Полный текст (967 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
(قُلْتُ) : وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى شَيْخِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ خَلَفٍ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ " وَشَيْخِهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الطَّرَسُوسِيِّ صَاحِبِ " الْمُجْتَبَى "، وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي " التَّيْسِيرِ " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَأَجْمَعَ مَنْ أَجَازَ تَسْهِيلَهَا عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِدْخَالُ أَلِفٍ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ كَمَا يَجُوزُ فِي هَمْزَةِ الْقَطْعِ؛ لِضَعْفِهَا عَنْ هَمْزَةِ الْقَطْعِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ حَرْفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ (بِهِ أَالسِّحْرُ) فِي يُونُسَ، فَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالِاسْتِفْهَامِ، فَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا الْوَجْهَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ مِنَ الْبَدَلِ وَالتَّسْهِيلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلِمِ الثَّلَاثِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمَا الْفَصْلُ فِيهِ بِالْأَلِفِ كَمَا يَجُوزُ فِيهَا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ عَلَى الْخَبَرِ، فَتَسْقُطُ وَصْلًا، وَتُحْذَفُ يَاءُ الصِّلَةِ فِي الْهَاءِ قَبْلَهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
وَأَمَّا هَمْزَةُ الْوَصْلِ الْمَكْسُورَةُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّهَا تُحْذَفُ فِي الدَّرْجِ بَعْدَهَا مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الِالْتِبَاسِ، وَيُؤْتَى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَحْدَهَا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا عَلَى اخْتِلَافٍ فِي بَعْضِهَا يَأْتِي مُسْتَوْفًى فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَهَذِهِ أَقْسَامُ الْهَمْزَتَيْنِ؛ الْأُولَى مِنْهُمَا هَمْزَةُ اسْتِفْهَامٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْأُولَى لِغَيْرِ اسْتِفْهَامٍ فَإِنَّ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا تَكُونُ مُتَحَرِّكَةً وَسَاكِنَةً، فَالْمُتَحَرِّكَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْكَسْرِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ أَئِمَّةَ " فِي التَّوْبَةِ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ وَفِي الْأَنْبِيَاءِ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَفِي الْقَصَصِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَفِيهَا وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَفِي السَّجْدَةِ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً فَحَقَّقَ الْهَمْزَتَيْنِ جَمِيعًا فِي الْخَمْسَةِ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَرَوْحٌ. وَسَهَّلَ الثَّانِيَةَ فِيهَا الْبَاقُونَ، وَهُمْ: نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَرُوَيْسٌ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ رَوْحٍ بِتَسْهِيلِهَا مَعَ مَنْ سَهَّلَ، فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُمْ فِي كَيْفِيَّةِ تَسْهِيلِهَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى أَنَّهَا تُجْعَلُ بَيْنَ بَيْنَ كَمَا هِيَ فِي سَائِرِ بَابِ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ كَلِمَةٍ، وَبِهَذَا وَرَدَ النَّصُّ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ أَصْحَابِ وَرْشٍ، فَإِنَّهُ
стр. 387
قَالَ: أَئِمَّةَ بِنَبْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَبَعْدَهَا إِشْمَامُ الْيَاءِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ نَصَّ طَاهِرُ بْنُ سَوَّارٍ، وَالْهُذَلِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ وَابْنُ الْفَحَّامِ الصَّقَلِّيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَأَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ، وَابْنُ سُفْيَانَ وَأَبُو الْعِزِّ فِي كِفَايَتِهِ، وَمَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ " التَّيْسِيرِ " وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَغَيْرِهِمَا بِيَاءٍ مُخْتَلَسَةِ الْكَسْرَةِ، وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ مِهْرَانَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ. وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهَا تُجْعَلُ يَاءً خَالِصَةً، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ فِي كَافِيهِ، وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ فِي إِرْشَادِهِ، وَسَائِرُ الْوَاسِطِيِّينَ، وَبِهِ قَرَأْتُ مِنْ طَرِيقِهِمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مُؤْمِنٍ فِي كَنْزِهِ: إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُحَقِّقِينَ يَجْعَلُونَهَا يَاءً خَالِصَةً، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ، وَالدَّانِيُّ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَالشَّاطِبِيُّ، وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ مَذْهَبُ النُّحَاةِ.
(قُلْتُ) : وَقَدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ أَيْضًا فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْيَاءِ أَيْضًا وَكَيْفِيَّةِ تَسْهِيلِهَا. فَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ فِي بَابِ شَوَاذِّ الْهَمْزِ مِنْ كِتَابِ الْخَصَائِصِ لَهُ: وَمِنْ شَاذِّ الْهَمْزِ عِنْدَنَا قِرَاءَةُ الْكِسَائِيِّ أَئِمَّةَ بِالتَّحْقِيقِ فِيهَا، فَالْهَمْزَتَانِ لَا تَلْتَقِيَانِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَا عَيْنَيْنِ نَحْوُ (سَالَ) وَسَارَ وَجَارٌ فَأَمَّا الْتِقَاؤُهُمَا عَلَى التَّحْقِيقِ مِنْ كَلِمَتَيْنِ فَضَعِيفٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَ لَحْنًا، ثُمَّ قَالَ: لَكِنِ الْتِقَاؤُهُمَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرَ عَيْنَيْنِ لَحْنٌ، إِلَّا مَا شَذَّ مِمَّا حَكَيْنَاهُ فِي خَطَّاءٍ وَبَابِهِ.
(قُلْتُ) : وَلَمَّا ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ التَّحْقِيقَ قَالَ: وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ التَّحْقِيقَ فِي آدَمَ وَآخَرَ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَكَذَا يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَئِمَّةَ.
(قُلْتُ) : يُشِيرُ إِلَى أَنَّ أَصْلَهَا أَأْيِمَةٌ عَلَى وَزْنِ أَفْعِلَةٍ جَمْعُ إِمَامٍ، فَنَقَلَ حَرَكَةَ الْمِيمِ إِلَى الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ قَبْلَهَا مِنْ أَجْلِ الْإِدْغَامِ؛ لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ، فَكَانَ الْأَصْلُ الْإِبْدَالَ مِنْ أَجْلِ السُّكُونِ ; وَلِذَلِكَ نَصَّ أَكْثَرُ النُّحَاةِ عَلَى إِبْدَالِ الْيَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْمُفَصَّلِ، قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَوَجْهُهُ النَّظَرُ إِلَى أَصْلِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ السُّكُونُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْإِبْدَالَ مُطْلَقًا. قَالَ: وَتَعَيَّنَتِ الْيَاءُ لِانْكِسَارِهَا الْآنَ، فَأُبْدِلَتْ يَاءً مَكْسُورَةً، وَمَنَعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ تَسْهِيلَهَا بَيْنَ بَيْنَ، قَالُوا: لِأَنَّهَا تَكُونُ بِذَلِكَ فِي حُكْمِ
стр. 388
الْهَمْزَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ جَاءٍ جَائِيٌّ فَقَلَبُوا الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ يَاءً مَحْضَةً؛ لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ إِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ خَالَفَ النُّحَاةَ فِي ذَلِكَ وَاخْتَارَ تَسْهِيلَهَا بَيْنَ بَيْنَ عَمَلًا بِقَوْلِ مَنْ حَقَّقَهَا كَذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، فَقَالَ فِي " الْكَشَّافِ " مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ عِنْدَ ذِكْرِ " أَئِمَّةً ": فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ لَفْظُ أَئِمَّةٍ؟
(قُلْتُ) : هَمْزَةٌ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ، أَيْ: بَيْنَ مَخْرَجِ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ، قَالَ: وَتَحْقِيقُ الْهَمْزَتَيْنِ قِرَاءَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِمَقْبُولَةٍ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، قَالَ: وَأَمَّا التَّصْرِيحُ بِالْيَاءِ فَلَيْسَ بِقِرَاءَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ، وَمَنْ صَرَّحَ بِهِ فَهُوَ لَاحِنٌ مُحَرِّفٌ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا مُبَالَغَةٌ مِنْهُ، وَالصَّحِيحُ ثُبُوتُ كُلِّ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي التَّحْقِيقَ وَبَيْنَ بَيْنَ وَالْيَاءَ الْمَحْضَةَ عَنِ الْعَرَبِ، وَصِحَّتُهُ فِي الرِّوَايَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَمَّنْ تَقَدَّمَ، وَلِكُلٍّ وَجْهٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ سَائِغٌ قَبُولُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِدْخَالِ الْأَلِفِ فَصْلًا بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَنْ حَقَّقَ مِنْهُمْ وَمَنْ سَهَّلَ. فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِإِدْخَالِ الْأَلِفِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَصْلِهِ فِي بَابِ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ كَلِمَةٍ، هَذَا مَعَ تَسْهِيلِهِ الثَّانِيَةَ، وَافَقَهُ وَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَلَى ذَلِكَ فِي الثَّانِي مِنَ الْقَصَصِ وَفِي السَّجْدَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ. وَانْفَرَدَ النَّهْرَوَانِيُّ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْهُ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَلِيٍّ الْعَطَّارِ بِالْفَصْلِ فِي الْأَنْبِيَاءِ، فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنْهُ، وَانْفَرَدَ أَيْضًا ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْهُ، فَلَمْ يُدْخِلْ أَلِفًا بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ بِمَوْضِعٍ، فَخَالَفَ فِيهِ سَائِرَ الْمُؤَلِّفِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ هِشَامٍ، فَرَوَى عَنْهُ الْمَدَّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ وَغَيْرِهِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ أَبُو الْعِزِّ، وَقَطَعَ بِهِ لِلْحَلْوَانِيِّ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ كَابْنِ سَوَّارٍ، وَابْنِ شَيْطَا وَابْنِ فَارِسٍ وَغَيْرِهِمْ وَقَطَعَ بِهِ لِهِشَامٍ مَنْ طُرُقِهِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَفِي " التَّيْسِيرِ " قِرَاءَتُهُ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ - يَعْنِي عَنْ غَيْرِ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ - وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ فَلَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِ إِلَّا بِالْقَصْرِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا وَقَعَ لَهُ فِيهِ خَلْطُ طَرِيقٍ بِطَرِيقٍ، وَفِي " التَّجْرِيدِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ الْجَمَّالِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ
стр. 389
سَائِرِ الْبَابِ، فَيَكُونُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الشَّذَائِيِّ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ وَالدَّاجُونِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَرَوَى الْقَصْرَ ابْنُ سُفْيَانَ وَالْمَهْدَوِيُّ وَابْنُ شُرَيْحٍ وَابْنَا غَلْبُونَ، وَمَكِّيٌّ، وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ "، وَجُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَعَلَى أَبِي الْفَتْحِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ، وَفِي " التَّجْرِيدِ " مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْجَمَّالِ، وَهُوَ فِي " الْمُبْهِجِ " مِنْ طُرُقِهِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو جَعْفَرٍ بِإِدْخَالِ الْأَلِفِ بَيْنَ الْهَمْزَةِ الْمُحَقَّقَةِ وَالْمُسَهَّلَةِ فِي (أَئِمَّةً) بَلْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ نَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو. فَنَافِعٌ، عَنْ رِوَايَةِ الْمُسَيَّبِيِّ وَإِسْمَاعِيلَ جَمِيعًا عَنْهُ، وَأَبُو عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدَانَ، عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ جَمِيعًا، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، فَكُلُّ مَنْ فَصَلَ بِالْأَلِفِ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِنَّمَا يَفْصِلُ بِهَا فِي حَالِ تَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ، وَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بِهَا فِي حَالِ إِبْدَالِهَا الْيَاءَ الْمَحْضَةَ ; لِأَنَّ الْفَصْلَ إِنَّمَا سَاغَ تَشْبِيهًا لَهَا بِ (أَيِنَّا) ، (أَيِذَا) وَسَائِرِ الْبَابِ، وَذَلِكَ الشَّبَهُ، إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَالَةِ التَّحْقِيقِ أَوِ التَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ، أَمَّا حَالَةُ الْإِبْدَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَصْلًا وَقِيَاسًا، وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ نَصٌّ عَمَّنْ يُعْتَبَرُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ. قَالَ الدَّانِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ مَنْ يُسَهِّلُهَا بَيْنَ بَيْنَ: وَلَا تَكُونُ يَاءً مَحْضَةَ الْكَسْرَةِ فِي مَذْهَبِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْفَصْلَ بِالْأَلِفِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْهَمْزَةِ الْمُحَقَّقَةِ فِي نِيَّةِ هَمْزَةٍ مُحَقَّقَةٍ بِذَلِكَ. قَالَ: وَإِنَّمَا تَحَقَّقَ إِبْدَالُهَا يَاءً مَحْضَةَ الْكَسْرَةِ فِي مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يَرَ التَّحْقِيقَ وَلَا الْفَصْلَ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ النَّحْوِيِّينَ الْبَصْرِيِّينَ. قَالَ: فَأَمَّا مَنْ يَرَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، فَلَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ بَيْنَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. انْتَهَى. وَأَمَّا الْهَمْزَةُ السَّاكِنَةُ بَعْدَ الْمُتَحَرِّكَةِ لِغَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّ الْأُولَى مِنْهُمَا - أَعْنِي الْمُتَحَرِّكَةَ - تَكُونُ مَفْتُوحَةً وَمَضْمُومَةً وَمَكْسُورَةً نَحْوُ (آسَى وَآتِي وَآمَنَ وَآدَمَ وَآزَرَ، وَأُوتِيَ، وَأُوتِيتُمْ، وَأُوذُوا، وَاؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ، وَإِيمَانٌ، وَإِيلَافِ، وَإِيتِ بِقُرْآنٍ) فَإِنَّ الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا تُبْدَلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حَرْفَ مَدٍّ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا، فَتُبْدَلُ أَلِفًا بَعْدَ الْمَفْتُوحَةِ، وَوَاوًا بَعْدَ الْمَضْمُومَةِ، وَيَاءً بَعْدَ الْمَكْسُورَةِ، إِبْدَالًا لَازِمًا وَاجِبًا لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ، لَيْسَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 390
بَابٌ فِي الْهَمْزَتَيْنِ الْمُجْتَمِعَتَيْنِ مِنْ كَلِمَتَيْنِ
وَتَأْتِي عَلَى ضَرْبَانِ: مُتَّفِقَتَيْنِ وَمُخْتَلِفَتَيْنِ.
(فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ) الْمُتَّفِقَتَانِ . وَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُتَّفِقَتَانِ بِالْكَسْرِ، وَمُتَّفِقَتَانِ بِالْفَتْحِ، وَمُتَّفِقَتَانِ بِالضَّمِّ. أَمَّا الْمُتَّفِقَتَانِ كَسْرًا فَعَلَى قِسْمَيْنِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمُخْتَلَفٌ عَلَيْهِ. فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ لَفْظًا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا. فِي الْبَقَرَةِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ وَفِي النِّسَاءِ (مِنَ النِّسَا إِلَّا) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي هُودٍ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ وَفِي يُوسُفَ (بِالسُّو إِلَّا) وَفِي الْإِسْرَاءِ وَص: (هَؤُلَا إِلَّا) وَفِي النُّورِ (عَلَى الْبِغَا إِنْ) وَفِي الشُّعَرَاءِ (مِنَ السَّمَا إِنْ كُنْتَ) وَفِي السَّجْدَةِ (مِنَ السَّمَا إِلَى) وَفِي الْأَحْزَابِ (مِنَ النِّسَا إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) وَفِيهَا: (وَلَا أَبْنَا إِخْوَانِهِنَّ) وَفِي سَبَأٍ (مِنَ السَّمَا إِنْ) وَفِيهَا (هَؤُلَا إِيَّاكُمْ) وَفِي الزُّخْرُفِ (فِي السَّمَا إِلَهٌ) ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ (لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ، وَ " بُيُوتَ النَّبِيِّ ") إِلَّا فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ، وَ (مِنَ الشُّهْدَا أَنْ تَضِلَّ) فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وَأَمَّا الْمُتَّفِقَتَانِ فَتْحًا، فَفِي سِتَّةَ عَشَرَ لَفْظًا فِي تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ مَوْضِعًا فِي النِّسَاءِ (السُّفَهَا أَمْوَالَكُمْ) وَفِيهَا وَفِي الْمَائِدَةِ (جَا أَحَدٌ مِنْكُمْ) وَفِي الْأَنْعَامِ (جَا أَحَدَكُمْ) وَفِي الْأَعْرَافِ (تِلْقَا أَصْحَابِ النَّارِ) وَفِيهَا وَفِي يُونُسَ وَهُودٍ وَالنَّحْلِ وَفَاطِرٍ (جَا أَجَلُهُمْ) وَفِي هُودٍ خَمْسَةِ مَوَاضِعَ وَمَوْضِعَيِ " الْمُؤْمِنِينَ " (جَا أَمْرُنَا) وَفِي الْحِجْرِ (وَجَا أَهْلُ) وَفِيهَا وَفِي الْقَمَرِ (جَا آلَ) وَفِي الْحَجِّ (السَّمَا أَنْ تَقَعَ) وَفِي " الْمُؤْمِنِينَ " (جَا أَحَدَهُمْ) وَفِي الْفُرْقَانِ (شَا أَنْ يَتَّخِذَ) وَفِي الْأَحْزَابِ (شَا أَوْ يَتُوبَ) وَفِي غَافِرٍ وَالْحَدِيدِ (جَا أَمْرُ اللَّهِ) وَفِي الْقِتَالِ (جَا أَشْرَاطُهَا) وَفِي الْمُنَافِقِينَ (جَا أَجَلُهَا) وَفِي عَبَسَ (شَا أَنْشَرَهُ) ، وَأَمَّا الْمُتَّفِقَتَانِ ضَمًّا فَمَوْضِعٌ وَاحِدٌ (أَوْلِيَا أُولَئِكَ) فِي الْأَحْقَافِ، فَاخْتَلَفُوا فِي إِسْقَاطِ إِحْدَى الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ ذَلِكَ وَتَخْفِيفِهَا وَتَحْقِيقِهَا. فَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِإِسْقَاطِ الْهَمْزَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا فِي
стр. 391
الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ شَنَبُوذَ، عَنْ قُنْبُلٍ مِنْ أَكْثَرِ طُرُقِهِ، وَأَبُو الطَّيِّبِ، عَنْ رُوَيْسٍ، وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ أَبُو الْفَرَجِ الشَّنَبُوذِيُّ، عَنِ النَّقَّاشِ، عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْهُ، فَوَهِمَ فِي ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ رِوَايَةُ السَّامَرِّيِّ عَنِ ابْنِ فَرَحٍ، عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَوَّارٍ، لِذَلِكَ لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمَفْتُوحَتَيْنِ خَاصَّةً قَالُونُ، وَالْبَزِّيُّ، وَسَهَّلَا الْأُولَى مِنَ الْمَكْسُورَتَيْنِ، وَمِنَ الْمَضْمُومَتَيْنِ بَيْنَ بَيْنَ مَعَ تَحْقِيقِ الثَّانِيَةِ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُمَا فِي بِالسُّوءِ إِلَّا، وَلِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ، وَبُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَمَّا بِالسُّوءِ إِلَّا فَأَبْدَلَ الْهَمْزَةَ الْأُولَى مِنْهُمَا وَاوًا وَأَدْغَمَ الْوَاوَ الَّتِي قَبْلَهَا فِيهَا الْجُمْهُورُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ، عَنْ قَالُونَ وَالْبَزِّيِّ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ رِوَايَةً مَعَ صِحَّتِهِ فِي الْقِيَاسِ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي مُفْرَدَاتِهِ: هَذَا الَّذِي لَا يَجُوزُ فِي التَّسْهِيلِ غَيْرُهُ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَتِ الْوَاوُ زَائِدَةً كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ وَقْفِ حَمْزَةَ، وَإِنَّمَا الْأَصْلُ فِي تَسْهِيلِ هَذِهِ الْهَمْزَةِ هُوَ النَّقْلُ؛ لِوُقُوعِ الْوَاوِ قَبْلَهَا أَصْلِيَّةً عَيْنَ الْفِعْلِ، كَمَا سَيَأْتِي. قَالَ مَكِّيٌّ فِي " التَّبْصِرَةِ ": وَالْأَحْسَنُ الْجَارِي عَلَى الْأُصُولِ إِلْغَاءُ الْحَرَكَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ - يَعْنِي عَنْ قَالُونَ.
