Полный текст (1 466 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الصغير والكبير، وفي لفظٍ: "أن تؤدى قبل خروج الناس إلى المصلى" هذا وقتها، وكان الصحابة يعطونها قبل العيد بيومٍ أو يومين، كما في البخاري، كان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطونها قبل العيد بيومٍ أو يومين، وهذا فيه فرصة للآخذ والمعطي، فيه سعة، وإن كان الأصل أن تؤدى قبل خروج الناس إلى المصلى؛ لكن إذا تأخرت عن الصلاة فهي صدقة من الصدقات، فليست بزكاة فطر، فلا يجوز تأخيرها إلى ما بعد الصلاة؛ لكن هذا خرج ومعه زكاة الفطر، وهو خارج إلى المصلى، معه زكاة الفطر له ولأولاده، افترض خمسة عشر صاع، كيس مليان ورابطه يبي يشيله معه بالسيارة انفك الكيس وانكب بالتراب، بحث عن ناس يبيعون ما وجد إلا بعد الصلاة، تحصل وإلا ما تحصل؟ انكب واختلط بالتراب وش يسوي عاد؟ يخرجها بعد الصلاة وإلا ما يخرج؟ يسعى أن يخرج ما يمكن إخراجه قبل الصلاة، يحرص على هذا، والذي لا يمكن، الشكوى لله، بعد الصلاة ضرورة هذه، وإلا فالأصل أن تؤدى قبل خروج الناس إلى المصلى.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنا نعطيها في زمن النبي ﷺ صاعاً من طعامٍ، أو صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقطٍ، أو صاعاً من زبيب، فلما جاء معاوية وجاءت السامراء قال: "أرى مداً من هذا يعدل مدين؟ والصاع كم مد؟ أربعة أمداد، الصاع أربعة أمداد، إذاً مدين تعدل الأربعة، والمدين نصف صاع، إذاً رأى معاوية أن نصف صاع من السمراء تعادل الصاع من غيرها، فكان يخرج معاوية نصف صاع، يقول: "فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: أرى مداً من هذه يعدل مدين" فهذا فعل صحابي اجتهد ووافقه عليه بعض الصحابة، وخالفه آخرون، والعبرة بالمرفوع، والمرفوع ليس فيه إلا الصاع، فاجتهاد مرجوح، ولذا استمر أبو سعيد وجمع من الصحابة استمروا على ما كانوا يخرجونه في زمن النبي ﷺ ، قال: "أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله ﷺ " وأبو سعيد معروف في ثباته، حتى في إنكاره على من يخالف السنة له مواقف ﵁ وأرضاه-.
стр. 667
طيب هذا شخص واحد زكاته زكاة الفطر بالنسبة له صاع، وقال: فرصة الآن من فطري ونتصور المسألة التي ذكرناها أنه انكب فجاء وقال: هذا الكيس يباع أنا بخرجه كله زكاة، صدقة عني، ثم حصل له ما حصل أراد أن يحمله ومع دخول الإمام قبيل دخول الإمام انكب، ووجد صاع يباع يكفيه أن يشتري هذا الصاع ويخرجه عن نفسه، أو نقول: الواجب عليك مثل الذي انكب منك كيس؟ المسألة تنطوي تحت قاعدةٍ عامة، الزيادة على القدر المحدد شرعاً عند أهل العلم إن كانت الزيادة متميزة بنفسها فالقدر الزائد نفل، وإن كانت الزائدة غير متميزة فالجميع واجب، أنت ما عليك إلا صاع، فطلعت كيس هذا غير متميز، الفرق ظاهر وإلا ما هو ظاهر؟ هذه مسألة معروفة عند أهل العلم، يعني شخص أخرج دينار عن عشرين، خلينا نجيب مثال الذي بروضة الناضر الذي درستوه كلكم، كمن أخرج ديناراً عن عشرين، يجب عليه في العشرين كم؟ نصف دينار، فجاء وأخرج دينار، هل نقول: أن الواجب عليك نصف دينار، والثاني تطوع، أو نقول: الكل باعتباره غير متميز؟ نعم لو أخرج نصف دينار، قال: خذ وأنت خذ نصف الدينار الثاني، خلاص انتهى الإشكال، متميز، وهذا لو جاء بالآصع كل واحد بمفرده، قلنا: هذا الواجب والبقية نفل؛ لكن هذا طلع كيس كامل صدقة الفطر وهو واحد، يرى بعضهم أن الزيادة إذا لم تكن متميزة فهي واجبة عليه، فعلى هذا يلزمه بدل الواجب كيس كامل، ما يكفي صاع.
стр. 668
نأتي إلى القدر الزائد عن الواجب في الركوع، القدر الواجب في الركوع أن يطمئن راكعاً، ويأتي بالتسبيح ولو مرة، وما زاد على ذلك فهو سنة، دخل واحد وجد الإمام راكع ومطمئن ومنتهي من القدر الواجب، وزاد الإمام من أجل هذا الداخل زيادة تسبيحات واطمئن زيادة، الآن نقول: هذا الداخل أدرك الإمام وهو مفترض وإلا متنفل؟ الآن القدر الزائد على الواجب نفل وإلا فرض؟ متميز وإلا غير متميز أو ما في فرق؟ هذا متميز وإلا ما تميز؟ هذا ما تميز يا إخوان، ولذلك الحنابلة ما يشكل عليهم مثل هذا في إمام المفترض خلف المتنفل، يطول الإمام ما شاء وزيادة غير متميزة والكل واجب، ولا يعني هذا أنه يأثم فيما لو تركه، خلاص ما يأثم لو ترك؛ لكنه حكماً حكمه حكم الواجب، ولذا لا يشكل عليهم في أصلهم في مسألة صلاة المفترض خلف المتنفل، فننتبه لمثل هذه الأمور.
طالب:. . . . . . . . .
لا هم عندهم القدر الزائد على الواجب، قاعدة معروفة، حتى الإخوان الذين درسوا روضة الناظر مرت عليهم، وقواعد ابن رجب مرت عليهم؛ لكن باعتبار روضة الناظر باعتبارها مقرر في الكليات معروفة قطعاً، ونذكر المثال كمن أخرج ديناراً عن عشرين، هذا مثال صاحب الروضة، وعلى كل حال صنيع أبي سعيد يدل على ما كان عليه من شدة الاتباع، والتمسك بالآثار، وترك العدول عن المأثور عن النبي ﵊ إلى غيره مهما كان قائله، وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون هواه تبعاً لما جاء به النبي ﵊.
هذا يقول: هل يجوز قول القائل: منة الله ولا منة خلقه؟
يعني لو أن شخصاً لا يستطيع الحج، وجاء واحد قال: هذه خمسة آلاف حج، يقول له: يا أخي أنا الآن معذور ومنة الله ولا منة خلقه، هذا الكلام صحيح من حيث المعنى، الله -جل وعلا- أمنّ، هو الذي منّ عليك بأن لا تتكلف فوق طاقتك، والمال المبذول من قبل هذا التاجر لا يسلم من منّة، فالمعنى صحيح؛ لكن يحتاط الإنسان في كلامه أكثر.
ما مقدار القلتين؟
خمس قرب، يعني خمسمائة رطل عراقي، كما قال أهل العلم.
يقول: ما صحة الزيادة في هذا الحديث: ((ما نقص مال من صدقة، بل تزده، بل تزده، بل تزده))؟
стр. 669
لا، ((بل تزده)) هذه ليست ثابتة، ومن حيث العربية صحيحة وإلا ليست صحيحة؟ بل تزده بل تزده؟ يعني من حيث العربية غير صحيحة، الأصل: بل تزيده.
حديث: ((الأذنان من الرأس))؟
ضعيف.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب الصيام:
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصم)) وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له)).
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا السائل يقول: سؤال من الأمس أجلناه لليوم، للمناسبة يقول: لماذا قدم النبي ﷺ الحج على صوم رمضان في حديث ابن عمر؟
في حديث ابن عمر المتفق عليه عن النبي ﵊ قال: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)) هذا المتفق عليه والمخرج في الصحيحين، وخرج الإمام مسلم من حديثه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان والحج)) فقيل له -لابن عمر-: "الحج وصوم رمضان؟ قال: لا، صوم رمضان والحج".
стр. 670
فالروايات المتفق عليها فيها تقديم الحج على الصيام، وعلى هذا بنى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- ترتيب كتابه، فقدم المناسك والحج على الصيام، فالبخاري -رحمه الله تعالى- بنى كتابه، ترتيب كتابه على الرواية التي خرجها المتفق عليها في تقديم الحج على الصيام، ومسلم كغيره من عامة أهل العلم مشى على تقديم الصيام على الحج، والأكثر على أن الصيام أهم من الحج، وأعظم من الحج، والبخاري في تقديمه الحج على صوم رمضان يفهم منه أن الحج عنده أعظم من الصيام، وباللفظين جاء الخبر الصحيح، كيف يروي ابن عمر الحديث ويقدم الحج على الصيام ويخرج عنه في الصحيحين؟ وينكر على من رد عليه في صحيح مسلم تقديم الصيام على الحج؟ قال: "لا، صوم رمضان والحج" فأهل العلم يقولون: أن ابن عمر يروي الحديث من الوجهين، سمعه من النبي ﵊ بتقديم الصيام مرةً وبتقديم الحج مرة، وخرجه العلماء على هذا الأساس، وأن كل منهما صحيح، ومعروف في العربية أن الواو لا تقتضي ترتيب، إذاً ما دام على الوجهين عند ابن عمر كيف أنكر على من قال له: الحج وصوم رمضان، أنكر عليه أن يتدخل ويستدرك ما لا علم له به، ابن عمر عنده خبر أنه مرةً قدم هذا ومرةً قدم هذا، ورواه على الوجهين؛ لكن بعض الناس يرد ما لا يعرفه فمثل هذا يؤدب، كأن ابن عمر قال له: أنا أعرف منك، أنت سمعت الخبر من طريقي، والحديث عندي على الوجهين فلا ترد علي، خلي مرةً أروي على هذا ومرةً أروي على هذا، فإنكاره عليه من باب تأديبه وزجره، ومنهم من يقول: يحتمل أن ابن عمر نسي، هو يرويه عن الوجهين، ونسي الوجه الثاني لما رد على من استدرك عليه، ونسي الوجه الثاني لما استدرك عليه المستدرك، وعلى كل حال الوجهان صحيحان، والأكثر على تقديم الصيام، والرواية المتفق عليها بتقديم الحج، والحج شأنه عظيم، لو لم يكن فيه إلا قول الله -جل وعلا-: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] خطر عظيم الذي يجد، ويستطيع الحج ولا يحج، وجاء عن عمر ﵁ كتب إلى الأنصار أن ينظر إلى من كانت عنده
стр. 671
جدة، ويستطيع الحج فلم يحج أن تضرب عليه الجزية، ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين، ولهذا قدم البخاري الحج على الصوم استناداً على الرواية، ولما جاء في ذلك من نصوص تعظم شأن الحج، جاء في الصيام أيضاً نصوص شديدة، من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر لم يقضه صيام الدهر ولو صامه، فالأمر ليس بالسهل، ركن من أركان الإسلام شأنه عظيم، حتى قال بعض أهل العلم بكفر تاركه، ولو أقر بوجوبه، يعني كما ذكرنا في درس الأمس في الزكاة، أن من أهل العلم من يرى كفر تارك الأركان العملية، تارك أحد الأركان العملية، وهي رواية عند الإمام أحمد رجحها بعض أصحابه، وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان، المقصود أن الأركان شأنها عظيم، الأركان شأنها عظيم، ومنها الصيام الذي معنا، وما يليه من الحج، وما قبله من صلاةٍ وزكاة.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب الصيام، كتاب تقدم التعريف به، والصيام مصدر صام يصوم صياماً كقام يقوم قياماً، ومنهم من يقول: كتاب الصيام، ومنهم من يقول: كتاب الصوم، وهو اسم مصدر أيضاً لصام، كما يقال: نام ينام نوماً، على كل حال هما مصدران للفعل صام، والصيام في اللغة: الإمساك ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [(٢٦) سورة مريم] إمساك عن الكلام.
