أمور الدنيا تجري وفق الأسباب والمسببات، لا وفق القصود والنيات.
دليل مشروعية الحَذَر من القرآن الكريم:
٦٨٨- قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا
стр. 443
حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ١.
وهذه الآية الكريمة تدلّ دلالة صريحة قاطعة على وجوب أخذ الحَذَر، بل وتبيِّن للمسلمين كيفية الحذر مما يدل على أهميته، فالأمر بأخذ الأسلحة، والأمر بأن يكون بعض المسلمين وراء المصلين يحمونهم من العدو، وتقسيم المسلمين إلى طائفتين: طائفة تصلي وطائفة تحرس، والأمر بأخذ الحذر، وبيان أن الكفَّار يرغبون أن يترك المسلمون الحَذَر وأخذ أسبابه حتى يستأصلوا المسلمين مرَّة واحدة، كل ذلك دليل على وجوب الحيطة والتحرُّز، وأخذ الحَذَر من المكروه المتوقع، وأنقل هنا بعض ما ذكره الإمام القرطبي في تفسيره؛ ليطَّلِع القارئ أنَّ علماءنا -رحمهم الله تعالى- أدركوا أهمية الحَذَر، ودعوا إليه استجابة لأمر الله وفهمًا لمعاني كتابه.
قال الأمام القرطبي -رحمه الله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ، ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ ، هذه وصية بالحذر وأخذ السلاح؛ لئلَّا ينال العدو أمله ويدرك فرصته.
ثم قال ﵀: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: تمنَّى وأحب الكافرون غفلتكم عن أخذ السلاح؛ ليصلوا إلى مقصودهم، فبيِّنَ الله تعالى بهذا وجه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح، وذكر الحذر في الطائفة الثانية دون الأولى؛ لأنها أولى بأخذ الحذر.
وفي هذه الآية أدلَّ دليل على تعاطي الأسباب واتخاذ كل ما ينجي ذوي الألباب، ويوصل إلى السلامة، ويبلغ دار الكرامة، ثم قال ﵀: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ، والحذر من العدوِّ في كل الأحوال وترك الاستسلام، إنَّ الجيش ما جاءه مصاب قط إلّا من تفريط في حذر٢.
٦٨٩- وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ٢، هذا خطاب للمؤمنين، وأمر لهم بجهاد الكفَّار والخروج في سبيل الله وحماية الشرع، وأمر لأهل الطاعة بالقيام بإحياء دينهم، وإعلاء دعوته.
стр. 444
وأمرهم الله تعالى أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة حتى يتحسَّسوا ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم١.
دليل مشروعية الحذر من السنة النبوية:
٦٩٠- وفي السنة النبوية شواهد كثيرة على مشروعية الحذر ولزومه بالنسبة للمسلم، ولا سيما للدَّاعي الذي يتعرَّض لمكائد الكفار والمنافقين، نذكر منها ما يأتي:
أولًا: عن عائشة أمّ المؤمنين قالت: أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلمَّا رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ هذه الساعة إلّا لأمر حدث، قالت: فلمَّا دخل تأخَّر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ ، وليس عند أبي بكر إلّا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله ﷺ : أخرج عني من عندك، فقال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، فداك أبي وأمي، فقال: إنَّ الله أذِنَ لي في الخروج والهجرة٢، وفي أخبار هذه الحادثة أنَّ النبي ﷺ خرج وأبو بكر من باب صغير في ظهر بيت أبي بكر، ومضيا إلى غار بجبل ثور، فلم يصعدا الغار حتى قطرت قدما رسول الله ﷺ دمًا، وقد نسج العنكبوت وعشعشت حمامتان على باب الغار٣، ففي هذا الخبر والذي قبله دليل قاطع على وجوب الحذر، ويظهر ذلك من:
أ- مجيء النبي ﷺ إلى بيت أبي بكر في الهاجرة؛ حيث ينقطع سير الناس عادة في الطريق أو يقل.
ب- طلبه ﷺ من أبي بكر أن يخرج من داره مَن فيها مِمَّن يخشى اطلاعه على ما يقوله النبي ﷺ ، فلما أعلمه أبو بكر بأنهما ابنتاه لم ير بأسًا من بقائهما.
ج- خروجهما من بابٍ في ظهر دار أبي بكر، فلم يخرجا من الباب الأصلي للدار.
هـ- اختفاؤه ﷺ في الغار، وتحمُّله النَّصَب للوصول إليه، حتى إنَّ قدمية الشريفتين قطرتا دمًا.
و أمر الله تعالى العنكبوت بنسج خيوطه، وتعشيش الحمامتين؛ ليكون ذلك داعيًا لصرف أنظار المشركين عن وجودهما في الغار.
