Полный текст (666 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَإِذا تبين ذَلِك أَفَادَ هَذَا الحَدِيث أَلا يعجب العَبْد بِعَمَلِهِ بل يشْهد نعم الله عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ فِي الْعَمَل وَأَنه لَا يستكثر الْعَمَل فَإِن عمله لَو بلغ مَا بلغ إِن لم يرحمه الله ويعف عَنهُ ويتفضل عَلَيْهِ لم يسْتَحق بِهِ شَيْئا وَأَنه لَا يُكَلف من الْعَمَل مَا لَا يُطيق ظَانّا أَنه يزْدَاد بذلك أجره كَمَا يزْدَاد أجر الْأَجِير الَّذِي يعْمل فَوق طاقته فَإِن ذَلِك يضرّهُ إِذْ المنبت لَا أَرضًا قطع وَلَا ظهرا أبقى
وَأحب الْعَمَل مَا داوم عَلَيْهِ صَاحبه فَإِن الْأَعْمَال بالخواتيم بِخِلَاف عمل الأجراء فِي الدُّنْيَا فَإِن الْأُجْرَة تتقسط على الْمَنْفَعَة فَإِذا عمل بعض الْعَمَل اسْتحق من الْأُجْرَة بِقدر مَا عمل وَلَو لم يعْمل إِلَّا قَلِيلا فَمن ختم لَهُ بِخَير اسْتحق الثَّوَاب وَكفر الله بتوبته سيئاته وَمن ختم لَهُ بِكفْر أحبطت ردته حَسَنَاته فَلهَذَا كَانَ الْعَمَل الَّذِي داوم عَلَيْهِ صَاحبه إِلَى الْمَوْت خيرا مِمَّن أعْطى قَلِيلا ثمَّ أكدى وكلف نَفسه مَا لَا يُطيق كَمَا يَفْعَله كثير من الْعمَّال
فَقَوله ﷺ سددوا وقاربوا وَاعْلَمُوا أَن أحدا مِنْكُم لن يدْخل الْجنَّة بِعَمَلِهِ يَنْفِي الْمُعَاوضَة والمقابلة الَّتِي يُولد اعتقادها هَذِه الْمَفَاسِد
وَقَوله بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ يثبت السَّبَب الْمُوجب لِأَن يَفْعَله العَبْد وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم اعْمَلْ وَقدر أَنَّك لم تعْمل وَقَالَ آخر لَا بُد مِنْك وَبِك وَحدك لَا يَجِيء شَيْء
لَا بُد من الْعَمَل وَمن رَجَاء رَحْمَة الله
فَلَا بُد من الْعَمَل الْمَأْمُور بِهِ وَلَا بُد من رَجَاء رَحْمَة الله وعفوه وفضله وشهود العَبْد لتَقْصِيره ولفقره إِلَى فضل ربه وإحسان ربه إِلَيْهِ
وَقد قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة كَانُوا يَقُولُونَ ينجون من النَّار بِالْعَفو ويدخلون الْجنَّة بِالرَّحْمَةِ ويتقاسمون الْمنَازل بِالْأَعْمَالِ
стр. 142
فنبه على أَن مقادير الدَّرَجَات فِي الجنه تكون بِالْأَعْمَالِ وَأَن نفس الدُّخُول هُوَ بِالرَّحْمَةِ فَإِن الله قد يدْخل الْجنَّة من ينشئه لَهَا فِي الدَّار الْآخِرَة بِخِلَاف النا رفإنه أقسم أَن يملأها من إِبْلِيس وَأَتْبَاعه
الله يدْخل الْجنَّة بِالْعَمَلِ وَبِغَيْرِهِ من الْأَسْبَاب
لَكِن مَعَ هَذَا فَالْعَمَل الصَّالح فِي الدُّنْيَا سَبَب للدخول والدرجة وَإِن كَانَ الله يدْخل الْجنَّة بِدُونِ هَذَا السَّبَب كَمَا يدْخل الْأَبْنَاء تبعا لِآبَائِهِمْ وَلَيْسَ كل مَا يحصل بِسَبَب لَا يحصل بِدُونِهِ كالموت الَّذِي يكون بِالْقَتْلِ وَيكون بِدُونِ الْقَتْل وَمن فهم أَن السَّبَب لَا يُوجب الْمُسَبّب بل لَا بُد أَن يضم الله إِلَيْهِ أمورا أُخْرَى وَأَن يدْفع عَنهُ آفَات كَثِيرَة وَأَنه قد يخلق الْمُسَبّب بِدُونِ السَّبَب انْفَتح لَهُ حَقِيقَة الْأَمر من هَذَا وَغَيره وَالله تَعَالَى أعلم
آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيم كثيرا
стр. 143
رِسَالَة فِي الْجَواب عَمَّن يَقُول إِن صِفَات الرب نسب وإضافات وَغير ذَلِك
стр. 144
سُؤال عَمَّن يَقُول إِن صِفَات الرب نسب وإضافات وَغير ذَلِك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله وَسلم تَسْلِيمًا
أما بعد فَهَذَا فصل مُخْتَصر من سُؤال سُئِلَ عَنهُ شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية رَحمَه الله تَعَالَى
نَص السُّؤَال
مَا يَقُول السَّادة الْعلمَاء أَئِمَّة الدَّين ﵃ أَجْمَعِينَ فِيمَن قَالَ إِن صِفَات الرب لَا تَتَعَدَّد وَلَا ينْفَصل بَعْضهَا عَن بعض إِلَّا فِي مَرَاتِب الْعبارَات وموارد الإشارات فَإِذا أضيف علمه إِلَى الإطلاع على ضمير الصَّغِير وَالْكَبِير يُقَال بَصِير وَإِذا ابتدر مِنْهُ الرزق يُقَال رزاق وَإِذا أَفَاضَ من مكنونات علمه على قلب أحد من النَّاس بأسرار إلاهيته ودقائق جبروت ربوبيته يُقَال مُتَكَلم وَلَيْسَ بعضه آلَة السّمع وَبَعضه آلَة الْبَصَر وَبَعضه آلَة الْكَلَام بل كُله بكلية ذَاته لَا يشْغلهُ شَيْء عَن شَيْء
فَهَل هَذَا القَوْل صَوَاب أم لَا أفتونا مَأْجُورِينَ
الْجَواب
هَذِه مقَالَة المتفلسفة والقرامطة والاتحادية
الْحَمد لله رب الْعَالمين لَيْسَ هَذَا القَوْل صَوَابا وَإِن كَانَ بعضه صَوَابا بل هَذَا القَوْل قرع بَاب الْإِلْحَاد وتوطئه سَبِيل الإتحاد فَإِن هَذَا القَوْل هُوَ قَول غلاة نفاة الصِّفَات الْجَهْمِية من متفلسف وقرمطي واتحادي وَنَحْوهم وَلَيْسَ
стр. 145
هُوَ قَول الْمُعْتَزلَة والنجارية والضرارية والشيعة وَنَحْوهم مِمَّن يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق بل هُوَ شَرّ من قَول هَؤُلَاءِ فَإِن هَؤُلَاءِ متفقون على أَنه خلق فِي غَيره كلَاما وَأَنه مُتَكَلم بذلك الَّذِي خلقه فِي غَيره وَأَن مُوسَى وَالْمَلَائِكَة يسمعُونَ ذَلِك الْكَلَام الْمَخْلُوق الَّذِي هُوَ كَلَام الله عِنْد هَؤُلَاءِ المبتدعة
قَالُوا إِنَّه لَا يكون متكلما إِلَّا بِكَلَام يقوم بِهِ وَإِن الْكَلَام إِذا قَامَ بِمحل كَانَ صفة لذَلِك الْمحل لَا لغيره كَسَائِر الصِّفَات من الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والسمع وَالْبَصَر وَنَحْوه فَيُقَال عَالم وقادر وَسميع وبصير وَنَحْو ذَلِك
رد السّلف عَلَيْهِم
وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من السّلف من قَالَ إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا [سُورَة طه ١٤] مَخْلُوق فَهُوَ بِمَنْزِلَة من صدق فِرْعَوْن فِي قَوْله
стр. 146
أَنا ربكُم الْأَعْلَى [سُورَة النازعات ٢٤] لِأَنَّهُ لَو كَانَ قَوْله إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا مخلوقا لَكَانَ كلَاما للمحل الَّذِي خلق فِيهِ إِمَّا الشَّجَرَة وَإِمَّا الْهَوَاء فَيكون الشَّجَرَة أَو الْهَوَاء هُوَ الْقَائِل إِنَّنِي أَنا الله وَمن جعل هَذَا رَبًّا فَهُوَ بِمَنْزِلَة من جعل فِرْعَوْن رَبًّا وَإِن كَانَ الله خَالق ذَلِك الْكَلَام فِي الشَّجَرَة والهواء فقد ثَبت بِالْحجَّةِ أَنه خَالق أَفعَال الْعباد وَأَنه أنطق كل شَيْء فَكل نَاطِق فِي الْوُجُود هُوَ أنطقه وَخلق نطقه فَيجب أَن يكون كل نطق فِي الْوُجُود كَلَامه حَتَّى قَول فِرْعَوْن أَنا ربكُم الْأَعْلَى وَحِينَئِذٍ فَلَا فرق بَين قَوْله إِنَّنِي أَنا الله وَبَين خلقه على لِسَان فِرْعَوْن أَنا ربكُم الْأَعْلَى
