Полный текст (666 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
عَلَيْهِ الْيَهُود قَالَ تَعَالَى سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا وَإِن يرَوا سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلا ذَلِك بِأَنَّهُم كذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غافلين [سُورَة الْأَعْرَاف ١٤٦] وَقَالَ تَعَالَى واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا فَأتبعهُ الشَّيْطَان فَكَانَ من الغاوين وَلَو شِئْنَا لرفعناه بهَا وَلكنه أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ فَمثله كَمثل الْكَلْب إِن تحمل عَلَيْهِ يَلْهَث أَو تتركه يَلْهَث الْآيَة [سُورَة الْأَعْرَاف ١٧٥ - ١٧٦]
الغي والضلال يجمعان جَمِيع السَّيِّئَات
وَفِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم شهوات الغي فِي بطونكم وفروجكم ومضلات الْفِتَن فَإِن الغي والضلال يجمع جَمِيع سيئات بني آدم فَإِن الْإِنْسَان كَمَا قَالَ تَعَالَى وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا [سُورَة الْأَحْزَاب ٧٢] فبظلمه يكون غاويا وبجهله يكون ضَالًّا وَكَثِيرًا مَا يجمع بَين الْأَمريْنِ فَيكون ضَالًّا فِي شَيْء غاويا فِي شَيْء آخر إِذْ هُوَ ظلوم جهول ويعاقب على كل من الذنبين بِالْآخرِ كَمَا قَالَ فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا [سُورَة الْبَقَرَة ١٠] وكما قَالَ فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم [سُورَة الصَّفّ ٥]
كَمَا يُثَاب الْمُؤمن على الْحَسَنَة بحسنة أُخْرَى فَإِذا عمل بِعِلْمِهِ وَرثهُ الله علم مَا لم يعلم وَإِذ عمل بحسنة دَعَتْهُ إِلَى حَسَنَة أُخْرَى قَالَ تَعَالَى وَالَّذين
стр. 212
اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم [سُورَة مُحَمَّد ١٧] وَقَالَ تَعَالَى وَيزِيد الله الَّذين اهتدوا هدى [سُورَة مَرْيَم ٧٦] وَقَالَ وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا [سُورَة العنكبوت ٦٩] وَقَالَ وَلَو أَنهم فعلوا مَا يوعظون بِهِ لَكَانَ خيرا لَهُم وَأَشد تثبيتا وَإِذا لآتيناهم من لدنا أجرا عَظِيما ولهديناهم صراطا مُسْتَقِيمًا [سُورَة النِّسَاء ٦٦ - ٦٨] وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته وَيجْعَل لكم نورا تمشون بِهِ وَيغْفر لكم وَالله غَفُور رَحِيم لِئَلَّا يعلم أهل الْكتاب أَلا يقدرُونَ على شَيْء من فضل الله وَأَن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم [سُورَة الْحَدِيد ٢٨ - ٢٩]
وَهُوَ ﷺ ذكر شهوات الغي فِي الْبُطُون والفروج كَمَا فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ من تكفل لي بِمَا بَين لحييْهِ وَمَا بَين رجلَيْهِ تكفلت لَهُ بِالْجنَّةِ فَإِن هَذَا يعلم عَامَّة النَّاس أَنه من الذُّنُوب لَكِن يَفْعَلُونَهُ اتبَاعا لشهواتهم
стр. 213
وَأما مضلات الْفِتَن فَأن يفتن العَبْد فيضل عَن سَبِيل الله وَهُوَ يحْسب أَنه مهتد كَمَا قَالَ وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين وَإِنَّهُم ليصدونهم عَن السَّبِيل وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون [سُورَة الزخرف ٣٦ - ٣٧] وَقَالَ أَفَمَن زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا فَإِن الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء [سُورَة فاطر ٨] وَقَالَ وَكَذَلِكَ زين لفرعون سوء عمله وَصد عَن السَّبِيل وَمَا كيد فِرْعَوْن إِلَّا فِي تباب [سُورَة غَافِر ٣٧] وَقَالَ قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا [سُورَة الْكَهْف ١٠٣ - ١٠٤]
وَلِهَذَا تَأَول أَصْحَاب النَّبِي ﷺ هَذِه الْآيَة فِيمَن يتعبد بِغَيْر شَرِيعَة الله الَّتِي بعث بهَا رَسُوله من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب كالرهبان وَفِي أهل الْأَهْوَاء من هَذِه الْأمة كالخوارج الَّذين أَمر النَّبِي ﷺ بقتالهم وَقَالَ فيهم يحقر أحدكُم صلَاته مَعَ صلَاتهم وصيامه مَعَ صِيَامهمْ وقراءته مَعَ قراءتهم يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَام كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية أَيْنَمَا لقيتموهم فاقتلوهم فَإِن فِي قَتلهمْ أجرا عِنْد الله لمن قَتلهمْ يَوْم الْقِيَامَة وَذَلِكَ لِأَن هَؤُلَاءِ خَرجُوا عَن سنة رَسُول
стр. 214
الله ﷺ وَجَمَاعَة الْمُسلمين حَتَّى كفرُوا من خالفهم مثل عُثْمَان وَعلي وَسَائِر من تولاهما من الْمُؤمنِينَ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ فيهم يقتلُون أهل الْإِسْلَام وَيدعونَ أهل الْأَوْثَان
وَإِذا اجْتمع شهوات الغي ومضلات الْفِتَن قوى الْبلَاء وَصَارَ صَاحبه مغضوبا عَلَيْهِ ضَالًّا وَهَذَا يكون كثيرا بِسَبَب حب الرِّئَاسَة والعلو فِي الأَرْض كَحال فِرْعَوْن قَالَ تَعَالَى إِن فِرْعَوْن علا فِي الأَرْض وَجعل أَهلهَا شيعًا يستضعف طَائِفَة مِنْهُم يذبح أَبْنَاءَهُم ويستحيي نِسَاءَهُمْ إِنَّه كَانَ من المفسدين [سُورَة الْقَصَص ٤] فوصفه بالعلو فِي الأَرْض وَالْفساد وَقَالَ فِي آخر السُّورَة تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين [سُورَة الْقَصَص ٨٣] وَلِهَذَا قَالَ فِي حق فِرْعَوْن وَكَذَلِكَ زين لفرعون سوء عمله [سُورَة غَافِر ٣٧]
وَذَلِكَ أَن حب الرِّئَاسَة شَهْوَة خُفْيَة كَمَا قَالَ شَدَّاد بن أَوْس رَضِي الله
стр. 215
عَنهُ يَا بَغَايَا الْعَرَب يَا بَغَايَا الْعَرَب إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الرِّيَاء والشهوة الْخفية قيل لأبي دَاوُد السجسْتانِي مَا الشَّهْوَة الْخفية قَالَ حب الرِّئَاسَة وحبك الشَّيْء يعمى ويصم فَيبقى حب ذَلِك يزين لَهُ مَا يهواه مِمَّا فِيهِ علو نَفسه وَيبغض إِلَيْهِ ضد ذَلِك حَتَّى يجْتَمع فِيهِ الإستكبار والإختيال والحسد الَّذِي فِيهِ بغض نعْمَة الله على عباده لَا سِيمَا من مناظره
وَالْكبر والحسد هما داءان أهلكا الْأَوَّلين والآخرين وهما أعظم الذُّنُوب الَّتِي بهَا عصى الله أَولا فَإِن إِبْلِيس استكبر وحسد آدم وَكَذَلِكَ ابْن آدم الَّذِي قتل أَخَاهُ حسد أَخَاهُ وَلِهَذَا كَانَ الْكبر يُنَافِي الْإِسْلَام كَمَا أَن الشّرك نافي الْإِسْلَام فَإِن الْإِسْلَام هُوَ الإستسلام وَحده فَمن استسلم لَهُ وَلغيره فَهُوَ مُشْرك بِهِ وَمن لم يستسلم فَهُوَ مستكبر كَحال فِرْعَوْن وملإه وَلذَلِك
стр. 216
قَالَ لَهُم مُوسَى وَأَن لَا تعلوا على الله إِنِّي آتيكم بسُلْطَان مُبين [سُورَة الدُّخان ١٩] وَقَالَ تَعَالَى عَن فِرْعَوْن واستكبر هُوَ وَجُنُوده فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وظنوا أَنهم إِلَيْنَا لَا يرجعُونَ [سُورَة الْقَصَص ٣٩] وَقَالَ تَعَالَى وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين [سُورَة النَّمْل ١٤]
وَمن أسلم وَجهه لله حَنِيفا فَهُوَ الْمُسلم الَّذِي على مِلَّة إِبْرَاهِيم الَّذِي قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين
وَهَذَا الْإِسْلَام هُوَ دين الْأَوَّلين والآخرين من الْأَنْبِيَاء وأتباعهم كَمَا وصف الله بِهِ فِي كِتَابه نوحًا وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى ويوسف وَسليمَان وَغَيرهم من النَّبِيين مثل قَول مُوسَى لِقَوْمِهِ إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه فَعَلَيهِ توكلوا إِن كُنْتُم مُسلمين [سُورَة يُونُس ٨٤] وَقَالَ تَعَالَى إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا [سُورَة الْمَائِدَة ٤٤] وَقَالَ نوح ﵇ فَإِن توليتم فَمَا سألتكم من أجر إِن أجري إِلَّا على الله وَأمرت أَن أكون من الْمُسلمين [سُورَة يُونُس ٧٢]
وَقَالَ يُوسُف توفني مُسلما وألحقني بالصالحين [سُورَة يُوسُف ١٠١] وَقَالَت بلقيس وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان لله رب الْعَالمين [سُورَة النَّمْل ٤٤]
الغي فِي شهوات الرِّئَاسَة وَالْكبر والعلو