خيل صيام وخيل غير صائمة *****. . . . . . . . .
стр. 672
المقصود أن منها الممسك عن الأكل، ومنها الخيل التي تأكل، فمجرد الإمساك في لغة العرب يسمى صيام، وهو في الشرع الإمساك في النهر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن المفطرات من أكلٍ وشربٍ وجماع، الإمساك عن المفطرات بنية، بنية التقرب من أكلٍ وشربٍ وجماع، هذا هو الصيام الشرعي مما ورد في الشرع، هذا الصيام الشرعي؛ لكن لو أمسك عن الطعام من طلوع الشمس إلى غروبها، هذا ممسك عن الأكل، وهو صائم لغةً؛ لكن هل صيامه شرعي؟ يؤجر عليه؟ لا يؤجر على مثل هذا الصيام، وإن تعبّد به دخل في حيّز الابتداع، بدعةً أن يمسك الإنسان بنية التقرب إلى الله -جل وعلا- من طلوع الشمس إلى غروبها، ومما يذكر الأستاذ أحمد أمين أديب معروف، وتولى القضاء الشرعي، ودرس في المدارس الشرعية؛ لكنه محسوب في الجملة على الأدباء، يذكر في مذكراته كتاب اسماه (حياتي) أنه ممن درسه في مدرسة القضاء الشرعي شخص أعجبه في علمه وسمته، ثم انقطع خبره هذا الشخص، يقول: بحثت عنه عشر سنين لم أجده، ثم تيسر له أن سافر إلى تركيا فوجد شخص هناك قد انقطع عن الناس، ولزم الصيام والقيام، لزم الصيام والقيام، تصوّف على حد زعمه؛ لكن يقول: كان يصوم من ارتفاع الشمس إلى غروبها، طيب ما السبب؟ يقول: بجواره في السكن أو في الشقة التي يسكنها تحتها أسرة ما أدري الآن هل قال: يهودية أو نصرانية، يخشى أن يزعجهم إذا قام قبل صلاة الفجر، وأعد السحور، وتسحر وصام صيام شرعي، قلت: سبحان الله، يعني من لوازم شهادة أن محمداً رسول الله أن لا يعبد الله إلا بما شرع، لا بالبدع، هذه بدعة، والداعي إليها يعني المبرر قبيح، ليس له مستند لا عقل ولا نقل، لئلا يزعج الأسرة اليهودية أو النصرانية التي تسكن تحته، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 673
﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [(٨) سورة فاطر] هذا ليس بصيام، إنما الصيام من طلوع الفجر، مقرون بالنية إمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذا هو الصيام الشرعي، ولا بد أن يكون ليؤتي ثماره أن يكون على الوجه المطلوب، على الوجه الشرعي، على الطريقة النبوية؛ لأن بعض الناس يصوم يمسك عن المفطرات الحسية، ويزاول ما يزاول من جرائم ومنكرات، هل هذا صيام؟ نعم هو صيام مجزئ ومسقط للطلب، لا يؤمر بإعادته؛ لكن هل تترتب عليه آثاره؟ الفائدة العظمى من مشروعية الصيام التقوى، الثمرة العظمى من مشروعية الصيام أنه مورث للتقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة] هذه هي الثمرة العظمى من مشروعية الصيام، فالصيام الذي لا يورث تقوى ولا يكف عن معاصي هذا وإن أسقط الطلب إلا أنه لا تترتب آثاره عليه، مثل هذا قل في كثيرٍ من الناس الذين يصلون، يحافظون على الصلوات مع الجماعة، الصلوات الخمس يحافظون عليها مع الجماعة، ويزاولون المنكرات والفواحش ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ [(٤٥) سورة العنكبوت] يعني هل هذا كلام من؟ كلام الله -جل وعلا-، لا يختلف كلامه ولا يتخلف، الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، طيب هذا يصلي لكن إيش الفائدة؟ ليست هذه الصلاة كما أمر الله -جل وعلا-، الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي التي تقام على مراد الله -جل وعلا-، وعلى ضوء ما جاء عن نبيه ﵊، امتثالاً لقوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) يعني الصلاة المقبولة والصيام المقبول لا أعني الصيام الصحيح في عرف الفقهاء الذي لا يؤمر بإعادته، أعمال الفساق كلها غير مقبولة، وإن لم يؤمر بإعادتها، بل يحكم بصحتها ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] فالذي يزاول المنكرات، ولا يتقي الله -جل وعلا- في فعل الأوامر واجتناب النواهي، هذا لا يتقبل الله منه عبادته، ومعنى نفي القبول هنا نفي الثواب المرتب على العبادات، وإلا فعبادات الفساق
стр. 674
صحيحة، بمعنى أنها مجزئة ومسقطة للطلب لا يؤمرون بإعادتها، والصيام كما أنه مورث للتقوى أيضاً هو مورث لمنزلة المراقبة لله -جل وعلا-، المراقبة، منزلة الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه، كيف الصيام دون غيره يورث منزلة المراقبة؟ لأن الصيام سر بين العبد وربه، بإمكانه أن يفطر والناس لا يشعرون، بإمكانه أن يفطر والناس لا يدرون به، بينما العبادات الأخرى يراه الناس، فإذا كان يصوم والناس لا يرونه، ويثبت على صيامه، الصيام الشرعي، لا شك أنه يراقب الله -جل وعلا- في صيامه، وإذا تولدت عنده هذه الملكة، وهذه المنزلة، منزلة المراقبة اتقى الله، وترك ما حرم الله، وفعل ما أمره الله به، ولذا جاء في الحديث القدسي: ((الصوم لي، وأنا أجزي به)) سر بين العبد وربه، ما الذي يمنعه أن يدخل في غرفته ويحكم إغلاق الباب، وكثير من الغرف الآن لما وسع الله على الناس فيها كل ما يحتاجه الإنسان، لو يغلق عليه الباب –باب غرفته- أيام ما تأثر، عنده الثلاجة، وعنده فيها الأكل والشراب، فيها كل ما يحتاجه، والله المستعان.
فإذا ترك هذا من أجل الله -جل وعلا- لا شك أن هذه مراقبة في الخلوة، والمراقبة في الخلوة تبعث على مراقبة الجلوة، يعني بين الناس، وهذه المنزلة منزلة عظيمة جداً، قد لا تحصل لكثيرٍ من المسلمين، منزلة بعد الإيمان كما في حديث جبريل، فالإنسان عليه أن يسعى لتحصيلها.
