← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 22642

النشر في القراءات العشر

ابن الجزري

Полный текст (967 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَ " الْغَايَةِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " التَّجْرِيدِ "،. قَالَ مَكِّيٌّ: وَهُوَ أَحْسَنُ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ: وَهَذَا أَجْوَدُ الْوُجُوهِ، وَقَالَ فِي " التَّيْسِيرِ ": وَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ الْوُجُوهِ وَأَقْيَسُهَا؛ لِمَا بَيَّنْتُهُ مِنَ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ " التَّمْهِيدِ "، وَقَالَ فِي " التَّمْهِيدِ ": وَهَذَا الْوَجْهُ عِنْدِي أَوْجَهُ الثَّلَاثَةِ، وَأَلْيَقُ وَأَقْيَسُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي دَعَتْ إِلَى مُنَاقَضَةِ الْأَصْلِ فِي الْوَصْلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ - خَاصَّةً مَعَ صِحَّةِ الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ - هِيَ التَّنْوِينُ فِي كَلِمَةِ " عَادٍ " لِسُكُونِهِ وَسُكُونِ لَامِ الْمَعْرِفَةِ بَعْدُ، فَحَرَّكَ اللَّامَ حِينَئِذٍ بِحَرَكَةِ الْهَمْزَةِ؛ لِئَلَّا يَلْتَقِيَ سَاكِنَانِ وَيَتَمَكَّنَ إِدْغَامُ التَّنْوِينِ فِيهَا إِيثَارًا لِلْمَرْوِيِّ عَنِ الْعَرَبِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَالْتِقَاءُ السَّاكِنَيْنِ وَالْإِدْغَامُ فِي الِابْتِدَاءِ مَعْدُومٌ بِافْتِرَاقِ الْكَلِمَتَيْنِ حِينَئِذٍ بِالْوَقْفِ عَلَى إِحْدَاهُمَا وَالِابْتِدَاءِ بِالثَّانِيَةِ، فَلَمَّا زَالَتِ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا فِي الِابْتِدَاءِ - وَجَبَ رَدُّ الْهَمْزِ لِيُوَافِقَ بِذَلِكَ - يَعْنِي أَصْلَ مَذْهَبِهِمْ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ. انْتَهَى. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِي الِابْتِدَاءِ بِهَا لِقَالُونَ فِي وَجْهِ هَمْزِ الْوَاوِ، وَلِلْحَنْبَلِيِّ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهِ (أَحَدُهَا) (الُاؤْلَى) بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَضَمِّ اللَّامِ وَهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ عَلَى الْوَاوِ (ثَانِيهَا) (لُولَى) بِضَمِّ اللَّامِ وَحَذْفِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَهَمْزَةِ الْوَاوِ (ثَالِثُهَا) (الْأُولَى) كَوَجْهِ أَبِي عَمْرٍو الثَّالِثِ. وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ هِيَ أَيْضًا فِي الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ " الْكَافِي " لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الثَّالِثَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَذَكَرَهُ لِقَالُونَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الثَّانِي لِقَالُونَ صَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ "، وَذَكَرَ لَهُ الثَّالِثَ بِصِيغَةِ التَّضْعِيفِ، فَقَالَ: وَقِيلَ إِنَّهُ يُبْتَدَأُ لِقَالُونَ بِالْقَطْعِ وَهَمْزَةٍ كَالْجَمَاعَةِ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ أَبِي الْعَلَاءِ الْحَافِظِ جَوَازُ الثَّالِثِ عَنْ وَرْشٍ أَيْضًا، وَهُوَ سَهْوٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ السَّاكِنُ وَالْهَمْزُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يُنْقَلُ إِلَيْهِ إِلَّا فِي كَلِمَاتٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ (رِدْءًا، وَمِلْءُ، وَالْقُرْآنِ، وَاسْأَلِ) أَمَّا (رِدْءًا) مِنْ قَوْلِهِ:

стр. 422

(رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) فِي الْقَصَصِ فَقَرَأَهُ بِالنَّقْلِ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ، إِلَّا أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَبْدَلَ مِنَ التَّنْوِينِ أَلِفًا فِي الْحَالَيْنِ، وَوَافَقَهُ نَافِعٌ فِي الْوَقْفِ، وَأَمَّا (مِلْءُ) مِنْ قَوْلِهِ: (مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا) فِي آلِ عِمْرَانَ. فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ وَالْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ وَرْشٍ، فَرَوَاهُ بِالنَّقْلِ النَّهْرَوَانِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَبِهِ قَطَعَ لِابْنِ وَرْدَانَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَرَوَاهُ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ أَبُو الْعِزِّ فِي " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَابْنُ سَوَّارٍ، فِي " الْمُسْتَنِيرِ "، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعُمَرِيِّ عَنْهُ، وَرَوَاهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِغَيْرِ نَقْلٍ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنْهُ، وَقَطَعَ لِلْأَصْبَهَانِيِّ فِيهِ بِالنَّقْلِ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي نَصْرِ بْنِ مَسْرُورٍ وَأَبِي الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِمَا، عَنْهُ، وَهُوَ نَصُّ ابْنِ سَوَّارٍ، عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ نَصًّا، عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَرَوَاهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْهُ بِغَيْرِ نَقْلٍ، وَالْوَجْهَانِ عَنْهُ صَحِيحَانِ، قَرَأْتُ بِهِمَا جَمِيعًا عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَبِهِمَا آخُذُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْقُرْآنُ وَمَا جَاءَ مِنْهُ نَحْوُ (قُرْآنَ الْفَجْرِ، وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ، فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) فَقَرَأَ بِالنَّقْلِ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَمَّا (وَاسْأَلِ) وَمَا جَاءَ مِنْ لَفْظِهِ نَحْوُ (وَاسْأَلُوا اللَّهَ) ، (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) (فَاسْأَلِ الَّذِينَ) (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ) (فَاسْأَلُوهُنَّ) إِذَا كَانَ فِعْلُ أَمْرٍ وَقَبْلَ السِّينِ وَاوًا أَوْ فَاءً. فَقَرَأَهُ بِالنَّقْلِ ابْنُ كَثِيرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعَ بِغَيْرِ نَقْلٍ. تَنْبِيهَاتٌ (الْأَوَّلُ) لَامُ التَّعْرِيفُ وَإِنِ اشْتَدَّ اتِّصَالُهَا بِمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَكُتِبَتْ مَعَهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنَّهَا مَعَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ الَّذِي يُنْقَلُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُوجِبِ اتِّصَالُهَا خَطًّا أَنْ تَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ مِنْ نَفْسِ الْبِنْيَةِ ; لِأَنَّهَا إِذَا أَسْقَطْتَهَا لَمْ يَخْتَلَّ مَعْنَى الْكَلِمَةِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ بِزَوَالِهَا الْمَعْنَى الَّذِي دَخَلَتْ بِسَبَبِهِ خَاصَّةً وَهُوَ التَّعْرِيفُ، وَنَظِيرُ هَذَا النَّقْلِ إِلَى هَذِهِ اللَّامِ إِبْقَاءً لِحُكْمِ الِانْفِصَالِ عَلَيْهَا - وَإِنِ اتَّصَلَتْ

стр. 423

خَطًّا - سَكْتُ حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ عَلَيْهَا إِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا هَمْزٌ، كَمَا يَسْكُتُونَ عَلَى السَّوَاكِنِ الْمُنْفَصِلَةِ حَسْبَمَا يَجِيءُ فِي الْبَابِ الْآتِي (فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ) فَاعْلَمْ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ هِيَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنْ حُرُوفِ التَّهَجِّي، وَهُوَ اللَّامُ وَحْدَهَا، وَبِهَا يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ، وَإِنَّمَا الْأَلِفُ قَبْلَهَا أَلِفُ وَصْلٍ؛ وَلِهَذَا تَسْقُطُ فِي الدَّرَجِ، فَهِيَ إِذًا بِمَنْزِلَةِ بَاءِ الْجَرِّ وَكَافِ التَّشْبِيهِ مِمَّا هُوَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ؛ وَلِهَذَا كُتِبَتْ مَوْصُولَةً فِي الْخَطِّ بِمَا بَعْدَهَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ أَدَاةَ التَّعْرِيفِ هِيَ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَأَنَّ الْهَمْزَةَ تُحْذَفُ فِي الدَّرَجِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الْخَلِيلِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ: مِنْهَا ثُبُوتُهَا مَعَ تَحْرِيكِ اللَّامِ حَالَةَ النَّقْلِ نَحْوُ (الَحْمَرُ، الَرْضُ) وَأَنَّهَا تُبْدَلُ أَوْ تُسَهَّلُ بَيْنَ بَيْنَ مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ نَحْوَ (آلذَّكَرَيْنِ) ، وَأَنَّهَا تُقْطَعُ فِي الِاسْمِ الْعَظِيمِ فِي النِّدَاءِ نَحْوَ (يَا أَللَّهُ) وَلَيْسَ هَذَا مَحَلَّ ذِكْرِ ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ، وَالْقَصْدُ ذِكْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَاتِ مِنْ ذَلِكَ. وَهُوَ التَّنْبِيهُ (الثَّانِي) فَنَقُولُ: إِذَا نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ إِلَى لَامِ التَّعْرِيفِ فِي نَحْوِ (الْأَرْضِ، الْآخِرَةُ، الْآنَ، الْإِيمَانِ، الْأُولَى، الْأَبْرَارِ) وَقُصِدَ الِابْتِدَاءُ عَلَى مَذْهَبِ النَّاقِلِ، فَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ حَرْفُ التَّعْرِيفِ " أَلْ "، أَوِ اللَّامَ فَقَطْ؛ فَإِنْ جُعِلَتْ " أَلْ " ابْتَدَأَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَبَعْدَهَا اللَّامُ الْمُحَرَّكَةُ بِحَرَكَةِ هَمْزَةِ الْقَطْعِ، فَتَقُولُ: (الَرْضُ، الَاخِرَةُ، الِايمَانُ، الَبْرَارُ) لَيْسَ إِلَّا، وَإِنْ جُعِلَتِ اللَّامُ فَقَطْ فَإِمَّا أَنْ يُعْتَدَّ بِالْعَارِضِ - وَهُوَ حَرَكَةُ اللَّامِ بَعْدَ النَّقْلِ - أَوْ لَا يُعْتَدَّ بِذَلِكَ وَيُعْتَبَرَ الْأَصْلُ. فَإِذَا اعْتَدَدْنَا بِالْعَارِضِ حَذَفْنَا هَمْزَةَ الْوَصْلِ، وَقُلْنَا: (لَرْضُ، لَاخِرَةُ، لِيمَانُ، لَانَ، لَبْرَارُ) لَيْسَ إِلَّا، وَإِنْ لَمْ نَعْتَدَّ بِالْعَارِضِ وَاعْتَبَرْنَا الْأَصْلَ جَعَلْنَا هَمْزَةَ الْوَصْلِ عَلَى حَالِهَا وَقُلْنَا (الَرْضُ، الَاخِرَةُ) كَمَا قُلْنَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ " أَلْ "، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ جَائِزَانِ فِي كُلِّ مَا يُنْقَلُ إِلَيْهِ مِنْ لَامَاتِ التَّعْرِيفِ لِكُلِّ مَنْ يَنْقُلُ ; وَلِذَلِكَ جَازَ لِنَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَأَبِي جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبَ فِي (الْأُولَى) مِنْ (عَادًا الْأُولَى) كَمَا تَقَدَّمَ وَجَازَ فِي (الَانَ) لِابْنِ وَرْدَانَ فِي وَجْهِ النَّقْلِ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ مُطْلَقًا الْحَافِظَانِ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَأَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ

стр. 424

وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ بَلِّيمَةَ وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَاذِشِ وَأَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَبِهِمَا قَرَأْنَا لِوَرْشٍ وَغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ، وَبِهِمَا نَأْخُذُ لَهُ وَلِلْهَاشِمِيِّ، عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، مِنْ طَرِيقِ الْهُذَلِيِّ، وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: بِئْسَ الِاسْمُ فَقَالَ الْجَعْبَرِيُّ: وَإِذَا ابْتَدَأْتَ (الِاسْمَ) فَالَّتِي بَعْدَ اللَّامِ عَلَى حَذْفِهَا لِلْكُلِّ، وَالَّتِي قَبْلَهَا فَقِيَاسُهَا جَوَازُ الْإِثْبَاتِ وَالْحَذْفِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِرُجْحَانِ الْعَارِضِ الدَّائِمِ عَلَى الْعَارِضِ الْمُفَارِقِ، وَلَكِنِّي سَأَلْتُ بَعْضَ شُيُوخِي فَقَالَ: الِابْتِدَاءُ بِالْهَمْزِ وَعَلَيْهِ الرَّسْمُ. انْتَهَى. (قُلْتُ) : الْوَجْهَانِ جَائِزَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّعْرِيفِ، وَالْأَوْلَى الْهَمْزُ فِي الْوَصْلِ وَالنَّقْلِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِعَارِضٍ دَائِمٍ وَلَا مُفَارِقٍ، بَلِ الرِّوَايَةُ وَهِيَ بِالْأَصْلِ الْأَصْلُ، وَكَذَلِكَ رُسِمَتْ. نَعَمْ، الْحَذْفُ جَائِزٌ وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ حَذْفَهَا مِنَ (الْأُولَى) فِي النَّجْمِ أَوْلَى لِلْحَذْفِ لَسَاغَ، وَلَكِنْ فِي الرِّوَايَةِ تَفْصِيلٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَبْلَ لَامِ التَّعْرِيفِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهَا حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمَدِّ، أَوْ سَاكِنٌ غَيْرُهُنَّ لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُ حَرْفِ الْمَدِّ، وَلَا رَدُّ سُكُونِ السَّاكِنِ مَعَ تَحْرِيكِ اللَّامِ ; لِأَنَّ التَّحْرِيكَ فِي ذَلِكَ عَارِضٌ، فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَقُدِّرَ السُّكُونُ؛ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ، وَلِذَلِكَ حُذِفَ حَرْفُ الْمَدِّ، وَحُرِّكَ السَّاكِنُ حَالَةَ الْوَصْلِ، وَذَلِكَ نَحْوُ (وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ) ، وَ (سِيرَتَهَا الْأُولَى) ، وَ (إِذَا الَارْضُ) ، وَ (أُولِي الْأَمْرِ) ، وَ (فِي الَانْعَامِ) ، وَ (يُحْيِي الَارْضَ) ، وَ (قَالُوا الَانَ) ، وَ (أَنْكِحُوا الَايَامَى) ، وَ (أَنْ تُؤَدُّوا الَامَانَاتِ) وَنَحْوُ (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الَانَ) ، وَ (بَلِ الِانْسَانُ) ، (وَأَلَمْ نُهْلِكِ الَاوَّلِينَ) ، وَ (عَنِ الَاخِرَةِ) ، وَ (مِنَ الَارْضِ) ، وَ (مِنَ الُاولَى) ، وَ (أَشْرَقَتِ الَارْضُ) ، وَ (فَلْيَنْظُرِ الِانْسَانُ) وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ صِلَةً، أَوْ مِيمَ جَمْعٍ نَحْوُ (وَبِدَارِهِ الَارْضَ) ، وَ (لَا تُدْرِكُهُ الَابْصَارُ) ، وَ (هَذِهِ الَانْهَارُ) ، وَ (هَذِهِ الَانْعَامُ) ، (وَيُلْهِهِمُ الَامَلُ) ، (وَأَنْتُمُ الَاعْلَوْنَ) وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، كَالْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ وَأَبِي الْحَسَنِ السَّخَاوِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي اللُّغَةِ وَعِنْدَ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ

стр. 425

الْوَجْهَانِ: الِاعْتِدَادُ بِحَرَكَةِ النَّقْلِ وَعَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهَا، وَأَجْرَوْا عَلَى كُلِّ وَجْهٍ مَا يَقْتَضِي مِنَ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يَخُصُّوا بِذَلِكَ وَصْلًا وَلَا ابْتِدَاءً، وَلَا دُخُولَ هَمْزَةٍ وَلَا عَدَمَ دُخُولِهَا، بَلْ قَالُوا: إِنِ اعْتَدَدْنَا بِالْعَارِضِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى حَذْفِ حَرْفٍ مِنْ (فِي الَارْضِ) وَلَا إِلَى تَحْرِيكِ النُّونِ (مِنْ لَانَ) وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ ثَعْلَبٌ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ الْفَرَّاءِ: لَقَدْ كُنْتَ تُخْفِي حَبَّ سَمْرَاءَ خِيفَةً ... فَبُحْ لَانَ مِنْهَا بِالَّذِي أَنْتَ بَائِحُ وَعَلَى ذَلِكَ قَرَأْنَا لِابْنِ مُحَيْصِنٍ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ لَهِلَّةِ) ، وَ (عَنْ لَانْفَالِ) ، وَ (مِنْ لَاثِمِينَ) وَشِبْهَهُ بِالْإِسْكَانِ فِي النُّونِ وَإِدْغَامِهَا، وَهُوَ وَجْهُ قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَمَنْ مَعَهُ (عَادًا لُولَى) فِي النَّجْمِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَمَّا رَأَى أَبُو شَامَةَ إِطْلَاقَ النُّحَاةِ وَوَقَفَ عَلَى تَقْيِيدِ الْقُرَّاءِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ، فَتَوَسَّطَ وَقَالَ مَا نَصُّهُ: جَمِيعُ مَا نَقَلَ فِيهِ وَرْشٌ الْحَرَكَةَ إِلَى لَامِ الْمَعْرِفَةِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ غَيْرَ (عَادًا لُولَى) هُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا ظَهَرَتْ فِيهِ أَمَارَةُ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الَارْضِ زِينَةً) (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ) (وَيَدْعُ الِانْسَانُ) (قَالُوا الَانَ) ، (أَزِفَتِ الَازِفَةُ) وَنَحْوِ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ بَعْدَ نَقْلِ الْحَرَكَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَمْ يَرُدَّ حُرُوفَ الْمَدِّ الَّتِي حُذِفَتْ لِأَجْلِ سُكُونِ اللَّامِ، وَلَمْ تُسَكَّنْ تَاءُ التَّأْنِيثِ الَّتِي كُسِرَتْ لِسُكُونِ (لَازِفَةُ) فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مَا اعْتَدَّ بِالْحَرَكَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، فَيَنْبَغِي إِذَا ابْتَدَأَ الْقَارِئُ لَهُ فِيهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ ; لِأَنَّ اللَّامَ، وَإِنْ تَحَرَّكَتْ فَكَأَنَّهَا بَعْدُ سَاكِنَةٌ. (الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَمَارَةٌ نَحْوُ (وَقَالَ الِانْسَانُ مَا لَهَا) فَإِذَا ابْتَدَأَ الْقَارِئُ لِوَرْشٍ هُنَا اتَّجَهَ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ. انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ لَوْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْجَعْبَرِيُّ فَقَالَ: وَهَذَا فِيهِ عُدُولٌ عَنِ النَّقْلِ إِلَى النَّظَرِ، وَفِيهِ حَظْرٌ. (قُلْتُ) : صِحَّةُ الرِّوَايَةِ بِالْوَجْهَيْنِ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بِنَصِّ مَنْ يُحْتَجُّ بِنَقْلِهِ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ اعْتَدَّ بِالْعَارِضِ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الْوَصْلِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا رِوَايَةً مَعَ الْجَوَازِ فِيهِمَا لُغَةً؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الْمَدِّ لِلسَّاكِنِ وَالْحَرَكَةِ لِأَجْلِهِ فِي الْوَصْلِ سَابِقٌ لِلنَّقْلِ، وَالنَّقْلُ طَارِئٌ عَلَيْهِ،