(قُلْتُ) : قَدْ قَرَأْتُ بِهِ عَنْهُ، وَعَنِ الْبَزِّيِّ مِنْ طَرِيقِ الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعَ قُوَّتِهِ قِيَاسًا ضَعِيفٌ رِوَايَةً، وَذَكَرَهُ أَبُو حَيَّانَ، وَقَرَأْنَا بِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ عَنْهُ، وَسَهَّلَ الْهَمْزَةَ الْأُولَى مِنْهُمَا بَيْنَ بَيْنَ؛ طَرْدًا لِلْبَابِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَذَكَرَهُ مَكِّيٌّ أَيْضًا، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الشَّاطِبِيَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " عَنْهُمَا. وَذَكَرَ عَنْهُمَا كُلًّا مِنَ الْوَجْهَيْنِ ابْنُ بَلِّيمَةَ، وَأَمَّا (لِلنَّبِيءِ) ، وَ (النَّبِيءُ) فَظَاهِرُ عِبَارَةِ أَبِي الْعِزِّ فِي كِفَايَتِهِ أَنْ تُجْعَلَ الْهَمْزَةُ فِيهِمَا بَيْنَ بَيْنَ فِي مَذْهَبِ قَالُونَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْيَاءِ سَاكِنَةً قَبْلَهَا، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَلِفًا لَمَا امْتَنَعَ جَعْلُهَا بَيْنَ بَيْنَ بَعْدَهَا لُغَةً.
(قُلْتُ) : وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا، وَالصَّحِيحُ قِيَاسًا وَرِوَايَةً مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْأَئِمَّةِ قَاطِبَةً، وَهُوَ الْإِدْغَامُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا نَأْخُذُ بِغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ انْفَرَدَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ عَنِ الْفَرْضِيِّ، عَنِ ابْنِ بُويَانَ، عَنْ
стр. 392
قَالُونَ بِإِسْقَاطِ الْأُولَى مِنَ الْمَضْمُومَتَيْنِ كَمَا يُسْقِطُهَا فِي الْمَفْتُوحَتَيْنِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ بُويَانَ بِإِسْقَاطِ الْأُولَى مِنَ الْمُتَّفِقَتَيْنِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْفَرَدَ الدَّانِيُّ، عَنْ أَبِي الْفَتْحِ، مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ قَالُونَ بِتَحْقِيقِ الْأُولَى وَتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ مِنِ الْمَضْمُومَتَيْنِ وَالْمَكْسُورَتَيْنِ وَبِذَلِكَ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَرُوَيْسٌ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي الطَّيِّبِ وَالْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ وَرْشٍ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَاخْتُلِفَ، عَنْ قُنْبُلٍ وَالْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ، أَمَّا قُنْبُلٌ فَرَوَى عَنْهُ الْجُمْهُورُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُجَاهِدٍ جَعْلَ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ فِيهَا بَيْنَ بَيْنَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَلَا صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ " فِي تَسْهِيلِهَا غَيْرَهُ. وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَوَّارٍ عَنْهُ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَنَبُوذَ. وَرَوَى عَنْهُ عَامَّةُ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ، وَإِبْدَالُهَا حَرْفَ مَدٍّ خَالِصٍ فَتُبْدَلُ فِي حَالَةِ الْكَسْرِ يَاءً خَالِصَةً سَاكِنَةً، وَحَالَةِ الْفَتْحِ أَلِفًا خَالِصَةً، وَحَالَةِ الضَّمِّ وَاوًا خَالِصَةً سَاكِنَةً، وَهُوَ الَّذِي قُطِعَ بِهِ فِي " الْهَادِي "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " التَّجْرِيدِ "، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ شَنَبُوذَ إِسْقَاطَ الْأُولَى فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ سَوَّارٍ: قَالَ: شَيْخُنَا أَبُو تَغْلِبَ: قَالَ ابْنُ شَنَبُوذَ: إِذَا لَمْ تُحَقَّقِ الْهَمْزَتَيْنِ فَاقْرَأْ كَيْفَ شِئْتَ. قَالَ ابْنُ سَوَّارٍ: فَيَصِيرُ لَهُ - يَعْنِي لِابْنِ شَنَبُوذَ - ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ، أَحَدُهَا: كَأَبِي عَمْرٍو وَمُوَافِقِيهِ، وَالثَّانِي: كَالْبَزِّيِّ وَمُوَافِقِيهِ، وَالثَّالِثُ: كَأَبِي جَعْفَرٍ وَمُوَافِقِيهِ.
(قُلْتُ) : وَقَدْ ذَكَرَ الدَّانِيُّ أَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ حَكَى هَذَا الْوَجْهَ عَنْ قُنْبُلٍ. ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ أَقْرَأْ بِهِ، وَلَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ يَأْخُذُ فِي مَذْهَبِهِ. انْتَهَى. وَأَمَّا الْأَزْرَقُ فَرَوَى عَنْهُ إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ حُرُوفَ مَدٍّ كَوَجْهِ قُنْبُلٍ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْمِصْرِيِّينَ، وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، كَابْنِ سُفْيَانَ، وَالْمَهْدَوِيِّ، وَابْنِ الْفَحَّامِ الصَّقَلِّيِّ، وَكَذَا فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَقَالَا: إِنَّهُ الْأَحْسَنُ لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الدَّانِيُّ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَذَكَرَهُ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَغَيْرِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ الَّذِي رَوَاهُ الْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ أَدَاءً. ثُمَّ قَالَ: وَالْبَدَلُ عَلَى غَيْرِ
стр. 393
قِيَاسٍ، وَرَوَى عَنْهُ تَسْهِيلَهَا بَيْنَ بَيْنَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَقْسَامِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، كَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ بَلِّيمَةَ وَأَبِي الطَّاهِرِ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ فِي " التَّيْسِيرِ " غَيْرَهُ، وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ، وَابْنُ شُرَيْحٍ وَالشَّاطِبِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا عَنْهُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَهُمَا (هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ، وَ " الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ ") فَرَوَى عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ رُوَاةِ التَّسْهِيلِ جَعْلَ الثَّانِيَةِ فِيهَا يَاءً مَكْسُورَةً، وَذَكَرَ فِي " التَّيْسِيرِ " أَنَّهُ قَرَأَ بِهِ عَلَى ابْنِ خَاقَانَ، عَنْهُ، وَإِنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ فِي الْأَدَاءِ، وَقَالَ فِي " الْجَامِعِ ": إِنَّ الْخَاقَانِيَّ، وَأَبَا الْفَتْحِ وَأَبَا الْحَسَنِ اسْتَثْنَوْهَا، فَجَعَلُوا الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا يَاءً مَكْسُورَةً مَحْضَةَ الْكَسْرَةِ، قَالَ: وَبِذَلِكَ كَانَ يَأْخُذُ فِيهِمَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ هِلَالٍ وَأَبُو غَانِمِ بْنُ حَمْدَانَ وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ أُسَامَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ النَّخَّاسُ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ أَدَاءً، قَالَ: وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ سَيْفٍ عَنْهُ إِجْرَاءَهُمَا كَسَائِرِ نَظَائِرِهِمَا، وَقَدْ قَرَأْتُ بِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَبِي الْفَتْحِ وَأَبِي الْحَسَنِ، وَأَكْثَرُ مَشْيَخَةِ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى الْأَوَّلِ.
(قُلْتُ) : فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ بِالْوَجْهَيْنِ عَلَى كُلٍّ مِنْ أَبِي الْفَتْحِ وَأَبِي الْحَسَنِ، وَلَمْ يَقْرَأْ بِغَيْرِ إِبْدَالِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ عَلَى ابْنِ خَاقَانَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِمَا الْوَجْهَيْنِ - أَعْنِي التَّسْهِيلَ وَالْيَاءَ الْمَكْسُورَةَ - أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ بَلِّيمَةَ فِي تَلْخِيصِهِ، وَابْنُ غَلْبُونَ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَالَ: إِنَّ الْأَشْهَرَ التَّسْهِيلُ، عَلَى أَنَّ عِبَارَةَ " جَامِعِ الْبَيَانِ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُشْكِلَةٌ، وَانْفَرَدَ خَلَفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَاقَانَ الْخَاقَانِيُّ فِيمَا رَوَاهُ الدَّانِيُّ عَنْهُ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْأَزْرَقِ بِجَعْلِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْمَضْمُومَتَيْنِ وَاوًا مَضْمُومَةً خَفِيفَةَ الضَّمَّةِ، قَالَ الدَّانِيُّ: كَجَعْلِهِ إِيَّاهَا يَاءً خَفِيفَةَ الْكَسْرَةِ فِي هَؤُلَاءِ إِنْ، وَالْبِغَاءِ إِنْ قَالَ: وَرَأَيْتُ أَبَا غَانِمٍ وَأَصْحَابَهُ قَدْ نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ عَنْ وَرْشٍ، وَتَرْجَمُوا عَنْهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ، ثُمَّ حَكَى مِثَالَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَّاسِ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ وَرْشٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلَّذِي رَوَاهُ لِي خَلَفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَصْحَابِهِ، وَأَقْرَأَنِي بِهِ عَنْهُمْ، قَالَ: وَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسِ التَّلْيِينِ.
(قُلْتُ) : وَالْعَمَلُ عَلَى غَيْرِ هَذَا عِنْدَ سَائِرِ أَهْلِ الْأَدَاءِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي " التَّيْسِيرِ " مَعَ إِسْنَادِهِ رِوَايَةَ وَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ خَاقَانَ، وَاللَّهُ
стр. 394
أَعْلَمُ، وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ فِي الْمَضْمُومَتَيْنِ وَسَائِرِ الْمَكْسُورَتَيْنِ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي " الْمُبْهِجِ " عَنِ الشَّذَائِيِّ، عَنِ ابْنِ بُويَانَ فِي رِوَايَةِ قَالُونَ، وَتَرْجَمَ عَنْ ذَلِكَ بِكَسْرَةٍ خَفِيفَةٍ وَبِضَمَّةٍ خَفِيفَةٍ، وَلَوْ لَمْ يُغَايِرْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ لِقِيلَ: إِنَّهُ يُرِيدُ التَّسْهِيلَ. وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا رَوَى عَنْهُ الْبَدَلَ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ، وَهُمُ ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَرَوْحٌ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ جَمِيعًا فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ رَوْحٍ بِتَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا كَأَبِي جَعْفَرٍ وَمُوَافِقِيهِ، وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ عَنْهُ ابْنُ أَشْتَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَوَّارٍ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَفْتُوحَيْنِ وَهُوَ شَاءَ أَنْشَرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الضَّرْبُ الثَّانِي) الْمُخْتَلِفَتَانِ ، وَوَقَعَ مِنْهُمَا فِي الْقُرْآنِ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ وَكَانَتِ الْقِسْمَةُ تَقْتَضِي سِتَّةً:
(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَفْتُوحَةٌ وَمَضْمُومَةٌ، وَهُوَ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ.
(وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مَفْتُوحَةٌ وَمَكْسُورَةٌ، وَوَرَدَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وَهِيَ (شُهَدَاءَ إِذْ) فِي الْبَقَرَةِ وَالْأَنْعَامِ (وَالْبَغْضَاءَ إِلَى) فِي مَوْضِعَيِ الْمَائِدَةِ، وَفِيهَا: (عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ) ، (وَأَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا) فِي التَّوْبَةِ، وَفِيهَا (إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ) ، وَ (شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ) فِي يُونُسَ وَ (الْفَحْشَاءَ إِنَّهُ) فِي يُوسُفَ، وَفِيهَا وَجَاءَ إِخْوَةُ وَ (أَوْلِيَاءَ إِنَّا) فِي الْكَهْفِ. وَ (الدُّعَاءَ إِذَا مَا) فِي الْأَنْبِيَاءِ (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ) فِي الشُّعَرَاءِ، وَ (الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا) بِالنَّمْلِ وَالرُّومِ وَ (الْمَاءَ إِلَى) فِي السَّجْدَةِ، وَ (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى) فِي الْحُجُرَاتِ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ مَوْضِعَانِ، وَهُمَا (زَكَرِيَّاءَ إِذْ) فِي مَرْيَمَ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَخَلَفٍ، وَحَفْصٍ.
(وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَضْمُومَةٌ وَمَفْتُوحَةٌ، وَوَقَعَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفًا فِيهِ، فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وَهِيَ (السُّفَهَاءُ أَلَا) فِي الْبَقَرَةِ (نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ) فِي الْأَعْرَافِ
стр. 395
وَفِيهَا (تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا) ، وَ (سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) فِي التَّوْبَةِ، (وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) فِي هُودٍ، وَ (الْمَلَأُ أَفْتُونِي) فِي مَوْضِعَيْ يُوسُفَ وَالنَّمْلِ، وَ (يَشَاءُ أَلَمْ تَرَ) فِي إِبْرَاهِيمَ، (الْمَلَأُ أَيُّكُمْ) فِي النَّمْلِ، وَ (جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ) فِي فُصِّلَتْ، وَ (وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا) فِي الِامْتِحَانِ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ مَوْضِعَانِ، وَهُمَا (النَّبِيءُ أَوْلَى) ، وَ (إِنْ أَرَادَ النَّبِيءُ أَنْ) فِي الْأَحْزَابِ عَلَى قِرَاءَةِ نَافِعٍ.
(وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ) مَكْسُورَةٌ وَمَفْتُوحَةٌ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وَهِيَ: مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ فِي الْبَقَرَةِ، وَ (هَؤُلَاءِ أَهْدَى) فِي النِّسَاءِ، وَلَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ فِي الْأَعْرَافِ وَهَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا، وَمِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا كِلَاهُمَا فِيهَا أَيْضًا، وَمِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا فِي الْأَنْفَالِ، وَ (مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ) فِي مَوْضِعَيْ يُوسُفَ، وَ (هَؤُلَاءِ آلِهَةً) فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَ (هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ) فِي الْفُرْقَانِ، وَ (مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ) فِيهَا، وَ (مِنَ السَّمَاءِ آيَةً) فِي الشُّعَرَاءِ، وَأَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ فِي الْأَحْزَابِ، وَ (فِي السَّمَاءِ أَنْ) فِي مَوْضِعَيِ الْمُلْكِ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ (مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ) فِي غَيْرِ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَكْسُورَتَيْنِ.
(وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ) مَضْمُومَةٌ وَمَكْسُورَةٌ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ مَوْضِعًا، وَهُوَ (يَشَاءُ إِلَى) فِي مَوْضِعَيِ الْبَقَرَةِ، وَيُونُسَ، وَالْحَجِّ، وَالنُّورِ، (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا) فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا، وَ (مَا يَشَاءُ إِذَا) فِي آلِ عِمْرَانَ (يَشَاءُ إِنَّ) فِيهَا، وَفِي النُّورِ، وَفَاطِرٍ، وَ (مَنْ يَشَاءُ إِنَّ) فِي الْأَنْعَامِ، وَ (السُّوءُ إِنْ) فِي الْأَعْرَافِ، وَ (نَشَاءُ إِنَّكَ) فِي هُودٍ، وَ (يَشَاءُ إِنَّهُ) فِي يُوسُفَ وَمَوْضِعَيِ الشُّورَى، وَ (مَا يَشَاءُ إِلَى) فِي الْحَجِّ، وَ (شُهَدَاءُ إِلَّا) فِي النُّورِ، وَ (يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي) فِي النَّمْلِ، وَ (الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ) فِي فَاطِرٍ، وَ (الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ) فِيهَا وَ (السَّيِّئُ إِلَّا) فِيهَا أَيْضًا، وَ (يَشَاءُ إِنَاثًا) فِي الشُّورَى.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ سِتَّةُ مَوَاضِعَ (أَوَّلُهَا) (يَا ذَكَرِيَّاءُ إِنَّا) فِي مَرْيَمَ فِي غَيْرِ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَخَلَفٍ، وَحَفْصٍ، وَبَاقِيهَا (يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ، وَيَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِنَّا أَحْلَلْنَا) فِي الْأَحْزَابِ،
стр. 396
وَ (يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِذَا جَاءَكَ) فِي الِامْتِحَانِ، وَ (يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِذَا) فِي الطَّلَاقِ، وَ (النَّبِيءُ إِلَى) فِي التَّحْرِيمِ، وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ.