стр. 675
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقدموا رمضان)) الأصل ((لا تتقدموا رمضان)) يعني بأن تصوموا قبله بيوم أو يومين، ((لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين)) وهذا النهي إنما ينهى من صام آخر شعبان، آخر يوم أو يومين من شعبان للاحتياط، بنية الاحتياط لرمضان، خشية أن يكون من رمضان، وهو لا يشعر، هذا جاء النهي عنه، جاء النهي عنه، والاحتياط إذا أدى إلى ارتكاب محظور أو ترك مأمور، فالاحتياط في ترك هذا الاحتياط، كما قال شيخ الإسلام، ((لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين)) لأن عندنا عبادات شرعية محددة، معلومة الأول والآخر، مبنية على وسائل شرعية، لا بد من رؤية الهلال، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، فإذا رؤي الهلال لزم الناس الصيام، كما سيأتي، وإذا أكمل الناس شعبان ثلاثين يوماً صام الناس، أما أن يقال: يصوم الناس احتياطاً، الناس ما رأوا الهلال، احتمال أن يكون ظاهر وهو ما ظهر؟ لا، هذا هو الاحتياط الذي جاء النهي عنه، عندنا وسائل شرعية، يلزمنا العمل بها ولو أخطأنا في تطبيقها، لو أخطأنا في تطبيقها، افترض أن الهلال ظاهر؛ لكن ما رآه أحد، وعلق الأمر بالصيام برؤية الهلال، ثم بعد ذلك لما أتممنا ثمان وعشرين يوم رأينا هلال الفطر، هل نكون فرطنا بشيءٍ من ديننا أو أثمنا؟ لا، عندنا مقدمات شرعية لا بد من توافرها، ليس هذا ناتج عن تفريط، لا أبداً، فالصيام عبادة معروفة الأول والآخر مبنية على وسائل شرعية، كما أن القاضي إذا حكم بالبينة والمفترض في البينة أن يكونوا ثقات، إذا تحرى وشهد عنده الثقات وقبل شهادة هؤلاء الثقات وحكم بموجب شهادتهم ولو أخطأ، ولو كذبوا في شهادتهم؛ لأن المسألة مفترضة في ثقات، والثقة معروف أنه ليس بمعصوم، قد يخطئ، المقصود أن الحكم صحيح، ولذا جاء في الحديث الصحيح: إنما أنا بشر أقضى على نحو ما أسمع، وهو النبي ﵊ المؤيد بالوحي، فلنفترض أن القاضي مثل أمامه شخصان، مدعي ومدعى عليه، فأحضر المدعي شاهدين، تحرى القاضي في أمر الشاهدين وغلب على ظنه أنهما ثقتان، وحكم بموجب ذلك، ثم تبين بعد ذلك أن
стр. 676
الشاهد أحد الشاهدين أو هما معاً، كذبا في شهادتهما، يأثم القاضي؟ ما يأثم المقدمات الشرعية والتحري المطلوب بذل، وما وراء ذلك هو بشر، يحكم على نحو ما يسمع، وهنا عندنا مقدمات شرعية، بحيث لو أخطأت هذه البينة لا يأثم الناس ولو صاموا ثمان وعشرين، ثم أكملوا يوماً بعد العيد، لذلك يكثر الكلام قبيل رمضان والقيل والقال والصحف ويتكلم أهل العلم وغيرهم في هذه المسألة، ويتدخل بعض العوام الذي يهمه شأن عباداتهم؛ لكن عن جهل، يقول: ما الذي يضر أن يصوم الناس زيادة يوم أو يومين؟ ما يضر، حتى قال بعض أهل العبادة من الجهال في زمنٍ مضى: أنه يجوز أن تشهد أنك رأيت الهلال وأنت ما رأيته، وش ينقص الناس؟ زيادة يوم والحمد لله، أولاً: يكفون عن كثيرٍ من الشرور، ويصومون والصيام عبادة، نقول: هذه من أعظم الجرائم، يعني كمن يكذب على النبي ﵊ ليرغب الناس في الدين، وفي قراءة القرآن، هذا جهل مركب، وعاقبته وخيمة، الدين كامل، ليس بحاجة إلى اجتهادات، وليس بحاجة إلى زيادات.
((لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه)) افترضنا أن يوم تسع وعشرين وافق يوم الاثنين، وقد اعتاد صيام يوم الاثنين، نقول: صم يوم الاثنين؛ لأنك ما تصومه احتياطاً لرمضان إنما تصومه على عادتك، وهذا يقرب في باب الصلاة من ذوات الأسباب، يقرب في باب الصلاة من ذوات الأسباب، هو ما صلى من أجل طلوع الشمس ولا غروبها، وإنما صلى لقيام السبب، وهنا ما صام احتياطاً لرمضان، وإنما صام لملاحظة الوقت وهو الاثنين.
قد يقول قائل: وهذا يحتاج ترى إلى ذكاء خارق هذا السؤال؟ إذا كان ممن يصوم الأيام البيض يصوم الثلاثة الأخيرة من شعبان؟
طالب: ما تجي؟
стр. 677
ما تجي؟ أيوه، لذلك أنا قلت: تحتاج المسألة إلى ذكاء، تجي وإلا ما تجي؟ ما تجي صحيح؛ لأن البيض في منتصف الشهر، إيه خلي الإخوان يتحركون شوي، الخميس والاثنين تجي؛ لكن ما يجي الجميع الاثنين والخميس؟ أحدهما، إما الاثنين اعتاد أن يصوم الاثنين أو يصوم الخميس، فصادف يوم تسع وعشرين يوم اثنين أو يوم خميس يصوم، وفي الحديث: ((إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه)) أو كان شخص عليه قضاء من رمضان الماضي باقٍ عليه يوم يصوم هذا اليوم.
طالب:. . . . . . . . .
((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)) على كل حال الحديث في ثبوته نظر.
طالب:. . . . . . . . .
لا، الأفضل أنه يصوم، ((إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه)) لأنه واضح أنه يصوم على العادة لا يصوم احتياطاً لرمضان، وفي الحديث الثاني يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له)) ((إذا رأيتموه)) يعني هلال رمضان، الضمير يعود إلى الهلال، ولم يجرِ له ذكر سابق للعلم به ((إذا رأيتموه فصوموا)) الضمير يعود إلى هلال رمضان، ولو لم يجرِ له ذكر؛ لأنه لا لبس في هذا ولا إشكال ((إذا رأيتموه فصوموا)) أمر بالصيام بعد رؤية الهلال ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [(١٨٥) سورة البقرة] (إذا رأيتموه) رأيتم الهلال، وهو خطاب للأمة بكاملها، خطاب لمجموع الأمة هل هو خطاب لمجموع الأمة أو خطاب لجميع الأمة؟ في فرق وإلا لا؟ خطاب للجميع أو للمجموع؟ لمجموع الأمة، خطاب لمجموع الأمة، لأننا لو قلنا: أنه لجميع الأمة تناول كل فرد من أفرادها أن لا يصوم حتى يرى الهلال، وهذا ليس بمراد، بل الأمة بمجموعها إذا رؤي فيها الهلال لزمهم الصوم.
стр. 678
((إذا رأيتموه فصوموا)) معلوم في هذا الحديث أنه علق الصوم بالرؤية، وقلنا: أن الخطاب للمجموع لا للجميع، وعلى هذا إذا رآه من تثبت الرؤية بشهادته يكفي، ولا يلزم أن تراه الأمة كلها، أو يراه من يلزمه الصوم على الأقل، لا، والحديث علق لزوم الصوم بالرؤية، والأصل في الرؤية العين المجردة، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [(٧) سورة الطلاق] من ضعف بصره هل نقول: يجب عليك لئلا يترتب على هذا هجرك للقرآن أو تتخذ نظارة، أو تشتري مصحف كبير، أو نقول: أنك مكلف بعينك المجردة، وما عدا ذلك أنت لست مكلف فيه، أو نقول: أن هذا مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؟ لأنه بيرد عندنا مسائل، مسائل الآلات الفلكية والمناظير والدرابيل، وهل يلزم استعمالها أو لا يلزم؟ هل نقول: أن هذا مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أو نقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [(٧) سورة الطلاق] أنا والله ما عندي نظارة آثم ليش ما أخذت نظارة لكي أقرأ القرآن؟ هجر القرآن لا يجوز، الهجر حرام، فهل يلزمني أن أتخذ نظارة أو أبحث عن مصحف كبير، إذا افترضنا أن المصحف بالحجم المتوسط أو الصغير قيمته عشرة عشرين، والكبير مائة ريال، هل يلزم أن أشتري كبير لأقرأ؟ لأن الهجر لا يجوز، وهذا لا يتم الواجب إلا به، القاعدة مقررة عند أهل العلم، أنه مما لا يتم الواجب إلا به، وفرق بين الواجب العيني والواجب الكفائي، الواجب العيني والواجب الكفائي، مثلما عندنا في الحديث واجب كفائي، لا يلزم الناس كلهم، إنما يلزم رؤيته من قبل من تثبت الحجة برؤيته، ومثل هذا لن يعدم في الأمة من يراه بعينه المجردة، يعني لا يتصور أن الأمة بكاملها لا يوجد فيها من يراه بعينه المجردة، ولهذا المعول عليه أنه لا يلزم استعمال الآلات في رؤية الهلال، إن رآه الناس بعينهم المجردة وإلا انتهت مسؤوليتهم، حينئذٍ لم يروه، ((إذا رأيتموه فصوموا)) لكن إذا استعملت الآلات، وتحقق من رؤيته بواسطة هذه الآلات، إذا وجدت هذه الآلات واستعملت وتحقق من رؤية الهلال بواسطتها لزم الصوم؛ لكنه لا يلزم استعمال الآلة، لأنه إذا رؤي من خلال الآلة صح أنه رؤي الهلال؛ لكن لا يلزم
стр. 679
استعمال هذه الآلة، بل المطالبة بالعين المجردة؛ لأن الله -جل وعلا- لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها، ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)) نعم، إذا رأيتم الهلال المخرج لشهر رمضان وهو هلال شوال، فأفطروا وجوباً، هذا شخص رأى هلال رمضان، وتقدم يدلي بشهادته فردت شهادته، أو رأى هلال شوال فردت شهادته، ما الذي عليه هو؟ الخطاب (إذا رأيتموه) جميع الأمة؛ لكن هل فيه: من رأى منكم الهلال فليصم ومن رأى منكم الهلال فليفطر؟ فيه ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [(١٨٥) سورة البقرة] يصوم سراً وإلا جهراً؟ يعني رآه وردت شهادته، الناس كلهم يفطرون وهو وحده صائم، أو رأى هلال شوال وردت شهادته، الناس كلهم صائمون وهو مفطر؛ لأنه يوم عيد بالنسبة له، أو نقول: يلزمه ما يلزمه ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)) والخطاب للمجموع، ولذا يرى جمع من أهل العلم أن الصيام يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والحج يوم يحج الناس، وهذا قول معتبر عند أهل العلم، ومنهم من يقول: أنه يصوم سراً، ويفطر سراً؛ لأنه كما أنه خطاب متجه للمجموع إلا أنه فرد من أفراد هذا المجموع، يتصور خطابه بمثل هذا.
طالب:. . . . . . . . .
من إيش؟ الذي رآه فردت شهادته وصام سر، صام قبل الناس بيوم، ثم لما جاء هلال شوال ما رأى شيء، فأكمل ثلاثين ثم من الليلة القادمة ما رأوا الناس شيئاً، فأكمل الناس ثلاثين فهل يصوم واحد وثلاثين وإلا يفطر؟ لأنه صام قبلهم، صح وإلا لا؟ هذا السؤال وإلا لا؟ هل يصوم واحد وثلاثين؟ لأنه ما رؤي هلال شوال ليلة الثلاثين، فأصبحوا صائمين، إكمالاً للعدة ثلاثين، وفي حسابه يكون صام واحد وثلاثين، هل نقول: أن الشهر لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يوماً فيلزمه الفطر، أو نقول: يصوم مع الناس وبهذا يتبين أن رؤيته للهلال خطأ، والخطأ يتصور، أنس بن مالك في آخر أيامه رأى الهلال، أين الهلال يا أبا حمزة؟ يقول: قدامكم شوفوه واضح؟ وش تبيّن؟ شعرة نازلة شوية، الخطأ وارد، وبهذا يتبين أنه خطأ فيلزمه أن يصوم مع الناس ولا يفطر إلا مع الناس.