وَلَيْسَ الغي مُخْتَصًّا بشهوات الْبُطُون والفروج فَقَط بل هُوَ فِي شهوات الْبُطُون والفروج وشهوات الرِّئَاسَة وَالْكبر والعلو وَغير ذَلِك فَهُوَ اتِّبَاع
стр. 217
الْهوى وَإِن لم يعْتَقد أَنه هوى بِخِلَاف الضال فَإِنَّهُ يحْسب أَنه يحسن صنعا وَلِهَذَا كَانَ إِبْلِيس أول الغاوين كَمَا قَالَ فبمَا أغويتني لأقعدن لَهُم صراطك الْمُسْتَقيم ثمَّ لآتينهم من بَين أَيْديهم وَمن خَلفهم وَعَن أَيْمَانهم وَعَن شمائلهم وَلَا تَجِد أَكْثَرهم شاكرين [سُورَة الْأَعْرَاف ١٦ - ١٧] وَقَالَ رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين [سُورَة الْحجر ٣٩ - ٤٠]
وَقَالَ تَعَالَى وَيَوْم يناديهم فَيَقُول أَيْن شركائي الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ قَالَ الَّذين حق عَلَيْهِم القَوْل رَبنَا هَؤُلَاءِ الَّذين أغوينا أغويناهم كَمَا غوينا تبرأنا إِلَيْك مَا كَانُوا إيانا يعْبدُونَ [سُورَة الْقَصَص ٦٢ - ٦٣]
وَقد قَالَ تَعَالَى فكبكبوا فِيهَا هم والغاوون وجنود إِبْلِيس أَجْمَعُونَ [سُورَة الشُّعَرَاء ٩٤ - ٩٥]
وَإِنَّمَا فِي الحَدِيث مَا يخَاف على هَذِه الْأمة من الغي وَهُوَ شهوات الغي فِي الْبُطُون والفروج فَأَما الغي الَّذِي هُوَ الإستكبار عَن ابْتَاعَ الْحق فَذَاك أصل الْكفْر فصاحبه لَيْسَ من هَذِه الْأمة كإبليس وَفرْعَوْن وَغَيرهَا وَأما غي شهوات الْبُطُون والفروج فَذَاك يكون لأهل الْإِيمَان ثمَّ يتوبون كَمَا قَالَ وَعصى آدم ربه فغوى ثمَّ اجتباه ربه فَتَابَ عَلَيْهِ وَهدى [سُورَة طه ١٢١ - ١٢٢]
وَفِي السّنَن والمسند من حَدِيث لَيْث بن سعد عَن يزِيد بن الْهَاد عَن عَمْرو عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول
стр. 218
إِن إِبْلِيس قَالَ لرَبه بعزتك وجلالك لَا أَبْرَح أغوى بني آدم مَا دَامَت الْأَرْوَاح فيهم فَقَالَ لَهُ ربه فبعزتي وَجَلَالِي لَا أَبْرَح أَغفر لَهُم مَا استغفروني
فصل
الْعِصْيَان يَقع مَعَ ضعف الْعلم
وَجَمِيع مَا يَتُوب العَبْد مِنْهُ سَوَاء كَانَ فعلا أَو تركا قد لَا يكون كَانَ عَالما بِأَنَّهُ يَنْبَغِي التَّوْبَة مِنْهُ وَقد يكون كَانَ عَالما بذلك فَإِن الْإِنْسَان كثيرا مَا يكون غير عَالم بِوُجُوب الشَّيْء أَو قبحه ثمَّ يتَبَيَّن لَهُ فِيمَا بعد وُجُوبه أَو قبحه وَقد يكون عَالما بِوُجُوبِهِ أَو قبحه ويتركه أَو يَفْعَله لضعف الْمُقْتَضى لفعل الْوَاجِب أَو قُوَّة الْمُقْتَضى لفعل الْقَبِيح لَكِن هَذَا لَا يكَاد يَقع إِلَّا مَعَ ضعف الْعلم بِوُجُوبِهِ وقبحه وَإِلَّا فَإِذا كمل الْعلم استلزم الْإِرَادَة الجازمة فِي الطَّرفَيْنِ وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا التَّوْبَة للَّذين يعْملُونَ السوء بِجَهَالَة ثمَّ يتوبون من قريب فَأُولَئِك يَتُوب الله عَلَيْهِم وَكَانَ الله عليما حكيما [سُورَة النِّسَاء ١٧] قَالَ أَبُو الْعَالِيَة قَالَ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ كل من عصى الله فَهُوَ جَاهِل وكل من تَابَ قبل الْمَوْت فقد تَابَ من قريب
стр. 219
وَقَالَ تَعَالَى وَإِذا جَاءَك الَّذين يُؤمنُونَ بِآيَاتِنَا فَقل سَلام عَلَيْكُم كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة أَنه من عمل مِنْكُم سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم [سُورَة الْأَنْعَام ٥٤]
وَالْمُؤمن لَا يزَال يخرج من الظُّلُمَات إِلَى النُّور ويزداد هدى فيتجدد لَهُ من الْعلم وَالْإِيمَان مَا لم يكن قبل ذَلِك فيتوب مِمَّا تَركه وَفعله وَالتَّوْبَة تصقل الْقلب وتجليه مِمَّا عرض لَهُ من رين الذُّنُوب كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ إِن العَبْد إِذا أذْنب نكتت فِي قلبه نُكْتَة سَوْدَاء فَإِن تَابَ وَنزع واستغفر صقل قلبه وَإِن زَاد زيد فِيهَا حَتَّى تعلو قلبه فَذَلِك الران الَّذِي قَالَ الله كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [سُورَة المطففين ١٤]
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح إِنَّه ليغان على قلبِي وَإِنِّي لأستغفر الله فِي الْيَوْم مائَة مرّة
التَّوْبَة من الاعتقادات أعظم من التَّوْبَة من الإرادات
وَالتَّوْبَة من الاعتقادات أعظم من التَّوْبَة من الإرادات فَإِن من ترك وَاجِبا أَو فعل قبيحا يعْتَقد وُجُوبه وقبحه كَانَ ذَلِك الِاعْتِقَاد دَاعيا لَهُ إِلَى فعل الْوَاجِب ومانعا من فعل الْقَبِيح فَلَا يكون فِي فعله وَتَركه ثَابت الدَّوَاعِي والصوارف بل تكون دواعيه وصوارفه متعارضة وَلِهَذَا يكون الْغَالِب على هَذَا التَّلَوُّم وَتَكون نفسهم لوامة تَارَة يؤدون الْوَاجِب وَتارَة يتركونه وَتارَة يتركون الْقَبِيح وَتارَة يَفْعَلُونَهُ كَمَا تَجدهُ فِي كثير من فساق الْقبْلَة الَّذين يؤدون الْحُقُوق تَارَة ويمنعونها أُخْرَى ويفعلون السَّيِّئَات تَارَة ويتركونها
стр. 220
أُخْرَى لتعارض الإرادات فِي قُلُوبهم إِذْ مَعَهم أصل الْإِيمَان الَّذِي يَأْمر بِفعل الْوَاجِب وَينْهى عَن فعل الْقَبِيح وَمَعَهُمْ من الشُّبُهَات والشهوات مَا يَدعُوهُم إِلَى خلاف ذَلِك
وَأما مَا فعله الْإِنْسَان مَعَ اعْتِقَاد وُجُوبه وَتَركه مَعَ اعْتِقَاد تَحْرِيمه فَهَذَا يكون ثَابت الدَّوَاعِي والصوارف أعظم من الأول بِكَثِير وَهَذَا تحْتَاج تَوْبَته إِلَى صَلَاح اعْتِقَاده أَولا وَبَيَان الْحق وَهَذَا قد يكون أصعب من الأول إِذْ لَيْسَ مَعَه دَاع إِلَى أَن يتْرك اعْتِقَاده كَمَا كَانَ مَعَ الأول دَاع إِلَى أَن يتْرك مُرَاده وَقد يكون أسهل إِذا كَانَ لَهُ غَرَض فِيمَا يُخَالف مُوجب الِاعْتِقَاد مثل الآصار والأغلال الَّتِي على أهل الْكتاب وإذلال الْمُسلمين لَهُم وَأخذ الْجِزْيَة مِنْهُم مَعَ مُخَالفَة الْمُسلمين لَهُ فَهَذَا قد يكون دَاعيا إِلَى أَن ينظر فِي اعْتِقَاده هَل هُوَ حق أَو بَاطِل حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ الْحق وَقد يكون أَيْضا مرغبا لَهُ فِي اعْتِقَاد يخرج بِهِ من هَذَا الْبلَاء
الِاعْتِقَاد والإرادة يتعاونان
وَكَذَلِكَ قهر الْمُسلمين لعدوهم بالأسر يَدعُوهُم إِلَى النّظر فِي محَاسِن الْإِسْلَام فللرغبة والرهبة تَأْثِير عَظِيم فِي معاونة الِاعْتِقَاد كَمَا للاعتقاد تَأْثِير عَظِيم فِي الْفِعْل وَالتّرْك فَكل وَاحِد من الْعلم وَالْعَمَل من الِاعْتِقَاد والإرادة يتعاونان فالعلم والاعتقاد يَدْعُو إِلَى الْعَمَل بِمُوجبِه والإرادة رَغْبَة وَرَهْبَة وَالْعَمَل بموجبها يُؤَيّد النّظر وَالْعلم الْمُوَافق لتِلْك الْإِرَادَة وَالْعَمَل كَمَا قَالَ من عمل بِمَا علم أورثه الله علم مَا لم يعلم
وَفِي الْقُرْآن شَوَاهِد هَذَا مُتعَدِّدَة فِي مثل قَوْله وَلَو أَنهم فعلوا مَا يوعظون بِهِ لَكَانَ خيرا لَهُم وَأَشد تثبيتا وَإِذا لآتيناهم من لدنا أجرا عَظِيما ولهديناهم صراطا مُسْتَقِيمًا [سُورَة النِّسَاء ٦٦ - ٦٨]
стр. 221
وَفِي قَوْله اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته وَيجْعَل لكم نورا تمشون بِهِ وَيغْفر لكم وَالله غَفُور رَحِيم [سُورَة الْحَدِيد ٢٨] وَغير ذَلِك
فَإِذا كَانَ الْإِنْسَان معاقبا على الِاعْتِقَاد كَمَا يُعَاقب الْكفَّار على كفرهم كَانَت التَّوْبَة مِنْهُ ظَاهِرَة كَمَا قَالَ تَعَالَى لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَمَا من إِلَيْهِ إِلَّا إِلَه وَاحِد وَإِن لم ينْتَهوا عَمَّا يَقُولُونَ ليمسن الَّذين كفرُوا مِنْهُم عَذَاب أَلِيم أَفلا يتوبون إِلَى الله ويستغفرونه وَالله غَفُور رَحِيم [سُورَة الْمَائِدَة ٧٣ - ٧٤] وَقَالَ تَعَالَى فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لَهُم كل مرصد فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم [سُورَة التَّوْبَة ٥]
فَأَما الإعقتاد المغفور كالخطأ وَالنِّسْيَان الَّذِي لَا يُؤَاخذ الله بِهِ هَذِه الْأمة كَمَا فِي قَوْله رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا [سُورَة الْبَقَرَة ٢٨٦] وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن الله قد فعل ذَلِك وكما قَالَ النَّبِي ﷺ إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر فَهَذَا
