← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 22644

شرح بلوغ المرام - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (2 954 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

طالب: أنا ما وقفت، لكن أقول: أن الرسول ﷺ ما بين الفضل. شوف يا أخي أنا أقول: إن كانت الإشارة مقصودة، والفضل في مسجده فقط، فالمضاعفة في مسجده لا غير، فيكون الصلاة في آخر صف في مسجده أفضل من أول الصف في التوسعة؛ لأنه أشار: ((صلاة في مسجدي هذا)) وتكون الصلاة في يسار الصف أفضل من الصلاة في يمين الصف الذي هو خارج مسجد النبي ﵊؛ لأن يسار الصف كله داخل في مسجده ﵊، إلى حدوده من الجهة الخلفية. طالب:. . . . . . . . . وين ما يسع؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 1962

سهل، ما يسع صلاة الجماعة صحيحة، ولهم فضلها؛ لكن يبقى ألف ما له ألف، كالمساجد الأخرى، وعلى هذا فبقية مساجد المدينة فيها مضاعفة وإلا ما فيها؟ ما فيها مضاعفة، ليس فيها مضاعفة، فيحرص الإنسان أن يصلي في مسجد النبي ﵊، في مناسبة، مناسبة الصلاة في مسجده، يعني ما أثير حول القبر من كلام كثير، وتشبث به بعض المبتدعة، والمسألة هذه سبق أن بُحثت مراراً؛ لكن يبقى مسألة الروضة ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) يعني هل يحرص على هذه البقعة أكثر من يمين الصف لأنها روضة من رياض الجنة، أو نقول: هذا مجرد خبر؟ نعم، إحنا بحثنا هذا سابقاً وإلا ما بُحث؟ ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) هل نقول: أن هذا مجرد خبر، أو نقول: لا بد أن يكون له أثر في الحكم الشرعي وإلا لكان عاري عن الفائدة يكون لغو؟ قد يقول قائل: النيل والفرات من أنهار الجنة، فهل الانغماس في هذين النهرين أفضل من الانغماس في غيرهما، أو هو مجرد خبر يدل على فضل هذه؛ لكن ما النتيجة المترتبة على هذا التفضيل؟ كون هذه البقعة روضة من رياض الجنة هل يعني أن هي كغيرها، أو لها مزية؟ لها مزية بلا شك، وكونها من رياض الجنة تكون رياض الجنة إلا أن لها مزية، ومزيد فضل في لزومها كحلق الذكر، نعم رياض الجنة ما هي؟ حلق الذكر، وهذه لها حكمها، ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) قيل: يا رسول وما رياض الجنة؟ قال: ((حلق الذكر)) فقط؟ لا؛ لأن تفسير العام بفرد من أفراده لا يعني قصره على هذا الفرد، مثل تفسير القوة بالرمي، وغيرها من الأمثلة، المقصود أن هذه البقعة لها مزية؛ لأنها روضة من رياض الجنة، وقد أمرنا بأن نرتع في رياض الجنة.

стр. 1963

((صلاة في مسجدي هذا)) عرفنا أن التفضيل لا يشمل بقية مساجد المدينة، أفضل من ألف صلاة فيما سواه من مساجد الدنيا إلا المسجد الحرام، صلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة، إذاً صلاة في المسجد الحرام أفضل من سائر المساجد سوى مسجد النبي ﵊ بكم؟ بمائة ألف صلاة، ولا يرد فيه الكلام السابق، يعني التوسعات ما التوسعات هذه كلها داخلة؛ لأنه ما أشير إليه، الأمر الثاني: أن مكة كلها مسجد، وكلها محل للتضعيف، الأدلة على هذا هو قول الجمهور على كل حال، والأدلة عليه كثيرة، من أصحها وأوضحها قول الله -جل وعلا- ها؟ طالب:. . . . . . . . . لا، لا، كونه أسري به من بيت أم هاني فيه كلام، ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ [(٢١٧) سورة البقرة] المشركون أخرجوا النبي وأصحابه من المسجد وإلا من مكة؟ من مكة، فدل على أن المسجد يراد به مكة، المقصود أن هناك أدلة يستدل بها الجمهور، أيضاً فهم الصحابة، وأنهم تفرقوا في الأمصار خشية الوقوع في الإثم؛ لأن مكة حكمها واحد، وكلها حرم ومحرم، وحكمها في التضعيف واحد، وفي تعظيم الإثم واحد، أيضاً يذكر عنه ﵊ أنه لما أحصر في الحديبية أنه كان يصلي في الحرم؛ لأن محل الحصر قريب جداً من الحرم، هذا جاء من طرق، وغير ذلك من الأدلة التي يستدل بها الجمهور، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [(١) سورة الإسراء] يقولون: إنه أسري به من بيت أم هاني، ويستدلون به لكن فيه ضعف، على كل حال هو قول الجمهور أن مكة كلها حرم، كلها مضاعفة، جاء في خبر أن الصلاة في مسجد القدس، في بيت المقدس بخمسمائة صلاة، قال ابن عبد البر: إسناده حسن، قد يقول قائل: ما دامت الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصحابة سمعوا هذا الكلام، ومع ذلك تفرقوا في الأمصار، وأهل العلم أيضاً من بعدهم جلهم في الأمصار، في مصر والشام والعراق والمشرق والمغرب، يعني كيف يفرط الصحابة بهذا الفضل العظيم ويتفرقون؟ كيف يفرط أهل العلم يعيش خيار الأمة في العراق وفي مصر وفي الشام ويتركون هذا الفضل العظيم؟ طالب: من أجل الدعوة.

стр. 1964

الدعوة، وبث العلم، وتبليغ الدين والجهاد، كلها أفضل من مجرد المكث من أجل هذه المضاعفة، وفيه تعظيم الإثم، وفيه ترتيب الإثم على مجرد الإرادة، فهي ليست كغيرها، الغنم مع الغرم؛ لكن لا شك أن الذي بيجلس؛ لكن الآن في ظروفنا التي نعيشها شخص متردد هل يسكن في الشرقية، أو في الرياض، أو في مكة؟ مسألة تردد، على حد سواء، عمله في بلده مثل عمله في مكة، إن كان مدرس راح مدرس، إن كان موظف راح موظف، ما الأفضل له؟ طالب:. . . . . . . . . ترى البلد الذي يختلط فيه الناس من أقطار متباينة، وعادات متنافرة، يعني حتى في عصر السلف وجد من يتعرض للنساء في المطاف، ووجد من النساء من يفتن الناس في ذلك الوقت، فكيف بعصرنا هذا؟ فبعض الناس يترك هذه الأماكن خشية الفتنة؛ لأن الناس يجتمعون من بلدان متباينة، وأعراف متباعدة، وعند بعض الأقاليم فيها تساهل أكثر من غيره، فتجده يقول: لا في بلدي أسلم لي، هذا حاصل الآن وإلا مو بحاصل؟ كثير من الناس ما يصدق أنه ينتهي من العمرة ليعود إلى بلده، أقول: لوجود مثل هذه المناظر التي ألفها أصحابها في بلادهم لا تثيرهم مثل هذه المناظر؛ لكن من بلد آخر تثيرهم، تجد مثلاً الشامي أو المصري يفتتن بالمرأة من هذه البلاد لأنه ما ألف هذا المنظر، ومثلاً من أهل هذه البلاد يفتتنون بالبلاد الأخرى؛ لأن عندهم شيء من التسامح أكثر مما عندنا، وفي بلادنا، على حد نظرنا، المقصود أنهم قد تترك هذه المضاعفات إذا خشي الإنسان على دينه، هناك أمور أخرى في ليالي العشر التي ترجى فيها ليلة القدر بعض الناس، من خيار الناس، يقول: أنا سأصلي في مسجدي، وعند بيتي، ويجتمع قلبي، وأعقل صلاتي، أفضل مما أتعرض لزحام الملايين، ولا أدرك من صلاتي شيء، هذا أيضاً له وجه، المحافظة على أصل الصلاة، أولى من المحافظ على ما يزيد في فضلها؛ لأن الآن التجار يحافظون على رأس المال أكثر، أو المكاسب أكثر؟ عندهم رأس المال هو الأصل، فالمحافظة على أصل الصلاة أولى من المحافظة على ما يحتف بها من زيادة الفضل.

стр. 1965

((صلاة في مسجدي)) قلنا: هذا أسلوب امتنان فتعم الصلوات، فالصلاة بمائة ألف صلاة، الفريضة لا إشكال فيها، ولم يخالف فيها أحد، النافلة وهذا الكلام قيل: في المسجد النبوي، يعني قيل بالمدينة، فهل صلاة الرجل الساكن المدينة النافلة في بيته أفضل وإلا يصليها في مسجده ﵊ ليحصل على ألف صلاة؟ طالب: في بيته أفضل. نعم؛ لأن الحديث قيل في المدينة ((صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة)) فصلاته النافلة في بيته أفضل من صلاته في المسجد تحصل المضاعفة وإلا ما تحصل؟ الصلاة في البيت؟ طالب: ما تحصل. ما تحصل، هذا ما جعل بعض أهل العلم يقول: الحديث هذا خاص بالفرائض ولا يتناول النوافل، مكة ما فيها إشكال باعتبار أنها حرم، وفيها مضاعفة، الصلاة في البيت ما فيها إشكال أنها أفضل. غير الصلاة من أنواع الطاعات، الصيام في مكة أفضل وإلا ما هو بأفضل؟ الصدقة في مكة؟ الجمعة في مكة؟ رمضان في مكة أفضل وإلا ما هو بأفضل؟ بهذا المقدار أو مجرد فضل المكان المستفيض ولو لم يقدر بمائة ألف؟ يعني رمضان بمائة ألف رمضان، ليلة القدر بمائة ألف ليلة قدر، أو هذا خاص بالصلاة؟ طالب:. . . . . . . . . دعنا من المسجد والخلاف فيه، الكلام على المسجد الحرام، ومسجده ﵊ بحسبه؛ لكن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف مسجد بالدمام، فهل نقول: رمضان في مكة أفضل من رمضان .... ؟ نعم. طالب:. . . . . . . . . الحديث نص في الصلاة؛ لكن جمع من أهل العلم يرون أن العبادات كلها بهذه المثابة؛ لكن هل نستشف من الحديث ارتباطه بالمسجد، وأن العبادة التي لا تؤدى إلا بالمسجد لها هذا التفضيل، وأن العبادات التي يمكن أن تؤدى خارج المسجد كالصيام والصدقة وغيرها لا ارتباط لها بالمسجد، بينما الصلاة قل مثل هذا في صلاة الجنازة، يمكن أن تحصل، على كل حال الحديث نص في الصلاة، ويقول بعض أهل العلم: أنه يتناول جميع العبادات؛ لكن يحتاج هذا إلى دليل. سم. طالب: بالنسبة للمرأة يا شيخ هل تدخل في هذا الأمر؟ إيش فيها؟ في البيوت أفضل، وبيتها خير لها. قال المصنف ﵀: باب الفوات والإحصار:

