Полный текст (666 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَقد جزع وَقت الْقَتْل، وَأظْهر التَّوْبَة وَالسّنة فَلم يُقبل ذَلِك مِنْهُ، وَلَو عَاشَ افْتتن بِهِ كثير من الْجُهَّال، لِأَنَّهُ كَانَ صَاحب خزعبلات بُهتانية، وأحوال شيطانية، وَلِهَذَا إِنَّمَا يعظمه من يعظم الْأَحْوَال الشيطانية، والنفسانية، والبهتانية.
وَأما أَوْلِيَاء الله الْعَالمُونَ بِحَال الحلاج فَلَيْسَ مِنْهُم وَاحِد يعظمه، وَلِهَذَا لم يذكرهُ الْقشيرِي فِي مَشَايِخ رسَالَته، وَإِن كَانَ قد ذكر من كَلَامه كَلِمَات استحسنها.
وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو يَعْقُوب النهرجوري قد زوّجه بابنته فَلَمَّا اطّلع على زندقته نَزعهَا مِنْهُ. وَكَانَ عَمْرو بن عُثْمَان يذكر أَنه كَافِر، وَيَقُول: كنت مَعَه فَسمع قَارِئًا يقْرَأ الْقُرْآن، فَقَالَ: أقدر أَن أصنِّف مثل هَذَا الْقُرْآن، أَو نَحْو هَذَا الْكَلَام.
стр. 177
وَكَانَ يظْهر عِنْد كل قوم مَا يستجلبهم بِهِ إِلَى تَعْظِيمه، فَيظْهر عِنْد أهل السّنة أَنه سني، وَعند أهل الشِّيعَة أَنه شيعي، ويلبس لِبَاس الزهاد تَارَة، ولباس الأجناد تَارَة.
وَكَانَ من مخاريقه أَنه يبْعَث بعض أَصْحَابه إِلَى مَكَان فِي الْبَريَّة يخبأ فِيهِ شَيْئا من الْفَاكِهَة والحلوى، ثمَّ يَجِيء بِجَمَاعَة من أهل الدُّنْيَا إِلَى قريب من ذَلِك الْمَكَان فَيَقُول لَهُم: مَا تشتهون أَن آتيكم بِهِ من هَذِه الْبَريَّة؟ فيشتهي أحدهم فَاكِهَة أَو حلاوة، فَيَقُول: امكثوا. ثمَّ يذهب إِلَى ذَلِك الْمَكَان وَيَأْتِي بِمَا خبئ أَو بِبَعْضِه، فيظن الْحَاضِرُونَ أَن هَذِه كَرَامَة لَهُ.
وَكَانَ صَاحب سيمياء وشياطين تخدمه أَحْيَانًا، كَانُوا مَعَه على جبل أبي قُبَيْس فطلبوا مِنْهُ حلاوة، فَذهب إِلَى مَكَان قريب مِنْهُم وَجَاء بِصَحْنِ حلوى، فكشفوا الْأَمر فوجدوا ذَلِك قد سرق من دكان حلاوي بِالْيمن، حمله شَيْطَان من تِلْكَ الْبقْعَة.
أَخْبَار أُخْرَى عَن بعض أَصْحَاب الْأَحْوَال الشيطانية:
وَمثل هَذَا يحدث كثيرا لغير الحلاج مِمَّن لَهُ حَال شيطاني، وَنحن نَعْرِف كثيرا من هَؤُلَاءِ فِي زَمَاننَا وَغير زَمَاننَا، مثل شخص هُوَ الْآن بِدِمَشْق كَانَ الشَّيْطَان يحملهُ من جبل الصالحية إِلَى قَرْيَة حول دمشق، فَيَجِيء من الْهَوَاء إِلَى طَاقَة الْبَيْت الَّذِي فِيهِ النَّاس فَيدْخل وهم يرونه، وَيَجِيء بِاللَّيْلِ إِلَى (بَاب الصَّغِير) فيعبر مِنْهُ هُوَ ورفيقه، وَهُوَ من أفجر النَّاس.
стр. 178
وَآخر كَانَ بالشَّوْبَك من قَرْيَة يُقَال لَهَا (الشاهدة) يطير فِي الْهَوَاء إِلَى رَأس الْجَبَل وَالنَّاس يرونه، وَكَانَ شَيْطَانه يحملهُ، وَكَانَ يقطع الطَّرِيق؛ وَأَكْثَرهم شُيُوخ الشَّرّ، يُقَال لأَحَدهم البَوْشي أبي الْمُجيب ينصبون لَهُ خركاه فِي لَيْلَة مظْلمَة ويصنعون خبْزًا على سَبِيل القربات، فَلَا يذكرُونَ الله وَلَا يكون عِنْدهم من يذكر الله وَلَا كتاب فِيهِ ذكر الله، ثمَّ يصعد ذَلِك البَوْشي فِي الْهَوَاء وهم يرونه ويسمعون خطابه للشَّيْطَان وخطاب الشَّيْطَان لَهُ، وَمن ضحك أَو سرق من الْخبز ضربه الدُّف وَلَا يرَوْنَ من يضْرب بِهِ. ثمَّ إِن الشَّيْطَان يُخْبِرهُمْ بِبَعْض مَا يسألونه عَنهُ، وَيَأْمُرهُمْ بِأَن يقربُوا لَهُ بقرًا وخيلاً وَغير ذَلِك، وَأَن يخنقوها خنقًا وَلَا يذكرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا، فَإِذا فعلوا قضى حَاجتهم.
وَشَيخ آخر أَخْبرنِي نَفسه أَنه كَانَ يَزْنِي بِالنسَاء ويتلوط بالصبيان الَّذين يُقَال لَهُم "الحوارات"، وَكَانَ يَقُول: يأتيني كلب أسود بَين عَيْنَيْهِ نكتتان بيضاوان، فَيَقُول لي: فلَان ابْن فلَان نذر لَك نذرا وَغدا نَأْتِيك بِهِ، وَأَنا قضيت حَاجته لِأَجلِك، فَيُصْبِح ذَلِك الشَّخْص يَأْتِيهِ بذلك النّذر، ويكاشفه هَذَا الشَّيْخ الْكَافِر.
قَالَ: وَكنت إِذا طُلب مني تَغْيِير مثل اللاَّذَن أَقُول حَتَّى أغيب عَن عَقْلِي وَإِذ باللاذن فِي يَدي أَو فِي فمي، وَأَنا لَا أَدْرِي من وَضعه. قَالَ: وَكنت أَمْشِي وَبَين يَدي عَمُود أسود عَلَيْهِ نور.
стр. 179
فَلَمَّا تَابَ هَذَا الشَّيْخ وَصَارَ يُصَلِّي ويصوم ويجتنب الْمَحَارِم ذهب الْكَلْب الْأسود وَذهب التَّغْيِير فَلَا يَأْتِي بلاذن وَلَا غَيره.
وَشَيخ آخر كَانَ لَهُ شياطين يرسلهم يصرعون بعض النَّاس، فَيَأْتِي أهل ذَلِك المصروع إِلَى الشَّيْخ يطْلبُونَ مِنْهُ إبراءه، فَيُرْسل إِلَى أَتْبَاعه فيفارقون ذَلِك المصروع، ويعطون ذَلِك الشَّيْخ دَرَاهِم كَثِيرَة. وَكَانَ أَحْيَانًا تَأتيه الْجِنّ بِدَرَاهِم وَطَعَام تسرقه من النَّاس، حَتَّى أَن بعض النَّاس كَانَ لَهُ تين فِي كوارة فيطلب الشَّيْخ من شياطينه تينًا فيحضرونه لَهُ، فيطلب أَصْحَاب الكوارة التِّين فوجدوه قد ذهب.
وَآخر كَانَ مشتغلاً بِالْعلمِ وَالْقِرَاءَة فَجَاءَتْهُ الشَّيَاطِين أغوته وَقَالُوا لَهُ: نَحن نسقط عَنْك الصَّلَاة ونحضر لَك مَا تُرِيدُ. فَكَانُوا يأتونه بالحلوى أَو الْفَاكِهَة، حَتَّى حضر عِنْد بعض الشُّيُوخ العارفين بِالسنةِ فاستتابه، وَأعْطى أهل الْحَلَاوَة ثمن حلاوتهم الَّتِي أكلهَا ذَلِك الْمفْتُون بالشيطان.
فَكل من خرج عَن الْكتاب وَالسّنة وَكَانَ لَهُ حَال من مكاشفة أَو تَأْثِير فَإِنَّهُ صَاحب حَال نفساني أَو شيطاني، وَإِن لم يكن لَهُ حَال بل هُوَ يتشبه بأصحاب الْأَحْوَال فَهُوَ صَاحب حَال بهتاني. وَعَامة أَصْحَاب الْأَحْوَال الشيطانية يجمعُونَ بَين الْحَال الشيطاني وَالْحَال البهتاني، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [سُورَة الشُّعَرَاء: ٢٢١] ، ٢٢٢] .
