← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 22644

شرح بلوغ المرام - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (2 954 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

((إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)) هذا الصلح وإن رضي به الطرفان لا يجوز البتة، فلو تشاجر اثنان، حصل صدام بين زيد وعمرو في سيارتيهما، وحصل نزاع وشقاق وجاء وأصلح بينهم، وقال واحد: يصطلحان على مقدار من المحرمات، إما من خمر أو من غيره، تدفع له كذا مقابل، نقول: لا؛ لأن هذا فيه جعل الصلح عوضه محرم، أو مثلاً يصطلحان على أن يقرضه مبلغ كذا ويرد عليه مبلغ كذا أكثر منه، الصلح يتضمن صفقة ربا فلا يجوز، هذا أحل حراماً، وإذا حرم حلالاً، يصلح بينهما على أن يمنعه من الاستفادة من سيارته أو يبيعه يحصل بينهما بيع، صفقة بيع سيارة، ثم يحصل شقاق ونزاع في شرط من الشروط، أو في مسألة متعلقة بها، ثم يقول: على أن لا تستفيد من سيارتك مدة سنة، فمثل هذا يمعنه من الحلال، الذي هو مقتضى العقد، فهذا الشرط منافي لمقتضى العقد وإن كان صلحاً، ولو رضي به الطرفان، فهو شرط ليس بصحيح. ((والمسلمون على شروطهم)) هذا الأصل، وفي رواية: ((المؤمنون على شروطهم)) ولا يخرج المسلمين وإن كانوا دونهم في المنزلة، على كل حال هذا اللفظ ثبت من طرق ((المسلمون على شروطهم)) يعني شروطهم لازمة بينهم ومن أوفى ومن أوجب ما يجب الوفاء به من الشروط ما استحلت به الفروج بين الرجل وامرأته، فإذا اشترطت الزوجة على زوجها، واشترط على زوجته لا بد من الوفاء، ((المسلمون على شروطهم)) اشترطت الزوجة على الزوج أن تكمل الدراسة وأن تتوظف بعدها، أو اشترط عليها العكس أن تترك الدراسة أو تترك العمل، يجب الوفاء أو لا يجب؟ المسلمون على شروطهم، يجب الوفاء بذلك، لكن إذا خيرها بين ترك الشرط أو بين أمر يملكه، اشترطت عليه أن تدرس، ثم لما دخل بها ورزقوا بمولود ورأى أنها انشغلت عنه وعن بيته، قال: إما أن تتركي التدريس أو ورقة الطلاق، له ذلك وإلا لا بد أن يفي بشرطه؟ إذا خير بين أمر يملكه، من أهل العلم من يقول: إن له ذلك؛ لأنه يملك طلاقها، فإذا رضيت يكون من باب التنازل عن هذا الشرط بمقابل البقاء، فتكون هي التي تنازلت، ولا شك أن هذا التخيير شبيه بالإكراه والإلجاء؛ لأنها بعد أن أتت بمولود ومعروف أنها لن تتزوج إلا بمثله أو أقل منه، فترضى بهذا الشرط وتترك.

стр. 2312

المقصود أن مثل هذا ينظر فيه إلى أن الرجل يملك الطلاق، فإذا هددها به وتنازلت هي عن شرطها فالأمر لا يعدوهم، بالمقابل لو أن شخصاً تزوج امرأة واشترط عليها ألا تدرس ثم افتقر، هذا الرجل افتقر، وقالت: أريد أن أدرس وإلا الفسخ لأنك فقير، يعني لا يظن أن الضغط من قبل الرجال باستمرار، يعني النساء عندهن وسائل للضغط على الرجال، والمسألة مسألة عرض وطلب كسائر أمور الدنيا وشؤونها، إذا ارتفعت أسهم الرجل لا شك أنه يستطيع أن يضغط على المرأة والعكس، يعني لو أن رجلاً من أغنى الناس ثم افتقر لا شك أنه ينزل في عين المرأة، تزوجته على هذا الأساس واشترط عليها شروط من علو، وفرض عليها فروض، ثم بعد ذلك فقد ما يستطيع أن يضغط به، ثم بعد ذلك قالت: إما أن أدرس وإما أن تفسخ لأنك عاجز، هل نقول بهذا أنها أخلت بالشرط؟ هي تملك الفسخ؛ لأن الذي لا يستطيع النفقة تفسخ منه زوجته، ولذا جاء في الحديث الصحيح: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج)) فالمسألة كما يوجد من الرجال وسائل الضغط هذه التي ذكرناها يوجد أيضاً من النساء، وإذا ضغط الإنسان بأمر مخير بينه وبين ما يملكه فالذي يظهر أن له ذلك. طالب:. . . . . . . . . تضرر، بيته تضرر، إذا جاء من العمل وإذا ما فيه، المرأة ما بعد جاءت من العمل، والبزر بحاجة شديدة إلى أمه وإلى تربيتها، لكن عنده خيار آخر، لكن هل تقبل به الزوجة؟ يقول: إما أن تتركي العمل أو أتزوج، يمكن أن يخيرها بين أن تترك العمل وأن يتزوج تترك العمل؛ لأن الزواج بالنسبة لها أشد، فالمقصود بأن هذه الدنيا وأمورها وشؤونها كلها ماشية على هذا، وإذا خير الإنسان بين ما يملك مع نظيره فله ذلك. ((إلا شرطاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً)) باعه جارية على أن لا يطأها، هذا حرم حلالاً، أو باعه جارية على أن لا يطأها هو ويطأها ولده مثلاً، هذا أحل حراماً، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 2313

"رواه الترمذي وصححه، وأنكروا عليه؛ لأنه من رواية كثير بن عبد الله عمرو بن عوف، وهو ضعيف، وكأنه اعتبره بكثرة طرقه" وهذا اعتذار من الحافظ للإمام الترمذي، وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة، فله شاهد من حديث أبي هريرة، ولذا يثبته أهل العلم بهذا الشاهد. الصلح على الإنكار، منهم من يجيزه وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة، ويمنعه الشافعي، لا يصح الصلح على الإنكار، معنى هذا أنه لو أدعى زيد على عمرو قال: عنده لي مبلغ من المال ألف ريال مثلاً، وقال عمرو: أبداً ليس بصحيح، ثم قال الشيخ .. ، توسط بينهما القاضي وقال: لعلك تدفع خمسمائة ويترك خمسمائة وتصلحون، هذا صلح، فقبل الطرفان، يجوز وإلا ما يجوز؟ أجازه الأئمة الثلاثة، ونفاه وأنكره الإمام الشافعي، يقول: لا يجوز؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون له ألف بالفعل فلا يجوز نقصه، أو لا يكون له شيء فلا يجوز له أن يأخذ شيئاً، والمسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل، إن كان المدعي يجزم بأن له حقاً عند خصمه هذا مبلغه يجوز له أن يأخذه ويصالح، ويترك بعض حقه لتحصيل الباقي، هذا بالنسبة للمدعي إذا كان يجزم بأن له حق يأخذ ما تيسر له، وما صُولح عليه، لكن الطرف الثاني إن كان يجزم بأنه مدين لزيد بألف ريال لا يجوز له أن يترك ريالاً واحداً، وإذا كان لا يجزم أو يجزم بأنه سدده، سدد هذا المبلغ، فله أن يدفع ما يفدي به نفسه شر النزاع والخصام والتعب، فلكل من الخصمين ما يخصه، أما شخص يعلم أنه ليس له دين على فلان، ويدعي ديناً ثم يطلب المصالحة لا يجوز له أن يأخذ ولا ريال واحد، وكذلك الطرف الثاني إذا كان يجزم أنه مدين له بألف ريال لزيد، لا يجوز له أن يترك ولا ريال واحد، ويكون هذا قبل بيان الحكم، أما إذا تبين الحكم وحكم القاضي بأن له أو ليس له فحينئذٍ جمع من أهل العلم يرون أنه بعد بيان الحكم لا صلح، ومنهم من قال: إنه يمكن الصلح، يعني إذا حكم لزيد على عمرو بالألف ببينة ليست كالشمس مثلاً، يعتريها ما يعتريها، أو حكم بعدم ثبوت الدين مع احتمال أنه ثابت لعدم البينة عند المدعي، بعد صدور الحكم، واقتنعوا في الصلح لا يوجد ما يمنع من ذلك، نعم.

стр. 2314

وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ قال: ((لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره)) ثم يقول أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم" متفق عليه. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة)) " وفي رواية: ((خشبه)) أو خُُشُبه ((في جداره)) بالإفراد والجمع "ثم يقول أبو هريرة" مؤكداً ما رواه وهو يومئذ أمير على المدينة من قبل مروان أمير عليها، ويملك الضغط على السامعين "يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين" يعني عن هذه السنة الثابتة "والله لأرمين بها بين أكتافكم" يعني الخشبة يضربهم بها، أو بالسنة فيحملهم تبعة روايتها، ويكون بذلك قد أدى ما عليه، ويأثمون هم.