٦٩١- ثانيًا: وفي السنة النبوية أيضًا أنَّ قريشًا عندما عزَّت على قتل رسول الله
стр. 445
- ﷺ ، أتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ فقال: لا تبيت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام، فيثبون عليه، فلمَّا رأى رسول الله ﷺ ذلك، قال لعلي بن أبي طالب: "نم على فراشي وتسَجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يصل إليك شيء تكرهه منهم"، ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ ، فأخذ حِفْنَة من ترابٍ في يده، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم ... "١.
٦٩٢- ثالثًا: وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلّوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم٢ يوم كانوا في مكة.
الحاجة إلى الحذر:
٦٩٣- وإذا كان الحذر مشروعًا، فهل يحتاج إليه الداعي، وهل يجب عليه إذا كان محتاجًا إليه؟ الجواب: نعم قد يحتاج إليه الداعي، كما لو كان في مجتمع كافر مثل المجتمعات الوثنية في إفريقيا وآسيا، والملأ في هذه المجتمعات يكيدون للداعي إلى الله، ويعرقلون سعيه في نشر الإسلام، أو يريدون البطش به، وقد يكون الأخذ بالحَذَر في هذه الحالة وأمثالها واجبًا عليه؛ لأنَّ تركه قد يفضي إلى التهلكة وقطع جهاد الداعي في سبيل الله، وإلقاء النفس بالتهكلة، مع إمكان الاحتراز، لا يجوز، فيكون الأخذ بأسباب دفعها واجب، كما أنَّ بقاء الداعي وحريته في الرواح والمجيء على نحوٍ من الأنحاء، وما يتبع ذلك من نشر الإسلام خيرًا كثيرًا إذا هلك بسبب ترك الحذر، فيلزمه الحذر لهذه الغاية.
الحذر والتوكل على الله:
٦٩٤- ويجب أن يكون واضحًا تمامًا أنَّ الأخذ بالحذر وأسباب الحيطة واليقظة والتحرُّز لا يعني عدم الثقة بالله، ولا ينافي التوكُّل عليه؛ لأنَّ الحذر من الأسباب، ومباشرة الأسباب لا تنافي التوكُّل، ولكن لا يجوز أبدًا الاطمئنان والركون إليها،
стр. 446
والتعلق بها؛ لأن الأسباب والمسببات بيد الله وحده، فهو الذي يهيئ السبب، وهو الذي يوفّق إليه ويدل عليه، ويجعله مفضيًا إلى نتيجة، ولو شاء لسلبه ما به صار سببًا، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، بل إنَّ المسلم يباشر الأسباب لأنَّ الله أمر بها ودعا إليها، ولكن يبقى القلب معتمدًا على الله وحده، متلفِّتًا إليه متعلقًا به كأنَّ صاحبه لم يباشر أيّ سبب أصلًا، ومثاله مثال الزارع في أرض الديم، ينثر الزرع ويتعهده، واعتماده على الله وحده، لا على ما باشره من أسباب، وهذه كانت حالة سيد المتوكلين رسولنا ﷺ ، فقد باشر الأسباب في هجرته كما بَيَّنَّا، ودخل مع صاحبه أبي بكر إلى الغار، وأخذا بالحيطة والحَذَر، ولكن اعتماده ما كان على ما باشره من أسباب، وإنما كان اعتماده على الله وحده، ولهذا لمَّا شعر أبو بكر بالقلق على حياة رسول الله ﷺ ، وظهر عليه الحزن من أجل رسول الله ﷺ ، قال له الرسول الكريم -كما أخبرنا الله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ، فكان نظر رسول الله واعتماده على معية الله لهما بالنصر والحفظ والتأييد، لا على ما باشره من الأسباب.
أنواع الحذر:
٦٩٥- والحذر أنواع من جهة ما يحذره الداعي المسلم، فهناك حذره من الوقوع في المعصية، وحذره من الأهل والولد، وحذره من اتباع الهوى، وحذره من المنافقين والكافرين، ولا بد من كلمة قصيرة عن هذه الأنواع.
الحذر من المعاصي:
٦٩٦- قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ، أي: يحذركم عقابه بأن تباشروا المعاصي وما يسخط الربَّ ﷻ ، فيحلّ عليكم عذابه، أو تفقدوا نصره وتأييده، والداعي إلى الله يحذر أن يحل عليه غضب الله، أو يقطع عنه مدده وعونه ونصره وتأييده وحفظه، ولهذا فهو دائم التعلُّق بالله، شديد الحذر من الوقوع فيما يغضب الله تعالى، فهو دائم المراقبة لربِّه، دائم التقتيش في زوايا نفسه؛ لئلَّا ينبت فيها شيء من الرياء -وما أصعب التوقي منه، أو طلب السمعة عند الناس، أو الإعجاب بالنَّفس وبالتعالي على الخلق، والمَنِّ بما يقوم به من أمور الدعوة، إلى غير ذلك من أقذار المعاصي
стр. 447
القلبية، فإنَّ الله تعالى لا تخفى عليه خافية، قال ﷻ : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ١.