وَهَذَا اللَّازِم تَفِر مِنْهُ الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم إِذْ هم لَا يقرونَ بِأَن الله خَالق أَفعَال الْعباد لَكِن يلْزمهُم بِالْحجَّةِ مَا يخلقه الله من الْكَلَام مثل إنطاق الْجُلُود وتسبيح الْحَصَى وَتَسْلِيم الْحجر ﵇ وَشَهَادَة الْأَلْسِنَة وَالْأَيْدِي والأرجل فَإِن هَذَا لَيْسَ من أَفعَال الْعباد بل ذَلِك خلق الله فيلزمهم أَن يَقُولُوا ذَلِك كُله كَلَام الله وَهُوَ بَاطِل وهم لَا يلتزمونه
وَإِنَّمَا الْتزم مثل هَذَا الإتحادية والحلولية الَّذين يَقُولُونَ إِنَّه وجود الْمَخْلُوقَات أَو هُوَ سَار فِي جَمِيع الْمَخْلُوقَات كَمَا قَالَ قَائِلهمْ وكل كَلَام فِي الْوُجُود كَلَامه ... سَوَاء علينا نثره ونظامه
стр. 147
وَمن هَؤُلَاءِ من يفرق بَين قَول الحلاج وَأَمْثَاله أَنا الْحق وَبَين قَول فِرْعَوْن أَنا ربكُم الْأَعْلَى بِأَن الحلاج وَأَمْثَاله قَالُوا ذَلِك وهم فانون فَالْحق نطق على ألسنتهم لغيبتهم عَن شُهُود أنفسهم وَأما فِرْعَوْن وَأَمْثَاله مِمَّن هم فِي شُهُود أنفسهم فقالوه مَعَ رُؤْيَتهمْ أنفسهم وَحَاصِله أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي نطق على لِسَان الحلاج وَأَمْثَاله
وَهَذَا شَرّ من قَول من يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق خلقه الله فِي الْهَوَاء وَنَحْوه لِأَن الجماد لَيْسَ لَهُ نطق يُضَاف إِلَيْهِ فوجود الْكَلَام فِيهِ شُبْهَة توجب جعله كلَاما لغيره أما الْإِنْسَان الْحَيّ إِذا وجد مِنْهُ مثل هَذَا الْكَلَام مُضَافا إِلَى نَفسه وَجعل الْمُتَكَلّم بِهِ هُوَ الله فَهَذَا صَرِيح بحلول الْحق فِيهِ واتحاده بِهِ كَمَا تَقوله النَّصَارَى فِي الْمَسِيح
وَمَعْلُوم أَن النَّصَارَى أكفر من الْمُعْتَزلَة وَمَعْلُوم بالإضطرار من الْعقل وَالدّين أَن الله لم يتَكَلَّم على لِسَان بشر كَمَا يتَكَلَّم الجنى على لِسَان المصروع وَلَكِن يبْعَث الرُّسُل فيبلغون كَلَامه والمرسل يَقُول لرَسُوله قل على لساني كَذَا وَيَقُول كَلَامي على لِسَان رَسُولي فلَان أَي كَلَامي الَّذِي بلغه عني
وَمن هَذَا قَول النَّبِي ﷺ إِن الله قَالَ على لِسَان نبيه سمع الله لمن حَمده أَي هَذَا من الْكَلَام الَّذِي بلغه الرَّسُول عَن الله كَمَا قَالَ تَعَالَى
стр. 148
فَإِنَّمَا يسرناه بلسانك [سُورَة الدُّخان ٥٧] كَمَا يَقُول الْمُرْسل قد قلت لكم على لِسَان رَسُولي فلَان كَذَا وَكَذَا
وَهَذَا كَمَا أَن القَوْل يُضَاف إِلَى الرَّسُول لِأَنَّهُ بلغه وَأَدَّاهُ فيضاف إِلَى جِبْرِيل تَارَة وَإِلَى مُحَمَّد ﷺ أُخْرَى كَمَا قَالَ فِي آيَة إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم وَمَا هُوَ بقول شَاعِر قَلِيلا مَا تؤمنون وَلَا بقول كَاهِن قَلِيلا مَا تذكرُونَ [سُورَة الْمَائِدَة ٤٠ - ٤٢] فَهَذَا مُحَمَّد وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم ذِي قُوَّة عِنْد ذِي الْعَرْش مكين مُطَاع ثمَّ أَمِين [سُورَة التكوير ١٩ - ٢١] فَهَذَا جِبْرِيل
وَأما جُمْهُور الْعلمَاء من أهل الْفِقْه والْحَدِيث والتصوف وَالْكَلَام فطردوا الدَّلِيل وأثبتوا لله صِفَات فعلية تقوم بِذَاتِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُوم الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْعقل واللغة وَالشَّرْع
النَّاس فِي الصِّفَات ثَلَاث مَرَاتِب
فَالنَّاس ثَلَاث مَرَاتِب مِنْهُم من نفى قيام الصِّفَات وَالْأَفْعَال بِهِ كالمعتزلة وَمِنْهُم من أثبت قيام الصِّفَات بِهِ دون الْأَفْعَال كالكلابية وَمِنْهُم من أقرّ بِقِيَام الصِّفَات وَالْأَفْعَال وهم جُمْهُور الْأمة كَمَا ذكرته الْحَنَفِيَّة فِي كتبهمْ وكما ذكره
стр. 149
الْبَغَوِيّ وَغَيره من أَصْحَاب الشَّافِعِي عَن أهل السّنة وكما ذكره أَبُو إِسْحَاق ابْن شاقلا وَأَبُو عبد الله بن حَامِد وَالْقَاضِي أَبُو يعلى فِي آخِره قوليه وَابْنه أَبُو الْحُسَيْن وَغَيرهم من أَصْحَاب أَحْمد وَذكره أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق الكلاباذي عَن الصُّوفِيَّة فِي كتاب التعرف فِي مَذَاهِب التصوف وَذكره من ذكره من أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة وَذهب إِلَيْهِ طوائف من أهل الْكَلَام من المرجئة
стр. 150
والشيعة والكرامية وَذهب إِلَيْهِ جمهول أهل الحَدِيث
مقَالَة أهل السّنة فِي كَلَام الله
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن الْجَهْمِية من الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم الَّذين قَالُوا الْقُرْآن مَخْلُوق وَقد عرف مقالات السّلف فِي تكفيرهم وتضليلهم هم خير قولا من أَصْحَاب هَذَا القَوْل الْمَذْكُور فِي السُّؤَال الْقَائِلين إِذا فاض من مكنونات علمه على قلب أحد من النَّاس بأسرار إلاهيته ودقائق جبروت ربوبيته يُقَال مُتَكَلم فَإِن هَذَا قَول من لَا يَجْعَل لله كلَاما قَائِما بِهِ كَمَا يَقُوله الَّذين يَقُولُونَ إِنَّه خلق كلَاما بَائِنا مِنْهُ وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد كَلَام الله من الله لَيْسَ بَائِنا مِنْهُ وَالْقُرْآن الَّذِي أنزلهُ هُوَ كَلَامه لَا كَلَام غَيره إِذْ الْكَلَام كَلَام من قَالَه مبتدئا لَا كَلَام من قَالَه مبلغا مُؤديا
стр. 151
وَلِهَذَا قَالَ السّلف وَالْأَئِمَّة الْقُرْآن كَلَام الله منزل غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود فَقَوْلهم مِنْهُ بَدَأَ نبهوا بِهِ على مُخَالفَة الْجَهْمِية الَّذين قَالُوا إِنَّه خلقه فِي غَيره مُنْفَصِلا عَنهُ فَقَالَ أهل السّنة مِنْهُ بَدَأَ لم يبتدىء من غَيره من الموجودات كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإنَّك لتلقى الْقُرْآن من لدن حَكِيم عليم [سُورَة النَّمْل ٦] وَقَالَ وَلَكِن حق القَوْل مني [سُورَة السَّجْدَة ١٣] وَقَالَ كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير [سُورَة هود ١] وَلَا نجْعَل لله كلَاما مخلوقا فِي غَيره مُنْفَصِلا عَنهُ كَمَا قالته الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم من الْجَهْمِية
فَإِن هَؤُلَاءِ وَإِن كَانَ قَوْلهم من أعظم القَوْل فريةوظلالا فَهُوَ أقل كفرا وضلالا من قَول أهل القَوْل الْمَسْئُول عَنهُ الْقَائِلين إِذا فاض من مَكْنُون علمه على قلب أحد من النَّاس فَإِن هَؤُلَاءِ لم يَجْعَلُوهُ متكلما إِلَّا بِمَا جعله فِي الْقُلُوب من الْعلم