стр. 426

فَأُبْقِيَ عَلَى حَالِهِ لِطَرَآنِ النَّقْلِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعْتَدَّ فِيهِ بِالْحَرَكَةِ، وَأَمَّا حَالَةُ الِابْتِدَاءِ، فَإِنَّ النَّقْلَ سَابِقٌ لِلِابْتِدَاءِ، وَالِابْتِدَاءُ طَارِئٌ عَلَيْهِ، فَحَسُنَ الِاعْتِدَادُ فِيهِ، أَلَا تَرَاهُ لَمَّا قَصَدَ الِابْتِدَاءَ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ فِيهَا إِلَى اللَّامِ لَمْ تَكُنِ اللَّامُ إِلَّا مُحَرَّكَةً، وَنَظِيرُ ذَلِكَ حَذْفُهُمْ حَرْفَ الْمَدِّ مِنْ نَحْوِ (وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ وَأَفِي اللَّهِ شَكٌّ) وَإِثْبَاتُهُمْ لَهُ فِي (وَلَا تَوَلَّوْا، وَكُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ) لِطَرَآنِ الْإِدْغَامِ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَذَلِكَ وَاضِحٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الرَّابِعُ) مِيمُ الْجَمْعِ، أَمَّا لِوَرْشٍ فَوَاضِحٌ ; لِأَنَّ مَذْهَبَهُ عِنْدَ الْهَمْزَةِ صِلَتُهَا بِوَاوٍ، فَلَمْ تَقَعِ الْهَمْزَةُ بَعْدَهَا فِي مَذْهَبِهِ إِلَّا بَعْدَ حَرْفِ مَدٍّ مِنْ أَجْلِ الصِّلَةِ، وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْهَاشِمِيِّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، فَإِنَّ الْهُذَلِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ عَدَمُ الصِّلَةِ مُطْلَقًا، وَمُقْتَضَى هَذَا الْإِطْلَاقِ عَدَمُ صِلَتِهَا عِنْدَ الْهَمْزَةِ، وَنَصَّ أَيْضًا عَلَى النَّقْلِ مُطْلَقًا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ النَّقْلُ إِلَى مِيمِ الْجَمْعِ. وَهَذَا مِنَ الْمُشْكَلِ تَحْقِيقُهُ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمَ لَهُ نَصًّا فِي مِيمِ الْجَمْعِ بِخُصُوصِيَّتِهَا بِشَيْءٍ، فَأَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَالَّذِي أُعَوِّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَدَمُ النَّقْلِ فِيهَا بِخُصُوصِيَّتِهَا وَالْأَخْذُ فِيهَا بِالصِّلَةِ، وَحُجَّتِي فِي ذَلِكَ أَنِّي لَمَّا لَمْ أَجِدْ لَهُ فِيهَا نَصًّا رَجَعْتُ إِلَى أُصُولِهِ وَمَذَاهِبِ أَصْحَابِهِ، وَمَنِ اشْتَرَكَ مَعَهُ عَلَى الْأَخْذِ بِتِلْكَ الْقِرَاءَةِ، وَوَافَقَهُ عَلَى النَّقْلِ فِي الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيُّ أَحَدُ الرُّوَاةِ الْمَشْهُورِينَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ، فَوَجَدْتُهُ يَرْوِي النَّقْلَ نَصًّا وَأَدَاءً، وَخَصَّ مِيمَ الْجَمْعِ بِالصِّلَةِ لَيْسَ إِلَّا. وَكَذَلِكَ وَرْشٌ وَغَيْرُهُ مِنْ رُوَاةِ النَّقْلِ عَنْ نَافِعٍ، كُلُّهُمْ لَمْ يَقْرَأْ فِي مِيم الْجَمْعِ بِغَيْرِ صِلَةٍ، وَوَجَدْتُ نَصَّ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ صَرِيحًا فِي عَدَمِ جَوَازِ النَّقْلِ فِي مِيمِ الْجَمْعِ. فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى عَدَمِ النَّقْلِ فِيهَا، وَحَسُنَ الْمَصِيرُ إِلَى الصِّلَةِ دُونَ عَدَمِهَا جَمْعًا بَيْنَ النَّصِّ لِمَنْعِ النَّقْلِ فِيهَا وَبَيْنَ الْقِيَاسِ فِي الْأَخْذِ بِالصِّلَةِ فِيهَا دُونَ الْإِسْكَانِ، وَذَلِكَ أَنِّي لَمَّا لَمْ أَرَ أَحَدًا نَقَلَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَلَا عَنْ نَافِعٍ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَصْحَابِ أَبِي جَعْفَرٍ النَّقْلَ فِي غَيْرِ مِيمِ الْجَمْعِ وَخَصَّصَهَا بِالْإِسْكَانِ، كَمَا أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ نَصَّ عَلَى النَّقْلِ فِيهَا، وَحَمَلَ رِوَايَةَ الرَّاوِي عَلَى مَنْ شَارَكَهُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ، أَوْ وَافَقَهُ فِي أَصْلِ تِلْكَ الْقِرَاءَةِ أَصْلٌ مُعْتَمَدٌ عَلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ

стр. 427

التَّشْكِيكِ وَالْإِشْكَالِ، فَقَدِ اعْتَمَدَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا ﵏ لَمَّا لَمْ يَجِدُوا نَصًّا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُجِزْ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ فِي (أَأَعْجَمِيٌّ، وَأَأِنْ كَانَ) لِابْنِ ذَكْوَانَ سِوَى الْفَصْلِ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ. قَالَ مَكِّيٌّ عِنْدَ ذِكْرِهِمَا فِي " التَّبْصِرَةِ ": لَكِنَّ ابْنَ ذَكْوَانَ لَمْ نَجِدْ لَهُ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ أَمْرُهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ هِشَامٌ فِي (أَيِنَّكُمْ وَأَنْذَرْتَهُمْ) وَنَحْوِهِ (فَيَكُونُ) مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو وَقَالُونَ، وَحَمْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ الرَّاوِي مَعَهُ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِهِ. انْتَهَى. وَأَمَّا مَذْهَبُ حَمْزَةَ فِي الْوَقْفِ فَيَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ رَأَيْتُ النَّصَّ عَلَى الْهَاشِمِيِّ الْمَذْكُورِ لِأَبِي الْكَرَمِ الشَّهْرَزُورِيِّ وَأَبِي مَنْصُورِ بْنِ خَيْرُونَ بِصِلَةِ مِيمِ الْجَمْعِ لِلْهَاشِمِيِّ عِنْدَ هَمْزَةِ الْقَطْعِ، فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ، وَاتَّضَحَ مَا حَاوَلْنَاهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَقَفْتُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ " كِفَايَةِ الْمُنْتَهِي وَنِهَايَةِ الْمُبْتَدِي " لِلْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي ذَرٍّ أَسْعَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بُنْدَارٍ الْيَزْدِيِّ صَاحِبِ الشَّهْرَزُورِيِّ وَابْنِ خَيْرُونَ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَمَدِينَ، وَأَهْلِ الْأَدَاءِ الْمُحَقِّقِينَ. بَابُ السَّكْتِ عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَ الْهَمْزِ وَغَيْرِهِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى السَّكْتِ أَوَّلَ الْكِتَابِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْوَقْفِ، وَالْكَلَامُ هُنَا عَلَى مَا يُسْكَتُ عَلَيْهِ. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّكْتُ إِلَّا عَلَى سَاكِنٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّكْتُ عَلَى كُلِّ سَاكِنٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُعْلَمَ أَقْسَامُ السَّاكِنِ لِيُعْرَفَ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ السَّكْتُ مِمَّا لَا يَجُوزُ، فَالسَّاكِنُ الَّذِي يَجُوزُ السَّكْتُ عَلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ فَيُسْكَتُ عَلَيْهِ لِبَيَانِ الْهَمْزَةِ وَتَحْقِيقِهِ، أَوْ لَا يَكُونُ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ، وَإِنَّمَا يُسْكَتُ عَلَيْهِ لِمَعْنًى غَيْرِ ذَلِكَ. (فَالسَّاكِنُ) الَّذِي يُسْكَتُ عَلَيْهِ لِبَيَانِ الْهَمْزِ خَوْفًا مِنْ خَفَائِهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا فَيَكُونُ آخِرَ كَلِمَةٍ وَالْهَمْزُ أَوَّلَ كَلِمَةٍ أُخْرَى، أَوْ يَكُونَ مُتَّصِلًا فَيَكُونُ هُوَ وَالْهَمْزُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَرْفَ مَدٍّ، أَوْ غَيْرَ حَرْفِ مَدٍّ (فَمِثَالُ الْمُنْفَصِلِ) بِغَيْرِ حَرْفِ الْمَدِّ: (مَنْ آمَنَ، خَلَوْا إِلَى، ابْنَيْ آدَمَ،

стр. 428

جَدِيدٍ افْتَرَى، عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ، فَحَدِّثْ أَلَمْ نَشْرَحْ، حَامِيَةً أَلْهَاكُمُ) وَمِنْ ذَلِكَ نَحْوُ (الَارْضِ، وَالَاخِرَةَ، وَالِايْمَانَ، وَالُاولَى) وَمَا كَانَ بِلَامِ الْمَعْرِفَةِ وَإِنِ اتَّصَلَ خَطًّا عَلَى الْأَصَحِّ (وَمِثَالُهُ) بِحَرْفِ الْمَدِّ (بِمَا أُنْزِلَ، قَالُوا آمَنَّا، فِي آذَانِهِمْ) وَنَحْوُ (يَاأَيُّهَا، يَاأُولِي، وَهَؤُلَاءِ) مِمَّا كَانَ مَعَ حَرْفِ النِّدَاءِ وَالتَّنْبِيهِ وَإِنِ اتَّصَلَ فِي الرَّسْمِ أَيْضًا (وَمِثَالُ الْمُتَّصِلِ) بِغَيْرِ حَرْفِ مَدٍّ (الْقُرْآنُ، وَالظَّمْآنُ، وَشَيْءٌ، وَشَيْئًا، وَمَسْئُولًا، وَبَيْنَ الْمَرْءِ، وَالْخَبْءَ، وَدِفْءٌ) (وَمِثَالُهُ) بِحَرْفِ الْمَدِّ (أُولَئِكَ، وَإِسْرَائِيلَ، وَالسَّمَاءَ بِنَاءً، وَجَاءُوا، وَيُضِيءُ، وَقُرُوءٍ، وَهَنِيئًا، وَمَرِيئًا، وَمِنْ سُوءٍ) فَوَرَدَ السَّكْتُ عَلَى ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، وَجَاءَ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ عَنْ حَمْزَةَ، وَابْنِ ذَكْوَانَ، وَحَفْصٍ، وَرُوَيْسٍ، وَإِدْرِيسَ. فَأَمَّا حَمْزَةُ فَهُوَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ بِهِ عِنَايَةً، وَاخْتَلَفَتِ الطُّرُقُ فِيهِ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. فَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ السَّكْتَ عَنْهُ، وَمِنْ رِوَايَتَيْ خَلَفٍ وَخَلَّادٍ فِي لَامِ التَّعْرِيفِ حَيْثُ أَتَتْ وَ (شَيْءٌ) كَيْفَ وَقَعَتْ، أَيْ: مَرْفُوعًا أَوْ مَجْرُورًا أَوْ مَنْصُوبًا. وَهَذَا مَذْهَبُ صَاحِبِ " الْكَافِي "، وَأَبِي الْحَسَنِ طَاهِرِ بْنِ غَلْبُونَ مِنْ طَرِيقِ الدَّانِيِّ، وَمَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الْمُنْعِمِ، وَأَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ بَلِّيمَةَ، وَأَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ فِي " التَّيْسِيرِ " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَبِهِ ذَكَرَ الدَّانِيُّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، إِلَّا أَنَّ رِوَايَتَيْهِ فِي " التَّذْكِرَةِ "، وَإِرْشَادِ أَبِي الطِّيبِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ، وَتَلْخِيصِ ابْنِ بَلِّيمَةَ - هُوَ الْمَدُّ فِي شَيْءٍ مَعَ السَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ حَسْبُ لَا غَيْرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ ": وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ قِرَاءَتِهِ فِي رِوَايَتَيْهِ بِالسَّكْتِ عَلَى لَامِ الْمَعْرِفَةِ خَاصَّةً لِكَثْرَةِ دَوْرِهَا، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ مُجَاهِدٍ فِي كِتَابِهِ، عَنْ حَمْزَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ خِلَافًا. انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ غَلْبُونَ يُخَالِفُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي " التَّيْسِيرِ "، فَإِنَّهُ نَصَّ فِيهِ - أَيِ السَّكْتِ - عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ، وَبِهِ قَرَأَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بِالسَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ، وَ (شَيْءٍ وَشَيْئًا) حَيْثُ وَقَعَا لَا غَيْرَ، وَقَالَ فِي " الْجَامِعِ ": إِنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ بِالسَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ خَاصَّةً، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَقَطَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنَ الْكِتَابِ فَيُوَافِقُ " التَّيْسِيرَ "، أَوْ يَكُونَ مَعَ

стр. 429

الْمَدِّ عَلَى شَيْءٍ فَيُوَافِقُ " التَّذْكِرَةَ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ رِوَايَةِ خَلَفٍ فَقَطْ، وَهُوَ طَرِيقُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ وَشَيْخِهِ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ غَلْبُونَ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ أَيْضًا مَدَّ (شَيْءٍ) أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى آخَرُونَ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ رِوَايَتَيْهِ مَعَ السَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ وَ (شَيْءٍ) السَّكْتَ عَلَى السَّاكِنِ الْمُنْفَصِلِ مُطْلَقًا غَيْرَ حَرْفِ الْمَدِّ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ خَلَفٍ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَشَيْخِهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الطَّرَسُوسِيِّ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْفَحَّامِ فِي تَجْرِيدِهِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَحَدُ الطَّرِيقَيْنِ فِي " الْكَامِلِ "، إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ " الْعُنْوَانِ " ذَكَرَ مَدَّ (شَيْءٍ) كَمَا قَدَّمْنَا. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْمَذْهَبَ، عَنْ حَمْزَةَ مِنْ رِوَايَةِ خَلَفٍ حَسْبُ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَطَرِيقُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ صَاحِبِ " الْكَافِي "، وَهُوَ الَّذِي فِي " الشَّاطِبِيَّةِ " وَ " التَّيْسِيرِ " مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْفَتْحِ الْمَذْكُورِ فِي " التَّجْرِيدِ "، مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي الْخُرَاسَانِيِّ وَأَبِي أَحْمَدَ، إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ " الْكَافِي " حَكَى الْمَدَّ فِي (شَيْءٍ) فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَذَكَرَ عَنْ خَلَّادٍ السَّكْتَ فِيهِ وَفِي لَامِ التَّعْرِيفِ فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَرَوَى آخَرُونَ عَنْ حَمْزَةَ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ السَّكْتَ مُطْلَقًا، أَيْ: عَلَى الْمُنْفَصِلِ وَالْمُتَّصِلِ جَمْعًا مَا لَمْ يَكُنْ حَرْفَ مَدٍّ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ سَوَّارٍ صَاحِبِ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مِهْرَانَ صَاحِبِ " الْغَايَةِ "، وَأَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ صَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَأَبِي الْعِزِّ الْقَلَانِسِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَجُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَقَالَ أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ: إِنَّهُ اخْتِيَارُهُمْ، وَهُوَ مَذْكُورٌ أَيْضًا فِي " الْكَامِلِ "، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ خَلْفٍ، عَنْ حَمْزَةَ. وَرَوَى آخَرُونَ السَّكْتَ عَنْ حَمْزَةَ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى حَرْفِ الْمَدِّ أَيْضًا، وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُنْفَصِلِ وَالْمُتَّصِلِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ بِذَلِكَ الْمُنْفَصِلَ وَسَوَّى بَيْنَ حَرْفِ الْمَدِّ وَغَيْرِهِ مَعَ السَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ وَ (شَيْءٍ) . وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَافِظِ أَبِي الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيِّ صَاحِبِ " غَايَةِ الِاخْتِصَارِ " وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى

стр. 430

عَبْدِ الْبَاقِي فِي رِوَايَةِ خَلَّادٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ فِي الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الشَّذَائِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ عَلَى الشَّرِيفِ أَبِي الْفَضْلِ، عَنِ الْكَارَزِينِيِّ، عَنْهُ، وَهُوَ فِي " الْكَامِلِ " أَيْضًا. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى تَرْكِ السَّكْتِ عَنْ خَلَّادٍ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ، وَشَيْخِهِ أَبِي الطَّيِّبِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَحَدُ طُرُقِ " الْكَامِلِ "، وَهِيَ طَرِيقُ أَبِي عَلِيٍّ الْعَطَّارِ، عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ الْوَزَّانِ، عَنْ خَلَّادٍ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ بَابِ الْوَقْفِ لِحَمْزَةَ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى عَدَمِ السَّكْتِ مُطْلَقًا عَنْ حَمْزَةَ مِنْ رِوَايَتَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيِّ صَاحِبِ " الْهِدَايَةِ "، وَشَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ صَاحِبِ " الْهَادِي "، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ غَيْرَهُ فِي غَايَتِهِ سِوَاهُ. فَهَذَا الَّذِي عَلِمْتُهُ وَرَدَ عَنْ حَمْزَةَ فِي ذَلِكَ مِنَ الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ قَرَأْتُ مِنْ طَرِيقِ مَنْ ذَكَرْتُ، وَاخْتِيَارِي عَنْهُ السَّكْتَ فِي غَيْرِ حَرْفِ الْمَدِّ جَمْعًا بَيْنَ النَّصِّ وَالْأَدَاءِ وَالْقِيَاسِ، فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ خَلَفٍ وَخَلَّادٍ وَغَيْرِهِمَا، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، قَالَ: إِذَا مَدَدْتَ الْحَرْفَ فَالْمَدُّ يُجْزِي مِنَ السَّكْتِ قَبْلَ الْهَمْزَةِ، قَالَ: وَكَانَ إِذَا مَدَّ، ثُمَّ أَتَى بِالْهَمْزِ بَعْدَ الْمَدِّ لَا يَقِفُ قَبْلَ الْهَمْزِ. انْتَهَى. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَمْزَةُ مِنْ أَنَّ الْمَدَّ يُجْزِي مِنَ السَّكْتِ مَعْنًى حَسَنٌ لَطِيفٌ دَالٌّ عَلَى وُفُورِ مَعْرِفَتِهِ وَنَفَاذِ بَصِيرَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ زِيَادَةَ التَّمْكِينِ لِحَرْفِ الْمَدِّ مَعَ الْهَمْزَةِ إِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لَهَا؛ لِخَفَائِهَا وَبُعْدِ مَخْرَجِهَا، فَيَقْوَى بِهِ عَلَى النُّطْقِ بِهَا مُحَقَّقَةً، وَكَذَا السُّكُوتُ عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا إِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لَهَا أَيْضًا. فَإِذَا بَيَّنْتَ بِزِيَادَةِ التَّمْكِينِ لِحَرْفِ الْمَدِّ قَبْلَهَا لَمْ تَحْتَجْ أَنْ تُبَيِّنَ بِالسَّكْتِ عَلَيْهِ، وَكَفَى الْمَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَغْنَى عَنْهُ. (قُلْتُ) : وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاضِحٌ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ الْيَوْمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا ابْنُ ذَكْوَانَ فَرَوَى عَنْهُ السَّكْتَ وَعَدَمَهُ صَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " مِنْ جَمِيعِ طَرْقِهِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ كَلِمَةٍ وَكَلِمَتَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ حَرْفَ مَدٍّ، فَقَالَ: قَرَأْتُ لِابْنِ ذَكْوَانَ

стр. 431

بِالْوَقْفِ وَبِالْإِدْرَاجِ عَلَى شَيْخِنَا الشَّرِيفِ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا فِي الْخِلَافِ بَيْنَ أَصْحَابِ ابْنِ عَامِرٍ. وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ السَّكْتَ صَاحِبُ " الْإِرْشَادِ "، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْعَلَوِيِّ، عَنِ النَّقَّاشِ، عَنِ الْأَخْفَشِ، إِلَّا أَنَّ الْحَافِظَ أَبَا الْعَلَاءِ خَصَّهُ بِالْمُنْفَصِلِ وَلَامِ التَّعْرِيفِ وَ (شَيْءٍ) وَجَعَلَهُ دُونَ سَكْتِ حَمْزَةَ، فَخَالَفَ أَبَا الْعِزِّ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِهَذَا الطَّرِيقِ إِلَّا عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْهُذَلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْجَنْبِيِّ عَنِ ابْنِ الْأَخْرَمِ عَنِ الْأَخْفَشِ، وَخَصَّهُ بِالْكَلِمَتَيْنِ وَالسَّكْتِ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ كُلِّهَا مَعَ التَّوَسُّطِ إِلَّا مِنَ " الْإِرْشَادِ "، فَإِنَّهُ مَعَ الْمَدِّ الطَّوِيلِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ، وَالْجُمْهُورُ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ مِنْ سَائِرِ الطُّرُقِ عَلَى عَدَمِ السَّكْتِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا حَفْصٌ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الْأُشْنَانِيِّ فِي السَّكْتِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الصَّبَاحِ عَنْهُ، فَرَوَى عَنْهُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ السَّكْتَ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَرَوَى أَبُو عَلِيٍّ الْمَالِكِيُّ الْبَغْدَادِيُّ صَاحِبُ " الرَّوْضَةِ "، عَنِ الْحَمَّامِيِّ عَنْهُ السَّكْتَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ كَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ غَيْرَ الْمَدِّ، وَلَمْ يُذْكَرْ خِلَافًا عَنِ الْأُشْنَانِيِّ فِي ذَلِكَ. وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، عَنِ الْفَارِسِيِّ، عَنِ الْحَمَّامِيِّ، عَنْهُ السَّكْتَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ وَلَامِ التَّعْرِيفِ وَ (شَيْءٍ) لَا غَيْرَ. وَرَوَى عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ السَّامَرِّيِّ، عَنِ الْأُشْنَانِيِّ السَّكْتَ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى الْمَمْدُودِ يَعْنِي الْمُنْفَصِلَ، فَانْفَرَدَ بِالْمَمْدُودِ عَنْهُ، وَلَيْسَ مِنْ طَرِيقِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: وَقَرَأْتُ أَيْضًا عَلَى أَبِي الْفَتْحِ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْأُشْنَانِيِّ بِغَيْرِ سَكْتٍ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْهَاشِمِيِّ، عَنِ الْأُشْنَانِيِّ، قَالَ: وَبِالسَّكْتِ آخُذُ فِي رِوَايَتَيْهِ ; لِأَنَّ أَبَا الطَّاهِرِ بْنَ أَبِي هَاشِمٍ رَوَاهُ عَنْهُ تِلَاوَةً، وَهُوَ مِنَ الْإِتْقَانِ وَالضَّبْطِ وَالصِّدْقِ وَوُفُورِ الْمَعْرِفَةِ وَالْحِذْقِ بِمَوْضِعٍ لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ، فَمَنْ خَالَفَهُ عَنِ الْأُشْنَانِيِّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ. (قُلْتُ) : وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ الدَّانِيُّ فِي أَبِي طَاهِرٍ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِ لَمْ يَرْوُوا عَنْهُ السَّكْتَ تِلَاوَةً أَيْضًا كَالنَّهْرَوَانِيِّ،