стр. 680
والدين الإسلامي دين ألفة واجتماع، .... عند من يقول بأنه يصوم، والذي يقول: لا يجوز له أن يصوم إلا مع الناس ما له أجر؛ لأن عندنا مقدمات شرعية، وعرفنا أن العبرة بتوافر هذه المقدمات، سواء أصابت الواقع أو لم تصب، مثل البينات عند القضاة، يعني بعض الناس يجد في نفسه على العلماء هم يتحرون ويبعثون ناس ويحثون الناس قبل رمضان بشهر أو شهرين، وهم يحثون الناس على ترائي الهلال، ثم بعد ذلك بعض الناس من شدة الحرص يقول -الله أعلم- جايهم ناس، وقد سمعنا من يتكلم كثيراً، جايهم ناس يشهدون بس ما هم حريصين يا رجال، شلون حريصين؟ يا أخي هذه مقدمات شرعية تبنى عليها نتائج شرعية، كونها أصابت الواقع أو لم تصب ما هم مسؤولين عن هذا، هو مسؤولين عن يطبقوا الشروط على هذا الشخص الذي جاء يشهد، القاضي مطالب بأن ينظر في حال هذا الشاهد، إن كان ممن تقبل شهادته يرتب عليه الحكم، كونه أصاب ما في الواقع أو لم يصب ما هو إليه هذا، الرسول ﵊ المؤيد بالوحي إيش يقول؟ ((إنما أنا بشر، أحكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقضي له بقطعةٍ من نار، فليأخذها أو يذرها)) والرسول ﵊ يشرع للأمة، ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)) ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)) ما عندنا أكثر من هذا، يعني كون الناس يتراؤونه ولا يرونه خلاص ما بيديهم شيء؛ لأن على الإنسان أن يبذل ما في وسعه ويجتهد؛ لكن إذا ما حصل ما في فائدة، ((فإن غمّ عليكم فاقدروا له)) يعني ما ترك شيء، ((فإن غمّ عليكم فاقدروا له)) ترائى الناس الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وفيه غيم وقتر وغبار ما استطاعوا (اقدروا له) إيش معنى اقدروا له؟ تفسرها الرواية الأخرى: ((فإن غمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثون)) ومنهم من فهم أن (اقدروا) بمعنى ضيقوا، دليله قوله -جل وعلا-: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [(١٦) سورة الفجر] يعني ضيق عليه رزقه، والتضييق يكون بإيش؟ الآن ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) ضيقوا عليه، ومن يقول بهذا القول أنه يضيق شهر شعبان، إيش معنى يضيق شهر شعبان؟ بأن يجعل شعبان تسع وعشرين يوم، ويصوم الناس يوم الغيم، ويوم القتر، ويومه
стр. 681
يوم الشك، وهو يوم الشك الذي جاء فيه: "من صام الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، ((فإن غمّ عليكم فاقدروا له)) حتى على التأويل الثاني (فاقدروا له) الضمير يعود على شعبان أو رمضان؟ يعني نضيق شعبان وإلا نضيق رمضان؟ الذي استروح إلى أن معنى القدر هنا التضييق يرى أن التضييق يكون في شعبان ليكون تسع وعشرين ويصام رمضان لاحتمال أن يكون الهلال طالع، وعرفنا أن هذا يسمى يوم الشك، وجاء فيه الحديث: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ " لكن ما الذي يمنع فاقدروا له أي ضيقوا عليه على رمضان، بأن تكلموا عدة شعبان ثلاثين كما تفسرها الرواية الأخرى، فيه ما يمنع؟ ما فيه ما يمنع وحينئذٍ يتفق التقديران، الإمام أحمد يروى عنه في المسألة ثلاث روايات: "وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه" هذه عبارة إيش؟ عبارة من؟ الزاد، يجب صومه واعتماداً على اختيار ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-، وظاهر المذهب يجب صومه، ورواية أخرى أنه يجوز صومه، والقول المرجح وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يجوز صومه؛ لأنه هو يوم الشك، وعلينا حينئذٍ أن نكمل شعبان ثلاثين يوماً.
طالب:. . . . . . . . .
إيه لكن ما الذي يريدنا أن هذا الشهر المنازل فيه تسع وعشرين أو ثلاثين؟
طالب: بالحساب.
стр. 682
الحساب مهم؛ لكن افترض أنه ما وجد حاسب، تضيع الأمة؟ لا لا، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها؛ لأن القدر الزائد الذي تدرك به الأمور الشرعية القدر الزائد عن الأصل لا يطالب به؛ لأن المسألة مفترضة في أمةٍ أمية لا تكتب ولا تحسب، المسألة مفترضة كما قال النبي ﵊: ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) أشار إشارة الشهر هكذا وهكذا وهكذا، هذا الأصل، أننا أمة أمية، وعلّقنا بالرؤية، يعني نعود إلى الحديث لأن المسألة نخشى أن تطول، نعود إلى الحديث، وهو ((صوموا لرؤيته)) وقلنا: أنه خطاب لمجموع الأمة؛ لكن هل تلزم الأمة بكاملها برؤية بعضها؟ وبعبارةٍ أخرى هل المطالع مختلفة أو متحدة؟ حديث ابن عباس في صحيح مسلم مع مولاه كريب لما قدم من الشام، والناس صاموا يوم الجمعة لرؤية معاوية، وأهل المدينة لم يصوموا إلى يوم السبت، مقتضى الحديث كما قال ابن عباس أنهم لم يفطروا حتى رأوه أو أكملوا عدة شعبان، ورفعه إلى النبي ﷺ "هكذا أمرنا رسول الله ﷺ " فهذا من أقوى الأدلة على اختلاف المطالع، وأن أهل كل إقليم يختلف مطلعهم عن الإقليم الثاني.
стр. 683
ابن عباس بهذا أفتى ورفعه إلى النبي ﵊، من أهل العلم من يرى اتحاد المطالع، وأن الأمة ينطبق عليها هذا الحديث بمجموعها، رؤي الهلال في المشرق يصوم أهل المغرب؛ لأنه لا يتجه الخطاب لكل فردٍ فرد، ولا لأهل بلدٍ بلد مثلاً، بمفرده، بغض النظر عن البلد المجاور له، أو الذي يتحد معه في المطلع، وليس هناك وصف يمكن إحالة التفريق عليه، إلا مسألة اختلاف المطالع، ودليلها حديث ابن عباس، عموم الحديث يشمل جميع المسلمين، ولو اختلفت مطالعهم، حديث ابن عباس كأنه نص في الموضوع، يحتمل وإلا ما يحتمل؟ يتحمل اتحاد المطالع حديث ابن عباس، هذا اجتهاده ورفعه إلى النبي ﵊؛ لكن الذي يقول باتحاد المطالع يقول: أن قول ابن عباس هكذا أمرنا رسول الله ﷺ يعني هل أمرنا رسول الله ﷺ بأن نعمل باختلاف المطالع، أو الأمر العام: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) فيكون اجتهاد من ابن عباس في فهم الحديث؟ يحتمل الوجهين، يعني الذي يظهر أن ابن عباس سمع من النبي ﵊ نص خاص في اختلاف المطالع، واستند إليه في عدم الفطر مع معاوية ﵁ وأرضاه-، هذا احتمال، والاحتمال الثاني أن ابن عباس فهم من هذا الحديث: ((صوموا لرؤيته وأفطروا .... )) ما رأيناه نحن في المدينة، والنبي ﵊ يقول: ((صوموا لرؤيته)) وبنوا على ذلك فتواه، فيكون اجتهاد من ابن عباس، وتبقى المسألة قابلة للاجتهاد، كلام واضح وإلا ما واضح؟ مسألة اختلاف المطالع لا شك أن حديث ابن عباس ظاهر فيها، لكن عليها لوازم، عليها لوازم يا إخوان، طيب رؤي الهلال في اليمن يلزمنا نصوم وإلا ما نصوم؟ رؤي الهلال في الشام يلزمنا نصوم وإلا ما نصوم على القول باختلاف المطالع؟ ما نصوم، أهل المدينة ما يصومون، بالنص، كلام ابن عباس؛ لكن هل الحضر والقريات وتبوك يصومون وإلا ما يصومون؟ تبعاً للشام وإلا تبعنا؟ يعني يلزم عليه لوازم، يمكن ما تنضبط أمور المسلمين بهذا؛ لأن الحدود السياسية يعني لا أثر لها في الأحكام الشرعية، يعني ما الفرق بين مطلع تبوك والشام؟ هل نقول: لا خلاص يصومون أهل تبوك مع الشام،
стр. 684
ظروف المسلمين التي يعيشونها الآن حقيقةً فيها شيء من الارتباك، لماذا؟ لأن كثير من بلدان العالم الإسلامي يعني قد يعتمدون على وسائل لا يراها غيرهم، يثبتون دخول الهلال ومع ذلك بقية البلدان غير مطمئنين إلى كيفية إثبات دخول الهلال عند أولئك، والحدود السياسية يعني بينك وبين البلد الإقليم الثاني بينك وبينه أكيال يسيرة، وبين البلد التي ترتبط به آلاف الأميال، فهل تصوم تبع، يصوم أهل تبوك تبع الرياض وإلا يصومون تبع الشام مع قربهم منه؟ أو أهل نجران وأهل جيزان يصومون تبع اليمن وإلا تبع الرياض رغم ما بينها من آلاف الأميال؟ يعني مسألة لا شك أنها مربكة، وبعدين قد لا يقتنع أهل بلد بالوسيلة التي أثبت بها أهل الإقليم الثاني إثبات دخول الهلال.