مقَالَة الفلاسفة فِي كَلَام الله
وَهَذَا فِي الأَصْل قَول المتفلسفة والصابئة وَنَحْوهم الَّذين لَا يجْعَلُونَ لله كلَاما إِلَّا مَا أفاضه على قُلُوب الْعباد من الْعُلُوم والمعارف ويجعلون تكليمه للعباد نوع تَعْرِيف يعرفهُمْ بِهِ الْأُمُور وَيَقُولُونَ إِنَّه تتشكل فِي نفس الشَّيْء أشكال نورانية هِيَ مَلَائِكَة الله عِنْدهم وأصوات قَائِمَة بِنَفسِهِ هِيَ كَلَام الله عِنْدهم ويزعمون أَن تكليم الله لمُوسَى هُوَ من هَذَا الْبَاب إِنَّمَا هُوَ فيض فاض عَلَيْهِ من الْعقل الفعال أَو من غَيره وَقد يجْعَلُونَ الْعقل الفعال هُوَ جِبْرِيل وَلَيْسَ التكليم عِنْدهم مُخْتَصًّا بِأحد وَلكنه يفِيض بِحَسب استعداد النُّفُوس
стр. 152
وعَلى قَوْلهم فَجَمِيع الْخلق يكلمهم تكليما كَمَا كلم مُوسَى وكل كَلَام صَادِق تكلم بِهِ ذُو نفس صَافِيَة فَهُوَ كَلَام الله كَمَا أَن الْقُرْآن كَلَام الله فَيلْزمهُ أَن كل مَا تكلم بِهِ الْأَنْبِيَاء فَمن دونهم من الْخَبَر الصَّادِق وَالْأَمر بِالْخَيرِ هُوَ كَلَام الله وَأَن ذَلِك كُله من نوع الْقُرْآن وَأَن يكون الْقُرْآن كَلَام الْبشر وَلَا فرق عِنْدهم بَين قَول الْبشر وَقَول الله بل يلْزمهُم أَن جَمِيع مَا يتَكَلَّم بِهِ الْبشر كَلَام الله من أجل أَن ذَلِك يفِيض على قُلُوب الْبشر حَتَّى الْكَذِب وَالْكفْر فَإِن جِهَة الْإِفَاضَة وَاحِدَة فِي الْجَمِيع وكل مَا يلْزم الْقَائِلين بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق يلْزم هَؤُلَاءِ وَزِيَادَة فَإِن أُولَئِكَ يجعلونه مخلوقا خَارِجا عَن نفس النَّبِي وَهَؤُلَاء لَا يجْعَلُونَ لَهُ محلا إِلَّا نفس النَّبِي
مُتَابعَة الْغَزالِيّ للفلاسفة
وَهَذَا القَوْل هُوَ قَول المتفلسفة وَوَقع فِيهِ طوائف من المنتسبين إِلَى الْملَل من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَمن المنتسبين إِلَى الْمُسلمين مِمَّن خلط الفلسفة بالتصوف مثل أهل الْكَلَام الْمَسْئُول عَنهُ وَأَمْثَاله وَمثل مَا وَقع لأبي حَامِد فِي كتاب المضنون بِهِ على غير أَهله الأول وَالثَّانِي وَنَحْو ذَلِك من المصنفات مثل مشكاة الْأَنْوَار ومسائل النفخ والتسوية وكيمياء السَّعَادَة وجواهر الْقُرْآن
стр. 153
وَمَا يُشِير إِلَيْهِ أَحْيَانًا فِي الْإِحْيَاء وَغَيره فَإِنَّهُ كثيرا مَا يَقع فِي كَلَامه مَا هُوَ مَأْخُوذ من كَلَام الفلاسفة ويخلطه بِكَلَام الصُّوفِيَّة أَو عباراتهم فَيَقَع فِيهِ كثير من المتصوفة الَّذين لَا يميزون بَين حَقِيقَة دين الْإِسْلَام وَبَين مَا يُخَالِفهُ من الفلسفة الْفَاسِدَة وَغَيرهَا لَا سِيمَا إِذا بني على ذَلِك وَاتَّبَعت لوازمه فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى قَول ابْن سبعين وَابْن عَرَبِيّ صَاحب الفصوص وأمثالهما مِمَّن يَقُول بِمثل هَذَا الْكَلَام وَحَقِيقَة مَذْهَبهم يؤول إِلَى التعطيل الْمَحْض وَأَنه لَيْسَ للْعَالم رب مباين لَهُ بل الْخَالِق هُوَ الْمَخْلُوق والمخلوق هُوَ الْخَالِق
مقَالَة ابْن عَرَبِيّ فِي الفصوص
كَمَا قَالَ صَاحب الفصوص وَمن أَسْمَائِهِ الْحسنى الْعلي على من وَمَا تمّ إِلَّا هُوَ أَو عَن مَاذَا وَمَا هُوَ إِلَّا هُوَ فَعَلُوهُ لنَفسِهِ وَهُوَ من حَيْثُ الْوُجُود عين الموجودات فالمسمى محدثات هِيَ الْعلية لذاتها وَلَيْسَت إِلَّا هُوَ
إِلَى أَن قَالَ فَهُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن فَهُوَ عين مَا ظهر وَهُوَ عين مَا بطن فِي حَال ظُهُوره وَمَا ثمَّ من يرَاهُ غَيره وَمَا ثمَّ يبطن عَنهُ سواهُ فَهُوَ ظَاهر لنَفسِهِ بَاطِن عَنهُ وَهُوَ الْمُسَمّى أَبُو سعيد الخراز وَغير ذَلِك من أَسمَاء المحدثات
إِلَى أَن قَالَ وَمن عرف مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْأَعْدَاد وَأَن نَفيهَا عين
стр. 154
إِثْبَاتهَا علم أَن الْأَمر الْخَالِق الْمَخْلُوق وَأَن الْأَمر الْمَخْلُوق الْخَالِق كل ذَلِك من عين وَاحِدَة لَا بل هُوَ الْعين الْوَاحِدَة وهوالعيون الْكَثِيرَة فَانْظُر مَاذَا ترى قَالَ يَا أَبَت افْعَل مَا تُؤمر [سُورَة الصافات ١٠٢] فَالْوَلَد عين أَبِيه فَمَا رأى يذبح سوى نَفسه وفداه بِذبح عَظِيم فَظهر بِصُورَة كَبْش من ظهر بِصُورَة إِنْسَان وَظهر بِصُورَة ولد من هُوَ عين الْوَالِد وَخلق مِنْهَا زَوجهَا [سُورَة النِّسَاء ١] فَمَا نكح سوى نَفسه
إِلَى أَن قَالَ فالعلي لنَفسِهِ هُوَ الَّذِي يكون لَهُ الْكَمَال الَّذِي يسْتَغْرق بِهِ جَمِيع الْأُمُور الوجودية وَالنّسب العدمية سَوَاء كَانَت محمودة عرفا وعقلا وَشرعا أَو مذمومة عرفا وعقلا وَشرعا وَلَيْسَ ذَلِك لأحد إِلَّا لمسمى الله خَاصَّة
وَقَالَ أَلا ترى الْحق يظْهر بِصِفَات المحدثات وَأخْبر بذلك عَن نَفسه وبصفات النَّقْص والذم أَلا ترى الْمَخْلُوق يظْهر بِصِفَات الْحق من أَولهَا إِلَى آخرهَا فَكلهَا حق لَهُ كَمَا هِيَ صِفَات المحدثات حق للحق
стр. 155
وَقَالَ أَيْضا ومكروا مكرا كبارًا [سُورَة نوح ٢٢] لِأَن الدعْوَة إِلَى الله مكر بالمدعو لِأَنَّهُ مَا عدم إِلَى الْبِدَايَة فيدعى إِلَى الْغَايَة ادعوا إِلَى الله فَهَذَا عين الْمَكْر
إِلَى أَن قَالَ فَقَالُوا فِي مَكْرهمْ لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تذرن ودا [سُورَة نوح ٢٣] فَإِنَّهُم لَو تركوهم تركُوا من الْحق على قدر مَا تركُوا من صِفَات هَؤُلَاءِ فَإِن للحق فِي كل معبود وَجها يعرفهُ من عرفه ويجهله من جَهله كَمَا قَالَ فِي المحمدين وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه [سُورَة الْإِسْرَاء ٢٣] أَي حكم فالعالم يعلم من عبد وَفِي أَي صُورَة ظهر حَتَّى عبد وَأَن التَّفْرِيق وَالْكَثْرَة كالأعضاء فِي الصُّورَة المحسوسة وكالقوى المعنوية فِي الصُّورَة الروحانية فَمَا عبد غير الله فِي كل معبود
وَقَالَ أَيْضا فَكَانَ مُوسَى أعلم بِالْأَمر من هَارُون لِأَنَّهُ علم مَا عَبده أَصْحَاب الْعجل لعلمنه بِأَن الله قد قضى أَلا يعبد إِلَّا إِيَّاه وَمَا حكم الله بِشَيْء إِلَّا وَقع فَكَانَ عيب مُوسَى أَخَاهُ هَارُون لما وَقع من إِنْكَاره
стр. 156
وَعدم اتساعه فَإِن الْعَارِف من يرى الْحق فِي كل شَيْء بل يرَاهُ عين كل شَيْء