стр. 1966

وعن ابن عباس ﵄ قال: "قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عاماً قابلاً" [رواه البخاري]. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب الفوات والإحصار: الفوات فوات الحج بأن يطلع الفجر من يوم النحر قبل التمكن من الوقوف بعرفة، فمن طلع عليه الفجر قبل أن يقف بعرفة ولو لحظة فاته الحج، فإذا أحرم بالحج قبيل طلوع الفجر قال: أسرع بالسيارة، وعلى عرفة على طول، وأمكث فيها مدة يسيرة، وأنزل لمزدلفة إلى منى، ثم بنشرت السيارة، أو مسكوه تفتيش وإلا شيء، وعاقه شيء، عاقه عائق، فطلع عليه الفجر قبل أن يدخل عرفة، مثل هذا ماذا يصنع؟ فاته الحج؛ لكن ماذا يصنع؟ يتحلل بعمرة، طيب إن اشترط قال: إن أدركت الحج فبها ونعمة، وإلا فمحلي، هذا ما عليه شيء، هذا يتحلل ما عليه شيء؛ لكن من لم يشترط يتحلل بعمرة، طيب الإحصار أصله المنع، منع، ويختلف أهل العلم، ويفرقون بين الحصر والإحصار، فيجعلون الإحصار هو الذي يكون بالمرض، الحصر يكون بالمرض والعجز والخوف، الإحصار هو الذي يكون بماذا؟ بالمرض والخوف ونحوهما، وإن كان المنع بسبب العدو قيل له: حصر، الآن في قوله -جل وعلا-: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] هذا متى نزل؟ أحصرتم نزل بشأن إيش؟ طالب: الحديبية. الحديبية، أحصرتم، والآن أحصر مصدره: إحصار، ومنعهم يوم الحديبية بسبب مرض وإلا عدو؟ عدو، إذاً الإحصار يكون بسبب العدو أيضاً، ولذا قال جمع من أهل العلم: أن الحصر والإحصار كله المنع بأي سبب كان؛ لكنه سبب يمنع، ما هو بأدنى سبب، يتصل عليه ويقال له: ارجع عندنا مناسبة، وإلا عندنا كذا، وإلا أخوك يبي يتزوج، وإلا .. ، لا، لا بد أن يكون سبب يمنعه من أداء نسكه، هذا يكون بالمرض، كما سيأتي من كسر أو عرج، ويكون بالعدو الذي لا يمكنه من دخول المشاعر. عن ابن عباس ﵄ قال: "قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عاماً قابلاً". طالب:. . . . . . . . .

стр. 1967

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: عن ابن عباس ﵄ قال: "قد أحصر رسول الله ﷺ " حصره العدو، لما أراد أن يعتمر في السنة السادسة في الحديبية حصره العدو، الحديبية قريبة على الحد بين الحل والحرم، ويسمونها الآن هي قريبة من إيش؟ من إي شيء؟ ما في مكان يقال له: الشميسي، نعم قريبة من الشميسي، فحلق رأسه لما قال لأصحابه: تحللوا ترددوا، فغضب النبي ﵊، وأسف لأنهم ترددوا في قبول أمره ﵊، فأشارت إليه أم سلمة أن يحلق شعره، لما حلق شعره عرفوا أن المسألة جد، فهم ترددوا في قبول الأمر في بداية الأمر، لماذا؟ رجاء أن يتم لهم ما أرادوا من العمرة، فلما حلق رأسه ﵊، ونحر هديه انتهى، وبهذا يتبين أن الاقتداء بالفعل أقوى من الاقتداء بالقول، ولذ إذا أراد المسئول أن يمتثل أمره يكون قدوة، لا يخالف هو هذا الأمر، ثم يطلب من الناس أن يقتدوا به، بل عليه أن يبادر، إذا طلب من الناس أن يتبرعوا، إذا طلب من الناس أن يبذلوا في العمل، وأن يحتسبوا، ويصبروا لا بد أن يكون قدوة، يكون أول من يحضر هو؛ لأن بعض الناس عنده استعداد يحزم غيره؛ لكن ما يحزم نفسه، هذا ما يطاع أمره، فإذا كان قدوة أول من يحضر هو، ما رأوا عنده شيء من التساهل، جاد في عمله، اقتدى، استطاع أن يحزم الناس، فالنبي ﵊ حلق شعر رأسه، ونحر هديه، فكادوا أن يقتتلوا على الحلق، اقتداء به ﵊، حلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه، ثم بعد ذلك اعتمر عاماً قابلاً، وعمرة الحديبية حسبت من عمره ﵊، اعتمر عاماً قابلاً، هل هي قضاء لهذه العمرة، أو عمرة مستقلة منشأة جديدة؟ يسمونها عمرة القضاء؛ لكن لو احتاجت هذه العمرة إلى قضاء تحسب عمرة؟ العمرة الأولى التي حبسوا عنها حسبت وإلا ما حسبت؟ حسبت من عمره ﵊، ونزل فيها سورة الفتح، نعم، فهل عمرة القضاء لأن العمرة الأولى لاغية لم تحسب، أو هي عمرة ثانية حسبت له ﵊، ولمن معه؟ هي عمرة ثانية، ما الذي يدعونا إلى مثل هذا الكلام؟ إلى أن المحصر هل يلزمه أن يأتي ببدل

стр. 1968

أو لا يلزمه؟ ما يلزمه ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] نأتي إلى الهدي، هل الهدي واجب وإلا ليس بواجب؟ ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] يعني هل نقول: فالواجب ما استيسر من الهدي، كما قلنا: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [(١٨٥) سورة البقرة] يعني فالواجب عدة من أيام أخر، ما استيسر هذه لا تعود إلى أصل الهدي، إنما تعود إلى نوعه، هي تعود ما استيسر هذه تعود إلى نوع الهدي، يعني أنت مخير إن كان عندك بدنة اذبح بدنة، ما عندك عندك بقرة اذبح بقرة، ما استيسر لك إلا شاة اذبح شاة، من أهل العلم من يرى لزوم الهدي للمحصر، ومنهم من يقول: أبداً لا يلزم ولا شيء إلا إذا ألزم .... ، الصحابة جاؤوا بسبعين بدنة من المدينة، أولاً: بالنسبة للقضاء هل الألف واربعمائة الذين مع النبي ﵊ عام الحديبية كلهم تمكنوا من أداء عمرة القضاء؟ ما يلزم، ولا فيما يدل على أن النبي ﵊ أمرهم بذلك؛ لكن هذا تنفيذ للشروط التي بينه ﵊ وبين قريش، ما استيسر من الهدي، هم جاؤوا بسبعين بدنة، وهم ألف وأربعمائة، واشترك كل سبعة في بدنة تكفيهم سبعين؟ ما يكفيهم سبعين، سبعين في سبعة؟ أربعمائة وتسعين، يعني باقي أكثر من تسعمائة، هذا يقول بعض أهل العلم: أنه ليس عليهم شيء، أحصرهم عدو، واتقوا الله ما استطاعوا، أرادوا الخير ولم يتمكنوا منه، ما عليهم شيء، لا عليهم قضاء، ولا عليهم هدي؛ لكن لفظ الآية ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] هذا شرط ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] ولذا الجمهور على أن عليه دم، يتحلل بهدي. طالب:. . . . . . . . .

стр. 1969

لا، لا، ما يسقط، يبقى كل شيء على ما هو عليه، إذا كان عليه حجة الإسلام لا بد أن يأتي بها، إذا كان عليه العمرة الواجبة لا بد أن يأتي بها، أما إذا أحرم بحج نفل أو عمرة نفل، ثم أحصر ما عليه إلا أن يتحلل بدم، منهم من يرى أن الإحصار خاص به ﵊؛ لكن لا وجه له، القول بالخصوصية لا وجه له؛ لأن الأصل الاقتداء، على كل حال الجمهور على وجوب الهدي، وأنه يجزيه شاة، إن كانت هي المستيسرة له، والإمام مالك يرى أنه لا شيء عليه، ولا هدي، ومن تأمل الواقعة التي حصلت لهم، وما جاؤوا به من الهدي وعددهم، رأى أن الهدي الذي معهم لا يفي بالعدد، وما حفظ أن النبي ﵊ أمرهم أن يبحثوا عن هدي، أو أمرهم .. ، ما عرف أنهم أيضاً؛ لكن الآية كالصريحة في لزوم الهدي، منهم من أخذ من قوله: "حتى اعتمر عاماً قابلاً" ومن تسميتهم العمرة التي تليها بعمرة القضاء أنه يدل على وجوب القضاء، يدل على إيجاب القضاء؛ لكن ما عرف أن الألف والأربعمائة الذين كانوا معه في الحديبية كلهم أدى هذه العمرة، يعني أصلاً تسميتها القضاء والقضية من مقاضاة قريش في صدهم النبي ﵊، وإتيانه ببدلها، ومثله ما في الحديث، فلا يوجد ما يدل على أنه يلزمه عمرة ثانية إلا إذا كان عليه عمرة الإسلام الواجبة، ولا يلزمه أن يأتي بحج صد عنه إلا أن تكون عليه حجة الإسلام، وأما الهدي فالمتجه وجوبه. طالب:. . . . . . . . . ما عليه شيء، نعم. طالب:. . . . . . . . . يعني أحرم بالحج منعوه قالوا له: ارجع، هذا إحصار وإلا لا؟ طالب:. . . . . . . . . مثل هذا لو اشترط، لو اشترط نفعه -إن شاء الله-. طالب:. . . . . . . . . على كل حال الحج مطلوب فرضه ونفله، فإذا رأى الإمام بالاتفاق مع أهل العلم أن هذا الزحام لا يحله إلا التحديد، فالعلماء يفتون بهذا؛ لكن إن حصل للإنسان أن يحج من غير حيلة ومن غير كذب، فالحج فرضه ونفله مطلوب.

стр. 1970

النحر في الحديبية هل كان في الحل أو في الحرم؟ يعني حتى يبلغ الهدي محله، الحل وإلا الحرم؟ نعم، الحنفية يرون أن محله الحرم، وأن النبي ﵊ إنما نحر في الحرم؛ لكن ظاهر قوله -جل وعلا-: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [(٢٥) سورة الفتح] يعني ممنوع من أن يبلغ محله، ظاهره أنه نحر في الحل، ولا شك أنه لو كلف المحصر بأن ينحر في الحرم لشق عليه، هو بنفسه ما يتيسر له يروح إلى الحرم فضلاً عن الهدي، ولذا الجمهور على أن المحصر له أن يذبح هديه حيث يحل في حل أو حرم؛ لكن إن كان يستطيع أن يبعث به إلى الحرم، وهذا قول وسط لبعض العلماء فيبعثه إلى الحرم، وإن لم يستطع فيذبحه حيث أحصر. وعن عائشة ﵂ قالت: "دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ﵂ فقالت: يا رسول الله إن أريد الحج، وأنا شاكية، فقال النبي ﷺ : ((حجي واشترطي: أن محلي حيث حبستني)) [متفق عليه]. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: وعن عائشة ﵂ قالت: "دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عم النبي ﵊ دخل عليها فقالت: "يا رسول الله إن أريد الحج، وأنا شاكية" يعني مريضة، وتخشى أن يزداد المرض فلا تتمكن من أداء الحج الذي أرادته، فقال النبي ﵊: ((حجي واشترطي: أن محلي حيث حبستني)) هذا الاشتراط، أولاً: هذا الحديث خرجه الإمام البخاري في أي كتاب؟ في كتاب النكاح، ما خرجه لا في كتاب الحج، ولا في كتاب الإحصار في كتاب النكاح؛ لأن ضباعة هذه كانت تحت المقداد، باب الأكفاء في الدين، المقداد مولى وهي قرشية، بنت عم النبي ﵊، ولذا جزم بعض المحققين، الذين يحققون الكتب أن الحديث لا يوجد في البخاري، ما خرجه البخاري، أين سيذهب به البخاري إذا ما وجد في كتاب الحج بكامله؟ تقول: أريد الحج وأنا شاكية، والبخاري ما خرجه في الحج، إنما خرجه في النكاح.

