Полный текст (2 954 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
يقول -رحمه الله تعالى-: "وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا)) أخرجه أبو داود بسند لين" يعني فيه ضعف؛ لأن في إسناده عبيد الله بن عبد الله العتكي مضعف عند أهل العلم، وإن صححه الحاكم "وله شاهد ضعيف" أيضاً "عن أبي هريرة ﵁ عند أحمد" فالأصل لين والشاهد ضعيف، والحاكم وصححه على عادته في تساهله في ترقية مثل هذا الحديث بالشاهد المذكور، ويصححه مثل ابن حبان، وقبله الترمذي بالشاهد، فالسند اللين يعني ضعفه غير شديد، يمكن أن ينجبر، فإذا وجد له شاهد يقويه ولو كان ضعيفاً إن لم يكن الضعف شديداً فإنه حينئذٍ ينجبر، ولو قيل: بأن الحديث حسن لغيره لما بعد.
((الوتر حقٌ فمن لم يوتر فليس منا)) هذا من حيث الإسناد لو قيل: إنه حسنٌ لغيره ما بعد؛ لأن ضعف الأصل ليس بشديد، ووجد الجابر على القاعدة يمكن أن يرتقي، لكن متنه فيه ما فيه.
((الوتر حق)) مقبول، يعني ليس بباطل ((فمن لم يوتر فليس منا)) النكارة هنا ((من لم يوتر فليس منا)) والأدلة تدل على أن الوتر ليس بواجب، فلا يمكن أن يأتي ((من لم يوتر فليس منا)) مع أن الوتر ليس بواجب إلا إذا تجوزنا في العبارة قلنا: إن ((ليس منا)) ليس على طريقتنا وهدينا وسنتنا في هذه المسألة، في الوتر، يعني ترك سنتنا، وترك هدينا، وترك طريقتنا في الوتر، وهذا محمولٌ على الرجل الذي يترك الوتر بالكلية، ولذا يقول الإمام أحمد ﵀: "من ترك الوتر رجل سوء ينبغي أن لا تقبل شهادته" وهو محمولٌ على من تركه واستمر على تركه، لا أنه يوتر .. ، لا أنه تركه مرة أو مرتين هذا لا يؤثر؛ لأن الوتر عند الجمهور سنة.
стр. 912
"أخرجه أبو داود بسند لين" وقد يقال في بعض الرواة: فلان لين، ويقال في الحديث: سنده لين، أو الحديث لين، يعني فيه ضعف، فمتى يقال للراوي: لين؟ إذا كان حفظه فيه ضعف، نقول: في قاعدة تضبط، يعني إذا لم يكن له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله فإن توبع فمقبول وإلا فلين، هذا اللين، "وصححه الحاكم، وله شاهد ضعيف عن أبي هريرة عند أحمد" الشاهد مرّ بنا بالأمس، الشاهد: أن يأتي حديث بلفظه أو بمعناه من طريق صحابي آخر، فإن اتحد الصحابي فهو المتابع، وإن اختلف الصحابي فهو الشاهد.
لكن قول الحافظ: "وله شاهد ضعيف" هل يكفي أن يقال: ضعيف وفي رواته من هو منكر الحديث أو لا بد أن يقول: ضعيف جداً؟ في إسناده الخليل بن مرة وهو منكر الحديث، يكفي أن نقول: ضعيف؟ يعني ينبغي أن يقول: جداً، ينبغي أن يقول الحافظ ﵀: جداً، ضعيفٌ جداً.
"وعن عائشة ﵂ قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر? قال: ((يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي)) متفق عليه.
وفي رواية لهما عنها: "كان يصلي من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر فتلك ثلاث عشرة".
وعنها ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها".
في حديث "عائشة ﵂ قالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" ثبت من حديثها أنه صلى إحدى عشر، ومن حديث أبي هريرة وغيره أنه زاد على الإحدى عشرة، لكن هذا على حسب علمها، كما أخبرت عنه ﵊ أنه ما كان يصوم من العشر ذي الحجة، وثبت عن غيرها أنه كان يصوم، فكونه يترك ويفعل ما لم تطلع عليه لا يعني عدم الوجود.
стр. 913
"قالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" هذا غالب فعله ﵊، وهذا ديدنه، لا يزيد على ذلك "يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن" والأربع هذه يحتمل أن تكون بسلامٍ واحد، ويحتمل أن تكون بسلامين، إلا أن الحديث السابق ((صلاة الليل مثنى مثنى)) ينفي الاحتمال الأول "يصلي أربعاً" يعني بسلامين لحديث: ((صلاة الليل مثنى مثنى))، "يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن" ما يحتاج أن تسأل، حسنهن وطولهن مشهور، لا يسأل عنه، أو "لا تسأل عن حسنهن وطولهن" لأنني لا أستطيع أن أصف هذا الحسن وهذا الطول، لا أستطيع حقيقةً أو لأنك ومثلك لا يحتمل مثل هذا الوصف؛ لأن بعض الناس ينظر إلى الناس ويقيس فعلهم على فعله، يعني لو قيل لواحد من الناس من أوساطنا أنه يمكن قراءة القرآن بيوم قال: مستحيل، يمكن أن يصلي الإنسان في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة قال: مستحيل، لماذا؟ لأنه ما يحتمل هذا العمل، يقيس الناس على نفسه.
بالمقابل من سهلت له العبادة يستغرب أن يوجد شخص يستثقل بعض العبادات أو بعض الأعمال؛ لأنها ميسرة، هذا بالنسبة له، ولذا نقل البخاري في كتاب البيوع من صحيحه عن حسان بن أبي سنان يقول: ما رأيتُ شيئاً أهون من الورع ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) هذا الذي عجز عنه الخواص فضلاً عن العوام، يقول: "ما رأيت شيء .. " لأنه يتحدث عن نفسه، ونحن إذا قيل لنا: إن فلان من الناس يقرأ القرآن في ثلاث أو في يوم قلنا: مستحيل؛ لأننا نقيس الناس على أنفسنا، وهنا تقول: "لا تسأل عن حسنهن وطولهن" لأنك ما تستوعب؛ لأنه ثبت في الصحيح أنه قرأ بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، وقراءة النبي ﵊ مد، يقرأ خمسة أجزاء في ركعة واحدة، وقراءته كانت مداً ﵊، يعني الهذ والقراءة مع الهذ والسرعة الشديدة الخمسة تحتاج إلى ساعة، ومع الترتيل لا يكفيها ساعتين، إذا أضفنا أنه ركع ركوعاً طويلاً نحو قيامه، سجد سجوداً نحو ركوعه قريباً من ركوعه، كم تكون التسليمة بهذه الصفة؟ كم؟ تحتاج إلى ساعات، ولذا قالت: "فلا تسأل عن حسنهن وطولهن".
стр. 914
مثل ما ذكرنا عن قياس الناس على النفس طرداً وعكساً، نُقل عن بعض علماء المغرب وهذا يستغرب في الوقت الحالي، في. . . . . . . . . السابع، نقل عنه أن الخلاف في كفر تارك الصلاة خلاف نظري، خلاف نظري لا حقيقة له في الواقع لماذا؟ لأنه لم يتصور أن من ينتسب إلى الإسلام يترك الصلاة، العلماء افترضوا هذه المسألة وإلا لا وجود لها، هذا وين يشوف؟ يندر أن يوجد بيت من بيوت المسلمين ما يوجد فيه واحد إما يؤخر الصلاة عن وقتها من ذكر أو أنثى، أو ما يصلي بالكلية، ابتلي الناس بمثل هذا، ويقول: هذه مسألة افتراضية ما يمكن، احتمال أن يكون في وقت شرار الناس بعد الدجال بعد كذا يمكن، لكن في أوقات استقامة الأحوال ما يمكن، افتراضية هذه، هذا شخص يتحدث بقدر ما عنده، والله المستعان.
"يصلي أربعاً ﵊ فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً" هذه إحدى عشرة ركعة، من أراد أن يقتدي به ﵊ بالكيفية والكمية فهذا هو المتبع، لكن من قال: أنا أقتدي به في الكمية أصلي إحدى عشرة، كل ركعة بدقيقة مجزئة. . . . . . . . . تسمى ركعة صحيحة بدقيقة، إحدى عشر دقيقة، اثنا عشر دقيقة وهو منتهي من الوتر، ومع ذلك يقول مثل هذا: إن الزيادة على الإحدى عشر بدعة؛ لأن النبي ما كان يزيد ﵊ على الإحدى عشرة، نقول: الذي لم يزد وعرفنا صفة صلاته ﵊ هو الذي قال: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) يعني استمر تصلي مثنى مثنى هل حدد؟ ما حدد، إنما قال: ((فإذا خشيت الصبح فصل واحدة توتر لك ما قد صليت)) فإطلاق هذا الحديث يدل على أنه لا عدد محدد، لا تحديد للعدد، ولذا من يقول: إن الزيادة بدعة نقول: لا، قوله مردود، فالنبي ﵊ أطلق ولم يحدد ((صلاة الليل مثنى مثنى)) لو تصلي عشرين ثلاثين تسليمة داخل في حديث: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) لكن إذا خشيت الصبح تصلي واحدة.
стр. 915
كونه ﵊ ما زاد ثبت أنه زاد، لكن هذا على حد علمها ﵂ وأرضاها-، وقد يصلي ولا تراه، ولها ليلة من تسع ليال، لكن يمكن عندها ما زاد، مع أنها نقلت أنه صلى ثلاثة عشرة، وجاء في المسند أنه صلى خمس عشرة، وأوتر بثلاث، أوتر بخمس، أوتر بسبع، أوتر بتسع، المقصود أن العدد ليس مراد ولا محدد ((صلاة الليل مثنى مثنى)) نعم، إن أردت أن تقتدي به ﵊ فتصلي إحدى عشرة على الصفة التي جاءت عنه على الكيفية والهيئة التي ثبتت عنه ﵊ بهذا يتم الاقتداء، أما تأخذ ما يروق لك من عدد وتترك الكيفية هذا ما يجي.
"فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر? قال: ((يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي)) " هذا الغالب من حاله ﵊، تنام عيناه، وينفخ في نومه، وله خطيط ﵊، ومع ذلكم قلبه يقظ، قد يقول قائل: النبي ﵊ تنام عيناه ولا ينام قلبه فكيف نام عن صلاة الصبح حتى أيقظه حر الشمس؟ أين قلبه ﵊ عن الفريضة؟ نام حتى أيقظه حر الشمس؟ نقول: في هذه اللحظة نام قلبه، نام قلبه، وإلا لو كان القلب يقظ ما ترك الفريضة، ونام قلبه ﵊ في هذه اللحظة من أجل المصلحة، مصلحة التشريع، كما أنه نسي سها للتشريع، أيضاً نام عن صلاة الصبح للتشريع، وقلنا: إن هذا تشريع، وهذا أيضاً فيه تسلية لأتباعه ﵊؛ لأنه لو لم يحصل منه هذا النوم الذي بسببه خرج وقت الصلاة لتقطعت القلوب أسىً قلوب من تفوته الصلاة من أهل الحرص يتقطع قلبه أسىً، لكن في ذلك تسلية وليس في هذا مستمسك للمفرطين، كونه يحصل منه ﵊ مرة واحدة لا يعني أن الإنسان ينام ويقول: الرسول نام ﵊، لكن مع الحرص الشديد، ومع الاحتياطات، وبذل الأسباب وانتفاء الموانع نام الحمد لله، ليس في النوم تفريط، أما يكون عادته وديدنه النوم عن صلاة الصبح أو عن غيرها من الصلوات نقول: لا يا أخي، "من نام ... " أو ((من فاتته العصر فكأنما وتر أهله وماله)).
стр. 916
"فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: ((يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي)) إذا صلى الأربع ثم الأربع واضطجع قبل أن يوتر، وسمع له الخطيط، ثم أوتر بعد ذلك لا ينتقض وضوؤه؛ لأن قلبه يقظ، وذكروا من خصائصه ﵊ أن نومه لا ينقض الوضوء.
"متفق عليه، وفي رواية لهما عنها: "كان يصلي من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة" والمراد بالسجدة هنا إيش؟ الركعة، وقلنا: إن في النصوص جاءت السجدة ويراد بها الركعة، ومثال ذلك ما جاء في الصحيح: ((من أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)) والسجدة إنما هي الركعة، يعني بهذا الحديث، كما أنه جاء إطلاق الركوع ويراد به السجود، كما في قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ يعني ساجداً ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] يعني ساجداً.
"ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر فتلك ثلاث عشرة" يعني المجموع، عشر وواحدة إحدى عشر، وركعتين ثلاث عشرة.
الحديث الذي يليه: "وعنها ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها" يعني أنه ﵊ يصلي ثمان ركعات على الصفة المشروحة سابقة، "يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطوله، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن" ثم يوتر بخمس، فثبت أنه زاد على الإحدى عشر، وهي تقول ﵂ وأرضاها-: "ما زاد ... لا في رمضان ولا في غيره" وهنا وهو مخرج في صحيح مسلم، وإن قال الحافظ: إنه متفق عليه، لكن عزوه للبخاري وهم.
فثبت أنه زاد على الإحدى عشرة، فكونه صلى ثلاثة عشرة لا يعني أن لا يزيد الإنسان إلى خمسة عشرة، إلى سبعة عشرة، إلى تسعة عشرة، هو الذي يشكل في الباب كونه ما زاد "ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة" هذا الذي يشكل، وهو الذي حمل بعضهم على أن يقول: الثلاثة عشرة بدعة، الخمسة عشرة بدعة، ما زاد على إحدى عشرة كله بدعة.
стр. 917
نقول: الرسول ﵊ صلى ثلاث عشرة، وما دام صلى ثلاث عشرة فالزيادة مطلوبة، ويؤيدها إطلاق الحديث: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) فالعدد غير مراد، كونه يغلب عليه ﵊ أنه يصلي إحدى عشرة لا يعني أن العدد ملزم.
"كان يصلي" (كان) وكان أيضاً تدل على الاستمرار "كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس" هل معنى هذا أنه يصلي ست ثم يوتر بخمس ثم ركعتي الفجر؟ أو أنه "يصلي أربعاً" كما شرح "فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعاً .. " ثم يوتر بخمس، هناك يوتر بثلاث وهنا يوتر بخمس، فصلى ثلاث عشرة ركعة.
"وعنها قالت: "من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، فانتهى وتره إلى السحر" متفق عليهما".
"متفق عليهما" عرفنا أن عزو الحديث السابق إلى البخاري وهم، وإنما هو من أفراد مسلم.
"وعنها ﵂ قالت: "من كل الليل أوتر رسول الله ﷺ " يعني من أوله ومن أثنائه "فانتهى وتره إلى السحر" انتهى وتره إلى السحر يعني آخر الليل، آخر الليل الذي هو وقت الاستغفار، يصلي ﵊ في أول الليل وفي أثنائه وفي آخره "فانتهى وتره إلى السحر" وفي هذا دليلٌ على أن وقت الوتر ينتهي بطلوع الصبح، وإن قال بعض أهل العلم أنه يقضى الوتر بعد طلوع الفجر، وفعله بعض السلف، لكن هذا الحديث وما في معناه مما سبق ((فإذا خشيت الصبح فصل واحدة توتر لك ما قد صليت)) أن وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر.
"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل)) متفق عليه".
стр. 918
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا عبد الله)) يعني يا عبد الله بن عمرو يخاطبه ((لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل)) متفق عليه" وهذا يدل على أهمية قيام الليل وفضل قيام الليل، ويدل أيضاً على فضل المداومة على العمل، المداومة على العمل الصالح، وأن من عمل عملاً صالحاً عنده فيه حجة شرعية لا ينبغي له أن يتركه؛ لأن الترك نكوص عن الحق، والنبي ﵊ إذا عمل عملاً أثبته، لكن ما يمنع أن يكون الشخص يعمل العمل في وقت نشاط، ثم يفتر عنه، ثم يعود إليه، ولا يمنع أن يتركه إلى أهم منه، قد يلزم الإنسان عمل يداوم عليه من النوافل ثم يرى أن غير هذا العمل أفضل منه، مثال ذلك: لو أن أحداً من أهل العلم لزم عبادة من العبادات، صيام نوافل مثلاً، قيام الليل، صلاة أعداد من الركعات أثناء النهار، ثم رأى أن هذا العمل يعوقه عن تعليم الناس الخير، أو رأى أن مثل هذا العمل يضعفه عن عمله المنوط به، ثم ترك بعضه وخفف، يعني هل الأفضل للعالم مثلاً أن يقرأ القرآن كل يوم، يختم كل يوم، أو يخفف من القراءة ويعلم الناس الخير؟ لو كان ديدنه يقرأ القرآن في ثلاث، لكن قراءته القرآن في ثلاث تعوقه عن بعض الدروس، عن بعض التصدي لقضاء حوائج الناس، لا سيما إن كان ممن يحتاج إليه، أو إفتاء الناس وتوجيههم، ألا يقال له: اقرأ القرآن في سبع وعلم الناس الخير، يقول: يا أخي أنا معتاد سأقرأ في ثلاث، وترك العمل مذموم، نقول: نعم إذا تركته لما هو أفضل منه لا تذم.
أما هنا يقول: ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل)) نعم قيام الليل دأب الصالحين، وقد قال النبي ﵊: ((نعم الرجل عبد الله -ابن عمر- لو كان يقوم من الليل)) فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً، قيام الليل دأب الصالحين، والله المستعان.
стр. 919
((لا تكن مثل فلان)) فلان ما سمي، في الغالب أن ما يأتي بمثل هذا السياق لا يسمى، ولا يحرص على تسميته ستراً عليه، يعني كتب المبهمات تعنى ببيان مثل هذا، إذا مر فلان شخص مبهم يسمونه، ويبحثون عنه، ويحرصون على جمع الطرق من أجل أن يظهر هذا الاسم، ومعرفة المبهمات لا شك أن لها فوائد، لكن مثل هذا الذي ورد في مثل هذا السياق يستر عليه؛ لأن السياق سياق ذم.
((لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل)) ففي هذا استحباب المداومة على العمل الصالح، وعدم ترك ما اعتاده الإنسان إلا إذا كان تركه إلى ما هو أهم منه وأفضل منه مطلوب و ((أحب العمل إلى الله أدومه)) في رواية: ((ما دام عليه صاحبه)) أو ((ما داوم عليه صاحبه)) فالمداومة على العمل والمتابعة أفضل، والانقطاع فعل العمل ثم الانقطاع لا شك أنه يشعر بشيء من الرغبة عن العمل الصالح، فبدلاً من أن يزداد الإنسان ينقص، لا شك أن هذا مذموم شرعاً.
يقول: هل يصح القول في سجود الشكر: "اللهم أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي"؟
لا، هذه مسائل الأذكار توقيفية، فيقال في السجود سجود التلاوة وفي سجود الشكر ما يقال في سجود الصلاة؛ لعموم ((اجعلوها في سجودكم)) يضاف إلى ذلك ما جاء في سجود التلاوة في السنن وغيرها مما ذكرناه، وهو أيضاً السجود موضع أيضاً للدعاء ((وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) فيسبح سبحان ربي الأعلى ثم يدعو بما شاء.
يقول: من كانت عادته أن يوتر بإحدى عشرة ركعة فقام في أول الليل بالإيتار بسبعٍ على أمل أن يقوم آخر الليل فيصلي أربع تمام الإحدى عشرة فما حكم فعله؟
يأتي بحديث: ((أجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) أنه ينبغي أن يكون الوتر بآخر الليل، لكن إذا لم يضمن القيام في آخر الليل وأوتر في أول الليل يأتي أنه يصلي من الليل مثنى مثنى بعد ذلك، والأمر في الأمر بجعل آخر الصلاة وتر هذا أمر إرشاد؛ لأن النبي ﵊ صلى بعد الوتر.
يقول: نحن نعيش في منطقة يقل فيها طلبة العلم، وقد قام أحد الإخوة بمنع المؤذن أن يؤذن الأذان الأول يوم الجمعة محتجاً بعدم وجود محلات تجارية وأسواق؟
стр. 920
ليس له أن يمنع الأذان الأول من يوم الجمعة الذي سنه الخليفة الراشد، أمرنا باقتفاء أثره، وأقره الصحابة، لم يخالفه ولم يعارضه أحد، وأجمعوا على ذلك، وأطبقت عليه الأمة إلى يومنا هذا، فليس له أن يمنع.
يقول: هل من الحسن أن يصلي الإمام خمساً أو سبعاً أو تسعاً في رمضان إذا أراد أن يصلي الوتر؟
شريطة أن يعرف أن من خلفه يحتمل ذلك ويطيقه بسلامٍ واحد، ولا يوجد منهم من له الانصراف قبل ذلك لا مانع؛ لأن الإيتار بهذه الأعداد شرعي.
يقول: هل الأصل في الوتر إذا كان ركعاته ثلاث صلاتها بتسليمة واحدة أم بتسليمتين؟
له أن يصليها بتسليمة واحدة، وله أن يفصل بين الثلاث بالسلام بعد الثانية ثم يسلم، والأمر فيه سعة.
يقول: لماذا كان النبي ﵊ يخشى أن تفرض بعض الأعمال إذا داوم عليها؟
النبي ﵊ من رحمته بأمته ورأفته بهم يخشى أن يفرض عليهم ما لا يستطيعون الدوام عليه، فيأثمون بتركه، فالنبي ﵊ رءوف رحيم بأمته، يشق عليه ما يشق عليهم، فخشيته أن تأثم الأمة بترك ما افترض الله عليهم.