وَقَالَ أَيْضا وَلما كَانَ فِرْعَوْن فِي مرتبَة التحكم وَأَنه الْخَلِيفَة بِالسَّيْفِ وَإِن جَار فِي الْعرف الناموسي لذَلِك قَالَ أَنا ربكُم الْأَعْلَى [سُورَة النازعات ٢٤] أَي وَإِن كَانَ الْكل أَرْبَابًا بِنِسْبَة مَا فَأَنا الْأَعْلَى مِنْهُم بِمَا أَعْطيته فِي الظَّاهِر من الحكم فِيكُم وَلما علمت السَّحَرَة صدقه فِيمَا قَالَ لم ينكروه وأقروا لَهُ بذلك وَقَالُوا لَهُ إِنَّمَا تقضي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا فَاقْض مَا أَنْت قَاض فالدولة لَك فصح قَوْله أَنا ربكُم الْأَعْلَى
إِلَى أَمْثَال ذَلِك من هَذَا الْكَلَام الَّذِي يُسَمِّيه أَصْحَاب مَذْهَب الْوحدَة وَيَقُولُونَ إِن الْوُجُود واحدكما يَقُوله ابْن عَرَبِيّ صَاحب الفتوحات وَابْن سبعين وَابْن الفارض والتلمساني وأمثالهم عَلَيْهِم من الله مَا يستحقونه فَإِنَّهُم لَا يجْعَلُونَ للخالق سُبْحَانَهُ وجودا مباينا لوُجُود الْمَخْلُوق وَهُوَ جَامع كل شَرّ فِي الْعَالم ومبدأ ضلالهم من حَيْثُ لم يثبتوا للخالق وجودا مباينا لوُجُود الْمَخْلُوق وهم يَأْخُذُونَ من كَلَام الفلاسفة شَيْئا وَمن الْكَلَام الْفساد من كَلَام المتصوفة والمتكلمين شَيْئا وَمن كَلَام القرامطة والباطنية شَيْئا فيطوفون على أَبْوَاب الْمذَاهب ويفوزون بأخس المطالب ويثنون على مَا يذكر من
стр. 157
تأثر الْغَزالِيّ بِإِخْوَان الصَّفَا وأمثالهم
التصوف الْمَخْلُوط بالفسلفة كَمَا يُوجد فِي كَلَام أبي حَامِد وَنَحْوه مِمَّا هُوَ مَأْخُوذ من رسائل إخْوَان الصَّفَا وأمثالهم مِمَّن يُرِيد أَن يجمع بَين مَا جَاءَت بِهِ الْكتب الإلهية وَالرسل المبلغون عَن الله وَمَا تَقوله الصابئة المتفلسفون فِي الْعلم الإلهي فَيذكرُونَ أَحَادِيث مَوْضُوعَة وَرُبمَا حرفوا لَفظهَا كَمَا يذكرُونَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أول مَا خلق الله الْعقل فَقَالَ لَهُ أقبل فَأقبل فَقَالَ لَهُ أدبر فَأَدْبَرَ فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خلقت خلقا أكْرم عَليّ مِنْك فبك آخذ وَبِك أعطي وَبِك الثَّوَاب وَبِك الْعقَاب
وَهَذَا الحَدِيث مَوْضُوع على النَّبِي ﷺ بِاتِّفَاق أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ وَلَفْظَة أول مَا خلق الله الْعقل قَالَ لَهُ أقبل فَأقبل وروى لما خلق الله الْعقل قَالَ لَهُ أقبل فَأقبل فَمَعْنَاه أَنه خاطبه فِي أول أَوْقَات خلقه فغيروا لَفظه وَقَالُوا أول مَا خلق الله الْعقل ليُوَافق ذَلِك مَذْهَب الْمَشَّائِينَ من المتفلسفين أَتبَاع أرسطو الْقَائِلين أول الصادرات عَنهُ الْعقل
стр. 158
وَقد بسطنا الْكَلَام فِي بَيَان فَسَاد ذَلِك شرعا وعقلا وَبينا أَن بَين هَؤُلَاءِ وَبَين الرُّسُل من المباينة أعظم مِمَّا بَين الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَبَين الْمُسلمين وَأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِذا لم يتفلسفوا كَانُوا أقرب إِلَى الْحق من هَؤُلَاءِ فَإِن تفلسف الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ كَانَ كفره من جِهَتَيْنِ
وَهَذِه الْكتب المضافة إِلَى أبي حَامِد مثل الْكِتَابَيْنِ المضنون بهما على غير أهلهما وأمثالهما مَا زَالَ أَئِمَّة الدَّين يُنكرُونَ مَا فيهمَا من الْبَاطِل الْمُخَالف للْكتاب وَالسّنة ثمَّ من النَّاس من يكذب نِسْبَة هَذِه الْكتب إِلَيْهِ وَمِنْهُم من يَقُول وَهُوَ أشبه رَجَعَ عَن ذَلِك كَمَا ذكر فِي كتب أُخْرَى ذمّ الفلاسفة وتكفيرهم وَذكر عبد الغافر الْفَارِسِي فِي تَارِيخ نيسابور أَنه اسْتَقر أمره على مطالعة البُخَارِيّ وَمُسلم فَكَانَ آخر أمره الرُّجُوع إِلَى الحَدِيث وَالسّنة وَالله أعلم
كَلَام الْغَزالِيّ فِي كتاب المضنون
فَهَذَا الْكَلَام الْمَذْكُور فِي السُّؤَال يُوجد نَحوه فِي مثل هَذِه الْكتب الَّتِي يَجْعَلهَا أَهلهَا من كتب الْحَقَائِق والأسرار كَمَا قَالَ صَاحب كتاب المضنون فصل يتخيل بعض النَّاس كَثْرَة فِي ذَات الله تَعَالَى من طَرِيق تعدد الصِّفَات وَقد صَحَّ قَول من قَالَ فِي الصِّفَات لَا هِيَ هُوَ وَلَا غَيره
стр. 159
وَهَذَا التخيل يَقع من توهم التغاير وَلَا تغاير فِي الصِّفَات مِثَال ذَلِك أَن إنْسَانا تعلم صُورَة الْكِتَابَة وَله علم بِصُورَة بِسم الله الَّتِي تظهر تِلْكَ الصُّورَة على القرطاس وَهَذِه صفة وَاحِدَة وكمالها أَن يكون الْمَعْلُوم تبعا لَهَا فَإِنَّهُ إِذا حصل الْعلم بِتِلْكَ الْكِتَابَة ظَهرت الصُّورَة على القرطاس بِلَا حَرَكَة يَد وواسطة قلم ومداد
فَهَذِهِ الصّفة من حَيْثُ إِن الْمَعْلُوم انْكَشَفَ بهَا يُقَال لَهُ علم وَمن حَيْثُ إِن الْأَلْفَاظ تدل عَلَيْهَا يُقَال لَهَا كَلَام فَإِن الْكَلَام عبارَة عَن مَدْلُول الْعبارَات وَمن حَيْثُ إِن وجود الْمَعْلُوم تبع لَهَا يُقَال لَهَا الْقُدْرَة وَلَا تغاير هَهُنَا بَين الْعلم وَالْقُدْرَة وَالْكَلَام فَإِن هَذِه صفة وَاحِدَة فِي نَفسهَا وَلَا تكون هَذِه الإعتبارات الثَّلَاث وَاحِدَة
وكل من كَانَ أَعور لَا ينظر إِلَّا بِالْعينِ العوراء وَلَا يرى إِلَّا مُطلق الصّفة فَيَقُول هُوَ هُوَ وَإِذا الْتفت إِلَى الإعتبارات الثَّلَاث يُقَال هِيَ غَيره وَمن اعْتبر مُطلق الصّفة مَعَ الإعتبارات فقد نظر بعينين صحيحتين اعْتقد أَنَّهَا لَا هُوَ وَلَا غَيره
وَالْكَلَام فِي صِفَات الله تَعَالَى وَإِن كَانَ مناسبا لهَذَا الْمِثَال فَإِنَّهُ مباين لَهُ بِوَجْه آخر وتفهيم هَذِه الْمعَانِي بِالْكِتَابَةِ غير يسير
فَهَذَا الْكَلَام من جنس الْكَلَام الْمَذْكُور فِي السُّؤَال وَكِلَاهُمَا يرجع إِلَى مَا تزعمه المتفلسفة من أَن الصِّفَات ترجع إِلَى الْعلم إِذا أثبتوه
مقَالَة ابْن حزم
وَقد يقرب من هَؤُلَاءِ ابْن حزم حَيْثُ رد الْكَلَام والسمع وَالْبَصَر وَغير
стр. 160
ذَلِك إِلَى الْعلم مَعَ أَنه لَا يثبت صفة لله هِيَ الْعلم وَيجْعَل أسماءه الْحسنى إِنَّمَا هِيَ أَعْلَام مَحْضَة فالحي والعالم والقادر والسميع والبصير وَنَحْوه كلهَا أَسمَاء أَعْلَام لَا تدل على الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة
الرَّد على النفاة
وَهَذَا يؤول إِلَى قَول القرامطة الباطنية وَنَحْوهم نفاة أَسمَاء الله تَعَالَى الَّذين يَقُولُونَ لَا يُقَال حَيّ وَلَا عَالم وَلَا قَادر وَهَذَا كُله من الْإِلْحَاد فِي أَسمَاء الله وآياته قَالَ تَعَالَى وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ [سُورَة الْأَعْرَاف ١٨٠]
