Полный текст (666 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ابْن الْحَنَفِيَّة وهم الكيساينة وَمِنْهُم طوائف كَثِيرَة لَيْسَ هَذَا موضعهَا إِذْ لَيْسَ فِي نحل الْأمة أَكثر تفَرقا واختلافا مِنْهُم فَإِن أول من ابتدع مقالتهم كَانَ منافقا زنديقا لم يَك مُؤمنا ثمَّ انتشرت فِي أَقوام لم يعرفوا أَخْبَار الْمُسلمين الْأَوَائِل وَلم يقصدوا الزندقة
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن هَؤُلَاءِ هم أول من أظهر القَوْل بِأَن فِي الْمُؤمنِينَ من لَا ذَنْب لَهُ كَمَا قَالَ هَذَا السَّائِل وَادعوا عصمَة الْأَئِمَّة الإثنى عشر حَتَّى عَن الْخَطَأ فِي الِاجْتِهَاد وَعَن نِسْيَان الْعلم وَعَن عدم معرفَة شَيْء من الْعلم فَقَالُوا إِنَّهُم يعلمُونَ كل شَيْء وَادعوا عصمتهم من صَغِير الذُّنُوب وكبيرها وَغير ذَلِك وَادعوا ذَلِك فِي الْأَنْبِيَاء أَيْضا لأَنهم أفضل من الْأَئِمَّة
غلو الصُّوفِيَّة
وَلم يقل هَذَا فِي الْأمة غَيرهم على هَذَا الْوَجْه لَكِن ظهر فِي صنفين من الْأمة بعض بدعتهم طَائِفَة من النساك والعباد يَزْعمُونَ فِي بعض الْمَشَايِخ أَو فِيمَن يَقُولُونَ إِنَّه ولي الله أَنه لَا يُذنب وَبِمَا عينوا بعض الْمَشَايِخ وَزَعَمُوا أَنه لم يكن لأَحَدهم ذَنْب وَرُبمَا قَالَ بَعضهم النَّبِي مَعْصُوم وَالْوَلِيّ مَحْفُوظ
وَمن غَالِيَة هَؤُلَاءِ من يعْتَقد فِي بعض الْمَشَايِخ من الإلهية والنبوة مَا اعتقدته
стр. 247
الغالية فِي عَليّ وَيَزْعُم أَن الشَّيْخ يخلق ويرزق وَيدخل من يَشَاء الْجنَّة وَمن يَشَاء النَّار ويعبده ويدعوه كَمَا يعبد الله وَيَقُول كل رزق لَا يرزقنيه الشَّيْخ فلَان فَإِنِّي لَا أريده ويذبح الذَّبَائِح باسمه وَيُصلي وَيسْجد إِلَى جِهَة قَبره ويستغيث بِهِ فِي الْحَاجَات كَمَا يستغاث بِاللَّه تَعَالَى
فَأَما ضلال هَذِه الغالية فشرك وَاضح قد بَيناهُ فِي غير هَذَا الْموضع فَإِنَّهُ لَا تجوز عبَادَة أحد دون الله وَلَا التَّوَكُّل عَلَيْهِ والإستعانة بِهِ ودعاؤه ومسألته كَمَا يدعى الله وَيسْأل الله
قَالَ تَعَالَى قل ادعوا الَّذين زعمتم من دونه فَلَا يملكُونَ كشف الضّر عَنْكُم وَلَا تحويلا أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة أَيهمْ أقرب ويرجون رَحمته وَيَخَافُونَ عَذَابه إِن عَذَاب رَبك كَانَ محذورا [سُورَة الْإِسْرَاء ٥٦ - ٥٧] وَقَالَ تَعَالَى قل ادعوا الَّذين زعمتم من دون الله لَا يملكُونَ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض وَمَا لَهُم فيهمَا من شرك وَمَا لَهُ مِنْهُم من ظهير وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِلَّا لمن أذن لَهُ [سُورَة سبأ ٢٢ - ٢٣] وَقَالَ تَعَالَى من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ [سُورَة الْبَقَرَة ٢٥٥] وَقَالَ تَعَالَى أم اتَّخذُوا من دون الله شُفَعَاء قل أَو لَو كَانُوا لَا يملكُونَ شَيْئا وَلَا يعْقلُونَ قل لله الشَّفَاعَة جَمِيعًا لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض [سُورَة الزمر ٤٣ - ٤٤] وَقَالَ تَعَالَى فَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر فَتكون من الْمُعَذَّبين [سُورَة الشُّعَرَاء ٢١٣] وَقَالَ تَعَالَى لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَقَالَ الْمَسِيح يَا بني إِسْرَائِيل اعبدوا الله رَبِّي وربكم إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار وَمَا للظالمين من أنصار [سُورَة الْمَائِدَة ٧٢]