الحذر من الأهل والولد:
٦٩٧- والأهل والولد مجبنة مبخلة، كما جاء في بعض الآثار؛ لأنَّ حب المسلم لأهله وولده قد يقعد به عن الجهاد في سبيل الله، ويحبّّب إليه الامتناع عن البذل حيث يحب الله منه البذل، وقد يمنعونه فعلًا عن الجهاد وعن العمل؛ ليوفر لهم الراحة والطمأنينة في زعمهم، وقد يستجيب لهم، فيكون فعلهم هذا فعل الأعداء، والعدو يستحق الحذر والإفلات من مكيدته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ ٢، ووجه عداوتهم كما يقول ابن العربي المالكي: "إن العدو لم يكن عدوًّا لذاته، وإنما عدوًّا بفعله، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدوًّا، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد والطاعة"، وقال أهل التفسير: إنَّ هذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهلٍ وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، فقالوا: إلى من تتركنا؟ فيرِقُّ لهم ويقيم عندهم"٣، فليحذر الداعي المسلم جهالة الأهل والولد وتثبيطهم له عن الجهاد في سبيل الله والدعوة، فهم مجبنة مبخلة كما قلنا.
الحذر من اتباع الهوى:
٦٩٨- وليحذر الداعي من الانزلاق إلى متابعة الهوى وترك الحق بحُجَّة تكثير سواد المستجيبين، أو بحُجَّة قبول الدعوة وانتشارها، فإنَّ دعوة الله ليست بحاجة إلى تكثير سواد أتباعها من طريق الخيانة، وإرضائهم بالباطل وبما يسخط الله تعالى، قال ربنا ﵎ لرسوله الكريم ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ٤، وقد جاء في
стр. 448
تفسير هذه الآية: إنَّ جماعة من أحبار اليهود تآمروا فيما بينهم على أن يأتوا رسول الله ﷺ ، ويلوِّحوا له بإسلامهم إذا استجاب لما يطلبون، فأتوا الرسول ﵊، وقالوا له: لقد علمت مكانتنا في قومنا، وإنَّنَا إذا أسلمنا أسلمت يهود كلها، وإنَّ لنا خصومة مع بني فلان، ونريد أن نحاكمهم إليك، فاحكم لنا عليهم، فإن فعلت ذلك أسلمنا وأسلمت يهود معنا، فأبى رسول الله ﷺ ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية"١.
الحذر من المنافقين والكفار:
٦٩٩- المنافقون أصناف شتَّى، منهم: المنافق الخالص، ومنهم من فيه شوب نفاق يلوّث إسلامه، ومنهم بين هؤلاء وأولئك. وضرر المنافقين في المسلمين عظيم، وقد يكون أكثر من ضرر الكفَّار؛ لظهور هؤلاء وخفاء أولئك، فعلى الداعي المسلم أن يحذرهم، فلا يسمع لقولهم، ولا يثق بهم، ويسد المنافذ في وجوهم، ويحبط مكائدهم، قال تعالى في أوصاف المنافقين ووجوب الحذر منهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢، ويقول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: وفي قوله تعالى: ﴿فَاحْذَرْهُم﴾ وجهان؛ أحدهما: فاحذر أن تثق بقولهم، أو تميل إلى كلامهم، الثاني: فاحذر مما يلتهم لإغرائك، وتخذيلهم لأصحابك٣.
وسائل الحذر:
٧٠٠- وسائل الحذر كثيرة، تختلف باختلاف ما يُحْذَر منه، وباختلاف الظروف والأحوال، ونذكر منها ما يأتي على سبيل المثل، وهي التي وردت فيها الآثار -ويجوز القياس عليها عند الحاجة، وهذه الوسائل يأخذها الداعي في المجتمعات الوثنية، كما لو ذهب إلى بلدان إفريقية الوثنية يعلِّم الناس هناك الإسلام، ومن هذه الوسائل:
٧٠١- أولًا: البدء بمكاشفة الموثوقين بالدعوة إلى الله حذرًا من الأعداء، وهذا الحذر لازم في المجتمعات الوثنية والكافرة التي يضيق الملأ فيها من انتشار
стр. 449
الإسلام كما في البلاد الوثنية في إفريقيا، ودليل هذا الحذر ما جاء في السيرة: "فلمَّا أسلم أبو بكر ﵁ أظهر إسلامه، فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وَثِقَ به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه"١.