وَإِذا كَانَ من الْإِلْحَاد إِنْكَار اسْمه الرَّحْمَن كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِذا قيل لَهُم اسجدوا للرحمن قَالُوا وَمَا الرَّحْمَن [سُورَة الْفرْقَان ٦٠] وَقَالَ قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن أَيَّامًا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى [سُورَة الْإِسْرَاء ١١٠] وَقَالَ تَعَالَى وهم يكفرون بالرحمن قل هُوَ رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ متاب [سُورَة الرَّعْد ٣٠] إِلَى غير ذَلِك
стр. 161
فَإِذا كَانَ اسْمه الرَّحْمَن قد أنزل فِيهِ مَا انْزِلْ فَكيف إِنْكَار سَائِر الْأَسْمَاء وَمَعْلُوم أَن اللَّفْظ إِذا كَانَ علما مَحْضا لم يُنكره أحد وَلَو كَانَت أعلاما لم يفرق بَين الرَّحْمَن والعليم والقدير
الرَّد على الْغَزالِيّ
وَمَا ذكره صَاحب كتاب المضنون مَعَ المتفلسفة من أَن الْعلم بالممكنات هُوَ الْمُقْتَضى لوجودها مَعْلُوم الْبطلَان بِأَدْنَى تَأمل فَإِن الْعلم نَوْعَانِ علم نَظَرِي وَعلم عَمَلي فَأَما النظري وَهُوَ الْعلم بِمَا لَا يَفْعَله الْعَالم كعلم الله بِنَفسِهِ وكعلمنا بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر فَهَذَا لَيْسَ مقتضيا لوُجُود الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ واتفاق الْعُقَلَاء وَإِن كَانَ قد يكون سَببا لبَعض الْأَعْمَال
وَأما الْعلم العملي كعلم الله بمخلوقاته وكعلمنا بمفعولاتنا فَهَذَا الْعلم وَحده لَيْسَ مُوجبا لوُجُود الْمَعْلُوم بِلَا قدرَة وَلَا إِرَادَة وَعمل فَإنَّا إِذا تصورنا مَا نُرِيد فعله لم يكن مُجَرّد تصورنا مَا نُرِيد وَلم نقدر عَلَيْهِ لم يكن وَإِذا كُنَّا قَادِرين على مَا نتصوره وَلَا نريده لم يكن بل لَا بُد علمنَا بِهِ وإرادتنا لَهُ وقدرتنا عَلَيْهِ
فَلَو قَالَ قَائِل علم الله لَيْسَ كعلمنا
قيل لَهُ وَذَات الله لَيست كذاتنا وَلَا قدرته وإرادته كقدرتنا وإرادتنا
وَهَذَا السُّؤَال قد بسط الشَّيْخ الْكَلَام عَلَيْهِ وَقد اختصر مِنْهُ وَقَالَ فِي وسط الْكَلَام على هَذَا السُّؤَال
إِثْبَات ابْن تَيْمِية وَأهل السّنة الْمَاهِيّة لله تَعَالَى
بل لكل مَوْجُود حَقِيقَة تخصه يتَمَيَّز بهَا عَمَّا سَوَاء ويباين بهَا غَيره وَهَذِه الْحَقِيقَة هِيَ حَقِيقَة الربوبية وبنفيها ضل الْجَهْمِية من الْمُعْتَزلَة والفلاسفة
стр. 162
والقرامطة والإتحادية وأمثالهم وَهِي الْمَاهِيّة الَّتِي أثبتها ضرار وَأَبُو حنيفَة وَغَيرهمَا من الْكُوفِيّين وَخَالفهُم فِي ذَلِك معتزلة الْبَصْرَة وعَلى إِثْبَاتهَا أَئِمَّة السّنة وَالْجَمَاعَة من السّلف وَالْخلف وَلِهَذَا ينفون الْعلم بماهيه الله وكيفيته فَيَقُولُونَ لَا تجْرِي ماهيته فِي مقَال وَلَا تخطر كيفيته ببال وَمن نفاها من المنتسبين إِلَى السّنة وَغَيرهم قَالَ لَيْسَ لَهُ مَاهِيَّة فتجري فِي مقَال وَلَا لَهُ كيفيه فتخطر ببال
وَالْأول هُوَ الْمَأْثُور عَن السّلف وَالْأَئِمَّة كَمَا قد بسط الْكَلَام عَلَيْهِ فِي غير هَذَا الْموضع وَيدل عَلَيْهِ صَرِيح الْمَعْقُول وصحيح الْمَنْقُول وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
стр. 163
رِسَالَة فِي تَحْقِيق مَسْأَلَة علم الله
стр. 164
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله
فصل فِي مَسْأَلَة الْعلم
فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال:
النَّاس المنتسبون إِلَى الْإِسْلَام فِي علم الله بِاعْتِبَار تعلقه بالمستقبل على ثَلَاثَة أَقْوَال
الأول
أَحدهَا أَنه يعلم المستقبلات بِعلم قديم لَازم لذاته وَلَا يَتَجَدَّد لَهُ عِنْد وجود المعلومات نعت وَلَا صفة وَإِنَّمَا يَتَجَدَّد مُجَرّد التَّعَلُّق بَين الْعلم والمعلوم وَهَذَا قَول طَائِفَة من الصفاتية من الْكلابِيَّة والأشعرية وَمن وافقهم من الْفُقَهَاء والصوفية وَأهل الحَدِيث من أَصْحَاب أَحْمد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة وَهُوَ قَول طوائف من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم من نفاة الصِّفَات لَكِن هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ يعلم المستقبلات ويتجدد التَّعَلُّق بَين الْعَالم والمعلوم لَا بَين الْعلم والمعلوم
وَقد تنَازع الْأَولونَ هَل لَهُ علم وَاحِد أَو عُلُوم مُتعَدِّدَة على قَوْلَيْنِ وَالْأول قَول الْأَشْعَرِيّ وَأكْثر أَصْحَابه وَالْقَاضِي أبي يعلى وَأَتْبَاعه وَنَحْو هَؤُلَاءِ وَ الثَّانِي قَول أبي سهل الصعلوكي
الثَّانِي
وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه لَا يعلم المحدثات إِلَّا بعد حدوثها وَهَذَا أصل قَول الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ لم يعلم أَفعَال الْعباد إِلَّا بعد وجودهَا وَأَن الْأَمر أنف
стр. 165
لم يسْبق الْقدر بشقاوة وَلَا سَعَادَة وهم غلاة الْقَدَرِيَّة الَّذين حدثوا فِي زمَان ابْن عمر وتبرأ مِنْهُم وَقد نَص الْأَئِمَّة كمالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد على تَكْفِير قَائِل هَذِه الْمقَالة
لَكِن الْقَدَرِيَّة صَرَّحُوا بِنَفْي الْعلم السَّابِق وَالْقدر الْمَاضِي فِي أَفعَال الْعباد الْمَأْمُور بهَا والمنهي عَنْهَا وَمَا يتَعَلَّق بذلك من الشقاوة والسعادة ثمَّ مِنْهُم من اقْتصر على نفي الْعلم بذلك خَاصَّة وَقَالَ إِنَّه قدر الْحَوَادِث وَعلمهَا إِلَّا هَذَا لِأَن الْأَمر وَالنَّهْي مَعَ هَذَا الْعلم يتناقض عِنْده بِخِلَاف مَا لَا أَمر فِيهِ وَلَا نهي
وَمِنْهُم من قَالَ ذَلِك فِي عُمُوم المقدرات وَقد حكى نَحْو هَذَا القَوْل عَن عَمْرو بن عبيد وَأَمْثَاله وَقد قيل إِنَّه رَجَعَ عَن ذَلِك قبل إِنْكَاره لِأَن كَون تبت يدا أبي لَهب وَتب [سُورَة المسد ١] وذَرْنِي وَمن خلقت
стр. 166
وحيدا [سُورَة المدثر ١١] وَنَحْو ذَلِك فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وأمثال ذَلِك
الثَّالِث
وَالْقَوْل الثَّالِث أَنه يعلمهَا قبل حدوثها وَيعلمهَا بِعلم آخر حِين وجودهَا وَهَذَا قد حَكَاهُ المتكلمون كَأبي الْمَعَالِي عَن جهم فَقَالُوا إِنَّه ذهب إِلَى إِثْبَات عُلُوم حَادِثَة لله تَعَالَى وَقَالَ البارىء عَالم لنَفسِهِ وَقد كَانَ فِي الْأَزَل عَالما بِنَفسِهِ وَبِمَا سَيكون فَإِذا خلق الْعَالم وتجددت المعلومات أحدث لنَفسِهِ علوما بهَا يعلم المعلومات الْحَادِثَة ثمَّ الْعُلُوم تتعاقب حسب تعاقب المعلومات فِي وُقُوعهَا مُتَقَدّمَة عَلَيْهَا أَي الْعُلُوم مُتَقَدّمَة على الْحَوَادِث وَذكروا أَنه قَالَ إِنَّهَا فِي غير مَحل نَظِير مَا قَالَت الْمُعْتَزلَة البصرية فِي الْإِرَادَة