стр. 2315

فلا يجوز منع الجار أن يضع خشبة على جداره؛ لأن هذا مما لا يضره، لكن إذا كان الحائط أو الجدار لا يتحمل، ما يتحمل خشب البيت مع خشب الجار، مثل هذا لا ضرر ولا ضرار، فيلزم الجار ببناء جدار آخر، أو يسند هذا الجدار الذي لا يتحمل، وأقول: مثل هذا في ما يشترك فيه الجيران من تصريف للماء أو نحوه، وأيضاً ما يشتركون فيه من عدادات، مثل هذه الأمور ينبغي أن تسود فيها روح التفاهم والرحمة والشفقة، والتحمل من الجيران؛ لأن الجار له شأن، الجار قد يحتاج إلى جدار جاره من غير أن يضع عليه خشب، بنى الجار الأول فوضع السور كامل من الأربع الجهات، ثم جاء الجار الثاني هل يلزم ببناء جدار ثاني؟ لا يلزم، والثالث هل يلزم ببناء جدار ثاني؟ لا يلزم، فعلى كل حال مثل هذه الأمور ينبغي أن يسود فيها ما ذكر من التفاهم، والمودة والمحبة، والتنازل أيضاً على أن يقر لكل شخص ما يخصه، يعني لو افترضنا أن زيداً من الناس مع مجموعة من الشركاء اشتروا أرض كبيرة، وأرادوا عمارتها فزيد بادر بالعمارة وسور البيت من الأربع الجهات، ثم جاء الذي يليه فسور البيت من ثلاث جهات، لا يلزمه أن يسور من أربع جهات؛ لأن السور قائم بالنسبة للجار، والثالث والرابع والخامس وهكذا لا يلزم أن تسور، قد يحتاج بعض الناس إلى جهة واحدة فقط؛ بأن يكون جيرانه من الجهات الثلاث كلهم عمروا وسوروا، وبقيت هذه البقعة محفوفة بثلاثة جيران ما يلزمه إلا جدار واحد، ما يقال له: أن تضع أربعة جدران، وعلى كل حال لا بد من معرفة أصحاب الجدران، يعني هذا زيد عمر أول الناس يكتب له أن هذه الجدران له وقعت في أرضه وما أشبه ذلك؛ لأن عرض الجدار عشرين أو خمسة وعشرين سانتي، مثل هذه لها وقع في الأرض عندهم، لها وقع بطول الأرض وعرضها، تأخذ مساحة فيقال: إن هذا الجدار وهذا الحائط لفلان، وليس لنا فيه نصيب؛ لئلا يقع نزاع فيما بعد بين الجيران أو بين ورثتهم، أو بين من يشتري منهم، فإذا عرفت هذه الأمور ولم تضفِ إلى نزاع أو شقاق فلا بأس، من أهل العلم من يرى أن مثل هذا لا يلزم، وليس على سبيل اللزوم لا يمنع؛ لأنه ماله، ولا يجوز استعماله إلا بطيبة نفس منه، لكن أهل العلم يقررون أن ما لا يضر لا يجوز

стр. 2316

منعه، والناس شركاء في الأمور الثلاثة التي لا يتضرر الآخرون بها، ولو جاء شخص يريد أن يستظل بجداره، أو يستضيء بناره يمنعه وإلا ما يمنعه؟ هو لا يتضرر بحال، لا يمنعه، إذا كان الظل تحت جدار زيد من الناس، لكن إن تضرر بذلك يمنع، إن تضرر الاقتباس بناره يمنع، أما ما عدا الضرر لا يجوز له أن يمنعه، نعم. وعن أبي حميد الساعدي -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه)) رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 2317

"وعن أبي حميد الساعدي -رضي الله تعلى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل)) " يعني لا يجوز، بل يحرم " ((لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه)) رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما" والحديث صحيح، وله ما يشهد له ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)) ((لا يحلب أحدكم ماشية أخيه إلا بإذنه)) فلا يجوز استعمال متاع الغير إلا بعد الإذن، لكن إذا جرت العادة أن الناس يستفيدون من بعضهم من غير إذن في بعض الأشياء التي لا يتضرر أصحابها بها، مثلاً أنت وجدت كتاب في المسجد، وتعرف أنه لزميلك، فتقول: بدل ما يضيع عليّ الوقت أنا جالس انتظر فلان، أو استغل فترة ما بين الصلاتين واستفيد من هذا الكتاب بما لا يتضرر به صاحبه، وصاحبه تعرف أنه لا يكره ذلك، لك ذلك إذا دلت القرائن على ذلك، أما إذا كان يمنع، أو فيه أسرار وأمور كتبها لنفسه، بعض الناس يكتب في الكتب في أجوافها أشياء لا يريد من الناس أن يطلعوا عليها، وكم على كتب العلم من الأمور التي لا تمت إلى العلم بصلة من أصحابها، تجده مثلاً بعض الأسرار يخشى أن ينساها فيكتبها، وقد يكتب مثلاً: ولد له في يوم كذا مولود أسماه كذا، ولدت له كذا، طلق امرأته في يوم كذا طلقة رجعية وراجعها، يكتبها لئلا ينساها، فيطلق بعدها ثلاثاً، .... موجود في كتب العلم بعض هذه التصرفات، فمثل هذا الذي يكتب هذه الكتابات في كتابه لا يريد من أحد أن يطلع عليها، مثل هذا لا بد من إذنه، فمجرد ما يوجد في الكتاب تعليقات أو أشياء يترك، فالأصل أن مال المسلم يحترم، ماله حرام، لا يجوز انتهاكه إلا بإذنه ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا)) فالأموال لها حرمتها، ولا يجوز الاعتداء عليها بحال، لا سيما إذا كانت تتضرر بالاستعمال، أما إذا كانت لا تتضرر بالاستعمال بحال من الأحوال فإن هذا يرجع إلى طيب النفس، طيب نفس الشخص، فإذا كانت تطيب نفسه باستعماله من غير إذنه، وجرت العادة على ذلك، وعرف ذلك من خلال القرائن فلا بأس وإلا فلا، وهذا أمر مجمع عليه، وجعله بعد حديث أبي هريرة: ((لا يمنع جار جاره)) ((لا يحل لامرئ أخذ عصا أخيه بغير طيب نفس

стр. 2318

منه)) ليبين أن هذا لا يعارض هذا، وأن حديث غرز الخشبة هذا مخصوص من العمومات التي تدل على عدم استعمال متاع الغير إلا بإذنه، هذا مستثنى. ((إلا بطيب نفسٍ منه)) طيب النفس قدر زائد على مجرد الإذن؛ لأنه قد يأذن مجاملة، اعطني مفتاح السيارة والله أبغى لي مشوار، تعرف من حالة الشخص أنه لا يثق على سيارته أحد، ثم قال: والله ... مجاملة، تعرف من الأمارات أنه مجامل، فهل نقول: إن هذا طابت نفسه؟ هذا ما طابت نفسه، فلا يستعمل ماله، إذا عرفت وظهر لك ولاح لك من الأمارات والعلامات أنك أخذته وهو كاره ولو جامل، ومنهم من يقول: أبداً ما دام صرح لك بالاستعمال فلك ما سمعت، وما عدا ذلك وما في نفسه هذا لا يعلمه إلا الله، وعلى كل حال الورع أن مثل هذا لا يستعمل، نعم. باب: الحوالة والضمان عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((مطل الغني ظلم، وإذا اُتبع أحدكم على ملئ فليتبع)) متفق عليه، وفي رواية لأحمد: ((فليحتل)). يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب: الحوالة والضمان

стр. 2319

الحوالة وقد تكسر فيقال: حِِوالة: تحويل الدين ونقله من ذمة إلى ذمة، هذه هي الحوالة، وهل هي عقد من العقود التي تراعى فيها شروط البيع أو أنها عقد إرفاق لحل بعض المشاكل التي تكون بين الدائنين والمدينين؟ وذكرنا مثال أن زيد من الناس له دين على ملئ وهو مدين، فأحال الدائن على مدينه، هذه صورة الحوالة، لكن لو أحال دين بدين هل هذه الصورة تدخل في بيع الدين بالدين؟ يعني هل إحالة زيد دائنه عمراً على بكر بدين له مثل إحالة دين زيد على ثاني بدين عمرو على رابع؟ هذاك دين بدين، وهذاك عرفنا أن العلماء كافة على تحريمه، لكن هذا هل الحوالة دين بدين؟ زيد مدين لعمرو فأحاله على بكر لأنه مدين له، هل هذه من صور الدين بالدين؟ بعض العلماء يقول: هي من صور بيع الدين بالدين، وهي مستثناة بالنص، لكن ما يظهر فيها أنها دين، عقد دين بعقد دين؛ لأن الأطراف فيها ثلاثة، لو كانوا أربعة قلنا: دين بدين كما تصورناه فيما سبق، والمتجه أنها عقد إرفاق، يراد منها التخفيف على المدينين، فإذا كان زيد من الناس مدين لعمرو، وعمرو هذا الدائن مدين لبكر، لكن عمرو لا يستطيع استخراج حقه من الطرف الثاني من مدينه، فأحال عليه من يستطيع، مثل هذا لا شك أن فيها فك لنزاع وخصام وشجار، فهي نافعة من هذه الحيثية، ولذا جاء في الحديث: "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مطل الغني ظلم)) " وتقدم لنا حديث: ((لي الواجد ظلم)) و ((مطل الغني ظلم)) وهما بمعنى ((يبيح عرضه وعقوبته)) وقد تقدم الكلام في هذا، وهذا من إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى مفعوله؟ ((مطل الغني ظلم)) إلى الفاعل أو المفعول؟ إلى الفاعل، يعني المماطل غني، المدين غني، يأتيه الدائن فيقول: غداً، بعد غدٍ، في الأسبوع القادم، في نهاية الشهر، في الشهر القادم، هذا مطل من شخص غني، هذا إذا قلنا: إنه من باب إضافة المصدر إلى فاعله, وإذا قلنا: إنه من باب إضافة المصدر إلى مفعوله قلنا: إن مطل الدائن الغني ظلم فكيف بمطل الدائن الفقير؟ يعني من باب أولى، إذا كان الدائن المُماطل غني ظلم حرام، ويبيح العرض والعقوبة، فكيف إذا كان الدائن فقير؟ نعم؟ هذا من باب أولى، إذا قلنا:

стр. 2320

من باب إضافة المصدر إلى مفعوله قلنا: من باب أولى، إذا كان المُماطل الدائن غني ويحرم مماطلته وليه، فلئن يحرم مماطلة الفقير المحتاج من باب أولى، يعني شخص مدين لزيد بألف ريال، وزيد يملك المليارات أو الملايين، ومدين لبكر بألف ريال ولا يجد غيره، أيهم أشد مماطلة، يعني كونه يماطل صاحب الملايين، أو يماطل من لا يملك شيء؟ نعم الذي لا يملك شيء أشق، وأصعب عليه. ((مطل الغني ظلم، وإذا أتبع)) وفي لفظ: ((إذا أحيل)) والإتباع والحوالة بمعنى واحد ((اتبع أحدكم على مليء)) من الملاءة وهي الغنى والجدة، ((على مليء)) إذا أحيل على المليء بحيث إذا طولب دفع بخلاف المعسر الذي إذا طولب لم يدفع، فإذا أتبع على مليء فليتبع، يعني ما له عذر، مجرد أن تطلب مالك يحصل لك، لكن إذا كان مليء، يكفي في الملاءة الغنى أو لا بد من الغنى مع البذل؟ لا بد من البذل؛ لأن بعض الأغنياء أشد من كثير من الفقراء، الفقير إذا كان في يده شيء بيدفعه، لكن بعض الأغنياء كيف يستخرج منه المال؟ فالملاءة هي الاستعداد للدفع بمجرد الطلب.