стр. 1971

يقول: "دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج، وأنا شاكية، فقال النبي ﵊: ((حجي واشترطي: أن محلي حيث حبستني)) فإذا اشترط الحاج نفعه هذا الاشتراط، مطلقاً كل حاج يشترط؟ كل معتمر يشترط؟ ثم إذا حصل له ما حصل ينفع؟ أو لا يشترط إلا من ظهرت عليه البوادر؟ بوادر مرض، بوادر خوف من عدو أو شبهه، أو غلب على ظنه أنه لا يستطيع، ولا يتمكن، غلب على المرأة أنها لن تتمكن من أداء العمرة لنزول دورة، أو ما أشبه ذلك عادة، منهم من يقول: الاشتراط ينفع من كانت حاله مثل حال ضباعة، شاكي، ويخاف أنه يزداد عليه المرض فلا يتمكن فينفعه، ومن عداه لا ينفعه، ومنهم من يقول: ينفعه مطلقاً، ومنهم من قال: أنه خاص بضباعة، لا ينفع غيرها الاشتراط؛ لكن الخصوصية تحتاج إلى دليل، فالذي يغلب على ظنه أنه لا يتمكن من أداء حجه أو عمرته ثم اشترط نفعه ذلك، ويبقى من عداهم على الأصل؛ لأنه لا يعرف الاشتراط إلا في هذا الحديث، وظاهر هذا الحديث أن من اشترط لظهور الأمارات والعلامات كضباعة، ثم حصل له ما يعوقه، أنه لا شيء عليه البتة، خلاص يلبس ثيابه ويرجع، ما عليه شيء. طالب:. . . . . . . . . المهم أنه اشترط. طالب:. . . . . . . . . اشترط هو؟ طالب:. . . . . . . . . وفيه بوادر وإلا ما فيه؟ يعني تقصد أنه حصر بمرض، كسر أو عرج كما هنا، هذا يأتي في الحديث هذا الي معنا، سم. وعن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل)) قال عكرمة: "فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق" [رواه الخمسة وحسنه الترمذي]. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن عكرمة مولى ابن عباس" أصله من البربر، فيه كلام لبعض العلماء، وأنه يرى رأي الخوارج؛ لكن الذي حققه الذهبي وابن حجر براءته من هذا القول، ولذا خرج له الإمام البخاري. ففي البخاري احتجاجاً عكرمة ... مع ابن مرزوق وغير ترجمة

стр. 1972

هو تُعرِض له بالجرح؛ لكنه لم يثبت، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، صحابي مقل، لا يروي إلا حديثين، كما قال ابن عبد البر وغيره -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كسر)) مبني المجهول، مغير الصيغة، ((من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حج من قابل)) يعني حصره المرض، وقل مثل هذا فيمن لم يتمكن، داخل بسيارته فدهس إنسان فأودع السجن إلى أن انتهى الحج، يقول: ((فقد حل، وعليه حج من قابل)) قال عكرمة: "فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: "صدق" الحديث حسنه الترمذي، وفي بعض النسخ قال: حديث حسن صحيح، يعني في بعض النسخ، ونسخ الترمذي من القدم، تتباين في أحكامها، تتباين في أحكامها، ولذا الكتاب بحاجة إلى عناية تامة، في مقابلة نسخه الأصلية؛ لأنك تجد عند المتقدمين من أهل العلم، هذا يقول: حسنه، وهذا يقول: صححه، هذا يقول: قال الترمذي: حسن غريب، وذاك يقول: حسن صحيح، وسببه تباين النسخ من القدم؛ لكن الحديث له طرق غير ما معنا، فإذا أصيب بمثل ما ذكر، وقع فانكسرت رجله، وأصيب بكسر في رجله، أو في غيرها من مواضع بدنه، بحيث لا يستطيع من أداء نسكه، فإنه يصير حلالاً؛ لأنه يقول: ((فقد حل، وعليه الحج من قابل)) في الإحصار السابق هل ترجح أنه يأتي بعمرة بدل، أو بحج بدل عما أحرم به؟ يعني في حصر العدو، كما في حصر الحديبية بدون قضاء، وهنا يقول: ((وعليه حج من قابل)) فهل نقول: أن هناك فرق بين المرض وبين العدو كما قال بعضهم؟ أو نقول: أنه إذا منع بمانع لا مدخل له فيه، واتقى الله ما استطاع، جاء ناوياً النسك، وقاصداً رضا الله -جل وعلا-، ثم منع من ذلك، والله -جل وعلا- لا يكلف نفساً إلا وسعها، يحل، كما لو حصر بعدو، وحديث الباب يقول: ((فقد حل، وعليه الحج من قابل)) يعني لو كان هذا الحديث بمثابة الحديث السابق، يعني في قوته، الحديث السابق ما فيه ما يدل على أنه يلزم أن يعتمر أو يحج من قابل، وإن سمى أهل العلم العمرة التي تليها عمرة القضاء، لكن هل نقول: هناك فرق بين أن يحصر بعدو وبين أن يحصر بمرض، فمن حصر بالعدو لا يلزمه قضاء، ومن حصر بالمرض يلزمه أن يحج من قابل؟ لأن المريض يتمكن من الوصول إلى المشاعر،

стр. 1973

يتمكن من أن يمكث للعلاج في مكة، ثم يتحلل بعمرة، بخلاف المحصور بعدو لا يتمكن، فإن أراد أن يتحلل المحصور بمرض، فإذا عوفي أتى بنسك آخر كما هو مقتضى هذا الحديث، وإن أراد أن يبقى على إحرامه حتى يشفى، ثم يأتي بما شرع فيه، فهو مخير، كما أنه يمكن أن يحج أو يعتمر بأي طريقة كانت، يُحمل وإلا .. ، ليس مثل الحصر بالمرض لا يساوي الحصر بالعدو؛ لأن العدو يصد، لا يمكنك من الوصول إلى تلك الأماكن، والمرض يتصور الوصول، يعني الآلة التي تعيدك إلى بلدك هي الآلة التي توصلك إلى تلك المشاعر، ولذا بعض أهل العلم يفرق بين الإحصار والحصر، يفرق بين ما كان بعدو، وبين ما كان بمرض، على كل حال الحديث وإن كان فيه كلام، بعضهم يضعفه، أقول: بعضهم يضعف هذا الحديث، يقول الشارح، الشارح طعنه في عكرمة؛ لكن لا وجه له، فعكرمة مبرأ مما نسب إليه من رأي الخوارج. طالب: ألهذا قال: ﵁. أيه؟ طالب: "وعنه" في سياق الحديث تعود إلى عكرمة أم على الحجاج؟ لا، الحجاج، الحجاج صحابي طالب: وعكرمة؟ لا، لا، تابعي، عكرمة تابعي، لو كان صحابي ما قُبل فيه كلام أحد. هنا يقول: الحديث التاسع أن الذين صدروا مع رسول الله ﷺ بالحديبية كانوا ألفاً وأربعمائة، والذين اعتمروا معه في عمرة القضاء كانوا نفراً يسيراً، ولم يأمر الناس بالقضاء. هذه أسئلة يقول: ما حكم القزع؟ ثبت النهي عنه، والأصل في النهي التحريم، وحقيقته حلق بعض الشعر وترك البعض. يقول: وهل يختلف الحكم إذا كان تشبه بالكفار أم لا؟ هذا ثبت فيه النهي، ولو لم يكن فيه تشبه. وهذا من الكويت يقول: سنأتي للحج من الكويت على الطائرة لجدة من أين نحرم؟ إذا حاذيتم أول ميقات تمرون به. السائل من اليمن يقول: حكم الذي يريد أن يصوم الست من شوال، وعليه أيام من رمضان لم يصمها، هل يصوم الست أم يبدأ برمضان؟ يبدأ برمضان، يبرأ من عهدة الواجب، ثم بعد ذلك يصوم الست. يقول: هل الطواف الذي كان من عائشة ﵂ قبل الوقوف بعرفة، أو بعده؟ فالحديث الذي ورد بالأمس، والذي قال لها فيه الرسول ﷺ : أنه يكفيها لحجها وعمرتها.

стр. 1974

عرفنا أن عائشة ﵂ لما حاضت أدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة، فطافت طوافاً واحداً، ولم تتمكن من الطواف طواف العمرة؛ لأنها كانت حائض، فطوافها هذا وسعيها واحد لحجها وعمرتها، ثم بعد ذلك جاءت بعمرة مستقلة. طالب: في بعض المشايخ يرى ومنهم الشيخ عبد العزيز الفوزان أن عائشة كانت تقضي ما عليها من الصيام في شعبان، وكأنها كانت تصوم الست وعليها قضاء. أنت راجعت القاعدة وكلام ابن رجب في مثل هذا؟ إيه ابن رجب ذكر مثل هذا الكلام؛ لكن قال: يبعد أن عائشة لا تتنفل بشيء، هو ثبت أنها كانت، لا يكون عليها القضاء من رمضان فلا تتمكن لمكان النبي ﵊ منها أن تقضي إلا في شعبان، الذين يقولون بجواز تقديم النفل على القضاء يقولون: يبعد أن تسمع عائشة الحث على الصيام والتنفل فيه، ثم تترك الست، وتترك يوم عرفة، وتترك عاشوراء؛ لأن عليها قضاء، ثم ما تصوم إلا في شعبان، القول الثاني المرجح: وهو أنها لا تتنفل حتى تقضي نعم أن العلة الموجودة التي تمنعها من القضاء تمنعها من التنفل، فهمت العلة التي منعتها من القضاء إلا في شعبان تمنعها من التنفل وإلا إيش معنى أنها تمنع من الفرض ولا تمنع من النفل؟ هذه حجة من يقول: بأنه لا يجوز، مع أدلة أخرى أن يتنفل الإنسان وفي ذمته فريضة؛ لأن البراءة من عهدة الواجب بلا شك أهم، والله تعالى أعلم.