وَهَذَا القَوْل وَإِن كَانَ قد احْتج عَلَيْهِ بِمَا فِي الْقُرْآن من قَوْله ليعلم فَتلك النُّصُوص لَا تدل على هَذَا القَوْل
فَإِن هَذَا القَوْل مَضْمُونَة تجدّد علم قبل الْحُدُوث وَالَّذِي فِي الْقُرْآن إِنَّمَا ذكرُوا دلَالَته على مَا بعد الْوُجُود وَهَذَا قَولَانِ متغايران وَإِنَّمَا يحْتَج عَلَيْهِ بِمثل قَوْله فِي حَدِيث أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أَن يبتليهم وَلَيْسَ
стр. 167
هَذَا بداء يُخَالف الْعلم الْقَدِيم كَمَا قَالَه بعض غلاة الرافضة وَكَذَلِكَ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ قَالَ بِإِثْبَات عُلُوم متجددة فِي ذَات الله بِحَسب تجدّد المعلومات وَكَذَلِكَ أَبُو البركات صَاحب الْمُعْتَبر الإِمَام فِي الفلسفة
стр. 168
قَالَ بتجدد عُلُوم وإرادات لَهُ وَذكر أَن إلهيته لهَذَا الْعَالم لَا تصح إِلَّا مَعَ هَذَا القَوْل وَكَذَلِكَ أَبُو عبد الله الرَّازِيّ يمِيل إِلَى هَذَا القَوْل فِي المطالب الْعَالِيَة وَغَيرهَا
وَأما السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام فقد ذكر الْحَارِث المحاسبي عَن أهل السّنة فِي تجدّد ذَلِك عِنْد وجود المسموع المرئي قَوْلَيْنِ
وَالْقَوْل بسمع وبصر قديم يتَعَلَّق بهَا عِنْد وجودهَا قَول ابْن كلاب وَأَتْبَاعه والأشعري وَالْقَوْل بتجدد الْإِدْرَاك مَعَ قدم الصّفة قَول طوائف كَثِيرَة كالكرامية وَطَوَائِف سواهُم وَالْقَوْل بِثُبُوت الْإِدْرَاك قبل حدوثها وَبعد وجودهَا قَول السالمية كَأبي الْحسن بن سَالم وَأبي طَالب الْمَكِّيّ
стр. 169
والطوائف الثَّلَاثَة تنتسب إِلَى أَئِمَّة السّنة كَالْإِمَامِ أَحْمد وَفِي أَصْحَابه من قَالَ بِالْأولِ وَمِنْهُم من قَالَ بِالثَّانِي والسالمية تنتسب إِلَيْهِ
وَكَذَلِكَ الْإِرَادَة والمشيئة فِيهَا للصفاتية ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنَّهَا لَيست إِلَّا قديمَة وَهُوَ قَول ابْن كلاب والأشعري وأتباعهما
الثَّانِي أَنَّهَا لَيست إِلَّا حَادِثَة وَالْفرق بَين هَذَا وَبَين قَول الْمُعْتَزلَة البصرية أَن الْمُعْتَزلَة يَقُولُونَ بحدوثها لَا فِي مَحل لِامْتِنَاع كَونه محلا للحوادث عِنْدهم وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ تقوم بِذَاتِهِ كَمَا يقوم الْكَلَام بِذَاتِهِ
وَالثَّالِث أَنَّهَا قديمَة وحادثة وَهُوَ قَول طوائف من الكرامية وَأهل الحَدِيث والصوفية وَغَيرهم وَكَذَلِكَ يَقُول هَؤُلَاءِ إِنَّه يُوصف بِأَنَّهُ مُتَكَلم فِي الْأَزَل وَأَنه يتَكَلَّم إِذا شَاءَ كَمَا صرح بذلك الْأَئِمَّة كَالْإِمَامِ أَحْمد وَغَيره
لَكِن فِي تَحْقِيق ذَلِك نزاع بَين الْمُتَأَخِّرين فَقيل الْقَدِيم هُوَ الْقُدْرَة على الْكَلَام كَمَا قَالَت الكرامية وَقيل بل الْقَوْلَانِ متضادان كَمَا ذكر أَبُو بكر عبد الْعَزِيز وَعبد الله بن حَامِد عَن أَصْحَاب أَحْمد
стр. 170
فَأَما إِثْبَات علمه وَتَقْدِيره للحوادث قبل كَونهَا فَفِي الْقُرْآن والْحَدِيث والْآثَار مَا لَا يكَاد يحصر بل كل مَا أخبر الله بِهِ قبل كَونه فقد علمه قبل كَونه وَهُوَ سُبْحَانَهُ يعلم مَا كَانَ وَمَا يكون وَمَا لم يكن لَو كَانَ كَيفَ يكون وَقد أخبر بذلك والنزاع فِي هَذَا مَعَ غلاة الْقَدَرِيَّة وَنَحْوهم
وَأما الْمُسْتَقْبل فَمثل قَوْله وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إِلَّا لنعلم من يتبع الرَّسُول مِمَّن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ [سورةالبقرة ٢٤٢] وَقَوله أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة الْآيَة [سُورَة الْبَقَرَة ٢١٤] آل عمرَان ١٤٢ وَقَوله أم حسبتم أَن تتركوا وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم الْآيَة [سُورَة التَّوْبَة ١٦] وَقَوله فليعلمن الله الَّذين صدقُوا وليعلمن الْكَاذِبين [سُورَة العنكبوت ٣] وَقَوله فليعلمن الله الَّذين آمنُوا وليعلمن الْمُنَافِقين [سُورَة العنكبوت ١١] وَقَوله ولنبلونكم حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ ونبلو أخباركم [سُورَة مُحَمَّد ٣١]
آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم
стр. 171
رِسَالَة فِي الْجَواب عَن سُؤال عَن الحلاّج هَل كَانَ صدّيقًا أَو زنديقًا
стр. 172
نَص السُّؤَال:
مَا يَقُول السَّادة الْعلمَاء ﵃ فِي الحلاج الْحُسَيْن بن مَنْصُور: هَل كَانَ صدّيقًا أَو زنديقًا؟ وَهل كَانَ وليا لله متقيًا لَهُ، أم كَانَ لَهُ حَال رحماني، أَو من أهل السحر والخزعبلات؟ وَهل قتل على الزندقة بِمحضر من عُلَمَاء الْمُسلمين، أَو قتل مَظْلُوما؟ أفتونا مَأْجُورِينَ.
الْجَواب:
فَأجَاب شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْعَبَّاس تَقِيّ الدَّين أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام بن تَيْمِية، قدس الله روحه.
الْحَمد لله رب الْعَالمين.
الحلاج كَانَ زنديقًا:
الحلاج قتل على الزندقة، الَّتِي ثبتَتْ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَبِغير إِقْرَاره، وَالْأَمر الَّذِي ثَبت عَلَيْهِ مِمَّا يُوجب الْقَتْل بِاتِّفَاق الْمُسلمين، وَمن قَالَ: إِنَّه قتل بِغَيْر حق فَهُوَ إِمَّا مُنَافِق ملحد، وَإِمَّا جَاهِل ضال.
وَالَّذِي قتل بِهِ مَا استفاض عَنهُ من أَنْوَاع الْكفْر، وَبَعضه يُوجب قَتله، فضلا عَن جَمِيعه. وَلم يكن من أَوْلِيَاء الله الْمُتَّقِينَ، بل كَانَ لَهُ عبادات ورياضات ومجاهدات، بَعْضهَا شيطاني، وَبَعضهَا نفساني، وَبَعضهَا مُوَافق للشريعة من وَجه دون وَجه، فَلبس الْحق بِالْبَاطِلِ.
بعض أَخْبَار الحلاج:
وَكَانَ قد ذهب إِلَى بِلَاد الْهِنْد، وَتعلم أنواعاً من السحر، وصنف كتابا
стр. 173
فِي السحر مَعْرُوفا، وَهُوَ مَوْجُود إِلَى الْيَوْم، وَكَانَت لَهُ أَقْوَال شيطانية، ومخاريق بهتانية.
وَقد جمع الْعلمَاء أخباره فِي كتب كَثِيرَة أرّخوها، الَّذين كَانُوا فِي زَمَنه، وَالَّذين نقلوا عَنْهُم مثل ابْن عَليّ الخُطَبِي ذكره فِي "تَارِيخ بَغْدَاد"، والحافظ أَبُو بكر الْخَطِيب ذكر لَهُ تَرْجَمَة كَبِيرَة فِي "تَارِيخ بَغْدَاد"، وَأَبُو يُوسُف الْقزْوِينِي صنّف مجلدًا فِي أخباره، وَأَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ لَهُ فِيهِ مُصَنف سَمَّاهُ "رفع اللّجاج فِي أَخْبَار الحلاّج"، وَبسط ذكره فِي تَارِيخه.
