Полный текст (666 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَهَذَا بِنَاء على أَصله الْفَاسِد وَهُوَ أَن الذَّات وجود مُطلق لَا تقوم بِهِ صِفَات لَا كَلَام وَلَا غَيره فيستحيل عِنْد تجليها خطاب
وشهاب الدَّين كَانَ أتبع للسّنة وَالشَّرْع مِنْهُ وَلِهَذَا كَانَ صَاحبهمَا ابْن حمويه يَقُول ابْن عَرَبِيّ بَحر لَا تكدره الدلاء وَلَكِن نور الْمُتَابَعَة المحمدية على وَجه الشَّيْخ شهَاب الدَّين شَيْء آخر لكنه كَانَ ضَعِيف الْإِثْبَات للصفات والعلو لما فِيهِ من التجهم الْأَشْعَرِيّ وَكَانَ يَقُول عَن الرب لَا إِشَارَة وَلَا تعْيين
وَهَؤُلَاء مخانيث الْجَهْمِية وَابْن عَرَبِيّ من ذكورهم فهم يستطيلون على من دخل مَعَهم فِي التجهم وَإِنَّمَا يقهرهم أهل السّنة المثبتون العارفون بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وبمخالفتهم لَهُ وببطلان مَا يناقصن السّنة من المعقولات الْفَاسِدَة وَلم يكن السهروردي من هَؤُلَاءِ وَكَذَلِكَ الحريري قَالَ كنت أثبت الْمحبَّة أَولا ثمَّ رَأَيْت أَن الْمحبَّة مَا تكون إِلَّا من غير لغير وَمَا ثمَّ غير
стр. 107
فَهَؤُلَاءِ منتهاهم إِنْكَار الْمحبَّة الَّتِي يَسْتَحِقهَا الرب وَلِهَذَا لَا يتابعون رَسُوله وَلَا يجاهدون فِي سَبيله وَالله وصف الْمُؤمنِينَ بِهَذَا وَبِهَذَا فمحبة هَؤُلَاءِ تجر إِلَى الزندقة
وَأَيْضًا فقد يَقُولُونَ إِن الْمُحب لَا تضره الذُّنُوب وصنف ابْن حمويه فِي ذَلِك مصنفا بناه على مَا يُقَال إِذا أحب الله عبدا لَا تضره الذُّنُوب وَهَذَا إِذا قَالَه المحق فقصده أَنه لَا يتْركهُ مصرا عَلَيْهَا بل يَتُوب عَلَيْهِ مِنْهَا فَلَا تضره فَأَخذه هَؤُلَاءِ وَقَالُوا إِن الذُّنُوب لَا تضر المحبوبين وأحدهم يَقُول عَن نَفسه إِنَّه مَحْجُوب فَلَا تضره الذُّنُوب فصاروا مثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذين قَالُوا نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه [سُورَة الْمَائِدَة ١٨] فَصَارَ فيهم زندقة من هَذَا الْوَجْه وَمن غَيره
بَيَان مقَالَة أهل السّنة
وَقد قَالَ تَعَالَى عَن يُوسُف كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنَّه من عبادنَا المخلصين [سُورَة يُوسُف ٢٤] وَقَالَ تَعَالَى لَيْسَ بأمانيكم وَلَا أماني أهل الْكتاب من يعْمل سوءا يجز بِهِ [سُورَة النِّسَاء ١٢٣] وَسيد المحبين المحبوبين خَاتم الرُّسُل وَقد قَالَ إِنِّي أعلمكُم بِاللَّه واشدكم خشيَة لَهُ
وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يحب إِلَّا الْحَسَنَات وَلَا يحب السَّيِّئَات وَهُوَ يحب الْمُتَّقِينَ والمحسنين وَالصَّابِرِينَ والتوابين والمتطهرين وَلَا يحب كل مختال فخور وَلَا يحب
стр. 108
الْفساد وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر فَإِذا أحب عبدا وأذنب كَانَ من التوابين المتطهرين
وَبَعض النَّاس يَقُول الشَّاب التائب حبيب الله وَالشَّيْخ التائب عتيقه وَلَيْسَ كَذَلِك بل كل من تَابَ فَهُوَ حبيب الله سَوَاء كَانَ شَيخا أَو شَابًّا وَقد روى أهل ذكرى أهل مجالستي وَأهل شكري أهل زِيَادَتي وَأهل طَاعَتي أهل كَرَامَتِي وَأهل معصيتي لَا أويسهم من رَحْمَتي إِن تَابُوا فَأَنا حبيبهم وَإِن لم يتوبوا فَأَنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب
وَهَذَا فعله مَعَ عباده إِذا أذنبوا إِمَّا أَن يَتُوب عَلَيْهِم وَإِمَّا أَن يبتليهم بِمَا يطهرهم إِذا لم يَجْعَل السَّيِّئَات تخفص درجتهم وَإِن لم يكن هَذَا وَلَا هَذَا انخفضت درجتهم بِحَسب سيئاتهم عَن دَرَجَات من ساواهم فِي الْحَسَنَات وَسلم من تِلْكَ السَّيِّئَات كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا [سُورَة الْأَنْعَام ١٣٢] لأهل الْجنَّة وَلأَهل النَّار دَرَجَات من أَعْمَالهم بحسبها كَمَا قد بسط فِي غير هَذَا الْموضع
وَالْعَبْد هُوَ فَقير دَائِما إِلَى الله من كل وَجه من جِهَة أَنه معبوده وَأَنه مستعانه فَلَا يَأْتِي بِالنعَم إِلَّا هُوَ وَلَا يصلح حَال العَبْد إِلَّا بِعِبَادَتِهِ وَهُوَ مذنب أَيْضا لَا بُد لَهُ من الذُّنُوب فَهُوَ دَائِما فَقير مذنب فَيحْتَاج دَائِما وَإِلَى الغفور الرَّحِيم الغفور الَّذِي يغْفر ذنُوبه والرحيم الَّذِي يرحمه فينعم عَلَيْهِ وَيحسن إِلَيْهِ فَهُوَ دَائِما بَين إنعام الرب وذنوب نَفسه كَمَا قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ إِنَّه يسير بَين مطالعة الْمِنَّة ومطالعة عيب النَّفس وَالْعَمَل وكما قَالَ ذَلِك الْعَارِف لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ إِنِّي أصبح بَين نعْمَة وذنب فَأُرِيد أَن أحدث للنعمة شكرا وللذنب اسْتِغْفَارًا
стр. 109
وَفِي سيد الإستغفار أَبُوء لَك بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي وَفِي الحَدِيث الإلهي فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه وَكَانَ يَقُول فِي خطبَته الْحَمد لله نستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ وَفِي الْقُنُوت اللَّهُمَّ إِنَّا نستعينك ونستهديك ونستغفرك إِلَى آخِره وَكَانَ ﷺ إِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع يحمد الله ثمَّ يَسْتَغْفِرهُ فَيَقُول رَبنَا وَلَك الْحَمد ملْء السَّمَاوَات وملء الأَرْض وملء مَا بَينهمَا وملء مَا شِئْت من شَيْء بعد أهل الثَّنَاء وَالْمجد أَحَق مَا قَالَ العَبْد وكلنَا لَك عبد لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطي مَا منعت وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد اللَّهُمَّ اغسلني من خطاياي بالثلج وَالْمَاء وَالْبرد اللَّهُمَّ نقني من خطاياي كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس
стр. 110
والإستغفار مقرون بِالْحَمْد كَمَا قرن بِالتَّوْحِيدِ وكما قرن الْحَمد بالتحميد وَقد جمعت الثَّلَاثَة فِي مثل كَفَّارَة الْمجْلس سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك
وَكَانَ الْمَقْصُود أَن الْجَهْمِية الْمُجبرَة لما آمن مِنْهُم من آمن بالرسل صَار عِنْدهم خوف مَا ورجاء مَا وصاروا يوجبون الشُّكْر شرعا فالداعي عِنْدهم جُزْء من الشَّرْع وَأما دَاعِي الْمُعْتَزلَة فَهُوَ أقوى من داعيهم فهم أحسن أعمالا وأعبد وأطوع وَأَوْرَع كَأَهل السّنة والمعرفة فهم يعبدونه مَعَ الْخَوْف والرجاء وَالشُّكْر بداعي الْمحبَّة وَمَعْرِفَة الْحِكْمَة والإلهية وَهَذِه مِلَّة إِبْرَاهِيم الْخَلِيل فهم فَوق هَؤُلَاءِ كلهم وَالله تَعَالَى أعلم
آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله وَسلم
стр. 111
رِسَالَة فِي معنى كَون الرب عادلا وَفِي تنزهه عَن الظُّلم
стр. 112
قَاعِدَة
فِي معنى كَون الرب عادلا وَفِي تنزهه عَن الظُّلم
وَفِي إِثْبَات عدله وإحسانه
تأليف شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدَّين ابْن تَيْمِية مِمَّا أَلفه فِي محبسه الْأَخير بالقلعة بِدِمَشْق قدس الله روحه
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله أجميعن وَسلم تَسْلِيمًا
فصل
اتّفق الْمُسلمُونَ وَسَائِر أهل الْملَل على أَن الله تَعَالَى عدل قَائِم بِالْقِسْطِ لَا يظلم شَيْئا بل هُوَ منزه عَن الظُّلم