стр. 222
قد يُقَال فِي مثله إِن قيل إِنَّه يُتَاب مِنْهُ فَكيف يُتَاب مِمَّا لَا ذمّ فِيهِ وَلَا عِقَاب وَإِن قيل لَا يُتَاب مِنْهُ فَكيف لَا يرجع الْإِنْسَان إِلَى الْحق إِذا تبين لَهُ
وَجَوَاب ذَلِك أَنه يُتَاب مِنْهُ كَمَا يُتَاب من غَيره لِأَن صَاحبه قد ترك مَا هُوَ مَأْمُور بِهِ فِي نفس الْأَمر من الْعلم وَمَا يتبعهُ من أَعمال الْقُلُوب والجوارح إِمَّا لعَجزه عَن بُلُوغه وَإِمَّا لتَقْصِيره فِي طلبه
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قد فعل من الِاعْتِقَاد وَمَا يتبعهُ من أَعمال الْقُلُوب والجوارح مَا هُوَ مَنْهِيّ عَنهُ فِي نفس الْأَمر لَكِن سقط عَنهُ النَّهْي لعدم قدرته على معرفَة قبحه والتكليف مَشْرُوط بالتمكن من الْعلم وَالْقُدْرَة فَلَا يُكَلف الْعَاجِز عَن الْعلم مَا هُوَ عَاجز عَنهُ وَالنَّاسِي والمخطىء كَذَلِك لَكِن إِذا تجدّد لَهُ قدرَة على الْعلم صَار مَأْمُورا بِطَلَبِهِ وَإِذا تجدّد لَهُ الْعلم صَار مَأْمُورا حِينَئِذٍ باتباعه وَصَارَ فِي هَذِه الْحَال مذموما على ترك مَا يقدر عَلَيْهِ من طلب الْعلم الْوَاجِب وعَلى ترك اتِّبَاع مَا تبين لَهُ من الْعلم
وَأَيْضًا فَمَا دَامَ غير مستيقن للحق فَهُوَ مَأْمُور بِطَلَب الْعلم الَّذِي يبين لَهُ الْحق والمعتقد المخطىء لَا يكون مُسْتَيْقنًا قطّ فَإِن الْعلم وَالْيَقِين يجده الْإِنْسَان من نَفسه كَمَا يجد سَائِر إدراكاته وحركاته مِثْلَمَا يجد سَمعه وبصره وَشمه وذوقه فَهُوَ إِذا رأى الشَّيْء يَقِينا يعلم أَنه رَآهُ وَإِذا علمه يَقِينا يعلم أَنه علمه وَأما إِذا لم يكن مُسْتَيْقنًا فَإِنَّهُ لَا يجد مَا يجده الْعَالم كَمَا إِذا لم يستيقن رُؤْيَته لم يجد مَا يجده الرَّائِي وَإِنَّمَا يكون عِنْده ظن وَنَوع إِرَادَة توجب اعْتِقَاده
стр. 223
هَذَا هُوَ الَّذِي يجده بَنو آدم فِي نُفُوسهم كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى [سُورَة النَّجْم ٢٣] وَإِذا كَانَ الْإِنْسَان مَأْمُورا بِطَلَب الْعلم الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ بِحَسب إِمْكَانه وَهُوَ إِذا لم يجد الْعلم اليقيني يعلم أَنه لم يجد الْعلم فَهُوَ مَأْمُور بِالطَّلَبِ وَالِاجْتِهَاد فَإِن ترك مَا أَمر بِهِ كَانَ مُسْتَحقّا للذم وَالْعِقَاب على ذَلِك فَإِذا تبين لَهُ الْحق وَعلمه وَعلم أَنه كَانَ جَاهِلا بِهِ مُعْتَقدًا غير الْحق كَانَ تَائِبًا بِمَعْنى أَنه رَجَعَ من الْبَاطِل إِلَى الْحق وَإِن كَانَ الله قد عفى عَنهُ مَا رَجَعَ عَنهُ لعَجزه إِذْ ذَاك وَكَانَ أَيْضا تَائِبًا مِمَّا حصل فِيهِ أَولا من تَفْرِيط فِي طلب الْحق فكثير من خطأ بني آدم من تفريطهم فِي طلب الْحق لَا من الْعَجز التَّام وَكَانَ أَيْضا تَائِبًا من اتِّبَاع هَوَاهُ أَولا بِغَيْر هدى من الله فَإِن أَكثر مَا يحمل الْإِنْسَان على اتِّبَاع الظَّن المخطىء هُوَ هَوَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَيْسَ تَوْبَة هَذَا وحاله كَحال من كَانَ عَاجِزا عَن الْفِعْل ثمَّ قدر عَلَيْهِ كَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُطيق الْقيام إِذا قدر عَلَيْهِ بعد ذَلِك وكالخائف إِذا أَمن وكالمصلي بِتَيَمُّم وَنَحْو هَؤُلَاءِ
وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ إِذا كَانَت إرادتهم للْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ على وجهة الْكَمَال ثَابِتَة فِي قُلُوبهم وَقد عمِلُوا مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ من المُرَاد وَإِنَّمَا تركُوا تَمَامه لعجزهم كَانَ لَهُم مثل ثَوَاب الْفَاعِل كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ عَن أبي مُوسَى إِذا مرض العَبْد أَو سَافر كتب لَهُ من الْعَمَل مَا كَانَ يعْمل وَهُوَ صَحِيح مُقيم وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 224
قَالَ إِن بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلَا قطعْتُمْ وَاديا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ حَبسهم الْعذر
وَقد قَالَ تَعَالَى لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم [سُورَة النِّسَاء ٩٥] فَهَؤُلَاءِ لَهُم علم بالمأمور بِهِ الْكَامِل واعتقاد الْأَمر بِهِ وَإِرَادَة فعله بِحَسب الْإِمْكَان وَهَذَا كُله من أدائهم للْمَأْمُور بِهِ فَإِذا تَجَدَّدَتْ لَهُم قدرَة لم يَتَجَدَّد رَغْبَة فِي الْفِعْل الْكَامِل وَإِنَّمَا يَتَجَدَّد الْعَمَل بِتِلْكَ الرَّغْبَة الْمُتَقَدّمَة وَإِن كَانَ لَا بُد لهَذَا الْفِعْل من إِرَادَة تخصه وَلم يكن هَؤُلَاءِ مأمورين بذلك إِلَّا فِي هَذِه الْحَال فَقَط كَمَا تُؤمر الْمَرْأَة بِالصَّلَاةِ عِنْد انْقِضَاء الْحيض وكما يُؤمر الصَّبِي بِمَا يجب عَلَيْهِ عِنْد بُلُوغه وكما يُؤمر المزكى بِالزَّكَاةِ بعد ملك النّصاب والحول وَالْمُصَلي بِالصَّلَاةِ بعد دُخُول الْوَقْت
وَأما النَّاسِي والمخطىء فَإِنَّهُ لم يكن قد أَتَى بِالْعلمِ والاعتقاد والإرادة فَلَا يُثَاب على هَذِه الْأُمُور الَّتِي لم تكن لَهُ بل يكون الَّذِي حصل لَهُ ذَلِك أفضل مِنْهُ بهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ [سُورَة الزمر ٩] فنفى الْمُسَاوَاة بَين الَّذِي يعلم وَالَّذِي لَا يعلم مُطلقًا لم يسْتَثْن الْمَعْذُور كَمَا اسْتثْنى فِي تَفْضِيل الْمُجَاهِد على الْقَاعِد الْمَعْذُور
وَكَذَلِكَ سَائِر مَا فِي الْقُرْآن من نَحْو هَذَا كَقَوْلِه وَمَا يَسْتَوِي
стр. 225
الْأَعْمَى والبصير وَلَا الظُّلُمَات وَلَا النُّور وَلَا الظل وَلَا الحرور وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَات [سُورَة فاطر ١٩ - ٢٢] وَقَوله مثل الْفَرِيقَيْنِ كالأعمى والأصم والبصير والسميع هَل يستويان مثلا [سُورَة هود ٢٤] وَقَوله أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس كمن مثله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا [سُورَة الْأَنْعَام ١٢٢]
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر لم يَجْعَل أجر الْعَاجِز على إِصَابَة الصَّوَاب مَعَ اجْتِهَاده كَأَجر الْقَادِر عَلَيْهِ كَمَا جعل للْمَرِيض وَالْمُسَافر مثل ثَوَاب الصَّحِيح الْمُقِيم كَمَا جعل الْمَعْذُور من القاعدين عَن الْجِهَاد الَّذِي تمت رغبته بِمَنْزِلَة الْمُجَاهِد فَإِن الأَصْل هُوَ الْقلب وَالْبدن تَابع فالمستويان فِي عمل الْقلب إِذا فعل كل مِنْهُمَا بِقدر بدنه متماثلان بِخِلَاف المتفاضلين فِي عمل الْقلب علمه وإرادته وَمَا يتبع ذَلِك فَإِنَّهُمَا لَا يتماثلان وَلِهَذَا يُعَاقب العَبْد على مَا تَركه من الْإِيمَان بِقَلْبِه
وَإِن قيل إِن ذَلِك تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَلَا يُعَاقب على مَا عجز عَنهُ بدنه بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَهُوَ يُعَاقب على ترك مَا أَمر بإرادته وَفعله وَإِن كَانَت نَفسه لَا تريده وَلَا تحبه وَلَيْسَ هُوَ معاقبا على ترك مَا عجز عَنهُ بدنه كجهاد المقعد وَالْأَعْمَى وَنَحْوهمَا وَنَفسه إِنَّمَا لَا تعلم الْحق الَّذِي بعث الله بِهِ رسله وَلَا تريده لتَفْرِيطه وتعديه إِذْ آيَات ذَلِك الْحق ظَاهره وَهُوَ مَحْبُوب وَقد خلق الله كل مَوْلُود على الْفطْرَة الَّتِي تَتَضَمَّن الْقُوَّة على معرفَة
стр. 226
هَذَا الْحق وعَلى محبته وَلَكِن غير فطرته بِمَا يقلده عَن غَيره كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فأبوه يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة بَهِيمَة جَمْعَاء هَل تُحِسُّونَ فِيهَا من جَدْعَاء وَإِذا كَانَ قد خلق على الصِّحَّة والسلامة فَهُوَ يسْتَحق الْعقُوبَة على مَا غَيره من خلق الله بتفريطه وعدوانه لاتباعه الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس
وَقد بعث الله الرُّسُل مبشرين ومنذرين وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا [سُورَة الْإِسْرَاء ١٥] وَهَذَا مِمَّا يظْهر بِهِ الْفرق بَين الْمُجْتَهد المخطىء وَالنَّاسِي من هَذِه الْأمة فِي الْمسَائِل الخبرية والعملية وَبَين المخطىء من الْكفَّار وَالْمُشْرِكين وَأهل الْكتاب الَّذِي بلغته الرسَالَة إِذا قيل إِنَّه غير معاند للحق فَإِن ذَاك لَا يكون خَطؤُهُ إِلَّا لتَفْرِيطه وعدوانه لَا يتَصَوَّر أَن يجْتَهد فَيكون مخطئا فِي الْإِيمَان بالرسول بل مَتى اجْتهد وَالِاجْتِهَاد استفراغ الوسع فِي طلب الْعلم بذلك كَانَ مصيبا للْعلم بِهِ بِلَا ريب
فَإِن دَلَائِل مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ودواعيه فِي نِهَايَة الْكَمَال والتمام الَّذِي يَشْمَل كل من بلغته وَلَا يتْرك أحد قطّ اتِّبَاع الرَّسُول إِلَّا لتفريط وعدوان فَيسْتَحق الْعقَاب بِخِلَاف كثير من تَفْصِيل مَا جَاءَ بِهِ فَإِنَّهُ قد يعزب علمه عَن كثير
стр. 227
من خَواص الْأمة وعوامها بِحَيْثُ لَا يكونُونَ فِي ترك مَعْرفَته لَا مقصرين وَلَا مفرطين فَلَا يعاقبون بِتَرْكِهِ مَعَ أَنهم قد آمنُوا بِهِ إِيمَانًا محملًا فِي إِيمَانهم بِمَا جَاءَ بِهِ الرُّسُل فهم آمنُوا بِهِ مُجملا وَمَعَهُمْ أصُول الْإِيمَان بِهِ كَمَا أَن الْفَاسِق مَعَه الدَّوَاعِي لفعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور
فَلهَذَا كَانَ المخطىء بالتأويل من هَذِه الْأمة وَالْفَاسِق بِالْفِعْلِ مَعَ صِحَة الِاعْتِقَاد كل مِنْهُمَا محسنا من وَجه مسيئا من وَجه وَلَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا كالكفار من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب وَإِن كَانُوا فِي ذَلِك على دَرَجَات مُتَفَاوِتَة بل كل مِنْهُمَا لَيْسَ تَارِكًا لما أَمر بِهِ من الِاعْتِقَاد وَالْعَمَل مُطلقًا وَلَا فَاعِلا لضده مُطلقًا بل المتأول قد آمن إِيمَانًا عَاما بِكُل مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول واستسلم لكل مَا أمره بِهِ وَهَذَا الْإِيمَان وَالْإِسْلَام يتَنَاوَل مَا جَهله ويدعوه إِلَى الْإِيمَان وَالْإِسْلَام الْمفصل إِذا علمه لَكِن عَارض ذَلِك من جَهله وظلمه لنَفسِهِ مَا قد يكون مغفورا لَهُ وَقد يكون معذبا بِهِ
وَلذَلِك الْفَاجِر بِالْعَمَلِ مَعَه من الْإِيمَان بقبح الْفِعْل وبغضه مَا هُوَ دَاع لَهُ إِلَى فعل الأَصْل الْمَأْمُور بِهِ وداع لَهُ إِلَى تَركه لَكِن عَارض ذَلِك من هَوَاهُ مَا منع كَمَال طَاعَته بِخِلَاف المكذب للرسول ﷺ وَالْكَافِر بِهِ فَإِنَّهُ لم يصدق بِالْحَقِّ وَلم يستسلم لَهُ لَا جملَة وَلَا تَفْصِيلًا لَكِن قد يكون مَا اتبعهُ من ظَنّه وهواه مُوجبا لبَعض مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ومانعا لَهُ من النّظر فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع مَعَ ذَلِك أَن يسمع بِهِ فَهَذَا وَاقع كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وعرضنا جَهَنَّم يَوْمئِذٍ للْكَافِرِينَ عرضا الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء عَن ذكري وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا [سُورَة الْكَهْف ١٠٠ - ١٠١]
стр. 228
وَقَالَ تَعَالَى وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أُولَئِكَ يعرضون على رَبهم وَيَقُول الأشهاد هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم أَلا لعنة الله على الظَّالِمين الَّذين يصدون عَن سَبِيل الله ويبغونها عوجا وهم بِالآخِرَة هم كافرون أُولَئِكَ لم يَكُونُوا معجزين فِي الأَرْض وَمَا كَانَ لَهُم من دون الله من أَوْلِيَاء يُضَاعف لَهُم الْعَذَاب مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السّمع وَمَا كَانُوا يبصرون [سُورَة هود ١٨ - ٢٠]
لَكِن عدم هَذِه الإستطاعة كَانَ بتفريطه وعدوانه وَمن كَانَ تَركه للْمَأْمُور بذنب مِنْهُ أَو ضَرُورَته إِلَى الْمَحْظُور بذنب مِنْهُ لم يكن ذَلِك مَانِعا من ذمه وعقابه وَمن هَذَا قَوْله سُبْحَانَهُ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة [سُورَة الْأَنْعَام ١١] وَقَالَ تَعَالَى وَقَالُوا قُلُوبنَا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا مَا يُؤمنُونَ [سُورَة الْبَقَرَة ٨٨] وَقَالَ وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غلف بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا قَلِيلا [سُورَة النِّسَاء ١٥٥]
وَبِهَذَا يظْهر ضعف قَول طَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين الَّذين يَقُولُونَ الْخَطَأ وَالْإِثْم يتلازمان ثمَّ مِنْهُم من يَقُول كل مُجْتَهد فِي الْمسَائِل العملية مُصِيب كَمَا يَقُوله كثير من الْمُعْتَزلَة والأشعرية وَمِنْهُم من يَقُول بل فِيهَا مخطىء والمخطىء آثم كَمَا يَقُوله المريسي وَغَيره وَذَلِكَ أَنهم اعتقدوا أَنه حَيْثُ يكون مخطئا يكون تَارِكًا لما وَجب عَلَيْهِ
стр. 229
ثمَّ قَالَ الْأَولونَ فَإِذا لم يكن تَارِكًا للْمَأْمُور بِهِ فَلَا يكون لله فِي الْمَسْأَلَة حكم معِين أَو لَا يكون الحكم الْمَنْصُوص حكما فِي حَقه إِذا لم يتَمَكَّن من مَعْرفَته
وَقَالَ الْآخرُونَ بل إِذا كَانَ مخطئا يكون تَارِكًا للْمَأْمُور بِهِ فَيكون آثِما
وَالتَّحْقِيق أَنه مَأْمُور بِهِ أمرا مُطلقًا لَكِن شَرط الْإِثْم بِمَنْزِلَة التَّمَكُّن من مَعْرفَته فَإِذا لم يتَمَكَّن من مَعْرفَته لَا يكون شَرط الْإِثْم مَوْجُودا فِيهِ وَلَكِن ذَلِك لَا ينفى أَن يكون هُوَ الْمَأْمُور بِهِ وَهُوَ الَّذِي يُحِبهُ الله ويرضاه ويثيب فَاعله إِذا فعله وَإِنَّمَا سقط عَن بعض الْعباد لفَوَات الشَّرْط فِي حَقه خَاصَّة وَحِينَئِذٍ فَيكون النزاع فِي بعض الْمَوَاضِع نزاعا لفظيا
وَلِهَذَا اخْتلف الْعلمَاء هَل هُوَ مُصِيب فِي اجْتِهَاده وَإِن كَانَ مخطئا فِي نفس الْأَمر أَو هُوَ مخطىء فِي اجْتِهَاده وَفِي نفس الْأَمر على قَوْلَيْنِ ذكرهمَا القَاضِي رِوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَذَلِكَ أَن الْخَطَأ فِي الِاجْتِهَاد قد يَعْنِي بِهِ الْقُصُور وَالتَّقْصِير وَقد لَا يَعْنِي بِهِ إِلَّا التَّقْصِير إِذْ الْعَاجِز عَن معرفَة الحكم الَّذِي لله عَاجز قَاصِر لَيْسَ بمقصر وَلَا مفرط فِيمَا بعد عَلَيْهِ فَإِذا قَالَ أَخطَأ فِي اجْتِهَاده أَرَادَ أَخطَأ فِي استدلاله بِمَعْنى أَنه لم يسْتَدلّ بِالدَّلِيلِ الَّذِي يوصله إِلَى نفس الْحق وَلَا ريب أَنه أَخطَأ هَذَا الإستدلال الْموصل لَهُ إِلَى الْحق إِذْ لَو أَصَابَهُ لأصاب الْحق لكنه لم يكن قَادِرًا على هَذَا الإستدلال فَلَا يُعَاقب على تَركه
وَمن قَالَ لم يخطىء فِي اجْتِهَاده أَرَادَ أَنه لم يخطىء فِيمَا قدر عَلَيْهِ من الِاجْتِهَاد بل فعله على وَجهه لَكِن لم يكن مقدوره من الِاجْتِهَاد كَافِيا فِي إِدْرَاك الْمَطْلُوب فِي نفس الْأَمر
стр. 230
وَمثل هَذَا النزاع أَن يُقَال هَل فعل مَا أَمر بِهِ أَو لم يفعل مَا أَمر بِهِ فالمأمور بِهِ فِي نفس الْأَمر لم يَفْعَله وَأما الْمَأْمُور بِهِ فِي حَقه من الْعَمَل الْمُمكن فقد فعله وَلذَلِك إِذا اشتبهت اخته بأجنبية هَل يُقَال الْحَرَام فِي نفس الْأَمر وَاحِدَة أم الإثنتان محرمتان على الْقَوْلَيْنِ بِهَذَا الإعتبار
فصل
التَّوْبَة من الْحَسَنَات لَا تجوز عِنْد أحد من الْمُسلمين
فَأَما التَّوْبَة من الْحَسَنَات فَلَا تجوز عِنْد أحد من الْمُسلمين بل من تَابَ من الْحَسَنَات مَعَ علمه بِأَنَّهُ تَابَ من الْحَسَنَات فَهُوَ إِمَّا كَافِر وَإِمَّا فَاسق وَإِن لم يعلم أَنه تَابَ من الْحَسَنَات فَهُوَ جَاهِل ضال وَذَلِكَ أَن الْحَسَنَات هِيَ الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح فالتوبة من الْإِيمَان هِيَ الرُّجُوع عَنهُ وَالرُّجُوع عَنهُ ردة وَذَلِكَ كفر وَالتَّوْبَة من الْأَعْمَال الصَّالِحَة رُجُوع عَمَّا أَمر الله بِهِ وَذَلِكَ فسوق أَو مَعْصِيّة