٧٠٢- ثانيًا: بالتخفي والاستتار، إحباطًا لكيد الكافرين، وإبعاد أذاهم عن الداعي إلى الله، ودليلنا على ذلك اختفاء رسول الله ﷺ وصاحبه الصديق في الغار.
٧٠٣- ثالثًا: اعتزال القوم والاختفاء عنهم، ودليلنا على ذلك فتية أهل الكهف، وفيهم قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ .
وإذا جاز هذا النوع من الاعتزال جاز ما دونه، كالهجر وعدم المخالطة والتوقف عن نشر الدعوة إلى حين، نزولًا عند حكم الضرورة، وفي هذه الحالة ينبغي للدَّاعي أن ينشغل بنفسه ويقبل على عبادة ربه، ويتأمل في أمور الدعوة والافتكار فيها، إلى أن يزول ما دعاه إلى الاعتزال.
٧٠٤- رابعًا: الخروج إلى المحل الأمين تخلصًا من أذى الكافرين، ودليلنا على ذلك خروج المسلمين إلى الحبشة٢. والواقع أنّ الخروج من أرض الكفرة؛ حيث يتَّجِه كيدهم إلى البطش بالداعي إلى الله، أمر ذكره الله تعالى دون إنكار، مما يدل على مشروعيته في حق الدعاة المسلمين، قال ربنا ﵎: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
٧٠٥- خامسًا: عدم إظهار المسلم إسلامه إذا كان في هذا الإظهار تنكيل الكفرة بالمسلم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٤، وقد قصَّ الله علينا
стр. 450
خبر ذلك المؤمن الذي كان يكتم إيمانه دون إنكار، فدلَّ على جواز كتم الإيمان عند الضرورة، ومن باب أولى جواز أن يكتم الداعي إلى الله صفته عن الكفار، بل ويجوز أن يكتم اسمه، ودليلنا على ذلك أنَّ رسول لله ﷺ عند مسيره إلى بدر ذَهَبَ هو وأبو بكر ﵁ بعيدًا عن المسلمين، فوقف على شيخ من العرب، وسأل عن قريش لمَّا أجابه سألهما: ممن أنتما؟ فقال رسول الله: "نحن من ماء" ١، ومما يدل أيضًا على جواز إخفاء المسلم إيمانه، أنَّ مسلمي المدينة واعدوا رسول الله ﷺ المجيء إلى العقبة في مِنَى خارج مكة، وقد جاء في أخبار هذه الحادثة ما يرويه واحد من الذين حضروا العقبة، وبايعوا رسول الله ﷺ ، وهو كعب بن مالك، قال: "وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، ثم قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ ، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشِّعْبِ عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا ومعنا امرأتان.. قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ ، حتى جاءنا معه العبَّاس ... ٣.
٧٠٦- سادسًا: التفرق وعدم إظهار ما يلفت نظر الكفرة، قال تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٤.
٧٠٧- سابعًا: إخفاء الداعي قصده وتفاصيل ما يريده، جاء في السيرة النبوية: "وكان رسول الله ﷺ قلَّمَا يخرج في غزوة إلّا كنَّى عنها، وأخبر أنَّه يريد غير الوجه الذي يقصد له، إلّا ما كان في غزوة تبوك، فإنه بينها للناس لبعد الشقة"٤.
стр. 451
الفرع الثاني: الاستعانة بالغير
الاستعانة بأهل الخير والكفاءة:
٧٠٨- الداعي حريص على إيصال الدعوة إلى الناس، ومن أجل هذا يستعين بكلِّ وسيلة مشروعة لتحقيق ما يحرص عليه، ومن الوسائل المشروعة استعانته بأهل الخير والكفاءة، قال تعالى عن موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ ١، فموسى ﵇ طلب من ربه أن يساعده بأخيه هارون؛ لأنه كما قال تعالى في بيان سبب ذلك الطلب: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ، ومعنى ردءًا أي: وزيرًا ومعينًا ومقويًّا لأمري، يصدقني فيما أقوله، ويبيِّن عني ما أكلمهم به، فإنه أفصح مني لسانًا، ويفهم عني ما لا يفهمون، فالداعي المسلم لا يتردد أبدًا في الاستعانة بكفاءة غيره من المسلمين، وقدرته في مجال الدعوة، وسيكون مسروًا جدًّا إذا ما وجد مسلمًا ذا قدرة وكفاءة وأمانة في أمور الدعوة، مع رغبته في الإسهام في هذا المجال، وإذا ما أحسَّ الداعي بضيقٍ في صدره من عمل المسلم الكفء في الدعوة إلى الله، فإنَّ إخلاصه لا بد أن يكون مشوبًا بحبِّ السمعة والرياء، فليسارع في تنقية إخلاصه، وفسح المجال للكفء الأمين بالإسهام في جهاد الدعوة إلى الله تعالى.