(قِسْمٌ سَادِسٌ) وَهُوَ كَوْنُ الْأُولَى مَكْسُورَةً وَالثَّانِيَةِ مَضْمُومَةً، عَكْسُ الْخَامِسِ، لَمْ يَرِدْ لَفْظُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ مَعْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَصَصِ (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً) وَالْمَعْنَى: وَجَدَ عَلَى الْمَاءِ أُمَّةً، فَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ وَرُوَيْسٌ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ الْأُولَى وَتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ، وَتَسْهِيلُهَا عِنْدَهُمْ أَنْ تُجْعَلَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بَيْنَ بَيْنَ، وَتُبْدَلَ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَاوًا مَحْضَةً، وَفِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ يَاءً كَذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي كَيْفِيَّةِ تَسْهِيلِ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا تُبْدَلُ وَاوًا خَالِصَةً مَكْسُورَةً، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْقُرَّاءِ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ قَدِيمًا، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْكِفَايَةِ " لِأَبِي الْعِزِّ، قَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَدَاءِ، قَالَ: وَكَذَا حَكَى أَبُو طَاهِرِ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: وَكَذَا حَكَى أَبُو بَكْرٍ الشَّذَائِيُّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى غَيْرِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: وَبِذَلِكَ قَرَأْتُ أَنَا عَلَى أَكْثَرِ شُيُوخِي، وَقَالَ فِي غَيْرِهِ: وَبِذَلِكَ قَرَأْتُ عَلَى عَامَّةِ شُيُوخِي الْفَارِسِيِّ، وَالْخَاقَانِيِّ، وَابْنِ غَلْبُونَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا تُجْعَلُ بَيْنَ بَيْنَ، أَيِ الْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَئِمَّةِ النَّحْوِ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ، وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْقُرَّاءِ حَدِيثًا، وَحَكَاهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ نَصًّا عَنِ الْيَزِيدِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَرَوَاهُ الشَّذَائِيُّ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى شَيْخِهِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَ كَذَلِكَ عَنْ شُيُوخِهِ، وَقَالَ الدَّانِيُّ: إِنَّهُ الْأَوْجَهُ فِي الْقِيَاسِ، وَإِنَّ الْأَوَّلَ آثَرُ فِي النَّقْلِ.
(قُلْتُ) : وَبِالتَّسْهِيلِ قَطَعَ مَكِّيٌّ، وَالْمَهْدَوِيُّ، وَابْنُ سُفْيَانَ، وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ "، وَأَكْثَرُ مُؤَلِّفِي الْكُتُبِ، كَصَاحِبِ " الرَّوْضَةِ " وَ " الْمُبْهِجِ "، وَالْغَايَتَيْنِ، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَنَصَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّذْكِرَةِ "، وَ " التَّيْسِيرِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَصَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " فِي آخِرِ فَاطِرٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَرَأَ بِالتَّسْهِيلِ عَلَى الْفَارِسِيِّ وَعَبْدِ الْبَاقِي. وَقَدْ أَبْعَدَ وَأَغْرَبَ ابْنُ شُرَيْحٍ فِي
стр. 397
كَافِيهِ، حَيْثُ حَكَى تَسْهِيلَهَا كَالْوَاوِ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ نَقْلًا وَإِمْكَانِهِ لَفْظًا، فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ تَحْوِيلِ كَسْرِ الْهَمْزَةِ ضَمَّةً، أَوْ تَكَلُّفِ إِشْمَامِهَا الضَّمَّ، وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَهُمُ ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ، وَرَوْحٌ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ جَمِيعًا فِي الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ رَوْحٍ بِالتَّسْهِيلِ مِثْلَ رُوَيْسٍ وَالْجَمَاعَةِ.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) اخْتَلَفَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَاءِ فِي تَعْيِينِ إِحْدَى الْهَمْزَتَيْنِ الَّتِي أَسْقَطَهَا أَبُو عَمْرٍو وَمَنْ وَافَقَهُ، فَذَهَبَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ غَلْبُونَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، وَأَبُو الْحَسَنِ الْحَمَّامِيُّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو الْعِزِّ إِلَى أَنَّ السَّاقِطَةَ هِيَ الثَّانِيَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ النُّحَاةِ، وَذَهَبَ سَائِرُ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى أَنَّهَا الْأُولَى. وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْمِثْلَيْنِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْمَدِّ قَبْلُ. فَمَنْ قَالَ بِإِسْقَاطِ الْأُولَى كَانَ الْمَدُّ عِنْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُنْفَصِلِ، وَمَنْ قَالَ بِإِسْقَاطِ الثَّانِيَةِ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَّصِلِ.
(وَالثَّانِي) إِذَا أُبْدِلَتِ الثَّانِيَةُ مِنَ الْمُتَّفِقَتَيْنِ حَرْفَ مَدٍّ فِي مَذْهَبِ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْأَزْرَقِ وَقُنْبُلٍ وَقَعَ بَعْدَهُ سَاكِنٌ - زِيدَ فِي مَدِّ حَرْفِ الْمَدِّ الْمُبْدَلِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ سَاكِنٌ لَمْ يَزِدْ عَلَى مِقْدَارِ حَرْفِ الْمَدِّ السَّاكِنِ نَحْوُ هَؤُلَا إِنْ كُنْتُمْ، (جَا أَمْرُنَا) وَغَيْرُ السَّاكِنِ نَحْوُ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ، جَاءَ أَحَدَهُمُ، أَولِيَاءُ أُولَئِكَ، وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي بَابِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ.
(الثَّالِثُ) إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ مِنَ الْمَفْتُوحَتَيْنِ أَلِفٌ فِي مَذْهَبِ الْمُبْدِلِينَ أَيْضًا، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ جَاءَ آلَ لُوطٍ، وَجَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ فَهَلْ تُبْدَلُ الثَّانِيَةُ فِيهِمَا كَسَائِرِ الْبَابِ أَمْ تُسَهَّلُ مِنْ أَجْلِ الْأَلِفِ بَعْدَهَا؟ قَالَ الدَّانِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُبْدِلُهَا فِيهِمَا ; لِأَنَّ بَعْدَهَا أَلِفًا فَيَجْتَمِعُ أَلِفَانِ وَاجْتِمَاعُهُمَا مُتَعَذِّرٌ،
стр. 398
فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ بَيْنَ بَيْنَ لَا غَيْرَ ; لِأَنَّ هَمْزَةَ بَيْنَ بَيْنَ فِي رُتْبَةِ الْمُتَحَرِّكَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُبْدِلُهَا فِيهِمَا كَسَائِرِ الْبَابِ، ثُمَّ فِيهَا بَعْدَ الْبَدَلِ وَجْهَانِ: أَنْ تُحْذَفَ لِلسَّاكِنَيْنِ، وَالثَّانِي أَنْ لَا تُحْذَفَ وَيُزَادَ فِي الْمَدِّ، فَتَفْصِلُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ بَيْنَ السَّاكِنَ يْنِ، وَتَمْنَعُ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا. انْتَهَى. وَهُوَ جَيِّدٌ، وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهِ الْحَذْفِ الزِّيَادَةَ فِي الْمَدِّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَوَى الْمَدَّ عَنِ الْأَزْرَقِ لِوُقُوعِ حَرْفِ الْمَدِّ بَعْدَ هَمْزٍ ثَابِتٍ، فَحَكَى فِيهِ الْمَدَّ وَالتَّوَسُّطَ وَالْقَصْرَ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) إِنَّ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي تَخْفِيفِ إِحْدَى الْهَمْزَتَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ، إِنَّمَا هُوَ فِي حَالَةِ الْوَصْلِ، فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى الْكَلِمَةِ الْأُولَى أَوْ بَدَأْتَ بِالثَّانِيَةِ حَقَّقْتَ الْهَمْزَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ، إِلَّا مَا يَأْتِي فِي وَقْفِ حَمْزَةَ وَهِشَامٍ فِي بَابِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
بَابٌ فِي الْهَمْزِ الْمُفْرَدِ
وَهُوَ يَأْتِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: سَاكِنٌ، وَمُتَحَرِّكٌ، وَيَقَعُ فَاءً مِنَ الْفِعْلِ وَعَيْنًا وَلَامًا.
(فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ) السَّاكِنُ، وَيَأْتِي بِاعْتِبَارِ حَرَكَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَضْمُومٌ مَا قَبْلَهُ نَحْوُ (يُؤْمِنُونَ، وَرُؤْيَا، وَمُؤْتَفِكَةُ، وَلُؤْلُؤٌ، وَيَسُؤْكُمْ، وَيَقُولُ ائْذَنْ لِي) وَمَكْسُورٌ نَحْوُ (بِئْسَ، وَجِئْتَ، وَشِئْتَ، وَرُوحًا، وَنَبِّئْ، وَالَّذِي ائْتُمِنَ) وَمَفْتُوحٌ نَحْوُ (فَأَتُوهُنَّ، فَأْذَنُوا، وَآتَوْا، وَأْمُرْ أَهْلَكَ، وَمَأْوَى، وَاقْرَأْ، وَإِنْ يَشَأْ، وَالْهُدَى ائْتِنَا) فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ جَمِيعَ ذَلِكَ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ فِيهِ حَرْفَ مَدٍّ بِحَسَبِ حَرَكَةِ مَا قَبْلَهُ إِنْ كَانَتْ ضَمَّةً فَوَاوٌ، أَوْ كَسْرَةً فَيَاءٌ، أَوْ فَتْحَةً فَأَلِفٌ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ كَلِمَتَيْنِ، وَهُمَا أَنْبِئْهُمْ فِي الْبَقَرَةِ وَنَبِّئْهُمْ فِي الْحِجْرِ وَالْقَمَرِ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ نَبِّئْنَا فِي يُوسُفَ. فَرَوَى عَنْهُ تَحْقِيقَهَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ مِنْ رِوَايَتَيِ ابْنِ وَرْدَانَ وَابْنِ جَمَّازٍ جَمِيعًا. وَرَوَى الْهُذَلِيُّ إِبْدَالَهَا مِنْ طَرِيقِ
стр. 399
الْهَاشِمِيِّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، وَرَوَى تَحْقِيقَهَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَكَذَا أَبُو الْعِزِّ مِنْ طَرِيقِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنْهُ، وَإِبْدَالُهَا عَنْهُ مِنْ سَائِرِ طُرُقِهِ، وَقَطَعَ لَهُ بِالتَّحْقِيقِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَأَطْبَقَ الْخِلَافَ عَنْهُ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ، وَأَجْمَعَ الرُّوَاةُ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ وَاوًا فِي (رُؤْيَا، وَالرُّؤْيَا) وَمَا جَاءَ مِنْهُ يَقْلِبُ الْوَاوَ يَاءً، وَيُدْغِمُ الْيَاءَ فِي الْيَاءِ الَّتِي بَعْدَهَا مُعَامَلَةً لِلْعَارِضِ مُعَامَلَةَ الْأَصْلِيِّ، وَإِذَا أَبْدَلَ (تُؤْوِي وَتُؤْوِيهِ) جَمَعَ بَيْنَ الْوَاوَيْنِ مُظْهِرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى رِئْيًا وَافَقَهُ وَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَلَى الْإِبْدَالِ فِي الْبَابِ كُلِّهِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ وَخَمْسَةَ أَفْعَالٍ، فَالْأَسْمَاءُ (الْبَأْسِ وَالْبَأْسَاءِ، اللُّؤْلُؤُ وَلُؤْلُؤٌ) حَيْثُ وَقَعَ (وَرِئْيًا) فِي مَرْيَمَ وَ (الْكَأْسُ وَالرَّأْسُ) حَيْثُ وَقَعَا، وَالْأَفْعَالُ: جِئْتُ وَمَا جَاءَ مِنْهُ، نَحْوُ (أَجِئْتَنَا، وَجِئْنَاهُمْ، وَجِئْتُمُونَا، وَنَبِّئْ) وَمَا جَاءَ مِنْ لَفْظِهِ نَحْوُ (أَنْبِئْهُمْ، وَنَبِّئْهُمْ، وَنَبِّئْ عِبَادِي، وَنَبَّأْتُكُمَا، وَأَمْ لَمْ يُنَبَّأْ) وَقَرَأْتُ، وَمَا جَاءَ مِنْهُ نَحْوُ (قَرَأْنَاهُ، وَاقْرَأْ، وَهَيِّئْ، وَيُهَيِّئْ، وَتُؤْوِي، وَتُؤْوِيهِ) وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى اسْتِثْنَائِهِ نَصًّا وَأَدَاءً، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ فَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا سِوَى (ذَرَأْنَا وَتَبَرَّأْنَا) بِخِلَافٍ، فَوَهِمَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْهُذَلِيُّ حَيْثُ لَمْ يَسْتَثْنِ الْأَفْعَالَ، وَانْفَرَدَ الصَّفْرَاوِيُّ بِاسْتِثْنَاءِ (يَشَا، وَيَسُوهُمْ، وَرُويَا) فَحَكَى فِيهَا خِلَافًا، وَأَظُنُّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَبِي مَعْشَرٍ الطَّبَرِيِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا فَهِمَ، إِذْ قَدْ نَصَّ أَبُو مَعْشَرٍ عَلَى إِبْدَالِهَا وَبَابِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَالْهَمْزُ أَظْهَرُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يَتَحَقَّقَ فِيهَا سِوَى الْإِبْدَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ، فَإِنَّهُ يُبْدِلُ الْهَمْزَةَ إِذَا وَقَعَتْ فَاءً مِنَ الْفِعْلِ نَحْوُ (يُومِنُونَ، وَيَالَمُونَ، وَيَاخُذُ، وَمُومِنٌ، وَلِقَانَا ايْتِ، وَالْمُوتَفِكَاتُ) وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا مُطَّرِدًا، وَهُوَ مَا جَاءَ مِنْ بَابِ الْإِيوَاءِ نَحْوُ (تُؤْوِي إِلَيْكَ، وَالَّتِي تُؤْوِيهِ، وَالْمَأْوَى، وَمَأْوِيكُمْ، وَفَأْوُوا) وَلَمْ يُبْدِلْ مِمَّا وَقَعَ عَيْنًا مِنَ الْفِعْلِ سِوَى (بِيسَ) كَيْفَ أَتَى وَ (الْبِيرُ، وَالذِّيبُ) وَحَقَّقَ مَا عَدَا ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فِي إِبْدَالِ الْهَمْزِ السَّاكِنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مُبَيَّنًا فِي أَوَّلِ بَابِ الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ، وَنُشِيرُ هُنَا إِلَى زِيَادَةٍ تَتَعَيَّنُ مَعْرِفَتُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّانِيَّ قَالَ
стр. 400
فِي " التَّيْسِيرِ ": اعْلَمْ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ إِذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ أَدْرَجَ الْقِرَاءَةَ، أَوْ قَرَأَ بِالْإِدْغَامِ لَمْ يَهْمِزْ كُلَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ. انْتَهَى. فَخَصَّ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ بِمَا إِذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ أَدْرَجَ الْقِرَاءَةَ، أَوْ قَرَأَ بِالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ، وَقَيَّدَهُ مَكِّيٌّ وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَالْمَهْدَوِيُّ، وَابْنُ سُفْيَانَ بِمَا إِذَا أَدْرَجَ الْقِرَاءَةَ، أَوْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ ": اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الْيَزِيدِيِّ عَنْهُ فِي الْحَالِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُ تَرْكَ الْهَمْزِ فِيهَا، فَحَكَى أَبُو عَمْرٍو، وَعَامِرٌ الْمَوْصِلِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْيَزِيدِيُّونَ عَنْهُ، أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ إِذَا قَرَأَ فَأَدْرَجَ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَهْمِزْ مَا كَانَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَجْزُومَةً، ثُمَّ قَالَ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُسْرِعْ فِي قِرَاءَتِهِ وَاسْتَعْمَلَ التَّحْقِيقَ هَمَزَ. قَالَ: وَحَكَى أَبُو شُعَيْبٍ عَنْهُ، أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ إِذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَهْمِزْ، ثُمَّ قَالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ - سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَ الْحَدْرَ أَوِ التَّحْقِيقَ - هَمَزَ.
قَالَ: وَحَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَإِبْرَاهِيمُ فِي رِوَايَةِ الْعَبَّاسِ وَأَبُو حَمْدُونٍ وَأَبُو خَلَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الدُّورِيِّ، أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ إِذَا قَرَأَ لَمْ يَهْمِزْ، ثُمَّ قَالَ: فَدَلَّ قَوْلُهُمْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَهْمِزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَفِي حَدْرٍ أَوْ تَحْقِيقٍ. انْتَهَى.
وَالْمَقْصُودُ بِالْإِدْرَاجِ هُوَ الْإِسْرَاعُ، وَهُوَ ضِدُّ التَّحْقِيقِ، لَا كَمَا فَهِمَهُ مَنْ لَا فَهْمَ لَهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ الْوَصْلُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْوَقْفِ، وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو إِنَّمَا يُبْدِلُ الْهَمْزَ فِي الْوَصْلِ فَإِذَا وَقَفَ حَقَّقَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ يُتَّبَعُ وَلَا قِيَاسٌ يُسْتَمَعُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ: وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَلَهُ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا التَّحْقِيقُ مَعَ الْإِظْهَارِ وَالتَّخْفِيفُ مَعَ الْإِدْغَامِ عَلَى التَّعَاقُبِ، وَالثَّانِي التَّخْفِيفُ مَعَ الْإِظْهَارِ وَجْهٌ وَاحِدٌ. انْتَهَى. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَمِ التَّحْقِيقِ مَعَ الْإِدْغَامِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لِأَبِي عَمْرٍو كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ أَجْمَعُوا عَمَّنْ رَوَى الْبَدَلَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو عَلَى اسْتِثْنَاءِ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً فِي خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ مَوْضِعًا تَنْحَصِرُ فِي خَمْسِ مَعَانٍ:
(الْأَوَّلُ) الْجَزْمُ وَيَأْتِي فِي سِتَّةِ أَلْفَاظٍ، وَهِيَ (يَشَاءُ) فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ
стр. 401
فِي النِّسَاءِ مَوْضِعٌ، وَفِي الْأَنْعَامِ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ، وَفِي إِبْرَاهِيمَ مَوْضِعٌ، وَفِي سُبْحَانَ مَوْضِعَانِ، وَفِي فَاطِرٍ مَوْضِعٌ، وَفِي الشُّورَى مَوْضِعَانِ، وَنَشَاءُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي الشُّعَرَاءِ وَسَبَأٍ وَيس (وَتَسُؤْ) فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي آلِ عِمْرَانَ، وَالْمَائِدَةِ، وَالتَّوْبَةِ (وَنَنْسَاهَا) فِي الْبَقَرَةِ (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ) فِي الْكَهْفِ (وَأَمْ لَمْ يُنَبَّأْ) فِي النَّجْمِ.
(وَالثَّانِي الْأَمْرُ) وَهُوَ الْبِنَاءُ لَهُ، وَيَأْتِي فِي سِتَّةِ أَلْفَاظٍ أَيْضًا، وَهِيَ (أَنْبِئْهُمْ) فِي الْبَقَرَةِ وَ (أَرْجِهْ) فِي الْأَعْرَافِ وَالشُّعَرَاءِ، وَ (نَبِّئْنَا) فِي يُوسُفَ، وَ (نَبِّئْ عِبَادِي) فِي الْحِجْرِ، (وَنَبِّئْهُمْ) فِيهَا أَيْضًا وَفِي الْقَمَرِ، وَ (اقْرَأْ) فِي سُبْحَانَ وَمَوْضِعَيِ الْعَلَقِ (وَهَيِّئْ لَنَا) فِي الْكَهْفِ.