يقول: ذكرت في ليلة البارحة أن الوتر لا يقضى في النهار؟
ما ذكرنا هذا، بل قلنا: إنه يقضى بعد ارتفاع الشمس إلى زوالها، وأن من كانت عادته أن يوتر بثلاث يصلي أربع، ومن كانت عادته يوتر بخمس يصلي ست وهكذا.
هل يجوز صلاة الوتر أو قيام الليل جماعة في غير رمضان؟ وما الحكم إذا كان مع المداومة؟
أصل المسألة أن النبي ﵊ صلى بابن عباس، وصلى أيضاً ومعه ابن مسعود، فهذا أصل للجماعة في النافلة لا سيما قيام الليل.
ما الجمع بين قوله: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) وبين قول عائشة: ((يوتر من ذلك بخمس))؟
نعم، يوتر بخمس، يوتر بثلاث، يوتر بسبع، يوتر بتسع بسلامٍ واحد، فالوتر غير الصلاة المطلقة، الصلاة المطلقة مثنى مثنى، فإذا أراد الوتر فبسلام واحد.
يقول: كيف نوفق بين حديث عائشة ﵂ أن النبي ﵊ ما كان يزيد في رمضان إلى آخره .. وحديث: كان النبي ﵊ يستفتح قيام الليل بركعتين خفيفتين؟
стр. 921
لا تعارض، وعرفنا أن العدد غير مقصود، فأحياناً يزيد ركعتين قبل الإحدى عشرة، وأحياناً بعد الوتر يأتي بركعتين، وأحياناً من قيام، وأحياناً من جلوس، فالأمر فيه سعة.
ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة، يصلي أربعاً ثم يصلي أربعاً، لماذا قالت: أربعاً ثم قالت أربعاً ولم تقل ثمانية؟ لماذا قالت: أربعاً ثم أربعاً ولم تقل ثمانية؟ ولم تقل ركعتين ركعتين إلى الحد المعلوم ألا يبين أنه كان يصلي الأربع بسلامٍ واحد؟
لا، يصلي أربع بسلامين ثم يفصل، وهذا مقتضى العطف بـ (ثم)، ثم يصلي أربعاً بسلامين من غير فاصل، يسلم من الاثنتين ثم يشرع في الاثنتين الأخريين ثم يفصل، بدليل العطف بـ (ثم)، ومن هذا أخذ أهل العلم اسم صلاة التراويح؛ لأنهم يتروحون بعد كل تسليمتين.
يقول هذا: أم يدل على أنه كان يرتاح بعد كل أربع؟
هذا هو الصحيح.
يقول: قال رسول الله ﷺ : ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان)) هل يستدل به، أو يستدل من هذا الحديث أنه يجوز عند النصيحة المقارنة بشخص معروف لدى المنصوح؟
لا مانع من أن يقال: لا تصير مثل فلان، كان يطلب العلم ففتر ما يمنع، إذا لم يقصد بذلك النيل من فلان، وتنقص فلان، لا سيما إذا كان المتروك سنة، أما إذا كان القصد منه التنقص والازدراء به فلا يجوز.
هنا أسئلة من برا من الإنترنت يقول: كثيرٌ من المشايخ والدعاة خاصة في البلدان الأجنبية كاستراليا يحرمون شراء البضائع اليهودية من الأطعمة، ولكن كيف لنا ألا نشتري منها وهي البضائع الوحيدة التي لها الترخيص الحلال في هذه البلاد، وسواها يحوي شحوم خنزير، أو شحوم الأبقار والأغنام التي لم تذبح شرعاً، فما الحكم الشرعي في هذه المسألة؟
стр. 922
على كل حال ذبيحة أهل الكتاب حلٌ لنا، فإذا ذبح اليهود ما يجوز لنا أكله من الأنعام فلا شك أن مصلحة المقاطعة ظاهرة، لكنها مصلحة عارضة، يعني ليس تقديمها بأولى من تقديم الكف عن المحرم لذاته، يعني إذا كان لدينا ذبيحة يهودي، وطعام اليهود حلٌ لنا، والمذبوح من أكلنا من بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، ووجد طعام كتابي ليس بيننا وبينهم حرب، وليست بيننا وبينهم مقاطعة، لكن طعامه فيه ما يقتضي تحريمه لذاته، إما أمور محرمة كحول وما كحول ومخدرات ومسكرات، أو شحوم خنزير أو كلاب أو شيء مما حرم علينا أكله، فلا شك أن ما مُنع لطارئ أخف مما منع لذاته، فنأكل من ذبيحة اليهودي ونترك ذبيحة الثاني، وإن لم يكن بيننا وبينه حرب لما يشتمل عليه طعامه من تحريم لذاته، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 923
بلوغ المرام - كتاب الصلاة (٢٤)
تابع شرح: باب: صلاة التطوع
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
"وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أوتروا يا أهل القرآن، فإن الله وتر يحب الوتر)) رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة".
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن علي ... ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أوتروا يا أهل القرآن)) هذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، وهذا الحديث من أدلة من يقول بوجوب الوتر وهم الحنفية، لكن الجمهور عندهم من الصوارف ما يجعل هذا الأمر أمر استحباب، وذكرنا من الصوارف بعض الأحاديث السابقة.
((أوتروا يا أهل القرآن)) المراد بأهل القرآن هم أهل العناية بالقرآن، والأصل أن المسلمين كلهم أهل عناية بالقرآن، ولذا قيل لهم: ((يا أهل القرآن)) والمراد المسلمين في مثل هذا النص يراد بأهل القرآن المسلمون، فالأمر متجه إلى المسلمين، لكن في النصوص الأخرى يراد بأهل القرآن أهل العناية به، الذين يَقرَؤونه ويداومون النظر فيه على الوجه المأمور به، ويُقرِؤونه الناس قراءة وفهماً وحفظاً وتدبراً ودراسة وتدريساً وتعلماً وتعليماً، هؤلاء هم أهل القرآن.
ابن القيم -رحمه الله تعالى- في زاد المعاد يقول: "أهل القرآن هم أهل العناية به، الذين هم أهل الله وخاصته، أهل العناية به ولو لم يحفظوه" لكن لا شك أن الحفظ من العناية بالقرآن، لكن قد يقول قائل: أنا عجزت أحفظ القرآن ألا يمكن أن أكون من أهل القرآن؟ نقول: نعم بلى، تكون من أهل القرآن إذا كنت من أهل العناية به، اعتنِ بالقرآن قراءة وفهماً وترتيلاً وتدبراً وإقراءً وتكون بإذن الله من أهله وإن عجزت عن حفظه.
стр. 924
((أوتروا يا أهل القرآن، فإن الله وتر يحب الوتر)) الوتر: الواحد، وهو الفرد، وهو الواحد الأحد، الله -جل وعلا- وتر، والصلاة بركعة واحدة وتر، الصلاة بثلاث وتر، الصلاة بخمس وتر ((فإن الله وتر)) وهذا من الأمور المشتركة، الواحد من الناس يقال له: وتر، ويقال له: واحد، ويقال له: أحد، ولذا قالوا في جمع الآحاد: أحد، وأنكر ذلك ثعلب، وهو من أئمة اللغة المحققين، قال: "حاشا أن يكون للأحد جمع" لأنه نظر إليه باعتباره اسماً من أسماء الله -جل وعلا-، فلا يكون له جمع، حاشا أن يكون للأحد جمع، لكن خفي عليه أن اليوم الذي يلي السبت يقال له: الأحد، وجمعه؟ كما في الشهر من أحد؟ أربعة آحاد، فالآحاد: جمع أحد وإن أنكر ذلك ثعلب؛ لأن من الأسماء الحسنى ما هو مشترك، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [(٥١) سورة يوسف] هذا مشترك، والله وترٌ، والواحد من الناس يقال له: فرد، ويقال له: وتر، ويقال له: واحد، ويقال له: أحد "الله وترٌ يحب" إثبات المحبة لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، إثبات صفة المحبة، تظافرت النصوص في الكتاب والسنة على إثبات صفة المحبة لله ، وأهل السنة قاطبة على إثباتها على ما يليق بجلال الله وعظمته "يحب الوتر" يعني من باب محبة المجانس والمشاكل في التسمية، وإلا الله -جل وعلا- ليس كمثله شيء، يقول بعضهم: معنى (يحب) يثيب، وهذا من باب التفسير باللازم، فإن كان من فسر باللازم ممن يثبت الصفة قبل وإلا فلا، مثال ذلك: كثيراً ما يقول النبي ﵊: ((والذي نفسي بيده)) عليك أن تقول: في النص إثبات اليد لله -جل وعلا-، لكن الذي يقول: معناه روحي في تصرفه، إن كان ممن عرف بإثبات اليد لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته نقول: تفسير صحيح، من الذي روحه ليست في تصرف الله -جل وعلا-، لكن الذي لا يعرف بإثبات الصفات نقول: هذا فرار، وهذا تأويل، فالله يثيب من يحب، ويقبل منه عمله إذا أحبه ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [(٢٢٢) سورة البقرة] ﴿يُحِبُّ
стр. 925
الْمُحْسِنِينَ﴾ [(١٩٥) سورة البقرة] يحبهم بمعنى فيه من جهة إثبات المحبة لله -جل وعلا- باعتبار ما يتعلق به، وباعتبار ما يتعلق بالمخلوقين الإثابة والقبول.
"وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) متفق عليه".
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) يعني اختموا صلاة الليل -قيام الليل التهجد- بالوتر، فاجعلوه آخر ما تؤدونه من هذه الصلاة في هذا الوقت بالليل، وأما بالنسبة للنهار فلا وتر فيه إلا صلاة المغرب، وجاء في حديث عائشة الذي أشرنا إليه سابقاً: ((وإلا المغرب فإنها وتر النهار)) يعني يختم بها عمل النهار، وأما بالنسبة لليل فآخر عمل الإنسان بالليل يكون وتر؛ لن الله يحب الوتر، فيختم العمل بما يحبه الله -جل وعلا-.