الاستعانة لغرض الحماية:
٧٠٩- ويجوز للداعي المسلم أن يستعين بالمسلمين لحمايته ممن يريد إيذاءه أو منعه من تبليغ الإسلام، ودليلنا على ذلك أنَّ رسول الله ﷺ كان يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، يدعوعهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه -أي: يحموه، حتى يبيِّن عن الله ما بعثه، فكان ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب، ويقول: "يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا
стр. 452
تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي، وتمنعوني حتى أبيِّن عن الله ما بعثني به"١، وفي بيعة العقبة الكبرى قال ﷺ : "أبايعكم على أن تمنعوني ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم" ٢.
استعانة الداعي بغير المسلم:
٧١٠- قد يحتاج الداعي إلى حماية المشرك مِمَّن يريد إيذاءه أو منعه من تبليغ الدعوة، فهل يجوز للداعي أن يطلب هذه الحماية من غير المسلم، أو يقبلها إذا عرضها عليه؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما شروط طلبها أو قبولها؟ ثم هل يجوز للداعي أن يستعين بغير المسلم في بعض أمور الدعوة؟ هذا ما نجيب عنه في الفقرات التالية:
جواز الاستعانة بغير المسلم لغرض حماية الداعي:
٧١١- يجوز للداعي المسلم أن يقبل حماية غير المسلم له، ومنع الأذى عنه، وتمكينه من الدعوة إلى الله، كما يجوز للداعي أن يطلب هذه الحماية منه، ودليلنا على ذلك ما يأتي:
أولًا: من الثابت أنَّ أبا طالب كان يحمي رسول الله ﷺ ، ويمنعه من قريش، وكان ﷺ حريصًا على بقاء عمِّه أبي طالب على موقفه هذا، وعدم تخليه عنه، وقد رفض أبو طالب فعلًا التخلي عن ابن أخيه، بالرغم من إغراء قريش وتهديدها، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فقام في بني هاشم وبني المطلب "فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ﷺ ، والقيام دونه.... إلخ"٣، ولمَّا مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب، حتى قال ﷺ : "ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب" ٤ وسمَّى رسول الله ﷺ العام الذي ماتت فيها خديجة ﵂ وأبو طالب عام الحزن٥.
стр. 453
ثانيًا: خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يلتمس النصر من ثقيف والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله ، هذا ما رواه ابن هشام في سيرته"١.
ثالثًا: وفي إمتاع الأسماع للمقريزي: "ويقال: إنَّ رسول الله ﷺ لمَّا عاد من الطائف وانتهى إلى حراء، بعث رجلًا من خزاعة إلى المطعم بن عدي ليجيره حتى يبلغ رسالة ربه فأجاره"٢.
رابعًا: عندما رجع المسلمون المهاجرون إلى الحبشة ظنًّا منهم أن أهل مكة أسلموا، "ولم يدخل منهم أحد إلّا بجوار أو مستخفيًا"٣ أي: بجوار مشرك ليمنعه من إيذاء أو اعتداء قريش.
خامسًا: عرض ابن الدغنَّة على أبي بكر جواره، فقَبِلَه أبو بكر، فقال ابن الدغنة: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرضنَّ له أحد إلّا بخير"٤.
تعليل جواز الاستعانة بغير المسلم:
٧١٢- الأخبار التي ذكرناها صريحة في الدلالة على جواز قبول أو طلب حماية غير المسلم، فما تعليل ذلك؟ تعليل ذلك أنَّ الدعوة إلى الله تحتاج إلى جوٍّ هادئ خالٍ من المضايفات والعقبات في طريق الدعوة، وخالٍ من الاعتداءات على الداعي، ومنعها من التبليغ؛ لأنَّ الدعوة إلى الله كالبذر وكالبناء، والبذر لا ينبت في الأعاصير والرياح، والبناء لا يقوم في الهياج وانشغال البناة في مدافعة الأذى، والاعتداء عن أنفسهم، ولهذا لمَّا توفَّر للدعوة الإسلامية الجوَّ الهادئ بعد صلح الحديبية، دخل في الإسلام مثل من كان في الإسلام قبل ذلك الصلح أو أكثر٥، فالغرض من قبول حماية غير المسلم هو تمكين الداعي من القيام بنشر الإسلام والدعوة إلى الله تعالى،
стр. 454
وليس الغرض منها التمتُّع بالحياة والراحة فيها، ولا مداهنة المشركين، وليس في قبول هذه الحماية شيئ، وإنما هي تشبه قيام المشرك برفع الأذى عن طريق المسلم، أو ردّ الاعتداء عنه أو حراسته، فهذه الأمور مقبولة من المشرك، فكذا قبول حمايته.