تنَازع طوائف الْمُسلمين فِي معنى الظُّلم الَّذِي ينزه الله عَنهُ
ثمَّ لما خَاضُوا فِي الْقدر تنازعوا فِي معنى كَونه عدلا فِي الظُّلم الَّذِي هُوَ منزه عَنهُ
مقَالَة الْجَهْمِية والأشاعرة
فَقَالَت طَائِفَة الظُّلم لَيْسَ بممكن الْوُجُود بل كل مُمكن إِذا قدر وجوده مِنْهُ فَإِنَّهُ عدل وَالظُّلم هُوَ الْمُمْتَنع مثل الْجمع بَين الضدين وَكَون الشَّيْء مَوْجُودا مَعْدُوما فَإِن الظُّلم إِمَّا التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر وكل مَا سواهُ ملكه وَإِمَّا مُخَالفَة الْآمِر الَّذِي تجب طَاعَته وَلَيْسَ فَوق الله تَعَالَى آمُر تجب عَلَيْهِ طَاعَته
وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ مهما تصور وجوده وَقدر وجوده فَهُوَ عدل وَإِذا قَالُوا كل نعْمَة مِنْهُ فضل وكل نقمة مِنْهُ عدل فَهَذَا أَمر أوهم
стр. 113
وَهَذَا قَول الْمُجبرَة مثل جهم وَمن اتبعهُ وَهُوَ قَول الْأَشْعَرِيّ وَأَمْثَاله من أهل الْكَلَام وَقَول من وافقهم من الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث والصوفية
وَقد روى عَن بعض الْمُتَقَدِّمين كَلِمَات مُطلقَة تشبه هَذَا الْمَذْهَب مثل قَول إِيَاس بن مُعَاوِيَة مَا ناظرت بعقلي كُله إِلَّا الْقَدَرِيَّة قلت لَهُم مَا الظُّلم قَالُوا أَن تَأْخُذ مَا لَيْسَ لَك قلت فَللَّه كل شَيْء وَمثل قَول أبي الْأسود لعمران بن حُصَيْن لما سَأَلَهُ فَقَالَ عمرَان أَرَأَيْت مَا يكدح النَّاس الْيَوْم ويعملون فِيهِ أَشَيْء قضى عَلَيْهِم وَمضى من قدر قد سبق أَو فِيمَا يستقبلون فِيمَا أَتَاهُم بِهِ نَبِيّهم فاتخذت بِهِ عَلَيْهِم الْحجَّة قَالَ قلت بل شَيْء قد قضى عَلَيْهِم وَمضى عَلَيْهِم قَالَ فَهَل يكون ذَلِك ظلما قَالَ فَفَزِعت من ذَلِك فَزعًا شَدِيدا وَقلت لَهُ إِنَّه لَيْسَ شَيْء إِلَّا وَهُوَ خلق الله وَملك يَده وَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون فَقَالَ سددك الله إِنِّي وَالله مَا سَأَلتك إِلَّا لأحرز عقلك
وَهَذَا قَول كثير من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد كَالْقَاضِي أبي يعلى
стр. 114
وَأَتْبَاعه وَأبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَأَتْبَاعه وَأبي الْوَلِيد الْبَاجِيّ وَأَتْبَاعه وَغَيرهم
مقَالَة الْمُعْتَزلَة
وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه عدل لَا يظلم لِأَنَّهُ لم يرد وجود شَيْء من الذُّنُوب لَا الْكفْر وَلَا الفسوق وَلَا الْعِصْيَان بل الْعباد فعلوا ذَلِك بِغَيْر مَشِيئَته كَمَا فَعَلُوهُ عاصين لأَمره وَهُوَ لم يخلق شَيْئا من أَفعَال الْعباد لَا خيرا وَلَا شرا بل هم أَحْدَثُوا أفعالهم فَلَمَّا أَحْدَثُوا معاصيهم استحقوا الْعقُوبَة عَلَيْهَا فعاقبهم بأفعالهم لم يظلمهم
هَذَا قَول الْقَدَرِيَّة من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَهَؤُلَاء عِنْدهم لَا يتم تنزيهه عَن الظُّلم إِن لم يَجْعَل غير خَالق لشَيْء من أَفعَال الْعباد بل وَلَا قَادر على ذَلِك وَإِن لم يَجْعَل غير شَاءَ لجَمِيع الكائنات بل يَشَاء مَا لَا يكون وَيكون مَا لَا يَشَاء إِذْ الْمَشِيئَة عِنْدهم بِمَعْنى الْأَمر
وَهَؤُلَاء وَالَّذين قبلهم يتناقضون تناقضا عَظِيما وَلَكِن من الطَّائِفَتَيْنِ مبَاحث ومصنفات فِي الرَّد على الْأُخْرَى وكل من الطَّائِفَتَيْنِ تسمى الْأُخْرَى الْقَدَرِيَّة وَقد روى عَن طَائِفَة من التَّابِعين مُوَافقَة هَؤُلَاءِ
مقَالَة أهل السّنة
وَالْقَوْل الثَّالِث أَن الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَالْعدْل وضع كل شَيْء فِي مَوْضِعه وَهُوَ سُبْحَانَهُ حكم عدل يضع الْأَشْيَاء موَاضعهَا وَلَا
стр. 115
يضع شَيْئا إِلَّا فِي مَوْضِعه الَّذِي يُنَاسِبه وتقتضيه الْحِكْمَة وَالْعدْل وَلَا يفرق بَين متماثلين وَلَا يُسَوِّي بَين مُخْتَلفين وَلَا يُعَاقب إِلَّا من يتسحق الْعقُوبَة فَيَضَعهَا موضعهَا لما فِي ذَلِك من الْحِكْمَة وَالْعدْل
وَأما أهل الْبر وَالتَّقوى فَلَا يعاقبهم أَلْبَتَّة قَالَ تَعَالَى أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين مَا لكم كَيفَ تحكمون [سُورَة الْقَلَم ٣٥ - ٣٦] وَقَالَ تَعَالَى أم نجْعَل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار [سُورَة ص ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات الْآيَة [سُورَة الجاثية ٢١]
قَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه يُقَال ظلم الرجل سقاءه إِذا سقا مِنْهُ قبل أَن يخرج زبده قَالَ الشَّاعِر
وَصَاحب صدق لم تنلني شكاته ... ظلمت وَفِي ظلمي لَهُ عَامِدًا أجر
أَرَادَ بالصاحب وطب اللَّبن وظلمه إِيَّاه أَن يسْقِيه قبل أَن يخرج زبده وَالْعرب تَقول هُوَ أظلم من حَيَّة لِأَنَّهَا تَأتي الْحفر الَّذِي لم تحفره فتسكنه وَيُقَال قد ظلم المَاء الْوَادي إِذا وصل مِنْهُ إِلَى مَكَان لم يكن يصل إِلَيْهِ فِيمَا مضى ذكر ذَلِك أَبُو الْفرج وَكَذَلِكَ قَالَ الْبَغَوِيّ أصل الظُّلم وضع
стр. 116
الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَكَذَلِكَ ذكر غير وَاحِد قَالُوا وَالْعرب تَقول من أشبه أَبَاهُ فَمَا ظلم أَي مَا وضع الشّبَه فِي غير مَوْضِعه
وَهَذَا الأَصْل وَهُوَ عدل الرب يتَعَلَّق بِجَمِيعِ أَنْوَاع الْعلم وَالدّين فَإِن جَمِيع أَفعَال الرب ومخلوقاته دَاخِلَة فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ أَقْوَاله وشرائعه كتبه الْمنزلَة وَمَا يدْخل فِي ذَلِك من مسَائِل المبدأ والمعاد ومسائل النبوات وآياتهم والنواب وَالْعِقَاب ومسائل التَّعْدِيل والتجوير وَغير ذَلِك وَهَذِه الْأُمُور مِمَّا خَاضَ فِيهِ جَمِيع الْأُمَم كَمَا قد بسط فِي مَوَاضِع
وَأهل الْملَل كلهم يقرونَ بعدله لِأَن الْكتب الإلهية نطقت بعدله وَأَنه قَائِم بِالْقِسْطِ وَأَنه لَا يظلم النَّاس مِثْقَال ذرة لَكِن كثير من النَّاس فِي نَفسه ضغن من ذَلِك وَقد يَقُوله بِلِسَانِهِ ويعرض بِهِ فِي نظمه ونثره وَهَؤُلَاء أَكثر رما يكونُونَ فِي الْمُجبرَة الَّذين لَا يجْعَلُونَ الْعدْل قسيما لظلم مُمكن لَا يَفْعَله بل يَقُولُونَ الظُّلم مُمْتَنع ويجوزون تَعْذِيب الْأَطْفَال وَغير الْأَطْفَال بِلَا ذَنْب أصلا وَأَن يخلق خلقا يعذبهم بالنَّار أبدا لَا لحكمة أصلا وَيرى أحدهم أَنه خلق فِيهِ الذُّنُوب وعذب بالنَّار لَا لحكمة وَلَا لرعاية عدل فتفيض نُفُوسهم إِذا وَقعت مِنْهُم الذُّنُوب وأصيبوا بعقوباتها بأقوال يكونُونَ فِيهَا خصماء الله تَعَالَى وَقد وَقع من هَذَا قِطْعَة فِي كَلَام طَائِفَة من الشُّيُوخ وَأهل الْكَلَام لَيْسَ هَذَا مَوضِع حِكَايَة أعيانهم
وَمَا ذَكرْنَاهُ من الْأَقْوَال الثَّلَاثَة نضبط أصُول النَّاس فِيهِ ونبين أَن القَوْل الثَّالِث هُوَ الصَّوَاب وَبِه يتَبَيَّن أَن كل مَا يَفْعَله الرب فَهُوَ عدل وَأَنه لَا يضع
стр. 117