وَذكر أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ فِي "طَبَقَات الصُّوفِيَّة" أَن كثيرا من الْمَشَايِخ ذموه وأنكروا عَلَيْهِ وَلم يعدّوه من مَشَايِخ الطَّرِيق وَأَكْثَرهم حط عَلَيْهِ،
стр. 174
وَمِمَّنْ ذمه وحطّ عَلَيْهِ أَبُو الْقَاسِم الجُنَيْد، وَلم يقتل فِي حَيَاة الْجُنَيْد، بل قتل بعد موت الْجُنَيْد، فَإِن الْجُنَيْد توفّي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ والحلاج قتل سنة بضع وثلاثمائة.
وَقدمُوا بِهِ إِلَى بَغْدَاد رَاكِبًا عَليّ جمل يُنادى عَلَيْهِ: هَذَا دَاعِي القرامطة، وَأقَام فِي الْحَبْس مُدَّة حَتَّى وُجد من كَلَامه الْكفْر والزندقة واعترف بِهِ، مثل أَنه ذكر فِي كتاب لَهُ: من فَاتَهُ الْحَج فَإِنَّهُ يَبْنِي فِي دَاره بَيْتا وَيَطوف بِهِ، كَمَا يُتَطوف بِالْبَيْتِ، وَيتَصَدَّق على ثَلَاثِينَ يَتِيما بِصَدقَة ذكرهَا، وَقد أَجزَأَهُ ذَلِك عَن الْحَج. فَقَالُوا لَهُ: أَنْت قلت هَذَا؟ قَالَ: نعم. فَقَالُوا لَهُ: وَمن أَيْن لَك هَذَا؟ قَالَ: ذكره الْحسن الْبَصْرِيّ فِي كتاب "الصَّلَاة". فَقَالَ لَهُ القَاضِي أَبُو عمر: تكذب يازنديق، أَنا قَرَأت هَذَا الْكتاب وَلَيْسَ هَذَا فِيهِ. فَطلب مِنْهُم الْوَزير أَن يشْهدُوا بِمَا سَمِعُوهُ، ويفتوا بِمَا يجب عَلَيْهِ، فاتفقوا على وجوب قَتله.
стр. 175
لَكِن الْعلمَاء لَهُم قَولَانِ فِي الزنديق إِذا أظهر التَّوْبَة، هَل تقبل تَوْبَته فَلَا يقتل، أم يقتل لِأَنَّهُ لَا يُعلم صدقه، فَإِنَّهُ مازال يظْهر ذَلِك؟ فَأفْتى طَائِفَة بِأَنَّهُ يُسْتَتَاب فَلَا يقتل، وَأفْتى الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّهُ يقتل وَإِن أظهر التَّوْبَة، فَإِن كَانَ صَادِقا فِي تَوْبَته نَفعه ذَلِك عِنْد الله وَقتل فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ الْحَد تَطْهِيرا لَهُ، كَمَا لَو تَابَ الزَّانِي وَالسَّارِق وَنَحْوهمَا بعد أَن يرفعوا إِلَى الإِمَام، فَإِنَّهُ لابد من إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِم، فَإِنَّهُم إِن كَانُوا صَادِقين كَانَ قَتلهمْ كَفَّارَة لَهُم، وَمن كَانَ كَاذِبًا فِي التَّوْبَة كَانَ قَتله عُقُوبَة لَهُ.
فَإِن كَانَ الحلاج وَقت قَتله تَابَ فِي الْبَاطِن فَإِن الله يَنْفَعهُ بِتِلْكَ التَّوْبَة، وَإِن كَانَ كَاذِبًا فَإِنَّهُ قتل كَافِرًا، وَلما قُتل لم يظْهر لَهُ وَقت الْقَتْل شَيْء من الكرامات، وكل من ذكر أَن دَمه كتب على الأَرْض اسْم الله، أَو أَن دجلة انْقَطع مَاؤُهَا، أَو غير ذَلِك، فَإِنَّهُ كَاذِب، وَهَذِه الْأُمُور لَا يحكيها إِلَّا جَاهِل أَو مُنَافِق، وَإِنَّمَا وَضعهَا الزَّنَادِقَة وأعداء الْإِسْلَام، حَتَّى يَقُول قَائِلهمْ: إِن شرع مُحَمَّد بن عبد الله يقتل أَوْلِيَاء الله حِين يسمعُونَ أَمْثَال هَذِه الهذيانات، وَإِلَّا فقد قتل أَنْبيَاء كَثِيرُونَ وَقتل من أَصْحَابهم وَأَصْحَاب نَبينَا ﷺ وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهم من الصَّالِحين من لَا يحصي عَددهمْ إِلَّا الله، قتلوا بسيوف الْفجار وَالْكفَّار والظلمة وَغَيرهم وَلم يكْتب دم أحدهم اسْم الله، وَالدَّم أَيْضا نجس فَلَا يجوز أَن يكْتب اسْم الله تَعَالَى؛ فَهَل الحلاج خير من هَؤُلَاءِ، وَدَمه أطهر من دِمَائِهِمْ؟!
стр. 176
وَقد جزع وَقت الْقَتْل، وَأظْهر التَّوْبَة وَالسّنة فَلم يُقبل ذَلِك مِنْهُ، وَلَو عَاشَ افْتتن بِهِ كثير من الْجُهَّال، لِأَنَّهُ كَانَ صَاحب خزعبلات بُهتانية، وأحوال شيطانية، وَلِهَذَا إِنَّمَا يعظمه من يعظم الْأَحْوَال الشيطانية، والنفسانية، والبهتانية.
وَأما أَوْلِيَاء الله الْعَالمُونَ بِحَال الحلاج فَلَيْسَ مِنْهُم وَاحِد يعظمه، وَلِهَذَا لم يذكرهُ الْقشيرِي فِي مَشَايِخ رسَالَته، وَإِن كَانَ قد ذكر من كَلَامه كَلِمَات استحسنها.
وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو يَعْقُوب النهرجوري قد زوّجه بابنته فَلَمَّا اطّلع على زندقته نَزعهَا مِنْهُ. وَكَانَ عَمْرو بن عُثْمَان يذكر أَنه كَافِر، وَيَقُول: كنت مَعَه فَسمع قَارِئًا يقْرَأ الْقُرْآن، فَقَالَ: أقدر أَن أصنِّف مثل هَذَا الْقُرْآن، أَو نَحْو هَذَا الْكَلَام.
стр. 177
وَكَانَ يظْهر عِنْد كل قوم مَا يستجلبهم بِهِ إِلَى تَعْظِيمه، فَيظْهر عِنْد أهل السّنة أَنه سني، وَعند أهل الشِّيعَة أَنه شيعي، ويلبس لِبَاس الزهاد تَارَة، ولباس الأجناد تَارَة.
وَكَانَ من مخاريقه أَنه يبْعَث بعض أَصْحَابه إِلَى مَكَان فِي الْبَريَّة يخبأ فِيهِ شَيْئا من الْفَاكِهَة والحلوى، ثمَّ يَجِيء بِجَمَاعَة من أهل الدُّنْيَا إِلَى قريب من ذَلِك الْمَكَان فَيَقُول لَهُم: مَا تشتهون أَن آتيكم بِهِ من هَذِه الْبَريَّة؟ فيشتهي أحدهم فَاكِهَة أَو حلاوة، فَيَقُول: امكثوا. ثمَّ يذهب إِلَى ذَلِك الْمَكَان وَيَأْتِي بِمَا خبئ أَو بِبَعْضِه، فيظن الْحَاضِرُونَ أَن هَذِه كَرَامَة لَهُ.
وَكَانَ صَاحب سيمياء وشياطين تخدمه أَحْيَانًا، كَانُوا مَعَه على جبل أبي قُبَيْس فطلبوا مِنْهُ حلاوة، فَذهب إِلَى مَكَان قريب مِنْهُم وَجَاء بِصَحْنِ حلوى، فكشفوا الْأَمر فوجدوا ذَلِك قد سرق من دكان حلاوي بِالْيمن، حمله شَيْطَان من تِلْكَ الْبقْعَة.
أَخْبَار أُخْرَى عَن بعض أَصْحَاب الْأَحْوَال الشيطانية:
وَمثل هَذَا يحدث كثيرا لغير الحلاج مِمَّن لَهُ حَال شيطاني، وَنحن نَعْرِف كثيرا من هَؤُلَاءِ فِي زَمَاننَا وَغير زَمَاننَا، مثل شخص هُوَ الْآن بِدِمَشْق كَانَ الشَّيْطَان يحملهُ من جبل الصالحية إِلَى قَرْيَة حول دمشق، فَيَجِيء من الْهَوَاء إِلَى طَاقَة الْبَيْت الَّذِي فِيهِ النَّاس فَيدْخل وهم يرونه، وَيَجِيء بِاللَّيْلِ إِلَى (بَاب الصَّغِير) فيعبر مِنْهُ هُوَ ورفيقه، وَهُوَ من أفجر النَّاس.