شروط قبول حماية غير المسلم:
٧١٣- ويشترط لقبول حماية غير المسلم أو طلب هذه الحماية أن لا يكوننَّ ذلك على حساب معاني الإسلام أو التنازل عن شيء منها، ولهذا لمَّا قال أبو طالب للنبي ﷺ : "فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق"، قال ﷺ : "يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته"، ثم استعبر رسول الله ﷺ وبكى، ثم قال: فلمَّا ولَّى ناداه أبو طالب فقال: "أقبل يا ابن أخي، ثم قال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدً"١، وكذلك ردَّ أبو بكر جوار ابن الدغنة لمَّا طلب منه أن لا يصلي في مسجده عند باب داره في بني جمح٢.
٧١٤- ويجوز قبول حماية غير المسلم وإن كان الغرض الأول منها الخلاص من إيذاء الكفرة وبطشهم؛ لأنَّ بقاء المسلم حيًّا يعطيه فرصًا في المستقبل للقيام بواجب الدعوة إلى الله، دليلنا على ذلك ما جاء في سيرة ابن هشام: "فلمَّا رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية لمكانه من الله، ومن عمه أبي طالب، أنه لا يقدر على أن يمنعهم مِمَّا هم فيه من البلاء، قال لهم: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنَّها بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه" ٣.
الاستعانة بغير المسلم في بعض الأمور:
٧١٥- ويجوز للداعي أن يستعين بغير المسلم في بعض الأمور، وإن اقتضى ذلك اطِّلاعه على بعض ما له صلة بعمل الداعي في مجال دعوته إلى الله تعالى، دليلنا على ذلك:
стр. 455
أولًا: جاء في حديث الهجرة إلى المدينة أنَّ أبا بكر قال للنبي ﷺ : "يا نبي الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبد الله بن أريقط، رجلًا من بني الديل بن بكر -وكان مشركًا- يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما"١.
ثانيًا: "وفي بيعة العقبة الكبرى أنَّ رسول الله ﷺ جاء ومعه العبَّاس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، "إلّا أنه أحبَّ أن يحضر أمر بن أخيه ويتوثق له"٢.
ثالثًا: "وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله ﷺ بتهامة، صفقتهم معه، لا يخفون عنه شيئًا كان بها"٣.
٦١٧- فهذه الأخبار صريحة في الدلالة على جواز الاستعانة بغير المسلم في بعض الأمور التي لها علاقة بالدعوة، ولكن يشترط لهذه الاستعانة التوثُّق من المشرك، والاطمئنان إلى عدم خيانته للمسلم، أو كشف ما طَّلع عليه، وهذه أمور تقديرية متروكة لتقدير الداعي المسلم وفطنته، ومدى الحاجة إلى ولوج هذا المسلك. وموقف المشرك المفيد للمسلم وكتمه ما يطَّلع عليه من شئونه، قد يرجع إلى قرابته من المسلم، أو الجميل أسداه إليه المسلم، أو لصدق معاملته معه، أو لحسن أخلاقه وسيرته، كما قال بن الدغنة لأبي بكر ﵁ قبل أن يعلن جواره له: "فوالله، أنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع وأنت في جواري"٤، ولا ضير على المسلم إذا استفاد من الموقف المفيد الحميد الذي يقفه من المشرك لأيِّ سبب من الأسباب.
стр. 456
الفرع الثالث: النظام
أهمية النظام:
٧١٧- النظام وسيلة جيدة لا بُدَّ منها لحسن استخدام الجهود وتوجيهها على نحوٍ مثمر في مجال الدعوة إلى الله، وبالتالي زيادة فرص النجاح للداعي في بلوغ هدفه.
وبدون النظام تتبعثر الجهود، ويكون السير على غير هدى، والإسلام هو دين النظام، فالصلاة تؤدَّى بنظام من جهة الوقت ومتابعة المأموم للإمام، وكذا في العبادات الأخرى مثل الحج والصيام والزكاة.