стр. 1975

بلوغ المرام - كتاب البيوع (١) باب: شروطه وما نهي عنه منه الشيخ: عبد الكريم الخضير الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين، واعصمنا من الفتن أجمعين، ما ظهر منها وما بطن برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد: قال الإمام ابن حجر -رحمه الله تعالى- في كتابه: (بلوغ المرام): كتاب البيوع باب: شروطه وما نهي عنه منه. عن رفاعة بن رافع ﵁ أن النبي ﷺ سئل: أي الكسب أطيب? قال: ((عمل الرجل بيده, وكل بيع مبرور)) رواه البزار، وصححه الحاكم. وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن, وتدهن بها الجلود, ويستصبح بها الناس? فقال: ((لا، هو حرام)) ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: ((قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه, فأكلوا ثمنه)) متفق عليه. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب البيوع:

стр. 1976

ترتيب الأبواب عند أهل العلم من المحدثين والفقهاء يراعون فيها حاجة الناس، فيبدؤون بالأهم ثم الذي يليه إلى أن ينتهون من تصنيف كتبهم على الأبواب على اختلاف بينهم في الجمع وكيفيته، فمنهم من يجمع جميع أبواب الدين، فيبدأ بالإيمان والتوحيد والعقائد، ثم يثني بالصلاة، ثم الزكاة إلى أن تنتهي العبادات، ثم المعاملات، ثم ما يلي ذلك من الأبواب، وكتابنا وهو في الأصل كتاب حديث، لكنه صُنف على طريقة الفقهاء فجرد من الأسانيد ليسهل حفظه على الطلاب، وليستدلوا بما أورده المؤلف على ما حفظوه من مسائل فقهية، فهو دعامة قوية لكتب الفقه، ولذا جاء ترتيبه على طريقة الفقهاء، وجرده مؤلفه عن أبواب الدين الأخرى التي لا يتعرض لها الفقهاء، ولذا يعد من كتب الأحكام، أو كتب أحاديث الأحكام، فلا تجد فيه ما يتعلق بالعقائد، ولا بالتفسير ولا الفتن ولا غيرها من الأبواب باستثناء الكتاب الجامع، في نهاية الكتاب ذكر المؤلف الكتاب الجامع، وختم به مؤلفه، وجمع فيه من أحاديث الآداب والرقاق، وما يحتاج إليه إضافة إلى أحاديث الأحكام، الفقهاء ومن سار على نهجهم ممن صنف في مختصرات الحديث من كتب الأحكام، يقدمون العبادات وهي جديرة بالتقديم، وحرية به؛ لأن بمعرفتها يتحقق الهدف الذي من أجله خُلق الإنسان، وهو تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، هي أظهر وأوضح ما تتحقق فيه العبودية فيما يتعلق بهذه الكتب، وإلا لو كان الكتاب جامع كصحيح البخاري وغيره ما قدم هذه العبادات العملية على ما يتعلق بالإيمان بالله -جل وعلا-، هم يقدمون كتاب الإيمان، وهذا هو الأصل، لكن الإيمان له كتبه، والحديث بصدد كتب الأحكام، سواء كانت متون فقهيه أو من أحاديث الأحكام كالكتاب الذي نشرحه، فيقدمون العبادات لأهميتها، ثم يثنون بالمعاملات لمسيس الحاجة إليها، ثم يثلثون بالمناكحات والحاجة إليها ماسة، لكنها في مرتبة بعد المعاملات؛ لأن من يحتاج إلي البيع والشراء أكثر ممن يحتاج إلى النكاح، وحاجة الإنسان إلى البيع والشراء أكثر من حاجته إلى النكاح؛ لأنه يحصل مرة واحدة، وأما البيع والشراء فهو متكرر.

стр. 1977

الأمر الثاني: أن الإنسان قد يبيع ويشتري سنين قبل أن يتزوج، وقبل أن يحتاج إلى الزواج، فقدم من هذه الحيثية، ثم بعد ذلك إذا عرف أحكام العبادات وكيف يتعامل مع الله -جل وعلا- من خلال هذه العبادات، ثم عرف كيف يبيع ويشتري، ويبرم العقود، ثم عرف أحكام النكاح، يلي ذلك الحدود والجنايات والأطعمة والقضاء، وما أشبه ذلك، فعندهم الفقه أربعة أرباع: العبادات، المعاملات، الأنكحة، الجنايات، ويختلفون في بعض الأبواب هل تدخل في العبادات أو تدخل في غيره من الأبواب؟ كالجهاد مثلاً منهم من يدخله في العبادات، ومنهم من يجعله في أواخر الكتب، ومنهم .. ، على كل حال كل له وجه، وقد اجتهدوا، فلهم من الله -جل وعلا- فيما نرجوه جزيل الأجر والثواب. البيوع، الكتاب مر بنا مراراً، وعرفناه تكراراً، والبيوع جمع بيع، والبيع مصدر باع يبيع بيعاً، ويطبق الفقهاء وغيرهم على أنه مأخوذ من الباع؛ لأن كل واحد من المتبايعين يمد باعه ليأخذ، هذا يأخذ السلعة، وهذا يأخذ الثمن، مأخوذ من الباع، وهذا لا شك أنه إن كان أخذه على سبيل الاشتقاق ففيه نظر، لماذا؟ لأن البيع مصدر والمصدر أصل يشتق منه ولا يشتق من غيره. . . . . . . . . . ... وكونه أصلاً لهذين انتخب يعني رجح كون المصدر هو الأصل للفعل ولسائر مشتقاته.

стр. 1978

الأمر الثاني: أن البيع عينه ياء، والباع عينه واو، فاختلف الأصل والفرع في أصل من أصوله، فلا يتسنى الاشتقاق، على كل حال إذا كانت المسألة مسألة نقل، وليست مسألة اشتقاق، فالمسألة فيها سعة، أما الاشتقاق على طريقتهم فلا؛ لأن البيع أصل؛ لأنه مصدر يشتق منه ولا يشتق هو من غيره، جُمع البيع -وإن كان المصدر ينطبق على الواحد والاثنين والثلاثة كما تقدم في المياه جمعت لتعدد أنواعها-، وهنا البيع إنما جمع لاختلاف أنواعه، والبيع عرفوه بألفاظ متقاربة، وتعريفه قد يزيده غموضاً؛ لأن الأمور الواضحة التي يعرفها الناس كلهم تعريفها بالحدود الاصطلاحية التي تطبق عليها قوانين المتكلمين تزيدها غموضاً، من الناس من لا يعرف البيع والشراء، وما يتم به البيع والشراء، أمور يزاولونها، على كل حال قالوا في تعريفه: أنه مبادلة مالٍ بمال، يعني سواء كان حاضراً أو في الذمة كله بيع، أو منفعة، ولو لم تكن عيناً بأن كانت منفعة، المنفعة لا بد أن تكون مباحة، والعين لا بد أيضاً أن تكون مباحة النفع بلا حاجة، ولذا جاء في الباب الأول: باب شروطه، شروط البيع منها ما يرجع إلى العاقد، ومنها ما يرجع إلى السلعة، مما يعود إلى العاقد ويرجع إليه التراضي بين المتعاقدين، إنما البيع عن تراضي ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ﴾ [(٢٩) سورة النساء] فالتراضي لا بد منه، ومنها: أن يكون العاقد جائز التصرف، وأن يكون مالكاً للسلعة، أو مأذون له في بيعها، والتصرف فيها، وأن تكون السلعة أيضاً مباحة النفع بلا حاجة، كيف مباحة النفع بلا حاجة؟ تكون السلعة مقدوراً على تسليمها، مباحة النفع بلا حاجة، يعني لولا الحاجة لم يبح نفعها، فهل يجوز بيعها، إذا كان أباحة نفعها للحاجة لا مطلقاً، فهل يجوز بيعها أو لا؟ الذي يطلق ويقول: إن تكون العين مباحة النفع، ولا يقيد بارتباط هذا النفع بالحاجة، هذا يقول: كل ما ينتفع به يجوز بيعه، والذي يقيد من غير حاجة أو بلا حاجة، يقول: ينظر في السلعة إذا كانت مباحة النفع مطلقاً تباع، إذا كان نفعها للحاجة فلا يجوز بيعها كالكلب، كلب الصيد مثلاً يجوز بيعه وإلا ما يجوز؟ الذي يطلق يقول: مباح النفع ما المانع من بيعه؟ وقل مثل هذا

стр. 1979

في الأسمدة النجسة التي ينتفع بها في الزراعة، يجوز بيعها وإلا ما يجوز بيعها؟ الذي يقيد المنفعة بالحاجة يقول: لا يجوز بيعها كالكلب المعلم، كلب الصيد، كلب الحراسة، كلب الزرع، كلب الماشية، هذه مباحة النفع لكنها مقيدة بالحاجة، وإلا فالأصل المنع من اقتناء الكلب، واستثني هذا بالنص، والذي يقول: ما دام يباح نفعه فكيف يُحصل عليه بغير البيع؟ لا يمكن الحصول عليه بغير البيع، وهذه حكمة تشريع البيع؛ لأن الإنسان قد يكون بحاجة ماسة إلى ما بيد صاحبه ولا يبذله أخوه له بدون مقابل، فيضطر إلى شرائه منه، فإذا احتاج إلى كلب صيد، أو كلب زرع، أو ماشية لا وسيلة له إلا البيع، وقل مثل هذا في الأزبال والأسمدة التي تستعمل في خدمة الزرع، لا يمكن الحصول عليها إلا بالبيع، ومنهم من يفرق بين البائع والمشتري، فيقول: المشتري محتاج، والمنفعة بالنسبة له إنما أبيحت له؛ لأنه محتاج، والمنفعة أبيحت للحاجة فهو من أهلها، فيجوز له الشراء دون البائع، القاعدة عند أهل العلم أن ما حرم أخذه حرم دفعه؛ لأن هذا يدخل في التعاون، فإذا كان هذا لا يجوز له أن يبيع السلعة فكيف يجوز لي أن أمكنه من هذا العقد الذي لا يجيزه الشرع؟ فما حرم أخذه حرم دفعه، هذه القاعدة، وهذا هو التعاون على الإثم والعدوان إذا قلنا: لا يجوز، والمسألة معروفة عند أهل العلم، لا شك أن المشتري أمره أخف من البائع؛ لأن المشتري محتاج، والحاجة تبيح ما منع بالقواعد العامة لا بالنص عليها، وأما الكراهة فتزول بأدنى حاجة. جاء ذم كسب الحجام، والنبي ﵊ أعطى الحجام، مع أنه قال: ((كسب الحجام خبيث)) ففرق بين من يأخذ ومن يعطي، فالآخذ أمره أشد من المعطي المحتاج، قالوا في المصحف عند من لا يجيز بيعه لأن بيعه امتهان، جعله سلعة تباع قابلة للرخص هذا كلام الله امتهان بيعه، ولذا المعروف عن الحنابلة أنه لا يجوز بيعه، لكن يجوزون شراءه للحاجة. الوقف لا يجوز بيعه، لكن إذا اضطر طالب علم إلى كتاب موقوف ولا يوجد إلا عند شخص لا يجود به إلا بالثمن هذا محتاج، فهذه المسألة لها نظائر.

стр. 1980

"باب شروطه" الشروط: جمع شرط، والشرط ما يلزم من عدمه العدم، لكن لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، يلزم من عدمه العدم، يلزم من عدم الطهارة عدم الصلاة حقيقة أو حكماً، يلزم من تخلف شرط من شروط العقد بطلان العقد، فوجوده مثل عدمه، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، قد يتطهر الإنسان ولا يصلي، قد يكون جائز التصرف لكن ما يبيع ولا يشتري، ما عنده ما يبيعه ولا يشتريه، المقصود أن هذا الشرط في عرف الفقهاء، سواء علق بكلمة شرطية أو لم يعلق، وسواء كان لفظياً أو عرفياً، إذا تعارف الناس على شيء فالعادة محكمة، هناك من الشروط المقدرة شروط ملفوظة وشروط مقدرة، لو قال شخص لآخر: إنه رأى زوجته ركبت مع شخص أجنبي عنها، فقال زوجها: هي طالق، ثم تبين أن هذا الشخص كاذب، هذا شرط وإن لم يكن ملفوظاً به؛ لأنه رتب على هذا الفعل، فكأنه قال: إن كانت قد ركبت مع هذا الشخص الذي أشرت إليه فهي طالق، والواقع ليس كذالك، إذاً لا تطلق. المقصود أن فروع هذه الأمور كثيرة جداً، لكن هذه أمثلة، وما نهي عنه من أنواع البيوع من الربا وما يشتمل على غرر وتدليس وبيع في المسجد أو بعد النداء الثاني من يوم الجمعة، المقصود أن هناك بيوع نهي عنها، سيأتي ذكرها -إن شاء الله تعالى-، أو شيء منها. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: عن رفاعة بن رافع ﵁ إن النبي ﷺ سئل أي الكسب أطيب؟ قال: ((عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور)) رواه البزار، وصححه الحاكم. والحديث له شواهد يرتقي بها إلى الصحيح لغيره.