الشيخ ابن باز -رحمة الله عليه- يتجوز في مثل هذا، يقول: إن عمل الناس باتحاد المطالع وصاموا الناس كلهم برؤية ثقة أو عملوا باختلاف المطالع الأمر سهل، ومعه حدثت أدنى إشكال على مر العصور، يعني ما حدث مشكلة في الأمة، وكل له اجتهاده، ولعلماء كل بلد لهم اجتهادهم، يعني يتصور أناس في أوروبا عندهم مشاكل في الرؤية، وعندهم قضايا نوازل في الصيام، واتحاد المطالع واختلافها، ولا عندهم من يقيم فيهم شرع الله، من يتبعون؟ يقولون: نصوم على الرياض بيننا وبينهم عشرة آلاف كيلو؟ نقول: إن كان عندكم من تبرأ الذمة بتقليده من أهل العلم فقلدوه؛ لأن هناك يعرفها القريب وقد تخفى على البعيد، يعني ظروفهم ما نعرف كثير منها، والذي يقضي على هذه الإشكالات القول باتحاد المطالع، وإذا استروحنا وملنا إلى أن قول ابن عباس فهماً منه لهذا الحديث انحلت المشكلة، نقول: أن هذا اجتهاد ابن عباس؛ لأنه صرح برفعه إلى النبي ﵊، وهذا احتمال، واختيار الشيخ كما سمعتم الأمر فيه سعة، إن عمل الناس باتحاد المطالع له وجه، والخطاب يتجه أن يكون لعموم الأمة، وإن عملوا باختلاف المطالع تبعاً لحديث ابن عباس له وجه، وهو أصرح في الدلالة؛ لكن يبقى أنه يترتب عليه بعض الإشكالات.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 685
لا يفطر إلا معهم، يعني شخص صام في بلد دخل فيه الهلال على حد رؤيتهم ومطلعهم قبل البلد الثاني، وهي المسألة التي سئل عنها قريباً، شخص صام مثل كريب، كريب صام يوم الجمعة مع أهل الشام، وجاء المدينة ما أفطروا إلا بعد يوم بعد الشام، ماذا يصنع هو؟ يصوم وإلا يفطر؟ إذا قلنا: باختلاف المطالع وقد أكمل العدة ثلاثين يوم، هل نقول: أن هذا اليوم بالنسبة له هو يوم العيد الذي لا يجوز صيامه؟ أو أن عيد كل بلدٍ بحسبه؟ نقول: عيد في الشام لكنه ليس بعيد في المدينة، وإذا كان ما هو عيد حكماً يصوم وإلا ما يصوم؟ إذا قلنا: باتحاد المطالع وصار عيد عند الشام صار عيد عند الناس كلهم، فلا يجوز صيامه؛ لكن الوسيلة التي أثبتها بها أولئك لم يقتنع بها هؤلاء فاستمروا على صيامهم، فهو عيد بالنسبة لقوم، وليس بعيد بالنسبة لآخرين، يعني لو افترضنا أنه غم على هلال ذو الحجة، وما رآه الناس ليلة الثلاثين من القعدة غمّ عليهم، وهو في الواقع موجود؛ لكن ما رأوه وكملوا القعدة ثلاثين، ووقفوا في اليوم التاسع على حدّ زعمهم وحسابهم وهو في الواقع العاشر، وصام من صام من المسلمين يوم التاسع الذي هو في الواقع العاشر يأثمون وإلا ما يأثمون؟ ما يأثمون، وقل مثل هذا في رمضان، وإن كان عيد في الشام لأنهم رأوه ليس بعيد في البلدان الأخرى، فيصوم مع الناس، ومن قال له: أنك ما دام أكملت ثلاثين يوماً بوسيلةٍ شرعية معتبرة شرعاً فلا تزيد على الثلاثين، وعلى كل حال لو صام مع الناس لا يأثم؛ لأنه ليس بعيد في البلد الذي هو فيه، فلا يكون صام يوم العيد.
وعن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تسحّروا فإن في السحور بركة)).
وعن أنس بن مالكٍ ﵁ عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قام إلى الصلاة، قال أنس: قلت: "لزيدٍ كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية".
стр. 686
حديث أنس الأول -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((تسحّروا فإن في السحور بركة)) هذا أمر بالسحور، وأقل أحواله الاستحباب، والأصل في الأمر الوجوب؛ لكن ثبت أن النبي ﵊ واصل، فالأمر بالسحور مستحب، ومن أقوى ما يصرف به من الوجوب إلى الاستحباب العلة، العلة إيش؟ فإن في السحور بركة، طلب البركة واجب وإلا مستحب؟ مستحب، إذاً الأمر بالسحور مستحب، وفيه مخالفة لأهل الكتاب، واتباع للسنة، وامتثال للأمر، ومخالفة لأهل الكتاب، والتقوي به وقد جاء مدحه (نعم السحور) لا سيما إذا كان من التمر، أيضاً وقت السحور وهو وقت الاستغفار، والمستغفرين بالأسحار، ينبغي أن يكون الإنسان مستيقظ في هذا الوقت يدعو الله -جل وعلا-، ويستغفر وأمور كثيرة مترتبة على تناول هذا الطعام، وفيه أيضاً إعانة على مزاولة هذه العبادة، والتقوي على العبادات الأخرى، ومخالفة أهل الكتاب، وامتثال هذا الأمر ((تسحروا فإن في السحور بركة)).
стр. 687
وفي حديثه الثاني يقول: عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قام إلى الصلاة" قال أنس: "قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية" أولاً: السحور ما يتسحّر به، كما أن الطهور ما يتطهّر به، والوضوء الماء الذي يتوضأ به، والسحور هو الفعل، التسحّر، تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قام إلى الصلاة، فيه مشروعة الاجتماع على مثل هذه الأمور من سحور وفطور وغيرها، ومن أفضل الأعمال كون الإنسان يؤكل على مائدته، ويحسن على الناس، ويتصدق عليهم، وفي الاجتماع بركة، وألفة ومودة، تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قام إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية" هذا يدل على أنه يؤخر السحور، وما عندهم ساعات فلكية دقيقة، يقال: بين السحور والأذان ربع ساعة، بين السحور والصلاة ربع ساعة لا، يقدرون بالأعمال، والأعمال منضبطة، ولذا يذكر الفقهاء في دخول أوقات الصلوات بعض الأعمال، يقولون: من اعتاد أنه يصنع من طلوع الشمس إلى زوالها ماسة مثل هذه، واضطرد عنده هذا خلاص ما يحتاج إلى أن ينظر إلى الزوال، مجرد ما تنتهي هذه الماسة يؤذن، صاحب القراءة بقراءته، من اعتاد أن يقرأ في الساعة خمسة أجزاء يقدر على هذا الأساس، يكون بين صلاة المغرب في الغالب وأذان العشاء ساعة إذا انتهى من الخمسة الأجزاء يؤذن للعشاء، وهنا قدر الوقت بعمل البدن، والعرب تقدر بذلك، قدر حلب ناقة، والله جلس فلان قدر حلب ناقة، قدر نحر جزور، وجاءت بها النصوص، وهنا قدر خمسين آية، فمن كان عنده عمل مضطرد منضبط، يعتمد عليه، وقراءة القرآن منضبطة عند من اعتادها، خلاص تعود أنه يقرأ الجزء في نصف ساعة، ثلث ساعة، ربع ساعة، اثنا عشر دقيقة، تعود خلاص، ينضبط، وهذا شيء مجرب، وهذه طريقة العرب في حساب الأوقات، تقدير الأوقات، قدر خمسين آية، قد يقول قائل: خمسين آية من المائدة أو من الشعراء؟ أي أطول آية المائدة أو آية الشعراء؟ المائدة أطول آيات من الشعراء، لا أقصد طول السورة مع طول السورة؛ لكن انظر أنت أن الشعراء نصف المائدة وآياتها الضعف، إيه
стр. 688
يعني الآية من الشعراء بقدر ربع آية من المائدة، فهل المراد هذا أو هذا؟ ما بيّن، لكن إذا أطلق مثل هذا ينصرف إلى المتوسط، لا آية المائدة ولا آية الشعراء، من آيات البقرة مثلاً، فالحديث فيه دليل على تأخير السحور، ولا تزال الأمة بخير ما قدموا الفطر وأخروا السحور، ويوجد من المخالفين ولعله تأتي الإشارة إليه، يأتي هذا الحديث -إن شاء الله تعالى- ويأتي ما فيه.
وعن عائشة وأم سلمة ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم.
نعم هذا الحديث في أمرٍ خاص من أموره ﵊، وهو تشريع عام؛ لكنه مما لا يطلع عليه إلا من قبل نسائه، ولذا كان أبو هريرة ﵁ يفتي بأن من أصبح جنباً صومه غير صحيح.
стр. 689
عمدة الأحكام - كتاب الصيام (٢)
تابع للحديث السابق- باب الصوم في السفر وغيره إلى باب أفضل الصيام وغيره
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
ولذا كان أبو هريرة ﵁ يفتي بأن من أصبح جنباً صومه غير صحيح، يصبح جنب، ما اغتسل قبل طلوع الفجر صومه ليس بصحيح، فاستدل عليه بهذا الحديث، عن عائشة وأم سلمة، يقدم قول أبي هريرة وإلا قولهما؟ قولهما، نعم؛ لأن هذا شيء يدركه النساء، شيء خاص لا يحصل إلا بين الرجل وزوجته، فقولهما مقدم على قول أبي هريرة.
عن عائشة وأم سلمة ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر، يعني يطلع عليه الفجر، وهو مريد للصيام، مبيّت للنية، وهو جنب من أهله، والحال أنه جنب من أهله لا من احتلام، ثم يغتسل ويصوم؛ لأن مسألة الاحتلام ما يمكن أحد يناقش فيها؛ لأنه لو احتلم وهو صائم، احتلم الظهر، احتلم ما عليه شيء؛ لأن هذا ليس بيده، المسألة مسألة الاختيار، وهو كون الجنابة ناشئة من جماع أهله، الرسول ﵊ ما يحتلم؛ لكن المسألة له ولغيره، الحكم للجميع، يعني هنا قالت: وهو جنب من أهله لتبيّن أن المسألة في مسألة الاختيار، فضلاً عن مسائل الاضطرار التي ليس للإنسان فيها تصرف.
يدركه الفجر؛ لأنه إذا كان جنب من أهله بإمكانه أن يغتسل قبل الفجر؛ لكن إذا كان من جماع هل يملك أن يغتسل قبل الفجر إذا كان بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس أو بعد الظهر مثلاً؟ ما يملك شيء فلا حكم له، الشيء الذي لا يملكه ابن آدم لا حكم له فيه؛ لكن هذا في حالة جنب من أهله، فإذا كان في حالة الجنابة فالاحتلام من باب أولى، والنبي ﵊ كما هو مقرر في كتب الخصائص والشمائل أنه لا يحتلم؛ لأن الاحتلام من تلاعب الشيطان، وعلى كل حال الصحابة منهم من احتلم، كثير؛ لكن من كماله ﵊ أنه لا يحتلم.