стр. 2321

((وإذا اُتبع أحدكم على مليء فليتبع)) و ((إذا حيل على مليء فليحتل)) يعني يقبل الحوالة، وعلى هذا يشترط في الحوالة كما يقول أهل العلم لفظها، أحلتك على فلان، أو أتبعتك فلاناً، يشترط فيها لفظها، ورضا المحيل، يعني أنت تطلب زيد من الناس ما تستطيع أن تفرض عليه أن يحليك على كذا، لا تستطيع أن تفرض عليه، فلا بد من رضا المحيل، وهذا بلا خلاف، ورضا المحال عند الأكثر، وإن خالف بعضهم في رضاه؛ لقوله ﵊: ((فليتبع)) وفي رواية: ((فليحتل)) إذا أُمر شرعاً هل يشترط رضاه؟ لا يشترط رضاه، وبعضهم يقول: لا بد من رضاه؛ لأن مثل هذا قد يحصل له به ضرر، قد يكون مليء وباذل لكن يحصل له ضرر، يحال على شخص يجامله، ويخجل منه أن يطالبه مثل هذا يتضرر، ولو كان مليئاً، على كل حال مثل هذه الأمور لا بد من مراعاتها، يحيله على أبيه أو على عمه، أو علي أخيه، أو على قريبه أو على صهره، يخجل أن يطالبه بالمال، ولو كان مليئاً، ولذا يشترط أكثر العلماء رضا المحال، وأما المحال عليه فلا يشترط رضاه عند الجمهور، واشترطه بعضهم، على كل حال هذه الأمور لا بد من مراعاتها، والأمر كما عرفنا ((إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)) أن الأصل فيه الوجوب، وعلى هذا أهل الظاهر، والجمهور على أنه للاستحباب. الشق الثاني من الترجمة يقول المؤلف: باب: الحوالة والضمان الضمان تحمل الدين عن صاحبه مع بقاء ذمة الصاحب الأول مشغولة، يعني يأتي زيد ليستدين من عمرو فيطلب منه إما كفيل أو ضامن غارم، كفيل هذا الذي يحضر المدين متى ما أراد الدائن، يعني مجرد إحضار، مجرد كفالة شخص لا ضمان مال، والضمان التعهد بالوفاء إن لم يسدد المدين الأصلي. سم. وعن جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: توفي رجل منا فغسلنا وحنطناه وكفناه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ ، فقلنا: تصلي عليه، فخطا خطىً ثم قال: ((أعليه دين؟ )) فقلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران علي، فقال رسول الله ﷺ : ((حق الغريم، وبرئ منهما الميت؟ )) قال: نعم، فصلى عليه. رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم.

стр. 2322

وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: ((هل ترك لدينه من قضاء؟ )) فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: ((صلوا على صاحبكم)) فلما فتح الله عليه الفتوح قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه)) متفق عليه، وفي رواية للبخاري: ((فمن مات ولم يترك وفاء)). يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: فيما يخص الشق الثاني من الترجمة وهو الضمان، يقول: "وعن جابر ﵁ قال: توفي رجل منا" جابر أنصاري، يعني توفي رجل من الأنصار، أنصاري سلمي، ولعله من بني سلمة "توفي رجل منا فغسلنا وحنطناه وكفناه" يعني جهزناه للصلاة عليه "ثم أتينا به رسول الله ﷺ " من أجل أن يصلي عليه "ثم أتينا به رسول الله ﷺ فقلنا: تصلي عليه" يعني عرض بدلاً من الأمر: صل عليه، أو استفهام، يعني هل تصلي عليه؟ الأصل أن مثل هذا لا يستفهم عنه، فإذا قدم الميت صلى عليه الناس من غير استفهام، لكن هذا من باب الأدب في الخطاب، تعرض المسألة عرض من غير أمر أو استفهام، وإلا من يتأخر عن الصلاة على الجنازة، وفيها من الأجر ما ثبت؟! "تصلي عليه، فخطا خطى" من أجل أن يصلي عليه، وكأن هذا الاستفهام توطئة لما حصل من التشريع في هذا الحديث، وإلا يقدم الميت ويصلى عليه من غير سؤال عن دينه ولا عن شيء، هذا الأصل، إذا عرف أن عليه دين يتصرف معه، أما إذا جهل حاله فيصلى عليه من غير سؤال. طالب:. . . . . . . . . نعم؟ طالب:. . . . . . . . . هذا تشريع، لا، لا تسأل، الحكم هذا يأتي ما فيه "فقلنا: تصلي عليه" هاه؟ طالب:. . . . . . . . . أيوه؟ طالب:. . . . . . . . . سؤال؟ لجميع الناس وإلا الإمام فقط؟ طالب:. . . . . . . . . الإمام عاد بيجينا ما فيه.

стр. 2323

قال: "توفي رجل منا فغسلناه وحنطناه وكفناه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ وقلنا: تصلي عليه، فخطا خطى" يعني على العادة يصلي من غير سؤال "ثم قال: ((أعليه دين؟ )) قلنا: ديناران، فأنصرف" ما صلى عليه، هذا يدل على أن الإمام لا يصلي على المدين من عليه دين، وهذا مما يعظم شأن الدين في نظر المسلم، لا يجعله يتساهل في أمر الدين "قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة" الأنصاري، الحارث بن ربعي، تحملهما، قال: علي الديناران، ضمنهما لصاحبهما "فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران علي، فقال رسول الله ﷺ : ((حق الغريم)) " يعني حق عليك الحق كما يحق على الغريم فكنت غريماً ((حق الغريم، وبرئ منهما الميت؟ )) يستفهم؛ لأن بعض الناس إذا استثبت منه قال: حسب التيسير، إن تيسرت، لكنه قال: نعم، فأحسن على صاحبه، صلى عليه النبي ﵊. "رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم" وعلى كل حال الحديث صحيح، وأخرجه الإمام البخاري من حديث سلمة بن الأكوع، إلا أن في حديثه ثلاثة دنانير بدل دينارين، هذا الحديث فيه ديناران، وهو صحيح من حديث جابر، والآخر من حديث سلمة بن الأكوع وهو في البخاري وفيه: ثلاثة دنانير، فلعلها ديناران وشيء، فمن قال: ثلاثة جبر الكسر، ومن قال: ديناران حذف الكسر، أو كان الأصل الدين ثلاثة دنانير فوفى المدين ديناراً قبل موته فصارت ديناران، الحديث يدل على أنه لا بد من التثبت وأخذ الإجابة الصريحة؛ لأن بعض الناس قد يتصرف، وقد يتفوه بشيء لا يدرك حقيقته، ثم بعد ذلك يعتذر، ولذلك قال له النبي ﵊: ((حق الغريم، وبرئ منهما الميت؟ )) قال: نعم، يعني مو مجرد أن تقول: والله أنا با أتسبب إن تيسرت وإلا أنا برئ، لا، تحملتهما تحملاً تاماً، وانتقلت من ذمته إلى ذمتك، نعم نصلي عليه، فلا بد من التثبت في مثل هذه الإقرارات.

стр. 2324

"وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: ((هل ترك لدينه من قضاء؟ )) فإن حدث أنه ترك وفاءً صلى عليه" لأنه في حكم من لا دين عليه، إذا ترك وفاء يؤخذ من هذا الوفاء ويسدد عنه، وإذا صلي على من ضمن عليه أو تحول عنه الدين فلئن يصلى على من في تركته ما يسدد عنه من باب أولى. "صلى عليه وإلا قال: ((صلوا على صاحبكم)) " عرفنا أن الدين شأنه عظيم والناس يتساهلون فيه، كل هذا بسبب تيسير النسب، وتسهيل الدين، كثير من الناس لا يجد من يدينه في أول الأمر، بل قد لا يوجد من يدين الناس، يوجد واحد في البلد ويتنقل يشوف الأملياء الذين يدفعون أكثر ويترك الباقي، لكن الآن كل شيء متيسر، كل يجد بغيته، ولا شك أن هذا التيسير صار سبباً في أسر كثير من الناس، وقعوا في حبائل لا يستطيعون الخروج منها، وتساهلوا في أمر الدين حتى تراكمت على الناس.

стр. 2325

"وإلا قال: ((صلوا على صاحبكم)) فلما فتح الله عليه الفتوح قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم)) " فدل على أن عدم الصلاة عليه بعد الفتوح منسوخة، وعلى هذا يصلي الإمام على المدين وغير المدين، ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه)) يسدده من مال المسلمين، من مال المصالح العامة، من بيت المال " ((فعلي قضاؤه)) متفق عليه، وفي رواية للبخاري: ((فمن مات ولم يترك وفاء)) " فعلي قضاؤه، وهل هذا خاص بالنبي ﵊ أو على الولاة من بعده أيضاً؟ جاء ما يدل على أنه عليه وعلى الولاة من بعده، لكنه لا يسلم من ضعف، إذا كان في بيت المال سعة فلا شك أن تسديد الديون على المسلمين من مصارف بيت المال، على أن لا يكون سبباً التساهل بالديون؛ لأن بعض الناس إذا عرف أن الدين يسدد عنه تساهل في أمر الدين, يتدين وإن توسع الله المستعان بيسدد عنك، لكن من يضمن أن بيت المال يستمر فيه ما يسدد عنك؟ وبعض الناس وهذه من حبائل البنوك التي جعلت الناس يتتابعون في الديون تقول من الشروط المذكورة عندهم: أنه إذا توفي الغريم يعفى عنه، هذه يذكره بعض البنوك، وعلى هذا يتتابع الناس في الاستدانة من هذا البنك، ويقعون في حبائله، ويقعون في الضائقات، ثم بعد ذلك يلزمون بالسداد، وما يدريك أنك إذا مت يعفى عنك أو لا يعفى؟

стр. 2326

وعلى كل حال من أخذ أموال الناس تكثراً جاء الوعد الشديد عليه، فعلى الإنسان أن لا يستدين إلا إذا اضطر إلى ذلك حاجة لا مندوحة له عنها، ويأخذ بقدر الحاجة، ويسارع بالسداد، والديون لبيت المال حكمها حكم ديون الناس، وبعض الناس يتساهل في التسديد لبيت المال، يقول: لنا نصيب في بيت المال ما وصل إلينا، هذا نصيبنا، هذا ليس نصيبك، أنت اتفقت واشترطت وتعاقدت مع من يمثل بيت المال على السداد في مدة كذا، في يوم كذا، في شهر كذا، مبلغ كذا، والمسلمون على شروطهم، وهذا إحسان، فالإحسان ينبغي أن يجازى بالإحسان، ويقابل بالإحسان، يقابل بمثله، وقل مثل هذا في الفواتير بعض الناس يتحايل على إسقاطها، مسائل العقوبات بالمال مثلاً أسرعت سرعة زائدة فأعطيت قسيمة بمائة ريال، قطعت إشارة أعطيت قسيمة بمبلغ كذا، بعض الناس يتحايل على إسقاطها، ويدبر من يتصل له قبل أن تدخل الحاسب وتمسح عنه، لكن مثل هذه التصرفات لا تجوز، وقد وجد بعض القضايا التي حملت بعض الناس، يعني دخلت الحاسب ما استطاعوا يمسحونها حولت على شخص آخر، هذا ظلم وتعدي، أنت احرص على أن تلتزم بالأنظمة المبنية على المصالح المرعية على كل حال إذا حصل ما يحصل من بعض الظروف التي تستدعي بعض الخروج عن هذه الأنظمة لحاجة ماسة أو شي من هذا هذا له حكمه ويقدر بقدره، لكن على الإنسان أن يلتزم بما حد له؛ لأن هذه مصالح محضة ومدروسة والباعث عليها النظر في المصلحة العامة، نعم. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا كفالة في حد)) رواه البيهقي بإسناد ضعيف. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا كفالة في حد)) رواه البيهقي بإسناد ضعيف.