والحلاج كَانَ من أَئِمَّة هَؤُلَاءِ، أهل الْحَال الشيطاني وَالْحَال البهتاني، وَهَؤُلَاء طوائف كَثِيرَة. فأئمة هَؤُلَاءِ هم شُيُوخ الْمُشْركين الَّذين يعْبدُونَ الْأَصْنَام، مثل الْكُهَّان والسحرة الَّذين كَانُوا للْعَرَب الْمُشْركين، وَمثل الْكُهَّان والسحرة الَّذين هم بِأَرْض الْهِنْد وَالتّرْك وَغَيرهم. وَمن هَؤُلَاءِ من إِذا مَاتَ لَهُم ميت يَعْتَقِدُونَ أَنه يَجِيء بعد الْمَوْت يكلمهم وَيَقْضِي دُيُونه وَيرد ودائعه ويوصيهم بوصايا، فَإِنَّهُم
стр. 180
تأتيهم تِلْكَ الصُّورَة الَّتِي كَانَت فِي الْحَيَاة، وَهُوَ شَيْطَان تمثل فِي صورته فيظنونه إِيَّاه.
وَكثير مِمَّن يستغيث بالمشائخ فَيَقُول: يَا سَيِّدي فلَان، أَو: يَا شيخ فلَان اقْضِ حَاجَتي، فَيرى صُورَة ذَلِك الشَّيْخ يخاطبه وَيَقُول: أَنا أَقْْضِي حَاجَتك، أَو أطيب قَلْبك، فَيَقْضِي حَاجته أَو يدْفع عَنهُ عدوه، وَيكون ذَلِك شَيْطَانا قد تمثل فِي صورته لمّا أشرك بِاللَّه فدعى غَيره.
وَأَنا أعرف من هَذَا وقائع مُتعَدِّدَة، حَتَّى أَن طَائِفَة من أَصْحَابِي ذكرُوا أَنهم اسْتَغَاثُوا بِي فِي شَدَائِد أَصَابَتْهُم، أحدهم كَانَ خَائفًا من الأرمن، وَالْآخر كَانَ خَائفًا من التتر، فَذكر كل مِنْهُم أَنه لما اسْتَغَاثَ بِي رَآنِي فِي الْهَوَاء وَقد دفعت عَنهُ عدوه، فَأَخْبَرتهمْ أَنِّي لم أشعر بِهَذَا، وَلَا دفعت عَنْكُم شَيْئا، وَإِنَّمَا هَذَا شَيْطَان تمثل لأَحَدهم فأغواه لما أشرك بِاللَّه تَعَالَى.
وَهَكَذَا جرى لغير وَاحِد من أَصْحَابنَا الْمَشَايِخ مَعَ أَصْحَابهم، يستغيث أحدهم بالشيخ، فَيرى الشَّيْخ قد جَاءَ وَقضى حَاجته، وَيَقُول ذَلِك الشَّيْخ: إِنِّي لم أعلم بِهَذَا، فيتبين أَن ذَلِك كَانَ شَيْطَانا.
وَقد قلت لبَعض أَصْحَابنَا لما ذكر لي أَنه اسْتَغَاثَ بِاثْنَيْنِ كَانَ يعتقدهما وأنهما أَتَيَاهُ فِي الْهَوَاء وَقَالا لَهُ: طيِّب قَلْبك نَحن ندفع عَنْك هَؤُلَاءِ ونفعل ونصنع. قلت لَهُ: فَهَل كَانَ من ذَلِك شَيْء؟ فَقَالَ: لَا. فَكَانَ هَذَا مِمَّا دلّه على أَنَّهُمَا شيطانان، فَإِن الشَّيَاطِين وَإِن كَانُوا يخبرون الْإِنْسَان بقضية أَو قصَّة فِيهَا صدق فَإِنَّهُم يكذبُون أَضْعَاف ذَلِك، كَمَا كَانَت الْجِنّ يخبرون الْكُهَّان.
وَلِهَذَا من اعْتمد على مكاشفته الَّتِي هِيَ من أَخْبَار الْجِنّ كَانَ كذبه أَكثر من صدقه؛ كشيخ كَانَ يُقَال لَهُ الشياح توّبناه وجدّدنا إِسْلَامه، كَانَ لَهُ قرين
стр. 181
من الْجِنّ يُقَال لَهُ "عنتر" يُخبرهُ بأَشْيَاء فَيصدق تَارَة ويكذب تَارَة، فَلَمَّا ذكرت لَهُ: إِنَّك تعبد شَيْطَانا من دون الله، اعْترف بِأَنَّهُ يَقُول لَهُ: يَا عنتر لَا سُبْحَانَكَ إِنَّك إِلَه قذر، وَتَابَ من ذَلِك فِي قصَّة مَشْهُورَة.
وَقد قتل سيف الشَّرْع من قتل من هَؤُلَاءِ مثل الشَّخْص الَّذِي قَتَلْنَاهُ سنة خمس عشرَة، وَكَانَ لَهُ قرين يَأْتِيهِ ويكاشفه فَيصدق تَارَة ويكذب تَارَة، وَكَانَ قد انْقَادَ لَهُ طَائِفَة من المنسوبين إِلَى أهل الْعلم والرئاسة فيكاشفهم حَتَّى كشف الله أمره، وَذَلِكَ أَن القرين كَانَ تَارَة يَقُول: أَنا رَسُول الله، وَيذكر أَشْيَاء تنَافِي حَال الرَّسُول، فشُهد عَلَيْهِ أَنه قَالَ: إِن الرَّسُول يأتيني وَيَقُول لي كَذَا وَكَذَا، من الْأُمُور الَّتِي يكفر من أضافها إِلَى الرَّسُول. فَذكرت لولاة الْأُمُور أَن هَذَا من جنس الْكُهَّان، وَأَن الَّذِي يرَاهُ شَيْطَان، وَلِهَذَا لَا يَأْتِيهِ فِي الصُّورَة الْمَعْرُوفَة للنَّبِي ﷺ بل يَأْتِيهِ فِي صُورَة مُنكرَة، وَيذكر عَنهُ أَنه يخضع لَهُ ويبيح لَهُ أَن يتَنَاوَل الْمُنكر وأمورًا أُخْرَى، وَكَانَ كثيرا من النَّاس يظنون أَنه كَاذِب فِيمَا يخبر بِهِ من الرُّؤْيَة، وَلم يكن كَاذِبًا فِي أَنه رأى تِلْكَ الصُّورَة، لَكِن كَانَ كَافِرًا فِي اعْتِقَاده أَن ذَلِك رَسُول الله، وَمثل هَذَا كثير.
وَلِهَذَا تحصل لَهُم تنزّلات شيطانية بِحَسب مَا فَعَلُوهُ من مُرَاد الشَّيْطَان، فَكلما بعدوا عَن الله وَرَسُوله ﷺ وَطَرِيق الْمُؤمنِينَ قربوا من الشَّيْطَان، فيطيرون فِي الْهَوَاء والشيطان طَار بهم، وَمِنْهُم من يصرع الْحَاضِرين وشياطينه صرعتهم، وَمِنْهُم من يحضر طَعَاما وإدامًا ويملأ الإبريق مَاء من الْهَوَاء، وَالشَّيَاطِين فعلت ذَلِك، فيحسب الجاهلون أَن هَذِه كرامات أَوْلِيَاء الله الْمُتَّقِينَ، وَإِنَّمَا هِيَ من جنس أَحْوَال السَّحَرَة والكهنة وأمثالهم.
стр. 182
وَمن لم يُمَيّز بَين الْأَحْوَال الرحمانية والنفسانية اشْتبهَ عَلَيْهِ الْحق بِالْبَاطِلِ، وَمن لم ينوِّر الله قلبه بحقائق الْإِيمَان وَاتِّبَاع الْقُرْآن لم يعرف طَرِيق المحق من الْمُبْطل، والتبس عَلَيْهِ الْأَمر وَالْحَال، كَمَا الْتبس على النَّاس حَال مُسَيْلمَة صَاحب الْيَمَامَة وَغَيره من الْكَذَّابين فِي زعمهم أَنهم أَنْبيَاء وَإِنَّمَا هم كذابون.
إِخْبَار النَّبِي ﷺ عَن الدجالين والدجال الْكَبِير:
وَقد قَالَ ﷺ : "لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يكون فِيكُم ثَلَاثُونَ دجالون كذابون كلهم يزْعم أَنه رَسُول الله".