стр. 690
"كان يدركه الفجر، وهو جنب ثم يغتسل ويصوم" يدركه وهذا يدل على أنه يشمل ما إذا كان عامداً أو ناسياً ضاق عليه الوقت أو اتسع عليه الوقت؛ لأن بعض الناس ينتبه قبل أذان الصبح وهو جنب بربع ساعة، يقول: أنا اغتسلت ما مداني أتسحر، هل أتسحر وأغتسل ولو بعد طلوع الصبح، أو أغتسل ثم أتسحر ولو فاتني السحور؟ نقول: لا يا أخي تسحر، ثم تغتسل بعد ذلك، ولو طلع عليك الصبح كفعله ﵊ سواء كنت ناسياً أو عامداً عالماً أو جاهلاً لا فرق، والحجة في هذا واضحة، وفيه تأخير الغسل إلى ما بعد طلوع الفجر، ويقاس على ذلك عند أهل العلم الحائض والنفساء إذا انقطع الدم قبل طلوع الفجر، يصح الصيام ولو لم تغتسل، انقطع الدم قبل طلوع الفجر بربع ساعة، قالت: أتسحر ثم أغتسل كالجنب، لا فرق.
"ثم يغتسل ويصوم" ولو بعد طلوع الفجر.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)).
الأكل والشرب من مبطلات الصيام إجماعاً، الأكل والشرب كل منهما مبطل للصيام إجماعاً، وهذا في حق العامد، أما الناسي فقد جاء في هذا الحديث حديث أبي هريرة وهو متفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)) وهذا من لطف الله بعباده والتيسير عليهم؛ لأن الإنسان الذي ما تعود الصيام تجده في الأيام الأولى يكثر منه النسيان، فلو كلّف بقضائه كلف حرجاً لا سيما الذي لم يتعود الصيام، هذا معروف في الأيام الأولى تجده يوماً يأكل ويوم يشرب ويوم يأكل ما دري، فمثل هذا لا أثر له في الصيام.
((فإنما أطعمه الله وسقاه)) وهذا قول جمهور أهل العلم، ويرى المالكية أنه يبطل صومه؛ لكن لا يلزمه كفارة إذا أكل أو شرب ناسياً لا يلزمه كفارة، وإنما يبطل صومه بخلاف العامد، العامد عندهم مع فطره تلزمه الكفارة، والحديث ليس فيه قضاء، ولا بطلان صوم، ولا كفارة، وهو صحيح صريح في الموضوع، وهو مؤيد لقول الجمهور، فقولهم هو الراجح.
стр. 691
فإذا رأى إنسان آخر وهو صائم متجه إلى البرادة وملأ الكأس وتناوله ليشرب منه يخبره أو لا يخبره؟ يقول: هذا طعمة من الله -جل وعلا- أطعمه الله وسقاه وأنت تريد أن تحرمه مما أطعمه الله؟ أو نقول: هذا منكر فطر في نهار رمضان هذا الظاهر، الناس ما لهم إلا الظاهر، وعليك أن تغير المنكر، فتنبهه، هذا هو المعمول به عند أهل العلم أن من أراد أن يأكل أو يشرب ناسياً ينبَّه، وهذا من باب تغيير المنكر.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ((مالك؟ )) قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، وفي روايةٍ: أصبت أهلي في رمضان، فقال رسول الله ﷺ : ((هل تجد رقبةً تعتقها؟ )) قال: لا، قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ )) قال: لا، قال: ((فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ )) قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ فبينا نحن على ذلك أوتي النبي ﷺ بعرقٍ فيه تمر، والعرق: المكتل، قال: ((أين السائل؟ )) قال: أنا، قال: ((خذها فتصدق به)) فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فو الله ما بين لابتيها يريد الحرتين أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: ((أطعمه أهلك)) الحرة: أرض تركبها حجارة سود.
هذا الحديث، حديث أبي هريرة في قصة المجامع في نهار رمضان حديث عظيم جليل كثير الفوائد والأحكام استنبط منه بعض العلماء فوائد كثيرة جداً، واعتنى به بعض المتأخرين، كما يقول الحافظ، يقول: "اعتنى به بعض المتأخرين ممن أدركه شيوخنا فتكلم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة" ممن أدركه شيوخنا فدل على أنه ليس من شيوخه، وبعضهم يشير بعض الشراح إلى أن الذي جمع فيه مجلدين في ألف فائدة هو الحافظ العراقي، الحافظ العراقي من شيوخ الحافظ ابن حجر، وابن حجر يقول: "ممن أدركه بعض شيوخنا" فهذا دل على أنه ليس الحافظ العراقي، وإنما هو غيره.
стр. 692
المقصود أن هذا الحديث عظيم، فيه فوائد وفيه أحكام كثيرة جداً، تفوق الحصر، يبطل الصيام بالأكل والشرب، بدلالة الحديث السابق وبالجماع، بدلالة هذا الحديث، فأصول المفطرات الأكل والشرب والجماع، عن أبي هريرة ﵁: "بينما" أصلها بينا، ثم زيدت عليها ما للظرفية "نحن جلوس عند النبي ﷺ " وكثيراً ما يجلسون معه ﵊ يتلقون عنه الدين والعلم، وأكثر ما يكون هذا الجلوس في المسجد، إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله هلكت، فقال: ((مالك؟ )) قال: ((وقعت على امرأتي وأنا صائم)) نعم الهلاك هلاك الدين، وهذا أفسد صيامه وأفطر يوم من رمضان، فهذا هو الهلاك الحقيقي هلاك الدين.
وكل كسرٍ فإن الدين بجبره ... وما لكسر قناة الدين جبرانُ
يعني لو خسر في سيارة، في بيت في كذا، الأمر سهل ينجبر هذا، لو انكسر منه يد أو رجل تنجبر؛ لكن إذا انكسر الدين هذا الذي ما له جبران إلا التوبة النصوح التي تهدم من وقع من زلةٍ وهفوة، فقال: ((مالك؟ )) فقال: "وقعت على امرأتي وأنا صائم" دل على أنه يعرف الحكم، يعرف أن هذا محرم، بدليل قوله: "هلكت وأهلكت" كما في الرواية الأخرى، دل على أنه يعرف أن هذا الأمر محرم؛ لكنه لا يعرف الأثر المترتب على هذا المحرم، فإذا عرف أن الأمر محرم ولم يعرف الأثر المترتب عليه هل نقول: يعذر بجهله؟ هو لم يعرف أنه محرم ما عرف أنه محرم أصلاً، هذا يعذر بجهله؛ لكن يعرف أنه محرم ولا يعرف الأثر المترتب عليه لا يعفى من الأثر، فتلزمه الكفارة، وهنا ألزمه بالكفارة، وقل مثل هذا في جميع المحظورات التي فيها كفارات، يعرف أنه لا يجوز؛ لكن ما يعرف وش يترتب عليه؟ الأصل أن يكف، الأصل أن ينتهي عما نهي عنه، كونه أقدم يلزم؛ لكن ما يدري ما يعرف هل هذا محرم وإلا مباح؟ هذا الذي يقول أهل العلم أنه معذور بجهله، وفي روايةٍ: "أصبت أهلي في رمضان" فقال رسول الله ﷺ : ((هل تجد رقبةً تعتقها؟ )) هذا إلزام بالكفارة، والكفارة كفارة إيش؟ كفارة ظهار وإلا كفارة مجامع في نهار رمضان؟ أهل العلم يقولون: من جامع زوجته في نهار رمضان لزمته كفارة ظهار.
стр. 693
احنا عندنا الحديث الصحيح الثابت في كفارة المجامع في نهار رمضان، لماذا يقول: أن عليه كفارة ظهار ولا يقول: عليه كفارة مجامع في نهار رمضان، ولماذا يقولون: عليه كفارة ظهار، ولا يقولون: كفارة قتل، يعني المذكور في القرآن معروف لدى الخاص والعام، يعني كثير من الناس ما يعرف الحديث، تقول: عليك كفارة مجامع في نهار رمضان، يقول لك: وش هي الكفارة؟ لكن لما تقول له: كفارة ظهار يعرف؛ لأن عوام المسلمين يعرفون ما في القرآن، بينما مثل هذه النصوص تخفى عليهم، فأحيل على المعروف لدى الخاص والعام، طيب، لماذا لم يقال: عليه كفارة قتل؟ نعم، للخلاف في الإطعام في كفارة القتل، أما كفارة الظهار ففيها إطعام، وهنا فيه إطعام فهي أشبه.
البيعة، بيعة الرجال متقدمة وإلا بيعة النساء؟ بيعة الرجال هي المتقدمة معروف هذا، كيف يقول عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله ﷺ على ما بايع عليه النساء؛ لأن بيعة النساء مضبوطة بالقرآن في آخر سورة الممتحنة، مضبوطة بالقرآن، ومضبوطة الرجال مضبوطة بالسنة؛ لكن ما ضبط بالقرآن يحال عليه؛ لأنه معروف لدى الناس كلهم.
стр. 694
((هل تجد رقبةً تعتقها؟ )) قال: لا، أي رقبة؟ هل تجد رقبةً؟ الرقبة مطلقة، وهي كذلك في كفارة الظهار مطلقة، مقيّدة في كفارة القتل، فهل يحمل المطلق على المقيد وإلا ما يحمل؟ يحمل، لماذا؟ لاتحاد إيش؟ لاتحاد الحكم، وهو وجوب الإعتاق في كلٍ من الظهار والجماع والقتل، تجب الكفارة، الحكم واحد؛ لكن السبب مختلف، وعند الجمهور في مثل هذه الصورة يحمل المطلق على المقيد خلافاً للحنفية، وعلى هذا لا يجزئ إلا رقبة مؤمنة، تتوافر فيها الشروط المطلوبة، قال: لا، ما يجد؛ لأن الكفارة على الترتيب، قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ )) قال: لا، في رواية: "ما الذي أوقعه فيما وقع فيه إلا الصيام" ما أوقعه فيما وقع فيه إلا الصيام، قال: لا، متتابعين؟ بمعنى أنه يصوم الشهرين هلاليين متتابعين، فلا يفطر بينهما، لو أفطر يوماً واحداً استأنف ولا يعذر إلا في العذر الذي يبيح له الفطر في رمضان؛ لأن رمضان شهر مفروض على التتابع يعذر فيه المريض والمسافر، المقصود أن العذر الذي يعذر في رمضان بالفطر يعذر فيه في مثل هذا، قال: لا، قال: ((فهل تجد إطعام ستين مسكيناً)) ستين مسكين، قال: لا، قال: "فسكت النبي ﷺ " ما في حيلة، إذا لم يستطع عتق رقبة، ولم يستطع صوم شهرين متتابعين، ولا إطعام، تسقط الكفارة وإلا ما تسقط؟ مقتضى القواعد الشرعية أنها دين في ذمته متى أيسر عليه أن يؤديها، كحقوق الآدميين، فمتى أيسر يبذلها، فسكت النبي ﷺ فبينما نحن على ذلك أوتي النبي ﷺ بعرقٍ فيه تمر، والعرق المكتل، يعني زنبيل كبير فيه خمسة عشر صاع، فسكت، بعضها هكذا وبعضها كذا روايات منها هذا ومنها هذا، والنسخ تختلف في هذا.