стр. 432

وَابْنِ الْعَلَّافِ، وَالْمَصَاحِفِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُمْ أَيْضًا مِنَ الْإِتْقَانِ وَالضَّبْطِ وَالْحِذْقِ وَالصِّدْقِ بِمَحِلٍّ لَا يُجْهَلُ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا تِلَاوَةً عَنْهُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْحَمَّامِيِّ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ الْحَمَّامِيِّ لَمْ يَرْوُوهُ عَنْهُ مِثْلُ أَبِي الْفَضْلِ الرَّازِيِّ، وَأَبِي الْفَتْحِ بْنِ شَيْطَا، وَأَبِي عَلِيٍّ غُلَامِ الْهَرَّاسِ، وَهُمْ مِنْ أَضْبَطِ أَصْحَابِهِ وَأَحْذَقِهِمْ. فَظَهَرَ وَوَضَحَ أَنَّ الْإِدْرَاجَ - وَهُوَ عَدَمُ السَّكْتِ - عَنِ الْأُشْنَانِيِّ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبِكُلٍّ مِنَ السَّكْتِ وَالْإِدْرَاجِ قَرَأْتُ مِنْ طَرِيقِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ، وَأَمَّا إِدْرِيسُ عَنْ خَلَفٍ فَاخْتُلِفَ عَنْهُ، فَرَوَى الشَّطِّيُّ وَابْنُ بُويَانَ السَّكْتَ عَنْهُ فِي الْمُنْفَصِلِ وَمَا كَانَ فِي حُكْمِهِ وَ (شَيْءٍ) خُصُوصًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْكِفَايَةِ فِي الْقِرَاءَاتِ السِّتِّ "، وَ " غَايَةِ الِاخْتِصَارِ "، وَ " الْكَامِلِ "، وَانْفَرَدَ بِهِ عَنْ خَلَفٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ. وَرَوَى عَنْهُ الْمُطَّوِّعِيُّ السَّكْتَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ كَلِمَةٍ وَكَلِمَتَيْنِ عُمُومًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْمُبْهِجِ "، وَانْفَرَدَ الْهَمْدَانِيُّ عَنِ الشَّطِّيِّ فِيمَا لَمْ يَكُنِ السَّاكِنُ وَاوًا وَلَا يَاءً، يَعْنِي مِثْلَ (خَلَوْا إِلَى، وَابْنَيْ آدَمَ) وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا اسْتَثْنَاهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّاكِنَيْنِ سِوَاهُ وَلَا عَمِلَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكُلُّهُمْ عَنْهُ بِغَيْرِ سَكْتٍ فِي الْمَمْدُودِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا رُوَيْسٌ فَانْفَرَدَ عَنْهُ أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْقَاضِي أَبِي الْعَلَاءِ الْقَاضِي، عَنِ النَّخَّاسِ، عَنِ التَّمَّارِ، عَنْهُ بِالسَّكْتِ اللَّطِيفِ دُونَ سَكْتِ حَمْزَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ كَلِمَةٍ وَكَلِمَتَيْنِ فِي غَيْرِ الْمَمْدُودِ حَسْبَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْكِفَايَةِ "، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ فِي " الْإِرْشَادِ " السَّكْتُ عَلَى الْمَمْدُودِ الْمُنْفَصِلِ، وَلَمَّا قَرَأْتُ عَلَى الْأُسْتَاذِ أَبِي الْمَعَالِي بْنِ اللَّبَّانِ أَوْقَفْتُهُ عَلَى كَلَامِ " الْإِرْشَادِ " فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ لَمْ نَقْرَأْ بِهِ وَلَا يَجُوزُ. ثُمَّ رَأَيْتُ نُصُوصَ الْوَاسِطِيِّينَ أَصْحَابِ أَبِي الْعِزِّ وَأَصْحَابِهِمْ عَلَى مَا نَصَّ فِي " الْكِفَايَةِ "، وَأَخْبَرَنِي بِهِ ابْنُ اللَّبَّانِ وَغَيْرُهُ تِلَاوَةً، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الَّذِي يَسْكُتُ عَلَيْهِ لِغَيْرِ قَصْدِ تَحْقِيقِ الْهَمْزِ فَأَصْلٌ مُطَّرِدٌ وَأَرْبَعُ كَلِمَاتٍ، فَالْأَصْلُ الْمُطَّرِدُ حُرُوفُ الْهِجَاءِ الْوَارِدَةُ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ نَحْوُ (الم، الر، كهيعص، طه، طسم، طس، ص، ن) فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِالسَّكْتِ عَلَى كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا، وَيَلْزَمُ

стр. 433

مِنْ سَكْتِهِ إِظْهَارُ الْمُدْغَمِ مِنْهَا وَالْمَخْفِيِّ وَقَطْعِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ بَعْدَهَا لِيُبَيَّنَ بِهَذَا السَّكْتِ أَنَّ الْحُرُوفَ كُلَّهَا لَيْسَتْ لِلْمَعَانِي كَالْأَدَوَاتِ لِلْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ، بَلْ هِيَ مَفْصُولَةٌ، وَإِنِ اتَّصَلَ رَسْمًا وَلَيْسَتْ بِمُؤْتَلِفَةٍ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ، وَأُورِدَتْ مُفْرَدَةً مِنْ غَيْرِ عَامِلٍ وَلَا عَطْفٍ، فَسُكِّنَتْ كَأَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ إِذَا وَرَدَتْ مِنْ غَيْرِ عَامِلٍ وَلَا عَطْفٍ، فَنَقُولُ: وَاحِدْ اثْنَيْنْ ثَلَاثَةْ أَرْبَعَةْ. . . هَكَذَا، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ بِوَصْلِ هَمْزَةِ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فِي أَوَّلِ آلِ عِمْرَانَ تَتْمِيمٍ (الم) كَالْجَمَاعَةِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ بِعَدَمِ ذِكْرِ السَّكْتِ لِأَبِي جَعْفَرٍ فِي الْحُرُوفِ كُلِّهَا، وَذَكَرَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ عَدَمَ السَّكْتِ فِي السِّينِ مِنْ (طس تِلْكَ) وَالصَّحِيحُ السَّكْتُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَى الْحُرُوفِ كُلِّهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا؛ وِفَاقًا لِإِجْمَاعِ الثِّقَاةِ النَّاقِلِينَ ذَلِكَ عَنْهُ نَصًّا وَأَدَاءً، وَبِهِ قَرَأْتُ وَبِهِ آخُذُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْكَلِمَاتُ الْأَرْبَعُ فَهِيَ (عِوَجَا) أَوَّلَ الْكَهْفِ وَ (مَرْقَدِنَا) فِي يس، وَ (مَنْ رَاقٍ) فِي الْقِيَامَةِ، وَ (بَلْ رَانَ) فِي التَّطْفِيفِ، فَاخْتُلِفَ عَنْ حَفْصٍ فِي السَّكْتِ عَلَيْهَا وَالْإِدْرَاجِ، فَرَوَى جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقَيْ عُبَيْدٍ وَعَمْرٍو السَّكْتَ عَلَى الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ مِنَ التَّنْوِينِ فِي (عِوَجًا) ثُمَّ يَقُولُ (قَيِّمًا) وَكَذَلِكَ عَلَى الْأَلِفِ مِنْ (مَرْقَدِنَا) ثُمَّ يَقُولُ (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) وَكَذَلِكَ عَلَى النُّونِ مِنْ (مَنْ) ثُمَّ يَقُولُ (رَاقٍ) وَكَذَلِكَ عَلَى اللَّامِ مِنْ (بَلْ) ثُمَّ يَقُولُ (رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) وَهَذَا الَّذِي فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " التَّيْسِيرِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " التَّلْخِيصِ " وَ " التَّذْكِرَةِ " وَغَيْرِهَا. وَرَوَى الْإِدْرَاجَ فِي الْأَرْبَعَةِ كَالْبَاقِينَ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ حَفْصٍ وَغَيْرِهِ، وَرَوَى عَنْهُ كُلًّا مِنَ الْوَجْهَيْنِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ فِي تَجْرِيدِهِ، فَرَوَى السَّكْتَ فِي (عِوَجَا وَمَرْقَدِنَا) عَنْ عَمْرِو بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْهُ. وَرَوَى الْإِدْرَاجَ كَالْجَمَاعَةِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الصَّبَاحِ عَنْهُ. وَرَوَى السَّكْتَ فِي (مَنْ رَاقٍ وَبَلْ رَانَ) مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ، عَنْ عَمْرٍو، وَمِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ عُبَيْدٍ فَقَطْ،

стр. 434

وَرَوَى الْإِدْرَاجَ كَالْجَمَاعَةِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى ابْنِ نَفِيسٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدٍ وَالْمَالِكِيِّ مِنْ طَرِيقَيْ عَمْرٍو وَعُبَيْدٍ جَمِيعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاتَّفَقَ صَاحِبُ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَ " الْمُبْهِجِ "، وَ " الْإِرْشَادِ " عَلَى الْإِدْرَاجِ فِي (عِوَجَا وَمَرْقَدِنَا) كَالْجَمَاعَةِ، وَعَلَى السَّكْتِ فِي الْقِيَامَةِ فَقَطْ، وَعَلَى الْإِظْهَارِ مِنْ غَيْرِ سَكْتٍ فِي التَّطْفِيفِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِظْهَارِ السَّكْتُ. فَإِنَّ صَاحِبَ " الْإِرْشَادِ " صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي كِفَايَتِهِ، وَصَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْكِفَايَةِ " لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَاهُ، وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ السَّكْتَ فِي " عِوَجَا " فَقَطْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ شَيْئًا. بَلْ ذَكَرَ الْإِظْهَارَ فِي (مَنْ رَاقٍ، وَبَلْ رَانَ) . (قُلْتُ) : فَثَبَتَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْخِلَافُ، عَنْ حَفْصٍ مِنْ طَرِيقَيْهِ، وَصَحَّ الْوَجْهَانِ مِنَ السَّكْتِ وَالْإِدْرَاجِ عَنْهُ، وَبِهِمَا عَنْهُ آخُذُ. (وَوَجْهُ) السَّكْتِ فِي عِوَجَا قَصْدُ بَيَانِ أَنَّ قَيِّمًا بَعْدَهُ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ فِي الْإِعْرَابِ. فَيَكُونُ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ (أَنْزَلَهُ قَيِّمًا) فَيَكُونُ حَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي أَنْزَلَهُ وَفِي (مَرْقَدِنَا) بَيَانٌ أَنَّ كَلَامَ الْكُفَّارِ قَدِ انْقَضَى، وَأَنَّ قَوْلَهُ: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِمْ، فَهُوَ إِمَّا مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ مِنْ كَلَامِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ وَفِي (مَنْ رَاقٍ، وَبَلْ رَانَ) قَصْدُ بَيَانِ اللَّفْظِ لِيَظْهَرَ أَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ مَعَ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. تَنْبِيهَاتٌ (الْأَوَّلُ) إِنَّمَا يَتَأَتَّى السَّكْتُ حَالَ وَصْلِ السَّاكِنِ بِمَا بَعْدَهُ، أَمَّا إِذَا وَقَفَ عَلَى السَّاكِنِ فِيمَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ مِمَّا انْفَصَلَ خَطًّا، فَإِنَّ السَّكْتَ الْمَعْرُوفَ يَمْتَنِعُ وَيَصِيرُ الْوَقْفَ الْمَعْرُوفَ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى الْكَلِمَةِ الَّتِي فِيهَا الْهَمْزَةُ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا، فَإِنَّ لِحَمْزَةَ فِي ذَلِكَ مَذْهَبًا يَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي، وَأَمَّا غَيْرُ حَمْزَةَ، فَإِنْ كَانَ الْهَمْزَةُ مُتَوَسِّطًا كَـ (الْقُرْآنُ، وَالظَّمْآنُ، وَشَيْئًا، وَالْأَرْضُ) فَالسَّكْتُ أَيْضًا، إِذْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ. وَكَذَا إِنْ كَانَ مُبْتَدَأً وَوُصِلَ بِالسَّاكِنِ

стр. 435

قَبْلَهُ. وَإِنْ كَانَ مُتَطَرِّفًا وَقَفَ بِالرَّوْمِ، فَكَذَلِكَ فَإِنْ وَقَفَ بِالسُّكُونِ امْتَنَعَ السَّكْتُ مِنْ أَجْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَعَدَمِ الِاعْتِمَادِ فِي الْهَمْزِ عَلَى شَيْءٍ. (الثَّانِي) تَقَدَّمَ أَنَّهُ إِذَا قُرِئَ بِالسَّكْتِ لِابْنِ ذَكْوَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمَدِّ الطَّوِيلِ وَمَعَ التَّوَسُّطِ لِوُرُودِ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ، فَإِنْ قُرِئَ بِهِ لِحَفْصٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْمَدِّ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْقَصْرِ ; لِأَنَّ السَّكْتَ إِنَّمَا وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ الْأُشْنَانِيِّ مِنْ عُبَيْدٍ، عَنْ حَفْصٍ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْمَدُّ، وَالْقَصْرُ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ الْفِيلِ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ حَفْصٍ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْإِدْرَاجُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) إِنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ، عَنْ حَمْزَةَ السَّكْتُ، أَوِ التَّحْقِيقُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ السَّكْتِ إِذَا وَقَفَ، فَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ وَالْهَمْزُ فِي الْكَلِمَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ تَخْفِيفَ الْهَمْزِ كَمَا سَيَأْتِي يَنْسَخُ السَّكْتَ وَالتَّحْقِيقَ، وَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ فِي كَلِمَةٍ وَالْهَمْزُ فِي أَوَّلِ كَلِمَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الَّذِي مَذْهَبُهُ تَخْفِيفُ الْمُنْفَصِلِ كَمَا سَيَأْتِي يَنْسَخُ تَخْفِيفَهُ سَكْتُهُ وَعَدَمُهُ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ التَّخْفِيفُ كَمَا سَيَأْتِي ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُ فِي نَحْوِ (الْأَرْضُ، وَالْإِنْسَانُ) سِوَى وَجْهَيْنِ، وَهُمَا: النَّقْلُ وَالسَّكْتُ ; لِأَنَّ السَّاكِتِينَ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ وَصْلًا مِنْهُمْ مَنْ يَنْقُلُ وَقَفًا كَأَبِي الْفَتْحِ عَنْ خَلَفٍ، وَالْجُمْهُورِ عَنْ حَمْزَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَنْقُلُ مِنْ أَجْلِ تَقْدِيرِ انْفِصَالِهِ، فَيُقِرُّهُ عَلَى حَالِهِ كَمَا لَوْ وَصَلَ كَابْنَيْ غَلْبُونَ، وَأَبِي الطَّاهِرِ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَمَكِّيٍّ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْكُتْ عَلَيْهِ كَالْمَهْدَوِيِّ وَابْنِ سُفْيَانَ، عَنْ حَمْزَةَ، وَكَأَبِي الْفَتْحِ، عَنْ خَلَّادٍ فَإِنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى النَّقْلِ وَقْفًا لَيْسَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَيَجِيءُ فِي نَحْوِ (قَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ آمَنَ، وَقُلْ أُوحِيَ) الثَّلَاثَةُ الْأَوْجُهِ - أَعْنِي السَّكْتَ وَعَدَمَهُ وَالنَّقْلَ ; وَلِذَلِكَ تَجِيءُ الثَّلَاثَةُ فِي نَحْوِ (قَالُوا آمَنَّا، وَفِي أَنْفُسِكُمْ، وَمَا أَنْزَلَ) وَأَمَّا (يَاأَيُّهَا، وَهَؤُلَاءِ) فَلَا يَجِيءُ فِيهِ سِوَى وَجْهَيِ التَّحْقِيقِ وَالتَّخْفِيفِ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ سَكْتٌ ; لِأَنَّ رُوَاةَ السَّكْتِ فِيهِ مُجْمِعُونَ عَلَى تَحْقِيقِهِ وَقْفًا. فَامْتَنَعَ السَّكْتُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (الرَّابِعُ) لَا يَجُوزُ مَدُّ شَيْءٍ لِحَمْزَةَ حَيْثُ قُرِئَ بِهِ إِلَّا مَعَ السَّكْتِ إِمَّا عَلَى لَامِ

стр. 436

التَّعْرِيفِ فَقَطْ، أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمَدِّ الْمُنْفَصِلِ، وَظَاهِرُ " التَّبْصِرَةِ " الْمَدُّ عَلَى (شَيْءٍ) لِخَلَّادٍ مَعَ عَدَمِ السَّكْتِ الْمُطْلَقِ حَيْثُ قَالَ: وَذَكَرَ أَبُو الطِّيبِ مَدَّ (شَيْءٍ) فِي رِوَايَتَيْهِ، وَبِهِ آخُذُ. انْتَهَى، وَلَمْ يَتَقَدَّمِ السَّكْتُ إِلَّا لِخَلَفٍ وَحْدَهُ فِي غَيْرِ (شَيْءٍ) فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَذْهَبُ أَبِي الطِّيبِ الْمَدَّ عَنْ خَلَّادٍ فِي (شَيْءٍ) مَعَ عَدَمِ السَّكْتِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ أَبَا الطِّيبِ الْمَذْكُورَ هُوَ ابْنُ غَلْبُونَ صَاحِبُ كِتَابِ " الْإِرْشَادِ "، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي كِتَابِهِ مَدَّ (شَيْءٍ) لِحَمْزَةَ مَعَ السَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَدَّ (شَيْءٍ) قَائِمٌ مَقَامَ السَّكْتِ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ وَجْهِ السَّكْتِ، وَكَذَا قَرَأْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ الْوَقْفِ عَلَى الْهَمْزِ وَهُوَ بَابٌ مُشْكَلٌ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ تَحْقِيقِ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَأَحْكَامِ رَسْمِ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَتَمْيِيزِ الرِّوَايَةِ، وَإِتْقَانِ الدِّرَايَةِ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو شَامَةَ: هَذَا الْبَابُ مِنْ أَصْعَبِ الْأَبْوَابِ نَظْمًا وَنَثْرًا فِي تَمْهِيدِ قَوَاعِدِهِ، وَفَهْمِ مَقَاصِدِهِ. قَالَ: وَلِكَثْرَةِ تَشَعُّبِهِ أَفْرَدَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ الْمُقْرِئُ ﵀ تَصْنِيفًا حَسَنًا جَامِعًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فَوَجَدَ أَكْثَرَهُمْ لَا يَقُومُونَ بِهِ حَسَبَ الْوَاجِبِ فِيهِ إِلَّا الْحَرْفَ بَعْدَ الْحَرْفِ. (قُلْتُ) : وَأَفْرَدَهُ أَيْضًا بِالتَّأْلِيفِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ، وَأَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ بَصْخَانَ، وَالْجَعْبَرِيِّ، وَابْنِ جُبَارَةَ، وَغَيْرِهِمْ، وَوَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ فِيهِ أَوْهَامٌ سَنَقِفُ عَلَيْهَا، وَلَمَّا كَانَ الْهَمْزُ أَثْقَلَ الْحُرُوفِ نُطْقًا وَأَبْعَدُهَا مَخْرَجًا تَنَوَّعَ الْعَرَبُ فِي تَخْفِيفِهِ بِأَنْوَاعِ التَّخْفِيفِ كَالنَّقْلِ، وَالْبَدَلِ، وَبَيْنَ بَيْنَ، وَالْإِدْغَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ أَكْثَرَهُمْ لَهُ تَخْفِيفًا ; وَلِذَلِكَ أَكْثَرُ مَا يَرِدُ تَخْفِيفُهُ مِنْ طُرُقِهِمْ كَابْنِ كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ، وَكَنَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ وَرْشٍ وَغَيْرِهِ، وَكَأَبِي جَعْفَرٍ مِنْ أَكْثَرِ رِوَايَاتِهِ وَلَا سِيَّمَا رِوَايَةُ الْعُمَرِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكَدْ يُحَقِّقُ هَمْزَةً وَصْلًا، وَكَابْنِ مُحَيْصِنٍ قَارِئِ أَهْلِ مَكَّةَ مَعَ ابْنِ كَثِيرٍ وَبَعْدِهِ، وَكَأَبِي عَمْرٍو، فَإِنَّ مَادَّةَ قِرَاءَتِهِ عَنْ