وَالله تَعَالَى حبب إِلَى الْمُؤمنِينَ الْإِيمَان وَكره إِلَيْهِم الْكفْر والفسوق والعصيان فَكل حَسَنَة يَفْعَلهَا العَبْد إِمَّا وَاجِبَة وَإِمَّا مُسْتَحبَّة وَالتَّوْبَة تَتَضَمَّن النَّدَم على مَا مضى والعزم على أَن لَا يعود إِلَى مثله فِي الْمُسْتَقْبل والندم يتَضَمَّن ثَلَاثَة أَشْيَاء اعْتِقَاد قبح مَا نَدم عَلَيْهِ وبغضه وكراهته وألم يلْحقهُ عَلَيْهِ فَمن اعْتقد قبح مَا أَمر الله بِهِ أَمر إيحاب أَو اسْتِحْبَاب أَو أبْغض ذَلِك وَكَرِهَهُ بِحَيْثُ يتألم على فعله ويتأذى بِوُجُودِهِ فَفِيهِ من النِّفَاق بِحَسب ذَلِك وَهُوَ إِمَّا نفاق أكب ريخرجه من أصل الْإِيمَان وَإِمَّا نفاق أَصْغَر يُخرجهُ من كَمَاله الْوَاجِب عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم [سُورَة مُحَمَّد ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى وَإِذا
стр. 231
مَا أنزلت [سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم وماتوا وهم كافرون سُورَة التَّوْبَة ١٢٤ - ١٢٥] وَقَالَ تَعَالَى وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَلَا يزِيد الظَّالِمين إِلَّا خسارا [سُورَة الْإِسْرَاء ٨٢]
بل إِذا علم العَبْد أَن هَذَا الْفِعْل قد أمره الله بِهِ وأحبه فَاعْتقد هُوَ أَن ذَلِك لَيْسَ مِمَّا أَمر الله بِهِ وأبغضه وَكَرِهَهُ فَهُوَ كَافِر بِلَا ريب فَمثل هَذِه التَّوْبَة عَن الْحَسَنَات هِيَ ردة مَحْضَة عَن الْإِيمَان وَكفر بِالْإِيمَان وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين [سُورَة الْمَائِدَة ٥]
فإطلاق القَوْل بِأَن الْحَسَنَات يُتَاب مِنْهَا هُوَ كفر يجب أَن يُسْتَتَاب صَاحبه إِذْ مَعْنَاهُ أَنه يُؤمر بِالرُّجُوعِ عَن الْحَسَنَات واعتقاد أَن الرُّجُوع عَن الْحَسَنَات يقرب إِلَى الله وَهَذَا كفر بِلَا ريب ثمَّ إِن هَذِه التَّوْبَة متناقضة ممتنعة فِي نَفسهَا فَإِن التائب من الْحَسَنَات إِن اعْتقد أَن هَذِه التَّوْبَة حَسَنَة فَعَلَيهِ أَن يَتُوب مِنْهَا فَتكون بَاطِلَة فَلَا يكون قد تَابَ من الْحَسَنَات وَإِن اعْتقد أَنَّهَا سَيِّئَة كَانَ مقرا بِأَن هَذِه التَّوْبَة مُحرمَة فقد الْتزم أحد أَمريْن إِمَّا أَنه لم يتب من الْحَسَنَات أَو تَابَ تَوْبَة مُحرمَة وَهَذَا اشْتبهَ عَلَيْهِ حَال السَّابِقين المقربين الَّذين يتوبون من ترك المستحبات أَو فعل المكروهات غير الْمُحرمَات فَظن أَنهم تَابُوا مِمَّا فَعَلُوهُ من الْحَسَنَات وتركوه من الْمُحرمَات فَإِنَّهُم لَو تَابُوا من ذَلِك لكانوا مرتدين إِمَّا عَن أصل الْإِيمَان وَإِمَّا عَن كَمَاله وَإِنَّمَا هِيَ كوبة عَمَّا تَرَكُوهُ من مُسْتَحبّ وفعلوه من مَكْرُوه مثل أَن يكو العَبْد يُصَلِّي صَلَاة مجزئة غير كَامِلَة فتبلغه صَلَاة النَّبِي ﷺ المستحبة فَيصَلي كصلاته ويندم على مَا كَانَ يَفْعَله من الصَّلَاة النَّاقِصَة
стр. 232
فَهُوَ لَا يَتُوب مِمَّا فعله من الْحسن وَإِنَّمَا يَتُوب مِمَّا تَركه من الْحسن وَلِهَذَا ينْسب نَفسه إِلَى التَّفْرِيط بِمَا أضاعه من الْحَسَنَات وَكَذَلِكَ إِذا سمع فَضَائِل الْأَعْمَال المستحبة وَمَا وعد الله لأصحابها من علو الدَّرَجَات فيندم على مَا فرط من ذَلِك ويعزم على فعلهَا فَهُوَ تَوْبَة مِمَّا تَركه من الْحَسَنَات
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ يصبر على المكاره مثل الْفقر وَالْمَرَض وَخَوف الْعَدو من غير رضى بذلك فَبَلغهُ مقَام أهل الرِّضَا وَأَنه أَعلَى من الصَّبْر الَّذِي لَا رضَا مَعَه وَأَن هَؤُلَاءِ يسْتَحقُّونَ رضوَان الله عَلَيْهِم وَأَن أول من يدعى إِلَى الْجنَّة الْحَمَّادُونَ الَّذين يحْمَدُونَ الله على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَمَا روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لِابْنِ عَبَّاس إِن اسْتَطَعْت أَن تعْمل لله بِالرِّضَا مَعَ الْيَقِين فافعل وَإِن لم تستطع فَإِن فِي الصَّبْر على مَا يكره خيرا كثيرا
فَهَذَا يَتُوب من ترك الرِّضَا لَا من نفس مَا أَمر بِهِ من الصَّبْر فَإِن الصَّبْر يبْقى مَعَ الرِّضَا لَا بُد من الصَّبْر فِي الْحَالَتَيْنِ لَكِن تذْهب مرَارَة الْكَرَاهَة بِالرِّضَا وَتلك المرارة لَيست من الْحَسَنَات الْمَأْمُور بهَا وَلَا هِيَ دَاخِلَة أَيْضا فِي حد الصَّبْر الْمَأْمُور بِهِ بل الصَّبْر قد تكون مَعَه مرَارَة وَقد لَا تكون
وَمن اعْتقد أَن الصَّبْر لَا يكون إِلَّا مَعَ مرَارَة وَأَنه ضد الرِّضَا فقد تكلم بعرف بعض الْمُتَأَخِّرين وَلَيْسَ ذَاك عرف الْكتاب وَالسّنة فَإِن الله تَعَالَى أمرنَا بِالصبرِ وَأثْنى على أَصْحَابه فِي أَكثر من تسعين موضعا من كِتَابه
стр. 233
وَالله تَعَالَى لَا يَأْمر بِمَا هُوَ مَكْرُوه أَو ترك الْأَفْضَل وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بِفعل الْحسن لَا بترك الْأَحْسَن
وَبِهَذَا يعرف قَول من قَالَ حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين مَعَ أَن هَذَا اللَّفْظ لَيْسَ مَحْفُوظًا عَمَّن قَوْله حجَّة لَا عَن النَّبِي ﷺ وَلَا عَن أحد من سلف الْأمة وأئمتها وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام وَله معنى صَحِيح وَقد يحمل على معنى فَاسد
الْمَعْنى الصَّحِيح لعبارة: حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين
أما مَعْنَاهُ الصَّحِيح فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا أَن الْأَبْرَار يقتصرون على أَدَاء الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات وَهَذَا الإقتصار سَيِّئَة فِي طَرِيق المقربين وَمعنى كَونه سَيِّئَة أَن يخرج صَاحبه عَن مقَام المقربين فَيحرم درجاتهم وَذَلِكَ مِمَّا يسوء من يُرِيد أَن يكون من المقربين فَكل من أحب شَيْئا وَطَلَبه إِذا فَاتَهُ محبوبه ومطلوبه سَاءَهُ ذَلِك فالمقربون يتوبون من الإقتصار على الْوَاجِبَات لَا يتوبون من نفس الْحَسَنَات الَّتِي يعْمل مثلهَا الْأَبْرَار بل يتوبون من الإقتصار عَلَيْهَا وَفرق بَين التَّوْبَة من فعل الْحسن وَبَين التَّوْبَة من ترك الْأَحْسَن والإقتصار على الْحسن
الثَّانِي أَن العَبْد قد يُؤمر بِفعل يكون حسنا مِنْهُ إِمَّا وَاجِبا وَإِمَّا مُسْتَحبا لِأَن ذَلِك مبلغ علمه وَقدرته وَمن يكون أعلم مِنْهُ وأقدر لَا يُؤمر بذلك بل يُؤمر بِمَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ فَلَو فعل هَذَا مَا فعله الأول كَانَ ذَلِك سَيِّئَة
مِثَال ذَلِك أَن الْعَاميّ يُؤمر بِمَسْأَلَة الْعلمَاء المأمونين على الْإِسْلَام وَالرُّجُوع إِلَيْهِم بِحَسب قُوَّة إِدْرَاكه وَإِن كَانَ فِي ذَلِك تَقْلِيد لَهُم إِذا لَا يُؤمر العَبْد إِلَّا بِمَا يقدر عَلَيْهِ وَأما الْعلمَاء القادرون على معرفَة الْكتاب وَالسّنة والإستدلال
стр. 234
بهما فَلَو تركُوا ذَلِك وَأتوا بِمَا يُؤمر بِهِ الْعَاميّ لكانوا مسيئين بذلك
وَهَذَا كَمَا يُؤمر الْمَرِيض أَن يُصَلِّي قَائِما فَإِن لم يسْتَطع فقاعدا فَإِن لم يسْتَطع فعلى جنب وكما يُؤمر الْمُسَافِر أَن يُصَلِّي الظّهْر وَالْعصر وَالْعشَاء رَكْعَتَيْنِ فِي السّفر
وَهَذَا لَو فعله الْمُقِيم لَكَانَ مسيئا تَارِكًا للْفَرض بل فَرْضه أَربع رَكْعَات فَإِن الْمَرَض وَالسّفر لَا ينقص العَبْد عَن كَونه مقربا إِذا كَانَ ذَلِك حَاله فِي الْإِقَامَة فقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِذا مرض العَبْد أَو سَافر كتب لَهُ من الْعَمَل مَا كَانَ يعْمل وَهُوَ صَحِيح مُقيم