حاجة الداعي إلى النظام:
٧١٨- والداعي المسلم يحتاج إلى تنظيم وقته، فإنَّ الوقت هو الحياة، وهو رأس ماله، وعليه أن يجعل شعاره الحديث الشريف: "من استوى يوماه فهو مغبون"، فلا بُدَّ إذن في حساب الداعي أن يكون غده خيرًا من يومه الحاضر، ويومه خيرًا من أمسه، وهذه الخيرية تقوم على مقدار ما يقدِّمه من جهود وجهاد في سبيل الدعوة إلى الله، وما يحققه من هداية في الناس، فإنَّ هداية شخص وتخليصه من النار خيرٌ للداعي من حُمُر النِّعَم. وتنظيم وقت الداعي يقوم على تقسيم يومه إلى أجزاء، وتخصيص كل جزء إلى أداء ما عليه من واجبات، فجزء لنفسه، وجزء لأهله، وجزء لعبادة ربه، وجزء للدعوة إلى الله، وحذار أن ينفق أوقاته فيما لا فائدة فيه، فإنَّ الواجبات أكثر من الأوقات؛ ولأنَّه معرَّض للموت في كل لحظة، فمن الحزم المبادرة إلى استغلال كل دقيقة من وقته في أداء واجب أو مستحب أو مندوب.
حاجة الجماعة إلى النظام:
د٧١٩- الدعوة إلى الله تعالى قد تكون جماعية، كما أشرنا إلى هذا من قبل، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١، والأمة معناها الجماعة، فإذا ما كانت الدعوة
стр. 457
إلى الله جماعية، كما قام نفر من المسلمين بنشر الإسلام في المجتمعات الوثنية كمجاهل إفريقيا، فعليهم أن يرعوا قواعد النظام التي أمر بها الإسلام، حتى تثمر جهودهم ولا تضيع، فإنَّ القليل من العمل بنظامٍ، والدوام عليه، خير من التكثير مع الفوضى والانقطاع، ومن مظاهر العمل الجماعي تشكيل الجمعيات الدينية التي تنشر محاسن الإسلام، وتعلم الناس أمور الدين والعبادة.
معالم النظام الجماعي في التشريعة الإسلامية:
٧٢٠- ومعالم النٌّظم في الشريعة الإسلامية للعمل الجماعي في مجال الدعوة إلى الله كثيرة، ويجب مراعاتها والاهتمام بها، فمن هذه المعالم:
أولًا: لا بُدَّ لكلِّ جماعة من رئيس، تلك حقيقة قررتها الشريعة وأمرت بها، ويؤيدها الواقع، ويدركها العقل السليم، ولهذا جاء في الحديث الشريف: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم"، ويقول الإمام ابن تيمية تعليقًا على هذا الحديث: "فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأنَّ الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتمّ ذلك إلّا بالقوة والإمارة"٣، والمقصود من الإمارة تحقيق طاعة الله ورسوله وتنفيذ أوامره، قال ابن تيمية: "فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربة يتقرَّب بها إلى الله، فإن التقرب إليه بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرئاسة أو المال بها"٢.
ثانيًا: في بيعة العقبة الثانية: قال رسول الله ﷺ : "أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا؛ ليكونوا على قومهم بما فيهم" ٣.
ثالثًًا: كان ﷺ كلما خرج من المدينة لغزوة ونحوها يعيِّن من ينوب عنه على المدينة.
стр. 458
المقصود من الإمارة:
٧٢١- والمقصود من اتخاذ الأمير أو الرئيس للجمع القليل أو الكثير، جريان أمور المجتمعين على نسقٍ واحد، ولا يتحقق هذا المقصود إلّا بطاعة الجماعة للرئيس عند اختلاف الآراء، وإلّا لم يكن للإمرة معنًى ولا فائدة، جاء في الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألّا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق أينما كنَّا، لا نخاف في الله لومة لائم"١، والطاعة في المعروف لا في المعصية، جاء في الحديث الشريف: "لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق".
ضرورة الطاعة:
٧٢٢- والطاعة للرئيس ضرورية في كل عمل، وهي أشد ضرورة لعمل الجماعة التي تدعو إلى الله، وتقوم بنشر الإسلام، ولهذا فقد بلغ من فقه الصحابة الكرام للطاعة أنَّهم كانوا في حفر الخندق حول المدينة يستأذنون رسول الله ﷺ إذا أراد أحدهم الذهاب لقضاء حاجته، بخلاف المنافقين المندَّسين في صفوف المسلمين، فقد كانوا يتسلَّلون لواذًا ولا يستأذنون رسول الله ﷺ ، قال ابن هشام: ويتسللون -أي المنافقين- إلى أهلهم بغير علمٍ من رسول الله ﷺ ، ولا أذن، وكان الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بُدَّ له منها، يذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، ويستأذن في اللحوق لحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عملٍ رغبةً في الخير واحتسابًا له، فأنزل الله تعالى في أولئك المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
стр. 459
الطاعة والمشاورة:
٧٢٣- ولا يعني قولنا بلزوم الطاعة ترك المشاورة، فإنَّ الرئيس يجب عليه أن يشاور أفراد الجماعة، وقد قال العلماء: "لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ -١، كما أنَّ لأيِّ فرد أن يبدي رأيه على الرئيس، وعلى الرئيس أن يسمعه -وإذا كان صوابًا أخذ به، يدل على ذلك ما جاء في السيرة النبوية "أنَّ رسول الله ﷺ خرج إلى مكَّة يريد العمرة في السنة السادسة للهجرة، فاستعدّت قريش لمنعه من الدخول، فأراد ﷺ أن يرسل عمر بن الخطاب إليهم؛ ليخبرهم بقصد رسول الله ﷺ ، وأنه جاء لزيارة البيت لا للقتال، فقال عمر ﵁: يا رسول الله، أخاف قريشًا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل أعز بها مني: عثمان بن عفان، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفَّان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنَّه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرًا البيت ومعظمًا لحرمته"٢.