стр. 437

أَهْلِ الْحِجَازِ، وَكَذَلِكَ عَاصِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْشَى، عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ حَيْثُ إِنَّ رِوَايَتَهُ تَرْجِعُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَا هَمَزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا الْخُلَفَاءُ، وَإِنَّمَا الْهَمْزُ بِدْعَةٌ ابْتَدَعُوهَا مَنْ بَعْدَهُمْ. فَقَالَ أَبُو شَامَةَ الْحَافِظُ: هُوَ حَدِيثٌ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ؛ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ، فَإِنَّ مُوسَى بْنَ عُبَيْدَةَ هَذَا هُوَ الزَّيْدِيُّ، وَهُوَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ. (قُلْتُ) : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ كَانَتْ لُغَتُهُ تَخْفِيفَ الْهَمْزِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْطِقُ بِالْهَمْزِ إِلَّا فِي الِابْتِدَاءِ، وَالْقَصْدُ أَنَّ تَخْفِيفَ الْهَمْزِ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ وَلَا غَرِيبٍ، فَمَا أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ إِلَّا وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ تَخْفِيفُ الْهَمْزِ، إِمَّا عُمُومًا وَإِمَّا خُصُوصًا، كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ أَفْرَدَ لَهُ عُلَمَاءُ الْعَرَبِيَّةِ أَنْوَاعًا تَخُصُّهُ، وَقَسَّمُوا تَخْفِيفَهُ إِلَى وَاجِبٍ وَجَائِزٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ أَوْ غَالِبُهُ وَرَدَتْ بِهِ الْقِرَاءَةُ، وَصَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ، إِذْ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَصِحَّ فِي الْقِرَاءَةِ مَا لَا يَسُوغُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، بَلْ قَدْ يَسُوغُ فِي الْعَرَبِيَّةِ مَا لَا يَصِحُّ فِي الْقِرَاءَةِ ; لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، يَأْخُذُهَا الْآخِرُ عَنِ الْأَوَّلِ، وَمِمَّا صَحَّ فِي الْقِرَاءَةِ وَشَاعَ فِي الْعَرَبِيَّةِ الْوَقْفُ بِتَخْفِيفِ الْهَمْزِ وَإِنْ كَانَ يُحَقَّقُ فِي الْوَصْلِ ; لِأَنَّ الْوَقْفَ مَحَلُّ اسْتِرَاحَةِ الْقَارِئِ وَالْمُتَكَلِّمِ ; وَلِذَلِكَ حُذِفَتْ فِيهِ الْحَرَكَاتُ وَالتَّنْوِينُ، وَأُبْدِلَ فِيهِ تَنْوِينُ الْمَنْصُوبَاتِ، وَجَازَ فِيهِ الرَّوْمُ وَالْإِشْمَامُ وَالنَّقْلُ وَالتَّضْعِيفُ، فَكَانَ تَخْفِيفُ الْهَمْزِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَحَقَّ وَأَحْرَى. قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ وَلُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ، يُحْذَفُ الْهَمْزُ فِي السَّكْتِ - يَعْنِي الْوَقْفَ - كَمَا يُحْذَفُ الْإِعْرَابُ فَرْقًا بَيْنَ الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ. قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبٌ حَسَنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لُغَةُ أَكْثَرِ الْعَرَبِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْجَزَالَةِ وَالْفَصَاحَةِ تَرْكُ الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ فِي الدَّرْجِ وَالْمُتَحَرِّكَةِ عِنْدَ السَّكْتِ. (قُلْتُ) : وَتَخْفِيفُ الْهَمْزِ فِي الْوَقْفِ مَشْهُورٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، أَفْرَدُوا لَهُ بَابًا وَأَحْكَامًا، وَاخْتَصَّ بَعْضُهُمْ فِيهِ بِمَذَاهِبَ عُرِفَتْ بِهِمْ وَنُسِبَتْ إِلَيْهِمْ كَمَا نُشِيرُ إِلَيْهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

стр. 438

وَقَدِ اخْتَصَّ حَمْزَةُ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ قِرَاءَتَهُ اشْتَمَلَتْ عَلَى شِدَّةِ التَّحْقِيقِ وَالتَّرْتِيلِ وَالْمَدِّ وَالسَّكْتِ، فَنَاسَبَ التَّسْهِيلُ فِي الْوَقْفِ ; وَلِذَلِكَ رَوَيْنَا عَنْهُ الْوَقْفَ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزِ إِذَا قَرَأَ بِالْحَدْرِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. هَذَا كُلُّهُ مَعَ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ عِنْدَهُ وَثُبُوتِ النَّقْلِ بِهِ لَدَيْهِ. فَقَدْ قَالَ فِيهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ: مَا قَرَأَ حَمْزَةُ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا بِأَثَرٍ. (قُلْتُ) : وَقَدْ وَافَقَ حَمْزَةَ عَلَى تَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ فِي الْوَقْفِ حُمْرَانُ بْنُ أَعْيَنَ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَعْمَشُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ، وَسَلَّامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطَّوِيلُ الْبَصْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَعَلَى تَسْهِيلِ الْمُتَطَرِّفِ مِنْهُ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، عَنْ قَالُونَ فِي الْمَنْصُوبِ الْمُنَوَّنِ، وَسَأُبَيِّنُ أَقْسَامَ الْهَمْزِ فِي ذَلِكَ، وَأُوَضِّحُهُ، وَأُقَرِّبُهُ، وَأَكْشِفُهُ، وَأُهَذِّبُهُ، وَأُحَرِّرُهُ، وَأُرَتِّبُهُ، لِيَكُونَ عُمْدَةً لِلْمُبْتَدِئِينَ، وَتَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. (فَأَقُولُ) الْهَمْزُ يَنْقَسِمُ إِلَى سَاكِنٍ وَمُتَحَرِّكٍ. فَالسَّاكِنُ يَنْقَسِمُ إِلَى مُتَطَرِّفٍ، وَهُوَ مَا يَنْقَطِعُ الصَّوْتُ عَلَيْهِ، وَإِلَى مُتَوَسِّطٍ، وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، أَمَّا السَّاكِنُ الْمُتَطَرِّفُ فَيَنْقَسِمُ إِلَى لَازِمٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِي حَالَيْهِ، وَعَارِضٍ يُسَكَّنُ وَقْفًا، وَيَتَحَرَّكُ بِالْأَصَالَةِ وَصْلًا، فَالسَّاكِنُ اللَّازِمُ يَأْتِي قَبْلَهُ مَفْتُوحٌ مِثْلَ (اقْرَأْ) وَمَكْسُورٌ مِثْلَ (نَبِّئْ) وَلَمْ يَأْتِ بِهِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَهُ مَضْمُومٌ، وَمِثَالُهُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ (لَمْ يَسُؤْ) وَالسَّاكِنُ الْعَارِضُ يَأْتِي قَبْلَهُ الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ، فَمِثَالُهُ وَقَبْلَهُ الضَّمُّ (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ، إِنِ امْرُؤٌ) وَمِثَالُهُ وَقَبْلَهُ الْكَسْرُ (مِنْ شَاطِئِ، وَيُبْدِئُ، وَقُرِئَ) وَمِثَالُهُ وَقَبْلَهُ الْفَتْحُ (بَدَأَ، وَقَالَ الْمَلَأُ. وَعَنِ النَّبَإِ) وَأَمَّا السَّاكِنُ الْمُتَوَسِّطُ فَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: مُتَوَسِّطٌ بِنَفْسِهِ وَمُتَوَسِّطٌ بِغَيْرِهِ. فَالْمُتَوَسِّطُ بِنَفْسِهِ يَكُونُ قَبْلَهُ ضَمٌّ نَحْوُ (المؤتفكة، وَيُؤْمِنَّ) وَكَسْرٌ نَحْوُ (بِئْرٍ، وَنَبِّئْنَا) وَمَفَتْوحٌ نَحْوُ (كَأْسٍ، وَتَأْكُلْ) وَالْمُتَوَسِّطُ بِغَيْرِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مُتَوَسِّطٌ بِحَرْفٍ، وَمُتَوَسِّطٌ بِكَلِمَةٍ. فَالْمُتَوَسِّطُ بِحَرْفٍ يَكُونُ قَبْلَهُ فَتْحٌ نَحْوُ (فَأْوُوا، وَآتُوا) وَلَمْ يَقَعْ قَبْلَهُ ضَمٌّ وَلَا كَسْرٌ، وَالْمُتَوَسِّطُ بِكَلِمَةٍ يَكُونُ قَبْلَهُ ضَمٌّ نَحْوُ (قَالُوا ايتِنَا، وَالْمَلِكُ ايتُونِي) وَكَسْرٌ نَحْوُ (الَّذِي اؤْتُمِنَ،

стр. 439

وَالْأَرْضِ ايتِنَا) وَفَتْحٌ نَحْوُ (الْهُدَى ايتِنَا، وَقَالَ ايتُونِي) فَهَذِهِ أَنْوَاعُ الْهَمْزِ السَّاكِنِ، وَتَخْفِيفُهُ أَنْ يُبْدَلَ بِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهُ، إِنْ كَانَ قَبْلَهُ ضَمٌّ أُبْدِلَ وَاوًا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ كَسْرٌ أُبْدِلَ يَاءً، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَتْحٌ أُبْدِلُ أَلِفًا، وَكَذَلِكَ يَقِفُ حَمْزَةُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا شَذَّ فِيهِ ابْنُ سُفْيَانَ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ كَالْمَهْدَوِيِّ، وَابْنِ شُرَيْحٍ، وَابْنِ الْبَاذِشِ مِنْ تَحْقِيقِ الْمُتَوَسِّطِ بِكَلِمَةٍ لِانْفِصَالِهِ وَإِجْرَاءِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُتَوَسِّطِ بِحَرْفٍ لِاتِّصَالِهِ، كَأَنَّهُمْ أَجْرَوْهُ مَجْرَى الْمُبْتَدَأِ، وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُمْ وَخُرُوجٌ عَنِ الصَّوَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْهَمَزَاتِ وَإِنْ كُنَّ أَوَائِلَ الْكَلِمَاتِ فَإِنَّهُنَّ غَيْرُ مُبْتَدَآتٍ؛ لِأَنَّهُنَّ لَا يُمْكِنُ ثُبُوتُهُنَّ سَوَاكِنَ إِلَّا مُتَّصِلَاتٍ بِمَا قَبْلَهُنَّ ; فَلِهَذَا حُكِمَ لَهُنَّ بِكَوْنِهِنَّ مُتَوَسِّطَاتٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي (فَأْوُوا، وَأْمُرْ، وَقَالَ ايتُونِي) كَالدَّالِّ فِي (فَادْعُ) وَالسِّينِ فِي (فَاسْتَقِمْ) وَالرَّاءِ فِي (قَالَ ارْجِعْ) فَكَمَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ: إِنَّ الدَّالَ وَالسِّينَ وَالرَّاءَ فِي ذَلِكَ مُبْتَدَآتٌ وَلَا جَارِيَاتٌ مَجْرَى الْمُبْتَدَآتِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْهَمَزَاتُ، وَإِنْ وَقَعْنَ فَاءً مِنَ الْفِعْلِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ فَاءٍ تَكُونُ مُبْتَدَأَةً، أَوْ جَارِيَةً مَجْرَى الْمُبْتَدَأِ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ مَذْهَبُهُ تَخْفِيفَ الْهَمْزِ السَّاكِنِ الْمُتَوَسِّطِ غَيْرَ حَمْزَةَ كَأَبِي عَمْرٍو، وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَوَرْشٍ فَإِنَّهُمْ خَفَّفُوا ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ خُلْفٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، بَلْ أَجْرَوْهُ مَجْرَى يُؤْتَى وَيُؤْمِنُ وَيَأْلَمُونَ، فَأَبْدَلُوهُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْعَجَبُ أَنَّ ابْنَ الْبَاذِشِ نَسَبَ تَحْقِيقَ هَذَا الْقِسْمِ لِأَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ وَأَبِيهِ وَابْنِ سَهْلٍ، وَالَّذِي رَأَيْتُهُ نَصًّا فِي " التَّذْكِرَةِ "، هُوَ الْإِبْدَالُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَاخْتَلَفَ) أَئِمَّتُنَا فِي تَغْيِيرِ حَرَكَةِ الْهَاءِ مَعَ إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءً قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ: (أَنْبِئْهُمْ) فِي الْبَقَرَةِ وَ (نَبِّئْهُمْ) فِي الْحِجْرِ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَرْوِي كَسْرَهَا لِأَجْلِ الْيَاءِ كَمَا كُسِرَ لِأَجْلِهَا فِي نَحْوِ (فِيهِمْ، وَيُؤْتِيهِمْ) فَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي الطِّيبِ ابْنِ غَلْبُونَ، وَابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ. وَكَانَ آخَرُونَ يَقْرَؤُنَهَا عَلَى ضَمَّتِهَا ; لِأَنَّ الْيَاءَ عَارِضَةٌ، أَوْ لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي التَّخْفِيفِ فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنُ مِهْرَانَ، وَمَكِّيٌّ، وَالْمَهْدَوِيِّ، وَابْنُ سُفْيَانَ، وَالْجُمْهُورُ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ: كِلَا الْوَجْهَيْنِ

стр. 440

حَسَنٌ. وَقَالَ صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ ": وَهُمَا صَحِيحَانِ. وَقَالَ فِي " الْكَافِي ": الضَّمُّ أَحْسَنُ. (قُلْتُ) : وَالضَّمُّ هُوَ الْقِيَاسُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُوصًا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ صَاحِبُ سُلَيْمٍ، وَإِذَا كَانَ حَمْزَةُ ضَمَّ هَاءَ (عَلَيْهِمْ، وَإِلَيْهِمْ، وَلَدَيْهِمْ) مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْيَاءَ قَبْلَهَا مُبْدَلَةٌ مَنْ أَلِفٍ، فَكَانَ الْأَصْلُ فِيهَا الضَّمَّ: فَضَمُّ هَذِهِ الْهَاءَ أَوْلَى وَآصَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَأَمَّا الْهَمْزُ الْمُتَحَرِّكُ) فَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: مُتَحَرِّكٌ قَبْلَهُ سَاكِنٌ، وَمُتَحَرِّكٌ قَبْلَهُ مُتَحَرِّكٌ. وَكُلٌّ مِنْهَا يَنْقَسِمُ إِلَى مُتَطَرِّفٌ وَمُتَوَسِّطٌ. فَالْمُتَطَرِّفُ السَّاكِنُ مَا قَبْلَهُ لَا يَخْلُو ذَلِكَ السَّاكِنُ قَبْلَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَلِفًا، أَوْ يَاءً، أَوْ وَاوًا، أَوْ زَائِدَتَيْنِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ أَلِفًا، فَإِنَّهُ يَأْتِي بَعْدَهُ كُلٌّ مِنَ الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ نَحْوُ (جَاءَ، وَعَنْ أَشْيَاءَ، وَالسُّفَهَاءُ، وَمِنْهُ الْمَاءُ، وَمِنَ السَّمَاءِ، وَمِنَ الْمَاءِ، وَعَلَى سَوَاءٍ، وَعَلَى اسْتِحْيَاءٍ، وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) وَكَيْفِيَّةُ تَسْهِيلِ هَذَا الْقِسْمِ أَنْ يُسَكَّنَ أَيْضًا لِلْوَقْفِ، ثُمَّ يُبْدَلَ أَلِفًا مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ، وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْهَمْزَ لَمَّا سُكِّنَ لِلْوَقْفِ لَمْ تَعُدِ الْأَلِفُ حَاجِزًا، فَقُلِبَتِ الْهَمْزَةُ مِنْ ذَلِكَ أَلِفًا لِسُكُونِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَهَلْ تَبْقَى تِلْكَ الْأَلِفُ، أَوْ تُحْذَفُ لِلسَّاكِنِ؟ سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا بَيَانُ حُكْمِ الْوَقْفِ بِالرَّوْمِ، وَاتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَغَيْرِهِ فِي آخِرِ الْبَابِ. وَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ قَبْلَ الْهَمْزِ يَاءً، أَوْ وَاوًا زَائِدَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْيَاءِ إِلَّا فِي (النَّسِيءُ) وَ (بَرِيءٌ) وَوَزْنُهُمَا " فَعِيلٌ "، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْوَاوِ إِلَّا فِي (قُرُوءٍ) وَوَزْنُهُ " فُعُولٌ " وَتَسْهِيلُهُ أَنْ يُبْدَلَ الْهَمْزُ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْحَرْفِ الزَّائِدِ وَيُدْغَمَ الْحَرْفُ فِيهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ السَّاكِنُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْحُرُوفِ فَتَسْهِيلُهُ أَنْ تُنْقَلَ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ إِلَى ذَلِكَ السَّاكِنِ وَيُحَرِّكُهَا بِهَا، ثُمَّ تُحْذَفُ هِيَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ النَّقْلِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ السَّاكِنُ صَحِيحًا، أَوْ يَاءً، أَوْ وَاوًا أَصْلِيَّيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَا حَرْفَيْ مَدٍّ أَوْ حَرْفَيْ لِينٍ بِأَيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَتِ الْهَمْزَةُ، فَالسَّاكِنُ الصَّحِيحُ وَرَدَ مِنْهُ فِي الْقُرْآنِ سَبْعَةُ مَوَاضِعَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ الْهَمْزَةُ فِيهَا مَضْمُومَةٌ وَهِيَ (دِفْءٌ، وَمِلْءُ، وَيَنْظُرُ الْمَرْءُ، وَلِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ) وَمِنْهَا مَوْضِعَانِ الْهَمْزَةُ فِيهِمَا مَكْسُورَةٌ، وَهُمَا (بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ،