стр. 2327

تقدم مراراً الكلام على في هذه السلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأنه إذا صح السند إلى عمرو أن أقل الأحوال أن تكون من قبيل الحسن، لكن السند لم يصح إلى عمرو؛ لأنه تفرد به بقية بن الوليد عن شيخه أبو محمد عمر بن أبي عمر الكلاعي، وهو من شيوخ بقية المجاهيل، لا يعرف، رواياته منكرة، كما قال أهل العلم، فالسند لم يصح إلى عمرو، ولذا قال الحافظ: بإسناد ضعيف، وقال البيهقي: منكر، الخبر منكر، ضعفه شديد، وهو في هذا الحديث، لو صح ينفي الكفالة في الحد، أما الضمان في الحد فلا يمكن أن يرد، لماذا؟ لأن الحد لا يمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [(١٦٤) سورة الأنعام] يقول: يضمن الحد على زيد الذي وقع في السرقة أو في الشرب أو في الزنا أو ما أشبه ذلك، بحيث إذا لم يمكن وجوده والاستيفاء منه يستوفي من الضامن، يمكن هذا؟ لا يمكن، مثل هذا لا يقبل النيابة، الكفالة التي هي مجرد إحضاره بدلاً من أن يسجن هذا الشارب أو هذا الزاني أو هذا .. ، في وقت صدور الحكم، في وقت محاكمته، يقول شخص: أنا أحضره متى شئتم، إذا حكم عليه عند التنفيذ أنا أحضره متى شئتم، هنا يقول الحديث: ((لا كفالة في حد)) لكنه حديث ضعيف لا يثبت، فإذا وجد من يلتزم بهذا، والسجن موجود في عصر الصحابة، والنبي ﷺ ربط ثمامة بن أثال، وهو في حكم السجن، أصل من أصول السجن، والصحابة اتخذوا سجون للمخالفين، لكن لو افترضنا أن مثل هذا الشخص لو سجن ضاع أولاده، تفرقت من وراءه تضرر، ومصالحهم تضيع، مثل هذا لو كفل، وجاء شخص يستطيع إحضاره عند الحاجة إلى الحكم عليه، أو عند الحاجة إلى إقامة الحد عليه، لا سيما مع ضعف الحديث يتجه القول به، والإخراج من السجن بالكفالة أمر معروف، موجود، لكن لا بد أن يتيقن أن هذا الشخص يحضر متى احتيج إليه، أما إذا كفله ولم يحضره لا شك أن مثل هذا لا يمكن الاستيفاء منه، ليس مثل المال، لكن لو سجن مكانه، الآن يسجن هذا الكفيل إذا لم يحضره في الوقت المناسب، وقد يسجن والد هذا الشخص المطلوب بحد أو بغيره، وقد يسجن ولده من أجل الضغط عليه ليحضر، المقصود أن مثل هذه الأمور ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ

стр. 2328

وِزْرَ أُخْرَى﴾ [(١٦٤) سورة الأنعام] الولد لا يتحمل ذنب أبيه، والوالد لا يتحمل ذنب ابنه، فيقتصر في الجناية على الجاني، ولا يتعدى ذلك إلى غيره، نعم من التزم بإحضاره يلزم بذلك، ومع عداه فلا، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. طالب: بكره في درس يا شيخ؟ لا ما في، هذا آخر شيء. شوف بعض الأسئلة التي جاءتك. يقول: هل لو وجد أكثر من نسخة من الكتب في مكتبة مسجدنا، ولا أحد يقرأ في الكتب فهل يجوز أخذ نسخة زائدة وأنا طالب علم وبحاجة إلى نسخة فما الحكم؟ هذه النسخة وقفت على هذه الجهة، فلا يجوز أخذ النسخة منها. وكيف الحكم إذا كان بعض الكتب يكتب عليها وقف على طلبة العلم؟ كذلك طلبة العلم ما لم تحدد الجهة، فإذا حددت الجهة فلا يجوز إخراجها منها. ما الضابط في فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة؟ فهل أكتفي بفهمهم فقط -رضوان الله عليهم- أم يجوز لي فهم ما قد لم يكن ذُكر، مثلاً أفهم من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [(٤٧) سورة الأعراف] أفهم منه أهمية الدعاء، وأن العبادات انقطعت يوم القيامة فلا صلاة ولا حج ولا زكاة، ولكن يبقى الدعاء، مما يدل على أهميته، وقد يكون ذكر هذا بعض العلماء، ولكن لم أطلع عليه. النصوص نصوص الكتاب والسنة لا بد من أن تفهم على فهم سلف هذه الأمة، فالفهوم التي يستقل بها المتأخرون دون اعتماد على ما أثر عن سلف هذه الأمة يوقع في إشكالات كبيرة لا سيما مع بعد الشقة بين اهتمامات المتأخرين، وفهم سلف هذه الأمة، وما تلوثت به الأفكار والمفاهيم من الثقافات الدخلية أثر على فهوم الناس تجاه نصوص الكتاب والسنة.

стр. 2329

وعلى كل حال لا بد من التقيد بفهم سلف هذه الأمة، لكن الشخص الذي اطلع على فهوم السلف، وقرأ في تفاسير الأئمة، وفي شروحهم للأحاديث، ثم تولدت لديه ملكة يفهم بها السنة كفهمهم، أو يفهم بها القرآن نظير فهمهم، لا أرى ما يمنع من ذلك، ولذلك تجد في التفاسير المتأخرة من أصحاب العناية والاهتمام بمراجعة كتب أهل العلم كلام جديد ما تجده للمتقدمين، وهو مقبول في الجملة؛ لأن مثل هؤلاء عاشوا مع كتب السلف، وقل مثل هذا في جميع الفنون، يعني شخص هضم كتب المتقدمين، وصارت لديه ملكة وأهلية لأن يشرح هذا الحديث الذي لا يوجد له شرح، حديث في الطبراني ما سبق أن شُرح، وأنت على خبرة ودربة في معالجة شروح السنة تستطيع أن تشرح هذا الحديث، أما شخص لا علاقة له بكتب العلم، ثم يأتي يقول: يفهم، هذا لا يفهم، ولن يفهم. رجل أراد أن يصلي صلاة المغرب، ودخل مع جماعة يصلون العشاء في الركعة الثانية فصلى معهم ثلاث ركعات إلا أنه لم يأتِ بالتشهد الأول في الركعة الثانية له الثالثة لإمامه، فما حكمه؟ مثل هذا لا يتابعهم في الركعة الرابعة؛ لأنها زائدة في حقه، باطلة في حقه، فيجلس بعد الثالثة، ثم يسلم، ثم يأتي إذا سلم بركعة ثالثة. ما هي الطريقة المثلى لجرد المطولات؟ وهل تنصحون بقراءة الكتاب أكثر من مرة حيث أعاني من نسيان ما قرأت خصوصاً إذا كان مجلد أكثر من أربعمائة صفحة، ونسيان بعض المباحث فيه، وكذلك في شروح المتون العلمية؟ جرد المطولات أمر لا بد منه، وهذه طريقة معروفة ومأثورة عن أهل العلم، وتكون قراءة سريعة، ما يكون مثل قراءة المتون، وتكتب العنوانين تدون العناوين، أما في المذكرات، أو على طرة الكتاب، تدون العناوين ويذكر المسائل المهمة، والطرائف والغرائب تجرد، ويرجع إليها عند الحاجة. ما الفرق بين كتاب توضيح الأحكام وكتاب الصنعاني سبل السلام؟ الفرق واضح، كتاب توضيح الأحكام كتاب سهل ميسر مرتب كتب بلهجة العصر ولغتهم، يفهمه كل أحد، أما سبل السلام فقد كتب وصيغ بصياغة العلماء المتقدمين على طريقتهم في التأليف، ولا شك أن هذا مفيد، وذاك مفيد، ولا بد من الجمع بينهما.