стр. 248
لَا عصمَة لأحد بعد الرَّسُول
وَالْمَقْصُود هُنَا ذكر الْعِصْمَة فقد أجمع جَمِيع سلف الْمُسلمين وأئمة الدَّين من جَمِيع الطوائف أَنه لَيْسَ بعد رَسُول الله ﷺ أحد مَعْصُوم وَلَا مَحْفُوظ لَا من الذُّنُوب وَلَا من الْخَطَايَا بل من النَّاس من إِذا أذْنب اسْتغْفر وَتَابَ وَإِذا أَخطَأ تبين لَهُ الْحق فَرجع إِلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا وَاجِبا لأحد بعد رَسُول الله ﷺ بل يجوز أَن يَمُوت أفضل النَّاس بعد الْأَنْبِيَاء وَله ذَنْب يغفره الله وَقد خفى عَلَيْهِ من دَقِيق الْعلم مَا لم يعرفهُ وَلِهَذَا اتَّفقُوا على أَنه مَا من النَّاس أحد إِلَّا يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا رَسُول الله ﷺ
وَذهب بعض النَّاس إِلَى أَن قَول أبي بكر وَحده حجَّة وَإِن خَالفه عمر ثمَّ قَول عمر حجَّة وَإِن خَالفه عُثْمَان وَعلي وَأما أَئِمَّة الْإِسْلَام فَلَا يَقُولُونَ بِهَذَا بل تنازعوا فِيمَا إِذا اتّفق أَبُو بكر وَعمر على قَول هَل يكون حجَّة على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَالْأَظْهَر فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَن ذَلِك حجَّة لقَوْله ﷺ اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر وَقَوله إِن يطع
стр. 249
الْقَوْم أَبَا بكر وَعمر يرشدوا وَقَوله لَو اتفقتما على شَيْء لم أخالفكما وَلقَوْله عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي تمسكوا بهَا وعضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل بِدعَة ضَلَالَة وَقد قَالَ الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تصير ملكا وَقد كَانَت خلَافَة على تَمام الثَّلَاثِينَ مَعَ الْأَشْهر الَّتِي تولاها الْحسن ﵁
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَيْسَ من شَرط ولي الله أَن لَا يكون لَهُ ذَنْب أصلا بل أَوْلِيَاء الله تَعَالَى هم الَّذين قَالَ الله فيهم أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [سُورَة يُونُس ٦٢ - ٦٣]
стр. 250
وَلَا يخرجُون عَن التَّقْوَى بإتيان ذَنْب صَغِير لم يصروا عَلَيْهِ وَلَا بإتيان ذَنْب كَبِير أَو صَغِير إِذا تَابُوا مِنْهُ
قَالَ تَعَالَى وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون لَهُم مَا يشاءون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ [سُورَة الزمر ٣٣ - ٣٥]
وَقَالَ تَعَالَى إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وتدخلك مدخلًا كَرِيمًا [سُورَة النِّسَاء ٣٠١]
وَقَالَ تَعَالَى لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّه رءوف رَحِيم وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِم أنفسهم وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ [سُورَة التَّوْبَة ١١٧ - ١١٨]
والفريق الثَّانِي قوم من أهل الْكَلَام من الْمُعْتَزلَة وَمن اتبعهم زَعَمُوا أَن
стр. 251
الْأَنْبِيَاء ﵈ معصومون مِمَّا يُتَاب مِنْهُ وَأَن أحدا مِنْهُم لم يتب عَن ذَنْب وحرفوا نُصُوص الْكتاب وَالسّنة كعادة أهل الْأَهْوَاء فِي تَحْرِيف الْكَلم عَن موَاضعه والإلحاد فِي أَسمَاء الله وآياته