وَأعظم الدجاجلة فتْنَة الدَّجَّال الْكَبِير الَّذِي يقْتله عيسي بن مَرْيَم، فَإِنَّهُ مَا خَلق الله من لدن آدم إِلَى قيام السَّاعَة أعظم من فتنته، وَأمر الْمُسلمين أَن يستعيذوا من فتنته فِي صلَاتهم. وَقد ثَبت أَنه يَقُول للسماء: أمطري،
стр. 183
فتمطر، وللأرض: أنبتي فتنبت، وَأَنه يقتل رجلا مُؤمنا ثمَّ يَقُول: قُم، فَيقوم، فَيَقُول: أَنا رَبك، فَيَقُول لَهُ: كذبت بل أَنْت الْأَعْوَر الْكذَّاب الَّذِي أخبرنَا عَنهُ رَسُول الله ﷺ ، وَالله مَا ازددت فِيك إِلَّا بَصِيرَة. فيقتله مرَّتَيْنِ وَيُرِيد أَن يقْتله فِي الثَّالِثَة فَلَا يُسلّط عَلَيْهِ، وَهُوَ يَدعِي الإلهية.
وَقد بَين لَهُ النَّبِي ﷺ ثَلَاث عَلَامَات تنَافِي مَا يَدعِيهِ، أَحدهَا: أَنه أَعور وَإِن ربكُم لَيْسَ بأعور. وَالثَّانيَِة: أَنه مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ "كَافِر" يَقْرَؤُهُ كل مُؤمن قَارِئ وَغير قَارِئ. وَالثَّالِثَة: قَوْله: "وَاعْلَمُوا أَن أحدكُم لَا يرى ربه حَتَّى يَمُوت".
فَهَذَا هُوَ الدَّجَّال الْكَبِير، ودونه دجاجلة: مِنْهُم من يَدعِي النُّبُوَّة، وَمِنْهُم من يكذب بِغَيْر ادِّعَاء النُّبُوَّة، كَمَا قَالَ ﷺ : "يكون فِي آخر الزَّمَان
стр. 184
دجالون كذابون يحدثونكم بِمَا لم تسمعوا أَنْتُم وَلَا آباؤكم، فإياكم وإياهم".
كَانَ الحلاج دجالًا وَوَجَب قَتله:
فالحلاج كَانَ من الدجاجلة بِلَا ريب، وَلَكِن إِذا قيل: هَل تَابَ قبل الْمَوْت، أم لَا؟ قَالَ: الله أعلم، فَلَا يَقُول مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم؛ وَلَكِن ظهر عَنهُ من الْأَقْوَال والأعمال مَا أوجب كفره وَقَتله بِاتِّفَاق الْمُسلمين، وَالله أعلم.
стр. 185
رِسَالَة فِي الرَّد على ابْن عَرَبِيّ فِي دَعْوَى إِيمَان فِرْعَوْن
стр. 186
هَذَا سُؤال أجَاب عَنهُ الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الأوحد، شيخ الْإِسْلَام، تَقِيّ الدَّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام بن عبد الله بن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِه التَّوْفِيق
الْحَمد لله رب الْعَالمين، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم.
نَص السُّؤَال:
مَا تَقول السَّادة الْعلمَاء ﵃ فِي قَول فِرْعَوْن عِنْد الْغَرق: ﴿آمَنت أَنه لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي آمَنت بِهِ بَنو إِسْرَائِيل وَأَنا من الْمُسلمين﴾ [سُورَة يُونُس: ٩٠] هَل فِيهِ دَلِيل على إيمَانه وإسلامه؟ أَو هَل يُوجد فِي الْقُرْآن أَو السّنة أَو الْقيَاس دَلِيل على إيمَانه أَو إِسْلَامه؟ وَمَا يجب على من يَقُول: إِنَّه مَاتَ مُؤمنا، وَالْحَالة هَذِه؟
﴿الْجَواب﴾
الْحَمد لله.
فِرْعَوْن من أعظم الْخلق كفرا:
كفر فِرْعَوْن، وَمَوته كَافِرًا، وَكَونه من أهل النَّار هُوَ مِمَّا علم بالاضطرار من دين الْمُسلمين، بل وَمن دين الْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَإِن أهل الْملَل الثَّلَاثَة متفقون على أَنه من أعظم الْخلق كفرا، وَلِهَذَا لم يذكر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن قصَّة كَافِر كَمَا ذكر قصَّته فِي بسطها وتثنيتها، وَلَا ذكر عَن كَافِر من الْكفْر أعظم مِمَّا ذكر من كفره واجترائه وَكَونه أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة.
وَلِهَذَا كَانَ الْمُسلمُونَ متفقين على أَن من توقف فِي كفره وَكَونه من
стр. 187
أهل النَّار فَإِنَّهُ يجب أَن يُسْتَتَاب، فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل كَافِرًا مُرْتَدا، فضلا عَمَّن يَقُول إِنَّه مَاتَ مُؤمنا.
لَا يُصَرح بِمَوْتِهِ مُؤمنا إِلَّا من فِيهِ نفاق وزندقة كالاتحادية:
وَالشَّكّ فِي كفره أَو نَفْيه أعظم مِنْهُ فِي كفر أبي لَهب وَنَحْوه، وَأعظم من ذَلِك فِي أبي جهل وَعقبَة بن أبي معيط وَالنضْر بن الْحَارِث وَنَحْوهم مِمَّن تَوَاتر كفرهم وَلم يذكر باسمه فِي الْقُرْآن، وَإِنَّمَا ذكر مَا ذكر من أَعْمَالهم، وَلِهَذَا لم يظْهر عَن أحد بالتصريح بِأَنَّهُ مَاتَ مُؤمنا إِلَّا عَمَّن فِيهِ من النِّفَاق والزندقة أَو التَّقْلِيد للزنادقة وَالْمُنَافِقِينَ مَا هُوَ أعظم من ذَلِك، كالإتحادية الَّذين يَقُولُونَ: إِن وجود الْخَالِق هُوَ وجود الْخلق، حَتَّى يصرحون بِأَن يَغُوث ويعوق ونسرا وَغَيرهَا من الْأَصْنَام هِيَ وجودهَا وجود الله، وَأَنَّهَا عبدت بِحَق، وَكَذَلِكَ الْعجل عبد بِحَق، وَأَن مُوسَى أنكر على هَارُون من نَهْيه عَن عبَادَة الْعجل، وَأَن فِرْعَوْن كَانَ صَادِقا فِي قَوْله: أَنا ربكُم الْأَعْلَى، وَأَنه عين الْحق، وَأَن العَبْد إِذا دَعَا الله تَعَالَى فعين الدَّاعِي عين الْمُجيب، وَأَن الْعَالم هويته، لَيْسَ وَرَاء الْعَالم وجود أصلا.
وَمَعْلُوم أَن هَذَا بِعَيْنِه هُوَ حَقِيقَة قَول فِرْعَوْن الَّذِي قَالَ: ﴿يَا هامان
стр. 188
ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب * أَسبَاب السَّمَوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ [سُورَة غَافِر: ٣٥]-٣٦] .
وَلَقَد خاطبت بعض الْفُضَلَاء مرّة بِحَقِيقَة مَذْهَبهم، وَأَنه حَقِيقَة قَول فِرْعَوْن فَذكر لي رَئِيس من رُؤَسَائِهِمْ أَنه لما دَعَاهُ إِلَى هَذَا القَوْل وَبَينه قَالَ: قلت لَهُ: هَذَا قَول فِرْعَوْن. فَقَالَ لَهُ: وَنحن على قَول فِرْعَوْن؛ وَمَا كنت أَظن أَنهم يقرونَ أَو يعترفون بِأَنَّهُم على قَول فِرْعَوْن. قَالَ: إِنَّمَا قلت ذَلِك اسْتِدْلَالا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِك، قلت لَهُ: مَعَ إِقْرَار الْخصم لَا يحْتَاج إِلَى بَيِّنَة.
تَفْضِيل الاتحادية الْوَلِيّ على النَّبِي وَالرَّسُول:
وهم مَعَ هَذَا الْكفْر والتعطيل الَّذِي هُوَ شَرّ من قَول الْيَهُود وَالنَّصَارَى، يدعونَ أَن هَذَا الْعلم لَيْسَ إِلَّا لخاتم الرُّسُل وَخَاتم الْأَوْلِيَاء الَّذِي يَدعُونَهُ، وَأَن خَاتم الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا يرى هَذَا الْعلم من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء، وَأَن خَاتم الْأَوْلِيَاء يَأْخُذ من الْمَعْدن الَّذِي يَأْخُذ مِنْهُ الْملك الَّذِي يُوحى بِهِ إِلَى خَاتم الْأَنْبِيَاء، وَهُوَ فِي الشَّرْع مَعَ مُوَافَقَته لَهُ فِي الظَّاهِر مشكاة لَهُ فِي الْبَاطِن، وَلَا يحْتَاج أَن يكون مُتبعا للرسول لَا فِي الظَّاهِر وَلَا فِي الْبَاطِن.