стр. 926
((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) مقتضى الأمر ((اجعلوا)) للوجوب، لكن جاء من الأدلة ما يدل على أن النبي ﵊ صلى بعد الوتر، ولذا من أوتر في أول الليل، ثم تيسر له أن يقوم من آخر الليل، نقول له: خلاص أنت صليت الوتر ولا صلاة بعده، والنبي ﵊ ثبت أنه صلى بعد الوتر، نقول له: صل من الليل ما شئت، لكن مثنى مثنى، نعم من غلب على ظنه أنه يقوم من آخر الليل المستحب بالنسبة له أن يجعل آخر صلاته بالليل وتر للأمر الوارد في الحديث، لكن إذا غلب على ظنه أنه لا يستطيع القيام من آخر الليل أوتر في أوله، وقد أوصى النبي ﵊ أبا هريرة ﵁ أن يوتر قبل أن ينام، وعلى هذا كلٌ يعرف نفسه، ويعرف حاله، الذي يغلب على ظنه أنه لا يقوم من آخر الليل يوتر من أول الليل؛ لئلا يفوته ما يحبه الله -جل وعلا-، فإذا أوتر في أول الليل ثم تيسر له أن انتبه يصلي مثنى مثنى، وقال بعضهم: يشفع وتره السابق، بمعنى أنه يفتتح صلاته بركعةٍ واحدة تشفع له الوتر السابق، ثم يصلي مثنى مثنى ثم يوتر بعد ذلك، فتكون الركعة التي ابتدأ بها صلاته شفعت وتره الأول، ويكون على هذا ختم صلاته وجعل آخر صلاته بالليل وتراً قيل بهذا، لكن الحديث الذي يليه حديث: ((لا وتران في ليلة)) هو من باب أولى لا أكثر من ذلك، فإذا شفع وتره بركعة ثم أوتر بآخر صلاته كم يكون أوتر؟ أوتر ثلاث أوتار، وجاء النفي ويراد به النهي لصلاة الوتر أكثر من مرة، مرتين فأكثر على ما سيأتي في الحديث الآخر.
المقصود أن الأمر هنا أمر إرشاد أن تختم الصلاة بالوتر صلاة الليل كما ختمت صلاة النهار بصلاة المغرب وهي وتر.
"وعن طلق بن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا وتران في ليلة)) رواه أحمد والثلاثة، وصححه ابن حبان".
стр. 927
"طلق بن علي" الحنفي "قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا وتران في ليلة)) (لا) هذه نافية وإلا ناهية؟ نافية، ويأتي النفي ويراد به النهي، وإذا جاء النهي بلفظ النفي صار أبلغ، النفي الأصل فيه يتجه إلى حقيقة الشيء وذاته، فإذا نفيت الحقيقية فلأن تنفى الصحة من باب أولى، يعني إذا قلنا: شخص أوتر مرتين في ليلة والنص يقول: ((لا وتران)) هو أوتر، كيف تنفى حقيقة الوتر الموجودة؟ هذا مبالغة في نفي الصحة؛ لأن نفي الصحة قد تنفى الصحة وتبقى الحقيقة، لكن إذا نفيت الحقيقة صار أبلغ في نفي الصحة
وأيضاً ما يعمل على غير هدي، وعلى غير مراد الله وجوده مثل عدمه، كأنه معدوم، ولذا قال النبي ﵊ للمسيء ((صل فإنك لم تصل)) يعني لو قال شخص آخر: إنه صلى، قرأ وركع وسجد هي صلاة ((لم تصل)) هذا نفي للحقيقة، لكن هل المراد به نفي الحقيقة العرفية؟ هو صلى في عرف الناس، في عرفهم صلى، لكن نفي للحقيقة الشرعية، وهنا النفي متجه إلى الحقيقة الشرعية.
((لا وتران)) (لا) هذه نافية، و ((وتران)) هل هذه نافية للجنس أو نافية للوحدة؟ إذا قلنا: نافية للجنس فمقتضى ما بعدها أن يكون منصوب وإلا مبني على الفتح؟ وحينئذٍ يكون الأصل: "لا وترين" ويكون في هذه الحالة المثنى جاء على لغة من يلزمه الألف في جميع الحالات، كلام صحيح وإلا فيه شيء؟
طالب:. . . . . . . . .
لا هذه نافية للجنس وإلا للوحدة؟ هو ما عندنا إما نافية للوحدة وإلا نافية للجنس، لجنس الوتر أو للمفرد، بغض النظر عن كونه مثنى أو جمع، لكن الكلام على اللفظ: ((لا وتران)) أجيبوا يا الإخوان أين العربية؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 928
ترى فيه لغة عند بعض العرب، وهي معتبرة إلزام المثنى الألف: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [(٦٣) سورة طه] على قراءة الإيش؟ التشديد تشديد إنّ، على لغة من يلزم المثنى الألف، الأصل: (إنّ هذين) لكن على لغة من يلزم المثنى الألف، قال: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [(٦٣) سورة طه] وإن هذه مخففة من الثقيلة، وإذا خففت قل العمل، يقل عملها، خففت (إن) فقل العمل، لكن على قراءة التشديد على لغة من يلزم المثنى الألف كما هنا ((لا وتران في ليلة)) في ليلةٍ واحدة، وهذا يرد على من يقول بنقض الوتر، وأنه يصلي ركعة تشفع وتره الأول، ثم يصلي ما شاء، ثم يوتر في آخر الليل ليمتثل الأمر الوارد في الحديث السابق: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) لكن لو أوتر مع الإمام في أول الليل، أوتر مع الإمام في صلاة التراويح في أول الليل ثم سلم الإمام فجاء بركعة تشفع له وتره، هل يدخل في النفي هنا في الحديث؟ لأنه ما أوتر أصلاً، ما أوتر في أول الليل، إنما صلاها شفعاً، وهل يدخل في حديث: ((من صلى مع الإمام حتى ينصرف)) فإذا زاد على صلاة الإمام يدخل في حديث: أنه قام الليل كله إذا زاد؟ أما إذا نقص أمره معلوم ((حتى ينصرف)) وإذا زاد دخل من باب أولى، وحينئذٍ من أراد أن يوتر آخر الليل يشفع، إذا أوتر مع الإمام يشفع وتره فيزيد ركعة، يمكن أن يرد على هذا؟ لو أوتر الإمام بثلاث بسلامٍ واحد هل يزيد ركعة فيشفع وتره فيكون حينئذٍ صلى أربع ركعات بسلامٍ واحد فيكون قد خالف ((صلاة الليل مثنى مثنى))؟ أو نقول: حينئذٍ لا تشفع الوتر لأنك زدت على الركعتين وإذا قمت من آخر الليل تصلي مثنى مثنى؟ أو يشفع في هذه الحالة؟ إذا أوتر الإمام بثلاث بسلامٍ واحد أو بخمس أو بسبع وأراد أن يشفع الوتر ليقوم من آخر الليل ويجعل آخر صلاته بالليل وتر يشفع وإلا ما يشفع إذا زاد الإمام على ركعتين؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
يكون صلى أربع ((صلاة الليل مثنى مثنى)) وعرفنا أنه إذا قام في التراويح إلى ثالثة فكأنما قام إلى ثالثة في الفجر.
طالب:. . . . . . . . .
يصلي ركعتين ثم يسلم قبل الإمام؟ فيكون انصرف قبل الإمام فلا يكتب له قيام ليلة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 929
يشفع وتكون صلاته ما زاد على الثنتين غير مقصودة، فلا يكون حينئذٍ خالف النص: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) لكن يبقى أنها مخالفة سواءً كانت مقصودة أو غير مقصودة، هي مخالفة.
"وعن أبي بن كعب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [(١) سورة الكافرون] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [(١) سورة الإخلاص] " رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وزاد: "ولا يسلم إلا في آخرهن".
ولأبي داود والترمذي نحوه عن عائشة وفيه: "كل سورة في ركعة، وفي الأخيرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [(١) سورة الإخلاص] والمعوذتين".
حديث: "أبي بن كعب ﵁" فيه ما يقرأ في صلاة الوتر، يقرأ إذا أوتر بثلاث في الأولى: "بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] وفي الثانية: " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [(١) سورة الكافرون] " وفي الثالثة: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [(١) سورة الإخلاص] " يقول: "رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وزاد: "ولا يسلم إلا في آخرهن" عرفنا سابقاً أن له أن يسلم أن تكون الثلاث بسلامين وأن تكون بسلامٍ واحد له ذلك، لكن المنهي عنه تشبيه الوتر بالمغرب، بمعنى أنه يصلي الركعتين، ثم يجلس بعد الثانية ويتشهد ثم يقوم ليأتي بالثالثة، وحينئذٍ يكون قد شبه الوتر بالمغرب، وهذا جاء النهي عنه.
الحديث الذي يليه مثل هذا، يقول: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] في الركعة الأولى، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [(١) سورة الكافرون] والثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [(١) سورة الإخلاص] والمعوذتين عند أبي داود والترمذي، لكن لفظ المعوذتين غير محفوظ ضعيف، فيه خصيف الجزري مضعف، بل نص بعضهم على أن هذه الزيادة -زيادة المعوذتين- منكرة، فالثابت ما ذكر من السور الثلاث.
"وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((أوتروا قبل أن تصبحوا)) رواه مسلم، ولابن حبان: ((من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له)).
стр. 930
حديث أبي سعيد يبين آخر وقت الوتر "أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((أوتروا قبل أن تصبحوا)) وعرفنا سابقاً أن وقت الوتر من صلاة العشاء إلى طلوع الصبح هذا وقته ((أوتروا قبل أن تصبحوا)) فهذا دليل على أن الوتر يفعل قبل طلوع الصبح، وإذا خشي الإنسان الصبح فليصل ركعة، إذا خشي، ما هو بإذا أصبح، إذا خشي أن يطلع عليه الصبح يصلي له ركعة توتر له ما قد صلى
((أوتروا قبل أن تصبحوا)) رواه مسلم، ولابن حبان: ((من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له)) انتهى وقته، انتهى وقته، الحديث الذي يليه حديث أبي سعيد أيضاً يدل على أن من نام .. ، نعم اقرأ، اقرأ الحديث.
"ولابن حبان: ((من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له)) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا أصبح أو ذكر)) رواه الخمسة إلا النسائي".
هذا الحديث قد يكون فيه نوع معارضة للأحاديث السابقة، حديث أبي سعيد الثاني: "وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن الوتر أو نسيه فليصلِ إذا أصبح أو ذكر)) ((من نام .... فليصل إذا أصبح)) يعني إذا أصبح دخل في الصبح، ومثله إذا أمسى، إذا أنجد يعني دخل نجد، إذا أتهم دخل تهامة، إذا أظلم دخل في الظلام، مقتضى هذه الصيغة أنه بمجرد دخوله في الصبح يصلي إذا نسي، وهذا فيه معارضة لما سبق من الأحاديث، وقد عمل بهذا جمع من السلف، ورأوا أن الذي يخرج بالصبح فالوقت الاختياري للوتر، وأما وقته الاضطراري فيبقى إلى قيام صلاة الصبح.