مَذْهَب السّلف وَأهل السّنة هُوَ القَوْل بتوبة الْأَنْبِيَاء
وَقد اتّفق سلف الْأمة وأئمتها وَمن اتبعهم على مَا أخبر الله بِهِ فِي كِتَابه وَمَا ثَبت عَن رَسُوله من تَوْبَة الْأَنْبِيَاء ﵈ من الذُّنُوب الَّتِي تَابُوا مِنْهَا وَهَذِه التَّوْبَة رفع الله بهَا درجاتهم فَإِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين وعصمتهم هِيَ من أَن يقرُّوا على الذُّنُوب وَالْخَطَأ فَإِن من سوى الْأَنْبِيَاء يجوز عَلَيْهِم الذَّنب الْخَطَأ من غير تَوْبَة والأنبياء ﵈ يستدركهم الله فيتوب عَلَيْهِم وَيبين لَهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته فَينْسَخ الله مَا يلقِي الشَّيْطَان ثمَّ يحكم الله آيَاته وَالله عليم حَكِيم * ليجعل مَا يلقِي الشَّيْطَان فتْنَة للَّذين فِي قُلُوبهم مرض والقاسية قُلُوبهم وَإِن الظَّالِمين لفي شقَاق بعيد [سُورَة﴾ الْحَج ٥٢ - ٥٣]
وَقد ذكر الله تَعَالَى قصَّة آدم ونوح وَدَاوُد وَسليمَان ومُوسَى وَغَيرهم كَمَا تلونا بعض ذَلِك فِيمَا ذَكرْنَاهُ من تَوْبَة الْأَنْبِيَاء واستغفارهم كَقَوْلِه ﴿فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ٣٧]
وَقَول نوح ﴿رب إِنِّي أعوذ بك أَن أَسأَلك مَا لَيْسَ لي بِهِ علم وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ [سُورَة هود ٤٧]
وَقَول إِبْرَاهِيم ﴿رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي وَلِلْمُؤْمنِينَ يَوْم يقوم الْحساب﴾ [سُورَة إِبْرَاهِيم ٤١]
стр. 252
وَقَوله وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي خطيئتي يَوْم الدَّين [سُورَة الشُّعَرَاء ٨٢]
وَقَوله سُبْحَانَهُ فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات [سُورَة مُحَمَّد ١٩]
وَقَالَ تَعَالَى وَذَا النُّون إِذْ ذهب مغاضبا فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَات أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين فاستجبنا لَهُ ونجيناه من الْغم وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ [سُورَة الْأَنْبِيَاء ٨٧ - ٨٨]
وَقَالَ تَعَالَى وَاذْكُر عَبدنَا دَاوُد ذَا الأيد إِنَّه أواب إِنَّا سخرنا الْجبَال مَعَه يسبحْنَ بالْعَشي وَالْإِشْرَاق إِلَى قَوْله ظن دَاوُد أَنما فتناه فَاسْتَغْفر ربه وخر رَاكِعا وأناب فغفرنا لَهُ ذَلِك وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب إِلَى قَوْله وَلَقَد فتنا سُلَيْمَان وألقينا على كرسيه جسدا ثمَّ أناب قَالَ رب اغْفِر لي وهب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب الْآيَة [سُورَة ص ١٧ - ٣٥]
الْيَهُود فرطوا فِي حق الْأَنْبِيَاء
وَلما كَانَ الْيَهُود ضد النَّصَارَى حَيْثُ قتلوا الْأَنْبِيَاء وكذبوهم جَحَدُوا نبوة دَاوُد وهم لنبوة سُلَيْمَان أجحد وَزَعَمُوا أَنَّهُمَا كَانَا حكيمين وَأَن دَاوُد كَانَ مسيحا وَقد نزه الله سُلَيْمَان مِمَّا تلته الشَّيَاطِين على ملكه مِمَّا اتبعهُ السَّحَرَة من الصابئة وَالْمُشْرِكين وَمن اتبعهم من أهل الْكتاب والمنتسبين إِلَى هَذِه الْملَّة والسامرة أعظم جحُودًا لَا يقرونَ إِلَّا بنبوه مُوسَى خَاصَّة ويوشع بعده
стр. 253