وَهَذَا -مَعَ أَنه من أقبح الْكفْر وأخبثه- فَهُوَ من أفسد الْأَشْيَاء فِي الْعقل، كَمَا يُقَال لمن قَالَ: "فَخر عَلَيْهِم السّقف من تَحْتهم": لَا عقل وَلَا قُرْآن؛
стр. 189
لِأَن الخرور لَا يكون من أَسْفَل، وَكَذَلِكَ الاستفادة، إِنَّمَا يَسْتَفِيد الْمُتَأَخر من الْمُتَقَدّم.
ثمَّ خَاتم الْأَوْلِيَاء الَّذين يَدعُونَهُمْ، ضلالهم فِيهِ من وُجُوه، حَيْثُ ظنُّوا أَن للأولياء خَاتمًا، وَأَن يكون أفضلهم قِيَاسا على خَاتم الْأَنْبِيَاء، وَلم يعلمُوا أَن أفضل الْأَوْلِيَاء من هَذِه الْأمة أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي، وهم السالفون من الْأَوْلِيَاء لَا الْآخرُونَ، إِذْ فضل الْأَوْلِيَاء على قدر اتباعهم للأنبياء واستفادتهم مِنْهُم علما وَعَملا.
وَهَؤُلَاء الْمَلَاحِدَة يدعونَ أَن الْوَلِيّ يَأْخُذ من الله بِلَا وَاسِطَة، وَالنَّبِيّ يَأْخُذ بِوَاسِطَة، وَهَذَا جهل مِنْهُم، فَإِن الْوَلِيّ عَلَيْهِ أَن يتبع النَّبِي، ويعرض كل مَا لَهُ من محادثة وإلهام على مَا جَاءَ بِهِ النَّبِي، فَإِن وَافقه وَإِلَّا رده، إِذْ لَيْسَ هُوَ بمعصوم فِيمَا يقْضِي لَهُ.
وَقد يلبسُونَ على بعض النَّاس بدعواهم أَن ولَايَة النَّبِي أفضل من نبوته، وَهَذَا مَعَ أَنه ضلال فَلَيْسَ هُوَ مقصودهم، فهم مَعَ ضلالهم فِيمَا ظنوه من خَاتم الْأَوْلِيَاء ومرتبته يَخْتَلِفُونَ فِي عينه بِحَسب الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس،
стр. 190
لتنازعهم فِي تعْيين القطب الْفَرد الْغَوْث الْجَامِع، وَنَحْو ذَلِك من الْمَرَاتِب الَّتِي يدعونها، وَهِي مَعْلُومَة الْبطلَان بِالشَّرْعِ وَالْعقل. ثمَّ يتنازعون فِي عين الْمَوْصُوف بهَا، وَهَذَا بَاب وَاسع.
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن هَؤُلَاءِ الاتحادية من أَتبَاع صَاحب "فصوص الحكم" وَصَاحب "الفتوحات المكية" وَنَحْوهم، هم الَّذين يعظمون فِرْعَوْن، وَيدعونَ أَنه مَاتَ مُؤمنا، وَأَن تغريقه كَانَ بِمَنْزِلَة غسل الْكَافِر إِذا أسلم، وَيَقُولُونَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآن مَا يدل على كفره، ويحتجون على إيمَانه بقوله: ﴿حَتَّى إِذا أدْركهُ الْغَرق قَالَ آمَنت أَنه لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي آمَنت بِهِ بَنو إِسْرَائِيل وَأَنا من الْمُسلمين﴾ [سُورَة يُونُس: ٩٠] .
بطلَان حجتهم على إِيمَان فِرْعَوْن:
وَتَمام الْقِصَّة تبين ضلالهم، فَإِنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿آلآن وَقد عصيت قبل وَكنت من المفسدين﴾ [سُورَة يُونُس: ٩١] ، وَهَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وذم، وَلَو كَانَ إيمَانه صَحِيحا مَقْبُولًا لما قيل لَهُ ذَلِك.
وَقد قَالَ مُوسَى ﵇: ﴿رَبنَا إِنَّك آتيت فِرْعَوْن وملأه زِينَة وأموالا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا رَبنَا ليضلوا عَن سَبِيلك رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم فَلَا يُؤمنُوا حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم﴾ [سُورَة يُونُس: ٨٨] .
стр. 191
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ [سُورَة يُونُس: ٨٩] ، فَاسْتَجَاب الله دَعْوَة مُوسَى وَهَارُون، فَإِن مُوسَى كَانَ يَدْعُو وَهَارُون يؤمّن أَن فِرْعَوْن وملأه لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم.
وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم كَانُوا أَكثر مِنْهُم وَأَشد قُوَّة وآثارا فِي الأَرْض فَمَا أغْنى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فرحوا بِمَا عِنْدهم من الْعلم وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون * فَلَمَّا رَأَوْا بأسنا قَالُوا آمنا بِاللَّه وَحده وكفرنا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكين * فَلم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم لما رَأَوْا بأسنا سنة الله الَّتِي قد خلت فِي عباده وخسر هُنَالك الْكَافِرُونَ﴾ [سُورَة غَافِر: ٨٢]- ٨٥] ، فَأخْبر أَن الْكفَّار لم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم حِين رَأَوْا الْبَأْس، وَأخْبر أَن هَذِه سنته الَّتِي قد خلت فِي عباده، ليبين أَن هَذِه عَادَته سُبْحَانَهُ فِي الْمُسْتَقْدِمِينَ والمستأخرين، كَمَا قَالَ : ﴿وَلَيْسَت التَّوْبَة للَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذا حضر أحدهم الْمَوْت قَالَ إِنِّي تبت الْآن وَلَا الَّذين يموتون وهم كفار﴾ [سُورَة النِّسَاء: ١٨] .
ثمَّ إِنَّه قَالَ بعد قَوْله: ﴿آلآن وَقد عصيت قبل وَكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتَكون لمن خَلفك آيَة﴾ [سُورَة يُونُس: ٩١]- ٩٢] ، فَجعله الله تَعَالَى عِبْرَة وعلامة لمن يكون بعده من الْأُمَم لينظروا عَاقِبَة من كفر بِاللَّه تَعَالَى، وَلِهَذَا ذكر الله تَعَالَى الِاعْتِبَار بِقصَّة فِرْعَوْن وَقَومه فِي غير مَوضِع.
وَقد قَالَ : ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وَأَصْحَاب الرس وَثَمُود * وَعَاد وَفرْعَوْن وإخوان لوط * وَأَصْحَاب الأيكة وَقوم
стр. 192
تبع كل كذب الرُّسُل فَحق وَعِيد﴾ [سُورَة ق: ١٢]- ١٤] ، فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، فِرْعَوْن وَغَيره، كذب الرُّسُل كلهم، إِذْ لم يُؤمنُوا بِبَعْض ويكفروا بِبَعْض كاليهود وَالنَّصَارَى، بل كذبُوا الْجَمِيع، وَهَذَا أعظم أَنْوَاع الْكفْر، فَكل من كذب رَسُولا فقد كفر، وَمن لم يصدقهُ وَلم يكذبهُ فقد كفر؛ فَكل مكذب للرسول كَافِر بِهِ، وَلَيْسَ كل كَافِر مُكَذبا بِهِ، إِذْ قد يكون شاكا فِي رسَالَته، أَو عَالما بصدقه لكنه يحملهُ الْحَسَد أَو الْكبر على أَلا يصدقهُ، وَقد يكون مشتغلا بهواه عَن اسْتِمَاع رسَالَته والإصغاء إِلَيْهِ؛ فَمن وصف بالْكفْر الْخَاص الأشد، كَيفَ لَا يدْخل فِي الْكفْر؟!
وَلَكِن ضلالهم فِي هَذَا نَظِير ضلالهم فِي قَوْله:
مقَام النُّبُوَّة فِي برزخ ... فويق الرَّسُول وَدون الْوَلِيّ
وَقد علم أَن كل رَسُول نَبِي، وكل نَبِي ولي، وَلَا ينعكس.
وَقَالَ : ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وَعَاد وَفرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد * وَثَمُود وَقوم لوط وَأَصْحَاب الأيكة أُولَئِكَ الْأَحْزَاب * إِن كل إِلَّا كذب الرُّسُل فَحق عِقَاب﴾ [سُورَة ص: ١٢]- ١٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاء فِرْعَوْن وَمن قبله والمؤتفكات بالخاطئة * فعصوا رَسُول رَبهم فَأَخذهُم أَخْذَة رابية﴾ [سُورَة الحاقة: ٩]- ١٠] .