الْأَشْيَاء فِي غير رموضعها فَلَا يظلم مِثْقَال ذرة وَلَا يجزى أحدا إِلَّا بِذَنبِهِ وَلَا يخَاف أحد ظلما وَلَا هضما لَا يهضم من حَسَنَاته وَلَا يظلم فيزاد عَلَيْهِ فِي سيئاته لَا من سيئات غَيره وَلَا من غَيرهَا بل من يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره وَأَنه لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى أَي لَا يملك ذَلِك وَلَا يسْتَحقّهُ وَإِن كَانَ قد يحصل لَهُ نفع بِفضل الله وَرَحمته وبدعاء غَيره وَعَمله فَذَاك قد عرف أَن الله يرحم كثيرا من النَّاس من غير جِهَة عمله لكنه لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا سعى قَالَ الله تَعَالَى أمل لم ينبأ بِمَا فِي صحف مُوسَى وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وفى أَلا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى وَأَن سَعْيه سَوف يرى ثمَّ يجزاه الْجَزَاء الأوفى [سُورَة النَّجْم ٣٦ - ٤١] وَقَوله أم لم ينبأ بِمَا فِي صحف مُوسَى يَقْتَضِي أَن المنبأ بذلك يجب عَلَيْهِ تَصْدِيق ذَلِك وَالْإِيمَان بِهِ فَكَانَ هَذَا مِمَّا أخبر بِهِ مُحَمَّد ﷺ مُصدقا لإِبْرَاهِيم ومُوسَى كَمَا قَالَ فِي آخر سبح إِن هَذَا لفي الصُّحُف الأولى صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى [سُورَة الْأَعْلَى ١٨ - ١٩]
فصل
وَمِمَّا يتَبَيَّن عدل الرب وإحسانه وَأَن الْخَيْر بيدَيْهِ وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ ﵇ يثني على ربه بذلك فِي مناجاته لَهُ فِي دُعَاء الإستفتاح
стр. 118
وَأَنه سُبْحَانَهُ لَا يظلم مِثْقَال ذرة بل مَعَ غَايَة عدله فَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ وَهُوَ أرْحم من الوالدة بِوَلَدِهَا كَمَا أخبر بذلك النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح وَهُوَ سُبْحَانَهُ أحكم الْحَاكِمين كَمَا قَالَ نوح فِي مناجاته وَأَنت أحكم الْحَاكِمين [سُورَة هود ٤٥] وَأَن الظُّلم قد ذكرنَا فِي غير مَوضِع أَن للنَّاس فِي تَفْسِيره ثَلَاثَة أَقْوَال قيل هُوَ التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه أَو مُخَالفَة الْآمِر الَّذِي تجب طَاعَته وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ فِي حق الله تَعَالَى وَهَذَا تَفْسِير الْمُجبرَة الْقَدَرِيَّة من الْجَهْمِية وَغَيرهم وَكثير مِمَّن ينتسب إِلَى السّنة وَهُوَ تَفْسِير الْأَشْعَرِيّ وَأَصْحَابه وَمن وافقهم كَالْقَاضِي أبي يعلى وَأَتْبَاعه وَأبي الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيرهم
وَالثَّانِي أَنه إِضْرَار غير مُسْتَحقّ وَهَذَا أَيْضا مُنْتَفٍ عَن الله تَعَالَى وَهَذَا تَفْسِير الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم
وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ لَو قدر الذُّنُوب وعذب عَلَيْهَا لَكَانَ إِضْرَار غير مُسْتَحقّ وَالله منزه عَنهُ وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ الظُّلم مُمْتَنع لذاته غير مُمكن وَلَا مَقْدُور بل كل مَا يُمكن فَهُوَ عدل غير ظلم وَإِذا عذب جَمِيع الْخلق بِلَا
стр. 119
ذَنْب أصلا لم يكن ظلما عِنْد هَؤُلَاءِ وَإِذا فعل مَا يَشَاء بِمُقْتَضى حكمته وَقدرته كَانَ ظلما عِنْد أُولَئِكَ فَإِنَّهُم يجْعَلُونَ ظلمه من جنس ظلم الْعباد وعدله من جنس عدلهم وهم مشبهة الْأَفْعَال
وَالسَّيِّد إِذا ترك مماليكه يظْلمُونَ ويفسدون مَعَ قدرته على مَنعهم كَانَ ظَالِما وَإِذا كَانَ قد أَمرهم ونهاهم وَهُوَ يعلم أَنهم يعصونه وَهُوَ قَادر على مَنعهم كَانَ ظَالِما وَإِذا قَالَ مقصودي أَن أعرضهم لثواب الطَّاعَة وَلذَلِك اقتنيتهم وَقد علم أَنهم لَا يطيعونه كَانَ سَفِيها ظَالِما وهم يَقُولُونَ إِن الرب خلق الْخلق وَلَيْسَ مُرَاده إِلَّا أَن يَنْفَعهُمْ وَأمرهمْ وَلَيْسَ مُرَاده إِلَّا نفعهم بالثواب مَعَ علمه أَنهم يعصونه وَلَا يَنْتَفِعُونَ
وَلِهَذَا طَائِفَة مِنْهُم نفت علمه وَآخَرُونَ قَالُوا مَا يُمكنهُ أَن يجعلهم مُطِيعِينَ وَهُوَ قَول جمهورهم فنفوا قدرته وَإِن أثبتوه عَالما قَادِرًا وَلم يفعل مَا أَرَادَهُ من الْخَيْر جَعَلُوهُ غير حَكِيم وَلَا رَحِيم بل وَلَا عَادل
وَأما الطَّائِفَة الْأُخْرَى فهم معطلة فِي الْأَفْعَال كَمَا أَن أُولَئِكَ مشبهة الْأَفْعَال فَإِنَّهُم يعطلون فعل العَبْد وَيَقُولُونَ لَيْسَ بفاعل وَلَا قَادر على الْفِعْل وَلَا لَهُ قدرَة مُؤثرَة فِي الْمَقْدُور وَأما الرب فَيَقُولُونَ خلق مَا خلق لَا لحكمة أصلا فعطلوا حكمته وَقَالَ إِنَّه يجوز أَن يعذب جَمِيع الْخلق بِلَا ذَنْب فعطلوا عدله وَالْعدْل هُوَ فعله وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَائِم بِالْقِسْطِ فَمن نفى عدله وحكمته فإمَّا أَن يَنْفِي فعله وَإِمَّا أَن يصفه بضد ذَلِك من الظُّلم والسفه كَمَا أَن الْكَلَام على الطَّائِفَتَيْنِ فِي غير هَذَا الْموضع
стр. 120
وَالصَّوَاب القَوْل الثَّالِث وَهُوَ أَن الظُّلم وضع الْأَشْيَاء فِي غير موَاضعهَا وَكَذَلِكَ ذكره أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي وَغَيره من أهل اللُّغَة وَذكروا على ذَلِك عدَّة شَوَاهِد كَمَا قد بسط فِي غير هَذَا الْموضع
وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي الْوُجُود ظلم من الله سُبْحَانَهُ بل قد وضع كل شَيْء مَوْضِعه مَعَ قدرته على أَن يفعل خلاف ذَلِك فَهُوَ سُبْحَانَهُ يفعل بِاخْتِيَارِهِ ومشيئته وَيسْتَحق الْحَمد وَالثنَاء على أَن يعدل وَلَا يظلم خلاف قَول الْمُجبرَة الَّذين يَقُولُونَ لَا يقدر على الظُّلم وَقد وافقهم بعض الْمُعْتَزلَة كالنظام لَكِن الظُّلم عِنْده غير الظُّلم عِنْدهم فَأُولَئِك يَقُولُونَ الظُّلم هُوَ الْمُمْتَنع لذاته وَهَذَا يَقُول هُوَ مُمكن لَكِن لَا يقدر عَلَيْهِ والقدرية النفاة يَقُولُونَ لَيْسَ فِي الْوُجُود ظلم من الله لِأَنَّهُ عِنْدهم لم يخلق شَيْئا من أَفعَال الْعباد وَلَا يقدر على ذَلِك فَمَا نزهوه عَن الظُّلم إِلَّا بسلبه الْقُدْرَة وَخلق كل شَيْء كَمَا أَن أُولَئِكَ مَا أثبتوا قدرته وخلقه كل شَيْء حَتَّى قَالُوا إِنَّه لَا ينزه أَن يفعل مَا يُمكن كتعذيب الْبَراء بِلَا ذَنْب فَأُولَئِك أثبتوا لَهُ حمدا بِلَا ملك وَهَؤُلَاء أثبتوا لَهُ ملكا بِلَا حمد وَأهل السّنة أثبتوا مَا أثْبته لنَفسِهِ لَهُ الْملك وَالْحَمْد فَهُوَ على كل شَيْء قدير وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَهُوَ خَالق كل شَيْء وَهُوَ عَادل فِي كل مَا خلقه وَاضع للأشياء موَاضعهَا وَهُوَ قَادر على أَن يظلم لكنه سُبْحَانَهُ منزه عَن ذَلِك لَا يَفْعَله لِأَنَّهُ السَّلَام القدوس الْمُسْتَحق للتنزيه عَن السوء وَهُوَ سُبْحَانَهُ سبوح قدوس يسبح لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَسُبْحَان الله كلمة كَمَا قَالَ مَيْمُون بن مهْرَان هِيَ كلمة يعظم بهَا الرب ويحاشى بهَا من السوء
стр. 121
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن عَبَّاس وَغير وَاحِد من السّلف إِنَّهَا تَنْزِيه الله من السوء وَقَالَ قَتَادَة فِي اسْمه المتكبر إِنَّه الَّذِي تكبر عَن السوء وَعنهُ أَيْضا إِنَّه الَّذِي تكبر عَن السَّيِّئَات