стр. 695
"فبينما نحن على ذلك، إذ أوتي النبي ﵊ بعرقٍ فيه تمر" زنبيل كبير فيه خمسة عشر صاع، والعرق المكتل، فقال: ((أين السائل؟ )) قال: أنا، سائل عن إيش؟ عما يلزمه من جراء الجماع في نهار رمضان، هو جاء يسأل ((أين السائل؟ )) قال أنا، قال: خذ هذا فتصدق به، الكفارات إذا تحملها من تحملها برضا من لزمته أجزأت، برضاه، شخص عليه كفارة، فقال: أبوه أنا أخرجها عنك، أمه: أنا أخرجها عنك تتحمل؛ لأنها تقبل النيابة برضاه؛ لأنه قد لا يقبل المنّة.
((خذ هذا فتصدق به)) يعني كفارةً عنك، فقال: "أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فو الله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي" قال: "فضحك النبي ﵊" هذا جاي هالك ومهلك ويلزمه أمور، وأخيراً يرجع بزنبيل يكفيه مدة طويلة، يكفيه ويكفي أهله، جاء نادماً فرجع غانماً، وهذا من يسر هذه الشريعة، وسماحتها، وفضل نبيها وشرفه ﵊.
طالب:. . . . . . . . .
جاء في بعض الروايات ما يدل على وجوب القضاء.
стр. 696
فقال: "أعلى أفقر مني؟ فو الله ما بين لابتيها" يعني تصور أن هذا الشخص مسح المدينة مسح شامل حتى عرف أنه ما يوجد أفقر منه؟ أو بناءً على غلبة ظنه؟ نعم، بناءً على غلبة ظنه، ولذا يقول أهل العلم: يجوز أن يحلف على غلبة الظن، "يريد الحرتين، أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﵊، من وضعه، حتى بدت نواجذه الكريمة، بعض النسخ: أنيابه ولا فرق، تبدو النواجذ وتبدو الأنياب، ثم قال: ((أطعمه أهلك)) منهم من يقول: أن الكفارة تسقط، تسقط لأنه إن لم تسقط لألزمه بإخراجه؛ لكن أنا أقول: لا دليل في هذا، لا دليل في هذا، والجادة أنها تثبت في ذمته متى أيسر، إن مات معسراً فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، تبقى في ذمته، وكون النبي ﵊ أعطاه إياه، وقال: ((أطعمه أهلك)) ولم يتعرض للكفارة أنها ذهبت أو ما ذهبت، الآن أهله يحتاجون إلى إسعاف، ما بين لابتي المدينة أفقر منهم، يبغون من يسعفهم، ما عندهم أكل، فيقدمون يسعفون بمثل هذا، والكفارة تبقى دين في ذمته، إن مات وهو معسر فالله -جل وعلا- يتولاه، والجادة والقاعدة أنها تبقى دين في ذمته، لأن منهم من يقول: أنه ما دام أعطاه العرق الذي فيه التمر، وقال: كله أنت وعيالك، يعني أن ما فيه كفارة، بل زاده على ذلك بأن أعطاه تمراً، فكيف يعطيه تمر يأكل هو وأولاده وهو مطالب بكفارة؟ نقول: ممكن، يعني متصور، قال: خذ هذا التمر كلوه، وسدوا خلتكم منه، والكفارة تبقى كما يرجع العادة.
стр. 697
بالنسبة لقضاء ذلك اليوم جاء في بعض الروايات من وجوه، يقول ابن حجر: أنها من وجوه تثبت أنه يلزمه قضاء اليوم، قال: ((صم يوماً مكانه)) وهذه هي القاعدة أن من أفطر يوماً لزمه أن يقضيه، من ترك صلاة عليه قضاؤها؛ لكن هل يدخل في هذا المتعمد وغير المتعمد؟ يعني ترك صلاة متعمداً حتى خرج وقتها، يقضي وإلا ما يقضي؟ أفطر يوم من رمضان عمد من غير عذر، يقضي وإلا ما يقضي؟ الجادة يقضي؛ لأنه إذا أمر المعذور بالقضاء فلأن يؤمر غير المعذور من باب أولى، منهم من يقول: بالنسبة للصلاة، الصيام جاء فيه: ((من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر لم يقضه صيام الدهر وإن صامه)) يدل على أنه لا يقضي؛ لكن هذا الحديث يدل على أنه يقضي، وإذا كان المعذور يقضي فلأن يقضي غير المعذور من باب أولى، وكونه لا يقضيه صيام الدهر لا يعفيه من الإثم، وإن لزمه القضاء، الصلاة إذا تعمد إخراجها عن وقتها فمن أهل العلم من يقول: أنه لا يقضيها؛ لأن صلاتها بعد خروج الوقت كصلاتها قبل دخوله، والوقت شرط لصحة الصلاة، وتخلف الشرط إذاً لا يقضيها، ونقل ابن حزمٍ عليه الإجماع، نقل ابن حزم عليه الإجماع؛ لكن الأئمة الأربعة كلهم على خلافه، بل نقل بعضهم الإجماع على وجوب القضاء، فعامة أهل العلم على وجوب القضاء، وهو الراجح.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء المرسلين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين برحمتك يا أرحم الراحمين.
باب الصوم في السفر وغيره:
عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ قال للنبي ﷺ : "أصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، قال: ((إن شئت فصم، وإن شئت فافطر)).
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر عن الصائم".
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حرٍ شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله -صلى الله عليه سلم- وعبد الله بن رواحة".
стр. 698
وعن جابر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ في سفرٍ فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: ((ما هذا؟ )) قالوا: صائم، قال: ((ليس من البر الصوم في السفر)) وفي لفظٍ لمسلم: ((عليكم برخصة الله التي رخّص لكم)).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ فمنّا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يومٍ حار، وأكثرنا ظلاً صاحب الكساء، فمنّا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُوّم وقام المفطرون، فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ : ((ذهب المفطرون اليوم بالأجر)).
стр. 699
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب الصوم في السفر وغيره" يعني ما حكمه، "وغيره" غير الصوم في السفر من المسائل الأخرى المتعلقة بهذا الكتاب، كتاب الصيام، فذكر حديث عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي صحابي جليل كثير الصيام، سأل النبي ﵊ قال: "أصوم في السفر؟ " يعني: أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، فقال: ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)) وفي هذا دليل على التخيير بين الصيام وعدمه في السفر؛ لأن الأصل أن الحكم في الصيام المستحب، وهو في الواجب أيضاً باعتبار أن السفر وصف علّق عليه رخص فإذا تحقق هذا الوصف فللإنسان أن يصوم وله أن يفطر، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يسافرون للحج والعمرة والجهاد مع النبي ﷺ فمنهم الصائم ومنهم المفطر، ولا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، فدل على أن كلاً من الصيام والفطر في السفر جائز، يجوز أن يصوم الإنسان في السفر، ويجوز أن يفطر، والمرجح منهما كسائر الرخص، الأرفق بالمسافر فإذا كان الأنفع للمسافر والأرفق به أن يصوم؛ لأن كثرة الأكل لا تعينه على السفر مثلاً، أو تشق عليه، تشق عليه متابعة السير إذا أكل، فالأصل فضل الصيام، ومعه هذه الفائدة، فيكون الصيام في حقه أفضل، وإذا كان الفطر يعينه على مواصلة سفره ولا يلحقه بذلك مشقة فإنه يكون الفطر في حقه أفضل، فإن لحقته المشقة بصيامه في السفر، فليس من البر الصيام في السفر، كما في الحديث اللاحق "كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم" فدل على أن المسألة يخيّر فيها المكلّف، ومردها إلى اختياره، وهذا يشمل الفريضة والنافلة؛ لأن الفريضة يجوز للمسافر أن يفطر، ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [(١٨٤) سورة البقرة] فالسفر والمرض يبيحان الفطر حتى في رمضان، وأما بالنسبة لصوم النافلة فهو في الأصل مخير، والمتطوع أمير نفسه، فإن وجد أن الفطر أنفع له يفطر، وإن وجد أن الصيام أنفع
стр. 700
له يستمر صائماً.