стр. 441

وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) وَمَوْضِعٌ وَاحِدٌ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَفْتُوحَةٌ وَهُوَ (يُخْرِجُ الْخَبْءَ) وَمِثَالُ الْيَاءِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ حَرْفُ الْمَدِّ (الْمُسِيءُ، وَجِيءَ، وَسِيءَ، وَيُضِيءُ) وَمِثَالُهَا وَهِيَ حَرْفُ لِينٍ (شَيْءٌ) لَا غَيْرَ نَحْوُ (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ) وَمِثَالُ الْوَاوِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ حَرْفُ مَدٍّ (لَتَنُوءُ، وَأَنْ تَبُوءَ، وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، وَلِيَسُوءُوا) أَوَّلَ سُبْحَانَ عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَمَنْ مَعَهُ، وَمِثَالُهَا حَرْفُ لِينٍ (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ، لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ) وَالْمُتَطَرِّفُ الْمُتَحَرِّكُ الْمُتَحَرِّكُ مَا قَبْلَهُ هُوَ السَّاكِنُ الْعَارِضُ الْمُتَطَرِّفُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ تَسْهِيلِهِ سَاكِنًا، وَسَيَأْتِي حُكْمُ تَسْهِيلِهِ بِالرَّوْمِ وَاتِّبَاعِ الرَّسْمِ آخِرَ الْبَابِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَأَمَّا الْهَمْزُ الْمُتَوَسِّطُ) الْمُتَحَرِّكُ السَّاكِنُ مَا قَبْلَهُ فَهُوَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ: مُتَوَسِّطٌ بِنَفْسِهِ، وَمُتَوَسِّطٌ بِغَيْرِهِ. فَالْمُتَوَسِّطُ بِنَفْسِهِ لَا يَخْلُو ذَلِكَ السَّاكِنُ قَبْلَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَلِفًا أَوْ يَاءً زَائِدَةً، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ مِنْهُ وَاوٌ زَائِدَةٌ. فَإِنْ كَانَ أَلِفًا فَتَسْهِيلُهُ بَيْنَ بَيْنَ، أَيْ: بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَحَرَكَتِهِ بِأَيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَ نَحْوُ: (شُرَكَاوُنَا، وَجَاوُا، وَأَوْلِيَاوُهُ، وَأُولَيِكَ، وَخَايِفِينَ، وَالْمَلَايِكَةُ، وَجَانَا، وَدُعَاءً وَنِدَاءً) وَإِنْ كَانَ يَاءً زَائِدَةً أُبْدِلَ وَأُدْغِمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُتَطَرِّفِ، وَذَلِكَ نَحْوُ (خَطِيَّةً، وَخَطِيَّاتِكُمْ، وَهَنِيًّا، وَمَرِيًّا، وَبَرِيُّونَ) وَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ أَيْضًا إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ يَاءً أَوْ وَاوًا أَصْلِيَّيْنِ، حَرْفَ مَدٍّ، أَوْ حَرْفَ لِينٍ، فَتَسْهِيلُهُ بِالنَّقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُتَطَرِّفِ سَوَاءً. فَمِثَالُ السَّاكِنِ الصَّحِيحِ مَعَ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ: (مَسْئُولًا، وَمَذْؤُمًا) وَمَعَ الْمَكْسُورَةِ (الْأَفْئِدَةِ) لَا غَيْرَ، وَمَعَ الْمَفْتُوحَةِ (الْقُرْآنُ، وَالظَّمْآنُ، وَشَطْأَهُ، وَتَجْأَرُونَ، وَهُزُؤًا، وَكُفُؤًا) عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَذَلِكَ (النَّشْأَةَ، وَجُزْءٌ) وَمِثَالُ الْيَاءِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ حَرْفُ مَدٍّ (سِيئَتْ) لَا غَيْرَ، وَمِثَالُهَا حَرْفُ لِينٍ (كَهَيْئَةِ، وَاسْتَيْئَسَ، وَأَخَوَاتِهِ، وَشَيْئًا) حَيْثُ وَقَعَ (وَييئس الذين) وَمِثَالُ الْوَاوِ وَهِيَ حَرْفُ مَدٍّ (السوأى) لَا غَيْرَ، وَمِثَالُهَا وَهِيَ حَرْفُ لِينٍ (سَوْأَةَ أَخِيهِ، وَسَوْآتِكُمْ، وَسَوْآتِهِمَا، وَمَوْئِلًا، وَالْمَوْءُودَةُ)

стр. 442

لَا غَيْرَ، وَالْمُتَوَسِّطُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمُتَحَرِّكِ السَّاكِنِ مَا قَبْلَهُ لَا يَخْلُو ذَلِكَ السَّاكِنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ رَسْمًا، أَوْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، فَالْمُتَّصِلُ يَكُونُ أَلِفًا وَغَيْرَ أَلِفٍ. فَالْأَلِفُ تَكُونُ فِي مَوْضِعَيْنِ: يَاءُ النِّدَاءِ، وَهَاءُ التَّنْبِيهِ، نَحْوُ: (يَاآدَمُ، يَاأُولِي، يَاأَيُّهَا) كَيْفَ وَقَعَ (وَهَا أَنْتُمْ، وَهَؤُلَاءِ) وَغَيْرَ الْأَلِفِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ لَامُ التَّعْرِيفِ حَيْثُ وَقَعَ نَحْوُ (الَارْضِ، وَالَاخِرَةَ، وَالُاولَى، وَالُاخْرَى، وَالِانْسَانَ، وَالِاحْسَانِ) فَإِنَّهَا تُسَهَّلُ مَعَ الْأَلِفِ بَيْنَ بَيْنَ، وَمَعَ لَامِ التَّعْرِيفِ بِالنَّقْلِ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَعَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً، وَأَكْثَرُ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَرَأَ عَلَيْهِ الدَّانِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَاخْتِيَارِي، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى شَيْخِهِ الْفَارِسِيِّ، وَرَوَاهُ مَنْصُوصًا عَنْ حَمْزَةَ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْمُتَوَسِّطِ بِزَائِدٍ، وَهُوَ مَا انْفَصَلَ حُكْمًا وَاتَّصَلَ رَسْمًا مِمَّا سَيَأْتِي فِي أَقْسَامِهِ. وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى الْوَقْفِ بِالتَّحْقِيقِ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَإِجْرَائِهِ مَجْرَى الْمُبْتَدَأِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَأَبِيهِ أَبِي الطِّيبِ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ، وَاخْتِيَارُ صَالِحِ بْنِ إِدْرِيسَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَوَرَدَ مَنْصُوصًا أَيْضًا عَنْ حَمْزَةَ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي. وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَاخْتَارَ فِي " الْهِدَايَةِ " فِي مِثْلِ (هَا أَنْتُمْ، وَيَاأَيُّهَا) التَّحْقِيقَ لِتَقْدِيرِ الِانْفِصَالِ، وَفِي غَيْرِهِ التَّخْفِيفَ لِعَدَمِ تَقْدِيرِ انْفِصَالِهِ، وَقَالَ فِي " الْكَافِي ": التَّسْهِيلُ أَحْسَنُ إِلَّا فِي مِثْلِ (هَا أَنْتُمْ، وَيَاأَيُّهَا) . (قُلْتُ) : كَأَنَّهُمَا لَحَظَا انْفِصَالَ الْمَدِّ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَّصِلٌ رَسْمًا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُتَوَسِّطِ بِزَائِدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمُنْفَصِلُ رَسْمًا مِنَ الْهَمْزِ الْمُتَحَرِّكِ السَّاكِنِ مَا قَبْلَهُ فَلَا يَخْلُو أَيْضًا ذَلِكَ السَّاكِنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، أَوْ حَرْفَ عِلَّةٍ، فَالصَّحِيحُ نَحْوُ (مَنْ آمَنَ، قَدْ أَفْلَحَ، قُلْ إِنِّي، عَذَابٌ أَلِيمٌ، يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأَدَاءِ فِي تَسْهِيلِ هَذَا النَّوْعِ وَتَحْقِيقِهِ، فَرَوَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ حَمْزَةَ تَسْهِيلَهُ

стр. 443

بِالنَّقْلِ، وَأَلْحَقُوهُ بِمَا هُوَ مِنْ كَلِمَةٍ، وَرَوَاهُ مَنْصُوصًا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ رِجَالِهِ الْكُوفِيِّينَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ صَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَأَبِي الْعِزِّ الْقَلَانِسِيِّ فِي إِرْشَادِهِ، وَأَبِي الْقَاسِمِ الْهُذَلِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَذَكَرَهُ أَيْضًا ابْنُ شُرَيْحٍ فِي كَافِيهِ، وَبِهِ قَرَأَ عَلَى صَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَهَؤُلَاءِ خَصُّوا بِالتَّسْهِيلِ مِنَ الْمُنْفَصِلِ هَذَا النَّوْعَ وَحْدَهُ، وَإِلَّا فَمَنْ عَمَّمَ تَسْهِيلَ جَمْعِ الْمُنْفَصِلِ مُتَحَرِّكًا وَسَاكِنًا كَمَا سَيَأْتِي فِي مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ، فَإِنَّهُ يُسَهِّلُ هَذَا الْقِسْمَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا. وَرَوَى الْآخَرُونَ تَحْقِيقَهُ مِنْ أَجْلِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً، وَجَاءَ أَيْضًا مَنْصُوصًا عَنْ حَمْزَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَاصِلٍ، عَنْ خَلَفٍ، وَعَنِ ابْنِ سَعْدَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ الشَّامِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ قَاطِبَةً، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُجَوِّزْ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ غَيْرَهُ، وَمَذْهَبُ شَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَأَبِي الْحَسَنِ طَاهِرِ بْنِ غَلْبُونَ، وَأَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ، وَسَائِرِ مَنْ حَقَّقَ الْمُتَّصِلَ خَطًا مِنَ الْمُنْفَصِلِ، بَلْ هُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَقَدْ غَلِطَ مَنْ نَسَبَ تَسْهِيلَهُ إِلَى أَبِي الْفَتْحِ مِمَّنْ شَرَحَ قَصِيدَةَ الشَّاطِبِيِّ وَظَنَّ أَنَّ تَسْهِيلَهُ مِنْ زِيَادَاتِ الشَّاطِبِيِّ عَلَى " التَّيْسِيرِ " لَا عَلَى طُرُقِ " التَّيْسِيرِ ". فَإِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ هَذَا مِمَّا زَادَ الشَّاطِبِيُّ عَلَى " التَّيْسِيرِ "، وَعَلَى طُرُقِ الدَّانِيِّ، فَإِنَّ الدَّانِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي سَائِرِ مُؤَلَّفَاتِهِ فِي هَذَا النَّوْعِ سِوَى التَّحْقِيقِ، وَأَجْرَاهُ مَجْرَى سَائِرِ الْهَمَزَاتِ الْمُبْتَدَآتِ، وَقَالَ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ ": وَمَا رَوَاهُ خَلَفٌ وَابْنُ سَعْدَانَ نَصًّا، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَتَابَعَهُمَا عَلَيْهِ سَائِرُ الرُّوَاةِ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ تَحْقِيقِ الْهَمَزَاتِ الْمُبْتَدَآتِ مَعَ السَّوَاكِنِ وَغَيْرِهَا وَصْلًا وَوَقْفًا فَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَالْمَأْخُوذُ بِهِ. (قُلْتُ) : وَالْوَجْهَانِ مِنَ النَّقْلِ وَالتَّحْقِيقِ صَحِيحَانِ مَعْمُولٌ بِهِمَا، وَبِهِمَا قَرَأْتُ، وَبِهِمَا آخُذُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ حَرْفَ عِلَّةٍ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَرْفَ لِينٍ أَوْ حَرْفَ مَدٍّ، فَإِنْ كَانَ حَرْفَ لِينٍ نَحْوُ (خَلَوْا إِلَى، وَابْنَيْ آدَمَ) فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِالنَّوْعِ قَبْلَهُ، وَهُوَ السَّاكِنُ الصَّحِيحُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابَيِ النَّقْلِ

стр. 444

وَالسَّكْتِ. فَمَنْ رَوَى نَقْلَ ذَلِكَ عَنْ حَمْزَةَ رَوَى هَذَا أَيْضًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا. وَحَكَى ابْنُ سَوَّارٍ، وَأَبُو الْعَلَاءِ الْهَمَذَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَجْهَيْنِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ. أَحَدُهُمَا: النَّقْلُ كَمَا ذَكَرْنَا. قَالُوا: وَالْآخَرُ أَنْ يُقْلَبَ حَرْفَ لِينٍ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا، وَيُدْغَمَ الْأَوَّلُ فِي الثَّانِي، قَالُوا: فَيَصِيرُ حَرْفَ لِينٍ مُشَدَّدًا. (قُلْتُ) : وَالصَّحِيحُ الثَّابِتُ رِوَايَةً فِي هَذَا النَّوْعِ هُوَ النَّقْلُ لَيْسَ إِلَّا، وَهُوَ الَّذِي لَمْ أَقْرَأْ بِغَيْرِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ شُيُوخِي، وَلَا آخُذُ بِسِوَاهُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، وَإِذَا كَانَ حَرْفَ مَدٍّ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَلِفًا أَوْ غَيْرَهَا. فَإِنْ كَانَ أَلِفًا نَحْوُ (بِمَا أَنْزَلَ، لَنَا إِلَّا، وَاسْتَوَى إِلَى) فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ سَهَّلَ هَذَا الْهَمْزَ بَعْدَ السَّاكِنِ الصَّحِيحِ بِالنَّقْلِ سَهَّلَ الْهَمْزَةَ فِي هَذَا النَّوْعِ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ هَاشِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مِقْسَمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مِهْرَانَ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ، وَالْمُطَّوِّعِيِّ، وَأَبِي الْفَتْحِ بْنِ شَيْطَا، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ، فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَبِهِ قَرَأْنَا مِنْ طَرِيقِهِمْ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا فِي كِفَايَةِ أَبِي الْعِزِّ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ غَيْرَهُ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " عَلَى شَيْخِهِ الشَّرِيفِ، عَنِ الْكَارَزِينِيِّ، عَنِ الْمُطَّوِّعِيِّ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ شَيْطَا: وَالَّتِي تَقَعُ أَوَّلًا تُخَفَّفُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ بِاتِّصَالِهَا بِمَا قَبْلَهَا فِي حُكْمِ الْمُتَوَسِّطَةِ. وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ، قَالَ: وَبِهِ قَرَأْتُ. قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: وَعَلَى هَذَا - يَعْنِي تَسْهِيلَ الْمُبْتَدَأَةِ حَالَةَ وَصْلِهَا بِالْكَلِمَةِ قَبْلَهَا - يَدُلُّ كَلَامُ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِقْسَمٍ وَيَقُولُ بِتَرْكِهَا كَيْفَ مَا وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَيْهَا إِلَّا إِذَا ابْتَدَأَ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا، وَلَا يَجِدُ السَّبِيلَ إِلَى تَرْكِهَا. انْتَهَى. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى التَّحْقِيقِ فِي هَذَا النَّوْعِ وَفِي كُلِّ مَا وَقَعَ الْهَمْزُ فِيهِ مُحَرَّكًا مُنْفَصِلًا، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَهُ سَاكِنٌ أَوْ مُحَرَّكٌ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُ الْمُؤَلِّفِينَ سِوَاهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ رِوَايَةً، وَبِهِ قَرَأَ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ عَلَى ابْنِ شَيْطَا، وَكَذَلِكَ قَرَأَ صَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " عَلَى شَيْخِهِ الشَّرِيفِ الْعَبَّاسِيِّ، عَنِ الْكَارَزِينِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّذَائِيِّ، وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ جَمِيعِ مَنْ عَدَّهُ مِنْ أَصْحَابِ حَمْزَةَ - الْهَمْزَ فِي الْوَقْفِ إِذَا كَانَتِ الْهَمْزَةُ

стр. 445

فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ. وَكَذَا رَوَى الدَّانِيُّ، عَنْ جَمِيعِ شُيُوخِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، فَإِذَا كَانَ غَيْرَ أَلِفٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ يَاءً أَوْ وَاوًا، فَإِنَّ مَنْ سَهَّلَ الْقِسْمَ قَبْلَهَا مَعَ الْأَلِفِ أَجْرَى التَّسْهِيلَ مَعَهَا بِالنَّقْلِ وَالْإِدْغَامِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَتِ الْيَاءُ وَالْوَاوُ فِي ذَلِكَ مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ نَحْوُ (تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ، وَأَدْعُو إِلَى) ضَمِيرًا، أَوْ زَائِدًا نَحْوُ (تَارِكُوا آلِهَتِنَا، ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ، قَالُوا آمَنَّا، نَفْسِي إِنْ) وَبِمُقْتَضَى إِطْلَاقِهِمْ يَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي الزَّائِدِ لِلصِّلَةِ نَحْوُ (بِهِ أَحَدًا، وَأَمْرُهُ إِلَى، وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي فِيهِ الْإِدْغَامَ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَانْفَرَدَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ بِإِطْلَاقِ تَخْفِيفِ هَذَا الْقَسْمِ مَعَ قِسْمِ الْأَلِفِ قَبْلَهُ كَتَخْفِيفِهِ بَعْدَ الْحَرَكَةِ، كَأَنَّهُ يُلْغِي حُرُوفَ الْمَدِّ وَيُقَدِّرُ أَنَّ الْهَمْزَةَ وَقَعَتْ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ، فَتُخَفَّفُ بِحَسَبِ مَا قَبْلَهَا عَلَى الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ عِنْدَ الْقُرَّاءِ وَلَا عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالَّذِي قَرَأْتُ بِهِ فِي وَجْهِ التَّسْهِيلِ هُوَ مَا قَدَّمْتُ لَكَ، وَلَكِنِّي آخُذُ فِي الْيَاءِ وَالْوَاوِ بِالنَّقْلِ، إِلَّا فِيمَا كَانَ زَائِدًا صَرِيحًا لِمُجَرَّدِ الْمَدِّ وَالصِّلَةِ فَبِالْإِدْغَامِ، وَذَلِكَ كَانَ اخْتِيَارَ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّائِغِ الْمِصْرِيِّ، وَكَانَ إِمَامَ زَمَانِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَالْقِرَاءَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَأَمَّا الْهَمْزُ الْمُتَوَسِّطُ) الْمُتَحَرِّكُ الْمُتَحَرِّكُ مَا قَبْلَهُ فَهُوَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِغَيْرِهِ (فَالْمُتَوَسِّطُ بِنَفْسِهِ) لَا تَخْلُو هَمْزَتُهُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَفْتُوحَةً، أَوْ مَكْسُورَةً، أَوْ مَضْمُومَةً، وَلَا تَخْلُو الْحَرَكَةُ قَبْلَهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ ضَمًّا، أَوْ كَسْرًا، أَوْ فَتْحًا، فَتَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ تِسْعُ صُوَرٍ. (الْأُولَى) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ ضَمٍّ نَحْوُ (مُؤَجَّلًا، وَيُؤَخَّرُ، وَفُؤَادُ، وَسُؤَالِ، وَلُؤْلُؤًا) . (الثَّانِيَةُ) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (مِئَةَ، وَنَاشِئَةَ، وَنُنْشِئَكُمْ، وَسَيِّئَاتِ، وَلَيُبَطِّئَنَّ، وَشَيْئًا، وَخَاطِئَةٍ) . (الثَّالِثَةُ) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (شَنَآنُ، وَسَأَلَهُمْ، وَمَآرِبُ، وَمَآبٍ، وَرَأَيْتَ، وَتَبُوءَ، وَنَأَى، وَمَلْجَأً، وَخَطَأً) . (الرَّابِعَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ ضَمٍّ نَحْوُ (كَمَا سُئِلَ، وَسُئِلُوا) . (الْخَامِسَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (إِلَى بَارِئِكُمْ، وَخَاسِئِينَ، وَمُتَّكِئِينَ) . (السَّادِسَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (يَئِسَ، وَتَطْمَئِنَّ، وَجَبْرَئِلَ) . (السَّابِعَةُ)

стр. 446

مَضْمُومَةٌ بَعْدَ ضَمٍّ نَحْوُ (بِرُءُوسِكُمْ، وَكَأَنَّهُ رُءُوسُ) . (الثَّامِنَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (لِيُطْفِئُوا، وَأَنْبِئُونِي، وَمستهزءون، وَسَيِّئُهُ) . (التَّاسِعَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (رَءُوفٌ، وَيَدْرَءُونَ، وَيَكْلَؤُكُمْ، وَنَقْرَؤُهُ، وَتَؤُزُّهُمْ) . فَتُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى - وَهِيَ الْمَفْتُوحَةُ بَعْدَ ضَمٍّ - بِإِبْدَالِهَا وَاوًا، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ - وَهِيَ الْمَفْتُوحَةُ بَعْدَ كَسْرٍ - بِإِبْدَالِهَا يَاءً، وَتَسْهِيلِهَا فِي الصُّوَرِ السَّبْعِ الْبَاقِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، أَيْ: بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَمَا مِنْهُ حَرَكَتُهَا عَلَى أَصْلِ التَّسْهِيلِ، وَحَكَى أَبُو الْعِزِّ فِي كِفَايَتِهِ فِي الْمَفْتُوحَةِ بَعْدَ فَتْحٍ إِبْدَالَهَا أَلِفًا، وَعَزَاهُ إِلَى الْمَالِكِيِّ، وَالْعَلَوِيِّ، وَابْنِ نَفِيسٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا مَكِّيٌّ وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِالْمُطَّرِدِ. (قُلْتُ) : وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِسَمَاعٍ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ تَسْهِيلَ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَ كَسْرٍ وَالْمَكْسُورَةِ بَعْدَ ضَمٍّ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا، وَالْمُتَوَسِّطُ بِغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ، وَهُوَ الْمُتَحَرِّكُ الْمُتَحَرِّكُ مَا قَبْلَهُ، لَا يَخْلُو أَيْضًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، أَوْ رَسْمًا. فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا رَسْمًا بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي دَخَلَ عَلَيْهِ كَحُرُوفِ الْعَطْفِ، وَحُرُوفِ الْجَرِّ، وَلَامِ الِابْتِدَاءِ، وَهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عِنْدَهُمْ بِالْمُتَوَسِّطِ بِزَائِدٍ، فَإِنَّ الْهَمْزَةَ تَأْتِي فِيهِ مَفْتُوحَةً وَمَكْسُورَةً وَمَضْمُومَةً، وَيَأْتِي قَبْلَ كُلِّ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ كَسْرٌ وَفَتْحٌ، فَيَصِيرُ سِتَّ صُوَرٍ: (الْأُولَى) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (بِأَنَّهُ، بِأَنَّهُمْ، بِأَنَّكُمُ، بِأَيِّ، فَبِأَيِّ، وَلِأَبَوَيْهِ، لِأَهَبَ، فَلِأَنْفُسِكُمْ، لِآدَمَ) . (الثَّانِيَةُ) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (فَأَذَّنَ، أَفَأَمِنَ، أَفَأَمِنْتُمْ، كَأَنَّهُ، كَأَنَّهُنَّ، كَأَيِّ، كَأَمْثَالِ، فَسَأَكْتُبُهَا، أَأَنْذَرْتَهُمْ، سَأَصْرِفُ) . (الثَّالِثَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (لَبِإِمَامٍ، بِإِيمَانٍ، بِإِحْسَانٍ، لِإِيلَافِ) . (الرَّابِعَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (فَإِنَّهُمْ، فَإِنَّهُ، فَإِمَّا، وَإِمَّا، أَئِذَا، أَئِنَّا) . (الْخَامِسَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ) . (السَّادِسَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (وَأُوحِيَ، وَأُوتِينَا، وَأُتِيَتْ، أَؤُلْقِيَ، فَأُوَارِيَ) فَتَسْهِيلُ هَذَا الْقِسْمِ كَالْقِسْمِ قَبْلَهُ يُبْدَلُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْمَفْتُوحَةُ بَعْدَ الْكَسْرِ يَاءً وَيُسَهَّلُ