стр. 193
ثمَّ إِن الله تَعَالَى أخبر عَن فِرْعَوْن بأعظم أَنْوَاع الْكفْر: من جحود الْخَالِق، ودعواه الإلهية، وَتَكْذيب من يقر بالخالق سُبْحَانَهُ، وَمن تَكْذِيب الرَّسُول وَوَصفه بالجنون وَالسحر وَغير ذَلِك. وَمن الْمَعْلُوم بالاضطرار أَن الْكفَّار الْعَرَب الَّذين قَاتلهم النَّبِي ﷺ -مثل أبي جهل وَذريته- لم يَكُونُوا يجحدون الصَّانِع، وَلَا يدعونَ لأَنْفُسِهِمْ الإلهية، بل كَانُوا يشركُونَ بِاللَّه ويكذبون رَسُوله.
وَفرْعَوْن كَانَ أعظم كفرا من هَؤُلَاءِ؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين * إِلَى فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون فَقَالُوا سَاحر كَذَّاب * فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ من عندنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبنَاء الَّذين آمنُوا مَعَه واستحيوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كيد الْكَافرين إِلَّا فِي ضلال * وَقَالَ فِرْعَوْن ذروني أقتل مُوسَى وليدع ربه إِنِّي أَخَاف أَن يُبدل دينكُمْ أَو أَن يظْهر فِي الأَرْض الْفساد * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عذت بربي وربكم من كل متكبر لَا يُؤمن بِيَوْم الْحساب * وَقَالَ رجل مُؤمن من آل فِرْعَوْن يكتم إيمَانه أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله وَقد جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم﴾ [سُورَة غَافِر: ٢٣]-٢٨] ، إِلَى قَوْله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب * أَسبَاب السَّمَوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زين لفرعون سوء عمله وَصد عَن السَّبِيل وَمَا كيد فِرْعَوْن إِلَّا فِي تباب﴾ [سُورَة غَافِر: ٣٦]- ٣٧] .
أخبر الله أَن فِرْعَوْن وَمن ذكر مَعَه قَالَ إِن مُوسَى سَاحر كَذَّاب، وَهَذَا من أعظم أَنْوَاع الْكفْر.
ثمَّ أخبر الله أَنه أَمر بقتل أَوْلَاد الَّذين آمنُوا مَعَه لينفروا عَن
стр. 194
الْإِيمَان مَعَه كيدا لمُوسَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كيد الْكَافرين إِلَّا فِي تباب﴾ [سُورَة غَافِر: ٣٧] ، فَدلَّ على أَنهم من الْكَافرين الَّذين كيدهم فِي تباب، فوصفهم بالتكذيب وبالكفر جَمِيعًا، وَإِن كَانَ التَّكْذِيب مُشْتَمِلًا مستلزما للكفر، كَمَا أَن الرسَالَة مستلزمة للنبوة، والنبوة مستلزمة للولاية.
ثمَّ أخبر عَن فِرْعَوْن أَنه طلب قتل مُوسَى وَقَالَ: ﴿وليدع ربه﴾ ، وَهَذَا تَنْبِيه على أَنه لم يكن مقرا بربه، وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمام الْكَلَام: ﴿مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي﴾ [سُورَة الْقَصَص: ٣٨] ، وَهَذَا جحد صَرِيح لإله الْعَالمين، وَهِي الْكَلِمَة الأولى.
ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك لما ذكره الله تَعَالَى بقوله: ﴿فكذب وَعصى * ثمَّ أدبر يسْعَى * فحشر فَنَادَى * فَقَالَ أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ [سُورَة النازعات: ٢١]- ٢٤] ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَأَخذه الله نكال الْآخِرَة وَالْأولَى * إِن فِي ذَلِك لعبرة لمن يخْشَى﴾ [سُورَة النازعات: ٢٥]- ٢٦] . قَالَ كثير من الْعلمَاء: أَي نكال الْكَلِمَة الْآخِرَة، ونكال الْكَلِمَة الأولى، فنكل الله تَعَالَى بِهِ على الْكَلِمَتَيْنِ باعترافه، وَجعل ذَلِك عِبْرَة لمن يخْشَى. وَلَو كَانَ هَذَا مِمَّن لم يُعَاقب على مَا تقدم من كفره، وَلم يكن عِقَابه عِبْرَة، بل من آمن غفر الله لَهُ مَا سلف، وَلم يذكرهُ بِكفْر وَلَا بذم أصلا، بل يمدحه على إيمَانه، ويثني عَلَيْهِ كَمَا أثنى على من آمن بالرسل، وَأخْبر أَنه نجاهم.
وَفرْعَوْن هُوَ أَكثر الْكفَّار ذكرا فِي الْقُرْآن، وَهُوَ لَا يذكرهُ سُبْحَانَهُ إِلَّا
стр. 195
بالذم والتقبيح واللعن، وَلم يذكرهُ بِخَير قطّ.
وَهَؤُلَاء الْمَلَاحِدَة المُنَافِقُونَ يَزْعمُونَ أَنه مَاتَ طَاهِرا مطهرا لَيْسَ فِيهِ شَيْء من الْخبث، بل يَزْعمُونَ أَن السَّحَرَة صدقوه فِي قَوْله: مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي، وَأَنه صَحَّ قَوْله: أَنا ربكُم الْأَعْلَى، وَأَنه كَانَ عين الْحق.
وَقد أخبر عَن جحوده لرب الْعَالمين. قَالَ لما قَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: ﴿إِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين * حقيق على أَن لَا أَقُول على الله إِلَّا الْحق قد جِئتُكُمْ بِبَيِّنَة من ربكُم فَأرْسل معي بني إِسْرَائِيل﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف: ١٠٤]- ١٠٥] ، ﴿قَالَ فِرْعَوْن وَمَا رب الْعَالمين * قَالَ رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم موقنين * قَالَ لمن حوله أَلا تستمعون * قَالَ ربكُم وَرب آبائكم الْأَوَّلين * قَالَ إِن رَسُولكُم الَّذِي أرسل إِلَيْكُم لمَجْنُون * قَالَ رب الْمشرق وَالْمغْرب إِن كُنْتُم تعقلون * قَالَ لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غَيْرِي لأجعلنك من المسجونين﴾ [سُورَة الشُّعَرَاء: ٢٣]- ٢٩] ، فتوعد مُوسَى بالسجن إِن اتخذ إِلَهًا غَيره.
وَهَؤُلَاء مَعَ تنظيمهم لفرعون يشاركون فِي حَقِيقَة كفره، وَإِن كَانُوا مفارقين لَهُ من جِهَة أُخْرَى، فَإِن عِنْدهم: مَا ثمَّ مَوْجُود غير الله أصلا، وَلَا يُمكن أحد أَن يتَّخذ إِلَهًا غَيره، لِأَنَّهُ أَي شَيْء عبد العابد من الْأَوْثَان والأصنام وَالشَّيَاطِين، فَلَيْسَتْ عِنْدهم غير الله أصلا. وَهل يُقَال هِيَ الله؟ لَهُم فِي ذَلِك قَولَانِ.
стр. 196
إِخْبَار الله عَن عَذَاب فِرْعَوْن فِي الْآخِرَة:
وإخباره عَن تَكْذِيب فِرْعَوْن وَغير ذَلِك من أَنْوَاع كفره كثير فِي الْقُرْآن، وَكَذَلِكَ إخْبَاره عَن عَذَابه فِي الْآخِرَة. فَإِن هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَة يَزْعمُونَ أَنه لَيْسَ فِي الْقُرْآن آيَة تدل على عَذَابه، وَيَقُولُونَ إِنَّمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة فأوردهم النَّار وَبئسَ الْورْد المورود﴾ [سُورَة هود: ٩٨] ، قَالُوا: فَأخْبر أَنه يوردهم، وَلم يذكر أَنه دخل مَعَهم. قَالُوا: وَقد قَالَ: ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ [سُورَة غَافِر: ٤٦] ، فَإِنَّمَا يدْخل النَّار آل فِرْعَوْن لَا فِرْعَوْن.
وَهَذَا من أعظم جهلهم وضلالهم، فَإِنَّهُ حَيْثُ ذكر فِي الْكتاب وَالسّنة آل فلَان كَانَ فلَان دَاخِلا فيهم، كَقَوْلِه: ﴿إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين﴾ [سُورَة آل عمرَان: ٣٣] ، وَقَوله: ﴿إِلَّا آل لوط نجيناهم بِسحر﴾ [سُورَة الْقَمَر: ٣٤] ، وَقَوله: ﴿سَلام على إل ياسين﴾ [سُورَة الصافات: ١٣٠] . وَقَول النَّبِي ﷺ : "اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى"، وَقَوله: "لقد أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد".
стр. 197
وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ نجيناكم من آل فِرْعَوْن يسومونكم سوء الْعَذَاب﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ٤٩] ، ﴿كدأب آل فِرْعَوْن﴾ [سُورَة آل عمرَان: ١١] ، ﴿وَلَقَد جَاءَ آل فِرْعَوْن النّذر * كذبُوا بِآيَاتِنَا كلهَا فأخذناهم أَخذ عَزِيز مقتدر﴾ [سُورَة الْقَمَر: ٤١]- ٤٢] .