فَهُوَ سُبْحَانَهُ منزه عَن فعل القبائح لَا يفعل السوء وَلَا السَّيِّئَات مَعَ أَنه سُبْحَانَهُ خَالق كل شَيْء أَفعَال الْعباد وَغَيرهَا وَالْعَبْد إِذا فعل الْقَبِيح الْمنْهِي عَنهُ كَانَ قد فعل سوءا وظلما وقبيحا وشرا والرب قد جعله فَاعِلا لذَلِك وَذَلِكَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ عدل وَحِكْمَة صَوَاب وَوضع للأشياء موَاضعهَا فخلقه سُبْحَانَهُ لما فِيهِ نقص أَو عيب للحكمة الَّتِي خلقه لَهَا هُوَ مَحْمُود عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْهُ عدل وَحِكْمَة وصواب وَإِن كَانَ فِي الْمَخْلُوق عَيْبا وَمثل هَذَا مفعول فِي الفاعلين المخلوقين فَإِن الصَّانِع إِذا أَخذ الْخَشَبَة المعوجة وَالْحجر الردى واللبنة النَّاقِصَة فوضعها فِي مَوضِع يَلِيق بهَا ويناسبها كَانَ ذَلِك مِنْهُ عدلا واستقامة وصوابا وَهُوَ مَحْمُود وَإِن كَانَ فِي تِلْكَ عوج وعيب هِيَ بِهِ مذمومه مذمومة وَمن أَخذ الْخَبَائِث فَجَعلهَا فِي الْمحل الَّذِي يَلِيق بهَا كَانَ ذَلِك حِكْمَة وعدلا وَإِنَّمَا السَّفه وَالظُّلم أَن يَضَعهَا فِي غير موضعهَا وَمن وضع الْعِمَامَة على الرَّأْس والنعلين فِي الرجلَيْن فقد وضع كل شَيْء مَوْضِعه وَلم يظلم النَّعْلَيْنِ إِذْ هَذَا مَحلهمَا الْمُنَاسب لَهما فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يضع شَيْئا إِلَّا مَوْضِعه فَلَا يكون إِلَّا عدلا وَلَا يفعل إِلَّا خيرا فَلَا يكون إِلَّا محسنا جوادا رحِيما وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْخلق وَالْأَمر فَكَمَا أَنه فِي أمره لَا يَأْمر إِلَّا بأرجح الْأَمريْنِ وَيَأْمُر بتحصيل الْمصَالح وتكميلها وبتعطيل الْمَفَاسِد وتقليلها وَإِذا تعَارض امران رجح أحسنهما وَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَة أَمر بِفعل إِلَّا ووجوده للْمَأْمُور خير من عَدمه وَلَا نهي عَن فعل إِلَّا وَعَدَمه خير من وجوده وَهُوَ فِيمَا يَأْمر بِهِ قد أَرَادَهُ إِرَادَة دينية شَرْعِيَّة وأحبه ورضيه فَلَا يحب ويرضى شَيْئا إِلَّا ووجوده خير من عَدمه وَلِهَذَا أَمر عباده أَن يَأْخُذُوا
стр. 122
بِأَحْسَن مَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم فَإِن الْأَحْسَن هُوَ الْمَأْمُور بِهِ وَهُوَ خير من الْمنْهِي عَنهُ
الْخَيْر بيدَيْهِ سُبْحَانَهُ وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْهِ
كَذَلِك هُوَ سُبْحَانَهُ فِي خلقه وَفعله فَمَا أَرَادَ أَن يخلقه وبفعله كَانَ أَن يخلقه ويفعله خيرا من أَن لَا يخلقه ويفعله وَمَا لم يرد أَن يخلقه ويفعله كَانَ أَن لَا يخلقه ويفعله خيرا من أَن يخلقه ويفعله فَهُوَ لَا يفعل إِلَّا الْخَيْر وَهُوَ مَا وجوده خير من عَدمه فَكل مَا كَانَ عَدمه خيرا من وجوده فوجوده شَرّ فَهُوَ لَا يَفْعَله بل هُوَ منزه عَنهُ وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْهِ فالشر وَهُوَ مَا كَانَ وجوده شرا من عَدمه لَيْسَ إِلَيْهِ إِذْ كَانَ هَذَا مُسْتَحقّا للعدم لَا يشاؤه وَلَا يخلقه والمعدوم لَا يُضَاف إِلَى فَاعل فَلَيْسَ إِلَيْهِ وَلَكِن الْخَيْر بيدَيْهِ وَهُوَ مَا كَانَ وجوده خيرا من عَدمه
التَّعْلِيق على قَول بَعضهم: الْخَيْر كُله فِي الْوُجُود وَالشَّر كُله فِي الْعَدَم
وَمن النَّاس من يَقُول الْخَيْر كُله فِي الْوُجُود وَالشَّر كُله فِي الْعَدَم والوجود خير روالشر الْمَحْض لَا يكون إِلَّا مَعْدُوما وَهَذَا لفظ مُجمل فَإِذا أُرِيد بذلك أَن كل مَا خلقه الله وأوجده فَفِيهِ الْخَيْر ووجوده خير من عَدمه فَهَذَا صَحِيح وَكَذَلِكَ مَا لم يخلقه وَلم يشأه وَهُوَ الْمَعْدُوم الْبَاقِي على عَدمه لَا خير فِيهِ إِذْ لَو كَانَ فِيهِ خير لفعله سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ الْخَيْر فالشر العدمي هُوَ عدم الْخَيْر لَا أَن فِي الْعَدَم شرا وجوديا وَأما إِذا أُرِيد أَن كل مَا يقدر وجوده فوجوده خير وكل مَا يقدر عَدمه فعدمه شَرّ فَلَيْسَ بِصَحِيح بل من الْأَشْيَاء مَا وجوده شَرّ من عَدمه وَلَكِن هَذَا لَا يخلقه الرب فَيبقى مَعْدُوما وَعَدَمه خير فَهَذَا خير من هَذَا الْعَدَم بِمَعْنى أَن عَدمه خير رمن وجوده إِذْ كَانَ وجوده فِيهِ ضَرَر رَاجِح وَعدم الضَّرَر الرَّاجِح خير فَهُوَ خير عدمي فِي الْعَدَم
стр. 123
إِذْ الْعَدَم لَا يكون فِيهِ وجود فالشر لَيْسَ إِلَيْهِ وَهُوَ مَا كَانَ وجوده شرا من عَدمه فَإِنَّهُ لَا يخلق هَذَا وَمَا لم يخلقه فَإِنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهِ وكل مَا خلقه فوجوده خير من عَدمه وَهُوَ سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ الْخَيْر وَذَلِكَ الَّذِي وجوده شَرّ من عَدمه فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَدْفَعهُ ويمنعه أَن يكون مَعَ الْقيام الْمُقْتَضِي لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى إِن الله يدافع عَن الَّذين آمنُوا [سُورَة الْحَج ٣٨] وَالله يَعْصِمك من النَّاس [سُورَة الْمَائِدَة ٦٧] لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله [سُورَة الرَّعْد ١١] وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ٨٨]
فَدفعهُ الشَّرّ الَّذِي تريده النُّفُوس الشريرة هُوَ من الْخَيْر وَهُوَ بيدَيْهِ وَلَو مكن تِلْكَ النُّفُوس لفعلته فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُمكنهَا بل يمْنَعهَا إِذا أَرَادَتْهُ مَعَ أَنَّهَا لَو خليت لفعلته فَهُوَ تَارَة بِمَنْع الشَّرّ بِإِزَالَة سَببه ومقتضيه وَتارَة يخلق مَا يضاده وينافيه وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله ثمَّ إِذا مسكم الضّر فإليه تجأرون [سُورَة النَّحْل ٥٣]
وَقَول الْقَائِل خير وَشر أَي هَذَا خير من هَذَا وَهَذَا شَرّ من هَذَا وَلِهَذَا غَالب اسْتِعْمَال هذَيْن الإسمين كَذَلِك كَقَوْلِه آللَّهُ خير أما يشركُونَ [سُورَة النَّمْل ٥٩] أَصْحَاب الْجنَّة يَوْمئِذٍ خير مُسْتَقرًّا وَأحسن مقيلا [سُورَة الْفرْقَان ٢٤] وذروا البيع ذَلِكُم خير لكم [سُورَة الْجُمُعَة ٩]
стр. 124
وَقَالَت السَّحَرَة وَالله خير وَأبقى [سُورَة طه ٧٣] وَقَالَ قل هَل أنبئكم بشر من ذَلِك مثوبة عِنْد الله من لَعنه الله وَغَضب عَلَيْهِ وَجعل مِنْهُم القردة والخنازير وَعبد الطاغوت أُولَئِكَ شَرّ مَكَانا وأضل عَن سَوَاء السَّبِيل [سُورَة الْمَائِدَة ٦٠] وَقَالَ يُوسُف أَنْتُم شَرّ مَكَانا [سُورَة يُوسُف ٧٧]
وَقَالَ حسان
* فشركما لخيركما الْفِدَاء *
الْخَيْر وَالشَّر دَرَجَات
فالخير مَا كَانَ خيرا من غَيره وَالشَّر مَا كَانَ شرا من غَيره وَالْخَيْر وَالشَّر دَرَجَات وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى لما ذكر أهل الْجنَّة وَأهل النَّار قَالَ وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا [سُورَة الْأَنْعَام ١٣٢] وَقَالَ تَعَالَى أَفَمَن اتبع رضوَان الله كمن بَاء بسخط من الله ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير هم دَرَجَات عِنْد الله [سُورَة آل عمرَان ١٦٢ - ١٦٣] وَكَذَلِكَ ذكر تَعَالَى فِي الْأَنْعَام والأحقاف بعد ذكر الطَّائِفَتَيْنِ
وَلِهَذَا قَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم دَرَجَات الْجنَّة تذْهب علوا ودرجات النَّار تذْهب سفولا فدرجات الْجنَّة كلهَا فِيهَا النَّعيم وَبَعضهَا خير من بعض ودرجات النَّار كلهَا فِيهَا الْعَذَاب وَبَعضهَا شَرّ من بعض