стр. 2330

رجل دخل إلى المسجد والإمام في الركعة الثانية من صلاة الفجر في التشهد الأخير -يعني انتهت الركعة الثانية- ولم يكن جازماً بوجود جماعة أخرى فدخل معهم في الصلاة، وبعد انصرافه من الصلاة وجد أن هناك جماعة أخرى فهل يدخل معهم ليدرك الجماعة وكي لا يخرج من ذمة الله؟ هو صلى مع الإمام، وامتثل ما أمر به، فليصنع كما يصنع الإمام، وصنع كما صنع الإمام، ولا يتأخر حتى ينتظر جماعة أخرى، إلا إذا غلب على ظنه ذلك، لكن إن دخل معهم بنية النافلة لأنها فاتته راتبة الصبح فلا بأس، وإلا ففريضته الأولى. هل تغني دراسة أحاديث الأحكام: عمدة الأحكام، وبلوغ المرام عن دراسة كتب الفقه؟ لا تغني؛ لأن في كتب الفقه من الفروع ما لا يذكر في هذه الكتب، وما لا يوجد له دليل في هذه الكتب، وبأيها يبدأ؟ يبدأ بها جميعاً، يطالع الباب من كتاب الحديث فقه الأحكام، ثم يطالعه من كتب الفقهاء. يقول: أرجو إعادة أفضل طبعة لأحكام الأحكام؟ وما رأيكم بحاشية الصنعاني؟ أفضل طبعة هي طبعة الشيخ أحمد شاكر، والطبعة أيضاً التي طبعت بإشراف الشيخ علي الهندي مع حاشة الصنعاني جيدة. من كانت عليه مخالفة مرورية ومسحها من الحاسب عن طريق شخص يعرفه، فماذا عليه أن يفعل الآن بعد أن عرف أن ذلك لا يجوز؟ عليه أن يستغفر ولا يعود مرة ثانية. يقول: رجل كان في ورشة لإصلاح السيارة، وحان وقت انصراف العامل من الورشة، وبذلك سوف يتأخر إصلاح السيارة، فأعطاه صاحب السيارة ما يسمى بالبغشيش لكي ينجز عمله، علماً أنه خارج الأجر التي تعطى للكفيل، وليس على حساب شخص آخر، بل على حساب وقت العامل؟ يعني إذا كان في وقت لا يملكه المستأجر، يعني في وقت إجازته، ووقت راحته، وأعطي أجراً مقابل هذا الوقت مع أنه لا يؤثر على العمل الأصلي؛ لأنه قد يكون له أثر على العمل الأصلي فيؤخر الأعمال الأصلية إلى مثل هذا الوقت، فإن خشي من ذلك فلا، وإلا فلا بأس -إن شاء الله تعالى-. يقول: قلنا: إن الحديث الضعيف شديد الضعف لا ينجبر فيكف أنجبر هذا الحديث بحديث أبي هريرة الذي هو شاهد له؟ نعم على ضوء القواعد ما يمكن جبره، لكن حديث أبي هريرة بمفرده صحيح.

стр. 2331

يقول: شخص ذهب إلى جدة في مهمة عمل من الشرقية في يوم الأربعاء، وأراد أن يعتمر في نفس الوقت يجب عليه أن ينتهي عمله يوم الأربعاء، فهل يجوز أن يتجاوز الميقات دون أن ينوي؛ لأنه إذا نوى وجب أن يعتمر أولاً، وسينتهي دوامه الأربعاء إذا اعتمر ويضيع عمله؟ هذا بين أمرين: إما أن ينوي العمرة إذا حاذ الميقات أو وصل إلى الميقات، ويلبس لباس الإحرام، ويذهب إلى عمله، ويزاول عمله وهو محرم، لا مانع من ذلك، أو يقدم العمل إذا خشي فواته غير محرم، ثم يعود إلى الميقات فيحرم منه، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2332

شرح بلوغ المرام - كتاب البيوع (١٣) باب: الشركة والوكالة - باب: الإقرار الشيخ: عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في كتابه: (بلوغ المرام من أدلة الأحكام): باب: الشركة والوكالة عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان خرجتُ من بينهما)) رواه أبو داود وصححه الحاكم. وعن السائب المخزومي -رضي الله تعالى عنه- أنه كان شريك النبي ﷺ قبل البعثة، فجاء يوم الفتح فقال: ((مرحباً بأخي وشريكي)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: "اشتركت أنا وعمار وسعد في ما نصيب يوم بدر" الحديث رواه النسائي وغيره. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- الحافظ ابن حجر في كتابه: بلوغ المرام من أدلة الأحكام: باب: الشركة والوكالة

стр. 2333

الشركة: بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء على زنة سرقة، وقد تقال بإسكان الراء مع كسر الأول شِركة على وزن نعمة، وقد تقال بفتح أوله وثانيه، شَرَكة على وزن ثمرة، وهي في الأصل: الخلطة والاختلاط، اشتراك بين شيئين الخلط بينهما ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤] المراد بهم: الشركاء ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤] كثير من هؤلاء الذين تحصل بينهم الشركة والخلطة بسبب ما جبلت عليه النفوس من البغي والظلم والعدوان وحب الدنيا، وإيثار النفس يحصل البغي بينهم، وقوله: "كثير" يدل على أن هناك من يوفق للعدل والإنصاف من النفس؛ لأن الكثرة أو ذكر الكثير يدل على أن هناك ما يقابل الكثير وهو القليل، من ينصف من نفسه، ويبرأ من العهدة بيقين، وحقيق وخليق بالمسلم أن يكون كذلك، يكون منصفاً من نفسه، فيبرأ من عهدة ما أوجب الله عليه من حقوقه، وحقوق عباده بيقين، ليلقى الله -جل وعلا- وليست لديه مظلمة، والمظالم شأنها عظيم، البغي والعدوان على حقوق العباد، حقوق الله -جل وعلا- مبنية على المسامحة، لكن حقوق العباد مبنية على المشاحة، فعلى الإنسان أن يحرص على براءة ذمته، ولذا قال الله –جل-: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤] فاحرص أيها المسلم وأنت طالب علم تقضي وقتك بهذا المندوب، تقضي جل وقتك بصدد تحصيل هذا المندوب، فلئن تبرأ من عهدة ما أوجب الله عليك، وأن تتنصل عن ما حرم الله عليك من باب أولى، ويوجد من طلاب العلم، بل ممن ينتسب إلى العلم من هو صاحب تحري وتثبت، لكنه بالنسبة للنوافل مقل، ومنهم العكس تجده في باب الواجبات يلاحظ عليه ما يُلاحظ، وإن لم يكن شيئاً مخل خللاً بيناً، لكن تجد عنده شيء من التقصير، ويجبره بكثير من النوافل، فأيهما أولى وأحرى وأجدر؟ ((وما تقرب إلي عبدي بأحب مما افترضته عليه)) يبرأ من عهدة الفريضة والواجب بيقين، ثم بعد ذلك يلتفت إلى النوافل، والله المستعان.

стр. 2334

الشركة تكون أحياناً عن اختيار، وأحياناً تكون لا عن اختيار، فالشركة عن الاختيار التي تُبدأ من قبل الطرفين بعد أن لم تكن، اختياراً منهما، يشترك زيد وعمرو بأن يدفع كل واحد من ماله جزءً فيخلطانه ويزاولان به التجارة، على أن تكون الأرباح بينهما، وأحياناً تكون لا عن اختيار بأن يرث زيد وعمرو بكراً، من تركته ما قدر له شرعاً فهذا شريك له في التركة، لكن هل هو باختياره أو لا عن اختياره؟ ليس عن اختيار. باب: الشركة، الشركة لها أقسام عند أهل العلم وأنواع مما يتعلق بالأموال، ومنها ما يتعلق بالأبدان، والوكالة بفتح الواو وقد تكسر، مصدر وكّل يوكل توكيلاً ووكالة، والأصل فيها التفويض، تفويض الأمر، ومنها التوكل على الله -جل وعلا-، تفويض جميع الأمور إليه، كثيراً ما يقول الناس: الأصل أن يقال: توكلت على الله، ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [(٢٣) سورة المائدة] والتوكل من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله -جل وعلا-، التوكل الذي يتعبد به، لا يجوز صرفه، تفويض الأمور كلها لله -جل وعلا-، هذا نوع من أنواع العبادة، لكن التوكيل والاعتماد على المخلوق فيما يقدر عليه، فيما يقبل النيابة مثل هذا جاءت النصوص فيه، وعليه عمل المسلمين، وينوب بعضهم عن بعض حتى في بعض العبادات التي تقبل النيابة؛ لأن من العبادات ما يقبل النيابة، ومنها ما لا يقبل النيابة، وعرفوها في الاصطلاح: أنها إقامة شخص غيره مقام نفسه، إما مطلقاً وإما مقيداً، فهناك الوكالات العامة المطلقة، وهناك الوكالات الخاصة المقيدة، فإذا وكل على أمر من الأمور الخاصة وكله يبيع له هذه الأرض بعينها لا يتعدى ما وكل فيه، أما إذا وكله مطلقاً، تصرف عنه تصرفاً عاماً مطلقاً فمثل هذا إذا لم تدل القرائن على منعه من بعض الأمور، فالأصل العمل باللفظ، فيتزوج له، ويطلق عنه، لكن هناك أشياء لا تقبل النيابة، ما يقول: احلف عني، فضلاً عن كونه يصلي عنه، أو يصوم عنه في غير النذر، إذا مات وعليه صوم. يقول في الحديث الأول:

стр. 2335

"عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى: أنا ثالث الشريكين)) " هذا الحديث يسمونه إيش؟ قدسي؛ لأن النبي ﷺ أضافه إلى الله -جل وعلا-، وهذه حقيقة الحديث القدسي، وهي ما تكون إضافته إلى الله -جل وعلا-، وأما لفظه ومعناه فحكمه حكم الحديث النبوي، تجوز روايته بالمعنى، واللفظ لا يجزم بأنه اللفظ الإلهي، وإن كان المعنى من الله -جل وعلا-، هذا الحديث يقول الحافظ: "رواه أبو داود، وصححه الحاكم" لكنه ضعيف، معل بعلتين، أولاهما: الجهالة بحال راويه سعيد بن حيان، وأعله الدارقطني بالإرسال، فهو ضعيف لهاتين العلتين.

стр. 2336

ننظر في معناه، يقول الله تعالى فيما يروى عنه: ((أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه)) يعني هو معهما، الله -جل وعلا- مع الشريكين بالحفظ والرعاية والعناية، وتيسير الأمور؛ لأن هذه معية خاصة ((ما لم يخن أحدهما صاحبه)) فالخيانة شأنها عظيم تمحق البركة، وترفع هذه المعية الخاصة وتنافيها، والخيانة من صفة المنافقين، ومن علامات النفاق، إذا اؤتمن خان، والشريك لا شك أنه مؤتمن على أموال صاحبه، ويتمكن منها بحيث يستطيع أن يخون صاحبه، ولا يستطيع صاحبه إقامة البينة عليه، ولذا جاء التشديد في شأنه، ((أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان خرجت من بينهما)) يعني وكلهما إلى نفسيهما وإلى جهدهم، ومحقت البركة من بينهم، هذا معنى الحديث يعني لو ثبت، وأهل العلم يتكلمون على الأحاديث ويشرحونها ويبينون معانيها ولو لم تثبت، إذا كانت هذه المعاني صحيحة، أولاً: يبينون ضعفها ولا يبنى عليها حكم من الأحكام، لكن الخيانة -مدلول الحديث- دلت عليها الأدلة الكثيرة، يعني الحديث لم يتفرد بذم الخيانة لنقول: إننا نبني عليها حكم من الأحكام، فالخيانة من خصال المنافقين -نسأل الله السلامة والعافية-، وتحرم مطلقاً، وإذا كانت بين شريكين لا يستطيع أحدهما إقامة البينة على صاحبه فإن أمرها يكون أشد؛ لأنه ما تستطاع إقامة البينة عليه أمره أسهل يقيم عليه البينة، ويؤخذ نصيبه، ويردع الخائن، لكن الذي لا يستطاع إقامة البينة عليه، ولذا صارت الخيانات بين من تكثر معاملته له من قريب من زوج أو زوجة أو والد أو ولد أو ما أشبه ذلك، أمرها شديد، والرجل مؤتمن على زوجته، ومؤتمن على ولده، وقد استرعاه الله -جل وعلا- على هذه الرعية، فإذا خانها استحق الوعيد الشديد الذي ورد في ذلك، المدرس مؤتمن فإذا خان هذه الأمانة استحق الوعيد وهكذا، فالخيانة ولو لم يرد هذا الحديث جاءت النصوص المتكاثرة المتظافرة بتحريمها، وجاء أيضاً النهي عنها ولو بدأ الطرف الآخر بالخيانة، فجاء في الحديث: ((ولا تخن من خانك)).