((من نام عن الوتر أو نسيه)) عندنا من نام أو نسي ((فليصل)) من نام إذا أصبح، ومن نسي إذا ذكر، وهذا فيه ما يسمى باللف والنشر، مرتب وإلا مشوش؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لف ونشر هنا، مرتب، مرتب؛ لأن الكلمة الأولى مناسبة للكلمة الأولى من الجملة الأولى، الكلمة الثانية من الجملة الثانية مناسبة للكلمة الثانية من الجملة الأولى، فهذا يسمى عندهم باللف والنشر المرتب، وقد يأتي اللف والنشر مشوشاً، وبكلٍ منهما جاء القرآن أفصح الكلام، جاء مرتب وجاء غير مرتب.
стр. 931
هنا: ((من نام عن الوتر)) نام على أساس أن يقوم، ما انتبه إلا والمؤذن يؤذن لصلاة الصبح ماذا نقول له؟ مقتضى هذا الحديث أن يوتر، وهذا محفوظ عن جماعة من السلف، لكن النصوص السابقة كلها تدل على أن وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر، وهي أكثر وأرجح من حيث الصحة، مجموعها أرجح من هذا، وقد عمل بهذا جماعة من السلف، حفظ عنهم أنهم أوتروا بعد طلوع الفجر، فمن فعله عاملاً بهذا الحديث مقتدياً بمن سلف ما ينكر عليه، لكن النصوص الأكثر والأصرح، الأكثر والأصرح تدل على أن وقت الوتر ينتهي بطلوع الصبح، وحديث الباب يمكن تأويله، فالصبح ما ينتهي بصلاة الصبح، إنما يستمر بعد طلوع الشمس يقال له: صبح، بعد طلوع الشمس وارتفاعها يقال له: صبح ما لم يمسِ، فهو مصبح ما لم يمسِ، فيحمل هذا على أنه ((إذا أصبح)) يعني في أول النهار بعد ارتفاع الشمس، وبعد خروج وقت النهي، إذا نسيه يصليه إذا ذكره، وهذا أيضاً ليس على إطلاقه، افترض أنه ما ذكر الوتر إلا بعد صلاة الظهر، نقول: تقضي؟ خلاص فات محله، فات محله.
"وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل)) رواه مسلم".
стр. 932
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله)) إذا غلب على ظنه أنه لا يقوم من آخر الليل إما لثقلٍ في نومه، أو لتعب يحس به، أو أنه إذا نام لن يقوم هذا يوتر من آخر الليل، وأوصى النبي ﵊ أبا هريرة أن يوتر قبل أن ينام، لعله لما عرف عنه من ثقلٍ في نومه، وأنه يغلب على الظن أنه لا يقوم، وحينئذٍ إذا خاف وغلب على ظنه أنه لا يقوم من آخر الليل فإنه يوتر قبل أن ينام من أول الليل، وبعض الناس يغالط نفسه، يلبس عليه الشيطان، يسهر فإذا بقي على طلوع الصبح ساعة قال: أرتاح قليلاً ثم أقوم للوتر، هذا الذي يغلب على الظن أنه لن يقوم، فمثل هذا يوتر قبل أن ينام، ووتره واقعٌ في آخر الليل وفي الثلث الأخير، على كل حال يوتر قبل أن ينام مثل هذا؛ لأنه يغلب على ظنه أنه لن يقوم.
((ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة)) تحضرها الملائكة، ولا شك أن ما تحضره الملائكة تؤمن عليه لا شك أنه حريٌ بالقبول، وجدير بأن لا يرد على صاحبه، يقول: ((فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل)) الوتر وصلاة الليل والتهجد عموماً في الثلث الأخير من الليل أفضل، وأفضل القيام قيام داود ينام نصف الليل، ثم يقوم ثلثه، ثم ينام السدس، هذا أفضل القيام، إذا نام نصف الليل هل يعتبر النوم من غروب الشمس ودخول وقت الليل أو من صلاة العشاء؟ من غروب الشمس ينام نصف الليل، إذا غربت الشمس نام نصف الليل؟ وإلا من صلاة العشاء؟ يحسب النص بداية من صلاة العشاء، من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ثم يحسب، ينام نصف هذه المدة، ويقوم الثلث ويرتاح السدس، وإذا حسب بهذه الطريقة يكون قيامه في الثلث الأخير، وبهذا تلتئم النصوص، أما إذا قلنا: يحسب من غروب الشمس، أولاً: لن يتمكن من نوم نصف الليل، لا بد أن ينتظر العشاء، لا بد أن ينتظر العشاء، فلا يتحقق له نوم نصف الليل، وإذا قام نصف الليل فإن أكثر قيامه يكون قبل الثلث الأخير من الليل، ظاهر وإلا مو بظاهر؟
стр. 933
شيخ الإسلام ﵀ يحرر هذا، يقول: في مثل هذا الحديث يحسب الليل من صلاة العشاء، والحث على قيام الثلث الأخير وقت النزول الإلهي يحسب من غروب الشمس وهذا ظاهر، يعني لو حسبنا في قيام ونوم داود ﵇، لو حسبناه من غروب الشمس، أولاً: لن يتاح للمسلم أن ينام من غروب الشمس، من غروب الشمس أمامه فريضتان المغرب والعشاء، لن ينام قبل صلاة المغرب وقبل صلاة العشاء، فلن يتحقق له نوم نصف الليل، إذا حسبنا الآن من غروب الشمس إلى منتصف الليل في أثناء هذه المدة صلاة المغرب وصلاة العشاء، لكن إذا حسبنا الوقت من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقسمناه على اثنين، ونام هذه المدة ثم انتبه يكون قيامه في الثلث الأخير، بخلاف ما إذا حسبنا من غروب الشمس.
لكن إذا قلنا: وقت النزول الإلهي في الثلث الأخير ونام أو على الأقل ما قام في الثلثين الأول والثاني نام، إذا نام من بعد صلاة العشاء وقام في الثلث الأخير وافق وقت النزول الإلهي، فلا يكون هناك تعارض بين الحديثين.
((فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل)) يسعى الإنسان أن يشهده أهل الخير، ولا يشهده أهل الشر، يشكو كثير من الناس من الوساوس، ومن تسلط الشياطين، وقد جلب الأسباب، وترك ما يمنع من دخول الشياطين، تجد البيت مهجور بالنسبة لقراءة القرآن، بيتٌ خرب ليس فيه ذكر، فيه ما يجلب الشياطين من معازف ومزامير وصور لا تدخله الملائكة، فالبيت الذي لا تدخله الملائكة من يدخله؟ يدخله الشياطين، فإذا تسلطت الشياطين على مثل هؤلاء ليس بغريب، فعلى الإنسان أن يسعى جاهداً في تحصيل ما يطرد الشياطين، ويمكن الملائكة من الدخول، فالملائكة لا تدخل بيت فيه كلب ولا صورة ولا .. ، ويحرص على الطهارة، جاء أيضاً في بعض الأخبار أنها لا تدخل بيت فيه جنب، وإن كان فيه ما فيه، فهذه الصلاة فضلها في كونها مشهودة.
"وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر)) رواه الترمذي".
стр. 934
هذا الحديث المروي عن ابن عمر ﵄ ضعيف، الحديث ضعيف، يقول: ((إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر)) هذا الحديث رفعه ضعيف، وإن كان محفوظ عن ابن عمر ﵄ لكنه لا يثبت مرفوعاً، وهذه .. ، أو مثل هذا القول يدرك بالرأي للاجتهاد في مسرح، يفهم ابن عمر من النصوص أن وقت صلاة الوتر ينتهي بطلوع الفجر كما فهم غيره، ويعبر عن ذلك، فيأتي بعض الرواة ويخطئ في رفعه، ولا نقول: إن هذا مما لا يدرك في الرأي فله حكم الرفع، لا، هو ضعيف مرفوعاً، لكن يغني عنه ما سبق من الأحاديث، يغني عنه ما سبق من الأحاديث، وأن وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر.
"وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله" رواه مسلم".
انتهينا مما يتعلق بالوتر، الآن صلاة الضحى، صلاة الضحى جاء الترغيب فيها، وجاء فعلها من قبله ﵊، وجاء نفي الفعل، جاء الترغيب فيها: "أوصاني خليلي بثلاث" ومنها ركعتا الضحى، وصلى النبي ﵊ يوم الفتح ثمانياً، وأخبر ﵊ أن ركعتي الضحى تغنيان عن صدقات المفاصل ((يصبح على كل سلامى أحدكم صدقة)) ثلاثمائة وستين مفصل على كل مفصل أن يتصدق في مقابله شكر لله -جل وعلا- على أن أوجد هذه المفاصل، يعني يتصور الإنسان أن أصابعه واقفة ما .. ، ليس فيها مفاصل ولا تتحرك، أو جسده صالب، كونه مستمر على هذه المفاصل الثلاثمائة والستين هذه نعمة، تحتاج إلى شكر، وكل مفصل من هذه المفاصل يحتاج إلى صدقة شكراً لوجود هذا المفصل، لكن يغني عن ذلك كله ركعتان تركعهما من الضحى، صلاة الضحى مطلوبة وإلا غير مطلوبة؟ "أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام" وأوصى غير أبي هريرة بهذا ﵁.
стр. 935
فالنبي ﵊ كان يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله، يصلي ركعتين، الضحى تصلى ركعتين كما جاءت في النصوص السابقة، وتصلى أربعاً كما هنا، تصلى ست، تصلى ثمان، صلى يوم الفتح ثمان، على خلافٍ بين أهل العلم أنها صلاة الفتح أو صلاة الضحى؟ ولذا يقرر أهل العلم أن أكثر صلاة الضحى ثمان، والصواب أنه لا حد لأكثرها، كونه صلى ثمان لا يعني أن الزيادة على ذلك غير مطلوبة، الزيادة على ذلك تدخل في الحديث السابق: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) صل ما شئت.
وعرفنا أن الحفاظ عبد الغني ﵀ يصلي من ارتفاع الشمس إلى زوالها ثلاثمائة ركعة بالفاتحة فقط، قد يقول قائل: إن هذا ليس على هدي النبي ﵊، هذا فيه تشديد وفيه .. ، والدين يسر، نعم الدين يسر، لكن من فعل وقد جعل نصب عينيه الخبر: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) لا يلام، قررنا سابقاً أن الإكثار من التعبد ليس ببدعة، يشمله نصوص عمومات وأحاديث خاصة في هذا.
"يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله" لكنه لا يزيد ركعة ولا ثلاث إنما يزيد شفعاً.
اختلف أهل العلم في حكم صلاة الضحى: فذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- أنها مختلفٌ فيها على ستة أقوال، منهم من يقول: سنة مطلقاً، ومنهم من يقول: لا يداوم عليها، ومنهم من يقول: لا تفعل صلاة الضحى، ومنهم من يقول: تفعل عند الحاجة، المقصود أنها مختلفٌ فيها، لكن الصواب أنها من السنن الثابتة، وقد جاء الترغيب فيها، وقد فعلها النبي ﵊، فأرجح الأقوال أنها مستحبة، قد يقول قائل: إنه يجلس في مصلاه عملاً بحديث: ((من صلى الصبح في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين كان له أجر عمرة)) وفي رواية: ((حجة تامة)) هذا الحديث محل كلام لأهل العلم تكلموا فيه، لكن إذا جلس في مصلاه يذكر الله حتى تنتشر الشمس فقد اقتدى بفعل النبي ﵊، اقتدى بفعل النبي ﵊ فهو ثابت من فعله في الصحيح، وإذا صلى ركعتين بنية الضحى ثبت له أجر ركعتي الضحى.