стр. 447

بَيْنَ بَيْنَ فِي الصُّوَرِ الْخَمْسِ الْبَاقِيَةِ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَنْ حَمْزَةَ فِي تَسْهِيلِهِ كَالِاخْتِلَافِ فِي تَسْهِيلِ الْمُتَوَسِّطِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمُتَحَرِّكِ بَعْدَ السَّاكِنِ مِمَّا اتَّصَلَ رَسْمًا نَحْوُ (يَاأَيُّهَا، وَالْأَرْضِ) فَسَهَّلَهُ الْجُمْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَقَّقَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَسِّطُ بِغَيْرِهِ مُنْفَصِلًا رَسْمًا، فَإِنَّهُ يَأْتِي مَفْتُوحًا، وَمَكْسُورًا، وَمَضْمُومًا، وَبِحَسَبِ اتِّصَالِهِمَا قَبْلَهُ يَأْتِي بَعْدَ ضَمٍّ وَكَسْرٍ وَفَتْحٍ، فَيَصِيرُ مِنْهُ كَالْمُتَوَسِّطِ بِنَفْسِهِ تِسْعُ صُوَرٍ. (الْأُولَى) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ ضَمٍّ نَحْوُ (مِنْهُ آيَاتٌ، يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا، السُّفَهَاءُ أَلَا) . (الثَّانِيَةُ) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فِيهِ آيَاتٌ، أَعُوذُ بِاللَّهِ، هَؤُلَاءِ أَهْدَى) . (الثَّالِثَةُ) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ، إِنَّ أَبَانَا، قَالَ أَبُوهُمْ، جَاءَ أَجَلُهُمْ) . (الرَّابِعَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ ضَمٍّ نَحْوُ (يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ، النَّبِيُّ إِنَّا، مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا، نَشَاءُ إِلَى) . (الْخَامِسَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ، يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ، مِنَ النُّورِ إِلَى، هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ) . (السَّادِسَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (غَيْرَ إِخْرَاجٍ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ إِنِّي، إِنَّهُ، تَفِيءَ إِلَى) . (السَّابِعَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ ضَمٍّ نَحْوُ (الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، كُلُّ أُولَئِكَ، وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ، أَولِيَاءُ أُولَئِكَ) . (الثَّامِنَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، فِي الْأَرْضِ أُمَمًا، فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ، عَلَيْهِ أُمَّةً) . (التَّاسِعَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (كَانَ أُمَّةً، هُنَّ أُمُّ، مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ، جَاءَ أُمَّةً) فَسَهَّلَ أَيْضًا هَذَا الْقِسْمَ مَنْ سَهَّلَ الْهَمْزَ الْمُتَوَسِّطَ الْمُنْفَصِلَ الْوَاقِعَ بَعْدَ حُرُوفِ الْمَدِّ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَتَسْهِيلُهُ كَتَسْهِيلِ الْمُتَوَسِّطِ بِنَفْسِهِ مِنَ الْمُتَحَرِّكِ: يُبْدِلُ الْمَفْتُوحَةُ مِنْهُ بَعْدَ الضَّمِّ وَاوًا وَبَعْدَ الْكَسْرِ يَاءً، وَيُسَهِّلُ بَيْنَ بَيْنَ فِي السُّوَرِ السَّبْعِ الْبَاقِيَةِ سَوَاءً (فَهَذَا) جَمِيعُ أَقْسَامِ الْهَمْزِ سَاكِنَةً وَمُتَحَرِّكَةً وَمُتَوَسِّطَةً وَمُتَطَرِّفَةً، وَأَنْوَاعُ تَسْهِيلِهِ الْقِيَاسِيِّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ النَّحْوِيِّينَ وَالْقُرَّاءِ، وَقَدِ انْفَرَدَ بَعْضُ النُّحَاةِ بِنَوْعٍ مِنَ التَّخْفِيفِ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ بَعْضُ الْقُرَّاءِ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ، وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ بِنَوْعٍ مِنَ التَّخْفِيفِ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ بَعْضُ النُّحَاةِ، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ، وَشَذَّ بَعْضٌ مِنْ

стр. 448

الْفَرِيقَيْنِ بِشَيْءٍ مِنَ التَّخْفِيفِ لَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ مُبَيِّنًا لِلصَّوَابِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ. (فَمِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ النُّحَاةِ إِجْرَاءُ الْيَاءِ وَالْوَاوِ الْأَصْلِيَّتَيْنِ مَجْرَى الزَّائِدَتَيْنِ فَأَبْدَلُوا الْهَمْزَةَ بَعْدَهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا، وَأَدْغَمُوهُمَا فِي الْمُبْدَلِ مِنْ قِسْمَيِ الْمُتَطَرِّفِ وَالْمُتَوَسِّطِ الْمُتَّصِلِ. حَكَى سَمَاعَ ذَلِكَ مِنَ الْعَرَبِ يُونُسُ وَالْكِسَائِيُّ، وَحَكَاهُ أَيْضًا سِيبَوَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقِسْهُ، فَخَصَّهُ بِالسَّمَاعِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مُطَّرِدًا، وَوَافَقَ عَلَى الْإِبْدَالِ وَالْإِدْغَامِ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَجَاءَ أَيْضًا مَنْصُوصًا عَنْ حَمْزَةَ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ، وَذَكَرَهُ فِي " التَّيْسِيرِ " وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا أَبُو مُحَمَّدٍ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ فِي " الْكَافِي "، وَأَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَغَيْرُهُمْ وَخَصَّهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ بَلِّيمَةَ (بِشَيْءٍ، وَهَيْئَةِ، وَمَوْئِلًا) فَقَطْ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ مُطَّرِدًا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالنُّحَاةِ سِوَى النَّقْلِ كَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَأَبِيهِ أَبِي الطَّيِّبِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيِّ وَأَبِي الطَّاهِرِ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَشَيْخِهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الطَّرَسُوسِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْفَحَّامِ، وَالْجُمْهُورِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُطَّرِدُ إِجْمَاعًا، وَانْفَرَدَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ فَخَصَّ جَوَازَ الْإِدْغَامِ مِنْ ذَلِكَ بِحَرْفِ اللِّينِ وَلَمْ يُجِزْهُ بِحَرْفِ الْمَدِّ، وَكَأَنَّهُ لَاحَظَ كَوْنَهُ حَرْفَ مَدٍّ لَا يَجُوزُ إِدْغَامُهُ وَهَذَا لَا يُخَلِّصُهُ فِيمَا إِذَا كَانَ حَرْفُ الْمَدِّ زَائِدًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ إِدْغَامُهُ قَوْلًا وَاحِدًا نَحْوُ (هَنِيئًا، وَقُرُوءٍ) (وَالْجَوَابُ) عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْإِدْغَامَ فِيهِ تَقْدِيرِيٌّ، فَإِنَّا لَمَّا لَفَظْنَا بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ وَوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ تَخْفِيفًا لِلْهَمْزِ قَدَّرْنَا إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ بَعْدَ حَرْفِ الْمَدِّ، وَإِدْغَامَ حَرْفِ الْمَدِّ فِي الْهَمْزِ، وَنَظِيرُ هَذَا إِدْغَامُ أَبِي عَمْرٍو (نُودِيَ يَامُوسَى، هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) فَإِنَّ النُّطْقَ فِيهِ بِيَاءٍ وَوَاوٍ مُشَدَّدَتَيْنِ وَكَوْنُنَا سَكَّنَّا الْيَاءَ وَالْوَاوَ حَتَّى صَارَا حَرْفَيْ مَدٍّ، ثُمَّ أَدْغَمْنَاهُمَا فِيمَا بَعْدَهُمَا - تَقْدِيرِيٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ بَعْضُ النُّحَاةِ الْإِبْدَالَ وَالْإِدْغَامَ فِي الْمُنْفَصِلِ نَحْوُ (فِي أَنْفُسِكُمْ وَقَالُوا آمَنَّا) وَحَكَاهُ أَبُو عَمْرٍو فِي (الْفَرْخِ) ، عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ، وَوَافَقَ

стр. 449

عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ مِنَ الْقُرَّاءِ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو الْفَتْحِ بْنُ شَيْطَا، وَأَجَازَ نُحَاةُ الْكُوفِيِّينَ أَنْ تَقَعَ هَمْزَةُ بَيْنَ بَيْنَ بَعْدَ كُلِّ سَاكِنٍ كَمَا تَقَعُ بَعْدَ الْمُتَحَرِّكِ، ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو حَيَّانَ فِي " الِارْتِشَافِ "، وَقَالَ هَذَا مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْعَرَبِ. انْتَهَى. وَانْفَرَدَ أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ مِنَ الْقُرَّاءِ بِالْمُوَافَقَةِ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ الْهَمْزُ فِيهِ بَعْدَ حَرْفِ مَدٍّ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَوَسِّطًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَأَجْرَى الْوَاوَ وَالْيَاءَ مَجْرَى الْأَلِفِ، وَسَوَّى بَيْنَ الْأَلِفِ وَغَيْرِهَا مِنْ حَيْثُ اشْتِرَاكِهِنَّ فِي الْمَدِّ. (قُلْتُ) : وَذَلِكَ ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا عَدَلُوا إِلَى بَيْنَ بَيْنَ بَعْدَ الْأَلِفِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا النَّقْلُ وَلَا الْإِدْغَامُ بِخِلَافِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى أَنَّ الْحَافِظَ أَبَا عَمْرٍو الدَّانِيَّ حَكَى ذَلِكَ فِي (مَوْئِلًا، وَالْمَوْءُودَةُ) وَقَالَ: إِنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ فِي (مَوْئِلًا) مِنْ أَجْلِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ عِنْدَ مَنْ يَأْخُذُ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَجَازَ بَعْضُ النُّحَاةِ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ النَّقْلِ بَعْدَ الْيَاءِ وَالْوَاوِ إِذَا كَانَا حَرْفَيْ مَدٍّ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ، فَيَقُولُونَ فِي نَحْوِ (تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ، وَأَدْعُو إِلَى، تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ، وَأَدْعُو إِلَى) وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى هَذَا التَّخْفِيفِ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَأَجَازَ النُّحَاةُ النَّقْلَ بَعْدَ السَّاكِنِ الصَّحِيحِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مِيمِ جَمْعٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَمْ يُوَافِقْهُ الْقُرَّاءُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَجَازُوا فِي غَيْرِ مِيمِ الْجَمْعِ نَحْوُ (قَدْ أَفْلَحَ، وَقُلْ إِنِّي) لَا فِي نَحْوِ (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، ذَلِكُمْ إِصْرِي) فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ لَا خِلَافَ فِي تَحْقِيقِ مِثْلِ هَذَا فِي الْوَقْفِ عِنْدَنَا. انْتَهَى. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَرَأْنَاهُ بِهِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزِ النَّقْلُ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ مِيمَ الْجَمْعِ أَصْلُهَا الضَّمُّ، فَلَوْ حُرِّكَتْ بِالنَّقْلِ لَتَغَيَّرَتْ، عَنْ حَرَكَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ فِيمَا مَثَّلْنَا بِهِ ; وَلِذَلِكَ آثَرَ مِنْ مَذْهَبِهِ النَّقْلَ صِلَتُهَا عِنْدَ الْهَمْزِ لِتَعُودَ إِلَى أَصْلِهَا وَلَا تُحَرَّكَ بِغَيْرِ حَرَكَتِهَا عَلَى مَا فَعَلَ وَرْشٌ وَغَيْرُهُ، عَلَى أَنَّ ابْنَ مِهْرَانَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ فِي وَقْفِ حَمْزَةَ فِيهَا مَذَاهِبَ. (أَحَدُهَا) نَقْلُ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إِلَيْهَا مُطْلَقًا، فَتُضَمُّ فِي نَحْوِ (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ) وَتُفْتَحُ فِي نَحْوِ (أَنْتُمْ أَعْلَمُ) وَتُكْسَرُ فِي نَحْوِ (إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ) . (الثَّانِي) أَنَّهَا تُضَمُّ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَتِ الْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةً أَوْ مَكْسُورَةً حَذَرًا مِنْ تَحَرُّكِ

стр. 450

الْمِيمِ بِغَيْرِ حَرَكَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ. (قُلْتُ) : وَهَذَا لَا يُمْكِنُ فِي نَحْوِ (عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا، زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) ; لِأَنَّ الْأَلِفَ وَالْيَاءَ حِينَئِذٍ لَا يَقَعَانِ بَعْدَ ضَمَّةٍ. (الثَّالِثُ) يُنْقَلُ فِي الضَّمِّ وَالْكَسْرِ دُونَ الْفَتْحِ لِئَلَّا تَشْتَبِهَ بِالتَّثْنِيَةِ، وَأَجَازَ بَعْضُ النُّحَاةِ فِي السَّاكِنِ الصَّحِيحِ قَبْلَ الْهَمْزِ الْمُتَطَرِّفِ إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ بِمِثْلِ حَرَكَةِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ السَّاكِنِ حَالَةَ الْوَقْفِ، وَذَلِكَ نَحْوُ (يُخْرِجُ الْخَبْءَ، وَيَنْظُرُ الْمَرْءُ، وَدِفْءٌ، وَجُزْءٌ) فَيَقُولُونَ: هَذَا الْخِبَاءُ، وَرَأَيْتُ الْخِبَاءَ، وَمَرَرْتُ بِالْخِبَاءِ، وَهَذَا الدَّفِيءُ، وَرَأَيْتُ الدَّفِيءَ، وَمَرَرْتُ بِالدَّفِيءِ، وَهَذَا الْجُزُوءُ، وَرَأَيْتُ الْجُزُوءَ، وَمَرَرْتُ بِالْجُزُوءِ - عَلَى سَبِيلِ الِاتْبَاعِ، وَهَذَا مَسْمُوعٌ مُطَّرِدٌ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى هَذَا أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ إِلَّا الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، فَإِنَّهُ حَكَى وَجْهًا آخَرَ فِي (الْخَبْءَ) تُبْدَلُ الْهَمْزَةُ أَلِفًا بَعْدَ النَّقْلِ، فَخَصَّهُ بِالْمَفْتُوحَةِ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ فِي نَحْوِ هَذَا أَيْضًا النَّقْلَ إِلَى الْحَرْفِ فَقَطْ، فَيَقُولُ: هَذَا الْخَبْؤُ وَالدِّفْؤُ وَالْجُزْؤُ، وَرَأَيْتُ الْخَبْأَ وَالدَّفْأَ وَالْجُزْأَ، وَمَرَرْتُ بِالْخَبِيءِ وَالدَّفِيءِ وَالْجَزِيءِ. ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي تَسْهِيلِهِ مُطَّرِدًا، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَأَجَازَ النُّحَاةُ فِي (كَمْأَةٍ - كُمَاةٍ) بِالنَّقْلِ فَقَطْ وَالْإِبْدَالِ، وَهُوَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ شَاذٌّ مُطَّرِدٌ، وَحَكَاهُ سِيبَوَيْهِ، وَقَالَ هُوَ قَلِيلٌ، وَقَاسَ عَلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ، فَيُجِيزُونَ (يَسْأَلُونَ وَيَجْأَرُونَ وَالنَّشْأَةَ) وَحَرَكَةُ السَّاكِنِ بِالْفَتْحِ فِي ذَلِكَ هِيَ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ أَلِفًا. وَقِيلَ: أَبْدَلُوا الْهَمْزَةَ أَلِفًا، فَلَزِمَ انْفِتَاحُ مَا قَبْلَهَا، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ إِلَّا أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، فَذَكَرَهُ وَجْهًا آخَرَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي (النَّشْأَةِ) فَقَطْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا كُتِبَتْ بِالْأَلِفِ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ عَلَى حَسَبِ إِبْدَالِهَا فِي الْفِعْلِ. وَرَوَى الْفَرَّاءُ وَأَبُو زَيْدٍ ذَلِكَ عَنِ الْعَرَبِ. فَمَنْ أَبْدَلَ مِنْهُمُ الْهَمْزَةَ فِي الْفِعْلِ قَالَ: (اسْتَهْزَيْتُ) مِثْلَ: اسْتَقْصَيْتُ، وَاتَّكَيْتُ، مِثْلَ اكْتَرَيْتُ (وَأَطْفَيْتُ مِثْلَ أَوْصَيْتُ) وَتَقُولُ مِنْ ذَلِكَ: هَؤُلَاءِ مُسْتَهْزُونَ مِثْلَ مُسْتَقْضُونَ، وَيَسْتَهْزُونَ مِثْلَ يَسْتَقْضُونَ، وَالْمُتَّكُونَ مِثْلَ مُكْتَرُونَ، وَيُطْفُونَ مِثْلَ يُوصُونَ، وَيَطَوْنَ مِثْلَ

стр. 451

يَرَوْنَ. فَيَبْنُونَ الْكَلِمَةَ عَلَى فِعْلِهَا، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ ضَمُّ مَا قَبْلَ الْوَاوِ لِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَضْمُومًا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الضَّمَّةُ ضَمَّةَ نَقْلٍ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ ذَلِكَ نَقْلُ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إِلَى الْمُتَحَرِّكِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ. قَالَ الزُّجَاجُ: أَمَّا (يَسْتَهْزُونَ) فَعَلَى لُغَةِ مَنْ يُبْدِلُ مِنَ الْهَمْزَةِ يَاءً فِي الْأَصْلِ، فَيَقُولُونَ فِي (اسْتَهْزَأَ: اسْتَهْزَيْتُ) فَيَجِبُ عَلَى اسْتَهْزَيْتُ (يَسْتَهْزُونَ) وَكَذَا الْقَوْلُ فِي (مُسْتَهْزِينَ، وَخَاسِيِينَ، وَخَاطِيِينَ) وَهُوَ عِنْدَهُمْ صَحِيحٌ مُطَّرِدٌ، وَبِهِ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْهُ قِرَاءَتَهُ وَقِرَاءَةَ نَافِعٍ: (الصَّابُونَ، وَالصَّابِينَ) . وَقَدْ وَافَقَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ، عَنْ حَمْزَةَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَجَاءَ مَنْصُوصًا عَنْهُ، فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَزَّازُ، عَنْ خَلَّادٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ (مُسْتَهْزُونَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ وَيَضُمُّ الزَّايَ. وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ شُجَاعٍ قَالَ: كَانَ حَمْزَةُ يَقِفُ (مُسْتَهْزُونَ) بِرَفْعِ الزَّايِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَكَذَلِكَ (مُتَّكُونَ وَالْخَاطُونَ وَمَالُونَ وَلِيُطُفُوا) بِغَيْرِ هَمْزٍ فِي هَذِهِ الْأَحْرُفِ كُلِّهَا، وَبِرَفْعِ الْكَافِ وَالْفَاءِ وَالزَّايِ وَالطَّاءِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ،: أَخْبَرَنَا إِدْرِيسُ، ثَنَا خَلَفٌ، ثَنَا الْكِسَائِيُّ قَالَ: وَمَنْ وَقَفَ بِغَيْرِ هَمْزٍ قَالَ: (مُسْتَهْزُونَ) بِرَفْعِ الزَّايِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وَكَذَلِكَ (لِيُطُفُوا) بِرَفْعِ الطَّاءِ، وَكَذَلِكَ (لِيُوَاطُوا) بِرَفْعِ الطَّاءِ، وَكَذَلِكَ: (يَسْتَنْبُونَكَ) بِرَفْعِ الْبَاءِ. فَمَالُونَ بِرَفْعِ اللَّامِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. (قُلْتُ) : وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ بِهَذَا الْوَجْهِ مَعَ صِحَّتِهِ فِي الْقِيَاسِ وَالْأَدَاءِ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ السَّخَاوِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَضْعِيفِ هَذَا الْوَجْهِ وَإِخْمَالِهِ، وَجَعْلِهِ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُخْمَلَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِقَوْلِ الشَّاطِبِيِّ: وَمُسْتَهْزُونَ الْحَذْفُ فِيهِ وَنَحْوُهُ ... وَضَمٌّ وَكَسْرٌ قَبْلَ قِيلٍ وَأَخْمِلَا فَحَمَلَ أَلِفَ أَخْمِلَا عَلَى التَّثْنِيَةِ، أَيْ أَنَّ ضَمَّ مَا قَبْلَ الْوَاوِ وَكَسْرِهِ حَالَةَ الْحَذْفِ أَخْمِلَا يَعْنِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَاسِيُّ، وَهُوَ وَهْمٌ بَيِّنٌ وَخَطَأٌ ظَاهِرٌ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ قِيلًا وَأَخْمِلًا، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْأَلِفَ مِنْ أَخْمِلَا لِلْإِطْلَاقِ، وَإِنَّ هَذَا الْوَجْهَ مَنْ أَصَحِّ الْوُجُوهِ الْمَأْخُوذِ بِهَا لِحَمْزَةَ فِي الْوَقْفِ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى صِحَّتِهِ صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ " فِي كِتَابِهِ " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا الْخَامِلُ الْوَجْهُ الْآخَرُ، وَهُوَ حَذْفُ الْهَمْزَةِ وَإِبْقَاءُ مَا قَبْلَ الْوَاوِ مَكْسُورًا عَلَى