الْإِسْلَام هُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم
وَالله سُبْحَانَهُ قد هدى الَّذين آمنُوا لما اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق بِإِذْنِهِ وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم كَمَا اخْتلفت الأمتان فِي الْمسْح فَقَالَ تَعَالَى ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون مَا كَانَ لله أَن يتَّخذ من ولد سُبْحَانَهُ إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون [سُورَة مَرْيَم ٣٤ - ٣٥]
وَكَذَلِكَ المنحرفون من هَذِه الْأمة قد اخْتلفُوا فِي عَليّ وَغَيره كَمَا تقدم فتجد أحدهم يغلو فِي الرجل الْعَالم وَالْعَابِد حَتَّى يعْتَقد عصمته أَو يَجعله كالأنبياء أَو فَوْقهم أَو يَجْعَل لَهُم حظا فِي الإلهية وتجد الآخر يقْدَح فِي ذَلِك فَرُبمَا كفره أَو فسقه أَو أخرجه عَن أَن يكون من أَوْلِيَاء الله الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ فَالْأول يَجْعَل مَا صدر مِنْهُ من اجْتِهَاد وَعمل صَوَابا وَإِن كَانَ خطأ وذنبا وَالْآخر يَجْعَل صُدُور الذَّنب وَالْخَطَأ مِنْهُ مَانِعا من ولَايَته وَوُجُوب موالاته
وكلا الْقَوْلَيْنِ خطأ موروث عَن أهل الْكِتَابَيْنِ كَمَا قَالَ ﷺ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ لتركبن سنَن من كَانَ قبلكُمْ حَذْو القذة بالقذة حَتَّى لَو دخلُوا جُحر ضَب لدخلتموه قَالُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَقَالَ فَمن
стр. 254
وَقد ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي أم الْقُرْآن أَنَّهَا أفضل [سُورَة فِي الْقُرْآن وَأَنه لم ينزل فِي التَّوْرَاة وَلَا فِي الْإِنْجِيل وَلَا فِي الزبُور وَلَا فِي الْقُرْآن مثلهَا وَأَنَّهَا السَّبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أعْطِيه النَّبِي ﷺ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم سُورَة الْحجر ٨٧]
وَثَبت فِي صَحِيح مُسلم أَن الله تَعَالَى يَقُول قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ فنصفها لي وَنِصْفهَا لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ فَإِذا قَالَ العَبْد الْحَمد لله رب الْعَالمين قَالَ الله حمدني عَبدِي فَإِذا قَالَ الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ أثنى عَليّ عَبدِي فَإِذا قَالَ مَالك يَوْم الدَّين قَالَ مجدني عَبدِي فَإِذا قَالَ إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين قَالَ هَذِه الْآيَة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ ولعبدي مَا سَأَلَ فَإِذا قَالَ اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم قَالَ فَهَؤُلَاءِ لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ
وَهَذِه الْبدع هِيَ وَغَيرهَا من الْبدع لَا بُد أَن تنَافِي كَمَال الْإِيمَان وتقدح فِي بعض حقائقه فَإِن رَأس الْإِسْلَام شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده
стр. 255