стр. 936
وكون الحديث الذي فيه الثواب يضعف لا يعني أن هذا الفعل لا يفعل عملاً بأحاديث أخرى؛ لأن بعض الناس يقرن العمل وجوداً وعدماً بثبوت الخبر لذاته، لكن قد لا يثبت الخبر هذا، لكن ثبت ما يغني عنه، ثبت ما يغني عنه، ولذا من جلس حتى ترتفع الشمس وصلى ركعتين إن ثبت الخبر الذي فيه الأجر المنصوص عليه وأنه كأجر عمرة أو كأجر حجة تامة بها ونعمت، إن لم يثبت النبي ﵊ جلس حتى تنتشر الشمس، وحث على ركعتي الضحى وأوصى بهما، فما يلام الذي يفعل هذا، وإن قال بعض الناس: تعمل بحديث ضعيف؟ إن ثبت الحديث الضعيف فبها ونعمت، إن لم يثبت فقد عملنا بأحاديث صحيحة، وأجرها .. ، فضل الله لا يحد.
"وله عنها: أنها سئلت: هل كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى? قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه، وله عنها: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها".
стр. 937
يستدل من لا يرى مشروعية صلاة الضحى بمثل هذا، "وله" أي لمسلم راوي الحديث السابق عن عائشة ﵂ "أنها سئلت: هل كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى? قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه" الحديث الذي يليه عنها أيضاً، وهو عند مسلم وعند البخاري أيضاً "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط" هذا نفيها على حسب علمها، وقد أثبته غيرها، كما أنها أيضاً أثبتته في الحديث السابق "كان الرسول ﷺ يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله" وكان تدل على الاستمرار، فلعلها مع طول المدة؛ لأنها عمرت بعده ﵊ نسيت، أو في وقتٍ من الأوقات نسيت، وفي وقتٍ ذكرت، وعلى كل حال المثبت مقدم على النافي، وصلاة الضحى ثبتت من فعله ﵊، وثبت الحث عليها، وإن قالت ﵂ قالت: "لا إلا أن يجيء من مغيبه" وهنا قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها" الحث عليها ثابت، وكونه ﵊ لا يصلي سبحة الضحى، مع أنه ثبت أنه صلاها، حتى على القول بأنه لم يصلِّ سبحة الضحى، وقد ثبت حثه عليها لا يعني أنها غير مشروعة، نفت عائشة ﵂ أنه ﵊ كان لا يصوم عشر ذي الحجة، لكنه ثبت من طريق غيرها ثبت من طريق غيرها، حتى لو ثبت أنه ﵊ ترك صيام عشر ذي الحجة، وترك صلاة الضحى، مع أنه حث على ذلك، مع أنه صام عشر ذي الحجة وصام منها، وصلى الضحى وترك، ثبت عنه الفعل وثبت عنه الترك، وثبت عنه الحث العام والخاص، ثبت عنه: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن خيرٌ وأحب إلى الله من هذه الأيام العشر)) وثبت عنه ﵊ أن الصيام من أفضل الأعمال فهو داخل في العموم.
стр. 938
كونه لم يفعل، يعني ترك هذه السنة، وثبت عنه أنه فعلها من طريق غيره، كونه فعل أحياناً وترك أحياناً لا يعني أنه غير مشروع، فقد يفعل لبيان المشروعية، وقد يترك لبيان جواز الترك، وأيضاً من كان في صفته ﵊ في تحمل أمور المسلمين العامة قد يترجح في حقه الترك، قد يترجح في حقه الترك، يعني شخص النبي ﵊ على سبيل المثال قال: ((أفضل الصيام صيام داود، يصوم يوماً ويفطر يوماً)) هل ثبت عنه ﵊ أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً؟ لم يثبت عنه ذلك، هل نقول: بأن صيام داود غير مشروع؟ لا، إذاً نحن مطالبون بما وجهنا إليه ﵊، كونه يفعل أو يترك لظرف من الظروف هذا شيء آخر.
بعض الناس قد يعوقه بعض الأعمال عن الأمور المتعدية، لو شخص علقت به أعمال الأمة، عالم كبير يحتاجه الناس في قضاء شؤونهم وفي إفتائهم وفي فصل الخصومات بينهم، وإذا صام ضعف عن تحمل هذه الأمور، نقول: يا أخي الأفضل لك ما تصوم، الأفضل أن لا تصوم؛ لأنك مشغول بما هو .. ، النبي ﵊ مشغول بما هو أهم من الصيام، فكونه ما فعل لا يعني أنه غير مشروع.
يعني يأتي من يكتب أن من أخطاء الناس في العشر صيام العشر، كتب هذا في مصنف، من أخطاء الناس في عشر ذي الحجة الصيام، وأفضل العمل الصالح في هذه الأيام إلا رجل .. ، ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)) ((ومن صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)) نفرط بهذه الوعود الثابتة من أجل أن النبي ﵊ نقلت عائشة أنه لم يصم، ونقل عنه أنه صام، وحث على الصيام وبين فضل العمل الصالح.
стр. 939
مثل ما عندنا في صلاة الضحى، هي أثبتت أنه صلى الضحى، ونفت، ونقول: صلاة الضحى غير مشروعة؟ وأوصى بها أبا هريرة وأبا ذر وجمع من الصحابة، وبين لنا أنها كفارة عن ثلاثمائة وستين صدقة ركعتي الضحى، ونقول: غير مشروعة؟ ويأتي بعض من ينتسب إلى العلم، ثم يجلس إلى أن تنتشر الشمس ويقول: يالله خلاص عاد ما في صلاة الآن، ما في شيء اسمه صلاة الإشراق، ينكر على من يصلي، يا أخي صل، إن ثبت الحديث الذي فيه الوعد والثواب العظيم بها ونعمت، إن لم يثبت خلها صلاة الضحى، انوها صلاة الضحى.
هنا تقول: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى" لكن إذا أثبتها غيرها فالمثبت مقدم على النافي، مع أنها أثبتتها هي ﵂ "وإني لأسبحها" يعني هل قولها: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى" هل هي تستدل بهذا على عدم المشروعية؟ هل هي تستدل بهذا على عدم مشروعية صلاة الضحى؟ لا، لا تستدل بهذا على عدم مشروعية صلاة الضحى، بدليل أنها كانت تصليها، ولو كانت غير مشروعة ما صلتها، لكن هي استروحت إلى حكاية واقع في وقت من الأوقات، في ظرف من الظروف، ولعلها بصدد الرد على من يرى قد يوجد من يرى وجوب صلاة الضحى مثلاً، فهي تقول في مثل هذا الظرف "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي" لتثني هذا المدعي على سبيل المثال، أو شخص يتشدد في مثل فعل الحافظ عبد الغني، لو جاء شخص قال: أنا بأصلي ثلاثمائة ركعة صلاة الضحى، يتجه أن يقال له: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى" لأن مثل هذه النصوص تعالج بها الحالات، يعني من ماشي على الجادة، متوسط في أمره من غير إفراط ولا تفريط، مثل هذا يجمع له بين نصوص الوعد والوعيد، لكن شخص منصرف، مفرط يؤتى له بنصوص التشديد والوعيد والعكس، لو وجد شخص مفرط متشدد يؤتى له بنصوص الوعد، فمثل هذه النصوص تعمل في مواضعها اللائقة بها، والعالم المرشد الموجه الداعية ينبغي أن يكون مثل الطبيب، فعائشة أثبتت وهي أيضاً نفت، ويحمل إثباتها على حال ونفيها على حال أخرى.
стр. 940
"وعن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)) رواه الترمذي".
"زيد بن أرقم ﵁" ينقل أن النبي ﵊ يقول: ((صلاة الأوابين)) الأواب: هو الرجَّاع إلى الله -جل وعلا-، المقبل عليه وعلى طاعته بفعل المأمورات وترك المنهيات، هذا أواب ((صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)) الفصال: جمع فصيل، فعيل بمعنى مفعول فهو مفصول من أمه، وولد الناقة إذا فصل عنها فطم وفصل عن أمه فحرَّ الشمس الرمضاء يؤثر عليه، يقلقله، فهذا الظرف الذي يؤثر فيه على الفصيل دون الكبار هذا هو وقت صلاة الأوابين، وهو المناسب لصلاة الضحى، وهي صلاة الأوابين، والمراد بها صلاة الضحى؛ لأنها تقع في هذا الوقت ويشملها الضحى.
((حين ترمض الفصال)) تؤلمها حر الرمضاء، ومنه سمي رمضان لأنه يؤلم الصائم، لا سيما وأن وقت التسمية تسمية الأشهر كان رمضان في وقت شدة الحر الذي تحرق فيه الرمضاء من يطأ عليها، فسمي رمضان، وهنا: ((صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)) رواه مسلم، عزوه للترمذي كما قال المؤلف هذا وهم، وهو في صحيح مسلم، ولا يوجد عند الترمذي.
والحافظ ﵀ حفظت عليه بعض الأخطاء بعض الأوهام في هذا الكتاب وفي غيره من الكتب، وهو بشر كغيره يخطئ ويصيب، لكن الخطأ النادر مغتفر، ومن يعرو من الخطأ والنسيان، لكن إذا كثر الخطأ قدح، إذا كان راوي وكثر الخطأ في روايته يقدح في روايته، إذا كان مؤلف وكثرت الأوهام في مؤلفاته تقدح في مؤلفاته.
"وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة)) رواه الترمذي واستغربه".
نعم يعني قال عنه: غريب، لكنه ضعيف، الحديث ضعيف، هذا الحديث فيه ضعفٌ شديد، وله ما يشهد له من حديث ابن عمر أنه قال لأبي ذر: "أوصني" وفيه: "وإن صليت ثنتي عشرة ركعةً بنى الله لك بيتاً في الجنة" وهو أضعف منه أيضاً فلا يرتق.
على كل حال عندنا ما يدل على صلاة الضحى والحث عليها ما يغني عن مثل هذا النص، وبعضهم يستروح إلى قبول مثل هذا الخبر، لا سيما وأنه يسنده أحاديث أخرى.
стр. 941
المسألة في مسألة الوعد والثواب المرتب عليه ((بنى الله له قصراً في الجنة)) هذا ضعيف، وإلا فصلاة الضحى ثابتة بنصوص أخرى، فيصلي من الضحى ما شاء، ركعتين أو أربع أو ست أو ثمان أو عشر أو ثنتي عشرة، يصلي ما تيسر.