стр. 125
وَإِذا قيل إِن الله سُبْحَانَهُ هُوَ خَالق الْخَيْر وَالشَّر فَالْمُرَاد مَا هُوَ شَرّ من غَيره وَفِيه أَذَى لبَعض النَّاس وَلَكِن خلقه لحكمة وَمَا خلق لحكمة مَطْلُوبَة محبوبة فوجوده خير من عَدمه فَلم يخلق شَيْئا يكون شرا أَي يكون وجوده شرا من عَدمه لَكِن يخلق مَا هُوَ شَرّ من غَيره وَغَيره خير مِنْهُ للحكمة الْمَطْلُوبَة وَمَا فِيهِ أَذَى لبَعض النَّاس للحكمة الْمَطْلُوبَة
لَا يعذب الله أحدا إِلَّا بِذَنبِهِ
وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يعذب أحدا إِلَّا بِذَنبِهِ بِمُقْتَضى الْحِكْمَة وَالْعدْل وَفِي تعذيبه أَنْوَاع الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة وَهَذَا ظَاهر فِيمَا يبتلى بِهِ الْمُؤمنِينَ فِي الدُّنْيَا من المصائب الَّتِي هِيَ جَزَاء سيئاتهم فَإِن فِي ذَلِك من الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة وَالْعدْل مَا هُوَ بَين لمن تَأمله وَلَا يُعَاقب أحدا إِلَّا بِذَنبِهِ
قَالَ تَعَالَى وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير [سُورَة الشورى ٣٠] ومَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك [سُورَة النِّسَاء ٧٩] ذَلِك بِأَن الله لم يَك مغيرا نعْمَة أنعمها على قوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم [سُورَة الْأَنْفَال ٥٣] فَلَا يسلبهم إِلَّا إِذا غيروا مَا فِي أنفسهم بِالْمَعَاصِي والذنُوب فَلَا يجزى بالسيئات إِلَّا من فعل السَّيِّئَات وَلَا يُوقع النقم ويسلب النعم إِلَّا من أَتَى بالسيئات الْمُقْتَضِيَة لذَلِك كَمَا فعل بِمن خَالف رسله من جَمِيع الْأُمَم كَمَا قَالَ فِي الْعَذَاب كدأب آل فِرْعَوْن وَالَّذين من قبلهم كفرُوا بآيَات الله فَأَخذهُم الله
стр. 126
بِذُنُوبِهِمْ إِن الله قوي شَدِيد الْعقَاب [سُورَة الْأَنْفَال ٥٢] ثمَّ قَالَ ذَلِك بِأَن الله لم يَك مغيرا نعْمَة أنعمها على قوم الْآيَة وَمَا بعْدهَا إِلَى قَوْله وكل كَانُوا ظالمين [سُورَة الْأَنْفَال ٥٣ - ٥٤] فَذكر تمثيلا لزوَال النعم عَلَيْهِم لما كذبُوا بآياته
وَلِهَذَا قَالَ فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ [سُورَة الْأَنْفَال ٥٤] وَذكر الأول تمثيلا لعذابهم بعد الْمَوْت كَمَا قَالَ وَلَو ترى إِذْ يتوفى الَّذين كفرُوا الْمَلَائِكَة يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم وذوقوا عَذَاب الْحَرِيق ذَلِك بِمَا قدمت أَيْدِيكُم وَأَن الله لَيْسَ بظلام للعبيد كدأب آل فِرْعَوْن وَالَّذين من قبلهم كفرُوا بآيَات الله فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ إِن الله قوي شَدِيد الْعقَاب [سُورَة الْأَنْفَال ٥٠ - ٥٢] فَقَالَ هُنَا فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ فَإِن أَخذه يتَضَمَّن أَخذهم ليصلوا بعد الْمَوْت إِلَى الْعَذَاب وَلَفظ الْهَلَاك يَقْتَضِي هلاكهم فِي الدُّنْيَا وَزَوَال النِّعْمَة عَنْهُم فَذكر هلاكهم بِزَوَال النعم وَذكروا أَخذهم بالنقم كَمَا قَالَ وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك إِذا أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة إِن أَخذه أَلِيم شَدِيد [سُورَة هود ١٠٢]
وَلَفظ الْمُؤَاخَذَة من الْأَخْذ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا [سُورَة الْبَقَرَة ٢٨٦] وَقَوله إِن أَخذه أَلِيم شَدِيد كَقَوْلِه إِن بَطش رَبك لشديد [سُورَة البروج ١٢] وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد أرسلنَا إِلَى أُمَم من قبلك فأخذناهم بالبأساء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ الْآيَة [سُورَة الْأَنْعَام ٤٢] وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لرَبهم وَمَا يَتَضَرَّعُونَ [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ٧٦] فَهَذَا تَعْذِيب لَهُم فِي الدُّنْيَا ليتضرعوا إِلَيْهِ وليتوبوا وَذكر هُنَا أَنه أَخذهم
стр. 127
بِالْعَذَابِ وَلم يقل بِالذنُوبِ كَأَنَّهُ وَالله أعلم ضمن ذَلِك معنى جذبانهم إِلَيْنَا لينيبوا وليتوبوا وَإِذا قَالَ فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ يكون قد أهلكهم فَأَخذهُم إِلَيْهِ بِالْهَلَاكِ وَبسط هَذَا لَهُ موضح آخر
الله يفعل الْخَيْر وَالْأَحْسَن
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن كل مَا يَفْعَله الرب ويخلقه فوجوده خير من عَدمه وَهُوَ أَيْضا خير من غَيره أَي من مَوْجُود غَيره يقدر مَوْجُودا بدله فَكَمَا أَن وجوده خير من عَدمه فَهُوَ أَيْضا خير من مَوْجُود آخر يقدر مخلوقا بدله كَمَا ذكرنَا فِيمَا يَأْمر بِهِ أَن فعله خير من تَركه وَأَنه خير من أَفعَال غَيره يشْتَغل بهَا عَنهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ [سُورَة الْجُمُعَة ٩]
وَقَوْلنَا فعله خير من تَركه سَوَاء جعل التّرْك وجوديا أَو عدميا والرب تَعَالَى لَهُ الْمثل الْأَعْلَى وَهُوَ أَعلَى من غَيره وأحق بالمدح وَالثنَاء من كل مَا سواهُ وَأولى بِصِفَات الْكَمَال وَأبْعد عَن صِفَات النَّقْص فَمن الْمُمْتَنع أَن يكون الْمَخْلُوق متصفا بِكَمَال لَا نقص فِيهِ والرب لَا يَتَّصِف إِلَّا بالكمال الَّذِي لَا نقص فِيهِ وَإِذا كَانَ يَأْمر عَبده أَن يفعل الْأَحْسَن وَالْخَيْر فَيمْتَنع أَن لَا يفعل هُوَ إِلَّا مَا هُوَ الْأَحْسَن وَالْخَيْر فَإِن فعل الْأَحْسَن وَالْخَيْر مدح وَكَمَال لَا نقص فِيهِ فَهُوَ أَحَق بالمدح والكمال الَّذِي لَا نقص فِيهِ من غَيره
قَالَ تَعَالَى وكتبنا لَهُ فِي الألواح من كل شَيْء موعظة وتفصيلا لكل شَيْء فَخذهَا بِقُوَّة وَأمر قَوْمك يَأْخُذُوا بأحسنها سأريكم دَار الْفَاسِقين [سُورَة الْأَعْرَاف ١٤٥] وَقَالَ الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه [سُورَة الزمر ١٨] وَاتبعُوا أحسن
стр. 128
مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم [سُورَة الزمر ٥٥] وَقَالَ وافعلوا الْخَيْر لَعَلَّكُمْ تفلحون [سُورَة الْحَج ٧٧]
وَقد قَالَ تَعَالَى فِي مدح نَفسه قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك إِلَى قَوْله بِيَدِك الْخَيْر إِنَّك على كل شَيْء قدير [سُورَة آل عمرَان ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى الله نزل أحسن الحَدِيث [سُورَة الزمر ٢٣] فَكَلَامه أحسن الْكَلَام وَقَالَ تَعَالَى الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه الْآيَة [سُورَة السَّجْدَة ٧] فقد أحسن كل شَيْء خلقه وَقَالَ صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء [سُورَة النَّمْل ٨٨]
وَهُوَ سُبْحَانَهُ الرَّحْمَن الرَّحِيم الغفور الْوَدُود الْجواد الْمَاجِد وَهُوَ سُبْحَانَهُ الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ وَخير الرَّاحِمِينَ كَمَا قَالَ أَيُّوب مسني الضّر وَأَنت أرحمن الرَّاحِمِينَ [سُورَة الْأَنْبِيَاء ٨٣] وَقَالَ لنَبيه وَقل رب اغْفِر وَارْحَمْ وَأَنت خير الرَّاحِمِينَ [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ١١٨] فَهُوَ أَحَق بِالرَّحْمَةِ والجود وَالْإِحْسَان من كل أحد
وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار ثمَّ قَالَ مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة [سُورَة الْقَصَص ٦٨] فَأخْبر أَنه يخلق مَا يَشَاء ويختار
والإختيار فِي لُغَة الْقُرْآن يُرَاد بِهِ التَّفْضِيل والإنتقاء والإصطفاء كَمَا قَالَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي يَا مُوسَى إِلَى قَوْله وَأَنا اخْتَرْتُك فاستمع لما يُوحى [سُورَة طه ١١ - ١٣] وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد نجينا
стр. 129
بني إِسْرَائِيل من الْعَذَاب المهين [سُورَة الدُّخان ٣٠] إِلَى قَوْله وَلَقَد اخترناهم على علم على الْعَالمين وآتيناهم من الْآيَات مَا فِيهِ بلَاء مُبين [سُورَة الدُّخان ٣٢ - ٣٣] وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى وَلَقَد آتَيْنَا بني إِسْرَائِيل الْكتاب وَالْحكم والنبوة الْآيَة [سُورَة الجاثية ١٦] وَمِنْه قَوْله تَعَالَى وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا لِمِيقَاتِنَا [سُورَة الْأَعْرَاف ١٥٥] وَمِنْه فِي الحَدِيث إِن الله اخْتَار من الْأَيَّام يَوْم الْجُمُعَة وَمن الشُّهُور شهر رَمَضَان وَاخْتَارَ اللَّيَالِي فَاخْتَارَ لَيْلَة الْقدر وَاخْتَارَ الساعاة فَاخْتَارَ سَاعَات الصَّلَوَات رَوَاهُ ابْن عَسَاكِر فِي كتاب تشريف يَوْم الْجُمُعَة وتعظيمه عَن كَعْب الْأَحْبَار
فصل مُخْتَصر
قَالَ الشَّيْخ ﵀ فِي آخر هَذَا الْفَصْل من هَذِه الْقَاعِدَة
بَيَان حَقِيقَة إِرَادَة الله
إِذا أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَن يخلق كَانَ الْخلق عقب الْإِرَادَة والمخلوق عقب التكوين والخلق كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون [سُورَة يس ٨٢]
والجهمية والمعتزلة لَا يَقُولُونَ بذلك فِي الْفِعْل بل يَقُولُونَ يفعل مَعَ جَوَاز أَن لَا يفعل إِلَى أَن قَالَ
стр. 130
وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ عرفُوا ذَلِك وبينوه للنَّاس وَعرفُوا أَن حُدُوث الْحَوَادِث اليومية المشهودة تدل على أَن الْعَالم مَخْلُوق وَأَن لَهُ رَبًّا خلقه وَيحدث فِيهِ الْحَوَادِث وَقد ذكر ذَلِك الْحسن الْبَصْرِيّ كَمَا رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَطَر وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب العظمة وَذكره أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي تَفْسِيره
قَالَ أَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا حَدثنِي هَارُون حَدثنِي عَفَّان عَن مبارك بن فضَالة قَالَ سَمِعت الْحسن يَقُول كَانُوا يَقُولُونَ يَعْنِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ الْحَمد لله الرفيق الَّذِي لَو جعل هَذَا الْخلق خلقا دَائِما لَا يتَصَرَّف لقَالَ الشاك فِي الله لَو كَانَ لهَذَا الْخلق رب لحادثه وَإِن الله قد حادثه بِمَا ترَوْنَ من الْآيَات إِنَّه جَاءَ بضوء طبق مَا بَين الْخَافِقين وَجعل فِيهَا معاشا وسراجا وهاجا ثمَّ إِذا شَاءَ ذهب بذلك الْخلق وَجَاء بظلمة طبقت مَا بَين الْخَافِقين وَجعل فِيهَا سكنا ونجوما وقمرا منيرا وَإِذا شَاءَ بنى بِنَاء جعل فِيهِ
стр. 131
من الْمَطَر والبرق والرعد وَالصَّوَاعِق مَا شَاءَ وَإِذا شَاءَ صرف ذَلِك وَإِذا شَاءَ جَاءَ بِبرد يقرقف النَّاس وَإِذا شَاءَ ذهب بذلك وَجَاء بَحر يَأْخُذ بِأَنْفَاسِ النَّاس ليعلم النَّاس أَن لهَذَا الْخلق رَبًّا يحادثه بِمَا يرَوْنَ من الْآيَات كَذَلِك إِذا شَاءَ ذهب بالدنيا وَجَاء بِالآخِرَة
فقد ذكر الْحسن عَن الصَّحَابَة الإستدلال بِهَذِهِ الْحَوَادِث المشهودة على وجود الرب سُبْحَانَهُ الْمُحدث الْفَاعِل بمشيئته وَقدرته وَبطلَان أَن يكون مُوجبا يقارنه مُوجبه فَإِن ذَلِك يمْتَنع محادثته أَي إِحْدَاث الْحَوَادِث فِيهِ
وَقَوْلهمْ لَو كَانَ هَذَا الْخلق خلقا دَائِما لَا يتَصَرَّف لقَالَ الشاك فِي الله لَو كَانَ لهَذَا الْخلق رب لحادثه يَقْتَضِي أَن هَذِه الْحَوَادِث آيَات الله وَأَنه رب هَذَا الْخلق وَأَن هَذَا الْخلق مُحدث لكَون غَيره يحادثه أَي يحدث فِيهِ الْحَوَادِث وَمَا صرفه غَيره وأحدث فِيهِ الْحَوَادِث كَانَ مقهورا مُدبرا لم يكن وَاجِبا بِنَفسِهِ مُمْتَنعا عَن غَيره
وَقَوله لَو كَانَ لَهُ رب لحادثه قد يُقَال إِنَّهُم أَنْكَرُوا هَذَا القَوْل لقَولهم لقَالَ الشاك فِي الله وَقد يُقَال بل هم مصدقون بِهَذِهِ الْقَضِيَّة الشّرطِيَّة وَلَكِن لَو لم تكن الْحَوَادِث لَكَانَ الله يعرف دون هَذِه الْحَوَادِث فَإِن مَعْرفَته حَاصِلَة بالفطرة والضرورة وَنَفس وجود الْإِنْسَان مُسْتَلْزم لوُجُود الرب فَكَانَ الصَّانِع يعلم من غير هَذِه الطَّرِيق فَلهَذَا يعاب الشاك وَيُمكن أَنهم لم يقصدوا عَيبه على هَذَا التَّقْدِير بل على هَذَا التَّقْدِير كَانَ الشَّك مَوْجُودا فِي النَّاس إِذْ لَا دَلِيل على وجوده فَكَانَت هَذِه الْآيَات مزيلة للشَّكّ وموجبة لليقين
стр. 132
وَالْأول أشبه بمرادهم وَأولى بِالْحَقِّ فَإِنَّهُم قَالُوا لقَالَ الشاك فِي الله فَدلَّ على أَن هُنَاكَ من لَيْسَ بشاك فِي الله وَلم يَقُولُوا لشك النَّاس فِي الله وَبسط هَذَا القَوْل فِي إِثْبَات الصَّانِع لَهُ مَوضِع غير هَذَا
وَالْمَقْصُود أَنه يخلق بمشيئته واختياره وَأَنه يخْتَار الْأَحْسَن وَأَن إِرَادَته ترجح الرَّاجِح الْأَحْسَن وَهَذَا حَقِيقَة الْإِرَادَة وَلَا تعقل إِرَادَة ترجح مثلا على مثل وَلَو قدر وجود مثل هَذِه الْإِرَادَة فَتلك أكمل وَأفضل والخلق متصفون بهَا وَيمْتَنع أَن يكون الْمَخْلُوق أكمل من الْخَالِق والمحدث الْمُمكن أكمل من الْوَاجِب الْقَدِيم فَوَجَبَ أَن يكون مَا تُوصَف بِهِ إِرَادَته أكمل مِمَّا تُوصَف بِهِ إِرَادَة غَيره فَيجب أَن يُرِيد بهَا مَا هُوَ الأولى وَالْأَحْسَن وَالْأَفْضَل وَهُوَ سُبْحَانَهُ يفعل بمشيئته وَقدرته فالممتنع لَا تتَعَلَّق بِهِ قدرَة فَلَا يُرَاد والممكن لذِي يُمكن أَن يفعل وَيكون مَقْدُورًا ترجح الْإِرَادَة الْأَفْضَل الْأَرْجَح مِنْهُ
وَمَا يَحْكِي عَن الْغَزالِيّ أَنه قَالَ لَيْسَ فِي الْإِمْكَان أبدع من هَذَا الْعَالم فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك وَلم يخلقه لَكَانَ بخلا يُنَاقض الْجُود أَو عَجزا يُنَاقض الْقُدْرَة
стр. 133
وَقد أنرك عَلَيْهِ طَائِفَة هَذَا الْكَلَام وتفصيله أَن الْمُمكن يُرَاد بِهِ الْقُدُور وَلَا ريب أَن الله سُبْحَانَهُ يقدر على غير هَذَا الْعَالم وعَلى إبداع غَيره إِلَى مَا لَا يتناهى كَثْرَة وَيقدر على غير مَا فعله كَمَا قد بَينا ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع وَبَين ذَلِك فِي غير مَوضِع من الْقُرْآن
وَقد يُرَاد بِهِ إِنَّه مَا يُمكن أحسن مِنْهُ وَلَا أكمل مِنْهُ فَهَذَا لَيْسَ قدحا فِي الْقُدْرَة بل قد أثبت قدرته على غير مَا فعله لَكِن قَالَ مَا فعله أحسن وأكمل مِمَّا لم يَفْعَله وَهَذَا وصف لَهُ سُبْحَانَهُ بِالْكَرمِ والجود وَالْإِحْسَان وَهُوَ سُبْحَانَهُ الأكرم فَلَا يتَصَوَّر أكْرم مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا
آخِره وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا
стр. 134
رِسَالَة فِي دُخُول الْجنَّة
هَل يدْخل أحد الْجنَّة بِعَمَلِهِ
أم ينْقضه قَوْله ﷺ
لَا يدْخل أحد الْجنَّة بِعَمَلِهِ
стр. 135
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله وَسلم
سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية عَن قَوْله تَعَالَى ونودوا أَن تلكم الْجنَّة أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ [سُورَة الْأَعْرَاف ٤٣] هَل يدْخل أحد الْجنَّة بِعَمَلِهِ أم ينْقضه قَوْله ﷺ لَا يدْخل أحد الْجنَّة بِعَمَلِهِ قيل وَلَا أَنْت قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمته
الْجَواب
الْحَمد لله
الْمُثبت فِي الْقُرْآن لَيْسَ هُوَ الْمَنْفِيّ فِي السّنة
لَا مناقضة بَين مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَمَا جَاءَت بِهِ السّنة إِذْ الْمُثبت فِي الْقُرْآن لَيْسَ هُوَ الْمَنْفِيّ فِي السّنة والتناقض إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ الْمُثبت هُوَ الْمَنْفِيّ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قَالَ تلكم الْجنَّة أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وَقَالَ كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية [سُورَة الحاقة ٢٤] وَقَالَ أما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فَلهم جنَّات المأوى نزلا بِمَا كَانُوا يعْملُونَ [سُورَة السَّجْدَة ١٩] وَقَالَ وحور عين كأمثال اللُّؤْلُؤ الْمكنون جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ [سُورَة الْوَاقِعَة ٢٢ - ٢٤]
الْعَمَل سَبَب للثَّواب
فَبين بِهَذِهِ النُّصُوص أَن الْعَمَل سَبَب للثَّواب وَالْبَاء للسبب كَمَا فِي مثل قَوْله تَعَالَى فأنزلنا بِهِ المَاء فأخرجنا بِهِ من كل الثمرات [سُورَة الْأَعْرَاف ٥٧] وَقَوله وَمَا أنزل الله من السَّمَاء من مَاء فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا [سُورَة الْبَقَرَة ١٦٤] وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يبين بِهِ الْأَسْبَاب
стр. 136
وَلَا ريب أَن الْعَمَل الصَّالح سَبَب لدُخُول الْجنَّة وَالله قدر لعَبْدِهِ الْمُؤمن وجوب الْجنَّة بِمَا ييسره لَهُ من الْعَمَل الصَّالح كَمَا قدر دُخُول النَّار لمن يدخلهَا بِعَمَلِهِ السيء كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب مَقْعَده من الْجنَّة ومقعده من النَّار قَالُوا يَا رَسُول الله أَفلا نَتَّكِل على الْكتاب وَنَدع الْعَمَل قَالَ لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ أما من كَانَ من أهل السَّعَادَة فسييسره لعمل أهل السَّعَادَة وَأما من كَانَ من أهل الشقاوة فسييسره لعمل أهل الشقاوة وَقَالَ إِن الله خلق للجنة أَهلا وخلقها لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ وَخلق للنار أَهلا وخلقها لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ
السَّبَب لَا يسْتَقلّ بالحكم
وَإِذا عرف أَن الْبَاء هُنَا للسبب فمعلوم أَن السَّبَب لَا يسْتَقلّ بالحكم فمجرد نزُول الْمَطَر لَيْسَ مُوجبا للنبات بل لَا بُد من أَن يخلق الله أمورا أُخْرَى وَيدْفَع عَنهُ الْآفَات الْمَانِعَة فيربيه بِالتُّرَابِ وَالشَّمْس وَالرِّيح وَيدْفَع عَنهُ مَا يُفْسِدهُ فالنبات مُحْتَاج مَعَ هَذَا السَّبَب إِلَى فضل من الله أكبر مِنْهُ
وَأما قَوْله ﷺ لن يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل
стр. 137
فَإِنَّهُ ذكره فِي سِيَاق أمره لَهُم بالإقتصاد قَالَ سددوا وقاربوا وَاعْلَمُوا أَن أحدا مِنْكُم لن يدْخل الْجنَّة بِعَمَلِهِ
وَقَالَ إِن هَذَا الدَّين متين وَإنَّهُ لن يشاد الدَّين أحد إِلَّا غَلبه فسددوا وقاربوا وَاسْتَعِينُوا بالغدوة والروحة وَشَيْء من الدجلة وَالْقَصْد تبلغوا
لَيْسَ جَزَاء الله على سَبِيل الْمُعَاوضَة
فنفى بِهَذَا الحَدِيث مَا قد تتوهمه النُّفُوس من أَن الْجَزَاء من الله على سَبِيل الْمُعَاوضَة والمقابلة كالمعاوضات الَّتِي تكون بَين النَّاس فِي الدُّنْيَا
стр. 138
فَإِن الْأَجِير يعْمل لمن اسْتَأْجرهُ فيعطيه أجره بِقدر عمله على طَرِيق الْمُعَاوضَة إِن زَاد أجرته وَإِن نقص نقص أجرته وَله عَلَيْهِ أُجْرَة يَسْتَحِقهَا كَمَا يسْتَحق البَائِع الثّمن فنفى ﷺ أَن يكون جَزَاء الله وثوابه على سَبِيل الْمُعَاوضَة والمقابلة والمعادلة
وَالْبَاء هُنَا كالباء الدَّاخِلَة فِي الْمُعَاوَضَات كَمَا يُقَال اسْتَأْجَرت هَذَا بِكَذَا وَأخذت أجرتي بعملي
غلط من توهم ذَلِك من وُجُوه
وَكثير من النَّاس قد يتَوَهَّم مَا يشبه هَذَا وَهَذَا غلط من وُجُوه
الأول
أَحدهَا أَن الله تَعَالَى لَيْسَ مُحْتَاجا إِلَى عمل الْعباد كَمَا يحْتَاج الْمَخْلُوق إِلَى عمل من يستأجره بل هُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح إِنَّكُم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني وَلنْ تبلغوا ضري فتضروني
والعباد إِنَّمَا يعْملُونَ لأَنْفُسِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت [سُورَة الْبَقَرَة ٢٨٦] وَقَالَ تَعَالَى من عمل صَالحا فلنفسه وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا [سُورَة فصلت ٤٦] وَقَالَ إِن تكفرُوا فَإِن الله غَنِي عَنْكُم وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَإِن تشكروا يرضه لكم [سُورَة الزمر ٧] وَقَالَ تَعَالَى وَمن شكر فَإِنَّمَا يشْكر لنَفسِهِ وَمن كفر فَإِن رَبِّي غَنِي كريم [سُورَة النَّمْل ٤٠]
стр. 139
وَقَالَ تَعَالَى وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمن كفر فَإِن الله غَنِي عَن الْعَالمين [سُورَة آل عمرَان ٩٧]
وَأما الْعباد فَإِنَّهُم محتاجون إِلَى من يستعملون لجلب مَنْفَعَة أَو دفع مضرَّة ويعطونه أُجْرَة نَفعه لَهُم
الثَّانِي
الثَّانِي أَن الله هُوَ الَّذِي من على الْعَامِل بِأَن خلقه أَولا وأحياه ورزقه ثمَّ بِأَن أرسل إِلَيْهِ الرُّسُل وَأنزل إِلَيْهِ الْكتب ثمَّ بِأَن يسر لَهُ الْعَمَل وحبب إِلَيْهِ الْإِيمَان وزينه فِي قلبه وَكره إِلَيْهِ الْكفْر والفسوق والعصيان
والمخلوق إِذا عمل لغيره لم يكن الْمُسْتَعْمل هُوَ الْخَالِق لعمل أجيره فَكيف يتَصَوَّر أَن يكون للْعَبد على الله عوض وَهُوَ خلقه وأحدثه وأنعم على العَبْد بِهِ وَهل تكون إِحْدَى نعمتيه عوضا عَن نعْمَته الْأُخْرَى وَهُوَ ينعم بكلتيهما
الثَّالِث
الْوَجْه الثَّالِث أَن عمل العَبْد لَو بلغ مَا بلغ لَيْسَ هُوَ مِمَّا يكون ثَوَاب الله مُقَابلا لَهُ ومعادلا حَتَّى يكون عوضا بل أقل أَجزَاء الثَّوَاب يسْتَوْجب أَضْعَاف ذَلِك الْعَمَل
الرَّابِع
الرَّابِع أَن العَبْد قد ينعم ويمتع فِي الدُّنْيَا بِمَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ مِمَّا يسْتَحق بإزائه أَضْعَاف ذَلِك الْعَمَل إِذا طلبت المعادلة والمقابلة وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يبالغوا فِي الِاجْتِهَاد مُبَالغَة من يضرّهُ الِاجْتِهَاد كالمنبت الَّذِي لَا أَرضًا قطع وَلَا ظهرا أبقى وَزَالَ عَنْهُم الْعجب وشهدوا إِحْسَان الله بِالْعَمَلِ
стр. 140
الْخَامِس