стр. 701
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حرٍ شديد، حتى إذ كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة، فدلّ على أنه يصوم ﵊ في السفر، وفي هذا رد على الظاهرية الذين يقولون: أن الصيام لا يجزئ في السفر، صيام رمضان لا يجزئ في السفر، بل يلزمه القضاء، يلزمه الفطر ويلزمه القضاء؛ لأن فرض من شهد الشهر الصيام ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [(١٨٥) سورة البقرة] هذا فرضه، بالمقابل القسم الثاني ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [(١٨٤) سورة البقرة] يعني فيلزمه، أو فالواجب في حقه عدة من أيامٍ أخر، ولا تلزمه العدة إلا إذا أفطر إذاً يلزمه الفطر، وتلزمه العدة يلزمه القضاء أفطر أو لم يفطر، إذ مثل هذا الصيام عند الظاهرية وجوده مثل عدمه، عرفنا حجتهم؟ الآن في رمضان إما أن يكون شاهد الشهر حاضر مقيم، وهذا إما أن يكون سليم البدن صحيح معافى أو مريض، ويقابل المقيم المسافر (من شهد الشهر) حضر في البلد، دخل عليه الشهر، ولم يكن مريضاً ولا مسافراً ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [(١٨٥) سورة البقرة] هذا فرضه، ولا يجوز له بحال أن يفطر إلا إذا عجز، انتهينا من شهد الشهر فرضه الصيام، من كان مريضاً أو على سفر إن شاء فليصم وإن شاء فليفطر، أو فعدة من أيام أخر؟ الذي في الآية؟ ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [(١٨٤) سورة البقرة] هناك من شهد الشهر فالواجب عليه أن يصمه، الواجب عليه الصيام، ومن كان مريضاً أو على سفر هذا القسم الثاني الواجب عدة من أيامٍ أخر، يعني يجب عليه أن يصوم عدة من أيام أخرى بقدر الأيام التي سافرها، وإذا كان يجب عليه أن يصوم عدة غيرها إذاً يلزمه أن يفطر، فلا يصح الصيام عندهم ويلزمه القضاء، عندنا الأحاديث الصحيحة الصريحة أصوم في السفر؟ قال: ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)) "كنا نسافر مع النبي ﵊ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم" الحديث الثالث فيه تنصيص
стр. 702
أن النبي ﵊ صام، "وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة" فدل على أن الصيام في السفر يجزئ عن صيام رمضان، وعلى هذا يكون معنى قوله -جل وعلا-: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ -فأفطر- فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [(١٨٤) سورة البقرة] ودليل هذا التأويل الأحاديث التي سمعناها، ثم بعد ذلك هذا في حق من لم يشق عليه الصيام، يخيّر إن شاء صام وإن شاء أفطر، وإن كان الصيام يعينه فالصيام في حقه أفضل؛ لكن إن وجد مشقّة شديدة، جابر ﵁ قال: "كان رسول ﷺ في سفر فرأى زحاماً ورجل قد ظلل عليه، فقال: ((ما هذا؟ )) قالوا: صائم، قال: ((ليس من البر الصيام في السفر)) يعني هذا مع إيش؟ مع المشقّة الشديدة؛ لأن هذا ظلل عليه، صائم وازدحم الناس عليه، وظللوا عليه كي يعينوه على إتمام صيامه، فقال: ((ما هذا؟ )) قالوا: صائم فقال: ((ليس من البر الصيام في السفر)) لأن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، وفي لفظٍ لمسلم: ((عليكم برخصة الله التي رخّص لكم))، والله -جل وعلا- يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معاصيه، ((فعليكم برخصة الله التي رخّص لكم)) ومن هذه الرخص الفطر في السفر، فعلى هذا الذي يشق عليه الصيام ليس من البر الصيام في السفر، وإذا كان ليس من البر يكون من إيش؟ ما الذي يقابل البر؟ الإثم، إذا لم يكن العمل من البر إذاً هو من إيش؟ من الإثم، فهل يأثم من صام في السفر وشقّ عليه؟ كما هو حال كثير من الناس، عوام المسلمين يشق عليهم الصيام وأشق منه عليهم أن يفطر، وبعض الناس تجده ليس من أهل التحري المعروف، ولا من المعروفين بالاحتياط للعبادة وغيرها تجده متساهل؛ لكن يقول: أصوم مع الناس ولو شق عليّ ولا أفطر، والناس بعد رمضان راحة ويمين ويسار ومكاشيت، وأنا أقضي الصيام، ولو شق عليه الصيام، نقول: مع ذلك ليس من البر الصيام في السفر؛ لكن مع ذلك لو صام وشق عليه، وظلل عليه مثل هذا نقول: صيامه صحيح ومجزئ لا يلزمه قضاؤه ما دام أمسك عن المفطرات من طلوع الشمس بالنية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس هذا صائم، الصيام صحيح ومسقط للطلب
стр. 703
ومجزئ؛ لكن يبقى أنه ليس من البر، ويمكن أن يقال: هل نستطيع أن نقول: البر والإثم نقيضان وإلا ضدان؟ يعني هل يمكن أن تصف عمل بأنه ليس ببر ولا إثم؟ طيب العمل المباح بر وإلا إثم؟ أو لا بر ولا إثم؟ لأنه إن كان بر استحق عليه أجر، وإن كان إثم استحق عليه وزر، طيب المباح لا أجر ولا وزر؟ مستوي الطرفين.
طالب:. . . . . . . . .
دعونا من مسألة الصيام، نحن نقابل بين الإثم والبر، وجاء تفسير البر وجاء تفسير الإثم؛ لكن يبقى أنه هل يوجد واسطة بين البر والإثم، ليست ببر ولا إثم، بمعنى أنه لا يؤجر ولا يأثم؟ يوجد وإلا ما يوجد؟ المباح مستوي الطرفين، لا يكتب عليه أجر، ولا يكتب عليه وزر، باعتبار أنه مستوي الطرفين، إذاً نخلص من هذا أن الإثم والبر متقابلان، يبقى أنه هل هناك واسطة بينهما أو لا واسطة؟ أثبتنا المباح، إذاً هل البر والإثم من النقيضين أو من الضدين؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 704
ضدان؟ نقيضان؟ إيش معنى نقيضان؟ إيش معناها؟ يعني لا يجتمعان، أو ضدان يجتمعان وإلا ما يجتمعان؟ لا يجتمعان ولا يرتفعان، والضدان؟ لا يجتمعان وقد يرتفعان، يحل محلهما أمر ثالث، السواد والبياض ضدان؟ بمعنى أنه لا يمكن أن يجتمعان في حقيقةٍ واحدة؛ لكن يمكن أن يرتفع البياض والسواد يبقى المكان أخضر؛ لكن لو كانا نقيضين ما اجتمعا ولا ارتفعا، لا بد من وجود أحدهما، وهنا نقول: هذا العمل إذا ارتفع البر يثبت الإثم؟ كما عندنا ليس من البر إذاً إثم؟ أو نقول: لا بر ولا إثم؟ مو قررنا أن المباح بين الإثم والبر يعني ما عندنا الأحكام التكليفية الخمسة، عندنا في جهة الواجب والمندوب، وفي الجهة الأخرى المحرم والمكروه، بين هذه الأقسام واسطة وهو المباح، يعني لا مع هذا ولا مع هذا، الواجب والمندوب يؤجر عليهما، المكروه والمحظور لا يؤجر عليهما، يبقى المباح مستوي الطريفين، فإذا أثبتنا هذه الواسطة قلنا: أنه يوجد عمل لا بر ولا إثم، بمعنى أن صاحبه لا يأثم ولا يؤجر عليه، وقل مثل هذا في كتابة الملكين، ما يبحثون قضية هل يكتب الملكان كل شيء؟ يكتب الملكان كل ما يلفظ به ابن آدم؟ ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [(١٨) سورة ق] نعم يكتب كل شيء؛ لكن هذا كلام مجرد أخبار صحيحة، مثلاً لو قلت: قام زيد أو قدم زيد، يكتب وإلا ما يكتب؟ تأثم وإلا ما تأثم؟ أنت تشرح في باب الفاعل مثاله: قام زيد، هذا الكلام فيه إثم وإلا ما فيه إثم؟ أو مثلاً تخبر عن شخص من الناس أنه جاء، نعم ما يترتب على هذا الخبر، ما يترتب عليه من تعليم الناس في قام زيد في النحو، هذا تؤجر عليه إذا قلت: قام زيد، أو تقول: قدم زيد من السفر، إن كنت تريد أن تبشر به أحبابه وأصحابه تؤجر على هذا؛ لأنك أدخلت السرور عليهم؛ لكن إن كنت تخبر عدو له يترصد له؟ تأثم، دعونا من هذه المؤثرات كلها، شخص قال: نام الولد، يأثم وإلا ما يأثم؟ هل هذا بر وإلا إثم؟ لا بر ولا إثم، كلام مباح، لا بر ولا إثم.
стр. 705
فإذا قلنا: أن البر والإثم نقيضان فلا بد إما أن يأثم وإلا يؤجر، وعلى هذا ليس من البر إذاً إثم، وإذا قلنا: هما ضدان، قلنا: يمكن يكون ليس ببر يؤجر عليه لكن ما يأثم؛ لكن لا يأثم، لثبوت الواسطة، ونعرف أن أكثر الإخوان أو كثير منهم ما فهم الذي أنا أقول؛ لكن ما في أكثر من هذا التكرار، ليس من البر هل هناك واسطة بين البر والإثم؟ يعني هل نقول: أن البر والإثم نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان؟ بمعنى لا بد من وجود أحدهما؟ إذا قلنا: أنه ليس من البر يعني إثم، إذا قلت: هذا الشاخص يعني قدامك صورة إنسان، إذا قلت: هذا ليس بذكر وش يصير؟ أنثى، انتهى الإشكال، ما أدري ذكر وإلا أنثى؟ كونه خنثى مثلاً عنده آلة ذكر وآلة أنثى هذا نادر ما يمثّل به، إذاً متقابلان تقابل الوجود والعدم، يعني نقيضان، والذي عندنا يمكن أن يوجد شيء ليس ببر ولا إثم، إذاً الصيام على حسب المشقّة، إن كان يضر بصاحبه يأثم للضرر، حتى لو لم يكن مسافر، مريض قالوا له الأطباء: لا تصوم فصام ومات، أو زاد مرضه، أو تأخر برؤه يأثم، هذا إثم صيامه، وهناك الصيام الأصل فيه أنه البر، وبينهما مرتبة.
طالب:. . . . . . . . .
كيف يجتمع؟ هذا شخص مريض، وقالوا له الأطباء: لا تصوم، وجاء رمضان وصام يرجو ثواب الله، والصيام من أفضل الأعمال، هل نقول: أنه يؤجر على صيامه ويأثم عليه في الوقت نفسه؟ يؤجر ويأثم؟ يعني مع اتحاد الجهة ما يمكن، مع انفكاك الجهة يؤجر باعتبار، ويأثم باعتبار ممكن، هذا صائم رمضان ويغتاب الناس انفكت الجهة له أجر الصيام وعليه إثم الغيبة؛ لكن يكون الشخص مأمور منهي من جهةٍ واحدة، قالوا له الأطباء: لا تصوم، والشرع يقرر أنك لا تصوم إذا قال لك الأطباء: لا تصوم، وأنت تقول: أبي أصوم؟ إذاً لا تؤجر على هذا الصيام، تأثم.
следующие страницы →