стр. 1981

ورفاعة بن رافع الذي عزا المؤلف الحديث له، وفهم الشارح أنه أنصاري زرقي شهد بدراً، هكذا فهم الشارح؛ لأنه لا يوجد رفاعة بن رافع صحابي إلا هذا، لكن في المصادر الأصلية: عن عباية بن رفاعة بن رافع عن أبيه عن جده، فيكون عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، والحديث معروف عن رافع بن خديج، فيكون المؤلف قصر به، والأصل أن يقول: عن رفاعة بن رافع عن أبيه رافع بن خديج؛ لأن الحديث من مسنده، وعلى كل حال الخلاف في صحابي سواء كان هذا أو ذاك ولا يضر مثل هذا الاختلاف، يعني إذا لم نستطع أن نعين رفاعة بن رافع، يعني إذا قصرنا به إلى هذا الحد يتعين أن يكون الأنصاري الزرقي؛ لأنه صحابي، وأما رفاعة بن رافع بن خديج فتابعي، يروي عن أبيه، وإذا قيل: عن رفاعة بن رافع عن أبيه فالمقصود به رافع بن خديج، وهو هكذا في أكثر المصادر، كما أشار إلى ذلك الحافظ في التلخيص وغيره. "أن البني ﷺ سئل أي الكسب أطيب؟ " السائل وغير السائل يعرفون أن الكسب لا بد منه، وعندنا كسب واكتساب، فإذا كان الكسب لا بد منه فيُسأل عن أطيب أنواعه، الكسب لا بد منه؛ لتتم عمارة الأرض، ويبقى النوع، لكن هذه المكاسب متفاوتة، منها الفاضل، ومنها المفضول، ومنها الطيب، ومنها الأقل، والسؤال عن المكاسب الطيبة، أي الكسب أطيب؟ لأن هنا أفعل تفضيل، فالمراد السؤال عن المكاسب الطيبة، لكن يراد أطيب هذه المكاسب الطيبة، والفرق بين الكسب والاكتساب أن الكسب في ما ينفع الإنسان، والاكتساب فيما يضره، ولذا جاء في قوله -جل وعلا-: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة] أي الكسب أطيب؟ قال ﵊ مجيباً عن السؤال: ((عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور)) "عمل الرجل" التصريح بالرجل قيد مؤثر أو لا تأثير له فالمرأة مثله؟ نعم؟ يعني التنصيص على الرجل لا شك أن له دلالة، وهو أن الأصل في الأعمال الرجال، لكن إن احتاجت المرأة إلى الكسب في حدود ما يبيحه الشرع لها دخلت في الحديث، الأصل أن الكسب من أعمال الرجال، والعمل من مهام الرجال، وإن احتاجت المرأة لعدم وجود من يمونها تعمل، وإذا عملت في حدود ما يباح لها من أعمال، وأمنت منها

стр. 1982

وعليها الفتنة فلا بأس أن تعمل بيدها، ويكون عملها خير لها. ((عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور)) "عمل الرجل بيده" وهذا يشمل الحرف سواء كانت زراعة، ويرجحها جمع من أهل العلم، أو صناعة وهي مرجحة عند فريق من العلماء، وهي مهنة داود ﵇، وغيرها من الأعمال، والنظر في المفاضلة بين هذه الأعمال من وجوه منها: ما يتعلق بالعمال من صدق وإخلاص في نيته، في نفع نفسه ونفع غيره، في الأعمال المتعدية، يعني إذا كان الإنسان مزارع يأكل من كسب يده، وينوي بذلك التعفف عن السؤال، ونفع الآخرين، ويحتسب ما يفوت عليه من زراعته مما يأكله كل صاحب كبدٍ رطبة، هذا من أفضل المكاسب، الصناعة إذا كان يصنع بنية صالحة خالصة يعف نفسه عن تكفف الناس، ويصنع للناس ما يفيدهم وينفعهم هذا أيضاً من أفضل الأعمال، وقل مثل هذا في سائر الحرف، إلا ما جاء في وصفها أنها حرف دنيئة ووضيعة وخبيثة، الجزارة عمل الرجل بيده، ولكن باعتبار الجزار قد يلابس شيء من النجاسات أو غيرها صارت أوضع من غيرها، الحجامة كذلك، ومعنى كون كسب الحجام خبيث هل معنى أنه محرم فيدخل في قوله -جل وعلا-: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف] نعم؟ أو لا؟ ليس بمحرم وإنما مرتبته أقل ومنزلته دون؟ كما في قوله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] الخبيث هذا محرم؟ يعني لو كان عندك طعام جيد وطعام أقل نعم رديء جداً مثلاً فيه سوس، لكن يوجد من ينظفه ويأكله، ويحتاج إليه أنت مأجور على التصدق به، لكن هو في مقابل الصدقة بالطيب دون، ولا يعني هذا أنه محرم، ما دام ينتفع به إنسان أو حيوان. ((عمل الرجل بيده)) عرفنا أن من أهل العلم من رجح الزراعة، ومنهم من رجح الصناعة، ومنهم من رجح حرف أخرى حسب انتفاع الناس بها، وما ورد فيها من نصوص، والذي رجحه ابن القيم والحافظ ابن حجر أن أفضل المكاسب الغنائم، وهي كسب النبي ﷺ ، ((وجعل رزقي تحت ظل رمحي)) ولما في ذلك من إعلاء الدين وشأنه.

стр. 1983

المقصود أن المسألة وتفاضل الأعمال إنما يكون بحسب ما يقر في قلب العبد، وبحسب حاجة الناس إلى هذا العمل، لو قيل: إن الزراعة أفضل الأعمال فاتجه الناس كلهم إلى الزراعة، وأهملوا الجوانب الأخرى، وفاض المنتوج الزراعي، وزاد عن الحاجة، والناس بحاجة إلى أمور أخرى، عطلت أمور أخرى، نقول: هذه الأمور الأخرى أفضل من الزراعة؛ لأنه قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقاً، وهذه الجملة تستعمل في كل العلوم، الناس بحاجة ماسة إلى من يعلمهم ويوجههم ويرشدهم ويبصرهم بما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، ولو بالأجرة، وإذا احتيج إلى مثل هذا فهذا العمل من أفضل الأعمال، وعلى كل حال المسألة ليس فيها قول فصل، وإنما تتفاوت هذه الأعمال بحسب ما يقر في قلب العامل، وبحسب ما يُحتاج إليه من الأعمال. ((وكل بيع مبرور)) خالص من شوائب الغش والخداع والتدليس، والعقود المحرمة، والأيمان الفاجرة لتنفيق السلع، هذا أيضاً من أنفع ومن أفضل الأعمال، وأطيب المكاسب، لكن على من يزاول هذه المهنة والتجارة والبيع والشراء أن يتعلم ما يصحح هذه العقود، لئلا يقع في معاملة يظنها صحيحة وهي في حقيقة الأمر ليست بصحيحة، وعليه أيضاً أن يتحلى بالورع، وأن يجتنب الشبهات، وكان الناس إلى عهد قريب يحرجون من يفتيهم بإقناعهم عن وجه الحل، إذا سألوا عن معاملة فقال المفتي: حلال هم بحاجة إلى من يقنعهم بوجه الحل اتقاءً للشبهة، والآن مع ما وجد في أسواق المسلمين وغير المسلمين من باب أولى من انسعار ولهث وراء الدنيا تجد المستفتي إذا سأل عن مسألة قيل له: حرام قال: أقنعني أنها حرام، والسبب في هذا وجود من يتساهل في أمر الإفتاء، والله المستعان. فعلى الإنسان أن يتقي الشبهات فضلاً عن المحرمات، لا يجوز للمسلم أن يقدم على معاملة محرمة بحال، ولو فتح له الشيطان أبواب، وقال له: تتخلص منها، هذه نسبة يسيرة، أقدم عليها ثم تخلص منها، أبداً، لا يجوز الإقدام على المحرم، لكن إذا أقدم على شيء يجزم بإباحته أو يغلب على الظن إباحته، ثم تبين له فيما بعد أنه لحقه شيء من الشبهات، أو شيء مما لا يجوز في معاملته يتخلص منه لا بأس، وفرق بين هذا وهذا، فرق بين من يقدم على المعاملة المحرمة ولو كانت نسبتها يسيرة، وفرق بين يلحقه شيء من الشبهة أو شيء من المحرم من غير قصد، ثم يتخلص منه، فلا بد من ملاحظة هذا. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1984

بلوغ المرام - كتاب البيوع (٢) تابع: باب شروطه وما نهي عنه منه الشيخ: عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذا يقول: أنا شاب أعمل في شركة (أرامكو) وأعمل بيدي على إخراج النفط الذي يستفيد منه المسلمين وأعف نفسي فهل داخل في الصناعة؟ هو داخل في عمل اليد، هذا داخل في عمل اليد، إذا أدي على الوجه المرضي الذي ينفع الله به الأمة، لا شك أنه داخل في عمل اليد وكسب اليد. هذا يقول: هل تنصحون باعتماد كتاب: (البدر التمام شرح بلوغ المرام) للحسين بن محمد المغربي بدلاً من سبل السلام؟ أولاً: سبل السلام مختصر من هذا الكتاب، فسبل السلام أصله البدر التمام، واختصره الصنعاني، واقتصر منه على ما يُحتاج إليه، وأما الأصل ففيه جمع طيب، وفيه استطرادات؛ لأنه معتمِد على كتب معينة، إذا كان الحديث في البخاري نقل من فتح الباري، وأفاض في النقل منه، وإذا كان في مسلم نقل كل ما ذكره النووي وهكذا، وفي الحكم على الأحاديث ينقل ما يقوله الحافظ في التخليص بتمامه، ففيه استطرادات كثيرة لا يحتاجها طالب العلم، وللصنعاني أيضاً توجيهات في كتابه لا يستغني عنها طالب العلم. وعلى كل حال من أراد أن يجمع بين هذا وذاك فطيب؛ لأن الاعتماد على اختصار الغير يفوت على طالب العلم الشيء الكثير، الصنعاني من وجهة نظره أن ما تركه ليس مهماً بالنسبة لطالب العلم، لكن قد يكون ترك أشياء طالب العلم في غاية الأهمية، ولذا نصيحتنا لطلاب العلم ألا يعتمدوا على المختصرات، وأن يختصروا لأنفسهم.