стр. 2337

ثم بعد هذا في الحديث الذي يليه حديث السائب بن أبي السائب المخزومي ﵁ أنه كان شريك النبي ﷺ قبل البعثة في الجاهلية، فجاء يوم الفتح كي يسلم النبي ﵊ مع مسلمة الفتح، فقال له النبي ﵊: ((مرحباً بأخي وشريكي)) فالترحيب بالضيف أمر مطلوب، وهو من إكرامه، ولا سيما إذا كانت بينك وبينه صلة ودالة، فالنبي ﵊ رحب بجمع من صحابته، فقال: ((مرحباً بأم هانئ)) و ((مرحباً بابنتي)) لكن هل هذا اللفظ مما اكتفى به من رد السلام أو لا؟ في حديث أم هانئ جاءت والنبي ﵊ يغتسل فقالت: السلام عليك يا رسول الله، يوم الفتح فقال: ((مرحباً بأم هانئ)) ولم ينقل عنه أنه قال: وعليك السلام، حتى أن بعضهم قال: إن الترحيب يكفي عن رد السلام، وهو رد للتحية؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ رد السلام على أم هانئ، وقال: ((مرحباً بابنتي)) يعني فاطمة، وما نقل عنه أنه رد السلام، ومنهم من يقول: إنه لا بد من رد السلام بلفظه، والزيادة عليه مطلوبة ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [(٨٦) سورة النساء] فأقل الأحوال أن ترد، وكون رد السلام لم ينقل لا يعني أنه لم يحصل؛ لأن هذا مما علم، فلا يحتاج إلى نقله، ونقل في نصوص أخرى يكتفى بها، يعني لا يلزم أن ينقل ما يتضمن الحكم الشرعي في كل مناسبة، إذا عرف الحكم وأن رد السلام لا بد منه يرد السلام، ويكتفى بما ثبت فيه، ولا يلزم أن يثبت في كل قضية.

стр. 2338

((مرحباً بأخي وشريكي)) السائب بن أبي السائب المخزومي هذا من المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه بعد ذلك، وعمّر طويلاً، كان شريكاً للنبي ﵊ قبل البعثة، وعاش بعد النبي ﵊ دهراً إلى زمن معاوية ﵁، جاز المائة قطعاً، النبي ﵊ شاركه قبل البعثة، وعاش النبي ﵊ بعد البعثة ثلاث وعشرون سنة، وعاش هو بعد وفاته ﵊ دهراً طويلاً، وهم ممن ذكر ممن عاش فوق المائة، ممن عمّر، جاء في مدحه: ((مرحباً بأخي وشريكي، كان لا يماري ولا يداري)) المماراة هي المجادلة والمخاصمة، فتكون أموره مبنية على المسامحة، الذي لا يماري ولا يخاصم ولا يجادل هذا من كانت أموره مبنية على المسامحة, ولا يداري هل هو من المداراة أو من المدارأة؟ هل هذا اللفظ من المداراة أو من المدارأة؟ لأنه إذا كان من المداراة يكون من المراعاة، مراعاة الأحوال وهذه مطلوبة، وإذا كان من المدارأة وهي المدافعة، إذا أراد شريكه شيئاً دفعه عنه فالمدارأة مذمومة، وأما المداراة وهي استعمال الأساليب المناسبة في الأوقات المناسبة من أجل تمشية الأمور فهذه لا بأس بها، النبي ﵊ قال: ((بئس أخو العشيرة)) ولما دخل عنده، استأذن عليه ودخل انبسط معه، هذه يقال لها: مداراة، وهي مطلوبة في بعض الأحوال، بخلاف المداهنة، المداهنة التنازل عن شيء مما أوجب الله -جل وعلا- بحيث لا يفعل، أو ارتكاب محظور من أجل فلان أو علان، هذه مداهنة، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [(٩) سورة القلم] ودوا لو تتنازل عن شيء من دينك، فالمداهنة لا تجوز بحال، والحديث فيه دليل على أن الشركة كانت موجودة قبل الإسلام، وأن الإسلام أبقاها؛ لأن هناك أعمال يعملها العرب في جاهليتهم، منها الحسن، وأبقاه الإسلام وأقره، ومنها السيئ والقبيح الذي نهى عنه وحذر منه، وعلى كل حال الحديث صحيح لغيره، يعني يحتج به، وجزم بعضهم بأنه حسن، وعلى كل حال هو في دائرة القبول والاحتجاج. الحديث الذي يليه حديث عبد الله بن مسعود:

стр. 2339

حديث "عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر" الحديث رواه النسائي وغيره، النسائي وأبو داود وابن ماجه، لكنه ضعيف، لماذا؟ لأنه من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وصرح أنه لم يسمع من أبيه شيئاً، فهو منقطع، مضعف بالانقطاع بين ابن مسعود وبين ولده أبي عبيدة، هذه علته، والحديث دليل على ما يسمى بشركة الأبدان، يتفق اثنان على أن يعملا بأبدانهما ثم بعد ذلك يجتمعان في اليوم في نهايته، أو في آخر الشهر، أو في آخر السنة، ثم يقتسمان ما تحصل لهما، شركة أبدان، والحديث دليل عليها لو صح، لكنه ضعيف.

стр. 2340

يقول: زيد لعمرو نخرج في الوقت المحدد في السابعة صباحاً إلى السوق، أنت تشتغل كهربائي، وأنا سباك مثلاً، فما اجتمع لي يضاف إلى ما اجتمع لديك، ثم يقسم على اثنين، نصير شركاء، هذا النوع من الشركة صححه الحنفية، وحكم جمع من أهل العلم ببطلانه، أما الاعتماد على الحديث فلا يصح، ابن حزم إضافة إلى ضعف إسناده أبطل متنه، كيف يبطل متنه؟ المتن يقول: "اشتركت أنا وعمار وسعد في ما نصيب يوم بدر" يعني من الغنيمة، هل متن هذا الخبر مستقيم؟ فجاء سعد بغلامين، ولم أجيء أنا وعمار بشيء، ما جاءوا بشيء، وهذا جاء بأسيرين، هل متنه مما يثبت؟ وهل لكل واحد من الغزاة أن يتملك ما غنم؟ أو أن هذا غلول إذا أخذ من الغنيمة قبل أن تقسم شيئاً؟ مما حرمه الله -جل وعلا- لأنه غلول، والأصل أن مثل هذه الغنيمة قسمتها بيد ولي الأمر، يجمعها ثم يقسمها القسمة الشرعية ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [(٤١) سورة الأنفال] .. الخ، فأبطل متنه، إضافة إلى ضعف إسناده بالانقطاع، هل نقول: إن هذا اشتراط بينهم والمسلمون شروطهم، واتفاق والأمر لا يعدوهم، وتنازل من أحدهما للأخر؟ هل نستطيع أن نقول مثل هذا؟ هذا سباك وهذا كهربائي في نهاية الوقت جاء السباك بألف، وجاء الكهربائي بمائة، أضيفت المائة إلى الألف صارت ألف ومائة، وقسمت على اثنين، صار لكل واحد خمسمائة وخمسين، فكأن هذا تنازل عن أربعمائة وخمسين لصاحبه، يمكن أن يكون مثل هذا العقد جاري على القواعد؟ يشهد له شيء من أصول الشرع؟ يعني هذا مجرد تنازل، أو نقول: هذا مجرد غرر؟ لأن كل واحد يرجو أن يكون مكسب صاحبه أكثر، وأن هذا شرط لكنه ليس في كتاب الله، وليس في كتاب الله ما يشهد له، لو لم يحصل اتفاق في أول الأمر، خرج السباك وخرج الكهربائي ثم في المساء قال لصاحبه: كم حصلت؟ قال: حصلت ألف، وقال الثاني: أنا حصلت مائة، قال: وش رأيك نقتسم يمنع أو ما يمنع؟ ما يمنع هذا؛ لأن ما فيه غرر، هذا تنازل، هذه هبة من شخص لأخيه يمدح بها، لكن ما في غرر، لكن في أول الأمر كل واحد يرجو أن يكون صاحبه كسب أكثر، وأيضاً مثل هذا الاشتراك وهذا الاتفاق قد يدعو إلى الكسل

стр. 2341

والخمول، يقول: ما دام صاحبي يأخذ نصف كسبي لماذا أتعب؟ وعلى كل حال المعول على هذا الحديث وهو ضعيف جداً، والأصل في الشركات الخلطة، وليس في مثل هذا الصنيع ما يمكن خلطه؛ لأنها شركة أبدان، نعم. وعن جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما- قال: "أردت الخروج إلى خيبر فأتيت النبي ﷺ فقال: ((إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه خمسة عشر وسقاً)) رواه أبو داود وصححه. وعن عروة البارقي -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ بعث معه بدينار يشتري له أضحية، الحديث، رواه البخاري في أثناء حديث، وقد تقدم. وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، الحديث، متفق عليه. وعن جابر -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ نحر ثلاثاً وستين، وأمر علياً -رضي الله تعالى عنه- أن ينحر الباقي، الحديث رواه مسلم. وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- في قصة العسيف، قال النبي ﷺ : ((وأغدو يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)) الحديث، متفق عليه. في الأحاديث الثلاثة السابقة شواهد لشق الترجمة الأول: الشركة، وبقية أحاديث الباب للشق الثاني: التي هي الوكالة، يقول في الحديث الرابع: "وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت النبي ﷺ فقال: ((إذا أتيت وكيلي في خيبر فخذ منه خمسة عشر وسقاً)) رواه أبو داود وصححه" وحسنه ابن حجر في التلخيص، وفيه عنعنة محمد بن إسحاق، وهو مدلس لا يقبل إلا ما صرح به، وقد عنعن، ولذا ضعفه جمع من أهل العلم.