وَرَسُوله فَلَا بُد من إخلاص الدَّين لله حَتَّى لَا يكون فِي الْقلب تأله لغير الله فَمَتَى كَانَ فِي الْقلب تأله لغير الله فَذَاك شرك يقْدَح فِي تَحْقِيق شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا بُد من الشَّهَادَة بِأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَذَلِكَ يتَضَمَّن تَصْدِيقه فِي كل مَا أخبر وطاعته فِيمَا أَمر بِهِ وَمن ذَلِك الْإِيمَان بِأَنَّهُ خَاتم النَّبِيين وَأَنه لَا نَبِي بعده فَمَتَى جعل لغيره نَصِيبا من خَصَائِص الرسَالَة والنبوة كَانَ فِي ذَلِك نصيب من الْإِيمَان بِنَبِي بعده وَرَسُول بعده كالمؤمنين بنبوة مُسَيْلمَة والعنسي وَغَيرهمَا من المتنبئين الْكَذَّابين كَمَا قَالَ ﷺ إِن بَين يَدي السَّاعَة ثَلَاثِينَ دجالين كَذَّابين كلهم يزْعم أَنه رَسُول الله
عصمَة الْأَئِمَّة تَعْنِي مضاهاتهم للرسول
فَمن أوجب طَاعَة أحد غير رَسُول الله ﷺ فِي كل مَا يَأْمر بِهِ وَأوجب تَصْدِيقه فِي كل مَا يخبر بِهِ وَأثبت عصمته أَو حفظه فِي كل مَا يَأْمر بِهِ ويخبر من الدَّين فقد جعل فِيهِ من الْمُكَافَأَة لرَسُول الله والمضاهأة لَهُ فِي خَصَائِص الرسَالَة بِحَسب ذَلِك سَوَاء جعل ذَلِك المضاهي لرَسُول الله ﷺ بعض الصَّحَابَة أَو بعض الْقَرَابَة أَو بعض الْأَئِمَّة والمشايخ أَو الْأُمَرَاء من الْمُلُوك وَغَيرهم
وَقد قَالَ الله فِي كِتَابه يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وَالْأولَى الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا [سُورَة النِّسَاء ٥٩]
فغاية المطاع بِإِذن الله أَن يكون من أولى الْأَمر الَّذين أَمر الله بطاعتهم من الْعلمَاء والأمراء وَمن يدْخل فِي ذَلِك من الْمَشَايِخ والملوك وكل متبوع فَإِن الله تَعَالَى أَمر بطاعتهم مَعَ طَاعَة رَسُوله كَمَا قَالَ أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَلم يقل وَأَطيعُوا أولي الْأَمر ليبين أَن طاعتهم فِيمَا
стр. 256
كَانَ طَاعَة للرسول أَيْضا إِذْ اندراج الرَّسُول فِي طَاعَة الله أَمر مَعْلُوم فَلم يكن تَكْرِير لفظ الطَّاعَة فِيهِ مُؤذنًا بِالْفرقِ بِخِلَاف مَا لَو قيل أطِيعُوا الرَّسُول وَأَطيعُوا أولى الْأَمر مِنْكُم فَإِنَّهُ قد يُوهم طَاعَة كل مِنْهُمَا على حياله
وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف وَقَالَ لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق وَقَالَ على الْمَرْء الْمُسلم الطَّاعَة فِيمَا أحب وَكره مَا لم يُؤمر بِمَعْصِيَة فَإِذا أَمر بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة
وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ بعد ذَلِك فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا فَلم يَأْمر عِنْد التَّنَازُع إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى الله وَالرَّسُول دون الرَّد
стр. 257
إِلَى أولى الْأَمر وَلِهَذَا كَانَ أولو الْأَمر إِذا اجْتَمعُوا لَا يَجْتَمعُونَ على ضَلَالَة فَإِذا تنازعوا فالرد إِلَى كتاب الله وَسنة رَسُوله لَا إِلَى غير ذَلِك من عَالم أَو أَمِير وَمن يدْخل فِي ذَلِك من الْمَشَايِخ والملوك وَغَيرهم وَلَو كَانَ غير الرَّسُول مَعْصُوما أَو مَحْفُوظًا فِيمَا يَأْمر بِهِ ويخبر بِهِ لَكَانَ مِمَّن يرد إِلَيْهِ مواقع النزاع كَمَا يردهُ الْقَائِلُونَ بِإِمَام مَعْصُوم إِلَيْهِ وكما جرت عَادَة كثير من الأتباع أَن يردوا مَا تنازعوا فِيهِ إِلَى الإِمَام والقدوة الَّذِي يقلدونه