стр. 1985

ذكرنا في مناسبات كثيرة أن طالب العلم إذا تأهل لهذا الأمر، واتجه إلى المختصرات يرجع إلى الأصول ويختصره بنفسه، فلو مثلاًَ عمد إلى صحيح البخاري، والكتاب مخدوم تذكر فيه أطراف الأحاديث فإذا قرأ الحديث الأول راجعه في جميع المواضع التي ذكره البخاري فيها، واقتصر بأوفى هذه الروايات، واطلع على الروايات الأخرى، وأثبت التراجم التي ترجم بها البخاري على هذا الحديث التي هي فقه الإمام البخاري، بل فقه أهل الحديث كم يستفيد من فائدة في عمله هذا؟! افترض أن صحيح البخاري يحتاج لمدة سنة ليختصر على هذه الطريقة، الحديث الأول خرجه البخاري في سبعة مواضع، يرجع إلى هذه المواضع السبعة، وينظر في تراجم البخاري عليها، وينظر في اختلاف المتون والأسانيد، وما ذكره البخاري وما سطره من أقوال الصحابة والتابعين حول هذا الحديث، وبيان هذه الترجمة، ثم بعد ذلك يقتصر على أوفاها، والحديث الثاني كذلك، والثالث كذالك، والرابع ... إلى آخر الكتاب، وطالب العلم قل: يحتاج إلى سنة لينهي الكتاب على هذه الطريقة، فيستفيد فوائد أعظم من قراءته للمختصر مائة مرة؛ ليكون علمه بما حُذف كعلمه بما أثبت، أما أن يعتمد على اختصار الناس واجتهادات الآخرين فقد يفوته شيء هو من وجهة نظر المختصِر ليس بمهم، وهو في الحقيقة في غاية الأهمية، وضربنا أمثلة على هذا في المقارنة بين الأصول والمختصرات، لو أن شخصاً أراد أن يقرأ في كتاب الرقاق من صحيح البخاري رأى العجب فيما يقرب من مائتي حديث ومائة وخمسين ترجمة، هي من أنفس ما يستنبط من هذه الأحاديث، لكن لو رجع إلى المختصر وجد عشرة أحاديث بدون تراجم، كيف يتصور الكتاب تصور كامل وقد اعتمد على المختصر؟ المختصِر ما حذف من المتون المرفوعة المسندة شيء، إنما اكتفى ببعضها دون بعض، وإذا مر عليه الحديث في كتاب العلم لم يعده في كتاب الرقاق، فصار هذا خلل في التصنيف، البخاري له مقصد من التكرر، التكرار في غاية الأهمية لطالب العلم، ولتعلموا أن البخاري -رحمه الله تعالى- لا يكرر الحديث في موضعين بسنده ومتنه دون فائدة زائدة إلا نادراً يعني في نحو عشرين موضع فقط، وأما في بقية المواضع التي هي يعني المكرر مثل غير المكرر، يعني

стр. 1986

إذا افترضنا أن الكتاب سبعة آلاف وخمسمائة حديث، المكرر خمسة آلاف، لكن هذه المكررات لا يحتاجها طالب العلم؟ استنباط البخاري من هذا الحديث في مواضع متعددة لا يحتاجه طالب العلم؟ هو في أمس الحاجة إليه، أقاويل الصحابة والتابعين سلف هذه الأمة فقههم وعلمهم حذفه المختصرون، كم يخسر طالب العلم بهذه الطريقة؟! فأقول: طالب العلم إذا احتاج إلى مختصر يختصر بنفسه، ولا يظن أن هذا التكرار تضييع للوقت، يعني بدلاً من أن يقرأ الكتاب في سنة يقرأ المختصر في شهر، وأين تبي تروح إذا انتهيت من البخاري؟ تبي تروح لمسلم، مسلم فيه أحاديث موجودة في البخاري، بعد تقول: أقتصر على الزوائد؟ افعل في مسلم مثلما فعلت في البخاري، ثم افعل في سنن أبي داود مثلما فعلت في الصحيحين وهكذا، اختصر لنفسك، ثم انظر ما تتفق عليه هذه الكتب، واقتصر على أوفاها، وبذلك إذا أنهيت هذه الكتب ولتأخذ عليك خمس سنين ويش المانع؟ وإيش أنت عجلان عليه؟ تضبط الكتب الستة ضبط وإتقان في خمس سنوات، والعمر يضيع بالتسويف، اليوم أقرأ، غداً أقرأ، الكتاب هذا أولى وذاك أولى، الأصول أسست على تقوى، ولا نقدح في الفرع والمختصرات، لكن من يقارن يرى الفرق، الذي يقارن بين هذه المختصرات وأصولها يرى الفرق كبير. يقول: ما أفضل طبعات الكتب التالية: (تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة؟ طبعة السيد أحمد صقر جيدة. وتأويل مشكل الحديث؟ هناك تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، وهناك مشكل الحديث لابن فورك، إن كان يريد ابن قتيبة، وهو مطبوع طبعة قديمة لا بأس بها جيدة، ثم أعيد طبعه ثانية أظن زهري النجار أعاد طبعه، وإن كان يريد مشكل الحديث لابن فورك فليقرأ فيه على حذر تام. الروض المربع؟ الروض المربع طبع أخيراً بتحقيق ثلة من المشايخ، تولى بعضهم مقابلة النسخ، وبعضهم توثيق النصوص، وبعضهم تخريج الأحاديث، وخرج منه الآن سبعة مجلدات، هذه طبعة نفيسة. منار السبيل؟ فيه طباعات كثيرة، لكن منها طبعة المكتبة الإسلامية التي فيها خلاصة أحكام الشيخ الألباني في مجلد واحد. أحكام أهل الذمة؟ هذا لم يطبع إلا مرة واحدة، طبعه صبحي الصالح طبعة جيدة. الخراج لأبي يوسف؟ الطبعة السلفية طبعة طيبة.

стр. 1987

يقول: ما رأيكم فيمن يقول: إن النظام المالي الإسلامي قائم على المقايضة، وأن النظام النقدي غير إسلامي، سواء كان القائل ممن يستدل بهذا على إباحة الفوائد الربوية أو كان القائل يقول هذا تمسكاً بالطرق القديمة للبيوع؟ لا شك أن الأصل في البيوع أن الإنسان ما يستبدل مال بمال، نقد بنقد إلا إذا احتجاج لمثل هذا فيما يسمى بالصرف، وجُل العقود مبنية على سلع يحتاجها الناس بأيدي غيرهم يبذلون لنيلها الأموال من النقود، من الذهب والفضة، هذا الأصل، لكن إذا احتاج الشخص إلى أن يفك ما معه من عملة كبرى بعملة صغرى واحتاج إلى صرفها هذا .. ، الذهب بالذهب جائز بالشرط الشرعي: مثلاً بمثل، يداً بيد. يقول: نرجو رفع الصوت حيث أننا نعاني من وضح الصوت؟ كيف تعاني من وضح الصوت أو من عدمه؟ من عدم وضوح الصوت، على كل حال احرص على أنك تكون أقرب إلى هذا الآلات المكبرة، وتسمع -إن شاء الله تعالى-، وبدوري أيضاً أنا هذه الآلات نقربها شوي. يقول: إذا كان الشخص يعمل في مجال الهندسة بتنفيذ المشاريع وتقدم إليه عروض أسعار لبعض الأعمال من مقاول من مقاولي الباطن -ما أدري من هم؟ - فهل يحق له لكي يتحصل على أفضل سعر أن يقوم بكشف أسعار المقاولين لبعضهم البعض؟ الآن الأسعار تقدم إليه من باب المنافسة بين هذه المؤسسات، وإذا كانت تقدم إليه وهو صاحب الشأن فما قدمت إليه إلا لينظر فيها، ويقرر ما يختاره منها، إذا كان هو صاحب الشأن، أما إذا كان له أنيط به مجرد التخطيط، وتقرير رسو المناقصات لغيره فهذا ليس من شأنه. يقول: هل من كلمة في احترام المساجد، وإبعاد ما يظنه البعض فيه مصلحة من الوسائل التعليمية باسم الإبداع وخدمة العلم؟ كتب أسماء أعجمية ما أدري كيف أنطقها؟ المقصود أنه يقول: إن هناك وسائل تعليمية وقد صليت خلف إمام في صلاة التراويح يقرأ من شاشة ويقلب الصفحة بالريمنت ويصلي هنا في الدمام؟

стр. 1988

على كل حال كل هذا الأمور محدثات، ولا يباح منها إلا ما احتيج إليه، حتى هذا المكبرات الأصل فيها العدم؛ لأن استعمالها في عبادة على خلاف الأصل، لكن لما كثر الناس، وكثرت الحشود في المساجد، واحتيج إليها، وأفتى أهل العلم بجوازها، والقاعدة أن الحاجة تقدر بقدرها، فلا يزاد فيها على قد الحاجة فإذا كان يكفي مكبر واحد يكتفي به، إذا كان لا يسمع الصوت إذا ركع الإمام واحتجنا إلى ثاني نضع ثاني، إذا كان إذا سجد لا يسمع المأموم صوته فيضطر إلى أن يجتهد بما يبطل عبادته هنا أيضاً يحتاج إلى ثالث، فالحاجة تقدر بقدرها، أما القدر الزائد على ذلك من لوحات، ومن آلات، إضافة إلى أنه أدخل في المساجد كمرات التصوير وغيرها، هذه كله على خلاف الأصل، ومن يقول بها ويفتي بها إذا كان ممن تبرأ الذمة بتقليده يتحمل المسؤولية، لكن يبقى أن الأصل المنع في هذه كلها. وأما ما ذكره من أنه صلى خلف إمام يقرأ من شاشة فهذه مشكلة، اليوم يقرأ من شاشة، وغداً يترك المسجل يصلي بالناس بعد، لأن خطوات الشيطان لا تنتهي، والله المستعان. يقول: ما حكم الاشتراك في بطاقة (سوا) يقولون: ادفع ثمانية آلاف وخمسمائة، وندفع لك كل أسبوع ألف ريال لمدة ثلاثة أشهر؟ هذه البطاقة هي مجرد وسيلة للتحايل على أن تكون الثمانية آلاف بتسعة آلاف وخمسمائة في الشهر الأول، بعشرة آلاف وخمسمائة في الشهر الثاني، فهي مال بمال، والبطاقة هي لمجرد التحايل على هذا المال، وهذا هو الربح المضمون الذي يمنعه أهل العلم. يقول: أخذ ولدي البالغ عمره خمسة عشر سنة سيارتي بدون إذني، ثم قادها وتسبب في إيقاع حادث أوقع ضرر بالغاً بإيش؟ المقصود: أنه أموال تقدر ما بين أربعة آلاف إلى ستة آلاف ريال، ولكن لأنني مدرس ولا استطيع دفع هذا المبلغ، وأنا غير مؤمن على السيارة، والسائق أراد مساعدتي فأحضر شاباً يعرفه لديه بطاقة تأمين وادعى أنه هو المتسبب في الحادث فتحملت شركة التأمين قيمة أضرار السيارة الأخرى، فماذا علي أنا والد ذلك الشاب، خاصة أنني مدين الآن بمبلغ ثلاثين ألف ريال؟

стр. 1989

عليك أن تعيد هذا المبلغ للشركة؛ لأنك لا تستحقه، عليك أن تعيده، وبدلاً من أن تكون مدين بثلاثين ألف تكون مدين بخمسة وثلاثين ألف، ولا مانع من ذلك. هذا يسأل عن الطريقة المثلى للحفظ؟ هذه شرحناها في مناسبات كثيرة، وهي موجودة مسجلة في أشرطة يرجع إليها. يقول: إنني قد أخذت بعض الملازم والكتب التي يبذل فيها بعض جماعات الدعوة إلى اعتقادهم الباطل، فهل يحق لي بأن لا أردها إليهم؟ على كل حال هذه الكتب، وهذه المذكرات، وهذه الملازم التي تذكر إن ضررها بالغ بحيث يخشى على المسلمين منها، وعلى ناشئتهم فمثل هذه تتلف، وليس لها حرمة، وقد أفتى أهل العلم بإتلاف الكتب الضارة، وأنها غير مضمونة، وإن كان المخالفة فيها يسيرة محتملة فاليسير مغمور، ولا يخلو كتاب سواء كان من كتب التفسير إلا نادراً، أو الشروح، أو غيرهم من الكتب من المخالفات اليسيرة التي هي مغمورة في بحار الفوائد، نترك بقية الأسئلة. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحديث الثاني: وقد قرأ بالأمس، حديث جابر، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة".