بِخِلَاف الْعلم وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله بِالنَّفسِ وَالْمَال والمسابقة إِلَى الْخيرَات فَإِن الله يَقُول يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات [سُورَة المجادلة ١١] وَيَقُول لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فضل الله الْمُجَاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم على القاعدين دَرَجَة وكلا وعد الله الْحسنى [سُورَة النِّسَاء ٩٥] وَيَقُول فِي كِتَابه لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى [سُورَة الْحَدِيد ١٠] وَيَقُول أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله لَا يستوون عِنْد الله وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله وَأُولَئِكَ هم الفائزون يبشرهم رَبهم برحمة مِنْهُ ورضوان وجنات لَهُم فِيهَا نعيم مُقيم
стр. 235
خَالِدين فِيهَا أبدا إِن الله عِنْده أجر عَظِيم [سُورَة التَّوْبَة ١٩ - ٢٢]
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا تسبوا أَصْحَابِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم سُئِلَ أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه وَقَالَ خير القورن الْقرن الَّذين بعثت فيهم ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ
فالعلم وَالْجهَاد كالأمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَمَا يدْخل فِي ذَلِك هُوَ وَاجِب على الْكِفَايَة من الْمُؤمنِينَ فَمن قَامَ بِهِ كَانَ أفضل مِمَّن لم يقم بِهِ وَإِذا ترك ذَلِك من تعين عَلَيْهِ كَانَ مذنبا مسيئا فَيكون ذَلِك سَيِّئَة لَهُ إِذا تَركه وحسنة مفضلة لَهُ على غَيره إِذا فعله وَإِن كَانَ الْقيام بالواجبات بِدُونِ ذَلِك من حَسَنَات من لم يكن قَادِرًا على ذَلِك فحسنات هَؤُلَاءِ الْأَبْرَار وَهِي الإقتصار على ذَلِك سيئات أُولَئِكَ المقربين
стр. 236
وَكَذَلِكَ السَّابِقُونَ الْأَولونَ من هَذِه الْأمة فِيمَا فَعَلُوهُ من الْجِهَاد وَالْهجْرَة لَو تركُوا ذَلِك واقتصروا على مَا دون كَانَ ذَلِك من أعظم سيئاتهم قَالَ النَّبِي ﷺ لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة وَإِذا استنفرتم فانفروا كَانَ الإقتصار على مُجَرّد ذَلِك من حَسَنَات الْأَبْرَار الَّذين لَيْسُوا من أُولَئِكَ السَّابِقين
وَكَذَلِكَ المُرْسَلُونَ لَهُم مأمورات لَو تركوها كَانَ ذَلِك سيئات وَإِن كَانَ فعل مَا دونهَا حَسَنَات لغَيرهم مِمَّن لم يُؤمر بذلك إِلَى نَظَائِر ذَلِك مِمَّا يُؤمر فِيهِ العَبْد بِفعل لم ؤمر بِهِ من هُوَ دونه فَيكون ترك ذَلِك سَيِّئَة فِي حقهه وَهُوَ من المقربين إِذا فعله وَيكون فعل مَا دون ذَلِك حَسَنَات لمن دونه
وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان يفضل على غَيره إِمَّا بِفعل مُسْتَحبّ فِي حَقّهمَا وَإِمَّا بِمَا يُؤمر بِهِ أَحدهمَا دون الآخر فيفعله وتخصيصه بِفِعْلِهِ قد يكون لقدرته وَقد يكون لامتحانه بِسَبَبِهِ كمن لَهُ والدان فَإِنَّهُ يُؤمر ببرهما وَيكون بذلك أفضل مِمَّن لم يعْمل مثل عمله كَمَا روى عَن النَّبِي ﷺ فِي حق المتصدقين بِفُضُول أَمْوَالهم المشاركين لغَيرهم فِي الْأَعْمَال البدينة ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء فَهَؤُلَاءِ المفضلون الإقتصار على مَا دون هَذِه الْأُمُور سيئات فِي حَقهم وحسنات لمن لَيْسَ مثلهم فِي ذَلِك
стр. 237
فهذان الْوَجْهَانِ كِلَاهُمَا معنى صَحِيح لقَوْل الْقَائِل حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين
الْمَعْنى الْفَاسِد للعبارة
وَأما الْمَعْنى الْفَاسِد فَأن يظنّ الضان أَن الْحَسَنَات الَّتِي أَمر الله بهَا أمرا عَاما يدْخل فِيهِ الْأَبْرَار وَيكون سيئات للمقربين مثل من يظنّ أَن الصَّلَوَات الْخمس ومحبة الله وَرَسُوله والتوكل على الله وإخلاص الدَّين لله وَنَحْو ذَلِك هِيَ سيئات فِي حق المقربين فَهَذَا قَول فَاسد غلا فِيهِ قوم من الزَّنَادِقَة الْمُنَافِقين المنتسبين إِلَى الْعلمَاء والعباد فزعموا أَنهم يصلونَ إِلَى مقَام المقربين الَّذِي لَا يؤمرون فِيهِ بِمَا يُؤمر بِهِ عُمُوم الْمُؤمنِينَ من الْوَاجِبَات وَلَا يحرم عَلَيْهِم مَا يحرم على عُمُوم الْمُؤمنِينَ من الْمُحرمَات كَالزِّنَا وَالْخمر وَالْميسر
وَكَذَلِكَ زعم قوم فِي أَحْوَال الْقُلُوب الَّتِي يُؤمر بهَا جَمِيع الْمُؤمنِينَ أَن المقربين لَا تكون هَذِه حَسَنَات فِي حَقهم
وكلا هذَيْن من أَخبث الْأَقْوَال وأفسدها
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن التائب من الْحَسَنَات إِن علم أَنَّهَا حَسَنَات وَتَابَ مِنْهَا فقد أذْنب إِمَّا بِكفْر أَو فسوق أَو مَعْصِيّة وَإِن لم يعلم أَنَّهَا حَسَنَات فَهُوَ ضال جَاهِل لِأَنَّهُ إِذا تَابَ مِمَّا يُسمى حَسَنَة وَكَانَ حَسَنَة فِي الشَّرِيعَة حَقِيقَة قد أَمر الله بهَا فَهُوَ ارْجع عَن طَاعَة الله الَّتِي هِيَ طَاعَته وَهِي حَسَنَة وَالرُّجُوع عَن طَاعَة الله وَدينه لَا يخرج عَن أَن يكون ردة عَن أصل الدَّين فَيكون كفرا مغلظا وَإِمَّا عَن كَمَاله هَذَا لَو كَانَ الرُّجُوع بِنَفس التّرْك فَإِن ترك الْإِيمَان كفر وَترك الْوَاجِبَات إِمَّا فسق وَإِمَّا مَعْصِيّة وَترك المستحبات المتطوعة يُؤَخر دَرَجَته هَذَا إِذا كَانَ تركا مَحْضا فَأَما إِذا اعقتد مَعَ ذَلِك أَن الْحَسَنَات الَّتِي يُحِبهَا الله وَرَسُوله مِمَّا يُتَاب مِنْهَا بِحَيْثُ ينْدَم العَبْد عَلَيْهَا فيعتقد أَن تَركهَا خير من فعلهَا أَو أَنَّهَا لَيست أمورا بهَا أَو أَنَّهَا لَا تقرب إِلَى الله أَو لَا تَنْفَع
стр. 238
عِنْده أَو أبغضها وكرهها وَرجع عَنْهَا وتألم من فعلهَا مندينا بذلك فَهَذَا كَافِر مُرْتَد تجب استتابته بِلَا نزاع بَين الْعلمَاء وَهَذَا هُوَ مُسَمّى التَّوْبَة فَعلم أَن القَوْل بِأَن الْحَسَنَات يُتَاب مِنْهَا كفر مَحْض
وَأما إِن لم يعلم أَنَّهَا حَسَنَات بل تَابَ مِمَّا كَانَ يُسَمِّيه أَو غَيره حَسَنَات أَو كَانَ حَسَنَة فِي الشَّرِيعَة وَلم يعلم العَبْد أَنه حَسَنَة بل ظن أَنه سَيِّئَة أَو كَانَ سَيِّئَة مَنْهِيّا عَنْهَا واعتقد الْمَرْء أَنه حَسَنَة مَأْمُور بهَا فَهُوَ ضال جَاهِل وَهَذَا عَلَيْهِ أَن يَتُوب من هَذَا الِاعْتِقَاد وَالْعَمَل الَّذِي كَانَ يعْتَقد أَنه حَسَنَة كَمَا يَتُوب كل ضال من الْكفَّار وَأهل الْأَهْوَاء الْمُشْركين وَأهل الْكتاب والمبتدعة كالخوارج وَالرَّوَافِض والقدرية والجهمية وَغَيرهم فَإِن هَؤُلَاءِ يتوبون مِمَّا كَانُوا يَظُنُّونَهُ حَسَنَات لَا يتوبون مِمَّا هُوَ فِي الشَّرِيعَة حَسَنَات وَلَا يطلقون القَوْل إِنَّا نتوب من الْحَسَنَات وَلَا أَن التَّوْبَة من الْحَسَنَات فعل المقربين وَلَا أَن التَّوْبَة من الْحَسَنَات مَشْرُوع للسابقين وَلَا أَن الَّذِي تبنا مِنْهُ كَانَ حَسَنَات وَلَكِن يَقُولُونَ نتوب مِمَّا كُنَّا نظن أَنه حَسَنَات وَلَيْسَ بحسنات كَمَا قيل
إِذا محاسني اللَّاتِي أدل بهَا ... كَانَت ذُنُوبِي فَقل لي كَيفَ أعْتَذر
وَكَذَلِكَ يَتُوب الْمَرْء مِمَّا يعده حَسَنَات لَهُ وَهُوَ مقصر فِي فعله أَو خَائِف من تَقْصِيره فِي فعله كَمَا قَالَ تَعَالَى وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا وَقُلُوبهمْ
стр. 239
وَجلة أَنهم إِلَى رَبهم رَاجِعُون [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ٦٠] وَقد روى عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله أهوَ الرجل يَزْنِي وَيسْرق وَيشْرب الْخمر وَيخَاف فَقَالَ لَا يَا بنت الصّديق وَلكنه الرجل يَصُوم وَيُصلي وَيتَصَدَّق وَيخَاف أَلا يقبل مِنْهُ
وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ [سُورَة الْمَائِدَة ٢٧] أَي من الَّذين يتقونه فِي الْعَمَل
وَالتَّقوى فِي الْعَمَل بشيئين أَحدهمَا إخلاصه لله وَهُوَ أَن يُرِيد بِهِ وَجه الله لَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا وَالثَّانِي أَن يكون مِمَّا أمره الله بِهِ وأحبه فَيكون مُوَافقا للشريعة لَا من الدَّين الَّذِي شَرعه من لم يَأْذَن الله لَهُ وَهَذَا كَمَا قَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا [سُورَة هود ٧] قَالَ اخلصه وأصوبه وَذَلِكَ أَن الْعلم إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة
فالسعيد يخَاف فِي أَعماله أَن لَا يكون صَادِقا فِي إخلاصه الدَّين لله أَو أَن لَا تكون مُوَافقَة لما أَمر الله بِهِ على لِسَان رَسُوله وَلِهَذَا كَانَ السّلف يخَافُونَ النِّفَاق على أنفسهم فَذكر البُخَارِيّ عَن أبي عالية قَالَ أدْركْت ثَلَاثِينَ من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ كلهم يخَاف النِّفَاق على نَفسه وَلِهَذَا كَانُوا يستثنون فَيَقُول أحدهم أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله وَمثل هَؤُلَاءِ يَسْتَغْفِرُونَ الله مِمَّا علموه أَو لم يعلموه من التَّقْصِير والتعدي ويتوبون من ذَلِك
стр. 240
وَهَذَا مَشْرُوع للأنبياء وَالْمُؤمنِينَ كَانَ النَّبِي ﷺ يسْتَغْفر بعد الصَّلَاة ثَلَاثًا وَقَالَ تَعَالَى والمستغفرين بالأسحار [سُورَة آل عمرَان ١٧] قَالُوا كَانُوا يحيون اللَّيْل صَلَاة ثمَّ يَقْعُدُونَ فِي السحر يَسْتَغْفِرُونَ فيختمون قيام اللَّيْل بالإستغفار وَقَالَ تَعَالَى فَإِذا أَفَضْتُم من عَرَفَات فاذكروا الله عِنْد الْمشعر الْحَرَام واذكروه كَمَا هدَاكُمْ وَإِن كُنْتُم من قبله لمن الضَّالّين ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس وَاسْتَغْفرُوا الله إِن الله غَفُور رَحِيم [سُورَة الْبَقَرَة ١٩٨ - ١٩٩] وَقَالَ تَعَالَى إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا
فَإِن قيل قد قَالَ تَعَالَى وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون [سُورَة النُّور ٣١] وَفِي الْمُؤمنِينَ من لَا ذَنْب لَهُ فَيكون أمره بِالتَّوْبَةِ أمرا بِالتَّوْبَةِ من الْحَسَنَات وَكَذَلِكَ تَوْبَة الْأَنْبِيَاء وهم معصومون
لم تأت الشَّرِيعَة بِالتَّوْبَةِ من الْحَسَنَات
قيل هَذَا من أعظم الْفِرْيَة لم تأت الشَّرِيعَة بِالتَّوْبَةِ من الْحَسَنَات وَهِي مَا أَمر بِهِ من طَاعَته وَطَاعَة أنبيائه وَلَيْسَ فِي الْمُؤمنِينَ إِلَّا من لَهُ ذَنْب من ترك مَأْمُور أَو فعل مَحْظُور كَمَا قَالَ ﷺ كل بني آدم خطاء وَخير الْخَطَّائِينَ التوابون
وَقد قَالَ تَعَالَى وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم
стр. 241
المتقون لَهُم مَا يشاءون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ [سُورَة الزمر ٣٣ - ٣٥]
وَقَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ الَّذين نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا ونتجاوز عَن سيئاتهم فِي أَصْحَاب الْجنَّة وعد الصدْق الَّذِي كَانُوا يوعدون [سُورَة الْأَحْقَاف ١٦]
أصل هَذِه الْمقَالة هُوَ دَعْوَى الْعِصْمَة فِي الْمُؤمنِينَ
وأصل هَذِه الْمقَالة وَهُوَ دَعْوَى الْعِصْمَة فِي الْمُؤمنِينَ وَمَا يشبه ذَلِك هُوَ من أَقْوَال الغالية من النَّصَارَى وغالية هَذِه الْأمة وابتدعها فِي الملتين منافقوها
غلو النَّصَارَى فِي هَذِه الدَّعْوَى
قَالَ الله تَعَالَى يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ [سُورَة النِّسَاء ١٧١] وَقَالَ تَعَالَى يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل [سُورَة الْمَائِدَة ٧٧] وَقَالَ تَعَالَى مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة ثمَّ يَقُول للنَّاس كونُوا عبادا لي من دون الله وَلَكِن كونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ الْكتاب وَبِمَا كُنْتُم تدرسون وَلَا يَأْمُركُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَة والنبيين أَرْبَابًا أيأمركم بالْكفْر بعد إِذْ أَنْتُم مُسلمُونَ [سُورَة آل عمرَان ٧٩ - ٨٠]
وَقَالَ تَعَالَى وَقَالَت الْيَهُود عَزِيز ابْن الله وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله ذَلِك قَوْلهم بأفواههم يضاهئون قَول الَّذين كفرُوا من قبل قَاتلهم الله أَنى يؤفكون اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ
стр. 242
أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ [سُورَة التَّوْبَة ٣٠ - ٣١]
وَقد روى فِي حَدِيث عدي بن حَاتِم عَن النَّبِي ﷺ قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَا عبدوهم قَالَ أحلُّوا لَهُم الْحَرَام فأطاعوهم وحرموا عَلَيْهِم الْحَلَال فأطاعوهم فَتلك عِبَادَتهم إيَّاهُم
وَهَذَا الغلو الَّذِي فِي النَّصَارَى حَتَّى اتَّخذُوا الْمَسِيح وَأمه إِلَهَيْنِ من دون الله وَاتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله قد ذكرُوا أَن أول من ابتدعه لَهُم بولص الَّذِي كَانَ يَهُودِيّا فَأسلم وَاتبع الْمَسِيح نفَاقًا ليلبس على النَّصَارَى دينهم فأحدث لَهُم مقالات غَالِيَة وَكَثُرت الْبدع فِي النَّصَارَى فِي اعتقاداتهم وعباداتهم كَمَا قَالَ تَعَالَى ورهبانية ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم إِلَّا ابْتِغَاء رضوَان الله فَمَا رعوها حق رعايتها فآتينا الَّذين آمنُوا مِنْهُم أجرهم وَكثير مِنْهُم فَاسِقُونَ [سُورَة الْحَدِيد ٢٧]
غلو الشِّيعَة فِي دَعْوَى الْعِصْمَة
وَكَذَلِكَ أول مَا ابتدعت مقَالَة الغالية فِي الْإِسْلَام من جِهَة بعض من كَانَ قد دخل فِي الْإِسْلَام وَانْتَحَلَ التَّشَيُّع وَقيل أول من أظهر ذَلِك عبد الله بن سبأ الَّذِي كَانَ يَهُودِيّا فَأسلم وَكَانَ مِمَّن أَقَامَ الْفِتْنَة على عُثْمَان ثمَّ أظهر مُوالَاة عَليّ وَهُوَ من ابتدع الغلو فِي عَليّ حَتَّى ظهر فِي زَمَانه من ادّعى فِيهِ الإلهية
стр. 243
وسجدوا لَهُ لما خرج من بَاب مَسْجِد كِنْدَة فَأمر عَليّ ﵁ بتحريقهم بالنَّار بعد أَن أَجلهم ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي الصَّحِيح أَن ابْن عَبَّاس بلغه أَن عليا حرق زنادقة فَقَالَ لَو كنت أَنا لم أحرقهم لنهي النَّبِي ﷺ أَن يعذب بِعَذَاب الله ولضربت رقابهم بِالسَّيْفِ لقَوْل النَّبِي ﷺ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ قَالُوا وهم هَؤُلَاءِ وَقد رووا قصتهم مستوفاة وروا أَنه أظهر أَيْضا سبّ أبي بكر وَعمر حَتَّى طلب عَليّ أَن يقْتله فهرب مِنْهُ وَلما بلغ عليا أَن أَقْوَامًا يفضلونه على أبي بكر وَعمر قَالَ لَا أُوتِيَ بِأحد يُفَضِّلُنِي على أبي بكر وَعمر إِلَّا جلدته حد المفتري تَحْقِيقا لما رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة أَنه سَأَلَ أَبَاهُ من خير النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَبُو بكر قَالَ ثمَّ من قَالَ ثمَّ عمر وَقد روى ذَلِك عَن على من نَحْو ثَمَانِينَ طَرِيقا وَهُوَ متواتر عَنهُ وروى هَذَا الْمَعْنى عَنهُ من
стр. 244
وُجُوه مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب ثَنَاء الصَّحَابَة على الْقَرَابَة وثناء الْقَرَابَة وثناء الْقَرَابَة على الصَّحَابَة
وَحِينَئِذٍ ابتدع القَوْل بِأَن عليا إِمَام مَنْصُوص على إِمَامَته وابتدع أَيْضا القَوْل بِأَنَّهُ مَعْصُوم أعظم مِمَّا يَعْتَقِدهُ الْمُؤْمِنُونَ فِي عصمَة الْأَنْبِيَاء بل ابتدع القَوْل بنبوته وَحدث بِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ من اعْتقد كفره وردته واستحل قَتله على ذَلِك من الْخَوَارِج وَمن اعْتقد فسقه أَو ظلمه من الأموية وَبَعض أهل الْكَلَام من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَمن لم يعْتَقد إِمَامَته وَلَا إِمَامَة غَيره فِي زَمَانه أَو جعل إِمَامَته وإمامة غَيره سَوَاء مَعَ اعْتِقَاده فَضله وسابقته فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة حدثت بِإِزَاءِ تِلْكَ الثَّلَاثَة فالغالية والرافضة والمفضلة بِإِزَاءِ المكفرة والمفسقة والمتوقفة عَن اخْتِصَاصه بِالْإِمَامَةِ إِذْ ذَاك
стр. 245
ثمَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ إِمَام مَنْصُوص عَلَيْهِ مَعْصُوم تفَرقُوا فِي الْإِمَامَة بعده تفَرقا كثيرا مَشْهُورا فِي كتب المقالات مِنْهُم الإثنا عشرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ بِأَن الْإِمَامَة انْتَقَلت بِالنَّصِّ من وَاحِد إِلَى وَاحِد إِلَى المنتظر مُحَمَّد بن الْحسن الَّذِي يَزْعمُونَ أَنه دخل سرداب سامراء سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ طِفْل لَهُ سنتَانِ أَو ثَلَاث وَأكْثر مَا قيل خمس ويزعمون مَعَ ذَلِك أَنه إِمَام مَعْصُوم يعلم كل شَيْء من أَمر الدَّين وَيجب الْإِيمَان بِهِ على كل أحد وَلَا يَصح إِيمَان أحد إِلَّا بِالْإِيمَان بِهِ وَمَعَ هَذَا فَلهُ الْيَوْم أَكثر من أربعمئة وَأَرْبَعين سنة لم يعرف لَهُ عين وَلَا أثر وَلَا سمع لَهُ أحد بِمَا يعْتَمد عَلَيْهِ من الْخَبَر
وَأهل الْمعرفَة بِالنّسَبِ يَقُولُونَ إِن الْحسن بن عَليّ العسكري وَالِده لم يكن لَهُ نسل وَلَا عقب وَاتفقَ الْعُقَلَاء على أَنه لم يدْخل السرداب أحد وَأجْمع أهل الْعلم بالشريعة على مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة أَن هَذَا لَو كَانَ مَوْجُودا لَكَانَ من أَطْفَال الْمُسلمين الَّذين يجب الْحجر عَلَيْهِم فِي أنفسهم وَأَمْوَالهمْ حَتَّى يبلغ وَيُؤْنس مِنْهُ الرشد كَمَا قَالَ تَعَالَى وابتلوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافا وبدارا أَن يكبروا [سُورَة النِّسَاء ٦]
وَقد بسطنا القَوْل فِي بَيَان فَسَاد هَذَا فِي ذكر مَا خاطبنا بِهِ الشِّيعَة قبل هَذَا ثمَّ فِي كتَابنَا الْكَبِير الْمُسَمّى بمنهاج أهل السّنة النَّبَوِيَّة فِي نقض كَلَام الشيع والقدرية
وَمن الرافضة من يزْعم أَن الإِمَام بعد عَليّ أَو بعد الْحُسَيْن هُوَ ابْن عَليّ مُحَمَّد
стр. 246
ابْن الْحَنَفِيَّة وهم الكيساينة وَمِنْهُم طوائف كَثِيرَة لَيْسَ هَذَا موضعهَا إِذْ لَيْسَ فِي نحل الْأمة أَكثر تفَرقا واختلافا مِنْهُم فَإِن أول من ابتدع مقالتهم كَانَ منافقا زنديقا لم يَك مُؤمنا ثمَّ انتشرت فِي أَقوام لم يعرفوا أَخْبَار الْمُسلمين الْأَوَائِل وَلم يقصدوا الزندقة
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن هَؤُلَاءِ هم أول من أظهر القَوْل بِأَن فِي الْمُؤمنِينَ من لَا ذَنْب لَهُ كَمَا قَالَ هَذَا السَّائِل وَادعوا عصمَة الْأَئِمَّة الإثنى عشر حَتَّى عَن الْخَطَأ فِي الِاجْتِهَاد وَعَن نِسْيَان الْعلم وَعَن عدم معرفَة شَيْء من الْعلم فَقَالُوا إِنَّهُم يعلمُونَ كل شَيْء وَادعوا عصمتهم من صَغِير الذُّنُوب وكبيرها وَغير ذَلِك وَادعوا ذَلِك فِي الْأَنْبِيَاء أَيْضا لأَنهم أفضل من الْأَئِمَّة
غلو الصُّوفِيَّة
وَلم يقل هَذَا فِي الْأمة غَيرهم على هَذَا الْوَجْه لَكِن ظهر فِي صنفين من الْأمة بعض بدعتهم طَائِفَة من النساك والعباد يَزْعمُونَ فِي بعض الْمَشَايِخ أَو فِيمَن يَقُولُونَ إِنَّه ولي الله أَنه لَا يُذنب وَبِمَا عينوا بعض الْمَشَايِخ وَزَعَمُوا أَنه لم يكن لأَحَدهم ذَنْب وَرُبمَا قَالَ بَعضهم النَّبِي مَعْصُوم وَالْوَلِيّ مَحْفُوظ
وَمن غَالِيَة هَؤُلَاءِ من يعْتَقد فِي بعض الْمَشَايِخ من الإلهية والنبوة مَا اعتقدته
стр. 247
الغالية فِي عَليّ وَيَزْعُم أَن الشَّيْخ يخلق ويرزق وَيدخل من يَشَاء الْجنَّة وَمن يَشَاء النَّار ويعبده ويدعوه كَمَا يعبد الله وَيَقُول كل رزق لَا يرزقنيه الشَّيْخ فلَان فَإِنِّي لَا أريده ويذبح الذَّبَائِح باسمه وَيُصلي وَيسْجد إِلَى جِهَة قَبره ويستغيث بِهِ فِي الْحَاجَات كَمَا يستغاث بِاللَّه تَعَالَى
فَأَما ضلال هَذِه الغالية فشرك وَاضح قد بَيناهُ فِي غير هَذَا الْموضع فَإِنَّهُ لَا تجوز عبَادَة أحد دون الله وَلَا التَّوَكُّل عَلَيْهِ والإستعانة بِهِ ودعاؤه ومسألته كَمَا يدعى الله وَيسْأل الله
قَالَ تَعَالَى قل ادعوا الَّذين زعمتم من دونه فَلَا يملكُونَ كشف الضّر عَنْكُم وَلَا تحويلا أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة أَيهمْ أقرب ويرجون رَحمته وَيَخَافُونَ عَذَابه إِن عَذَاب رَبك كَانَ محذورا [سُورَة الْإِسْرَاء ٥٦ - ٥٧] وَقَالَ تَعَالَى قل ادعوا الَّذين زعمتم من دون الله لَا يملكُونَ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض وَمَا لَهُم فيهمَا من شرك وَمَا لَهُ مِنْهُم من ظهير وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِلَّا لمن أذن لَهُ [سُورَة سبأ ٢٢ - ٢٣] وَقَالَ تَعَالَى من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ [سُورَة الْبَقَرَة ٢٥٥] وَقَالَ تَعَالَى أم اتَّخذُوا من دون الله شُفَعَاء قل أَو لَو كَانُوا لَا يملكُونَ شَيْئا وَلَا يعْقلُونَ قل لله الشَّفَاعَة جَمِيعًا لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض [سُورَة الزمر ٤٣ - ٤٤] وَقَالَ تَعَالَى فَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر فَتكون من الْمُعَذَّبين [سُورَة الشُّعَرَاء ٢١٣] وَقَالَ تَعَالَى لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَقَالَ الْمَسِيح يَا بني إِسْرَائِيل اعبدوا الله رَبِّي وربكم إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار وَمَا للظالمين من أنصار [سُورَة الْمَائِدَة ٧٢]
стр. 248
لَا عصمَة لأحد بعد الرَّسُول
وَالْمَقْصُود هُنَا ذكر الْعِصْمَة فقد أجمع جَمِيع سلف الْمُسلمين وأئمة الدَّين من جَمِيع الطوائف أَنه لَيْسَ بعد رَسُول الله ﷺ أحد مَعْصُوم وَلَا مَحْفُوظ لَا من الذُّنُوب وَلَا من الْخَطَايَا بل من النَّاس من إِذا أذْنب اسْتغْفر وَتَابَ وَإِذا أَخطَأ تبين لَهُ الْحق فَرجع إِلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا وَاجِبا لأحد بعد رَسُول الله ﷺ بل يجوز أَن يَمُوت أفضل النَّاس بعد الْأَنْبِيَاء وَله ذَنْب يغفره الله وَقد خفى عَلَيْهِ من دَقِيق الْعلم مَا لم يعرفهُ وَلِهَذَا اتَّفقُوا على أَنه مَا من النَّاس أحد إِلَّا يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا رَسُول الله ﷺ
وَذهب بعض النَّاس إِلَى أَن قَول أبي بكر وَحده حجَّة وَإِن خَالفه عمر ثمَّ قَول عمر حجَّة وَإِن خَالفه عُثْمَان وَعلي وَأما أَئِمَّة الْإِسْلَام فَلَا يَقُولُونَ بِهَذَا بل تنازعوا فِيمَا إِذا اتّفق أَبُو بكر وَعمر على قَول هَل يكون حجَّة على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَالْأَظْهَر فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَن ذَلِك حجَّة لقَوْله ﷺ اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر وَقَوله إِن يطع
стр. 249
الْقَوْم أَبَا بكر وَعمر يرشدوا وَقَوله لَو اتفقتما على شَيْء لم أخالفكما وَلقَوْله عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي تمسكوا بهَا وعضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل بِدعَة ضَلَالَة وَقد قَالَ الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تصير ملكا وَقد كَانَت خلَافَة على تَمام الثَّلَاثِينَ مَعَ الْأَشْهر الَّتِي تولاها الْحسن ﵁
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَيْسَ من شَرط ولي الله أَن لَا يكون لَهُ ذَنْب أصلا بل أَوْلِيَاء الله تَعَالَى هم الَّذين قَالَ الله فيهم أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [سُورَة يُونُس ٦٢ - ٦٣]
стр. 250
وَلَا يخرجُون عَن التَّقْوَى بإتيان ذَنْب صَغِير لم يصروا عَلَيْهِ وَلَا بإتيان ذَنْب كَبِير أَو صَغِير إِذا تَابُوا مِنْهُ
قَالَ تَعَالَى وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون لَهُم مَا يشاءون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ [سُورَة الزمر ٣٣ - ٣٥]
وَقَالَ تَعَالَى إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وتدخلك مدخلًا كَرِيمًا [سُورَة النِّسَاء ٣٠١]
وَقَالَ تَعَالَى لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّه رءوف رَحِيم وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِم أنفسهم وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ [سُورَة التَّوْبَة ١١٧ - ١١٨]
والفريق الثَّانِي قوم من أهل الْكَلَام من الْمُعْتَزلَة وَمن اتبعهم زَعَمُوا أَن
следующие страницы →