وَمَعْلُوم أَن عُلَمَاء الطوائف ومقتصديهم لَا يرَوْنَ هَذَا الرَّد وَاجِبا على الْإِطْلَاق لَكِن قد يَفْعَلُونَ ذَلِك لِأَنَّهُ لَا طَرِيق لَهُم إِلَى معرفَة الْحق واتباعه إِلَّا ذَلِك لعجزهم عَمَّا سوى ذَلِك فيكونون معذورين وَقد يَفْعَلُونَ ذَلِك اتبَاعا لهواهم فِي محبتهم لذَلِك الشَّخْص وبغضهم لنظرائه فيكونون غير معذورين وَلَكِن من اعْتقد من هَؤُلَاءِ فِي متبوعه أَنه مَعْصُوم أَو أَنه مَحْفُوظ عَن الذُّنُوب وَالْخَطَأ فِي الِاجْتِهَاد فَذَلِك مَرْدُود عَلَيْهِ بِلَا نزاع بَين أهل الْعلم وَالْإِيمَان
الغلو فِي الْبشر يُؤَدِّي إِلَى الشّرك
وَلِهَذَا إِنَّمَا يَقُول ذَلِك غلاة الطوائف الَّذين يغلب عَلَيْهِم اتِّبَاع الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَقد غلب على أحدهم جَهله وظلمه وكما أَن الغلو فِي غير الرَّسُول ﷺ فِيهِ قدح فِي منصب الرَّسُول وَمَا خصّه الله بِهِ وَهُوَ أحد أُصَلِّي الْإِسْلَام فَكَذَلِك الغلو فِي غير الله فِيهِ قدح فِيمَا يجب لله من الألوهية وَفِيمَا يسْتَحقّهُ من صِفَاته فَمن غلا فِي الْبشر أَو غَيرهم فجعلهم شُرَكَاء فِي الألوهية أَو الربوبية فقد عدل بربه وأشرك بِهِ وَجعل لَهُ ندا وَمن زعم أَن الله ذمّ أحدا من الْبشر أَو عاقبه على مَا فعله وَلم يكن ذَلِك ذَنبا فقد قدح فِيمَا أخبر الله بِهِ وَمَا وَجب لَهُ من حكمته وعدله فالجاهل يُرِيد تَنْزِيه الصَّحَابَة
стр. 258
أَو الْعلمَاء أَو الْمَشَايِخ من شَيْء لَا يضيرهم وَلَا يضرهم ثُبُوته فيقدح فِي الرَّسُول أَو فِي الله تَعَالَى وَيُرِيد تَنْزِيه الْأَنْبِيَاء عَمَّا لَا يضرهم ثُبُوته بل هُوَ رفع دَرَجَة لَهُم فيقدح فِي الربوبية فَتدبر هَذَا فَإِنَّهُ نَافِع
بطلَان القَوْل بعصمة الْأَنْبِيَاء من التَّوْبَة من الذُّنُوب
والقائلون بعصمة الْأَنْبِيَاء من التَّوْبَة من الذُّنُوب لَيْسَ لَهُم حجَّة من كتاب الله وَسنة رَسُوله وَلَا لَهُم إِمَام من سلف الْأمة وأئمتها وَإِنَّمَا مبدأ قَوْلهم من أهل الْأَهْوَاء كالروافض والمعتزلة وحجتهم آراء ضَعِيفَة من جنس قَول الَّذين فِي قُلُوبهم مرض والقاسية قُلُوبهم الَّذين قَالَ الله فيهم ليجعل مَا يلقى الشَّيْطَان فتْنَة للَّذين فِي قُلُوبهم مرض والقاسية قُلُوبهم وَإِن الظَّالِمين لفي شقَاق بعيد [سُورَة الْحَج ٥٣]
وعمدة من وافقهم من الْفُقَهَاء أَن الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي أَفعاله مَشْرُوع وَلَوْلَا ذَلِك مَا جَازَ الِاقْتِدَاء بِهِ وَهَذَا ضَعِيف فَإِنَّهُ قد تقدم أَنهم لَا يقرونَ بل لَا بُد من التَّوْبَة وَالْبَيَان والاقتداء إِنَّمَا يكون بِمَا اسْتَقر عَلَيْهِ الْأَمر فَأَما الْمَنْسُوخ والمنهي عَنهُ والمتوب مِنْهُ فَلَا قدوة فِيهِ بالِاتِّفَاقِ فَإِذا كَانَت الْأَقْوَال المنسوخة لَا قدوة فِيهَا فالأفعال الَّتِي لم يقر عَلَيْهَا أولى بذلك
تَفْصِيل مَذْهَب أهل السّنة فِي ذَلِك
وَأما مَذْهَب السّلف وَالْأَئِمَّة وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة الْقَائِلين بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة من تَوْبَة الْأَنْبِيَاء من الذُّنُوب فقد ذكرنَا من آيَات الْقُرْآن مَا فِيهِ دلالات على ذَلِك