الْخَامِس أَن الْعباد لَا بُد لَهُم من سيئات وَلَا بُد فِي حياتهم من تَقْصِير فلولا عَفْو الله لَهُم عَن السَّيِّئَات وتقبله أحسن مَا عمِلُوا لما استحقوا ثَوابًا وَلِهَذَا قَالَ ﷺ من نُوقِشَ الْحساب عذب قَالَت عَائِشَة يَا رَسُول الله أَلَيْسَ الله يَقُول فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا سور الإنشقاق ٧ ٨ قَالَ ذَلِك الْعرض وَمن نُوقِشَ الْحساب عذب
وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة الصَّحِيح إِذا طلبت الشَّفَاعَة من أفضل الْخلق آدم ونوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَاعْتذر كل مِنْهُم بِمَا فعل قَالَ لَهُم عِيسَى اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّد عبد غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر
وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيث لما قيل لَهُ وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله بعفوه فَتبين بِهَذَا الحَدِيث أَنه لَا بُد من عَفْو الله وتجاوزه عَن العَبْد وَإِلَّا فَلَو ناقشه على عمله لما اسْتحق بِهِ الْجَزَاء قَالَ الله تَعَالَى أُولَئِكَ الَّذين نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا ونتجاوز عَن سيئاتهم فِي أَصْحَاب الْجنَّة [سُورَة الْأَحْقَاف ١٦] وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون إِلَى قَوْله ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ [سُورَة الزمر ٣٣ - ٣٥]
стр. 141
وَإِذا تبين ذَلِك أَفَادَ هَذَا الحَدِيث أَلا يعجب العَبْد بِعَمَلِهِ بل يشْهد نعم الله عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ فِي الْعَمَل وَأَنه لَا يستكثر الْعَمَل فَإِن عمله لَو بلغ مَا بلغ إِن لم يرحمه الله ويعف عَنهُ ويتفضل عَلَيْهِ لم يسْتَحق بِهِ شَيْئا وَأَنه لَا يُكَلف من الْعَمَل مَا لَا يُطيق ظَانّا أَنه يزْدَاد بذلك أجره كَمَا يزْدَاد أجر الْأَجِير الَّذِي يعْمل فَوق طاقته فَإِن ذَلِك يضرّهُ إِذْ المنبت لَا أَرضًا قطع وَلَا ظهرا أبقى
وَأحب الْعَمَل مَا داوم عَلَيْهِ صَاحبه فَإِن الْأَعْمَال بالخواتيم بِخِلَاف عمل الأجراء فِي الدُّنْيَا فَإِن الْأُجْرَة تتقسط على الْمَنْفَعَة فَإِذا عمل بعض الْعَمَل اسْتحق من الْأُجْرَة بِقدر مَا عمل وَلَو لم يعْمل إِلَّا قَلِيلا فَمن ختم لَهُ بِخَير اسْتحق الثَّوَاب وَكفر الله بتوبته سيئاته وَمن ختم لَهُ بِكفْر أحبطت ردته حَسَنَاته فَلهَذَا كَانَ الْعَمَل الَّذِي داوم عَلَيْهِ صَاحبه إِلَى الْمَوْت خيرا مِمَّن أعْطى قَلِيلا ثمَّ أكدى وكلف نَفسه مَا لَا يُطيق كَمَا يَفْعَله كثير من الْعمَّال
فَقَوله ﷺ سددوا وقاربوا وَاعْلَمُوا أَن أحدا مِنْكُم لن يدْخل الْجنَّة بِعَمَلِهِ يَنْفِي الْمُعَاوضَة والمقابلة الَّتِي يُولد اعتقادها هَذِه الْمَفَاسِد
وَقَوله بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ يثبت السَّبَب الْمُوجب لِأَن يَفْعَله العَبْد وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم اعْمَلْ وَقدر أَنَّك لم تعْمل وَقَالَ آخر لَا بُد مِنْك وَبِك وَحدك لَا يَجِيء شَيْء
لَا بُد من الْعَمَل وَمن رَجَاء رَحْمَة الله
فَلَا بُد من الْعَمَل الْمَأْمُور بِهِ وَلَا بُد من رَجَاء رَحْمَة الله وعفوه وفضله وشهود العَبْد لتَقْصِيره ولفقره إِلَى فضل ربه وإحسان ربه إِلَيْهِ
وَقد قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة كَانُوا يَقُولُونَ ينجون من النَّار بِالْعَفو ويدخلون الْجنَّة بِالرَّحْمَةِ ويتقاسمون الْمنَازل بِالْأَعْمَالِ
стр. 142
فنبه على أَن مقادير الدَّرَجَات فِي الجنه تكون بِالْأَعْمَالِ وَأَن نفس الدُّخُول هُوَ بِالرَّحْمَةِ فَإِن الله قد يدْخل الْجنَّة من ينشئه لَهَا فِي الدَّار الْآخِرَة بِخِلَاف النا رفإنه أقسم أَن يملأها من إِبْلِيس وَأَتْبَاعه
الله يدْخل الْجنَّة بِالْعَمَلِ وَبِغَيْرِهِ من الْأَسْبَاب
لَكِن مَعَ هَذَا فَالْعَمَل الصَّالح فِي الدُّنْيَا سَبَب للدخول والدرجة وَإِن كَانَ الله يدْخل الْجنَّة بِدُونِ هَذَا السَّبَب كَمَا يدْخل الْأَبْنَاء تبعا لِآبَائِهِمْ وَلَيْسَ كل مَا يحصل بِسَبَب لَا يحصل بِدُونِهِ كالموت الَّذِي يكون بِالْقَتْلِ وَيكون بِدُونِ الْقَتْل وَمن فهم أَن السَّبَب لَا يُوجب الْمُسَبّب بل لَا بُد أَن يضم الله إِلَيْهِ أمورا أُخْرَى وَأَن يدْفع عَنهُ آفَات كَثِيرَة وَأَنه قد يخلق الْمُسَبّب بِدُونِ السَّبَب انْفَتح لَهُ حَقِيقَة الْأَمر من هَذَا وَغَيره وَالله تَعَالَى أعلم
آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيم كثيرا
стр. 143
رِسَالَة فِي الْجَواب عَمَّن يَقُول إِن صِفَات الرب نسب وإضافات وَغير ذَلِك
стр. 144
سُؤال عَمَّن يَقُول إِن صِفَات الرب نسب وإضافات وَغير ذَلِك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله وَسلم تَسْلِيمًا
أما بعد فَهَذَا فصل مُخْتَصر من سُؤال سُئِلَ عَنهُ شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية رَحمَه الله تَعَالَى
نَص السُّؤَال
مَا يَقُول السَّادة الْعلمَاء أَئِمَّة الدَّين ﵃ أَجْمَعِينَ فِيمَن قَالَ إِن صِفَات الرب لَا تَتَعَدَّد وَلَا ينْفَصل بَعْضهَا عَن بعض إِلَّا فِي مَرَاتِب الْعبارَات وموارد الإشارات فَإِذا أضيف علمه إِلَى الإطلاع على ضمير الصَّغِير وَالْكَبِير يُقَال بَصِير وَإِذا ابتدر مِنْهُ الرزق يُقَال رزاق وَإِذا أَفَاضَ من مكنونات علمه على قلب أحد من النَّاس بأسرار إلاهيته ودقائق جبروت ربوبيته يُقَال مُتَكَلم وَلَيْسَ بعضه آلَة السّمع وَبَعضه آلَة الْبَصَر وَبَعضه آلَة الْكَلَام بل كُله بكلية ذَاته لَا يشْغلهُ شَيْء عَن شَيْء
فَهَل هَذَا القَوْل صَوَاب أم لَا أفتونا مَأْجُورِينَ
الْجَواب
هَذِه مقَالَة المتفلسفة والقرامطة والاتحادية
الْحَمد لله رب الْعَالمين لَيْسَ هَذَا القَوْل صَوَابا وَإِن كَانَ بعضه صَوَابا بل هَذَا القَوْل قرع بَاب الْإِلْحَاد وتوطئه سَبِيل الإتحاد فَإِن هَذَا القَوْل هُوَ قَول غلاة نفاة الصِّفَات الْجَهْمِية من متفلسف وقرمطي واتحادي وَنَحْوهم وَلَيْسَ
стр. 145
هُوَ قَول الْمُعْتَزلَة والنجارية والضرارية والشيعة وَنَحْوهم مِمَّن يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق بل هُوَ شَرّ من قَول هَؤُلَاءِ فَإِن هَؤُلَاءِ متفقون على أَنه خلق فِي غَيره كلَاما وَأَنه مُتَكَلم بذلك الَّذِي خلقه فِي غَيره وَأَن مُوسَى وَالْمَلَائِكَة يسمعُونَ ذَلِك الْكَلَام الْمَخْلُوق الَّذِي هُوَ كَلَام الله عِنْد هَؤُلَاءِ المبتدعة
قَالُوا إِنَّه لَا يكون متكلما إِلَّا بِكَلَام يقوم بِهِ وَإِن الْكَلَام إِذا قَامَ بِمحل كَانَ صفة لذَلِك الْمحل لَا لغيره كَسَائِر الصِّفَات من الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والسمع وَالْبَصَر وَنَحْوه فَيُقَال عَالم وقادر وَسميع وبصير وَنَحْو ذَلِك
رد السّلف عَلَيْهِم
وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من السّلف من قَالَ إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا [سُورَة طه ١٤] مَخْلُوق فَهُوَ بِمَنْزِلَة من صدق فِرْعَوْن فِي قَوْله
следующие страницы →