ويثبت أنه صلى الضحى، وإذا كانت حين ترمض الفصال وافق صلاة الأوابين، والأولى أن تؤخر صلاة الضحى حتى ترمض الفصال، لكن إذا كان صاحب دوام مثلاً، وإذا تركها إلى هذا الوقت يمكن لا يتيسر له فعلها، يصليها إذا ارتفعت الشمس، وهي في وقتها، فوقت صلاة الضحى من ارتفاع الشمس إلى زوالها.
"وعن عائشة ﵂ قالت: "دخل النبي ﷺ بيتي فصلى الضحى ثماني ركعات" رواه ابن حبان في صحيحه".
هذا أيضاً فيه انقطاع فهو ضعيف "وعن عائشة ﵂ قالت: "دخل النبي ﷺ بيتي فصلى الضحى ثماني ركعات" رواه ابن حبان في صحيحه" لكنه ضعيف، وقد أثبتت كما في صحيح مسلم أنه صلى أربع ركعات، وثبت عنها أنها نفت أنه صلى الضحى مطلقاً، وأنه لا يصليها إلا إذا جاء من مغيبه، فالمقصود أن مثل تلك الأحاديث تغني عن مثل هذا، وثبت من حديث أم هانئ أن النبي ﵊ صلى يوم الفتح ثماني ركعات، أما هذا الحديث فهو ضعيف.
وأصل صلاة الضحى ثابتة بما سمعنا، وبهذا نكون انتهينا من باب صلاة التطوع، بقي لنا باب: صلاة الجماعة والإمامة، وما بعده من الأبواب في دورات لاحقة، نجيب على بعض الأسئلة.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آله.
يقول: هل يمكن الجمع بين حديثي عائشة في صلاة الضحى بأن نقول: إن قولها: "كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى .. لا يستلزم رؤيتها له، وإنما علمها بذلك، فاستعملت التورية في قولها: "ما رأيت" تثبت عدم وجوب صلاة الضحى وهي صادقة، ولكنها عالمة بأنه صلاها كما في قولها: "كان يصلي الضحى"؟
على كل حال هي أثبتت وهي نفت، نفت في ظرف قد تكون نسيت، والمثبت مقدم على النافي، وقد أثبتها غيرها.
يقول: هل هناك فرق بين صلاة الإشراق وصلاة الضحى؟
لا فرق، هي صلاة الضحى، وقت صلاة الضحى المفضل حين ترمض الفصال، ووقتها يمتد من ارتفاع الشمس وخروج وقت النهي إلى الزوال.
стр. 942
يقول: أنا طالب مدرسة فإذا أتيت أن أصلي في المصلى قال لي الوكيل: لا تصل في هذا الوقت لأنك تفعل سنة وحضورك إلى الحصة واجب، فيفوتني التوعية، فهل أصلي وقت الضحى في وقت الإشراق بنية الإشراق .. ؟
صل الضحى في وقت الإشراق بعد ارتفاع الشمس وقبل دخول الدرس بنية صلاة الضحى.
يقول: هل وقت صلاة الظهر خارج عن وقت متعاقد عليه في الدوام؟ وماذا نصنع إذا أجبرنا على تأخير الصلاة بحيث نصليها فرادى في البيت كما يحدث ذلك في بلد آخر غير المملكة؟
نعم، هذه الواجبات الشرعية مستثناة شرعاً، ليس لأحد أن يعارض فيها، ومن عارض فلا طاعة له.
طالب:. . . . . . . . .
ثلث الليل يحسب من غروب الشمس، ثلث الليل الآخر من غروب الشمس.
يقول: هل يقدم حفظ البلوغ أم الجمع بين الصحيحين؟
حفظ البلوغ باعتبار أن فيه أحاديث يحتاجها طالب العلم، وهي لا توجد في الصحيحين، وهي منتقاة من كتب كالبيهقي والدارقطني وابن حبان والحاكم وغيرها من الكتب تنفع طالب العلم، ثم بعد إذا حفظه وفهمه يقرأ الكتب الأصلية.
يقول: هل يجوز أن أصلي الشفع والوتر مع العشاء ومن ثم أصلي ركعتي القيام؟
إذا غلب على الظن أنك لا تقوم من آخر الليل تصلي الشفع والوتر بعد صلاة العشاء، ثم إذا تيسر لك القيام تصلي ما شئت ركعتين ركعتين.
يقول: أنا أعاني من صلاة الفجر وساعات ما أصليها بالرغم أني أضع المنبه وأوصي ناس، ولكن ساعات أصليها بعد صلاتها بساعة هل يجوز بدون تعمد؟
على كل حال الإنسان إذا بذل الأسباب ولم يفرط، وحصل أنه غلبته عيناه، فاتته صلاة الفجر لا شيء عليه ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها)) على ألا يكون ذلك ديدنه، بمعنى أنه يفرط يسهر ولا يعمل الاحتياطات اللازمة للصلاة حينئذٍ يأثم.
يقول: وجد أحد الزملاء صرة مربوطة في الستارة بمنزله وهي على شكل عقد، وشك أنه عمل لسحر من الخدم من المنزل فماذا يفعل؟
يتخلص منه يحرقه.
كثرت المتاجرة بالأسهم فهل هي حلال أم حرام؟
стр. 943
الأسهم إن كانت عبارة عن دراهم، يعني مغطاة بالدراهم، فأنت تشتري دراهم بدراهم فهذا الربا، لكن إن كانت الأسهم عبارة عن أموال عروض تجارة مشاعة فلا بأس بها، إذا كانت أسهم في أراضي أسهم في سيارات، أسهم في .. ، بيع المشاع لا بأس به، لكن يبقى أنها إن كانت مغطاة بدراهم تشتري أسهم من شركة هي عبارة عن دراهم، أو أسهم بنك أو أسهم .. ، هذا لا يجوز.
يقول: قال ﵊ في حديث سجود السهو: ((فإن كان صلى خمساً فإنها تشفع له))
يعني سجدتي السهو ((شفعن له صلاته)) يقول: فما الغاية من الشفع؟
هنا: إن كان الوتر بلا نية لا يقع، الشفع في حديث السهو هاتان السجدتان تقومان مقام ركعة ((تشفع له صلاته)) الأصل في الصلاة أنها رباعية شفع، فإذا زاد واحدة صارت وتر، إذا سجد سجدتين شفعن له صلاته.
يقول: ما حكم نسخ الأشرطة الإسلامية كالمحاضرات والدروس في البيت؟ وهل يشترط الاستئذان من صاحب التسجيلات؟ وهل علي إثم إذا لم أستأذن؟
إن كان نسخك للاستعمال، لاستعمالك الخاص لا للمتاجرة، و .... فهذا لا يترتب عليه ضرر على صاحب الامتياز الذي تعب وخسر على هذه الأشرطة فلا بأس، كمن يصور صفحة أو صفحات من كتاب، لكن من أراد أن يعيد طباعة الكتاب كاملاً أو ينسخ كمية تجارية من الأشرطة بحيث يتضرر من تعب عليها وخسر عليها فالضرر لا يجوز.
يقول: هل يجوز أن أستدين مبلغاً من المال من شخص يعمل في بنك ربوي؟
على كل حال التعامل معهم أو مع من يتعامل معهم ويتعاون معهم على الإثم والعدوان الأصل المنع، لكن إن لم يوجد ما يقضي حاجتك إلا من يتعامل بالربا أو من يتعاون معه فلا بأس حينئذٍ، على أن تكون معاملتك معه شرعية.
هل يجوز أن أقبل منه الهدايا وأشاركه في طعامه وشرابه؟
الأصل أن يهجر مثل هذا، لكن إن أجدى الهجر وأفاد ونفع به فهو الأصل، وإلا يلجأ إلى صلته إن كان أدعى لقبوله لترك هذه المعصية.
يقول: عند الوضوء أحاول قدر الإمكان أن أستبرئ من البول ولكن بعد أن أذهب للصلاة أحس أن هناك نزول للبول، وبعض الأوقات وأنا في الصلاة، وكذلك أحس بريح لا صوت لها ولا رائحة فهل يبطل وضوئي؟
стр. 944
لا يبطل وضوئك، احرص أن تستبرئ من البول في وقت الاستنجاء حال الاستنجاء، ثم انضح، رش الماء على موضع الخارج، وعلى السراويل وخلاص تنتهي، ولا تلتفت إلى ما يخرج بعد ذلك.
يقول: هل نستطيع أن نجمع بين نية الوضوء وتحية المسجد والضحى والنافلة؟
نية يعني سنة، سنة الوضوء الواردة في حديث بلال ﵁، نعم يمكن تجمع بينها وبين تحية المسجد؛ لأن تحية المسجد لا تراد لذاتها فتدخل في أي صلاة، أما الجمع بينها وبين صلاة الضحى، صلاة الضحى مقصودة لذاتها ما تدخل.
يقول: في حديث: ((من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا أصبح أو إذا ذكر)) ليس على إطلاقه فمن ذكر بعد الظهر فلا يقضِ؟
القاعدة عند أهل العلم أن السنن إذا فات محلها لا تقضى، وكثيراً ما يعبرون بقولهم: سنة فات وقتها، لا تقضى إذا فات وقتها، بمعنى أنه دخل وقت صلاة تليها صلاة أخرى، حينئذٍ لا تقضى.
يقول: إذا صليت الوتر مثلاً تسليمتين بعد صلاة العشاء مباشرة، يعني أربعاً بعد صلاة العشاء، وقبل طلوع الفجر صليت الباقي مع العلم بأنها كلها إحدى عشرة ركعة فهل عملي هذا صواب؟
نعم، عملك صحيح.
يقول: الدعاء الذي يقال بين السجدتين هل لا بد فيه من الترتيب؟
نعم، الأصل أن تقال الأذكار كما رويت، لكن من قدم أو أخر لا شيء عليه.
يقول: بعد ما أعمل عملاً طيباً أشعر بإعجاب من نفسي لأنني عملت هذا العمل؟
إن كنت تفرح ومجرد فرح بأنك وفقت للعمل الصالح، ولتسرك حسنتك هذا مطلوب، لكن كونك تعجب بعملك وتترفع به على الناس، وتزدري الناس من أجله.
فالعجب فاحذره إن العجب مجترفٌ ... أعمال صاحبه في سيله العرمِ
فالإعجاب والعجب هذا ليس بمحمود بل مذموم، وشأنه خطير، لكن كون الإنسان يفرح بأنه عمل العمل الصالح، ووفق له هذا مطلوب، ولا ينافي الإخلاص.