وَقَوله: ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ [سُورَة غَافِر: ٤٦] متناول لَهُ وَلَهُم بِاتِّفَاق الْمُسلمين، وبالعلم الضَّرُورِيّ من دين الْمُسلمين.
وَهَذَا بعد قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن مُؤمن من آل فِرْعَوْن يكتم إيمَانه: ﴿أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله﴾ [سُورَة غَافِر: ٢٨] ، وَالَّذِي طلب قَتله هُوَ فِرْعَوْن، فَقَالَ الْمُؤمن بعد ذَلِك: ﴿مَالِي أدعوكم إِلَى النجَاة وتدعونني إِلَى النَّار * تدعونني لأكفر بِاللَّه وأشرك بِهِ﴾ [سُورَة غَافِر: ٤١]- ٤٢] ، والداعي إِلَى الْكفْر هُوَ كَافِر كفرا مغلظا، فَهَذَا فِيهِ.
ووصفهم أَيْضا بالْكفْر إِلَى قَوْله: ﴿فوقاه الله سيئات مَا مكروا وحاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب * النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ [سُورَة غَافِر: ٤٥]- ٤٦] ، فَأخْبر أَنه حاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب، وَيَوْم تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب. ثمَّ قَالَ: ﴿وَإِذ يتحاجون فِي النَّار فَيَقُول الضُّعَفَاء للَّذين استكبروا إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا نَصِيبا من النَّار * قَالَ الَّذين استكبروا إِنَّا
стр. 198
كل فِيهَا إِن الله قد حكم بَين الْعباد﴾ [سُورَة غَافِر: ٤٧]- ٤٨] وَمَعْلُوم أَن فِرْعَوْن هُوَ أعظم الَّذين استكبروا، ثمَّ هامان وَقَارُون، وَأَن قَومهمْ كَانُوا لَهُم تبعا، وَفرْعَوْن هُوَ متبوعهم الْأَعْظَم الَّذِي قَالَ: مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي، وَقَالَ: أَنا ربكُم الْأَعْلَى.
وَقد قَالَ: ﴿واستكبر هُوَ وَجُنُوده فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وظنوا أَنهم إِلَيْنَا لَا يرجعُونَ * فأخذناه وَجُنُوده فنبذناهم فِي اليم فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الظَّالِمين * وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار وَيَوْم الْقِيَامَة لَا ينْصرُونَ * وأتبعناهم فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين﴾ [سُورَة الْقَصَص: ٣٩]- ٤٢] .
وَهَذَا تَصْرِيح بِأَنَّهُ نبذه وَقَومه فِي اليم عُقُوبَة الَّذِي هُوَ الْكفْر، وَأَنه أتبعه وَقَومه فِي الدُّنْيَا لعنة، وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين هُوَ وَقَومه جَمِيعًا، وَهَذَا مُوَافق لقَوْله: ﴿وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين * إِلَى فِرْعَوْن وملئه فاتبعوا أَمر فِرْعَوْن وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد * يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة فأوردهم النَّار وَبئسَ الْورْد المورود * وأتبعوا فِي هَذِه لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة بئس الرفد المرفود﴾ [سُورَة هود: ٩٦]- ٩٩] .
فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنهم اتبعُوا أمره، وَأَنه يقدمهم لِأَنَّهُ إمَامهمْ، فَيكون قادما لَهُم لَا سائقا لَهُم، وَأَنه يوردهم النَّار. فَإِذا كَانَ التَّابِع قد ورد النَّار فمعلوم أَن القادم الَّذِي يقدمهُ وَهُوَ متبوعه ورد قبله، وَلِهَذَا قَالَ بعد ذَلِك: ﴿وأتبعناهم فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين﴾ [سُورَة الْقَصَص: ٤٢] .
стр. 199
وَالتَّابِع والمتبوع كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي تِلْكَ السُّورَة عَن فِرْعَوْن وَقَومه: ﴿وأتبعوا فِي هَذِه لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة بئس الرفد المرفود﴾ [سُورَة هود: ٩٩] .
وَالْكَلَام فِي هَذَا مَبْسُوط، لم تحْتَمل هَذِه الورقة إِلَّا هَذَا، وَالله أعلم.
وَالْحَمْد لله وَحده، وصلوات الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم، وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل.
تمّ وكمل.
стр. 200
رِسَالَة فِي التَّوْبَة
стр. 201
فصل
قَالَ الإِمَام الْعَلامَة شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدَّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْحَلِيم ابْن تَيْمِية ﵀
الْحَمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدَّين كُله وَكفى بِاللَّه شَهِيدا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا
بعض آيَات التَّوْبَة فِي الْقُرْآن
قَالَ الله تَعَالَى آلر كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير أَلا تعبدوا إِلَّا الله إِنَّنِي لكم مِنْهُ نَذِير وَبشير وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يمتعكم مَتَاعا حسنا إِلَى أجل مُسَمّى وَيُؤْت كل ذِي فضل فَضله وَإِن توَلّوا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عذب يَوْم كَبِير [سُورَة هود ١ - ٣]
وَقَالَ تَعَالَى قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم وأنيبوا إِلَى ربكُم وَأَسْلمُوا لَهُ من قبل أَن يأتيكم الْعَذَاب ثمَّ لَا تنْصرُونَ وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم من قبل أَن
стр. 202
يأتيكم الْعَذَاب بَغْتَة وَأَنْتُم لَا تشعرون الْآيَات [سُورَة الزمر ٥٣ - ٥٥]
وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا عَسى ربكُم أَن يكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ ويدخلكم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه نورهم يسْعَى بَين أَيْديهم وبأيمانهم الْآيَة [سُورَة التَّحْرِيم ٨]
وَقَالَ تَعَالَى وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون [سُورَة النُّور ٣١]
وَقَالَ تَعَالَى لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّه بهم رءوف رَحِيم وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِم أنفسهم وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا إِن الله هُوَ التواب الرَّحِيم [سُورَة التَّوْبَة ١١٧ - ١١٨]
وَقَالَ تَعَالَى وَقُلْنَا يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر ومتاع إِلَى حِين فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّه هُوَ التواب الرَّحِيم [سُورَة الْبَقَرَة ٣٥ - ٣٧]
стр. 203
وَقَالَ تَعَالَى فِي السُّورَة الْأُخْرَى وناداهما ربهما ألم أنهكما عَن تلكما الشَّجَرَة وَأَقل لَكمَا إِن الشَّيْطَان لَكمَا عَدو مُبين قَالَا رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٢ - ٢٣]
وَقَالَ تَعَالَى وَعصى آدم ربه فغوى ثمَّ اجتباه ربه فَتَابَ عَلَيْهِ وَهدى [سُورَة طه ١٢١ - ١٢٢]
وَقَالَ تَعَالَى عَن نوح أَنه قَالَ لِقَوْمِهِ اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا الْآيَة [سُورَة نوح ١٠ - ١١]
وَقَالَ عَن نوح رب إِنِّي أعوذ بك أَن أَسأَلك مَا لَيْسَ لي بِهِ علم وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين [سُورَة هود ٤٧] وَعَن هود وَيَا قوم اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا ويزدكم قُوَّة إِلَى قوتكم وَلَا تَتَوَلَّوْا مجرمين [سُورَة هود ٥٢] وَعَن صَالح فاستغفروه ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِن رَبِّي قريب مُجيب [سُورَة هود ٦١] وَكَذَلِكَ قَالَ شُعَيْب وَاسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِن رَبِّي رَحِيم ودود [سُورَة هود ٩٠] وَقَالَ إِبْرَاهِيم ﵇ رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي وَلِلْمُؤْمنِينَ يَوْم يقوم الْحساب [سُورَة إِبْرَاهِيم ٤١] وَقَالَ وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي خطيئتي يَوْم الدَّين [سُورَة الشُّعَرَاء ٨٢] وَقَالَ وأرنا مناسكنا وَتب علينا إِنَّك أَنْت
стр. 204