стр. 178
وَآخر كَانَ بالشَّوْبَك من قَرْيَة يُقَال لَهَا (الشاهدة) يطير فِي الْهَوَاء إِلَى رَأس الْجَبَل وَالنَّاس يرونه، وَكَانَ شَيْطَانه يحملهُ، وَكَانَ يقطع الطَّرِيق؛ وَأَكْثَرهم شُيُوخ الشَّرّ، يُقَال لأَحَدهم البَوْشي أبي الْمُجيب ينصبون لَهُ خركاه فِي لَيْلَة مظْلمَة ويصنعون خبْزًا على سَبِيل القربات، فَلَا يذكرُونَ الله وَلَا يكون عِنْدهم من يذكر الله وَلَا كتاب فِيهِ ذكر الله، ثمَّ يصعد ذَلِك البَوْشي فِي الْهَوَاء وهم يرونه ويسمعون خطابه للشَّيْطَان وخطاب الشَّيْطَان لَهُ، وَمن ضحك أَو سرق من الْخبز ضربه الدُّف وَلَا يرَوْنَ من يضْرب بِهِ. ثمَّ إِن الشَّيْطَان يُخْبِرهُمْ بِبَعْض مَا يسألونه عَنهُ، وَيَأْمُرهُمْ بِأَن يقربُوا لَهُ بقرًا وخيلاً وَغير ذَلِك، وَأَن يخنقوها خنقًا وَلَا يذكرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا، فَإِذا فعلوا قضى حَاجتهم.
وَشَيخ آخر أَخْبرنِي نَفسه أَنه كَانَ يَزْنِي بِالنسَاء ويتلوط بالصبيان الَّذين يُقَال لَهُم "الحوارات"، وَكَانَ يَقُول: يأتيني كلب أسود بَين عَيْنَيْهِ نكتتان بيضاوان، فَيَقُول لي: فلَان ابْن فلَان نذر لَك نذرا وَغدا نَأْتِيك بِهِ، وَأَنا قضيت حَاجته لِأَجلِك، فَيُصْبِح ذَلِك الشَّخْص يَأْتِيهِ بذلك النّذر، ويكاشفه هَذَا الشَّيْخ الْكَافِر.
قَالَ: وَكنت إِذا طُلب مني تَغْيِير مثل اللاَّذَن أَقُول حَتَّى أغيب عَن عَقْلِي وَإِذ باللاذن فِي يَدي أَو فِي فمي، وَأَنا لَا أَدْرِي من وَضعه. قَالَ: وَكنت أَمْشِي وَبَين يَدي عَمُود أسود عَلَيْهِ نور.
стр. 179
فَلَمَّا تَابَ هَذَا الشَّيْخ وَصَارَ يُصَلِّي ويصوم ويجتنب الْمَحَارِم ذهب الْكَلْب الْأسود وَذهب التَّغْيِير فَلَا يَأْتِي بلاذن وَلَا غَيره.
وَشَيخ آخر كَانَ لَهُ شياطين يرسلهم يصرعون بعض النَّاس، فَيَأْتِي أهل ذَلِك المصروع إِلَى الشَّيْخ يطْلبُونَ مِنْهُ إبراءه، فَيُرْسل إِلَى أَتْبَاعه فيفارقون ذَلِك المصروع، ويعطون ذَلِك الشَّيْخ دَرَاهِم كَثِيرَة. وَكَانَ أَحْيَانًا تَأتيه الْجِنّ بِدَرَاهِم وَطَعَام تسرقه من النَّاس، حَتَّى أَن بعض النَّاس كَانَ لَهُ تين فِي كوارة فيطلب الشَّيْخ من شياطينه تينًا فيحضرونه لَهُ، فيطلب أَصْحَاب الكوارة التِّين فوجدوه قد ذهب.
وَآخر كَانَ مشتغلاً بِالْعلمِ وَالْقِرَاءَة فَجَاءَتْهُ الشَّيَاطِين أغوته وَقَالُوا لَهُ: نَحن نسقط عَنْك الصَّلَاة ونحضر لَك مَا تُرِيدُ. فَكَانُوا يأتونه بالحلوى أَو الْفَاكِهَة، حَتَّى حضر عِنْد بعض الشُّيُوخ العارفين بِالسنةِ فاستتابه، وَأعْطى أهل الْحَلَاوَة ثمن حلاوتهم الَّتِي أكلهَا ذَلِك الْمفْتُون بالشيطان.
فَكل من خرج عَن الْكتاب وَالسّنة وَكَانَ لَهُ حَال من مكاشفة أَو تَأْثِير فَإِنَّهُ صَاحب حَال نفساني أَو شيطاني، وَإِن لم يكن لَهُ حَال بل هُوَ يتشبه بأصحاب الْأَحْوَال فَهُوَ صَاحب حَال بهتاني. وَعَامة أَصْحَاب الْأَحْوَال الشيطانية يجمعُونَ بَين الْحَال الشيطاني وَالْحَال البهتاني، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [سُورَة الشُّعَرَاء: ٢٢١] ، ٢٢٢] .
والحلاج كَانَ من أَئِمَّة هَؤُلَاءِ، أهل الْحَال الشيطاني وَالْحَال البهتاني، وَهَؤُلَاء طوائف كَثِيرَة. فأئمة هَؤُلَاءِ هم شُيُوخ الْمُشْركين الَّذين يعْبدُونَ الْأَصْنَام، مثل الْكُهَّان والسحرة الَّذين كَانُوا للْعَرَب الْمُشْركين، وَمثل الْكُهَّان والسحرة الَّذين هم بِأَرْض الْهِنْد وَالتّرْك وَغَيرهم. وَمن هَؤُلَاءِ من إِذا مَاتَ لَهُم ميت يَعْتَقِدُونَ أَنه يَجِيء بعد الْمَوْت يكلمهم وَيَقْضِي دُيُونه وَيرد ودائعه ويوصيهم بوصايا، فَإِنَّهُم
стр. 180
تأتيهم تِلْكَ الصُّورَة الَّتِي كَانَت فِي الْحَيَاة، وَهُوَ شَيْطَان تمثل فِي صورته فيظنونه إِيَّاه.
وَكثير مِمَّن يستغيث بالمشائخ فَيَقُول: يَا سَيِّدي فلَان، أَو: يَا شيخ فلَان اقْضِ حَاجَتي، فَيرى صُورَة ذَلِك الشَّيْخ يخاطبه وَيَقُول: أَنا أَقْْضِي حَاجَتك، أَو أطيب قَلْبك، فَيَقْضِي حَاجته أَو يدْفع عَنهُ عدوه، وَيكون ذَلِك شَيْطَانا قد تمثل فِي صورته لمّا أشرك بِاللَّه فدعى غَيره.
وَأَنا أعرف من هَذَا وقائع مُتعَدِّدَة، حَتَّى أَن طَائِفَة من أَصْحَابِي ذكرُوا أَنهم اسْتَغَاثُوا بِي فِي شَدَائِد أَصَابَتْهُم، أحدهم كَانَ خَائفًا من الأرمن، وَالْآخر كَانَ خَائفًا من التتر، فَذكر كل مِنْهُم أَنه لما اسْتَغَاثَ بِي رَآنِي فِي الْهَوَاء وَقد دفعت عَنهُ عدوه، فَأَخْبَرتهمْ أَنِّي لم أشعر بِهَذَا، وَلَا دفعت عَنْكُم شَيْئا، وَإِنَّمَا هَذَا شَيْطَان تمثل لأَحَدهم فأغواه لما أشرك بِاللَّه تَعَالَى.
وَهَكَذَا جرى لغير وَاحِد من أَصْحَابنَا الْمَشَايِخ مَعَ أَصْحَابهم، يستغيث أحدهم بالشيخ، فَيرى الشَّيْخ قد جَاءَ وَقضى حَاجته، وَيَقُول ذَلِك الشَّيْخ: إِنِّي لم أعلم بِهَذَا، فيتبين أَن ذَلِك كَانَ شَيْطَانا.
وَقد قلت لبَعض أَصْحَابنَا لما ذكر لي أَنه اسْتَغَاثَ بِاثْنَيْنِ كَانَ يعتقدهما وأنهما أَتَيَاهُ فِي الْهَوَاء وَقَالا لَهُ: طيِّب قَلْبك نَحن ندفع عَنْك هَؤُلَاءِ ونفعل ونصنع. قلت لَهُ: فَهَل كَانَ من ذَلِك شَيْء؟ فَقَالَ: لَا. فَكَانَ هَذَا مِمَّا دلّه على أَنَّهُمَا شيطانان، فَإِن الشَّيَاطِين وَإِن كَانُوا يخبرون الْإِنْسَان بقضية أَو قصَّة فِيهَا صدق فَإِنَّهُم يكذبُون أَضْعَاف ذَلِك، كَمَا كَانَت الْجِنّ يخبرون الْكُهَّان.
وَلِهَذَا من اعْتمد على مكاشفته الَّتِي هِيَ من أَخْبَار الْجِنّ كَانَ كذبه أَكثر من صدقه؛ كشيخ كَانَ يُقَال لَهُ الشياح توّبناه وجدّدنا إِسْلَامه، كَانَ لَهُ قرين
следующие страницы →