(الثَّالِثُ) الثِّقَلُ، وَهُوَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ أَتَتْ فِي مَوْضِعَيْنِ (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ) فِي الْأَحْزَابِ (وَتُؤْوِيهِ) فِي الْمَعَارِجِ ; لِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ هَمْزُهُ لَاجْتَمَعَ وَاوَانِ، وَاجْتِمَاعُهُمَا أَثْقَلُ مِنَ الْهَمْزِ.
(الرَّابِعُ) الِاشْتِبَاهُ، وَهُوَ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ (وَرِئْيًا) فِي مَرْيَمَ ; لِأَنَّهُ بِالْهَمْزِ مِنَ الرُّوَاءِ، وَهُوَ الْمَنْظَرُ الْحَسَنُ، فَلَوْ تُرِكَ هَمْزُهُ لَاشْتَبَهَ بِرِيِّ الشَّارِبِ، وَهُوَ امْتِلَاؤُهُ، وَانْفَرَدَ عَبْدُ الْبَاقِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ السَّامَرِّيِّ، عَنِ السُّوسِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ فِيهَا يَاءً، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْيَاءَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِدْغَامٍ، كَأَحَدِ وَجْهَيْ حَمْزَةَ فِي الْوَقْفِ، كَمَا سَيَأْتِي، وَقِيَاسُ ذَلِكَ (تُؤْوِي، وَتُؤْوِيهِ) وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ شَيْئًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) الْخُرُوجُ مِنْ لُغَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَهُوَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ فِي مَوْضِعَيْنِ (مُؤْصَدَةٌ) فِي الْبَلَدِ، وَالْهُمَزَةِ ; لِأَنَّهُ بِالْهَمْزِ مِنْ آصَدْتُ، أَيْ: أَطْبَقْتُ، فَلَوْ تُرِكَ لَخَرَجَ إِلَى لُغَةِ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ مِنْ أَرْصَدْتُ، وَانْفَرَدَ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْيَزِيدِيِّ فِيمَا رَوَاهُ الدَّانِيُّ وَابْنُ الْفَحَّامِ الصَّقَلِّيُّ، عَنْ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَكَذَا أَبُو الصَّقْرِ الدَّوْرَقِيُّ، عَنْ زَيْدٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مِهْرَانَ عَنْهُ بِعَدَمِ اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الدُّورِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ فَرَحٍ، فَخَالَفَا سَائِرَ النَّاسِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَانْفَرَدَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ مِنْ (بَارِئِكُمْ) فِي حَرْفَيِ الْبَقَرَةِ بِإِحَالَةِ قِرَاءَتِهَا بِالسُّكُونِ لِأَبِي عَمْرٍو مُلْحِقًا ذَلِكَ بِالْهَمْزِ السَّاكِنِ الْمُبْدَلِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ ; لِأَنَّ إِسْكَانَ هَذِهِ الْهَمْزَةِ عَارِضٌ
стр. 402
تَخْفِيفًا، فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ. وَإِذَا كَانَ السَّاكِنُ اللَّازِمُ حَالَةَ الْجَزْمِ وَالْبِنَاءِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، فَهَذَا أَوْلَى وَأَيْضًا، فَلَوِ اعْتُدَّ بِسُكُونِهَا وَأُجْرِيَتْ مَجْرَى اللَّازِمِ كَانَ إِبْدَالُهَا مُخَالِفًا أَصْلَ أَبِي عَمْرٍو، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُشْتَبَهُ بِأَنْ يَكُونَ مِنَ الْبَرَا وَهُوَ التُّرَابُ، وَهُوَ فَقَدْ هَمَزَ " مُؤْصَدَةٌ " وَلَمْ يُخَفِّفْهَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَعَ أَصَالَةِ السُّكُونِ فِيهَا، فَإِنَّ الْهَمْزَ فِي هَذَا أَوْلَى، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَقِيَ أَحْرُفٌ وَافَقَهُمْ بَعْضُ الْقُرَّاءِ عَلَى إِبْدَالِهَا، وَخَالَفَ آخَرُونَ فَهَمَزُوهَا، وَهِيَ (الذِّئْبُ) فِي مَوْضِعَيْ يُوسُفَ وَ (اللُّؤْلُؤُ، وَلُؤْلُؤٌ) مُعَرَّفًا وَمُنَكَّرًا (وَالْمُؤْتَفِكَةَ، وَالْمُؤْتَفِكَاتِ) حَيْثُ وَقَعَا (وَرِئْيًا) فِي مَرْيَمَ، وَ (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) فِي الْكَهْفِ وَالْأَنْبِيَاءِ (وَضِيزَى) فِي النَّجْمِ، وَ (مُؤْصَدَةٌ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، أَمَّا (الذِّئْبُ) فَوَافَقَهُمْ عَلَى إِبْدَالِهِ وَرْشٌ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ، وَأَمَّا (اللُّؤْلُؤُ، وَلُؤْلُؤٌ) فَوَافَقَهُمْ عَلَى إِبْدَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَأَمَّا (وَالْمُؤْتَفِكَةَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ) فَاخْتُلِفَ فِيهِمَا عَنْ قَالُونَ. فَرَوَى أَبُو نَشِيطٍ فِيمَا قَطَعَ بِهِ ابْنُ سَوَّارٍ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ، وَغَيْرُهُمْ إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ مِنْهُمَا، وَكَذَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْجَمَّالِ وَغَيْرِهِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَهُوَ طَرِيقُ الطَّبَرِيِّ وَالْعَلَوِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِمَا، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَكَذَا رَوَى الشَّحَّامُ عَنْ قَالُونَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ لَهُ الدَّانِيُّ فِي " الْمُفْرَدَاتِ "، وَقَالَ فِي " الْجَامِعِ ": وَبِذَلِكَ قَرَأْتُ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي حَمَّادٍ وَابْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَغَيْرِهِمَا، وَبِذَلِكَ آخُذُ.
قَالَ: وَقَالَ لِي أَبُو الْفَتْحِ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ - يَعْنِي بِالْهَمْزِ - قَالَ الدَّانِيُّ: وَهُوَ وَهْمٌ ; لِأَنَّ الْحُلْوَانِيَّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ بِغَيْرِ هَمْزٍ. انْتَهَى.
وَرَوَى الْجُمْهُورُ، عَنْ قَالُونَ بِالْهَمْزِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْمَغَارِبَةُ وَالْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ سِوَاهُ، وَالْوَجْهَانِ عَنْهُ صَحِيحَانِ، بِهِمَا قَرَأْتُ وَبِهِمَا آخُذُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا (وَرِئْيًا) فَقَرَأَهُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ أَبُو جَعْفَرٍ، وَقَالُونُ وَابْنُ ذَكْوَانَ، وَانْفَرَدَ هِبَةُ اللَّهِ الْمُفَسِّرُ، عَنْ زَيْدٍ، عَنِ الدَّاجُونِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ هِشَامٍ بِذَلِكَ، وَرَوَاهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْهُ بِالْهَمْزِ وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ، وَأَمَّا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
стр. 403
فَقَرَأَهُمَا عَاصِمٌ بِالْهَمْزِ، وَقَرَأَهُمَا الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَأَمَّا (ضِيزَى) فَقَرَأَهُ بِالْهَمْزِ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَأَمَّا (مُؤْصَدَةٌ) فَقَرَأَهُ بِالْهَمْزِ أَبُو عَمْرٍو، وَيَعْقُوبُ وَحَمْزَةُ وَخَلَفٌ وَحَفْصٌ، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ.
(وَالضَّرْبُ الثَّانِي) الْمُتَحَرِّكُ ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ مُتَحَرِّكٌ قَبْلَهُ مُتَحَرِّكٌ، وَمُتَحَرِّكٌ قَبْلَهُ سَاكِنٌ، أَمَّا الْمُتَحَرِّكُ الْمُتَحَرِّكُ مَا قَبْلَهُ فَاخْتَلَفُوا فِي تَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ مِنْهُ فِي سَبْعَةِ أَحْوَالٍ.
(الْأَوَّلُ) أَنْ تَكُونَ مَفْتُوحَةً وَقَبْلَهَا مَضْمُومٌ، فَإِنَّ كَانَتْ فَاءً مِنَ الْفِعْلِ فَاتَّفَقَ أَبُو جَعْفَرٍ وَوَرْشٌ عَلَى إِبْدَالِهَا وَاوًا نَحْوُ (يُوَدِّهِ، وَيُوَاخِذُ، وَيُوَلِّفُ، وَمُوَجَّلًا، وَمُوَذِّنٌ، وَالْمُوَلَّفَةِ) وَاخْتَلَفَ ابْنُ وَرْدَانَ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ (يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ) فِي آلِ عِمْرَانَ، فَرَوَى ابْنُ شَبِيبٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْعَلَّافِ وَغَيْرِهِ، وَابْنِ هَارُونَ مِنْ طَرِيقِ الشَّطَوِيِّ وَغَيْرِهِ، كِلَاهُمَا عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ تَحْقِيقَ الْهَمْزَةِ فِيهِ. وَكَذَا رَوَى الرَّهَاوِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْفَضْلِ، وَكَأَنَّهُ رَاعَى فِيهِ وُقُوعَ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدَ الْوَاوِ، فَيَجْتَمِعُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ مِنْ حُرُوفِ الْعِلَّةِ، وَرَوَى سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْهُ الْإِبْدَالَ طَرْدًا لِلْبَابِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ جَمَّازٍ، وَاخْتَلَفَ أَيْضًا عَنْ وَرْشٍ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ (مُؤَذِّنٌ) فِي الْأَعْرَافِ وَيُوسُفَ. فَرَوَى عَنْهُ الْأَصْبَهَانِيُّ تَحْقِيقَ الْهَمْزَةِ فِيهِ، وَكَأَنَّهُ رَاعَى مُنَاسَبَةَ لَفْظِ (فَأَذَّنَ) وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ مَقْصُودَةٌ عِنْدَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحُرُوفِ، وَرَوَى عَنْهُ الْأَزْرَقُ الْإِبْدَالَ عَلَى أَصْلِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا مِنَ الْفِعْلِ، فَإِنَّ الْأَصْبَهَانِيَّ عَنْ وَرْشٍ اخْتَصَّ بِإِبْدَالِهَا فِي حَرْفٍ، وَهُوَ (الْفُوَادَ، وَفُوَادُ) وَهُوَ فِي هُودٍ، وَسُبْحَانَ، وَالْفُرْقَانِ، وَالْقَصَصِ، وَالنَّجْمِ. وَإِنْ كَانَتْ لَامًا مِنَ الْفِعْلِ، فَإِنَّ حَفْصًا اخْتَصَّ بِإِبْدَالِهَا فِي (هُزُوًا) ، وَهُوَ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ، فِي الْبَقَرَةِ مَوْضِعَانِ (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا، وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) وَفِي الْمَائِدَةِ مَوْضِعَانِ (لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا، وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا) وَفِي الْكَهْفِ مَوْضِعَانِ (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا
стр. 404
وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) وَفِي الْأَنْبِيَاءِ (إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا) ، وَكَذَا فِي الْفُرْقَانِ، وَفِي لُقْمَانَ (اتَّخَذَهَا هُزُوًا، وَاتَّخَذَهَا هُزُوًا) فِي الْجَاثِيَةِ، وَفِي (كُفُّوا) ، وَهُوَ فِي الْإِخْلَاصِ.
(الثَّانِي) أَنْ تَكُونَ مَفْتُوحَةً وَقَبْلَهَا مَكْسُورٌ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يُبْدِلُهَا يَاءً فِي (رِئَاءَ النَّاسِ) ، وَهُوَ فِي الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَنْفَالِ، وَفِي (خَاسِئًا) فِي الْمُلْكِ، وَفِي (نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) فِي الْمُزَّمِّلِ، وَفِي (شَانِئَكَ) ، وَهُوَ فِي الْكَوْثَرِ، وَفِي (اسْتُهْزِئَ) ، وَهُوَ فِي الْأَنْعَامِ وَالرَّعْدِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَفِي (قُرِئَ) ، وَهُوَ فِي الْأَعْرَافِ وَالِانْشِقَاقِ، وَفِي (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) ، وَهُوَ فِي النَّحْلِ وَالْعَنْكَبُوتِ، وَفِي (لَيُبَطِّئَنَّ) ، وَهُوَ فِي النِّسَاءِ، وَفِي (مُلِئَتْ) ، وَهُوَ فِي الْجِنِّ، وَكَذَلِكَ (يُبْدِلُهَا) فِي (خَاطِئَةٍ، وَالْخَاطِئَةُ، وَمِئَةَ، وَفِئَةٍ) وَتَثْنِيَتُهُمَا، وَانْفَرَدَ الشَّطَوِيُّ عَنِ ابْنِ هَارُونَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْعَلَّافِ، عَنْ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ شَبِيبٍ، فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنْ زَيْدٍ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فِي (مَوْطِيًا) فَقَطَعَ لَهُ بِالْإِبْدَالِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَكَذَلِكَ الْهُذَلِيُّ مِنْ رِوَايَتَيِ ابْنِ وَرْدَانَ وَابْنِ جَمَّازٍ جَمِيعًا، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا هَمْزَةٌ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَبُو الْعِزِّ وَلَا ابْنُ سَوَّارٍ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا إِبْدَالًا، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، بِهِمَا قَرَأْتُ، وَبِهِمَا آخُذُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَافَقَهُ الْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ وَرْشٍ فِي (خَاسِيًا) ، وَ (نَاشِيَةَ) وَ (مُلِيَتْ) وَزَادَ فَأَبْدَلَ (فَبِأَيِّ) حَيْثُ وَقَعَ مَسْبُوقًا بِالْفَاءِ نَحْوُ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ) ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِيمَا تَجَرَّدَ عَنِ الْفَاءِ نَحْوُ (بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) فَرَوَى الْحَمَّامِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ وَالْمُطَّوِّعِيِّ كِلَاهُمَا عَنْهُ إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ فِيهَا، وَبِهِ قَطَعَ فِي " الْكَامِلِ " وَ " التَّجْرِيدُ "، وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " أَنَّهُ قَرَأَ لَهُ بِالْوَجْهَيْنِ فِي (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) عَلَى شَيْخِهِ الشَّرِيفِ، وَرَوَى التَّحْقِيقَ، عَنْ سَائِرِ الرُّوَاةِ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْفَرَدَ أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ بِالْإِبْدَالِ فِي (شَانِيكَ) وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ فِي " الْكَامِلِ " بِالْإِبْدَالِ فِي (لَنُبَوِّيَنَّهُمْ)
стр. 405
وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ إِبْدَالًا فِي هَذَا الْحَالِ، فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ، وَاخْتَصَّ الْأَزْرَقُ عَنْ وَرْشٍ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءً فِي (لِئَلَّا) فِي الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَدِيدِ.
(الثَّالِثُ) أَنْ تَكُونَ مَضْمُومَةً بَعْدَ كَسْرٍ وَبَعْدَهَا وَاوٌ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يَحْذِفُ الْهَمْزَةَ وَيَضُمُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ أَجْلِ الْوَاوِ نَحْوُ (مُسْتَهْزُونَ، وَالصَّابُونَ، وَمُتَّكُونَ، وَمَالُونَ، وَلِيُوَاطُوا، وَيُطْفُوا، وَقُلِ اسْتَهْزُوا) وَمَا أَتَى مِنْ ذَلِكَ، وَوَافَقَهُ نَافِعٌ عَلَى (الصَّابُونَ) ، وَهُوَ فِي الْمَائِدَةِ، وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ (الْمُنْشِئُونَ) فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْهَمْزِ ابْنُ الْعَلَّافِ، عَنْ أَصْحَابِهِ، وَالنَّهْرَوَانِيُّ مِنْ طَرِيقَيِ الْإِرْشَادِ وَغَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ وَالْحَنْبَلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكِفَايَةِ، وَبِهِ قَطَعَ لَهُ الْأَهْوَازِيُّ، وَبِذَلِكَ قَطَعَ أَبُو الْعِزِّ فِي " الْإِرْشَادِ " مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ هِبَةِ اللَّهِ، وَهُوَ بِخِلَافِ مَا قَالَ فِي " الْكِفَايَةِ "، وَبِالْحَذْفِ قَطَعَ ابْنُ مِهْرَانَ وَالْهُذَلِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَنَصَّ لَهُ عَلَى الْخِلَافِ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ، وَالْوَجْهَانِ عَنْهُ صَحِيحَانِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ فِي حَذْفِهِ. وَقَدْ خَصَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْأَلْفَاظَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ (نَبِّيُونِي وَأَنْبِيُونِي، وَيَتَّكِيُونَ، وَيَسْتَنْبُونَكَ) وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعِزِّ وَالْهُذَلِيِّ الْعُمُومُ، عَلَى أَنَّ الْأَهْوَازِيَّ وَغَيْرَهُ نَصَّ عَلَيْهَا، وَلَا يَظْهَرُ فَرْقٌ سِوَى الرِّوَايَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) أَنْ تَكُونَ مَضْمُومَةً بَعْدَ فَتْحٍ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يَحْذِفُهَا فِي (وَلَا يَطُونَ، وَلَمْ تَطُوهَا، وَأَنْ تَطُوهُمْ) وَانْفَرَدَ الْحَنْبَلِيُّ بِتَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ فِي (رَءُوفٌ) حَيْثُ وَقَعَ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بِتَسْهِيلِ (تَبَوَّءُوا الدَّارَ) كَذَلِكَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَهْوَازِيِّ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ.
(الْخَامِسُ) أَنْ تَكُونَ مَكْسُورَةً بَعْدَ كَسْرٍ بَعْدَهَا، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يَحْذِفُ الْهَمْزَةَ فِي (مُتَّكِئِينَ، وَالصَّابِئِينَ وَالْخَاطِئِينَ وَخَاطِئِينَ وَالْمُسْتَهْزِئِينَ) حَيْثُ وَقَعَتْ، وَوَافَقَهُ نَافِعٌ فِي (الصَّابِينَ) ، وَهُوَ فِي الْبَقَرَةِ وَالْحَجِّ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِحَذْفِهَا فِي (خَاسِئِينَ) أَيْضًا.