يسع الفرد ما لا يسع الجماعة:
٧٢٤- وليكن معلومًا أنَّ ما يسع الفرد فعله قد لا يسع الجماعة أن تفعله، يدل على ذلك قصة أبي بصير الذي أسلم وجاء إلى المسلمين -وهم في الحديبية، وقد أبرموا الصلح مع قريش- يريد أن يئووه ويحموه من قريش، فأبى المسلمون ذلك لارتباطهم بمعاهدة الحديبية التي أمر بها رسول الله ﷺ ، فأخذ المشركون أبا بصير، ولكنَّه انفلت منهم وأخذ يقطع الطريق على قوافل قريش، وكان فعله مؤثِّرًا ومضايقًا للمشركين، ونافعًا للمسلمين، وسائغًا له أن يفعله، بينما ما كان هذا الفعل سائغًا لجماعة المسلمين، وإن كان الفعل بنفسه مفيدًا للمسلمين. وقد فقه المسلمون هذا المعنى، فلم يطلبوا من رسول الله ﷺ أن يشتركوا مع أبي بصير في عمله النافع؛ لأنهم أفراد في جماعة المسلمين، يلتزمون بما تلتزم به الجماعة، بينما كان أبو بصير مسلمًا سائبًا، والفرد السائب يسعه ما لا يسع الفرد في الجماعة، وعندما أرسل رسول الله ﷺ حذيفة بن
стр. 460
اليمان ليطَّلِع على ما عند المشركين في حرب الخندق، قال حذيفة: لقد أمكنني أن أقتل أبا سفيان، ولكن لم أفعل؛ لأن رسول الله ﷺ أمرني أن لا أحدث شيئًا حتى آتيه"١.
ليس كل مسلم يصلح للعمل مع غيره:
٧٢٥- العمل مع الغير لنشر الإسلام والدعوة إلى الله يحتاج إلى فقهٍ دقيق وصبر جميل، وترويض للنفس على الطاعة، وقدر كبير من ضبط النفس ونكران الذات والتواضع، والقابلية على الانسجام مع سير المشتركين معه في العمل لنشر الإسلام، وقبول الرأي المخالف لرايه إذا أقرَّته الجماعة، أو اختاره الرئيس، إلى غير ذلك من المعاني اللازمة لأيّ عمل جماعي، وقد يكون -والله أعلم- في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ١، نوع من التنبيه إلى هذا المعنى، فالدعوة إلى الخير وعلى رأسها الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم جهد استطاعته، وبصفته فردًا مسلمًا، وهذا يدل على قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ٣، وفي آية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ تكليف "أمة" من المسلمين، أي: جماعة بالدعوة إلى الله، وهذا -والله أعلم- في الأمور التي تستلزم توحيد الجهود وقدرات أفرادها على العمل الجماعي. ولهذا كله فليس كل مسلم يصلح للعمل الجماعي؛ لأنه ليس كل مسلم فيه المعاني اللازمة لهذا العمل، فقد يكون صالحًا في نفسه، ولكنه لا يفقه معنى النظام والطاعة، فهو يعتبر تقييدًا على حريته ونوعًا من التعسُّف، ويعتبر الطاعة مذلة واستكانة، لا متابعة لأمر الله وإطاعة له، كمتابعة المأموم لإمامه في الصلاة، يتابعه تنفيذًا لأمر الشرع، وليسلم له الأجر والثواب، ومثل هذا المسلم قد ينفع منفردًا، ولكنه يضر إذا عمل مع غيره، وقد يكون قدوة سيئة لمن يعمل معه من أفراد الجماعة في إخلاله بالنظام وعدم التزامه بمقتضيات الطاعة، فيختلّ