التواب الرَّحِيم [سُورَة الْبَقَرَة ١٢٨] وَقَالَ عَن مُوسَى ﵇ فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا من عمل الشَّيْطَان إِنَّه عَدو مضل مُبين قَالَ رب إِنِّي ظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي فغفر لَهُ إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم [سُورَة الْقَصَص ١٥ - ١٦] وَقَالَ مُوسَى رب اغْفِر لي ولأخي وأدخلنا فِي رحمتك وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ [سُورَة الْأَعْرَاف ١٥١] وَقَالَ مُوسَى سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ [سُورَة الْأَعْرَاف ١٤٣]
وَقَالَ تَعَالَى لمُوسَى لَا تخف إِنِّي لَا يخَاف لدي المُرْسَلُونَ إِلَّا من ظلم ثمَّ بدل حسنا بعد سوء فَإِنِّي غَفُور رَحِيم [سُورَة النَّمْل ١٠ - ١١] وَقَالَ مُوسَى أتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء أَنْت ولينا فَاغْفِر لنا وارحمنا وَأَنت خير الغافرين واكتب لنا فِي هَذِه الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة إِنَّا هدنا إِلَيْك قَالَ عَذَابي أُصِيب بِهِ من أَشَاء ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وَالَّذين هم بِآيَاتِنَا يُؤمنُونَ الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل الْآيَة [سُورَة الْأَعْرَاف ١٥٥ - ١٥٧]
وَقَالَ لخاتم الرُّسُل فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات [سُورَة مُحَمَّد ١٩] وَقَالَ إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر [سُورَة الْفَتْح ١ - ٢]
стр. 205
وَقَالَ تَعَالَى إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين [سُورَة الْبَقَرَة ٢٢٢]
وَقَالَ حم تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم غَافِر الذَّنب وقابل التوب شَدِيد الْعقَاب ذِي الطول لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمصير [سُورَة غَافِر ١ - ٣]
وَقَالَ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات وَيعلم مَا تَفْعَلُونَ ويستجيب الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات ويزيدهم من فَضله [سُورَة الشورى ٢٥ - ٢٦]
وَقَالَ تَعَالَى وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم إِن الله غَفُور رَحِيم خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم وَالله سميع عليم ألم يعلمُوا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَأْخُذ الصَّدقَات وَأَن الله هُوَ التواب الرَّحِيم وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون وستردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله إِمَّا يعذبهم وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم وَالله عليم حَكِيم [سُورَة التَّوْبَة ١٠٢ - ١٠٦]
بعض الْأَحَادِيث فِي التَّوْبَة
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي بردة عَن الْأَغَر عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يَا أَيهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى الله فَإِنِّي أَتُوب إِلَيْهِ فِي الْيَوْم
стр. 206
مائَة مرّة وَعَن أبي بردة عَن الْأَغَر الْمُزنِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّه ليغان على قلبِي وَإِنِّي لأستغفر الله فِي الْيَوْم مائَة مرّة وَقَالَ إِنِّي لأستغفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ فِي الْيَوْم أَكثر من سبعين مرّة وَقَالَ إِن الله تَعَالَى يبسط يَده بِاللَّيْلِ ليتوب مسيء النَّهَار ويبسط يَده بِالنَّهَارِ ليتوب مسيء اللَّيْل حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا وَقَالَ من تَابَ قبل أَن تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا تَابَ الله عَلَيْهِ وَقَالَ لله أَشد فَرحا بتوبة عَبده حِين يَتُوب إِلَيْهِ من أحدكُم كَانَ على رَاحِلَته بِأَرْض فلاة فانفلتت مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه فأيس مِنْهَا فَأتى شَجَرَة فاضطجع فِي ظلها قد أيس من رَاحِلَته فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذا هُوَ بهَا قَائِمَة عِنْده
стр. 207
فَأخذ بخطامها ثمَّ قَالَ من شدَّة الْفَرح اللَّهُمَّ أَنْت عَبدِي وَأَنا رَبك أَخطَأ من شدَّة الْفَرح
وَهَذَا الحَدِيث متواتر عَن النَّبِي ﷺ رَوَاهُ ابْن مَسْعُود والبراء بن عَازِب والنعمان بن بشير وَأَبُو هُرَيْرَة وَأنس بن مَالك فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن معسود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لله أفرح بتوبة أحدكُم من رجل خرج بِأَرْض دوية مهلكة مَعَه رَاحِلَته عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه وزاده وَمَا يصلحه فأضلها فَخرج فِي طلبَهَا حَتَّى إِذا أدْركهُ الْمَوْت وَلم يجدهَا قَالَ أرجع إِلَى مَكَاني الَّذِي أضللتها فِيهِ فأموت فِيهِ فَأتى مَكَانَهُ فغلبته عينه فَاسْتَيْقَظَ فَإِذا رَاحِلَته عِنْد رَأسه عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه وزاده وَمَا يصلحه وَفِي السّنَن أَنه ﷺ قَالَ كل بني آدم خطاء وَخير الْخَطَّائِينَ التوابون وَقَالَ إِن العَبْد إِذا أذْنب
стр. 208
نكتت فِي قلبه نُكْتَة سَوْدَاء فَإِن تَابَ وَنزع واستغفر صقل قلبه وَإِن زَاد زيد فِيهَا حَتَّى تعلو قلبه فذلكم الران الَّذِي ذكر الله كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [سُورَة المطففين ١٤]
وَعَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله إِلَّا اللمم [سُورَة النَّجْم ٣٢] قَالَ رَسُول الله ﷺ
" إِن تغْفر اللَّهُمَّ تغْفر جما ... وَأي عبد لَك لَا ألما "
وَعَن ابْن عمر قَالَ إِن كُنَّا لنعد لرَسُول الله ﷺ فِي الْمجْلس الْوَاحِد يَقُول رب اغْفِر لي وَتب عَليّ إِنَّك أَنْت التواب الغفور مائَة مرّة رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح
стр. 209
فصل
التَّوْبَة نَوْعَانِ وَاجِبَة ومستحبة
التَّوْبَة نَوْعَانِ وَاجِبَة ومستحبة
الْوَاجِبَة من ترك مَأْمُور أَو فعل مَحْظُور
فالواجبة هِيَ التَّوْبَة من ترك مَأْمُور أَو فعل مَحْظُور وَهَذِه وَاجِبَة على جَمِيع الْمُكَلّفين كَمَا أَمرهم الله بذلك فِي كِتَابه وعَلى أَلْسِنَة رسله
والمستحبة من ترك المستحبات وَفعل المكروهات
والمستحبة هِيَ التَّوْبَة من ترك المستحبات وَفعل المكروهات فَمن اقْتصر على التَّوْبَة الأولى كَانَ من الْأَبْرَار الْمُقْتَصِدِينَ وَمن تَابَ التوبتين كَانَ من السَّابِقين المقربين وَمن لم يَأْتِ بِالْأولَى كَانَ من الظَّالِمين إِمَّا الْكَافرين وَإِمَّا الْفَاسِقين قَالَ الله تَعَالَى وكنتم أَزْوَاجًا ثَلَاثَة فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشأمة مَا أَصْحَاب المشأمة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم [سُورَة الْوَاقِعَة ٧ - ١٢] وَقَالَ تَعَالَى فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم وتصلية جحيم [سُورَة الْوَاقِعَة ٨٨ - ٩٤] وَقَالَ تَعَالَى فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات بِإِذن الله [سُورَة فاطر ٣٢] وَقَالَ تَعَالَى إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا إِنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سلاسل وأغلالا وسعيرا إِن الْأَبْرَار يشربون من كأس كَانَ مزاجها كافورا عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا [سُورَة الْإِنْسَان ٣ - ٦] وَقَالَ كلا إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين إِلَى قَوْله كلا إِن
стр. 210
كتاب الْأَبْرَار لفي عليين وَمَا أَدْرَاك مَا عليون إِلَى قَوْله ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بهَا المقربون [سُورَة المطففين ٧ - ٢٨] قَالَ ابْن عَبَّاس تمزج لأَصْحَاب الْيَمين مزجا وَيشْرب بهَا المقربون صرفا
التَّوْبَة من ترك الْحَسَنَات أهم من التَّوْبَة من فعل السَّيِّئَات