(السَّادِسُ) أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةً بَعْدَ فَتْحٍ، فَاتَّفَقَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ عَلَى تَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ نَحْوُ (أَرَأَيْتَكُمْ، وَأَرَأَيْتُمْ، وَأَرَأَيْتَ، وَأَفَرَأَيْتُمْ) حَيْثُ وَقَعَ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الْأَزْرَقِ
стр. 406
عَنْ وَرْشٍ فِي كَيْفِيَّةِ تَسْهِيلِهَا، فَرَوَى عَنْهُ بَعْضُهُمْ إِبْدَالَهَا أَلِفًا خَالِصَةً، وَإِذَا أَبْدَلَهَا مَدَّ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ مَدًّا مُشْبَعًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ بَابِ الْمَدِّ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَعِنْدَ الدَّانِيِّ فِي غَيْرِ " التَّيْسِيرِ "، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ " التَّنْبِيهُ ": إِنَّهُ قَرَأَ بِالْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ مَكِّيٌّ: وَقَدْ قِيلَ عَنْ وَرْشٍ إِنَّهُ يُبْدِلُهَا أَلِفًا، وَهُوَ أَحْرَى فِي الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ النَّقْلَ وَالْمُشَافَهَةَ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَدِّ عَنْهُ، وَتَمْكِينُ الْمَدِّ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْبَدَلِ، وَجَعْلُهَا بَيْنَ بَيْنَ أَقْيَسُ عَلَى أُصُولِ الْعَرَبِيَّةِ، قَالَ: وَحُسْنُ جَوَازِ الْبَدَلِ فِي الْهَمْزَةِ وَبَعْدَهَا سَاكِنٌ أَنَّ الْأَوَّلَ حَرْفُ مَدٍّ وَلِينٍ. فَالْمَدُّ الَّذِي يَحْدُثُ مَعَ السُّكُونِ يَقُومُ مَقَامَ حَرَكَةٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى النُّطْقِ بِالسَّاكِنِ. انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ غَلِطَ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ: لَيْسَ غَلَطًا عَلَيْهِ، بَلْ هِيَ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ عَنْهُ، فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ الْقَاسِمَ بْنَ سَلَّامٍ ﵀ رَوَى أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ، وَنَافِعًا، وَغَيْرَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُسْقِطُونَ الْهَمْزَةَ غَيْرَ أَنَّهُمْ يَدَعُونَ الْأَلِفَ خَلَفًا مِنْهَا، فَهَذَا يَشْهَدُ بِالْبَدَلِ. وَهُوَ مَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ، حَكَاهُ قُطْرُبٌ وَغَيْرُهُ.
(قُلْتُ) : وَالْبَدَلُ فِي قِيَاسِ الْبَدَلِ فِي (أَأَنْذَرْتَهُمْ) وَبَابِهِ، إِلَّا أَنَّ بَيْنَ بَيْنَ فِي هَذَا أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ وَاخْتَصَّ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ وَرْشٍ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ فِي (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ) وَفِي (أَفَأَمِنَ) وَهُوَ (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ، أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا، أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ) وَلَا سَادِسَ لَهَا، وَلِذَا سَهَّلَهَا فِي (أَفَأَنْتَ، أَفَأَنْتُمْ) وَكَذَلِكَ سَهَّلَ الثَّانِيَةَ مِنْ (لَأَمْلَأَنَّ) وَوَقَعَتْ فِي الْأَعْرَافِ، وَهُودٍ، وَالسَّجْدَةِ، وَص، وَكَذَلِكَ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ " كَأَنَّ " كَيْفَ أَتَتْ، مُشَدَّدَةً أَمْ مُخَفَّفَةً نَحْوُ (كَأَنَّهُمْ، كَأَنَّكَ، وَكَأَنَّمَا، وَكَأَنَّهُ، وَكَأَنَّهُنَّ، وَوَيْكَأَنَّهُ، وَكَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنْ لَمْ تَغْنَ، وَكَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) وَكَذَلِكَ فِي الْهَمْزَةِ فِي (تَأَذَّنَ) فِي الْأَعْرَافِ خَاصَّةً، وَكَذَلِكَ الْهَمْزَةُ مِنْ: (وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) فِي يُونُسَ وَ (اطْمَأَنَّ بِهِ) فِي الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ الْهَمْزَةُ مِنْ (رَأَى) فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ (رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، وَرَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) فِي يُوسُفَ
стр. 407
وَ (رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ، وَرَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً) فِي النَّمْلِ، وَ (رَآهَا تَهْتَزُّ) فِي الْقَصَصِ خَاصَّةً، وَ (رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ) فِي الْمُنَافِقِينَ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي (تَأَذَّنَ) فِي إِبْرَاهِيمَ. فَرَوَى صَاحِبُ " الْمُسْتَنِيرِ " وَصَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، وَغَيْرُهُمَا تَحْقِيقَ الْهَمْزَةِ فِيهِ، وَرَوَى الْهُذَلِيُّ، وَالْحَافِظُ، وَأَبُو الْعَلَاءِ، وَغَيْرُهُمَا تَسْهِيلَهَا، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي الْعِزِّ فِي " الْكِفَايَةِ "، فَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْهُ التَّحْقِيقُ، وَفِي بَعْضِهَا التَّسْهِيلُ، وَنَصَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَبُو مُحَمَّدٍ فِي " الْمُبْهِجِ "، وَانْفَرَدَ النَّهْرَوَانِيُّ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو الْعِزِّ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَالْجَمَاعَةُ عَنْهُ بِالتَّحْقِيقِ فِي (اطْمَأَنَّ بِهِ) فِي الْحَجِّ، وَانْفَرَدَ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو الْعِزِّ، وَابْنُ سَوَّارٍ بِالتَّحْقِيقِ فِي (رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ) فِي النَّمْلِ وَ (رَآهَا تَهْتَزُّ) فِي الْقَصَصِ وَ (رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ) فِي الْمُنَافِقِينَ، وَانْفَرَدَ السِّبْطُ فِي " الْمُبْهِجِ " بِالْوَجْهَيْنِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَفِي (رَأَيْتُهُمْ لِي) فِي يُوسُفَ (وَرَآهُ مُسْتَقِرًّا) وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنْهُ بِإِطْلَاقِ تَسْهِيلِ (رَاتْهُ، وَرَاهَا) وَمَا يُشْبِهُهُ، فَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ تَسْهِيلُ (رَأَيْتَ، وَرَآهُ) وَمَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ. وَهُوَ خِلَافُ مَا رَوَاهُ سَائِرُ النَّاسِ مِنَ الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ. نَعَمْ، أَطْلَقَ ذَلِكَ كَذَلِكَ نَصًّا الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَارِسِيِّ عَنْهُ، وَلَيْسَ مِنْ طُرُقِنَا، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ رِوَايَتَيْهِ بِتَسْهِيلِ (تَاخَّرَ) ، وَهُوَ فِي الْبَقَرَةِ وَالْفَتْحِ (أَوْ يَتَاخَّرُ) فِي الْمُدَّثِّرِ، فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَانْفَرَدَ الْحَنْبَلِيُّ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ بِتَسْهِيلِ (تَاذَّنَ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الْبَزِّيِّ فِي تَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ مِنْ (لَاعْنَتَكُمْ) فِي الْبَقَرَةِ، فَرَوَى الْجُمْهُورُ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْهُ التَّسْهِيلَ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ مِنْ طَرِيقَيْهِ. وَرَوَى صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَنْهُ التَّحْقِيقَ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْحُبَابِ عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ سِوَاهُ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنِ الْبَزِّيِّ، وَاخْتَصَّ أَبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ فِي (مُتَّكَأً) فِي يُوسُفَ، فَيَصِيرُ مِثْلُ: مُتَّقَى.
(السَّابِعُ) أَنْ تَكُونَ مَكْسُورَةً بَعْدَ فَتْحٍ. فَانْفَرَدَ الْحَنْبَلِيُّ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ فِي (تَطْمِينُّ، وَبِيسَ) حَيْثُ وَقَعَ، وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ. وَأَمَّا الْمُتَحَرِّكُ
стр. 408
السَّاكِنُ مَا قَبْلَهُ فَلَا يَخْلُو السَّاكِنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَلِفًا، أَوْ يَاءً، أَوْ زَايًا. فَإِنْ كَانَ أَلِفًا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي (اسْرَايِلَ وَكَايِّنْ) فِي قِرَاءَةِ الْمَدِّ (وَهَانْتُمْ وَاللَّايِ) وَانْفَرَدَ الْحَنْبَلِيُّ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الْأَلِفِ مِنْ (كَهَيَّةِ الطَّايِرِ، فَيَكُونُ طَايِرًا) مِنْ مَوْضِعَيْ آلِ عِمْرَانَ وَالْمَائِدَةِ خَاصَّةً، وَسَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَى التَّحْقِيقِ فِيهَا وَفِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (اسْرَايِلَ وَكَايِّنْ) حَيْثُ وَقَعَا فَسَهَّلَ الْهَمْزَةَ فِيهِمَا أَبُو جَعْفَرٍ، وَحَقَّقَهَا الْبَاقُونَ، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي (كَايِّنْ) فِي مَوْضِعِهِ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ فِي (كَأَيِّنْ) فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْفَرَدَ أَبُو عَلِيٍّ الْعَطَّارُ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ فِي مَوْضِعِ الْعَنْكَبُوتِ مَعَ إِدْخَالِ الْأَلِفِ قَبْلَهَا كَأَبِي جَعْفَرٍ سَوَاءً، وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ وَعَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (هَانْتُمْ) فِي مَوْضِعَيْ آلِ عِمْرَانَ، وَفِي النِّسَاءِ، وَالْقِتَالِ، فَاخْتَلَفُوا فِي تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ فِيهَا وَفِي تَسْهِيلِهَا وَفِي حَذْفِ الْأَلِفِ مِنْهَا، فَقَرَأَ نَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَاخْتُلِفَ عَنْ وَرْشٍ مِنْ طَرِيقَيْهِ، فَوَرَدَ عَنِ الْأَزْرَقِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
(الْأَوَّلُ) حَذْفُ الْأَلِفِ، فَيَأْتِي بِهَمْزَةٍ مُسَهَّلَةٍ بَعْدَ الْهَاءِ مِثْلُ (هَعَنْتُمْ) ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ فِي " التَّيْسِيرِ " غَيْرَهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الشَّاطِبِيَّةِ وَالْإِعْلَانِ.
(الثَّانِي) إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ أَلِفًا مَحْضَةً، فَتَجْتَمِعُ مَعَ النُّونِ وَهِيَ سَاكِنَةٌ، فَيُمَدُّ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي فِي " الْهَادِي "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " الشَّاطِبِيَّةِ " وَ " الْإِعْلَانِ ".
(الثَّالِثُ) إِثْبَاتُ الْأَلِفِ كَقِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَقَالُونَ، إِلَّا أَنَّهُ مُشْبَعًا عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الْعُنْوَانِ "، وَ " التَّجْرِيدِ "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ، وَوَرَدَ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ وَجْهَانِ.
(أَحَدُهُمَا) حَذْفُ الْأَلِفِ كَالْوَجْهِ الْأَوَّلِ عَنِ الْأَزْرَقِ، وَهُوَ طَرِيقُ الْمُطَّوِّعِيِّ عَنْهُ، وَطَرِيقُ الْحَمَّامِيِّ مِنْ جُمْهُورِ طُرُقِهِ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْهُ.
(وَالثَّانِي) إِثْبَاتُهَا كَقَالُونَ، وَمَنْ مَعَهُ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ النَّهْرَوَانِيُّ مِنْ طُرُقِهِ، عَنْ
стр. 409
هِبَةِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ رَوَى صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، عَنِ الْفَارِسِيِّ، عَنِ الْحَمَّامِيِّ، عَنْهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ مِهْرَانَ وَغَيْرُهُ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ أَيْضًا، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الْأَلِفِ وَهُمُ: ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَالْكُوفِيُّونَ، وَيَعْقُوبُ، وَانْفَرَدَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ وَمَنْ تَبِعَهُ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ، عَنْ رُوَيْسٍ، فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ قُنْبُلٍ، فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ حَذْفَ الْأَلِفِ، فَتَصِيرُ مِثْلَ (سَالْتُمْ) ، وَهُوَ كَالْوَجْهِ الْأَوَّلِ عَنْ وَرْشٍ، إِلَّا أَنَّهُ بِالتَّحْقِيقِ، وَكَذَا رَوَى نَظِيفٌ، وَابْنُ بُويَانَ وَابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ الصَّبَّاحِ، كُلُّهُمْ عَنْ قُنْبُلٍ، وَوَافَقَ قُنْبُلًا عَلَى ذَلِكَ عَنِ الْقَوَّاسِ أَحْمَدِ بْنِ يَزِيدَ الْحُلْوَانِيِّ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ فِي " " التَّذْكِرَةِ " "، وَ " الْعُنْوَانِ "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " الْكَافِي "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْإِرْشَادِ "، عَنْ قُنْبُلٍ سِوَاهُ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ شَنَبُوذَ إِثْبَاتَهَا كَرِوَايَةِ الْبَزِّيِّ، وَكَذَا رَوَى الزَّيْنَبِيُّ، وَابْنُ بَقَرَةَ وَأَبُو رَبِيعَةَ، وَإِسْحَاقُ الْخُزَاعِيُّ وَصِهْرُ الْأَمِيرِ، وَالْيَقْطِينِيُّ وَالْبَلْخِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، عَنْ قُنْبُلٍ، رَوَاهُ بَكَّارٌ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مِهْرَانَ غَيْرَهُ، وَذُكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الزَّيْنَبِيِّ أَنَّهُ رَدَّ الْحَذْفَ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَرَأَ عَلَى قُنْبُلٍ بِمَدٍّ تَامٍّ، وَكَذَا قَرَأَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْقَوَّاسِ، وَأَصْحَابِ الْبَزِّيِّ وَابْنِ فُلَيْحٍ. وَهِمَ ابْنُ مُجَاهِدٍ فِي رِوَايَةِ الْحَذْفِ، وَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ: وَلَوْ جَازَ فِي (هَا أَنْتُمْ، هَانْتُمْ) مِثْلُ (هَعَنْتُمْ) لَجَازَ فِي (هَاذَا) هَذَا، فَيَصِيرُ حَرْفًا بِمَعْنًى آخَرَ.
(قُلْتُ) : وَفِيمَا قَالَهُ مِنْ ذَلِكَ نَظَرٌ، وَحَذْفُ الْأَلِفِ فِي (هَانْتُمْ) فَقَدْ صَحَّ مِنْ رِوَايَةِ وَرْشٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَمِنْ رِوَايَةِ مَنْ ذَكَرْنَا، عَنْ قُنْبُلٍ، وَعَنْ شَيْخِهِ الْقَوَّاسِ، وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ أَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَمْدُونَ، وَإِبْرَاهِيمَ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيِ الْيَزِيدِيِّ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ شُجَاعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَزَادَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْيَزِيدِيُّ، عَنْ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: عَلَى مَعْنَى (أَانْتُمْ) فَصُيِّرَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً، وَزَادَ أَبُو حَمْدُونَ عَنِ الْيَزِيدِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو: إِنَّمَا هِيَ (آنْتُمْ) مَمْدُودَةً، فَجَعَلُوا مَكَانَ الْهَمْزَةِ هَاءً، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ هَذَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. فَقَدْ رَوَاهُ
стр. 410
عَنِ الْعَرَبِ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ وَقَالَا: الْأَصْلُ (أَأَنْتُمْ) فَأَبْدَلَ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ " هَا "؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَخْرَجِهَا، وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ، وَهُمْ حُجَّةُ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ جَازَ فِي (هَانْتُمْ) مِثْلُ (هَعَنْتُمْ) لَجَازَ فِي (هَاذَا) هَذَا - فَكِلَاهُمَا جَائِزٌ مَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَتَى صَوَاحِبُهَا فَقُلْنَ هَذَا الَّذِي ... مَنَحَ الْمَوَدَّةَ غَيْرَنَا وَجَفَانَا
أَنْشَدَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَقَالَ: يُرِيدُ إِذَا الَّذِي، فَأَبْدَلَ الْهَمْزَةَ هَاءً.