стр. 2342

يقول جابر -رضي الله تعالى عنه-: "أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت النبي ﷺ فقال: ((إذا أتيت وكيلي في خيبر فخذ منه خمسة عشر وسقاً)) " وفيه: ((إذا ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته)) علامة، يعني مثل: الشفرة، أو الكلمة التي يتفق عليها، كلمة سر ونحوها، هذا عمل متفق عليه بينهما، وعلى كل حال مثل ما ذكرنا الحديث مضعف بعنعنة ابن إسحاق، محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، اختلف أهل العلم فيه اختلافاً كبيراً حتى قيل: أوثق الناس، وقيل: ركن للكذب، قيل: دجال من الدجالين، لكن التوسط في أمره هو المطلوب، وأنه إذا صح السند إليه، وصرح بالتحديث حديثه حسن، هذا هو المرجح عند أهل العلم، وهو إمام في المغازي، هذا الحديث يرويه جابر بن عبد الله، والقصة حصلت له، قال: "أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت النبي ﷺ فقال: ((إذا أتيت وكليلي في خيبر فخذ منه)) " هذا المقدار، الوكيل يحتاج إلى تعميد، ما هو هذا الوصل يحتاج إلى تعميد، أو إقامة بينة، يعني مثل هذا ما تصدق فيه الدعوة، ما تصدق فيه مجرد الدعوة، يعني لو أن إنساناً ذهب إلى المالية وقال: إن ولي الأمر أمر لي بكذا، يعطى بمجرد دعواه؟ لا يعطى بمجرد دعواه، بل لا بد من البينة، لا بد من كتابة لا يتطرق إليها الاحتمال، أو لا بد من الشهادة التي تدل على أنه صادق، أمارة وعلامة قد يضعها المسئول، وهذا كثير بين المسئولين هذه العلامات، وهذه الشفرات، وهذه التصرفات التي يتفق عليها بينهم ما زالت مستعلمة إلى الآن، فتجد شخصين كل واحد معه خطاب لجهة من الجهات، أو معهما خطاب، كل واحد معه خطاب إلى جهة واحدة، هذا طلب وظيفة فشرح له ولي الأمر لا مانع بأسلوب متفق عليه، وشرح للثاني كذلك، الثاني المسئول الذي ترد عليه المسئول الأصغر الذي وجه إليه يعرف الأسلوب الذي يلزمه بتوظيفه، والأسلوب الذي فيه شيء من السعة، وبعضهم يستعمل الألوان، ألوان الحبر إذا أراد الأمر الجازم النافذ وضع لون من ألوان الحبر أو وقع توقيع معين، وإذا أراد أن يكله إلى اجتهاد من أحيل إليه وضع اللون الثاني أو التوقيع الثاني، هذه علامات متفق عليها، لكن إذا اخترقت مثلاً، وعرف من خلال عمل هذا المطرد

стр. 2343

أن هذه العبارة تمشي وهذه العبارة ما تمشي، وتصرف في العبارة، ودخلها التزوير أو دخلها شيء من هذا اختل الأمر، التواقيع لا بد أن تكون منضبطة من أجل أن لا تزور، ولذا ينبغي أن يحتاط ويعتنى بها، والأختام كذلك ينبغي أن تحفظ ولا يتلاعب بها. هذه القرينة التي -إن صح الخبر- بين النبي ﵊ وبين وكيله ((ضع يدك على ترقوته)) هذه قرينة أو شفرة يمكن كشفها، راح الأول وقال له: ((ضع يدك على ترقوته)) ثم أخبر غيره ((ضع يدك على ترقوته)) انكشفت، انتهت، بخلاف الأمور والدقائق الخفية التي لا تظهر لأحد، بإمكانه أن يأتي بعلامة لا يمكن اختراقها، هذه سهلة يعني كل يطلع عليها، ومكشوفة، وإذا أخبر بها الثاني واستعملها انتهى مفعولها، اللهم إلا إذا كانت لم تستعمل إلا هذا الرجل فقط، هذا يقول: ((ضع يدك على ترقوته)) وهذا اذهب بكذا ليراه، على كل حال مثل هذا التصرف مستعمل قديماً وحديثاً، لكن لا يلزم منه أن يكون الخبر صحيحاً، العبرة بإسناده.

стр. 2344

((فإذا أتيت وكيلي في خيبر)) وهذا هو الشاهد من الحديث للترجمة، ففيه إثبات الوكالة، ودليل على شرعيتها، وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع، قام الإجماع على صحتها، ولكن هل تكفي القرينة لتصديق المدعي أو لا تكفي؟ وهل القرائن مما يحكم به أو لا؟ هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، فمنهم من لا يرى إلا البينة بالشهادة أو اليمين عند عدمها، ومنهم من يقول: إن القرائن قد تقوى فتقوم مقام البينة؛ لأن البينة هي ما أبان الحق، والقرينة أحياناً قد تكون أقوى من مجرد الشهادة، بعض القرائن أقوى، ابن القيم ﵀ ذكر في الطرق الحكمية الحكم بالقرائن، وذكر قصص، القرائن في بعضها أقوى من مجرد الشهادة، ذكر أن جزاراً وكل إليه ذبح شاة، فذبحها في خربة، فلما ذبحها خرج من الخربة والمدية تقطر دماً، السكين متلطخة بالدم، وثيابه كذلك، وفي طريقه إلى الخروج من هذه الخربة في داخل الخربة وجد رجل يتشحط بدمائه، فمسك هذا الجزار، فقيل له: أنت القاتل، هل يستطيع أن يقول: لا أنا لست القاتل؟ السكين في يده مشهورة تقطر دم، والرجل يتشحط بدمه، أخذ به، فلما لم يبقَ سوى القصاص خرج رجل من الحضور وقال: أنا الذي قتلته، فخلي سبيله. شخص يجري وبيده عمامة وعلى رأسه عمامة، وخلفه رجل يجري وراءه حاسر الرأس، ويقول: إنه أخذ عمامتي، يصدق أو ما يصدق؟ لأنه ما جرت عادة الناس بأن يمشي الرجل حاسر الرأس، يعني أنت لو تشوف اثنين من زملائك في المسجد يوم الجمعة وهم زملاءك تعرفهم، ما رأيتهم أبداً، ولا رأيت واحداً منهم يمشي حاسر الرأس، أحدهما على رأسه شماغ وطاقية، وبيده شماغ وطاقية، والثاني أصلع ما عليه شيء، ماذا تقول؟ ما تقول: الشماغ والطاقية، هذه قرينة، لكن لو كان في بلد مختلط فيه الحاسر، وفيه الذي عليه الطربوش، والذي عليه الشماغ، والذي عليه العمامة، مثل هذا يمكن يصير يمشي أصلع، ما في إشكال، فالقرائن منها ما يقوى على إثبات الحق، ومنها ما لا يقوى.

стр. 2345

ابن القيم أطال في تقرير الحكم بالقرائن، وهنا فيه الحكم بهذه القرينة، ومنهم من يقول: يحكم بهذه القرائن إذا غلب على الظن الصدق، فيدفع له ما أدعاه وإلا فلا، مثل هذه القرائن أحياناً توقع في حرج عظيم، الاسترسال في القرائن، أو استعمال القرائن مع عدم غلبة الظن -ظن الصدق- شخص مع مجموعة خرجوا في رحلة خارج البلد، ثم قال لزميله: لو تكرمت أبي مفتاح السيارة با اصل مشوار، أخذ السيارة وذهب إلى بيته، فطرق الباب على أهله وقال: افتحوا الباب معي سيارة، يقول: لبقها في البيت، ما عندهم شك هذه سيارتهم، والقرينة دلت على صدقه، فتحوا البيت فصار فرصة أن ولج البيت وسكر الباب، وحصل منه ما حصل من سرقة وغيرها، فهم استدلوا بهذه القرينة على صدقه، فمثل هذه الأمور يحتاط فيها أشد الاحتياط، بعضهم يأخذ سبحة زميله، أو قلم زميله أو شيء مما يتعلق به ويعرف به، ويذهب إلى فلان ويقول: هذه سبحة فلان أو كذا، يقول: لو تكرمت أعطينا كذا، فمثل هذه القرائن لا شك أنه إذا غلب على الظن الصدق، ولم يكن الأثر المترتب على العمل بالقرينة فيما لو كذبت؛ يعني صارت في أمور يسيرة، الأمر يسير، لكن في الأمور الكبيرة وما يتعلق بالأموال العظيمة، أو يتعلق بالأعراض مثل هذه لا يصدق فيها، والله هذه سيارته أنت أجنبي ما تدخل البيت، ولو كانت سيارته، إيش يصير؟ لبقها عند الباب، والمفتاح من السور، ارمي علينا المفتاح من السور، فالتساهل في مثل هذه الأمور، واستغفال الناس، وغفلة بعض الناس قد يوقع في الحرج. الحديث الذي يليه من أحاديث الوكالة يقول -رحمه الله تعالى-:

стр. 2346

"وعن عروة البارقي ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث معه بدينار يشتري له أضحية، الحديث رواه البخاري في أثناء حديث وقد تقدم" تقدم نصه فيما تقدم، يقول: عن عروة البارقي ﵁ أن رسول الله ﷺ أعطاه ديناراً يشتري به أضحية أو شاة فاشترى شاتين، (أو) هذه للشك، هل هي أضحية أو شاة؟ والأضحية شاة، وقد تكون كبش، المقصود يقول: فاشترى شاتين بدلاً من الشاة، اشترى بالدينار الواحد بدلاً من شاة واحدة اشترى شاتين، فباع إحداهما بدينار، بالمبلغ كامل، فأتاه بشاة ودينار، فدعا له النبي ﷺ بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى تراباً لربح فيه، يقول: رواه الخمسة إلا النسائي، وقد أخرجه البخاري ضمن حديث ولم يسق لفظه، والواقع أن البخاري -رحمه الله تعالى- ساق لفظه بهذا اللفظ، أعطاه النبي ﵊ دينار واحد يشتري به شاة، فاشترى بالدينار شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاءه بشاة ودينار، الربح ظاهر، يعني من تُصرف له مثل هذا التصرف هل يتصور أن يغضب على هذا التصرف أو لا يرضى مثل هذا التصرف؟ هو كسبان على كل حال، أقل الأحوال ديناره رجع، ولو لم تكن الشاة التي يريدها، الأوصاف التي في نفسه، فمثل هذا التصرف هو فضولي بلا شك، تصرف تصرف على خلاف ما أمر به، لكنه يحقق ما أمر به وزيادة، الأصل أن يشتري شاة واحدة ما يشتري شاتين، فباع واحدة بدينار، ورجع بالدينار وشاة هذا التصرف وإن كان فضولياً إلا أنه الذي يغلب على ظن المتصرف الإجازة، لكن لو اشترى بالدينار شاتين، وجاء بهما إلى موكلة، وقال: أنا لا أريد هاتين الشاتين، أنا أريد شاة واحدة بدينار أطيب من الشاتين، لكن لما جاء بالدينار ومكسب شاة، ليس للموكل أن يقول: والله أنت تصرفت تصرف لا أرتضيه، أقل الأحوال أن يقول له: أرجع واشتر بهذا الدينار الشاة التي أريد، فهو كسبان على كل حال، أما لو اقتصر على شراء الشاتين قد لا يرتضى هذا التصرف من قبل الموكل، فمثل هذا يوقف على إجازة الموكل، أما في مثل هذه الصورة هل يوقف على إجازة الموكل؟ لا يوقف على إجازة الموكل لماذا؟ لأنه جاء بما وكل عليه وزيادة، أقل الأحوال أن الدينار

стр. 2347

رجع إليه ما خسر شيء، وهو كسبان من كل وجه، بخلاف ما لو جاء بشاتين أو ثلاث شياة بدينار بدلاً من واحدة، لو قال لك: خذ ريال وهات لنا خبزة واحدة، فأخذ الريال وأتى بثلاث خبز، الخبزة الواحدة المعروفة ذات الريال تعادل ست خبز من اللي هو جاب، يعني مثل هذا ما يطرد؛ لأنه إذا قال له: جيب خبز تميز بريال، فراح جاب له ثلاث خبز صامولة، يرضى وإلا ما يرضى؟ يقول: الرسول ﷺ أرسل ﵊ من يشتري له شاة فأتى بشاتين، وأنا جبت لك ثلاث، نقول: لا هذا يوقف إجازته؛ لأن الواحدة أكثر من الثلاث، بينما لو اشترى شاتين والموكل يحتاج إلى شاة ذات أوصاف معينة، فله أن يرد الشاتين، وأما الصورة التي في حديثنا فليس للموكل أن يرد؛ لأنه جاءه ماله وزيادة، فاشترى له شاتين فباع إحداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة، هل يمكن أن يستدل بهذا الحديث على عدم تحديد الربح، ولو كان الضعف، تقول: أنا حر تشتر السلعة بمائة وتبيع بمائتين، المأخذ من الحديث واضح وإلا ما هو واضح؟ تقول: هذا أعطي دينار واشترى شاتين باع واحدة بدينار وجاب الشاة الثانية، دليل على أنه كسب الضعف، لماذا لا أكسب الضعف؟ هل له ذلك أو ليس له ذلك؟ الغبن عند من يقول بخيار الغبن يحده بالثلث، وهذا النصف، الضعف، فهل يمكن أن يستدل بهذا الحديث على جواز ربح الضعف؟ النبي ﵊ أنكر عليه وإلا أقره؟ أقره، ما أنكر عليه، فإما أن يكون صاحب الشاتين مغبون، باعهما بنصف القيمة، أو يكون الذي اشترى الشاة بدينار مغبون، اشتراها بضعف القيمة بدينار، ها يا الإخوان؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 2348

في الثلثين، وبقيت التي في الثلث، فيكون كأنه كسب ثلث دينار، أو ثلاثة أرباع وربع إيش المانع؟ اشترى شاتين إحداهما رديئة والثانية طيبة، باع الطيبة بالدينار ورجع بالرديئة فلا يلزم أن يكون المكسب الضعف، وعلى كل حال على المسلم أن يكون سمحاً، فمثل هذا الحديث المحتمل لا يقضي على أحاديث واضحة وبينة ومحكمة ومفسرة جاءت تأمر بالرفق بالناس والمسامحة والتيسير عليهم، فمثل هذا لا يفتح باب على أهل الجشع أن يقولوا: والله إيش المانع؟ هذا مالي وأنا حر أبيع كيفما شئت، يعني نظير ما هو موجود في أسواق المسلمين من بيع بعض السلع بأضعاف مضعفة مما تستحقه، أحياناً يأتي بعض الفرص مثلاً، فيصير بالسلعة من حيث الشراء نزول أصل مشتراها فيها نزول، نزول ما فيه ضرر، ولا فيه غبن، ثم بيعها يصير فيه زيادة ليس فيها غبن ولا ضرر، فيحصل من الفارق بين هذا وهذا يحصل ربح كبير، يعني مثل لو اشترى سلعة بمائة ريال، وكسدت عنده هذه السلعة ثم ارتفع سعرها، فهو من الأصل اشتراها بقيمة نازلة، ثم احتاجها الناس وارتفع سعرها وصارت تباع بقيمة عالية، مثل هذا ما يقال: إنه استغل أو احتكر أو سوى، يعني مثل البيوت من أول قبل ثلاثين وأربعين سنة بقيم زهيدة، ثم ارتفعت أقيامها وهي بيد أربابها، مائة ضعف ارتفعت، فمثل هذا ما يقال: إنه استغلال، فلا شك أن الظروف والأحوال لها ما يحتف بها، وعلى كل حال المطلوب من المسلم أن ييسر على إخوانه المسلمين.

стр. 2349

"فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى تراباً لربح فيه" وهذا ملاحظ، بعض الناس ما يدخل في شيء إلا ويربح فيه، ما يدخل في تجارة إلا والربح حليفه، بعض التجار أقام مشروع سكني احتاج إلى حفر الأرض فاجتمع لديه تراب كثير، تأذى منه أهل الحي من نتيجة حفر الأرض، فذهب إلى شركة لنقله، لنقل هذا التراب ليرمى خارج البلد، فطلبت منه الشركة مبلغ كبير جداً، فقال: لا نبحث عن شركة تكون أرخص، وفي أثناء بحثه جاءته شركة تشتري منه التراب بمبالغ طائلة، بدلاً من أن يدفع للشركة التي تريد حمل هذا التراب، جاءت شركة تشتري منه هذا التراب، فبعض الناس لا شك أنه تحل فيه أو في تصرفاته البركة بحيث يكون كما وصف عروة البارقي، أنه لو اشترى تراباً لربح فيه، هذه البركة، دعونا من هذا الصحابي والدعوة النبوية، أنس دعا له النبي ﷺ بالبركة في ماله وولده، ورأى ذلك، لكن مثل هذا التاجر الذي لا يدخل في تجارة إلا ويربح، هل هذه علامة خير أو علامة شر؟ أو لا هذا ولا هذا؟ بل ينظر في تصرفه في هذه الأموال التي يكسبها سواء كانت أرباح أو خسائر؟ قد يربح أرباح طائلة من باب الاستدراج، يستدرج ويختبر ويمتحن في هذا المال، كيف يتصرف؟ لأنه ليس على كل حال كثرة الأموال دلالة على أن الله يحب هذا الشخص الذي أعطاه هذه الأموال ويسر له أمر حصولها، فالعبرة في تصرفه في هذه الأموال، إن كانت تصرفها على ضوء ما يرضي الله -جل وعلا- فهي لا شك أنها خير له في دينه ودنياه، أما إذا كانت العكس فهي وبال عليه. بعد هذا يقول:

стр. 2350

"وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة" فالإمام يبعث السعاة والجباة لجباية الزكاة، فيأخذها ممن وجبت عليه "فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس" منعوا ورفضوا أن يدفعوا الصدقة إلى عمر -رضي الله تعالى عنه- "فلما بلغ ذلك النبي ﵊ قال: ((ما ينقم ابن جميل إلا إن كان فقيراً فأغناه الله)) " يعني ليس له عذر إلا هذا، وهذا تأكيد للذم بما يشبه المدح، ليس له عذر إلا أن كان فقيراً فأغناه لله! هذا شكر النعمة؟! لما أغناه الله -جل وعلا- يمنع ما أوجب الله عليه! هذا ذم له، ((وأما خالد فقد احتبس أدراعه في سبيل الله)) منهم من يقول: إنه جعل هذه الأدراع بمثابة الزكاة، أخرجها عن الزكاة في سبيل الله وفي سبيل الله مصرف من مصارف الزكاة، وأخرج الزكاة عرض، ليست مال، والذي يظهر أن مثل خالد الذي حبس أدراعه في سبيل الله وأدراعه تعادل أكثر مما أوجب الله عليه لا يظن به أن يبخل بما أوجب الله عليه، يعني لو أن شخصاً عنده عمارة يؤجرها أو عرضها للبيع، فزكاتها كم تسوى؟ قالوا: قيمتها مليون، كم زكاتها؟ خمسة وعشرين ألفاً، وقبل أن تجب عليه الزكاة قال: هذه العمارة وقف لجمعية تحفيظ القرآن، هل نقول: مثل هذا يمنع الزكاة؟ هذا هروب من الزكاة؟ مثل هذا الذي تصدق بهذه الصدقة الكبيرة أكثر مما أوجب الله عليه لا يظن به أنه يمنع ما أوجب الله عليه، والأسلوب والسياق يدل على هذا. ((وأما العباس فهي عليّ ومثلها معها)) فتحملها النبي ﵊ عنه، ومثلها معها، ومنهم من يقول: إن العباس قد قدم زكاة سنتين، دفعها مقدمة للنبي ﵊، فقوله: ((هي علي)) يعني عندي، عندي زكاة هذه السنة من زكاة العباس والتي تليها، فقد قدم زكاة سنتين، والشاهد من الحديث للوكالة أن الزكاة تقبل التوكيل، وتقبل النيابة، ولذا تحملها النبي ﵊ عن عمه، وفيه أيضاً توكيل النبي ﵊ لعمر بن الخطاب في قبض الزكاة، النبي ﵊ وكّل عمر في قبض الزكاة من أصحابها.
следующие страницы →