стр. 452

حَالِهِ عَلَى مُرَادِ الْهَمْزِ كَمَا أَجَازَهُ بَعْضُهُمْ، وَحَكَاهُ خَلَفٌ عَنِ الْكِسَائِيِّ، قَالَ الدَّانِيُّ: وَهَذَا لَا عَمَلَ عَلَيْهِ. (قُلْتُ) : فَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّاطِبِيُّ بِالْإِخْمَالِ لَا يَصِحُّ رِوَايَةً وَلَا قِيَاسًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَهَبَ بَعْضُ النُّحَاةِ إِلَى إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَ كَسْرِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَ ضَمٍّ حَرْفًا خَالِصًا فَتُبْدَلُ فِي نَحْوِ (سَنُقْرِيكَ وَيَسْتَهْزُونَ) يَاءً، وَفِي نَحْوِ (سُئِلَ وَاللُّؤْلُؤُ) وَاوًا، وَنُسِبَ هَذَا عَلَى إِطْلَاقِهِ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْعَدَةَ الْأَخْفَشِ النَّحْوِيِّ الْبَصْرِيِّ أَكْبَرِ أَصْحَابِ سِيبَوَيْهِ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَخْفَشِ النَّحْوِيِّ الَّذِي لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ غَيْرَهُ. وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ وَجُمْهُورُ النُّحَاةِ عَلَى ذَلِكَ عَنْهُ، وَالَّذِي رَأَيْتُهُ أَنَا فِي كِتَابِ " مَعَانِي الْقُرْآنِ " أَنَّهُ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الْهَمْزَةُ لَامَ الْفِعْلِ نَحْوُ (سَنُقْرِيكَ، وَاللُّولُو) ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عَيْنَ الْفِعْلِ نَحْوُ (سُئِلَ) أَوْ مِنْ مُنْفَصِلٍ نَحْوُ (يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ، وَيَشَاءُ إِلَى) فَإِنَّهُ يُسَهِّلُهَا بَيْنَ بَيْنَ كَمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وَالَّذِي يَحْكِيهِ عَنْهُ الْقُرَّاءُ وَالنُّحَاةُ إِطْلَاقُ الْإِبْدَالِ فِي النَّوْعَيْنِ، وَأَجَازَهُ كَذَلِكَ عَنْ حَمْزَةَ فِي الْوَقْفِ أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّاطِبِيِّ، وَوَافَقَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ عَلَى جَوَازِ الْإِبْدَالِ فِي الْمَضْمُومَةِ بَعْدَ كَسْرٍ فَقَطْ مُطْلَقًا، أَيْ: فِي الْمُنْفَصِلِ وَالْمُتَّصِلِ فَاءُ الْفِعْلِ وَلَامُهُ. وَحَكَى أَبُو الْعِزِّ ذَلِكَ فِي هَذَا النَّوْعِ خَاصَّةً عَنْ أَهْلِ وَاسِطٍ وَبَغْدَادَ وَهِيَ تَسْهِيلٌ بَيْنَ بَيْنَ، وَعَنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْبَصْرَةِ، وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو حَيَّانَ النَّحْوِيُّ عَنِ الْأَخْفَشِ الْإِبْدَالَ فِي النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَنْهُ فِي الْمَكْسُورَةِ الْمَضْمُومِ مَا قَبْلَهَا مِنْ كَلِمَةٍ أُخْرَى التَّسْهِيلُ بَيْنَ بَيْنَ، فَنَصَّ لَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فِي الْمُنْفَصِلِ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ إِلَى إِلْغَاءِ مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ فِي النَّوْعَيْنِ فِي الْوَقْفِ لِحَمْزَةَ، وَأَخَذُوا بِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ التَّسْهِيلُ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَحَرَكَتِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرٍ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَشَيْخِهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الطَّرَسُوسِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيِّ وَأَبِي طَاهِرِ بْنِ سَوَّارٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْفَحَّامِ صَاحِبِ " التَّجْرِيدِ "، وَأَبِي الطَّيِّبِ بْنِ غَلْبُونَ وَابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ طَاهِرٍ وَلَمْ يَرْضَ مَذْهَبَ

стр. 453

الْأَخْفَشِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَقْفِ حَمْزَةَ، وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى التَّفْصِيلِ، فَأَخَذُوا بِمَذْهَبِ الْأَخْفَشِ فِيمَا وَافَقَ الرَّسْمَ نَحْوُ (سَنُقْرِيكَ وَاللُّولُو) وَبِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ نَحْوُ (سِيلَ وَيَسْتَهْزُونَ) وَنَحْوُهُ لِمُوَافَقَةِ الرَّسْمِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ مِنَ التَّخْفِيفِ الرَّسْمِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَغَيْرِهِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ النُّحَاةِ إِلَى جَوَازِ إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ الْمُتَطَرِّفَةِ فِي الْوَقْفِ مِنْ جِنْسِ حَرَكَتِهَا فِي الْوَصْلِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ، أَوْ بَعْدَ سَاكِنٍ، وَحَكَوْا ذَلِكَ سَمَاعًا عَنْ غَيْرِ الْحِجَازِيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ كَتَمِيمٍ وَقَيْسٍ وَهُذَيْلٍ وَغَيْرِهِمْ، وَذَلِكَ نَحْوُ (الْمَلَا) وَ (نَبَا) وَ (يَدْرُو) وَ (تَفَتَوُا) وَ (الْعُلَمَوُا) وَ (يَشَا) وَ (الْخَبْ) فَيَقُولُونَ فِي " جَا الْمَلَا، وَ " مَرَرْتُ بِالْمَلِي "، وَ " رَأَيْتُ الْمَلَا "، وَ " هَذَا نَبُو "، وَ " جِئْتُ بِنَبِي "، وَ " سَمِعْتُ نَبَا "، وَ " هَؤُلَاءِ الْعُلَمَا "، وَ " مَرَرْتُ بِالْعُلَمَاي، وَ " رَأَيْتُ الْعُلَمَا "، وَ " هَذَا الْخَبُو "، وَ " مَرَرْتُ بِالْخَبِي "، وَ " رَأَيْتُ الْخَبَا "، وَ " زَيْدٌ يَدْرَوُ "، وَ " يَفَتَوُ "، وَ " يَشَاوُ "، وَ " لَنْ يَدْرَا "، وَ " لَنْ يَفْتَا "، وَ " لَنْ يَشَا ". فَتَكُونُ الْهَمْزَةُ وَاوًا فِي الرَّفْعِ وَيَاءً فِي الْجَرِّ، أَمَّا فِي النَّصْبِ فَيَتَّفِقُ هَذَا التَّخْفِيفُ مَعَ التَّخْفِيفِ الْمُتَقَدِّمِ لَفْظًا، وَيَخْتَلِفَانِ تَقْدِيرًا، وَكَذَلِكَ يَتَّفِقُ هَذَا التَّخْفِيفُ مَعَ الْمُتَقَدِّمَ حَالَةَ الرَّفْعِ إِذَا انْضَمَّ مَا قَبْلَ الْهَمْزِ، وَحَالَةَ الْجَرِّ إِذَا انْكَسَرَ نَحْوُ (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّولُو، وَمِنْ شَاطِيِ) وَيَخْتَلِفَانِ تَقْدِيرًا، فَعَلَى التَّخْفِيفِ الْأَوَّلِ تُخَفَّفُ بِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا، وَعَلَى هَذَا التَّخْفِيفِ بِحَرَكَةِ نَفْسِهَا، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي الْإِشَارَةِ بِالرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ، فَفِي تَخْفِيفِهَا بِحَرَكَةِ نَفْسِهَا تَأْتِي الْإِشَارَةُ، وَفِي تَخْفِيفِهَا بِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا تَمْتَنِعُ، وَلَا يُعْتَدُّ بِالْأَلِفِ الَّتِي قَبْلَ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّهَا حَاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، فَتُقَدَّرُ الْهَمْزَةُ مَعَهَا كَأَنَّهَا بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهَا، وَوَافَقَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى هَذَا التَّخْفِيفِ فِيمَا وَافَقَ رَسْمَ الْمُصْحَفِ. فَمَا رُسِمَ مِنْهُ بِالْوَاوِ وُقِفَ عَلَيْهِ بِهَا، أَوْ بِالْيَاءِ فَكَذَلِكَ، أَوْ بِالْأَلِفِ فَكَذَلِكَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَاخْتِيَارُ الْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو كَمَا أَذْكُرُهُ. (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ الْقُرَّاءِ التَّخْفِيفُ الرَّسْمِيُّ ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ كَالْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ، وَشَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ

стр. 454

أَحْمَدَ وَأَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَالْمُرَادُ بِالرَّسْمِ صُورَةُ مَا كُتِبَ فِي الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّ سُلَيْمًا رَوَى عَنْ حَمْزَةَ أَنَّهُ كَانَ يَتَّبِعُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْهَمْزِ خَطَّ الْمُصْحَفِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ حَمْزَةَ لَا يَأْلُو فِي وَقْفِهِ عَلَى الْكَلِمَةِ الَّتِي فِيهَا هَمْزٌ اتِّبَاعَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ الْمُجْمَعِ عَلَى اتِّبَاعِهِ. يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا خَفَّفَ الْهَمْزَ فِي الْوَقْفِ فَمَهْمَا كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّخْفِيفِ مُوَافِقًا لِخَطِّ الْمُصْحَفِ خَفَّفَهُ بِهِ دُونَ مَا خَالَفَهُ، وَإِنْ كَانَ أَقْيَسَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الدَّانِيِّ فِي " التَّيْسِيرِ ": وَاعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُسَهِّلُهُ حَمْزَةُ مِنَ الْهَمَزَاتِ فَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ خَطُّ الْمُصْحَفِ دُونَ الْقِيَاسِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ - يَعْنِي بِمَا قَدَّمَهُ قَوْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ - فَإِنِ انْضَمَّتْ، أَيِ الْهَمْزَةُ، جَعَلَهَا بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ نَحْوُ قَوْلِهِ: (فَادْرُوا، وَبُوسًا، وَلَا يَوُدُهُ، وَمُسْتَهْزُونَ، وَلِيُوَاطُوا، وَيَا بْنُومٍّ) وَشِبْهُهُ مَا لَمْ تَكُنْ صُورَتُهَا يَاءً نَحْوُ (قُلْ أُونَبِّيكُمْ، وَسَنُقْرِيكَ، وَكَانَ سَيِّئُهُ) وَشِبْهُهُ فَإِنَّكَ تُبْدِلُهَا يَاءً مَضْمُومَةً اتِّبَاعًا لِمَذْهَبِ حَمْزَةَ فِي اتِّبَاعِ الْخَطِّ عِنْدَ الْوَقْفِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَخْفَشِ - أَعْنِي التَّسْهِيلَ فِي ذَلِكَ بِالْبَدَلِ - انْتَهَى. وَهُوَ غَايَةٌ مِنَ الْوُضُوحِ. مَعْنَى قَوْلِهِ: دُونَ الْقِيَاسِ - أَيِ الْمُجَرَّدِ عَنِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ كَمَا مَثَّلَ بِهِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ - كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، فَإِنَّ اتِّبَاعَ الرَّسْمِ لَا يَجُوزُ إِذَا خَالَفَ قِيَاسَ الْعَرَبِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا وَنُبَيِّنُ، وَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ مَعْرِفَةِ كِتَابَةِ الْهَمْزِ لِيُعْرَفَ مَا وَافَقَ الْقِيَاسَ فِي ذَلِكَ مِمَّا خَالَفَهُ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْهَمْزَةَ وَإِنْ كَانَ لَهَا مَخْرَجٌ يَخُصُّهَا وَلَفْظٌ تَتَمَيَّزُ بِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا صُورَةٌ تَمْتَازُ كَسَائِرِ الْحُرُوفِ، وَلِتَصَرُّفِهِمْ فِيهَا بِالتَّخْفِيفِ إِبْدَالًا، وَنَقْلًا، وَإِدْغَامًا، وَبَيْنَ بَيْنَ، كُتِبَتْ بِحَسَبِ مَا تُخَفَّفُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ تَخْفِيفُهَا أَلِفًا، أَوْ كَالْأَلِفِ كُتِبَتْ أَلِفًا، وَإِنْ كَانَ يَاءً أَوْ كَالْيَاءِ كُتِبَتْ يَاءً، وَإِنْ كَانَ وَاوًا أَوْ كَالْوَاوِ كُتِبَتْ وَاوًا، وَإِنْ كَانَ حَذْفًا يُنْقَلُ، أَوْ إِدْغَامًا، أَوْ غَيْرَهُ حُذِفَتْ مَا لَمْ تَكُنْ أَوَّلًا، فَإِنْ كَانَتْ أَوَّلًا كُتِبَتْ أَلِفًا أَبَدًا إِشْعَارًا بِحَالَةِ الِابْتِدَاءِ إِذَا كَانَتْ فِيهِ لَا يَجُوزُ تَخْفِيفُهَا بِوَجْهٍ. هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَالْقِيَاسُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَرَسْمِ الْمُصْحَفِ

стр. 455

وَرُبَّمَا خَرَجَتْ مَوَاضِعُ عَنِ الْقِيَاسِ الْمُطَّرِدِ لِمَعْنًى فَمِمَّا خَرَجَ مِنَ الْهَمْزِ السَّاكِنِ اللَّازِمِ فِي الْمَكْسُورِ مَا قَبْلَهُ (وَرِئْيًا) فِي سُورَةِ مَرْيَمَ حُذِفَتْ صُورَةُ هَمْزَتِهَا وَكُتِبَتْ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ، قِيلَ: اكْتِفَاءً بِالْكَسْرَةِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صُوِّرَتْ لَكَانَتْ يَاءً، فَحُذِفَتْ لِذَلِكَ كَمَا حُذِفَتْ مِنْ (وَيَسْتَحْيِي وَيُحْيِي) وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ، وَكُتِبَتْ (هَيِّئْ لَنَا وَيُهَيِّئْ لَكُمْ) فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ صُورَةُ الْهَمْزَةِ فِيهَا أَلِفًا؛ مِنْ أَجْلِ اجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ، إِذْ لَوْ حُذِفَتْ لَحَصَلَ الْإِجْحَافُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْيَاءَ فِيهِمَا قَبْلَهَا مُشَدَّدَةٌ، نَصَّ عَلَى تَصْوِيرِهَا أَلِفًا فِيهِمَا وَفِي (وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَالْمَكْرُ السَّيِّئُ) الْغَازِي بْنُ قَيْسٍ فِي هِجَاءِ السُّنَّةِ لَهُ، أَنْكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ كِتَابَةَ ذَلِكَ بِأَلِفٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ السَّخَاوِيُّ: إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْهُ أَبُو عَمْرٍو، عَنْ يَقِينٍ، بَلْ عَنْ غَلَبَةِ ظَنٍّ وَعَدَمِ اطِّلَاعٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ فِي الْمُصْحَفِ الشَّامِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْغَازِي بْنُ قَيْسٍ. (قُلْتُ) : وَكَذَلِكَ رَأَيْتُهَا أَنَا فِيهِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى رَسْمِ (هَيِّئْ وَيُهَيِّئْ) بِيَاءَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْمَضْمُومِ مَا قَبْلَهُ (تُووِي إِلَيْكَ، وَتُووِيهِ) حُذِفَتْ صُورَةُ الْهَمْزَةِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صُوِّرَتْ لَكَانَتْ وَاوًا، فَيَجْتَمِعُ الْمِثْلَانِ أَيْضًا كَمَا حُذِفَتْ فِي (دَاوُدُ، وَرُوِيَ، وَيَسْتَوُونَ) لِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ حُذِفَتْ فِي (رُؤْيَاكَ، وَالرُّؤْيَا، وَرُؤْيَايَ) فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، فَلَمْ يُكْتَبْ لَهَا أَيْضًا صُورَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صُوِّرَتْ فِي ذَلِكَ لَكَانَتْ وَاوًا، وَالْوَاوُ فِي الْخَطِّ الْقَدِيمِ الَّذِي كُتِبَتْ بِهِ الْمَصَاحِفُ الْعُثْمَانِيَّةُ قَرِيبَةُ الشَّكْلِ بِالرَّاءِ، فَحُذِفَتْ لِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ كُتِبَتْ عَلَى قِرَاءَةِ الْإِدْغَامِ، أَوْ لِتَشْمَلَ الْقِرَاءَتَيْنِ تَحْقِيقًا وَتَقْدِيرًا، وَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَفِي الْمَفْتُوحِ مَا قَبْلَهَا (فَادَّارَاتُمْ فِيهَا) مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ حُذِفَتْ صُورَةُ الْهَمْزَةِ مِنْهُ. وَلَوْ صُوِّرَتْ لَكَانَتْ أَلِفًا، وَكَذَلِكَ حُذِفَتِ الْأَلِفُ الَّتِي قَبْلَهَا بَعْدَ الدَّالِ. وَإِنَّمَا حُذِفَا اخْتِصَارًا وَتَخْفِيفًا، أَوْ أَنَّهُمَا لَوْ كُتِبَا لَاجْتَمَعَتِ الْأَمْثَالُ، فَإِنَّ الْأَلِفَ الَّتِي بَعْدَ الْفَاءِ ثَابِتَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ تَنْبِيهًا عَلَيْهَا لِأَنَّهَا سَاقِطَةٌ فِي اللَّفْظِ، بِخِلَافِ الْآخِرَتَيْنِ، فَإِنَّهُمَا وَإِنْ حُذِفَتَا خَطَأً فَإِنَّ مَوْضِعَهُمَا مَعْلُومٌ، إِذْ لَا يُمْكِنُ النُّطْقُ بِالْكَلِمَةِ