(قُلْتُ) : وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ وَلَا يَتَعَيَّنُ، بَلْ يَجُوزُ أَنَّ الْأَصْلَ (هَا) فِي (هَاذَا) لِلتَّنْبِيهِ، فَحُذِفَتْ أَلِفُهَا كَمَا حُذِفَتْ أَلِفُ (هَا) التَّنْبِيهِ نَحْوُ (أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) وَقْفًا، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ أَشْكَلِ حُرُوفِ الِاخْتِلَافِ وَأَغْمَضِهَا وَأَدَقِّهَا، وَتَحْقِيقُ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الرُّوَاةُ عَنِ الْأَئِمَّةِ فِيهَا حَالَ تَحْقِيقِ هَمْزَتِهَا وَتَسْهِيلِهَا لَا يَتَحَصَّلُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الْهَاءِ الَّتِي فِي أَوَّلِهَا؛ أَهِيَ لِلتَّنْبِيهِ أَمْ مُبْدَلَةٍ مِنْ هَمْزَةٍ؟ فَبِحَسَبِ مَا يُسْتَقَرُّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ يُقْضَى لِلْمَدِّ وَالْقَصْرِ بَعْدَهَا، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْهَاءَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو، وَقَالُونَ، وَهِشَامٍ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّنْبِيهِ، وَأَنْ تَكُونُ مُبْدَلَةً مِنْ هَمْزَةٍ، وَعَلَى مَذْهَبِ قُنْبُلٍ وَوَرْشٍ لَا تَكُونُ إِلَّا مُبْدَلَةً لَا غَيْرَ، قَالَ: وَعَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَزِّيِّ وَابْنِ ذَكْوَانَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلتَّنْبِيهِ فَمَنْ جَعَلَهَا لِلتَّنْبِيهِ، وَمَيَّزَ بَيْنَ الْمُنْفَصِلِ وَالْمُتَّصِلِ فِي حُرُوفِ الْمَدِّ لَمْ يَزِدْ فِي تَمْكِينِ الْأَلِفِ سَوَاءٌ حَقَّقَ الْهَمْزَةَ أَوْ سَهَّلَهَا. وَمَنْ جَعَلَهَا مُبْدَلَةً، وَكَانَ مِمَّنْ يَفْصِلُ بِالْأَلِفِ زَادَ فِي التَّمْكِينِ سَوَاءٌ أَيْضًا حَقَّقَ الْهَمْزَةَ أَوْ لَيَّنَهَا. انْتَهَى. وَقَدْ تَبِعَهُ فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ ﵀ وَزَادَ عَلَيْهِ احْتِمَالَ وَجْهَيِ الْإِبْدَالِ وَالتَّنْبِيهِ، عَنْ كُلٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَزَادَ أَيْضًا قَوْلَهُ: (وَذُو) الْبَدَلِ الْوَجْهَانِ عَنْهُ مُسَهَّلًا، وَقَدِ اخْتَلَفَ شُرَّاحُ كَلَامِهِ فِي مَعْنَاهُ وَلَا شَكَّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ بِذِي الْبَدَلِ مَنْ جَعَلَ الْهَاءَ مُبْدَلَةً مِنْ هَمْزَةٍ، وَالْأَلِفَ لِلْفَصْلِ ; لِأَنَّ الْأَلِفَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَدْ تَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَّصِلَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ حَقَّقَ
стр. 411
هَمْزَةَ (أَنْتُمْ) فَلَا خِلَافَ عَنْهُ فِي الْمَدِّ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالسَّمَاءِ وَالْمَاءِ، وَمَنْ سَهَّلَ لَهُ الْمَدَّ وَالْقَصْرَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ حَرْفَ مَدٍّ قَبْلَ هَمْزٍ مُغَيَّرٍ، فَيَصِيرُ لِلْكَلَامِ فَائِدَةٌ، وَيَكُونُ قَدْ تَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ شُرَيْحٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِذِي الْبَدَلِ " وَرْشًا " ; لِأَنَّ الْهَمْزَةَ فِي (هَا أَنْتُمْ) لَا يُبْدِلُهَا أَلِفًا إِلَّا وَرْشٌ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ، يَعْنِي أَنَّ عَنْهُ الْمَدَّ وَالْقَصْرَ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُخَفَّفًا بِالْبَدَلِ وَالتَّسْهِيلِ، إِذَا أَبْدَلَ مَدَّ وَإِذَا سَهَّلَ قَصَرَ، وَلَيْسَ تَحْتَ هَذَا التَّأْوِيلِ فَائِدَةٌ، وَتَعَسُّفُهُ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَأَكْثَرُ مَا ذُكِرَ فِي وَجْهَيْ كَوْنِهَا مُبْدَلَةً مِنْ هَمْزَةٍ أَوْ هَاءِ تَنْبِيهٍ تَمَحُّلٌ وَتَعَسُّفٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ كَوْنِهَا مُبْدَلَةً، أَوْ غَيْرَ مُبْدَلَةٍ، وَلَوْلَا مَا صَحَّ عِنْدَنَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ نَصَّ عَلَى إِبْدَالِ الْهَاءِ مِنَ الْهَمْزَةِ لَمْ نَصِرْ إِلَيْهِ، وَلَمْ نَجْعَلْهُ مُحْتَمَلًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ ; لِأَنَّ الْبَدَلَ مَسْمُوعٌ فِي كَلِمَاتٍ، فَلَا يَنْقَاسُ، وَلَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ فِي هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلِمَ يَجِئْ فِي نَحْوِ: أَتَضْرِبُ زَيْدًا " هَتَضْرِبُ زَيْدًا "، وَمَا أَنْشَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْبَيْتِ الْمُتَقَدِّمَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَاءَ تَنْبِيهٍ وَقُصِرَتْ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ يَكُونُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْهَاءِ الْمُبْدَلَةِ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَهَمْزَةِ (أَنْتُمْ) لَا يُنَاسِبُ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا فَصَلَ التَّوْجِيهَ لِاسْتِقْبَالِ اجْتِمَاعِ الْهَمْزَتَيْنِ، وَقَدْ زَالَ هُنَا بِإِبْدَالِ الْأُولَى هَاءً، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ حَذَفُوا الْهَمْزَةَ فِي نَحْوِ (ارِيقُهُ) وَأَصِلُهُ (أَأُرِيقُهُ) لِاجْتِمَاعِ الْهَمْزَتَيْنِ، فَلَمَّا أَبْدَلُوهَا هَاءً لَمْ يَحْذِفُوهَا، بَلْ قَالُوا: أُهْرِيقُهُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: أُجْرِيَ الْبَدَلُ فِي الْفَصْلِ مَجْرَى الْمُبْدَلِ، وَفِيهِ مَا فِيهِ، وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ احْتِمَالَهُ، وَإِنَّمَا نَمْنَعُ قَوْلَهُمْ: إِنَّ الْهَاءَ لَا تَكُونُ فِي مَذْهَبِ وَرْشٍ وَقُنْبُلٍ إِلَّا مُبْدَلَةً مِنْ هَمْزَةٍ لَا غَيْرَ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُمَا إِثْبَاتُ الْأَلِفِ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ مِنْ مَذْهَبِهِمَا الْفَصْلُ فِي الْهَمْزَتَيْنِ الْمُجْتَمِعَتَيْنِ، فَكَيْفَ هُنَا؟ وَكَذَلِكَ نَمْنَعُ احْتِمَالَ الْوَجْهَيْنِ عَنْ كُلٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ؛ فَإِنَّهُ مُصَادِمٌ لِلْأُصُولِ وَمُخَالِفٌ لِلْأَدَاءِ، وَالَّذِي يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ: إِنَّ قَصْدَ ذِكْرِهِ أَنَّ الْهَاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَذْهَبِ ابْنِ عَامِرٍ، وَالْكُوفِيِّينَ وَيَعْقُوبَ وَالْبَزِّيِّ إِلَّا لِلتَّنْبِيهِ، وَنَمْنَعُ كَوْنَهَا مُبْدَلَةً فِي مَذْهَبِ هِشَامٍ أَلْبَتَّةَ ; لِأَنَّهُ قَدْ
стр. 412
صَحَّ عَنْهُ (أَأَنْذَرْتَهُمْ) وَبَابُهُ الْفَصْلُ وَعَدَمُهُ، فَلَوْ كَانَتْ فِي (هَا أَنْتُمْ) كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، فَهِيَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ بَابِ الْمُنْفَصِلِ بِلَا شَكٍّ، فَلَا يَجُوزُ زِيَادَةُ الْمَدِّ فِيهَا عَنِ الْبَزِّيِّ وَلَا عِنْدَ مَنْ رَوَى الْقَصْرَ، عَنْ يَعْقُوبَ، وَحَفْصٍ وَهِشَامٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَذْهَبِ الْبَاقِينَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ يَقْوَى الْبَدَلُ فِي مَذْهَبِ وَرْشٍ، وَقُنْبُلٍ وَأَبِي عَمْرٍو؛ لِثُبُوتِ الْحَذْفِ عِنْدَهُمْ وَيَضْعُفُ فِي مَذْهَبِ قَالُونَ وَأَبِي جَعْفَرٍ لِعَدَمِ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ لِلتَّنْبِيهِ وَأَثْبَتَ الْأَلِفَ وَقَصَرَ الْمُنْفَصِلَ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا فِي الْأَلِفِ مِنَ الْمَدِّ. وَإِنْ مَدَّهُ جَازَ لَهُ الْمَدُّ عَلَى الْأَصْلِ بِقَدْرِ مَرْتَبَتِهِ، وَالْقَصْرُ اعْتِدَادًا بِالْعَارِضِ مِنْ أَجْلِ تَغْيِيرِ الْهَمْزَةِ بِالتَّسْهِيلِ، وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مُبْدَلَةً وَأَثْبَتَ الْأَلِفَ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْمَدِّ سَوَاءٌ قَصَرَ الْمُفَصَّلَ، أَوْ مَدَّهُ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَنَا لِعُرُوضِ حَرْفِ الْمَدِّ كَمَا قَدَّمْنَا، وَقَدْ يُزَادُ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْمَدِّ وَتُنْزَلُ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْمُتَّصِلِ مِنْ مَذْهَبِ مَنْ أَلْحَقَهُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (اللَّائِي) فَهُوَ فِي الْأَحْزَابِ، وَالْمُجَادَلَةِ، وَمَوْضِعَيِ الطَّلَاقِ. فَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكُوفِيُّونَ بِإِثْبَاتِ يَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِحَذْفِهَا وَهُمْ: نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ، وَاخْتُلِفَ عَنْ هَؤُلَاءِ فِي تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ وَتَسْهِيلِهَا وَإِبْدَالِهَا، فَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَقَالُونُ وَقُنْبُلٌ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَوَرْشٌ بِتَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَالْبَزِّيِّ فَقَطَعَ لَهَا الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً بِالتَّسْهِيلِ كَذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَ " الْغَايَتَيْنِ "، وَالْمُبْهِجِ "، وَ " التَّجْرِيدِ "، وَ " الرَّوْضَةِ "، وَقَطَعَ لَهُمَا الْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءً سَاكِنَةً، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّيْسِيرِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَ " الْعُنْوَانِ "، فَيَجْتَمِعُ سَاكِنَانِ فَيُمَدُّ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: هِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وَالْوَجْهَانِ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، ذَكَرَهُمَا الدَّانِيُّ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، فَالْأَوَّلُ وَهُوَ التَّسْهِيلُ قَرَأَ بِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ فِي قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو، وَرِوَايَةِ الْبَزِّيِّ، وَالْإِبْدَالُ قَرَأَ بِهِ عَلَى
стр. 413
أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَارِسِيِّ، وَانْفَرَدَ أَبُو عَلِيٍّ الْعَطَّارُ، عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ وَرْشٍ فِي الْأَحْزَابِ مِثْلَ قَالُونَ، وَفِي الْمُجَادَلَةِ كَابْنِ عَامِرٍ، وَفِي الطَّلَاقِ كَالْأَزْرَقِ، فَخَالَفَ فِي ذَلِكَ سَائِرَ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا كَانَ السَّاكِنُ قَبْلَ الْهَمْزَةِ يَاءً فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فِي النَّسِيءُ وَفِي (بَرِيءٌ) وَجَمْعِهِ (وَهَنِيئًا وَمَرِيئًا وَكَهَيْئَةِ وَيَيْأَسِ) وَمَا جَاءَ مِنْ لَفْظِهِ فَأَمَّا (النَّسِيءُ) ، وَهُوَ فِي التَّوْبَةُ، فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَوَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ مِنْهَا يَاءً وَإِدْغَامِ الْيَاءِ الَّتِي قَبْلَهَا فِيهَا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ بِذَلِكَ فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (بَرِيءٌ وَبَرِيئُونَ) حَيْثُ وَقَعَ (وَهَنِيئًا وَمَرِيئًا) ، وَهُوَ فِي النِّسَاءِ فَاخْتُلِفَ فِيهَا، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، فَرَوَى هِبَةُ اللَّهِ مِنْ طُرُقِهِ وَالْهُذَلِيُّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ شَبِيبٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِالْإِدْغَامِ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ رَوَى الْهَاشِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْجَوْهَرِيِّ وَالْمَغَازِلِيِّ وَالدُّورِيِّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، وَرَوَى بَاقِي أَصْحَابُ أَبِي جَعْفَرٍ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ ذَلِكَ بِالْهَمْزِ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ، وَأَمَّا (كَهَيْئَةِ) وَهُوَ فِي آلِ عِمْرَانَ وَالْمَائِدَةِ، فَرَوَاهُ ابْنُ هَارُونَ مِنْ طُرُقِهِ، وَالْهُذَلِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ كَذَلِكَ بِالْإِدْغَامِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الدُّورِيِّ وَغَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، وَرَوَاهُ الْبَاقُونَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بِالْهَمْزِ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ سَوَّارٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَانْفَرَدَ الْحَنْبَلِيُّ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِمَدِّ الْيَاءِ مَدًّا مُتَوَسِّطًا، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (يَيْأَسِ) وَهُوَ فِي يُوسُفَ (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ، وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) وَفِي الرَّعْدِ (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ) اخْتُلِفَ فِيهَا عَنِ الْبَزِّيِّ، فَرَوَى عَنْهُ أَبُو رَبِيعَةَ مِنْ عَامَّةِ طُرُقِهِ بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ إِلَى مَوْضِعِ الْيَاءِ وَتَأْخِيرِ الْيَاءِ إِلَى مَوْضِعِ الْهَمْزَةِ، فَتَصِيرُ (تَايَسُوا) ثُمَّ تُبْدَلُ الْهَمْزَةُ أَلِفًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّهَبِيِّ، وَابْنِ بَقَرَةَ، وَغَيْرِهِ، عَنِ الْبَزِّيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ خُوَاسْتِي الْفَارِسِيِّ، عَنِ النَّقَّاشِ، عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْحُبَابِ بِالْهَمْزِ كَالْجَمَاعَةِ، وَهِيَ رِوَايَةُ سَائِرِ الرُّوَاةِ عَنِ الْبَزِّيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ
стр. 414
عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَأَبِي الْفَتْحِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْمَهْدَوِيُّ وَسَائِرُ الْمَغَارِبَةِ عَنِ الْبَزِّيِّ سِوَاهُ، وَانْفَرَدَ الْحَنْبَلِيُّ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِالْقَلْبِ وَالْإِبْدَالِ فِي الْخَمْسَةِ كَرِوَايَةِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ قَبْلَ الْهَمْزِ زَايًا فَهُوَ حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ: جُزْءٌ فِي الْبَقَرَةِ (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) وَفِي الْحِجْرِ (جُزْءٌ مَقْسُومٌ) وَفِي الزُّخْرُفِ (مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا) وَلَا رَابِعَ لَهَا، فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ عَلَى أَنَّهُ حَذَفَ الْهَمْزَةَ بِنَقْلِ حَرَكَتِهَا إِلَى الزَّايِ تَخْفِيفًا، ثُمَّ ضَعَّفَ الزَّايَ كَالْوَقْفِ عَلَى (فَرَجٍ) عِنْدَ مَنْ أَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ السَّوَاكِنِ قَبْلَ الْهَمْزِ، فَإِنَّ لَهُ بَابًا يَخْتَصُّ بِتَحْقِيقِهِ يَأْتِي بَعْدَ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَقِيَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ كَلِمَاتٌ: اخْتَلَفُوا فِي الْهَمْزِ فِيهَا وَعَدَمِهِ عَلَى غَيْرِ قَصْدِ التَّخْفِيفِ، وَهِيَ (النَّبِيُّ) وَبَابُهُ وَ (يُضَاهُونَ، وَمُرْجَوْنَ، وَتُرْجِي، وَضِيَا، وَبَادِيَ، وَالْبَرِيَّةِ) فَأَمَّا (النَّبِيُّ) وَمَا جَاءَ مِنْهُ (النَّبِيُّونَ، وَالنَّبِيِّينَ، وَالْأَنْبِيَاءَ، وَالنُّبُوَّةَ) حَيْثُ وَقَعَ، فَقَرَأَ نَافِعٌ بِالْهَمْزِ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْتِقَاءِ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمَ.
وَأَمَّا (يُضَاهُونَ) وَهُوَ فِي التَّوْبَةِ (يُضَاهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَقَرَأَ عَاصِمٌ بِالْهَمْزِ فَيَنْضَمُّ مِنْ أَجْلِ وُقُوعِ الْوَاوِ بَعْدَهَا، وَتَنْكَسِرُ الْهَاءُ قَبْلَهَا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَيَضُمُّ الْهَاءَ قَبْلُ مِنْ أَجْلِ الْوَاوِ، وَأَمَّا (مُرْجَوْنَ) وَهِيَ فِي التَّوْبَةِ أَيْضًا (مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ) وَ (تُرْجِي) وَهُوَ فِي الْأَحْزَابِ (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) فَقَرَأَهُمَا بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبُ وَأَبُو بَكْرٍ، وَقَرَأَهُمَا الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَأَمَّا (ضِيَاءً) وَهُوَ فِي يُونُسَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْقَصَصِ، فَرَوَاهُ قُنْبُلٌ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الضَّادِ فِي الثَّلَاثَةِ، وَزَعَمَ ابْنُ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ غَلِطَ مَعَ اعْتِرَافِهِ أَنَّهُ قَرَأَ كَذَلِكَ عَلَى قُنْبُلٍ، وَخَالَفَ النَّاسَ ابْنُ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ، فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْهَمْزِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَوَافَقَ قُنْبُلًا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحُلْوَانِيُّ، فَرَوَاهُ كَذَلِكَ عَنِ الْقَوَّاسِ شَيْخِ قُنْبُلٍ، وَهُوَ عَلَى الْقَلْبِ، قُدِّمَتْ فِيهِ اللَّامُ عَلَى الْعَيْنِ كَمَا قِيلَ فِي (عَاتٍ) عَتَا، وَقَرَأَ
стр. 415
الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَأَمَّا (بَادِيَ) وَهُوَ فِي هُودَ (بَادِيَ الرَّأْيِ) فَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الدَّالِّ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَأَمَّا (الْبَرِيَّةِ) وَهُوَ فِي " لَمْ يَكُنْ " (شَرُّ الْبَرِيَّةِ) ، وَ (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) فَقَرَأَهُمَا نَافِعٌ وَابْنُ ذَكْوَانَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الْيَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ مُشَدَّدَةَ الْيَاءِ فِي الْحَرْفَيْنِ.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) إِذَا لَقِيَتِ الْهَمْزَةُ السَّاكِنَةُ سَاكِنًا فَحُرِّكَتْ لِأَجْلِهِ كَقَوْلِهِ فِي الْأَنْعَامِ: (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ) وَفِي الشُّورَى (فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ) خُفِّفَتْ فِي مَذْهَبِ مَنْ يُبْدِلُهَا وَلَمْ تُبْدَلْ لِحَرَكَتِهَا. فَإِنْ فُصِلَتْ مِنْ ذَلِكَ السَّاكِنِ بِالْوَقْفِ عَلَيْهَا دُونَهُ أُبْدِلَتْ لِسُكُونِهَا، وَذَلِكَ فِي مَذْهَبِ أَبِي جَعْفَرٍ وَوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ ".