وَالتَّوْبَة رُجُوع عَمَّا تَابَ مِنْهُ إِلَى مَا تَابَ إِلَيْهِ فالتوبة الْمَشْرُوعَة هِيَ الرُّجُوع إِلَى الله وَإِلَى فعل مَا أَمر بِهِ وَترك مَا نهى عَنهُ وَلَيْسَت التَّوْبَة من فعل السَّيِّئَات فَقَط كَمَا يظنّ كثير من الْجُهَّال لَا يتصورون التَّوْبَة إِلَّا عَمَّا يَفْعَله العَبْد من القبائح كالفواحش والمظالم بل التَّوْبَة من ترك الْحَسَنَات الْمَأْمُور بهَا أهم من التَّوْبَة من فعل السَّيِّئَات الْمنْهِي عَنْهَا فَأكْثر الْخلق يتركون كثيرا مِمَّا أَمرهم الله بِهِ من أَقْوَال الْقُلُوب وأعمالها وأقوال الْبدن وأعماله وَقد لَا يعلمُونَ أَن ذَلِك مِمَّا أمروا بِهِ أَو يعلمُونَ الْحق وَلَا يتبعونه فيكونون إِمَّا ضَالِّينَ بِعَدَمِ الْعلم النافع وَإِمَّا مغضوبا عَلَيْهِم بمعاندة الْحق بعد مَعْرفَته
وَقد أَمر الله عباده الْمُؤمنِينَ أَن يَدعُوهُ فِي كل صَلَاة بقوله اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين وَلِهَذَا نزه الله نبيه عَن هذَيْن فَقَالَ تَعَالَى والنجم إِذا هوى مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى [سُورَة النَّجْم ١ - ٤] فالضال الَّذِي لَا يعلم الْحق بل يظنّ أَنه على الْحق وَهُوَ جَاهِل بِهِ كَمَا عَلَيْهِ النَّصَارَى قَالَ تَعَالَى وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل [سُورَة الْمَائِدَة ٧٧]
والغاوي الَّذِي يتبع هَوَاهُ وشهواته مَعَ علمه بِأَن ذَلِك خلاف الْحق كَمَا
стр. 211
عَلَيْهِ الْيَهُود قَالَ تَعَالَى سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا وَإِن يرَوا سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلا ذَلِك بِأَنَّهُم كذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غافلين [سُورَة الْأَعْرَاف ١٤٦] وَقَالَ تَعَالَى واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا فَأتبعهُ الشَّيْطَان فَكَانَ من الغاوين وَلَو شِئْنَا لرفعناه بهَا وَلكنه أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ فَمثله كَمثل الْكَلْب إِن تحمل عَلَيْهِ يَلْهَث أَو تتركه يَلْهَث الْآيَة [سُورَة الْأَعْرَاف ١٧٥ - ١٧٦]
الغي والضلال يجمعان جَمِيع السَّيِّئَات
وَفِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم شهوات الغي فِي بطونكم وفروجكم ومضلات الْفِتَن فَإِن الغي والضلال يجمع جَمِيع سيئات بني آدم فَإِن الْإِنْسَان كَمَا قَالَ تَعَالَى وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا [سُورَة الْأَحْزَاب ٧٢] فبظلمه يكون غاويا وبجهله يكون ضَالًّا وَكَثِيرًا مَا يجمع بَين الْأَمريْنِ فَيكون ضَالًّا فِي شَيْء غاويا فِي شَيْء آخر إِذْ هُوَ ظلوم جهول ويعاقب على كل من الذنبين بِالْآخرِ كَمَا قَالَ فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا [سُورَة الْبَقَرَة ١٠] وكما قَالَ فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم [سُورَة الصَّفّ ٥]
كَمَا يُثَاب الْمُؤمن على الْحَسَنَة بحسنة أُخْرَى فَإِذا عمل بِعِلْمِهِ وَرثهُ الله علم مَا لم يعلم وَإِذ عمل بحسنة دَعَتْهُ إِلَى حَسَنَة أُخْرَى قَالَ تَعَالَى وَالَّذين
стр. 212
اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم [سُورَة مُحَمَّد ١٧] وَقَالَ تَعَالَى وَيزِيد الله الَّذين اهتدوا هدى [سُورَة مَرْيَم ٧٦] وَقَالَ وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا [سُورَة العنكبوت ٦٩] وَقَالَ وَلَو أَنهم فعلوا مَا يوعظون بِهِ لَكَانَ خيرا لَهُم وَأَشد تثبيتا وَإِذا لآتيناهم من لدنا أجرا عَظِيما ولهديناهم صراطا مُسْتَقِيمًا [سُورَة النِّسَاء ٦٦ - ٦٨] وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته وَيجْعَل لكم نورا تمشون بِهِ وَيغْفر لكم وَالله غَفُور رَحِيم لِئَلَّا يعلم أهل الْكتاب أَلا يقدرُونَ على شَيْء من فضل الله وَأَن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم [سُورَة الْحَدِيد ٢٨ - ٢٩]
وَهُوَ ﷺ ذكر شهوات الغي فِي الْبُطُون والفروج كَمَا فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ من تكفل لي بِمَا بَين لحييْهِ وَمَا بَين رجلَيْهِ تكفلت لَهُ بِالْجنَّةِ فَإِن هَذَا يعلم عَامَّة النَّاس أَنه من الذُّنُوب لَكِن يَفْعَلُونَهُ اتبَاعا لشهواتهم
стр. 213
وَأما مضلات الْفِتَن فَأن يفتن العَبْد فيضل عَن سَبِيل الله وَهُوَ يحْسب أَنه مهتد كَمَا قَالَ وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين وَإِنَّهُم ليصدونهم عَن السَّبِيل وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون [سُورَة الزخرف ٣٦ - ٣٧] وَقَالَ أَفَمَن زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا فَإِن الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء [سُورَة فاطر ٨] وَقَالَ وَكَذَلِكَ زين لفرعون سوء عمله وَصد عَن السَّبِيل وَمَا كيد فِرْعَوْن إِلَّا فِي تباب [سُورَة غَافِر ٣٧] وَقَالَ قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا [سُورَة الْكَهْف ١٠٣ - ١٠٤]
وَلِهَذَا تَأَول أَصْحَاب النَّبِي ﷺ هَذِه الْآيَة فِيمَن يتعبد بِغَيْر شَرِيعَة الله الَّتِي بعث بهَا رَسُوله من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب كالرهبان وَفِي أهل الْأَهْوَاء من هَذِه الْأمة كالخوارج الَّذين أَمر النَّبِي ﷺ بقتالهم وَقَالَ فيهم يحقر أحدكُم صلَاته مَعَ صلَاتهم وصيامه مَعَ صِيَامهمْ وقراءته مَعَ قراءتهم يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَام كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية أَيْنَمَا لقيتموهم فاقتلوهم فَإِن فِي قَتلهمْ أجرا عِنْد الله لمن قَتلهمْ يَوْم الْقِيَامَة وَذَلِكَ لِأَن هَؤُلَاءِ خَرجُوا عَن سنة رَسُول
стр. 214
الله ﷺ وَجَمَاعَة الْمُسلمين حَتَّى كفرُوا من خالفهم مثل عُثْمَان وَعلي وَسَائِر من تولاهما من الْمُؤمنِينَ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ فيهم يقتلُون أهل الْإِسْلَام وَيدعونَ أهل الْأَوْثَان
وَإِذا اجْتمع شهوات الغي ومضلات الْفِتَن قوى الْبلَاء وَصَارَ صَاحبه مغضوبا عَلَيْهِ ضَالًّا وَهَذَا يكون كثيرا بِسَبَب حب الرِّئَاسَة والعلو فِي الأَرْض كَحال فِرْعَوْن قَالَ تَعَالَى إِن فِرْعَوْن علا فِي الأَرْض وَجعل أَهلهَا شيعًا يستضعف طَائِفَة مِنْهُم يذبح أَبْنَاءَهُم ويستحيي نِسَاءَهُمْ إِنَّه كَانَ من المفسدين [سُورَة الْقَصَص ٤] فوصفه بالعلو فِي الأَرْض وَالْفساد وَقَالَ فِي آخر السُّورَة تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين [سُورَة الْقَصَص ٨٣] وَلِهَذَا قَالَ فِي حق فِرْعَوْن وَكَذَلِكَ زين لفرعون سوء عمله [سُورَة غَافِر ٣٧]
وَذَلِكَ أَن حب الرِّئَاسَة شَهْوَة خُفْيَة كَمَا قَالَ شَدَّاد بن أَوْس رَضِي الله
стр. 215
عَنهُ يَا بَغَايَا الْعَرَب يَا بَغَايَا الْعَرَب إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الرِّيَاء والشهوة الْخفية قيل لأبي دَاوُد السجسْتانِي مَا الشَّهْوَة الْخفية قَالَ حب الرِّئَاسَة وحبك الشَّيْء يعمى ويصم فَيبقى حب ذَلِك يزين لَهُ مَا يهواه مِمَّا فِيهِ علو نَفسه وَيبغض إِلَيْهِ ضد ذَلِك حَتَّى يجْتَمع فِيهِ الإستكبار والإختيال والحسد الَّذِي فِيهِ بغض نعْمَة الله على عباده لَا سِيمَا من مناظره
وَالْكبر والحسد هما داءان أهلكا الْأَوَّلين والآخرين وهما أعظم الذُّنُوب الَّتِي بهَا عصى الله أَولا فَإِن إِبْلِيس استكبر وحسد آدم وَكَذَلِكَ ابْن آدم الَّذِي قتل أَخَاهُ حسد أَخَاهُ وَلِهَذَا كَانَ الْكبر يُنَافِي الْإِسْلَام كَمَا أَن الشّرك نافي الْإِسْلَام فَإِن الْإِسْلَام هُوَ الإستسلام وَحده فَمن استسلم لَهُ وَلغيره فَهُوَ مُشْرك بِهِ وَمن لم يستسلم فَهُوَ مستكبر كَحال فِرْعَوْن وملإه وَلذَلِك
следующие страницы →