стр. 1990

"يقول عام الفتح" الفتح في رمضان سنة ثمان من الهجرة "وهو بمكة" أثناء وجوده بمكة ﵊، والجملة حالية؛ لأن العام يطلق على جميعه من محرم إلى ذي الحجة، ومعلوم أنه لم يدخل مكة إلا في رمضان، ويصدق على الأشهر التي تقدمت هذا الشهر أنها عام الفتح، يعني لو كان هذا القول في رجب أو في جمادى أو في صفر مثلاً هي من عام الفتح؛ لأن عام الفتح سنة ثمان، لكن حدد المراد بقوله: "وهو بمكة"، ويستفاد من هذا الكلام "عام الفتح وهو بمكة" التاريخ، تاريخ الخبر، من أجل معرفة الناسخ والمنسوخ، فلو جاء ما يعارضه مما هو قبل وقت الفتح وهو بمكة، قلنا: إن هذا الحديث ناسخ له، وإذا جاء بعده ما يعارضه قلنا: إن المتأخر ينسخ المتقدم، فمعرفة تواريخ المتون في غاية الأهمية، معرفة تواريخ المتون مهمة جداً؛ ليتوصل بذلك عند التعارض إلى .. وعدم إمكان الجمع إلى القول بأن المتأخر ينسخ المتقدم، فإذا لم نعرف المتقدم من المتأخر وقعنا في حيرة إذا لم نستطع أن نوفق بين النصوص، ولزمنا أن نتوقف، وهنا حدد وقت وتاريخ الخبر.

стр. 1991

((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر)) الضمير في حرم مفرد ويعود إلى ما تقدم، وما تقدم مفرد وإلا مثنى؟ اثنان وإلا واحد؟ اثنان، فالأصل أن يقال: إن الله ورسوله حرما كما تقدم في حديث: ((إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية)) وهذا تقدم هذا الأصل، لكن إذا لم يُذكر إلا واحد، يقول ﵊: ((إن الله ورسوله حرم)) قلنا: إن الأصل أن الضمير ما دام يعود إلى أكثر من واحد، يعني يطابق ما يعود إليه، فإن كان يعود إلى اثنين ثني الضمير، وإن كان يعود إلى أكثر جمع الضمير، وهنا حقه أن يقال: "إن الله ورسوله حرما" وتقدم الحديث الذي أشرنا إليه: ((إن الله ورسوله ينهيانكم)) والتثنية وضم ضمير النبي ﵊ إلى ضمير الله -جل وعلا- جاء ذمه في قوله ﵊ للخطيب لما قال: "ومن يعصهما فقد غوى" فقال له ﵊: ((بئس خطيب القوم أنت)) والحديث في مسلم، وسبق الحديث عن الجمع بين هذا الحديث وبين قوله: ((ينهيانكم)) وأنه بالنسبة للنبي ﵊ يجوز له أن يجمع ضميره إلى ضمير الله -جل وعلا-؛ لأنه لا يتصور منه ﵊ التسوية بينه وبين ربه -جل وعلا-، بينما غيره لجهله أو لعدم معرفته بعظم ربه -جل وعلا-، قد يتصور منه ذلك، فاستدرك النبي ﵊ وذمه لذلك، ومنهم من يقول: إن مقام الخطابة يحتاج إلى بسط وإيضاح وجمع الضمير خلاف ذلك، بخلاف غير الخطابة، فلا يمنع من جمع الضمائر لاختصار الكلام.

стр. 1992

المقصود أن المعارضة بين قوله: ((ينهيانكم)) وبين قوله: "ومن يعصهما" وقول النبي ﵊: ((بئس خطيب القوم أنت)) ظاهرة؛ لأنه جمع ﵊، فإما أن يقال: إن له أن يفعل ذلك ﵊ دون غيره وهذا وجيه؛ لأنه النبي ﵊ أعلم الناس بربه، وأتقاهم وأخشاهم له، بينما غيره ليس بهذه المنزلة، والدليل على ذلك أنه وجد في الأمة من ينتسب إلى الأمة المحمدية من جعل النبي ﵊ بمنزلة الله -جل وعلا-، وصرف له جميع حقوق الرب ، وجد، فلا يمنع من أن يتطرق إلى ذهن المتكلم مثل هذا الأمر، ومثل هذا إذا وجد مثل هذا الاحتمال تحسم المادة، بينما النبي ﵊ وهو أعلم الناس بربه وأتقاهم وأخشاهم له لا يمنع من أن يجمع ضميره إلى ضمير الله -جل وعلا-، وإذا قيل بالقول الثاني أن الخطابة تحتاج إلى بسط له وجه أيضاً، وهو مرجح عند جمع من أهل العلم. ((إن الله ورسوله حرم)) معروف في الأعراب (إن) حرف توكيد ونصب، واسم الجلالة لفظ (الله) -جل وعلا- اسمها منصوب، والواو عاطفة، ورسوله معطوف عليه منصوب، وحرّم فعل وفاعل، والمفعول بيع الخمر، والجملة من الفعل والفاعل وما بعده خبر (إن)، وهذا من باب الاكتفاء وإلا فالأصل أن يقال: إن الله حرم ورسوله حرم. (نحن بما عندنا وأنت ما عندك راضٍ) التقدير نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ، فاكتفي بأحدهما عن الآخر لعدم اللبس، وجاء في بعض الطرق: ((إن الله حرم)) دون عطف للرسول ﵊ عليه، وفي بعض الروايات وهي في غير الصحيحين: ((إن الله ورسوله حرما)). ((بيع الخمر)) الخمر كل ما خامر العقل وغطاه من أي مادة كان، كل ما يخامر العقل ويغطيه خمر عند جمهور العلماء، وعند الحنفية لا يطلق الخمر حقيقة إلا على ما اعتصر من العنب فقط، والجمهور على أن كل مسكر خمر، كل ما يغطي العقل خمر، والمرجح في هذا قول الجمهور؛ لأن الآيات نزلت في تحريم الخمر بالمدنية، وليس فيها إلا التمر، ليس فيها عنب، فدل على أن الخمر يطلق على ما يعتصر من العنب، وعلى ما يعتصر ويستخلص من غيره حقيقة، وهذا قول الجمهور.

стр. 1993

((بيع الخمر والميتة)) الميتة: ما مات وفارقت روحه جسده بغير ذكاة شرعية، والخنزير: الحيوان الخبيث النجس الرجس المعروف، مادته رباعية خنزر فهو خنزير، ومنه من يقول: ثلاثية من خزر، إذا أطبق جفنه الأعلى على الأسفل، وضيق نظره، إذا أراد أن يحدد النظر -هذا مجرب- يضيق العين، نعم، حتى الإنسان يفعل هذا، قالوا: خزر عينه إذا ضيقها لتحديد نظر البعيد أو الشيء الدقيق، نعم؟ والخنزير يفعل هذا، وهو معروف، والأصنام: ما يعبد من دون الله كالأوثان، ومنهم من يفرق بين الصنم والوثن بأن الصنم ما كان على صورة، والوثن: ما لم يصور على هيئة، ومنهم من يقول: الوثن ما كان مادته من الحجارة، والصنم ما كان من غيرها، المقصود أنه معروف مما يعبد من دون الله -جل وعلا-، يصور على هيئة فيكون صنماً، وعلى هذا لا يجوز بيع الخمر، لا يجوز بيعه مهما كان المبرر لشرائه، لو شخص عنده إناء خمر الواجب عليه إراقته، لكن قبل أن يريقه جاءه شخص قال: أنا أريد أن أطفأ به نار بعه علي هذه منفعة، إطفاء النار به منفعة، هل نقول: ما دام هذه العين تنفع يجوز بيعها؟ لا يجوز بيعها، "إن الله حرم بيع الخمر" فالمتعين إراقتها ولا يجوز تخليلها، يعني تحويلها من خمر إلى خل لا يجوز؛ لتنقلب عينها من ضارة إلى نافعة، ومن نجسة -عند الجمهور- إلى طاهرة بالاستحالة، لا يجوز تخليلها، وإن تخللت بنفسها جاز الانتفاع بها خلاً، لكن لا يجوز حبسها حتى تخلل بنفسها، بل الواجب المبادرة والمسارعة والمسابقة إلى إراقتها. ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر)) ولا يجوز بيعها لا لمسلم ولا لذمي ولا لغيرهم؛ لأن الله -جل وعلا- إذا حرم شيء حرم ثمنه، وهنا يُحرم بيعها بالنص على أي وجه كانت، ما تقول: والله هذا النصراني أو هذا اليهودي شارب شارب، شارب الخمر شارب من عندي وإلا من عند غيري، هذا ما مبرر، أنت بهذا تأكل الحرام؛ لأن الله حرم البيع في هذه الحالة. ((والميتة)) وهي ما فارقت روحها جسدها لا بذكاة شرعية فلا يجوز بيعها؛ لأنها نجسة، والعلة أيضاً عند الجمهور في منع بيع الخمر النجاسة، جماهير أهل العلم على نجاستها، وإن كان الدليل لا ينهض على القول بنجاستها إلا أنه قول جمهور أهل العلم.

стр. 1994

والميتة نجسة فلا يجوز بيعها، والأصل في المنع من بيعها هذا الحديث، الميتة تطلق ويراد بها ما ذكرنا في حدها وتعريفها، وبهذا تشمل جميع أجزائها، فلا يباع شيء منها، لكن دل الدليل على جواز الانتفاع بجلدها المدبوغ، ((أيما إيهاب دبغ فقد طهر)) وجاء في شاة ميمونة: ((هلا انتفعتم بإهابها)) قالوا: إنها ميتة! قال: ((إنما حرم أكلها)) فإذا دبغ الجلد طهر، وإذا طهر جاز استعماله على خلاف بين أهل العلم هل يطهر ظاهراً وباطناً أو ظاهراً فقط؟ وهل يستعمل في المائعات واليابسات؟ وهذه المسألة تقدم شرحها في باب الآنية، على كل حال ((أيما أيهاب دبغ فقد طهر)) ولا كلام، إذا طهر هذا الإيهاب وجاز استعماله هل يجوز بيعه أو نقول: هو جزء من الميتة فلا يباع؟ الشعر، الظفر، والظلف وما أشبه ذلك على الخلاف بين أهل العلم هل هي في حكم المتصل أو المنفصل؟ إذا ماتت البهيمة مثلاً تنجست، صارت نجسة ما يمكن تطهيره كالجلد يطهر، الشعر والظفر هل هو في حكم المتصل أو المنفصل؟ يختلف أهل العلم في ذلك، والمرجح أنه في حكم المنفصل؛ لأنه يجوز جزه وقطعه وإبانته من البهيمة وإن كانت حية، لو كان في حكم المتصل قلنا: ما أبين من حي فهو كميتته، ومثل هذه الأمور يقرر أهل العلم شيخ الإسلام وغيره أنها لا تحلها الحياة، بدليل أنها تقطع من البهيمة ولا تحس ولا تتألم، لا تحلها الحياة الحيوانية، أما الحياة المشبهة لحياة النبات لا شك أنها فيها، بدليل أنها تطول، نعم؟ تنمو وهي على ظهر الحيوان، لكن إذا قطعت ماتت كموت النبات إذا قطع، والحياة والموت المراد به الحياة الحيوانية والموت الحيواني، أما ما يشبه حياة النبات وما يشبه موته فهذا غير مراد هنا، بدليل أن النبات يموت إذا قطع، لكن هل يقال بأنه نجس ولا يجوز بيعه لأنه ميت؟ يدخل في عموم هذا؟ لا يدخل، فالمراد بالحياة الحياة الحيوانية، هذا بالنسبة للشعر والظفر، والحنفية يتوسعون في هذا الباب، ويجعلون العظم أيضاً لا تحله الحياة، فيرون الانتفاع به بعظم الميتة، وشيخ الإسلام أيضاً يرجح هذا القول، ويضيف أيضاً الأنفحة واللبن، لبن الميتة وأنفحة الميتة كل هذا لا علاقة له بروحها، نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 1995