(الثَّانِي) الْهَمْزَةُ الْمُتَطَرِّفَةُ الْمُتَحَرِّكَةُ فِي الْوَصْلِ نَحْوُ (تَشَاءُ، وَيَسْتَهْزِئُ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ) إِذَا سَكَنَتْ فِي الْوَقْفِ فَهِيَ مُحَقَّقَةٌ فِي مَذْهَبِ مَنْ يُبْدِلُ الْهَمْزَةَ السَّاكِنَةَ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ. قَالَ الْحَافِظُ فِي جَامِعِهِ: وَقَدْ كَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَرَى تَرْكَ الْهَمْزَةِ فِي الْوَقْفِ فِي هُودٍ عَلَى (بَادِئَ) لِأَنَّ الْهَمْزَةَ فِي ذَلِكَ تُسَكَّنُ لِلْوَقْفِ. قَالَ: وَذَلِكَ خَطَأٌ فِي مَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا إِيقَاعُ الْإِشْكَالِ بِمَا لَا يُهْمَزُ، إِذْ هُوَ عِنْدَهُ مِنَ الِابْتِدَاءِ الَّذِي أَصْلُهُ الْهَمْزُ لَا مِنَ الظُّهُورِ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَلْزَمُ فِي نَحْوِ (قُرِئَ، وَاسْتُهْزِئَ) وَشِبْهُهُمَا بِعَيْنِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنْ مَذْهَبِهِ فِيهِ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا يُؤَيِّدُ وَيُصَحِّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ إِبْدَالِ هَمْزَةِ (بَارِئِكُمْ) حَالَةَ إِسْكَانِهَا تَخْفِيفًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) (هَانْتُمْ) إِذَا قِيلَ فِيهَا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ " هَا " فِيهَا لِلتَّنْبِيهِ دَخَلَتْ عَلَى أَنْتُمْ، فَهِيَ بِاتِّصَالِهَا رَسْمًا كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، كَمَا هِيَ فِي (هَذَا وَهَؤُلَاءِ) لَا يَجُوزُ فَصْلُهَا مِنْهَا وَلَا الْوُقُوفُ عَلَيْهَا دُونَهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الدَّانِيِّ فِي جَامِعِهِ خِلَافَ
стр. 416
ذَلِكَ، فَقَالَ: بَعْدَ ذِكْرِهِ وَجْهَ كَوْنِهَا لِلتَّنْبِيهِ مَا نَصُّهُ: الْأَصْلُ " هَاأَنْتُمْ "، " هَا " دَخَلَتْ عَلَى " أَنْتُمْ " كَمَا دَخَلَتْ عَلَى أُولَاءِ فِي قَوْلِهِ (هَؤُلَاءِ) فَهِيَ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ كَلِمَتَانِ مُنْفَصِلَتَانِ يُسْكَتُ عَلَى إِحْدَاهُمَا وَيُبْتَدَأُ بِالثَّانِيَةِ. انْتَهَى. وَهُوَ مُشْكِلٌ سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي بَابِ الْوَقْفِ عَلَى مَرْسُومِ الْخَطِّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(الرَّابِعُ) إِذَا قُصِدَ الْوَقْفُ عَلَى (اللَّايْ) فِي مَذْهَبِ مَنْ يُسَهِّلُ الْهَمْزَةَ بَيْنَ بَيْنَ إِنْ وَقَفَ بِالرَّوْمِ وَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ. وَإِنْ وَقَفَ بِالسُّكُونِ وَقَفَ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ عَلَى (أَأَنْتَ، وَأَرَأَيْتَ) عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَوَى الْبَدَلَ عَنِ الْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ، فَإِنَّهُ يُوقِفُ عَلَيْهِ بِتَسْهِيلٍ بَيْنَ بَيْنَ عَكْسِ مَا تَقَدَّمَ فِي (اللَّايْ) وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ اجْتِمَاعِ ثَلَاثِ سَوَاكِنَ ظَوَاهِرٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَيْسَ هَذَا كَالْوَقْفِ عَلَى الْمُشَدَّدِ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ بَابِ الْوَقْفِ عَلَى أَوَاخِرِ الْكَلِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ نَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إِلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا
وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ تَخْفِيفِ الْهَمْزِ الْمُفْرَدِ لُغَةً لِبَعْضِ الْعَرَبِ، اخْتَصَّ بِرِوَايَتِهِ وَرْشٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ آخِرَ كَلِمَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ حَرْفِ مَدٍّ، وَأَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ أَوَّلَ الْكَلِمَةِ الْأُخْرَى، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ السَّاكِنُ تَنْوِينًا، أَوْ لَامَ تَعْرِيفٍ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيَتَحَرَّكُ ذَلِكَ السَّاكِنُ بِحَرَكَةِ الْهَمْزَةِ، وَتَسْقُطُ هِيَ مِنَ اللَّفْظِ؛ لِسُكُونِهَا وَتَقْدِيرِ سُكُونِهَا، وَذَلِكَ نَحْوُ (وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ، وَخَبِيرٍ أَنْ لَا تَعْبُدُوا، وَبِعَادٍ إِرَمَ، وَلِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ، وَحَامِيَةً أَلْهَاكُمُ) وَنَحْوُ (الْآخِرَةُ، وَالْآخِرِ، وَالْأَرْضِ، وَالْأَسْمَاءَ، وَالْإِنْسَانُ، وَالْإِيمَانِ، وَالْأُولَى، وَالْأُخْرَى، وَالْأُنْثَى) وَنَحْوُ (مَنْ آمَنَ، وَمَنْ إِلَهٌ، وَمِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَمَنْ أُوتِيَ، وَلَقَدْ آتَيْنَا، وَالم أَحَسِبَ النَّاسُ، وَفَحَدِّثْ أَلَمْ نَشْرَحْ، وَخَلَوْا إِلَى، وَابْنَيْ آدَمَ) وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَإِنَّ
стр. 417
كَانَ السَّاكِنُ حَرْفَ مَدٍّ تَرَكَهُ عَلَى أَصْلِهِ الْمُقَرَّرِ فِي بَابِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ نَحْوُ (يَايُّهَا، وَانَّا انْ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ، وَقَالُوا آمَنَّا) وَاخْتُلِفَ، عَنْ وَرْشٍ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّاكِنِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي الْحَاقَّةِ (كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ) فَرَوَى الْجُمْهُورُ عَنْهُ إِسْكَانَ الْهَاءِ وَتَحْقِيقَ الْهَمْزَةِ عَلَى مُرَادِ الْقَطْعِ وَالِاسْتِئْنَافِ مِنْ أَجْلِ إِنْهَاءِ هَاءِ السَّكْتِ، وَهَذَا الَّذِي قَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " التَّيْسِيرِ " غَيْرَهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَرَأَ بِالتَّحْقِيقِ مِنْ طَرِيقَيْهِ عَلَى الْخَاقَانِيِّ وَأَبِي الْفَتْحِ، وَابْنِ غَلْبُونَ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ، عَنِ ابْنِ نَفِيسٍ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْهُ، وَعَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ ابْنِ عِرَاكٍ، عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ أَيْضًا بِغَيْرٍ خُلْفٍ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرَوَى النَّقْلَ فِيهِ كَسَائِرِ الْبَابِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَبِهِ قَطَعَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِ الْعِرَاقِيِّينَ لَهُ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْأَزْرَقِ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ أَبِيهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هِلَالٍ عَنْهُ. وَأَشَارَ إِلَى ضَعْفِهِ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَقَالَ مَكِّيٌّ: أَخَذَ قَوْمٌ بِتَرْكِ النَّقْلِ فِي هَذَا، وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ وَأَقْوَى، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ فِي هِدَايَتِهِ وَعَنْهُ (كِتَابِيَهْ إِنِّي) النَّقْلُ وَالتَّحْقِيقُ، فَسَوَّى بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ.
(قُلْتُ) : وَتَرْكُ النَّقْلِ فِيهِ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، وَالْأَصَحُّ لَدَيْنَا، وَالْأَقْوَى فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْهَاءَ هَاءُ سَكْتٍ، وَحُكْمُهَا السُّكُونُ، فَلَا تُحَرَّكُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ قُبْحٍ، وَأَيْضًا فَلَا تُثْبَتُ إِلَّا فِي الْوَقْفِ، فَإِذَا خُولِفَ الْأَصْلُ فَأُثْبِتَتْ فِي الْوَصْلِ إِجْرَاءً لَهُ مَجْرَى الْوَقْفِ لِأَجْلِ إِثْبَاتِهَا فِي رَسْمِ الْمُصْحَفِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَالَفَ الْأَصْلُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ تَحْرِيكُهَا، فَيَجْتَمِعُ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ مُخَالَفَتَانِ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْهَاشِمِيِّ، عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ بِالنَّقْلِ كَمَذْهَبِ وَرْشٍ فِيمَا يُنْقَلُ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعُمَرِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَوَافَقَهُ عَلَى النَّقْلِ فِي (مِنِ اسْتَبْرَقٍ) فَقَطْ فِي الرَّحْمَنِ رُوَيْسٌ وَوَافَقَهُ عَلَى (آلْآنَ) فِي مَوْضِعَيْ يُونُسَ وَهُمَا
стр. 418
(آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ) قَالُونُ وَابْنُ وَرْدَانَ، وَانْفَرَدَ الْحَمَّامِيُّ عَنِ النَّقَّاشِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْجَمَّالِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ قَالُونَ بِالتَّحْقِيقِ فِيهَا كَالْجَمَاعَةِ، وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ لِحِكَايَتِهِ فِي وَجْهٍ لِأَبِي نَشِيطٍ، وَقَدْ خَالَفَا فِي ذَلِكَ جَمِيعَ أَصْحَابِ قَالُونَ وَجَمِيعَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَانْفَرَدَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْعَلَّافِ أَيْضًا، عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِالتَّحْقِيقِ فِي الْحَرْفَيْنِ، فَخَالَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ فِي (آلْآنَ) فِي بَاقِي الْقُرْآنِ فَرَوَى النَّهْرَوَانِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَابْنُ هَارُونَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ هِبَةِ اللَّهِ، وَغَيْرُهُمَا النَّقْلَ فِيهِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَهْوَازِيِّ، وَالرَّهَاوِيِّ، وَغَيْرِهِمَا عَنْهُ، وَرَوَاهُ هِبَةُ اللَّهِ، وَابْنُ مِهْرَانَ وَالْوَرَّاقُ وَابْنُ الْعَلَّافِ، عَنْ أَصْحَابِهِمْ، عَنْهُ، بِالتَّحْقِيقِ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِمَا لَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْهَاشِمِيُّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ النَّقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاتَّفَقَ وَرْشٌ وَقَالُونُ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ فِي: (عَادًا الْأُولَى) فِي النَّجْمِ عَلَى نَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَ اللَّامِ وَإِدْغَامِ التَّنْوِينِ قَبْلَهَا فِي حَالَةِ الْوَصْلِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَاخْتُلِفَ عَنْ قَالُونَ فِي هَمْزِ الْوَاوِ الَّتِي بَعْدَ اللَّامِ، فَرَوَى عَنْهُ هَمْزَهَا جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الدَّانِيُّ عَنْهُ وَلَا ابْنُ مِهْرَانَ وَلَا الْهُذَلِيُّ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ سِوَاهُ، وَبِهِ قَطَعَ فِي " الْهَادِي " وَ " الْهِدَايَةِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " وَ " الْكَافِي " وَ " التَّذْكِرَةِ " وَ " التَّلْخِيصِ " وَ " الْعُنْوَانِ " وَغَيْرِهَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَغَيْرِهِ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى ابْنِ نَفِيسٍ وَعَبْدِ الْبَاقِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، وَرَوَاهُ عَنْهُ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ لَهُ ابْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو الْعِزِّ وَأَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي مُؤَلَّفَاتِهِ، وَرَوَى عَنْهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ أَهْلُ الْعِرَاقِ قَاطِبَةً مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ كَصَاحِبِ " التَّذْكَارِ "، وَ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَ " الْإِرْشَادِ " وَ " غَايَةِ الِاخْتِصَارِ "، وَ " الْمُبْهِجِ "، وَ " الْكِفَايَةِ " فِي السِّتِّ وَالْمِصْبَاحِ وَغَيْرِهِمْ، وَرَوَاهُ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، غَيْرَ أَنَّ الْهَمْزَ أَشْهَرُ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَعَدَمَهُ أَشْهَرُ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، وَلَيْسَ الْهَمْزُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ
стр. 419
قَالُونُ كَمَا ظَنَّ مَنْ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَى الرِّوَايَاتِ وَمَشْهُورِ الطُّرُقِ وَالْقِرَاءَاتِ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ أَيْضًا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ وَابْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ نَافِعٍ وَابْنِ ذَكْوَانَ وَابْنِ سَعْدَانَ، عَنِ الْمُسَيَّبِيِّ، عَنْهُ. وَانْفَرَدَ بِهِ الْحَنْبَلِيُّ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْ أَصْحَابِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَاخْتُلِفَ فِي تَوْجِيهِ الْهَمْزِ، فَقِيلَ وَجْهُهُ ضَمَّةُ اللَّامِ قَبْلَهَا، فَهُمِزَتْ لِمُجَاوَرَةِ الضَّمِّ كَمَا هُمِزَتْ فِي: سُؤْقٍ وَيُؤْقِنُ، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ.
أَحَبُّ الْمُؤْقِدِينَ إِلَيَّ مُوسَى
ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ فِي الْحُجَّةِ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: الْأَصْلُ فِي الْوَاوِ الْهَمْزُ، وَأُبْدِلَتْ لِسُكُونِهِ بَعْدَ هَمْزٍ مَضْمُومٍ وَاوًا كَـ " أُوتِيَ "، فَلَمَّا حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى بَعْدَ النَّقْلِ زَالَ اجْتِمَاعُ الْهَمْزَتَيْنِ، فَرَجَعَتْ لَكَ الْهَمْزَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ لَهُ: قَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُنْتَحِلِينَ لِمَذْهَبِ الْقُرَّاءِ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِقِرَاءَةِ قَالُونَ بِحِيلَةٍ وَجَهْلِ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ أُولَى وَزْنُهَا فُعْلَى؛ لِأَنَّهَا تَأْنِيثُ أَوَّلٍ، كَمَا أَنَّ أُخَرَ تَأْنِيثُ أُخْرَى، هَذَا فِي قَوْلِ مَنْ لَمْ يَهْمِزِ الْوَاوَ فَمَعْنَاهَا عَلَى هَذَا الْمُتَقَدِّمَةُ ; لِأَنَّ أَوَّلَ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمُهُ، فَأَمَّا فِي قَوْلِ قَالُونَ فَهِيَ عِنْدِي مُشْتَقَّةٌ مِنْ (وَأَلَ) . أَيْ: لَجَا، وَيُقَالُ: نَجَا. فَالْمَعْنَى أَنَّهَا نَجَتْ بِالسَّبْقِ لِغَيْرِهَا، فَهَذَا وَجْهٌ بَيِّنٌ مِنَ اللُّغَةِ وَالْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَبْيَنَ فَلَيْسَ سَبِيلُ ذَلِكَ أَنْ يُدْفَعَ وَيُطْلَقَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ ; لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ إِنَّمَا تَأْخُذُ بِالْأَثْبَتِ عِنْدَهَا فِي الْأَثَرِ دُونَ الْقِيَاسِ إِذَا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ سُنَّةً. فَالْأَصْلُ فِيهَا عَلَى قَوْلِهِ: (وُءْلَى) بِوَاوٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً لِانْضِمَامِهِمَا كَمَا أُبْدِلَتْ فِي: أُقِّتَتْ، وَهِيَ مِنَ الْوَقْتِ، فَاجْتَمَعَتْ هَمْزَتَانِ: الثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ، وَالْعَرَبُ لَا تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَأُبْدِلَتِ الثَّانِيَةُ وَاوًا لِسُكُونِهَا وَانْضِمَامِ مَا قَبْلَهَا، كَمَا أُبْدِلَتْ فِي يُومِنُ وَيُوتَى وَشِبْهِهِمَا، ثُمَّ أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلتَّعْرِيفِ، فَقِيلَ: " الْأُولَى " بِلَامٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ، فَلَمَّا أَتَى التَّنْوِينُ قَبْلَ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ (عَادًا) الْتَقَى سَاكِنَانِ، فَأُلْقِيَتْ حِينَئِذٍ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ وَحَرَّكْتَهَا بِهَا لِئَلَّا يَلْتَقِيَ سَاكِنَانِ.
стр. 420
وَلَوْ كَسَرْتَ التَّنْوِينَ وَلَمْ تُدْغِمْهُ لَكَانَ الْقِيَاسُ، وَلَكِنْ هَذَا وَجْهُ الرِّوَايَةِ، فَلَمَّا عَدِمَتِ الْمَضْمُومَةُ وَهِيَ الْمُوجِبَةُ لِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ وَاوًا لَفْظًا رَدَّ قَالُونُ تِلْكَ الْهَمْزَةَ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِإِبْدَالِهَا. فَعَامَلَ اللَّفْظَ. قَالَ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ (لِقَاءَنَا، ايْتِ، وَقَالَ ايْتُونِي) وَشِبْهُهُ مِمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَلِفُ الْوَصْلِ عَلَى الْهَمْزَةِ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَصَلْتَ حَقَّقْتَ الْهَمْزَةَ لِعَدَمِ وُجُودِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ابْتَدَأْتَ كَسَرْتَ أَلِفَ الْوَصْلِ، وَأَبْدَلْتَ الْهَمْزَةَ، فَكَذَلِكَ هُنَا. فَعَلَهُ قَالُونَ وَقَالَ: أَصْلُ (أُولَى) عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ " وُولَى " بِوَاوَيْنِ - تَأْنِيثُ أَوَّلٍ - قُلِبَتِ الْوَاوُ الْأُولَى هَمْزَةً وُجُوبًا حَمْلًا عَلَى جَمْعِهِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ (وُءْلَى) بِوَاوٍ وَهَمْزَةٍ مِنْ وَأَلَ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً عَلَى حَدِّ (وُجُوهٍ) فَاجْتَمَعَ هَمْزَتَانِ، فَأُبْدِلَتِ الثَّانِيَةُ وَاوًا عَلَى حَدِّ (أُوتِيَ) انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا تَكُونُ (الْأُولَى) فِي الْقِرَاءَتَيْنِ بِمَعْنًى، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَالْكُوفِيُّونَ بِكَسْرِ التَّنْوِينِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا. هَذَا حُكْمُ الْوَصْلِ، وَأَمَّا حُكْمُ الِابْتِدَاءِ فَيَجُوزُ فِي مَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو، وَيَعْقُوبَ، وَقَالُونَ إِذَا لَمْ يَهْمِزِ الْوَاوَ،، وَأَبِي جَعْفَرٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْهَاشِمِيِّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، وَمِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْحَنْبَلِيِّ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
(أَحَدُهَا) الْأُولَى بِإِثْبَاتِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَضَمِّ اللَّامِ بَعْدَهَا، وَهَذَا الَّذِي لَمْ يَنُصَّ ابْنُ سَوَّارٍ عَلَى سِوَاهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ عِبَارَةِ أَكْثَرِ الْمُؤَلِّفِينَ غَيْرُهُ، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَغَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ، وَكِفَايَةِ أَبِي الْعِزِّ، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَغَيْرِهَا، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّبْصِرَةِ " وَ " التَّجْرِيدِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْمُبْهِجِ "، وَ " الْكِفَايَةِ ".
(الثَّانِي) (لُولَى) بِضَمِّ اللَّامِ وَحَذْفِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ قَبْلَهَا اكْتِفَاءً عَنْهَا بِتِلْكَ الْحَرَكَةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ ثَانِي الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَالتَّيْسِيرِ، وَ " التَّذْكِرَةِ " وَ " الْغَايَةِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " الْكَافِي "، وَ " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْمُبْهِجِ "، وَكِفَايَتِهِ، وَغَيْرِهَا، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ جَائِزَانِ فِي ذَلِكَ، وَشِبْهُهُ فِي مَذْهَبِ وَرْشٍ وَطَرِيقِ الْهَاشِمِيِّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ كَمَا سَيَأْتِي.