стр. 456

إِلَّا بِهِمَا، وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: فِي حَذْفِهِمَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ الْخَطِّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِيَقْرَأَ الْقَارِئُ بِالْإِثْبَاتِ فِي مَوْضِعِ الْحَذْفِ، وَلَا حَذْفَ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ، وَكَذَلِكَ حُذِفَتْ صُورَةُ الْهَمْزَةِ مِنِ (امْتَلَاتِ) فِي أَكْثَرِ الْمَصَاحِفِ تَخْفِيفًا. وَكَذَلِكَ (اسْتَاجِرْهُ، وَاسْتَاجَرْتَ) فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي التَّنْزِيلِ، وَكَذَلِكَ (يَسْتَأْخِرُونَ) فِي الْغَيْبَةِ وَالْخِطَابِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ حَرْفَ الْأَعْرَافِ، وَمِمَّا خَرَجَ مِنَ الْهَمْزِ الْمُتَحَرِّكِ بَعْدَ سَاكِنٍ غَيْرِ الْأَلِفِ الْمُنْشَأَةِ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَوَاضِعِ، وَ (يَسْأَلُونَ عَنْ) فِي الْأَحْزَابِ، وَ (مَوْئِلًا) فِي الْكَهْفِ وَ (السُّوأَى) فِي الرُّومِ وَ (أَنْ تَبُوءَ) فِي الْمَائِدَةِ وَ (لِيَسُوءُوا) فِي سُبْحَانَ، فَصُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ فِي هَذِهِ الْأَحْرُفِ الْخَمْسَةِ، وَكَانَ قِيَاسُهَا الْحَذْفَ، وَأَنْ لَا تُصَوَّرَ ; لِأَنَّ قِيَاسَ تَخْفِيفِهَا النَّقْلُ وَيُلْحَقُ بِهَا (هُزُوًا) عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَخَلَفٍ وَ (كُفُؤًا) عَلَى قِرَاءَتِهِمَا وَقِرَاءَةِ يَعْقُوبَ، فَـ " النَّشْأَةَ " كُتِبَتْ بِأَلِفٍ بَعْدِ الشِّينِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِاحْتِمَالِ الْقِرَاءَتَيْنِ، فَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ مَدَّ صُورَةَ الْمَدَّةِ، وَفِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ سَكَّنَ الشِّينَ صُورَةَ الْهَمْزَةِ، وَ (يَسْأَلُونَ) اخْتَلَفَتِ الْمَصَاحِفُ فِي كِتَابَتِهَا، فَفِي بَعْضِهَا بِأَلِفٍ بَعْدِ السِّينِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْحَذْفِ فَمَا كُتِبَتْ فِيهِ بِأَلِفٍ فَهِيَ كَالنَّشْأَةِ؛ لِاحْتِمَالِ الْقِرَاءَتَيْنِ، فَإِنَّهُ قَرَأَهَا بِتَشْدِيدِ السِّينِ وَالْمَدِّ يَعْقُوبُ مِنْ رِوَايَةِ رُوَيْسٍ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَاصِمٍ الْجَحْدَرَيِّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، وَمَا كُتِبَتْ فِيهِ بِالْحَذْفِ فَإِنَّهَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ الْبَاقِينَ، وَ (مَوْئِلًا) وَأَجْمَعَ الْمَصَاحِفُ عَلَى تَصْوِيرِ الْهَمْزَةِ فِيهِ يَاءً، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ مُنَاسَبَةِ رُءُوسِ الْآيِ قَبْلُ وَبَعْدُ نَحْوُ (مَوْعِدًا وَمَصْرِفًا وَمَوْبِقًا) وَمُحَافَظَةً عَلَى لَفْظِهَا، وَ (السُّوأَى) صُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ فِيهَا أَلِفًا بَعْدَ الْوَاوِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ هِيَ أَلِفُ التَّأْنِيثِ عَلَى مُرَادِ الْإِمَالَةِ، وَلَمَّا صُوِّرَتْ أَلِفُ التَّأْنِيثِ لِذَلِكَ يَاءً صُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ قَبْلَهَا أَلِفًا؛ إِشْعَارًا بِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِأَلِفِ التَّأْنِيثِ فِي الْإِمَالَةِ، وَ (أَنْ تَبُوءَ) صُوِّرَتْ فِيهِ أَلِفًا وَلَمْ تُصَوَّرْ هَمْزَةً مُتَطَرِّفَةً بِغَيْرِ خِلَافٍ بَعْدَ سَاكِنٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَ (لِيَسُوءُوا) مِثْلُهَا فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وَمَنْ مَعَهُ، وَأَمَّا عَلَى

стр. 457

قِرَاءَةِ نَافِعٍ، وَمَنْ مَعَهُ، فَإِنَّ الْأَلِفَ فِيهَا زَائِدَةٌ؛ لِوُقُوعِهَا بَعْدَ وَاوِ الْجَمْعِ كَمَا هِيَ فِي (قَالُوا) وَشِبْهِهِ وَحَذْفُ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ تَخْفِيفًا لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ عَلَى الْقَاعِدَةِ وَ (هُزُوًا وَكُفُّوا) فَكُتِبَتَا عَلَى الْأَصْلِ بِضَمِّ الْعَيْنِ فَصَوِّرَتْ عَلَى الْقِيَاسِ، وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ سَكَّنَ تَخْفِيفًا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ السَّبْعَ لَمْ تُصَوَّرِ الْهَمْزَةُ فِيهَا صَرِيحًا إِلَّا فِي (مَوْئِلًا) قَطْعًا، وَفِي (أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي) فِي أَقْوَى الِاحْتِمَالَيْنِ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ (لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) فِي الْقَصَصِ مِمَّا صُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ أَلِفًا مَعَ وُقُوعِهَا مُتَطَرِّفَةً بَعْدَ سَاكِنٍ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ، فَجَعَلَهَا أَيْضًا مِمَّا خَرَجَ عَنِ الْقِيَاسِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْهَمْزَةَ مِنْ (لَتَنُوءُ) مَضْمُومَةٌ، فَلَوْ صُوِّرَتْ لَكَانَتْ وَاوًا كَمَا صُوِّرَتِ الْمَكْسُورَةُ فِي (مَوْئِلًا) يَاءً كَالْمَفْتُوحَةِ، وَفِي (تَبُوءَ وَالنَّشْأَةَ وَالسُّوأَى،) وَالصَّوَابُ أَنَّ صُورَةَ الْهَمْزَةِ مِنْهَا مَحْذُوفٌ عَلَى الْقِيَاسِ، وَهَذِهِ الْأَلِفُ وَقَعَتْ زَائِدَةً كَمَا كُتِبَتْ فِي (يَعْبَؤُا) وَ (تَفَتَؤُا) وَ (لُؤْلُؤًا) وَ (إِنِ امْرُؤٌ) تَشْبِيهًا بِمَا زِيدَ بَعْدَ وَاوِ الْجَمْعِ، وَهَذَا مُحَتَّمًا أَيْضًا فِي (أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي) وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ (لَا تَايَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ) ، وَأَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَلِفَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْهَمْزِ، بَلْ تَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ رُسِمَتْ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ مِنْ رِوَايَتَيِ الْبَزِّيِّ وَابْنِ وَرْدَانَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْهَمْزِ الْمُفْرَدِ، وَالْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّهُ قُصِدَ بِزِيَادَتِهَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَبَيْنَ يَئِسَ وَيَئِسُوا، فَإِنَّهَا لَوْ رُسِمَتْ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ لَاشْتَبَهَتْ بِذَلِكَ، فَفُرِّقَ بَيْنَ ذَلِكَ بِأَلِفٍ كَمَا فُرِّقَ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ فِي مِائَةٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِنْهُ، وَلِتَحْتَمِلَ الْقِرَاءَتَيْنِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ زِيَادَةُ الْأَلِفِ فِي: (لِشَآيٍ) فِي الْكَهْفِ، أَوْ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا، وَفِي وَجِيءَ لَا مَدْخَلَ لَهَا هُنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا (الْمَؤُدَةُ) فَرُسِمَتْ بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ وَحُذِفَتْ صُورَةُ الْهَمْزَةِ فِيهَا عَلَى الْقِيَاسِ، وَكَذَلِكَ فِي (مَسْؤُلًا) وَالْعَجَبُ مِنَ الشَّاطِبِيِّ كَيْفَ ذَكَرَ (مَسْؤُلًا) مِمَّا حُذِفَتْ مِنْهُ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ، وَكَذَلِكَ حُذِفَ أَلِفُ قُرْآنًا فِي أَوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ وَالزُّخْرُفِ بَعْدَ الْهَمْزَةِ كَمَا كُتِبَتْ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ، فَمَا حُذِفَ اخْتِصَارًا لِلْعِلْمِ بِهِ فَلَيْسَ مِنْ

стр. 458

هَذَا الْبَابِ، وَكَذَلِكَ حُذِفَ فِي بَعْضِهَا مِنْ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ فِي سُبْحَانَ. وَقُرْآنًا عَرَبِيًّا فِي الزُّمَرِ، فَكُتِبَتْ: (ق. ر. ن) فَحُذِفَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَلِفَاتِ لِلتَّخْفِيفِ، وَخَرَجَ مِنَ الْهَمْزِ الْمُتَحَرِّكِ بَعْدَ الْأَلِفِ مِنَ الْمُتَوَسِّطِ أَصْلٌ مُطَّرِدٌ وَكَلِمَاتٌ مَخْصُوصَةٌ. فَالْأَصْلُ الْمُطَّرِدُ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ مِثْلَانِ فَأَكْثَرُ، وَذَلِكَ فِي الْمَفْتُوحَةِ مُطْلَقًا نَحْوُ (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ، وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ، وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ، وَدُعَاءً وَنِدَاءً، وَمَاءً، وَمَلْجَأً، وَخَطَأً) وَمِنَ الْمَضْمُومَةِ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَاوٌ نَحْوُ (جَاءُوكُمْ، وَيُرَاءُونَ) وَفِي الْمَكْسُورَةِ إِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا يَاءٌ نَحْوُ (إِسْرَائِيلَ) وَمِنْ (وَرَايْ وَشُرَكَايْ وَالَّايْ) فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَمْ يُكْتَبْ لِلْهَمْزِ فِي ذَلِكَ صُورَةٌ؛ لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ صُورَتَيْنِ، وَالْكَلِمَاتُ الْمَخْصُوصَةُ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ فِي الْبَقَرَةِ، وَأَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ فِي الْأَنْعَامِ، وَفِيهَا لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَفِي الْأَحْزَابِ إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ وَفِي فُصِّلَتْ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فَكُتِبَ فِي أَكْثَرِ مَصَاحِفِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَحْذُوفَ الصُّورَةِ، وَفِي سَائِرِ الْمَصَاحِفِ ثَابِتًا. وَحَكَى ابْنُ الْمُنَادِي وَغَيْرُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ) فِي الْأَنْفَالِ مَحْذُوفٌ أَيْضًا، وَأَجْمَعَتْ الْمَصَاحِفُ عَلَى حَذْفِ أَلِفِ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْهَمْزِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا حُذِفَتْ صُورَةُ الْهَمْزِ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمَّا حُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنَ الْمَخْفُوضِ اجْتَمَعَ الصُّورَتَانِ، فَحُذِفَتْ صُورَةُ الْهَمْزِ لِذَلِكَ، وَحُمِلَ الْمَرْفُوعُ عَلَيْهِ، وَفِي إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ لِيُنَاسِبَ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي " جَزَاؤُهُ " الثَّلَاثَةُ الْأَحْرُفِ مِنْ يُوسُفَ. فَحَكَى حَذْفَ صُورَةِ الْهَمْزَةِ فِيهَا الْغَازِي بْنُ قَيْسٍ فِي كِتَابِهِ " هِجَاءُ السُّنَّةِ "، وَرَوَاهُ الدَّانِيُّ فِي مُقْنِعِهِ عَنْ نَافِعٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ قُرْبُ شِبْهِ الْوَاوِ مِنْ صُورَةِ الزَّايِ فِي الْخَطِّ الْقَدِيمِ كَمَا فَعَلُوا فِي الرُّؤْيَا، فَحَذَفُوا صُورَةَ الْهَمْزَةِ لِشِبْهِ الْوَاوِ بِالرَّاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَجْمَعُوا عَلَى رَسْمِ " تَرَاءَ " مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا تَرَاءَ الْجَمْعَانِ فِي الشُّعَرَاءِ بِأَلِفٍ وَاحِدَةٍ، وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْأَلِفِ الثَّابِتَةِ وَالْمَحْذُوفَةِ هَلِ الْأُولَى أَمِ الثَّانِيَةُ؟ فَذَهَبَ الدَّانِيُّ إِلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَةَ

стр. 459

هِيَ الْأُولَى، وَأَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الثَّابِتَةُ، وَوَجَّهَ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ الْأُولَى زَائِدَةٌ، وَالثَّانِيَةَ أَصْلِيَّةٌ، وَالزَّائِدُ أَوْلَى بِالْحَذْفِ، وَالْأَصْلِيُّ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ. وَالثَّانِي أَنَّهُمَا سَاكِنَانِ، وَقِيَاسُهُ تَغْيِيرُ الْأُولَى. وَالثَّالِثُ أَنَّ الثَّانِيَةَ قَدْ أُعِلَّتْ بِالْقَلْبِ، فَلَا تُعَلُّ ثَانِيًا بِالْحَذْفِ؛ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهَا إِعْلَالَانِ. وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الْأُولَى، وَأَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الْمَحْذُوفَةُ، وَاسْتَدَلُّوا بِخَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ الْأُولَى تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَلَيْسَتِ الثَّانِيَةُ كَذَلِكَ، فَحَذْفُهَا أَوْلَى. وَالثَّانِي أَنَّ الثَّانِيَةَ طَرَفٌ، وَالطَّرَفُ أَوْلَى بِالْحَذْفِ. وَالثَّالِثُ أَنَّ الثَّانِيَةَ حُذِفَتْ فِي الْوَصْلِ لَفْظًا، فَنَاسَبَ أَنْ تُحْذَفَ خَطًّا. وَالرَّابِعُ أَنَّ حَذْفَ إِحْدَى الْأَلِفَيْنِ إِنَّمَا سَبَبُهُ كَرَاهِيَةُ اجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ، وَالِاجْتِمَاعُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالثَّانِيَةِ، فَكَانَ حَذْفُهَا أَوْلَى. وَالْخَامِسُ أَنَّ الثَّانِيَةَ لَوْ ثَبَتَتْ لَرُسِمَتْ يَاءً؛ لِأَنَّهَا قِيَاسُهَا لِكَوْنِهَا مُنْقَلِبَةً عَنْ يَاءٍ، وَأَجَابُوا عَنِ الْأُولَى بِأَنَّ الزَّائِدَ إِنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى بِالْحَذْفِ مِنَ الْأَصْلِيِّ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ لِمُجَرَّدِ التَّوَسُّعِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ لِلْأَبْنِيَةِ فَلَا. وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهَا لَمْ تُحْذَفْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، بَلْ لِلْمِثْلَيْنِ، وَأَيْضًا فَقَدْ غُيِّرَ الثَّانِي لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَثِيرًا، وَعَنِ الثَّالِثِ بِأَنَّ مَحَلَّ الْقَلْبِ اللَّفْظُ، وَمَحَلَّ الْحَذْفِ الْخَطُّ، فَلَمْ يَتَعَدَّدِ الْإِعْلَالُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَخَرَجَ مِنَ الْمُتَطَرِّفِ بَعْدَ الْأَلِفِ كَلِمَاتٌ وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهَا مَضْمُومَةً وَمَكْسُورَةً، فَالْمَضْمُومَةُ مِنْهَا ثَمَانِ كَلِمَاتٍ كُتِبَتِ الْهَمْزَةُ فِيهَا وَاوًا بِلَا خِلَافٍ، وَهِيَ (شُرَكَاءُ) فِي الْأَنْعَامِ (أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَؤُا) ، وَفِي الشُّورَى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُا) وَنَشَاءُ فِي هُودٍ (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَؤُا) ، وَالضُّعَفَاءُ فِي إِبْرَاهِيمَ (فَقَالَ الضُّعَفَؤُا) ، وَشُفَعَاءُ فِي الرُّومِ (مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَؤُا) ، وَدُعَاءٌ فِي غَافِرٍ (وَمَا دُعَاؤُا الْكَافِرِينَ) ، وَالْبَلَاءُ فِي الصَّافَّاتِ (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَؤُا الْمُبِينُ) ، وَفِي الدُّخَانِ (بَلَؤٌا مُبِينٌ) ، وَبُرَآءُ فِي الْمُمْتَحِنَةِ (إِنَّا بُرَؤَاءُ) ، وَجَزَاءُ فِي الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمَائِدَةِ (وَذَلِكَ جَزَؤُا الظَّالِمِينَ) وَ (إِنَّمَا جَزَؤُا الَّذِينَ) ، وَفِي الشُّورَى (وَجَزَؤُا سَيِّئَةٍ) ، وَفِي الْحَشْرِ (وَذَلِكَ جَزَؤُا الظَّالِمِينَ) ، وَاخْتُلِفَ فِي أَرْبَعٍ، وَهِيَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ فِي الزُّمَرِ، وَجَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى فِي طه، وَجَزَاءً الْحُسْنَى فِي الْكَهْفِ وَفِي عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الشُّعَرَاءِ،

стр. 460

وَ (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُا) فِي فَاطِرٍ، وَفِي (أَنْبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ) فِي الْأَنْعَامِ وَالشُّعَرَاءِ. فَمَا كُتِبَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِالْوَاوِ، فَإِنَّ الْأَلِفَ قَبْلَهُ تُحْذَفُ اخْتِصَارًا، وَتُلْحَقُ بَعْدَ الْوَاوِ مِنْهُ أَلِفٌ تَشْبِيهًا بِوَاوِ يَدْعُوا، وَقَالُوا: وَمَا لَا يُكْتَبُ فِيهِ صُورَةُ الْهَمْزَةِ فَإِنَّ الْأَلِفَ فِيهِ تُثْبَتُ لِوُقُوعِهَا طَرَفًا وَالْمَكْسُورَةُ صُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ يَاءً فِي أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَهِيَ (مِنْ تِلْقَايِ نَفْسِي) فِي يُونُسَ وَ (إِيتَايِ ذِي الْقُرْبَى) فِي النَّحْلِ، وَ (مِنْ آنَايِ اللَّيْلِ) فِي طه، وَ (أَوْ مِنْ وَرَايِ حِجَابٍ) فِي الشُّورَى، وَالْأَلِفُ قَبْلَهَا ثَابِتَةٌ فِيهَا، وَلَكِنْ حُذِفَتْ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ مِنْ (تِلْقَايِ نَفْسِي) ، وَ (إِيتَايِ ذِي الْقُرْبَى) قَالَ السَّخَاوِيُّ قَدْ رَأَيْتُ فِي الْمُصْحَفِ الشَّامِيِّ الْأَلِفَ مَحْذُوفَةً مِنْ (تِلْقَيِ نَفْسِي) ، وَمِنْ (ايتِي ذِي الْقُرْبَى) كَمَا كُتِبَتْ إِلَى بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَثَابِتَةٌ فِي آنَايِ اللَّيْلِ، وَوَرَايِ حِجَابٍ. انْتَهَى. وَاخْتُلِفَ فِي (بِلِقَايِ رَبِّهِمْ، وَلِقَايِ الْآخِرَةِ) الْحَرْفَيْنِ فِي الرُّومِ، فَنَصَّ الْغَازِي بْنُ قَيْسٍ عَلَى إِثْبَاتِ الْيَاءِ فِيهِمَا، وَقَالَ الدَّانِيُّ: وَمَصَاحِفُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْغَازِي بْنُ قَيْسٍ بِالْيَاءِ. وَقَالَ السَّخَاوِيُّ: وَقَدْ رَأَيْتُ الْحَرْفَ الْأَوَّلَ مِنْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَرَأَيْتُ الْحَرْفَ الثَّانِيَ " وَلِقَايِ الْآخِرَةِ " بِالْيَاءِ. وَأَمَّا اللَّايْ فَإِنَّهَا كُتِبَتْ فِي السُّوَرِ الثَّلَاثِ (إِلَى) عَلَى صُورَةِ " إِلَى الْجَارَةِ لِتَحْتَمِلَهَا الْقِرَاءَاتُ الْأَرْبَعُ. فَالْأَلِفُ حُذِفَتِ اخْتِصَارًا كَمَا حُذِفَتْ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي وَبَقِيَتْ صُورَةُ الْهَمْزَةِ عِنْدَ مَنْ حَذَفَ الْيَاءَ وَحَقَّقَ الْهَمْزَةَ، أَوْ سَهَّلَهَا بَيْنَ بَيْنَ، وَصُورَةُ الْيَاءِ عِنْدَ مَنْ أَبْدَلَهَا يَاءً سَاكِنَةً، وَأَمَّا عِنْدَ وَقْفِ حَمْزَةَ، وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ أَثْبَتَ الْهَمْزَةَ وَالْيَاءَ جَمِيعًا، فَحُذِفَتْ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ لِاجْتِمَاعِ الصُّورَتَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ صُورَةَ الْهَمْزَةِ مَحْذُوفَةٌ، وَالثَّابِتُ هُوَ الْيَاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَخَرَجَ مِنَ الْهَمْزِ الْمُتَحَرِّكِ الْمُتَطَرِّفِ الْمُتَحَرِّكِ مَا قَبْلَهُ بِالْفَتْحِ كَلِمَاتٌ وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهَا مَضْمُومَةً وَمَكْسُورَةً. فَالْمَضْمُومَةُ عَشْرَةٌ كُتِبَتِ الْهَمْزَةُ فِيهَا وَاوًا، وَهِيَ (تَفَتَوُا) فِي يُوسُفَ، وَ (يَتَفَيَّوُا) فِي النَّحْلِ، وَ (أَتَوَكَّوُا) وَ (لَا تَظْمَوُا) كِلَاهُمَا فِي طه، وَ (يَدْرَوُا عَنْهَا) فِي النُّورِ، وَ (يَعْبَوُا) فِي الْفُرْقَانِ، وَ (الْمَلَا) فِي أَوَّلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ
следующие страницы →