الأنفحة الكرش، كشر الجدي الصغير، نعم؟ الذي يستعمل في الجبن، ويستدل شيخ الإسلام أن الصحابة أكلوا الأجبان من البلدان التي فتحت وذبائحهم في حكم الميتة، ولو كانت نجسة ما أكلوها، فعرفنا ما في جلد الميتة وما في شعر الميتة، وظفر الميتة، وقرن الميتة، الجمهور على أنه نجس، وكذلك من باب أولى لبنها وأنفحتها، وهي إن لم تكن نجسة بذاتها فهي متنجسة، وإذا كان اللبن متجنس كيف يمكن تطهيره؟ لأنه في وعاء نجس فكيف يمكن تطهيره؟ إذا تجنس اللبن يمكن تطهيره؟ ما يمكن تطهيره، فيبقى الاستثناء للجلد إذا دبغ، والصوف أيضاً إذا جز جزاً، ولم يستأصل بالنتف؛ لأن أصوله باشرت النجاسة، فيجز جز بحيث لا يباشر النجاسة، الميتة لا يجوز بيعها، أحياناً يستفاد منها، تُجعل علف للكلاب، وعلف للطيور، تُعلف الكلاب الميتة، أقول: هل هذه المنفعة تبيح مخالفة هذا النص؟ لا تبيح مخالفة هذا النص، لا يجوز بيعها، يدخل في الميتة أيضاً جسد الميت من بني آدم، هل يجوز بيعه أو لا يجوز؟ يتصور هذا في التشريح، نعم؟ احتيج لجثة لتشريحها ورفض أهلها أن يدفعوها إلا بقيمة يجوز بيعها وإلا لا يجوز؟ لا يجوز، وجاء في السيرة أن المشركين طلبوا قتيلاً لهم ودفعوا فيه الأموال من النبي ﵊ فدفعه إليهم دون مقابل، فالميتة على عمومها وإطلاقها لا يجوز بيعها، والخنزير ليس بمال ولا محترم، ولا يجوز أكله ولا اقتناؤه فلا يجوز بيعه.

стр. 1996

((والأصنام)) الأصنام سواء كانت من مادة يستفاد منها، افترض أنه صنم من ذهب يعبده شخص فأسلم هذا الشخص وقال: انتهينا من عبادته هل يجوز له أن يبيعه؟ لا يجوز له أن يبعه، ومثله لو كان من خشب، أو من أي مادة كان ما دام اسم الصنم يطلق عليه لا يجوز بيعه، لكن إذا تحول اسمه من صنم إلى كسر أو قطع من رآها لا يقول: هذه صنم لا مانع؛ لأنه لم يبع صنم يعني لو أن شخصاً عنده صنم من ذهب، ثم بعد ذلك ذهب به إلى الصاغة فحولوه إلى حلي يجوز بيعه وإلا ما يجوز؟ يجوز بيعه؛ لأنه لا يصدق عليه أنه باع صنماً، وكذا لو كان كِسر من خشب، أو حول هذا الصنم من خشب إلى ماسة أو كرسي أو شيء يجوز الانتفاع به يجوز له بيعه؛ لأنه لم يبع صنم، وقل مثل الأصنام جميع ما يؤله ويعبد، ويصرف له شيء من حقوق الله -جل وعلا- كالصليب مثلاً لا يجوز بيعه. "فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة؟ " يعني أخبرنا عن شحوم الميتة، الشحوم يستفاد منها، كيف يستفاد منها؟ ذكروا الأوجه، أوجه الاستفادة منها، تطلى بها السفن، لماذا تطلى السفن بالشحوم؟ من أجل إيش؟ كيف؟ طالب: تسرب الماء. نعم لكي ينبو عنها الماء، فلا يشرب الخشب الماء، نعم؟ فيستفاد منها من هذه الحيثية، وتدهن بها الجلود لتلين وتنعم، ويستصبح بها الناس، شمع، الشحم هذا يتخذ مصابيح، قبل الكهرباء الناس عاشوا عليه مدد متطاولة، هو مصابيح الناس، لا شك أن هذه منافع ظاهرة "أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلى بها السفن, وتدهن بها الجلود, ويستصبح بها الناس?"

стр. 1997

منافع ظاهرة، ولا فرق بين الطاهر والنجس في هذه المنافع، النجس يؤدي نفس الغرض الذي يؤديه الطاهر، نعم دخان المصباح المتنجس تكلموا فيه هل يؤثر على ما يصيبه أو لا يؤثر؟ المسألة في كتاب الطهارة، لكن هنا "ويستصبح بها الناس" لما ذكروا هذه المنافع، أجابهم النبي ﵊ بقوله: ((لا، هو حرام)) (لا) هنا وقف لازم وإلا جائز؟ لازم، وقف لازم؛ لأنك لو سلطت النفي ((لا هو حرام)) يعني ليس هو حرام، لكن تقف وقفاً لازماً، والوقف اللازم معروف، وهو في القرآن ظاهر، ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ [(٦٥) سورة يونس] نعم، هذا الوقف لازم، لماذا؟ لأن قوله: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ [(٦٥) سورة يونس] ليس هو قولهم الذي يحزن النبي ﵊، ولو وصلنا لأوهم السياق أن الذي يحزن النبي ﵊ قولهم: إن العزة لله وليس ... ، فيجب الوقف في مثل هذا، وهنا: ((لا، هو حرام)) يجب الوقف، أهل البلاغة عندهم واو تحل الإشكال، إذا قيل لك: تريد ماءً، ثم قلت: لا سلمك الله، عندهم لا بد أن تقول: لا وسلمك الله، نعم نقول: الوقف اللازم يحل الإشكال، وهو الذي جاءت به بالنصوص، ولا داعي لهذه الواو، قف على (لا) واستأنف ما تشاء من الكلام؛ لأنه لا يوجد في النصوص مثل هذه الواو، (لا) يعني لا يجوز، ثم أكد ذلك بقوله: ((هو حرام)) والضمير (هو) يعود على أي شيء؟ على البيع وإلا على الانتفاع؟ طالب: القاعدة: إلى أقرب مذكور؟ اللي هو إيش؟ الانتفاع؟ طالب: نعم. وهو قول الأكثر، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . هذا الشحم المتنجس. طالب:. . . . . . . . .

стр. 1998

يجوز وإلا ما يجوز؟ تأملوا يا إخوان: "أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: ((لا)) " لما تكلم عن الميتة وأن بيعها حرام سئل عن جزها ﵊، وذكرت منافع هذا الجزء، إذا كان الميتة بيعها حرام فماذا عن بيع بعضها؟ لا سيما وأن منافعه ظاهرة؟ والسياق يدل على البيع، وإن كان الانتفاع في الجمل الثلاث هو الأقرب، وعلى كل حال المسألة محتملة، والأكثر على أنه يعود إلى الانتفاع؛ لأنه أقرب وأحوط، فقال: ((لا، هو -البيع أو الانتفاع- حرام)) يؤيد ما يختاره جمع من أهل العلم من أن الضمير يعود إلى البيع أول الحديث: ((إن الله ورسوله حرم بيع)) وآخر الحديث ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: ((قاتل الله اليهود، إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه)) تحايلوا على ارتكاب المحرم، وغيروا الاسم والحقيقة واحدة، الحقيقة لم تتغير إنما تغير الاسم، بدل ما هو شحم جامد أذابوه فصار مائعاً سائلاً، فتغير اسمه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه، وقالوا: ما بعنا الشحم، هم باعوا جميل، مذاب، ما باعوا شحم، فهم تحايلوا على ارتكاب المحرم بهذه الحيلة، وقد عرفوا بذلك، وقد جاء النهي عن التشبه بهم لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل، فهم أهل حيل، فعلوا مثل هذه الحيلة، وتحايلوا على الصيد، صيد السمك، فوضعوا الشباك يوم الجمعة فوقعت فيه الحيتان يوم السبت، واستخرجوها يوم الأحد، وقالوا: ما صدنا يوم السبت، وهم في الحقيقة تحايلوا على المحرم، وارتكبوا المحرم بهذه الحيل، ومن ذلك ما عندنا.

стр. 1999

((قاتل الله اليهود)) يعني لعنهم، ((إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها جملوه)) وهكذا الحكم فيمن يتحايل لإسقاط واجب، أو ارتكاب محرم، ومشبهٌ لليهود من هذه الحيثية، وهو مستحق لهذا الوعيد كما استحقوه بسببه، بسبب هذه الحيلة، جاءت نصوص تدل على جواز بعض الحيل، أما الحيل التي يتوصل بها إلى فعل الواجب، وترك المحرم هذه شرعية، ماذا قال -جل وعلا- عن الهجرة: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [(٩٨) سورة النساء] هؤلاء لا يستطيعون حيلة بمعنى أنهم لو استطاعوا حيلة يذمون وإلا ما يذمون؟ طالب: مفهوم مخالفة. نعم؟ طالب: مفهوم مخالفة.

стр. 2000

ما يذمون، بل يمدحون لو يستطيعون الحيلة لفعل الواجب، يرتبكون الحيلة لفعل الواجب، أو يرتكبون الحيلة لترك محرم، وهو البقاء بين أظهر المشركين ولذا مدحوا، أما الحيل التي يتوصل بها إلى ترك الواجب أو فعل المحرم فهي حيل اليهود، هناك حيل يتوصل بها إلى الخروج مثلاً من مأزق، أو ارتكاب مباح، أو ما أشبه ذلك أمرها يسير، لكن يبقى أن الحيل التي ترتكب فيها محرمات محرمة، وفيها مشابهة لليهود، والنبي ﵊ يقول: ((قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه)) وهم يقولون: والله ما أكلنا، ما بعنا شحم ولا أكلنا شحم، جملناه فبعنها جميلاً مذاباً، ليس بشحم هذا، وهناك حيل يرتكبها الناس وهي موجودة أيضاً حتى عند المسلمين، يرتكبون بعض الحيل لإباحة ما حرم الله -جل علا-، ويسمون الأشياء ويلبسون يسمونها بغير أسمائها، ويلبسون على الناس، وبعضهم يسعى بشتى الوسائل أن يخرج السؤال للمفتي على طريقة يلقنه فيها الجواب، وهناك من الحيل والوسائل التي يرتكبها بعض الناس عند السؤال من أجل أن يحل لهم ما حرم الله، وهذه من حيل اليهود، لا بد أن تكشف المسألة بفصها، تذكر المسألة على وجهها، وإلا ماذا يستفيد المطلق إذا أخفى صورة الطلاق وجاء يستفتي؟ لماذا جاء يستفتي في الأصل ليعاشر امرأته على الوجه الشرعي، إذاً يجب عليه أن يشرح الصورة كما هي، ولا يخفي شيئاً يؤثر في الحكم، قد يتحايل مثلاً على من يفتيه، وهنا يجب الاستفصال من قبل المفتي، قد يتحايل عليه من أجل أن يقنع الزوجة أن تعود إليه، أو يقنع ولي أمرها لكي يعيدها إليه، كل هذه حيل لا تجوز؛ لأنه يتحايل بذلك على ارتكاب ما حرم الله -جل وعلا-، ففيه مشابهة لليهود، نعم. وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول رب السلعة أو يتتاركان)) رواه الخمسة, وصححه الحاكم. وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب, ومهر البغي, وحلوان الكاهن" متفق عليه. نعم الحديث الثالث: يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
следующие страницы →