(الثَّالِثُ) (الْأُولَى) تُرَدُّ الْكَلِمَةُ إِلَى أَصْلِهَا فَتَأْتِي بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ
стр. 421
وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَ " الْغَايَةِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " التَّجْرِيدِ "،. قَالَ مَكِّيٌّ: وَهُوَ أَحْسَنُ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ: وَهَذَا أَجْوَدُ الْوُجُوهِ، وَقَالَ فِي " التَّيْسِيرِ ": وَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ الْوُجُوهِ وَأَقْيَسُهَا؛ لِمَا بَيَّنْتُهُ مِنَ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ " التَّمْهِيدِ "، وَقَالَ فِي " التَّمْهِيدِ ": وَهَذَا الْوَجْهُ عِنْدِي أَوْجَهُ الثَّلَاثَةِ، وَأَلْيَقُ وَأَقْيَسُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي دَعَتْ إِلَى مُنَاقَضَةِ الْأَصْلِ فِي الْوَصْلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ - خَاصَّةً مَعَ صِحَّةِ الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ - هِيَ التَّنْوِينُ فِي كَلِمَةِ " عَادٍ " لِسُكُونِهِ وَسُكُونِ لَامِ الْمَعْرِفَةِ بَعْدُ، فَحَرَّكَ اللَّامَ حِينَئِذٍ بِحَرَكَةِ الْهَمْزَةِ؛ لِئَلَّا يَلْتَقِيَ سَاكِنَانِ وَيَتَمَكَّنَ إِدْغَامُ التَّنْوِينِ فِيهَا إِيثَارًا لِلْمَرْوِيِّ عَنِ الْعَرَبِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَالْتِقَاءُ السَّاكِنَيْنِ وَالْإِدْغَامُ فِي الِابْتِدَاءِ مَعْدُومٌ بِافْتِرَاقِ الْكَلِمَتَيْنِ حِينَئِذٍ بِالْوَقْفِ عَلَى إِحْدَاهُمَا وَالِابْتِدَاءِ بِالثَّانِيَةِ، فَلَمَّا زَالَتِ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا فِي الِابْتِدَاءِ - وَجَبَ رَدُّ الْهَمْزِ لِيُوَافِقَ بِذَلِكَ - يَعْنِي أَصْلَ مَذْهَبِهِمْ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ. انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِي الِابْتِدَاءِ بِهَا لِقَالُونَ فِي وَجْهِ هَمْزِ الْوَاوِ، وَلِلْحَنْبَلِيِّ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهِ (أَحَدُهَا) (الُاؤْلَى) بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَضَمِّ اللَّامِ وَهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ عَلَى الْوَاوِ (ثَانِيهَا) (لُولَى) بِضَمِّ اللَّامِ وَحَذْفِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَهَمْزَةِ الْوَاوِ (ثَالِثُهَا) (الْأُولَى) كَوَجْهِ أَبِي عَمْرٍو الثَّالِثِ. وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ هِيَ أَيْضًا فِي الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ " الْكَافِي " لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الثَّالِثَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَذَكَرَهُ لِقَالُونَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الثَّانِي لِقَالُونَ صَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ "، وَذَكَرَ لَهُ الثَّالِثَ بِصِيغَةِ التَّضْعِيفِ، فَقَالَ: وَقِيلَ إِنَّهُ يُبْتَدَأُ لِقَالُونَ بِالْقَطْعِ وَهَمْزَةٍ كَالْجَمَاعَةِ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ أَبِي الْعَلَاءِ الْحَافِظِ جَوَازُ الثَّالِثِ عَنْ وَرْشٍ أَيْضًا، وَهُوَ سَهْوٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ السَّاكِنُ وَالْهَمْزُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يُنْقَلُ إِلَيْهِ إِلَّا فِي كَلِمَاتٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ (رِدْءًا، وَمِلْءُ، وَالْقُرْآنِ، وَاسْأَلِ) أَمَّا (رِدْءًا) مِنْ قَوْلِهِ:
стр. 422
(رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) فِي الْقَصَصِ فَقَرَأَهُ بِالنَّقْلِ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ، إِلَّا أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَبْدَلَ مِنَ التَّنْوِينِ أَلِفًا فِي الْحَالَيْنِ، وَوَافَقَهُ نَافِعٌ فِي الْوَقْفِ، وَأَمَّا (مِلْءُ) مِنْ قَوْلِهِ: (مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا) فِي آلِ عِمْرَانَ. فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ وَالْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ وَرْشٍ، فَرَوَاهُ بِالنَّقْلِ النَّهْرَوَانِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَبِهِ قَطَعَ لِابْنِ وَرْدَانَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَرَوَاهُ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ أَبُو الْعِزِّ فِي " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَابْنُ سَوَّارٍ، فِي " الْمُسْتَنِيرِ "، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعُمَرِيِّ عَنْهُ، وَرَوَاهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِغَيْرِ نَقْلٍ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنْهُ، وَقَطَعَ لِلْأَصْبَهَانِيِّ فِيهِ بِالنَّقْلِ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي نَصْرِ بْنِ مَسْرُورٍ وَأَبِي الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِمَا، عَنْهُ، وَهُوَ نَصُّ ابْنِ سَوَّارٍ، عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ نَصًّا، عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَرَوَاهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْهُ بِغَيْرِ نَقْلٍ، وَالْوَجْهَانِ عَنْهُ صَحِيحَانِ، قَرَأْتُ بِهِمَا جَمِيعًا عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَبِهِمَا آخُذُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقُرْآنُ وَمَا جَاءَ مِنْهُ نَحْوُ (قُرْآنَ الْفَجْرِ، وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ، فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) فَقَرَأَ بِالنَّقْلِ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَمَّا (وَاسْأَلِ) وَمَا جَاءَ مِنْ لَفْظِهِ نَحْوُ (وَاسْأَلُوا اللَّهَ) ، (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) (فَاسْأَلِ الَّذِينَ) (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ) (فَاسْأَلُوهُنَّ) إِذَا كَانَ فِعْلُ أَمْرٍ وَقَبْلَ السِّينِ وَاوًا أَوْ فَاءً. فَقَرَأَهُ بِالنَّقْلِ ابْنُ كَثِيرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعَ بِغَيْرِ نَقْلٍ.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) لَامُ التَّعْرِيفُ وَإِنِ اشْتَدَّ اتِّصَالُهَا بِمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَكُتِبَتْ مَعَهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنَّهَا مَعَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ الَّذِي يُنْقَلُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُوجِبِ اتِّصَالُهَا خَطًّا أَنْ تَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ مِنْ نَفْسِ الْبِنْيَةِ ; لِأَنَّهَا إِذَا أَسْقَطْتَهَا لَمْ يَخْتَلَّ مَعْنَى الْكَلِمَةِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ بِزَوَالِهَا الْمَعْنَى الَّذِي دَخَلَتْ بِسَبَبِهِ خَاصَّةً وَهُوَ التَّعْرِيفُ، وَنَظِيرُ هَذَا النَّقْلِ إِلَى هَذِهِ اللَّامِ إِبْقَاءً لِحُكْمِ الِانْفِصَالِ عَلَيْهَا - وَإِنِ اتَّصَلَتْ
стр. 423
خَطًّا - سَكْتُ حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ عَلَيْهَا إِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا هَمْزٌ، كَمَا يَسْكُتُونَ عَلَى السَّوَاكِنِ الْمُنْفَصِلَةِ حَسْبَمَا يَجِيءُ فِي الْبَابِ الْآتِي (فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ) فَاعْلَمْ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ هِيَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنْ حُرُوفِ التَّهَجِّي، وَهُوَ اللَّامُ وَحْدَهَا، وَبِهَا يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ، وَإِنَّمَا الْأَلِفُ قَبْلَهَا أَلِفُ وَصْلٍ؛ وَلِهَذَا تَسْقُطُ فِي الدَّرَجِ، فَهِيَ إِذًا بِمَنْزِلَةِ بَاءِ الْجَرِّ وَكَافِ التَّشْبِيهِ مِمَّا هُوَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ؛ وَلِهَذَا كُتِبَتْ مَوْصُولَةً فِي الْخَطِّ بِمَا بَعْدَهَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ أَدَاةَ التَّعْرِيفِ هِيَ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَأَنَّ الْهَمْزَةَ تُحْذَفُ فِي الدَّرَجِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الْخَلِيلِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ: مِنْهَا ثُبُوتُهَا مَعَ تَحْرِيكِ اللَّامِ حَالَةَ النَّقْلِ نَحْوُ (الَحْمَرُ، الَرْضُ) وَأَنَّهَا تُبْدَلُ أَوْ تُسَهَّلُ بَيْنَ بَيْنَ مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ نَحْوَ (آلذَّكَرَيْنِ) ، وَأَنَّهَا تُقْطَعُ فِي الِاسْمِ الْعَظِيمِ فِي النِّدَاءِ نَحْوَ (يَا أَللَّهُ) وَلَيْسَ هَذَا مَحَلَّ ذِكْرِ ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ، وَالْقَصْدُ ذِكْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَاتِ مِنْ ذَلِكَ.
وَهُوَ التَّنْبِيهُ (الثَّانِي) فَنَقُولُ: إِذَا نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ إِلَى لَامِ التَّعْرِيفِ فِي نَحْوِ (الْأَرْضِ، الْآخِرَةُ، الْآنَ، الْإِيمَانِ، الْأُولَى، الْأَبْرَارِ) وَقُصِدَ الِابْتِدَاءُ عَلَى مَذْهَبِ النَّاقِلِ، فَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ حَرْفُ التَّعْرِيفِ " أَلْ "، أَوِ اللَّامَ فَقَطْ؛ فَإِنْ جُعِلَتْ " أَلْ " ابْتَدَأَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَبَعْدَهَا اللَّامُ الْمُحَرَّكَةُ بِحَرَكَةِ هَمْزَةِ الْقَطْعِ، فَتَقُولُ: (الَرْضُ، الَاخِرَةُ، الِايمَانُ، الَبْرَارُ) لَيْسَ إِلَّا، وَإِنْ جُعِلَتِ اللَّامُ فَقَطْ فَإِمَّا أَنْ يُعْتَدَّ بِالْعَارِضِ - وَهُوَ حَرَكَةُ اللَّامِ بَعْدَ النَّقْلِ - أَوْ لَا يُعْتَدَّ بِذَلِكَ وَيُعْتَبَرَ الْأَصْلُ. فَإِذَا اعْتَدَدْنَا بِالْعَارِضِ حَذَفْنَا هَمْزَةَ الْوَصْلِ، وَقُلْنَا: (لَرْضُ، لَاخِرَةُ، لِيمَانُ، لَانَ، لَبْرَارُ) لَيْسَ إِلَّا، وَإِنْ لَمْ نَعْتَدَّ بِالْعَارِضِ وَاعْتَبَرْنَا الْأَصْلَ جَعَلْنَا هَمْزَةَ الْوَصْلِ عَلَى حَالِهَا وَقُلْنَا (الَرْضُ، الَاخِرَةُ) كَمَا قُلْنَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ " أَلْ "، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ جَائِزَانِ فِي كُلِّ مَا يُنْقَلُ إِلَيْهِ مِنْ لَامَاتِ التَّعْرِيفِ لِكُلِّ مَنْ يَنْقُلُ ; وَلِذَلِكَ جَازَ لِنَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَأَبِي جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبَ فِي (الْأُولَى) مِنْ (عَادًا الْأُولَى) كَمَا تَقَدَّمَ وَجَازَ فِي (الَانَ) لِابْنِ وَرْدَانَ فِي وَجْهِ النَّقْلِ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ مُطْلَقًا الْحَافِظَانِ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَأَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ
стр. 424
وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ بَلِّيمَةَ وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَاذِشِ وَأَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَبِهِمَا قَرَأْنَا لِوَرْشٍ وَغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ، وَبِهِمَا نَأْخُذُ لَهُ وَلِلْهَاشِمِيِّ، عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، مِنْ طَرِيقِ الْهُذَلِيِّ، وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: بِئْسَ الِاسْمُ فَقَالَ الْجَعْبَرِيُّ: وَإِذَا ابْتَدَأْتَ (الِاسْمَ) فَالَّتِي بَعْدَ اللَّامِ عَلَى حَذْفِهَا لِلْكُلِّ، وَالَّتِي قَبْلَهَا فَقِيَاسُهَا جَوَازُ الْإِثْبَاتِ وَالْحَذْفِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِرُجْحَانِ الْعَارِضِ الدَّائِمِ عَلَى الْعَارِضِ الْمُفَارِقِ، وَلَكِنِّي سَأَلْتُ بَعْضَ شُيُوخِي فَقَالَ: الِابْتِدَاءُ بِالْهَمْزِ وَعَلَيْهِ الرَّسْمُ. انْتَهَى.
(قُلْتُ) : الْوَجْهَانِ جَائِزَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّعْرِيفِ، وَالْأَوْلَى الْهَمْزُ فِي الْوَصْلِ وَالنَّقْلِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِعَارِضٍ دَائِمٍ وَلَا مُفَارِقٍ، بَلِ الرِّوَايَةُ وَهِيَ بِالْأَصْلِ الْأَصْلُ، وَكَذَلِكَ رُسِمَتْ. نَعَمْ، الْحَذْفُ جَائِزٌ وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ حَذْفَهَا مِنَ (الْأُولَى) فِي النَّجْمِ أَوْلَى لِلْحَذْفِ لَسَاغَ، وَلَكِنْ فِي الرِّوَايَةِ تَفْصِيلٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَبْلَ لَامِ التَّعْرِيفِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهَا حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمَدِّ، أَوْ سَاكِنٌ غَيْرُهُنَّ لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُ حَرْفِ الْمَدِّ، وَلَا رَدُّ سُكُونِ السَّاكِنِ مَعَ تَحْرِيكِ اللَّامِ ; لِأَنَّ التَّحْرِيكَ فِي ذَلِكَ عَارِضٌ، فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَقُدِّرَ السُّكُونُ؛ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ، وَلِذَلِكَ حُذِفَ حَرْفُ الْمَدِّ، وَحُرِّكَ السَّاكِنُ حَالَةَ الْوَصْلِ، وَذَلِكَ نَحْوُ (وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ) ، وَ (سِيرَتَهَا الْأُولَى) ، وَ (إِذَا الَارْضُ) ، وَ (أُولِي الْأَمْرِ) ، وَ (فِي الَانْعَامِ) ، وَ (يُحْيِي الَارْضَ) ، وَ (قَالُوا الَانَ) ، وَ (أَنْكِحُوا الَايَامَى) ، وَ (أَنْ تُؤَدُّوا الَامَانَاتِ) وَنَحْوُ (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الَانَ) ، وَ (بَلِ الِانْسَانُ) ، (وَأَلَمْ نُهْلِكِ الَاوَّلِينَ) ، وَ (عَنِ الَاخِرَةِ) ، وَ (مِنَ الَارْضِ) ، وَ (مِنَ الُاولَى) ، وَ (أَشْرَقَتِ الَارْضُ) ، وَ (فَلْيَنْظُرِ الِانْسَانُ) وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ صِلَةً، أَوْ مِيمَ جَمْعٍ نَحْوُ (وَبِدَارِهِ الَارْضَ) ، وَ (لَا تُدْرِكُهُ الَابْصَارُ) ، وَ (هَذِهِ الَانْهَارُ) ، وَ (هَذِهِ الَانْعَامُ) ، (وَيُلْهِهِمُ الَامَلُ) ، (وَأَنْتُمُ الَاعْلَوْنَ) وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، كَالْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ وَأَبِي الْحَسَنِ السَّخَاوِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي اللُّغَةِ وَعِنْدَ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ
стр. 425
الْوَجْهَانِ: الِاعْتِدَادُ بِحَرَكَةِ النَّقْلِ وَعَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهَا، وَأَجْرَوْا عَلَى كُلِّ وَجْهٍ مَا يَقْتَضِي مِنَ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يَخُصُّوا بِذَلِكَ وَصْلًا وَلَا ابْتِدَاءً، وَلَا دُخُولَ هَمْزَةٍ وَلَا عَدَمَ دُخُولِهَا، بَلْ قَالُوا: إِنِ اعْتَدَدْنَا بِالْعَارِضِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى حَذْفِ حَرْفٍ مِنْ (فِي الَارْضِ) وَلَا إِلَى تَحْرِيكِ النُّونِ (مِنْ لَانَ) وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ ثَعْلَبٌ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ الْفَرَّاءِ:
لَقَدْ كُنْتَ تُخْفِي حَبَّ سَمْرَاءَ خِيفَةً ... فَبُحْ لَانَ مِنْهَا بِالَّذِي أَنْتَ بَائِحُ
وَعَلَى ذَلِكَ قَرَأْنَا لِابْنِ مُحَيْصِنٍ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ لَهِلَّةِ) ، وَ (عَنْ لَانْفَالِ) ، وَ (مِنْ لَاثِمِينَ) وَشِبْهَهُ بِالْإِسْكَانِ فِي النُّونِ وَإِدْغَامِهَا، وَهُوَ وَجْهُ قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَمَنْ مَعَهُ (عَادًا لُولَى) فِي النَّجْمِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَمَّا رَأَى أَبُو شَامَةَ إِطْلَاقَ النُّحَاةِ وَوَقَفَ عَلَى تَقْيِيدِ الْقُرَّاءِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ، فَتَوَسَّطَ وَقَالَ مَا نَصُّهُ: جَمِيعُ مَا نَقَلَ فِيهِ وَرْشٌ الْحَرَكَةَ إِلَى لَامِ الْمَعْرِفَةِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ غَيْرَ (عَادًا لُولَى) هُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا ظَهَرَتْ فِيهِ أَمَارَةُ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الَارْضِ زِينَةً) (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ) (وَيَدْعُ الِانْسَانُ) (قَالُوا الَانَ) ، (أَزِفَتِ الَازِفَةُ) وَنَحْوِ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ بَعْدَ نَقْلِ الْحَرَكَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَمْ يَرُدَّ حُرُوفَ الْمَدِّ الَّتِي حُذِفَتْ لِأَجْلِ سُكُونِ اللَّامِ، وَلَمْ تُسَكَّنْ تَاءُ التَّأْنِيثِ الَّتِي كُسِرَتْ لِسُكُونِ (لَازِفَةُ) فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مَا اعْتَدَّ بِالْحَرَكَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، فَيَنْبَغِي إِذَا ابْتَدَأَ الْقَارِئُ لَهُ فِيهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ ; لِأَنَّ اللَّامَ، وَإِنْ تَحَرَّكَتْ فَكَأَنَّهَا بَعْدُ سَاكِنَةٌ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَمَارَةٌ نَحْوُ (وَقَالَ الِانْسَانُ مَا لَهَا) فَإِذَا ابْتَدَأَ الْقَارِئُ لِوَرْشٍ هُنَا اتَّجَهَ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ. انْتَهَى.
وَهُوَ حَسَنٌ لَوْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْجَعْبَرِيُّ فَقَالَ: وَهَذَا فِيهِ عُدُولٌ عَنِ النَّقْلِ إِلَى النَّظَرِ، وَفِيهِ حَظْرٌ.
(قُلْتُ) : صِحَّةُ الرِّوَايَةِ بِالْوَجْهَيْنِ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بِنَصِّ مَنْ يُحْتَجُّ بِنَقْلِهِ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ اعْتَدَّ بِالْعَارِضِ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الْوَصْلِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا رِوَايَةً مَعَ الْجَوَازِ فِيهِمَا لُغَةً؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الْمَدِّ لِلسَّاكِنِ وَالْحَرَكَةِ لِأَجْلِهِ فِي الْوَصْلِ سَابِقٌ لِلنَّقْلِ، وَالنَّقْلُ طَارِئٌ عَلَيْهِ،
следующие страницы →