يقول: بعض أقراص الكمبيوتر التي بها قرآن أو أحاديث لا بد لفتحها من إجراء قسم بأنها الأصلية: أقسم بالله العظيم أنها أصلية فما حكم ذلك؟
هذا يحلف بالله وهذا كاذب، لا يجوز له أن يحلف بالله وهو كاذب، وهناك ما يغني عن مثل هذا العمل ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ [(٢٢٤) سورة البقرة].
طالب:. . . . . . . . .
стр. 945
دعاء القنوت الذي علمه النبي ﵊ الحسن: ((اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت)) .. إلى آخره، وإذا زاد من الأدعية المطلقة ما ليس فيه قطيعة ولا إثم ولا اعتداء لا بأس به، على أن لا يداوم على القنوت.
يقول: هل يجوز أن أصلي أربع ركعات بنية قيام الليل؟
متى؟ إذا كان في الليل فهو من قيام الليل، لكن صل مثنى مثنى.
كيف يكون الغسول من الجنابة؟
الاغتسال أولاً: يغسل الفرج وما تلوث، ثم الوضوء كوضوء الصلاة، يغسل فرجه وما لوثه، ثم يتوضأ وضوؤه للصلاة، ثم يفيض على رأسه الماء ثلاثاً، يروي أصول الشعر، ثم يغسل شقه الأيمن ثلاثاً، ثم الأيسر كذلك هذا الأكمل، وإن عمم البدن بالماء كفى.
كم عدد الرضعات التي يصبح فيها الطفل أخٌ لأولادهم؟
خمس رضعات.
هذا يريد جدول مناسب لطالب العلم من حيث ترتيب وقته والاستفادة من وقته .. بمَ ينصح طالب العلم؟
عليه أن يستغل الوقت، وأن يبدأ من العلوم والكتب من هذه العلوم بالأهم فالأهم، والموضوع يطول شرحه.
طالب:. . . . . . . . .
استماع الجنب للقرآن لا بأس به.
أحد الدعاة يقول: بأن قول الشيخ ابن باز ﵀ باشتراط الاستحلال لتكفير الحاكم بغير ما أنزل الله زلة عالم؟
هذا رأي الشيخ ﵀، وهو قول معتبر عند جمع من أهل العلم، وإن قيل بخلافه.
يقول: هل يجوز قول: اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت .. ؟
لا، هذا اختصار، هذا اختصار من النص، والنص متعبد بلفظه.
يقول: بيني وبين شخص آخر خصومة عندما أريد الإصلاح بيني وبينه يرفض ذلك وقد أرسلت عليه أناس آخرون للصلح، ولكن رفضوا ذلك فهل علي إثمٌ؟
على كل حال هو يستقل بالإثم، ومع ذلك إذا لقيته فسلم عليه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 946
بلوغ المرام – كتاب الصلاة (٢٥)
شرح: باب: صلاة الجماعة والإمامة
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
قال شيخ الإسلام ابن حجر ﵀: "باب: صلاة الجماعة والإمامة"
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) متفق عليه.
ولهما عن أبي هريرة: ((بخمس وعشرين جزءاً)).
وكذا للبخاري: عن أبي سعيد, وقال: ((درجة)).
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب, ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها, ثم آمر رجلاً فيؤم الناس, ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة, فأحرق عليهم بيوتهم, والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)) متفق عليه، واللفظ للبخاري.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر, ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً)) متفق عليه.
وعنه قال: "أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد, فرخص له, فلما ولى دعاه, فقال: ((هل تسمع النداء بالصلاة?)) قال: نعم، قال: ((فأجب)) رواه مسلم.
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((من سمع النداء فلم يأتِ فلا صلاة له إلا من عذر)) رواه ابن ماجه والدارقطني وابن حبان والحاكم, وإسناده على شرط مسلم, لكن رجح بعضهم وقفه.
стр. 947
وعن يزيد بن الأسود ﵁ أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح, فلما صلى رسول الله ﷺ إذا هو برجلين لم يصليا, فدعا بهما, فجيء بهما ترعد فرائصهما, فقال لهما: ((ما منعكما أن تصليا معنا?)) قالا: قد صلينا في رحالنا، قال: ((فلا تفعلا, إذا صليتما في رحالكم ثم أدركتم الإمام ولم يصلِ فصليا معه, فإنها لكم نافلة)) رواه أحمد, واللفظ له, والثلاثة, وصححه الترمذي وابن حبان".
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: صلاة الجماعة والإمامة" الترجمة مؤلفة من شقين من باب أحكام صلاة الجماعة وحكمها، وأحكام الإمامة، وشروط الإمام، بدأ -رحمه الله تعالى- بالشق الأول في بيان حكم صلاة الجماعة وفضلها، فقال -رحمه الله تعالى-: "عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة الجماعة -الجماعة اثنان فأكثر- أفضل من صلاة الفذ -يعني الواحد- بسبع وعشرين درجة)) " الحديث مخرج في الصحيحين من حديث ابن عمر، وحديث الأكثر على رواية: "الخمسة والعشرين" وعلى رواية: "السبع والعشرين" هذه، حديث: "سبعة وعشرين" ثابت في الصحيحين وغيرهما.
"ولهما" أي للبخاري ومسلم من حديث: "أبي هريرة ﵁: ((بخمسة وعشرين جزءاً))، وكذا للبخاري من حديث أبي سعيد ﵁ وقال: ((درجة)) ".
стр. 948
أكثر الرواة على الخمس والعشرين، ابن عمر يروي السبع والعشرين مع أنه يروى عنه الخمس والعشرين أيضاً، صلاة الجماعة يعني اثنان فأكثر أفضل وهذه أفعل تفضيل مقتضاها أن تكون صلاة الجماعة فاضلة، وصلاة الفذ فاضلة، فاشترك المفضل والمفضل عليه في الوصف الذي هو الفضل، وفاق أحدهما الآخر، فاقت صلاة الجماعة على صلاة الفذ في هذه الصفة، فصلاة الجماعة فيها فضل وصلاة الفذ فيها فضل، والمراد بالفضل هنا الأجر، ثبوت الأجر، ولا يثبت الأجر إلا إذا سقط الطلب وصحت الصلاة وصارت مقبولة، بمعنى أنه يترتب عليها ثوابها، وتسقط الطلب، فكل من صلاة الجماعة وصلاة الفذ كلاهما فيه فضل، وكلاهما فيه أجر، وكلاهما مسقط للطلب، لكن صلاة الجماعة فاقت صلاة الفذ في هذا الفضل وفي هذا الأجر.
من يقول بسنية صلاة الجماعة وعمدتهم هذا الحديث يقول: لو كانت صلاة الجماعة شرطاً لصحة الصلاة أو واجبة لما جاء الخبر بمثل هذه الصيغ، نقول: نعم صلاة الفذ فيها أجر وفيها ثواب، ولا مانع من أن يجتمع الأجر والثواب مع الإثم لانفكاك الجهة، هذا جواب من يرى وجوب صلاة الجماعة.
أقول: هذا الحديث وما جاء في معناه هو عمدة من يقول: صلاة الجماعة سنة؛ لأنها هنا أفضل من صلاة الفذ، إذن صلاة الجماعة سنة، وهو المعروف عند الحنفية والمالكية والشافعية يقولون: فرض كفاية، والحنابلة يقولون: واجبة وجوباً عينياً بمعنى أنه يأثم كل من وجبت عليه الجماعة من الرجال الذكور المكلفين الذين لا عذر لهم.
стр. 949
يجيب الحنابلة عن استدلال الحنفية والمالكية بهذا الحديث على أن صلاة الجماعة سنة أن العمل قد يجتمع فيه أمران: الأجر والوزر لانفكاك الجهة، فالصلاة إذا أديت بشروطها وواجباتها وأركانها ترتبت آثارها عليها، لكن إذا ترك المصلي ممن تجب عليه الجماعة الجماعة أثم، ويدعم هذا القول الأحاديث اللاحقة، وليست الجماعة شرط لصحة الصلاة ليتجه قول من يستدل بهذا الحديث على أنها سنة، إنما الجماعة واجبة وجوباً عينياً على كل ذكر مكلف قادر على الإتيان لا يمنعه من الحضور إليها عذر، وعرفنا دليل من يقول: بأنها سنة، ومن يقول: بأنها فرض كفاية كالشافعية يقولون: الأحاديث كحديث أبي هريرة وما في معناه يدل على تأكدها بل تعينها وهي شعار يسقط بقيام البعض به، وسيأتي الرد عليهم من خلال الحديث اللاحق -إن شاء الله تعالى-.
стр. 950
((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد، حديث أبي هريرة جزءاً، فالجزء هو الدرجة، وجاء تفسير الجزء بالصلاة، فعلى هذا صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة، سبع وعشرين مرة كما جاء في بعض الروايات، فاختلاف الرواة في العدد منهم من يقول: العدد لا مفهوم له، والأصل أن الكلام له مفهوم، نعم إذا تعارض المفهوم مع منطوق أقوى منه يلغى المفهوم، ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [(٨٠) سورة التوبة] هذا لا مفهوم له؛ لأنه معارض بمنطوق أقوى منه ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [(١١٦) سورة النساء] فهنا سبع وعشرين درجة، وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد: "خمس وعشرين درجة" فمنهم من يقول: إن العدد لا مفهوم له، ويستوي في ذلك السبع والعشرين والخمس والعشرين وما هو أكثر من ذلك وما هو أقل، بل المراد من هذه الأحاديث بيان مزية صلاة الجماعة من غير تحديد بعدد معين، وإنما ذكرت هذه الأعداد للتمثيل، وإلا فالأصل فالعدد لا مفهوم له، منهم من يثبت أن العدد له مفهوم، ويحمل حديث ابن عمر على صور وأحاديث أبي هريرة وأبي سعيد وغيرهما مما جاء في الخمس والعشرين على صور أخرى، طلباً للجمع بين هذه النصوص، فبعضهم يقول: السبع والعشرين لمن صلى جماعة في المسجد، والخمس والعشرين لمن صلى جماعة خارج المسجد، في غير المسجد، ومنهم من يقول: السبع والعشرين للأعلم الأخشع، والخمس والعشرين لمن كان حاله ضد ذلك، ومنهم من يقول: السبع والعشرين لمدرك الصلاة كلها، والخمس والعشرين لمدرك بعضها، ومنهم من يقول: السبع والعشرين للبعيد من المسجد، والخمس والعشرين للقريب منه.
وعلى كل حال هذه أقوال لا دليل عليها، ولا شك أن حضور القلب في الصلاة له دور كبير في ترتب الأثر والأجر عليها، ولذا من الناس من ينصرف بصلاة كاملة، ومنهم من ينصرف بنصفها، ومنهم من ينصرف بالربع، ومنهم من ينصرف بالعشر، ومنهم من ينصرف بلا أجر، لكن يكفيه أن صلاته تسقط عنه الطلب وتبرأ ذمته بها.
следующие страницы →