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَدْعُو اللَّهُمَّ اغْفِر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْت أعلم بِهِ منى اللَّهُمَّ اغْفِر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذَلِك عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِر لي مَا قدمت وَمَا أخرت وَمَا أسررت وَمَا أعلنت
стр. 259
وَأما أَنْت أعلم بِهِ مني أَنْت الْمُقدم وَأَنت الْمُؤخر وَأَنت على كل شَيْء قدير
وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول فِي استفتاح الصَّلَاة اللَّهُمَّ أَنْت الْملك لَا شريك لَك أَنْت رَبِّي وَأَنا عَبدك ظلمت نَفسِي وَاعْتَرَفت بذنبي فَاغْفِر لي ذُنُوبِي جَمِيعًا فَإِنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت واهدني لأحسن الْأَخْلَاق فَإِنَّهُ لَا يهدي لأحسنها إِلَّا أَنْت واصرف عني سيئها فَإِنَّهُ لَا يصرف عني سيئها إِلَّا أَنْت قَالَ ثمَّ يكون من آخر مَا يَقُول بَين التَّشَهُّد التَّشَهُّد وَالتَّسْلِيم اللَّهُمَّ اغْفِر لي مَا قدمت وَمَا أخرت وَمَا أسررت وَمَا أعلنت وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني أَنْت الْمُقدم وَأَنت الْمُؤخر لَا إِلَه إِلَّا أَنْت
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يسكت بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة إسكاتة فَقلت بِأبي وَأمي يَا رَسُول الله إسكاتك بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة مَا تَقول قَالَ أَقُول اللَّهُمَّ باعد بيني وَبَين خطاياي كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب اللَّهُمَّ نقني من الْخَطَايَا كَمَا
стр. 260
ينقي الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس اللَّهُمَّ اغسل خطاياي بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ يكثر أَن يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِر لي يتَأَوَّل الْقُرْآن
وَفِي الصَّحِيح أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي سُجُوده اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي كُله دقه وجله وأوله وَآخره وعلانيته وسره وقليله وَكَثِيره
وَقد تقدم قَوْله فِي الحَدِيث الصَّحِيح إِنِّي لأستغفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ فِي الْيَوْم أَكثر من سبعين مرّة وَقَوله يَا أَيهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى ربكُم فَإِنِّي أَتُوب إِلَيْهِ فِي الْيَوْم مائَة مرّة وَقَوله إِنَّه ليغان على قلبِي وَإِنِّي لأستغفر الله فِي الْيَوْم مائَة مرّة وَتقدم أَيْضا أَنهم كَانُوا يعدون لرَسُول الله ﷺ فِي الْمجْلس الْوَاحِد يَقُول رب اغْفِر لي وَتب عَليّ إِنَّك أَنْت التواب الغفور مائَة مرّة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا قفل من غَزْو أَو حج أَو عمْرَة يكبر على كل شرف من الأَرْض ثَلَاث
стр. 261
تَكْبِيرَات ثمَّ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير آيبون تائبون عَابِدُونَ لربنا حامدون صدق الله وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده
وَفِي السّنَن عَن عَليّ أَنه أَتَى بِدَابَّة ليرْكبَهَا فَلَمَّا وضع رجله فِي الركاب قَالَ بِسم الله فَلَمَّا اسْتَوَى على ظهرهَا قَالَ الْحَمد لله سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين وَإِنَّا إِلَى رَبنَا لمنقلبون ثمَّ قَالَ الْحَمد لله ثَلَاثًا سُبْحَانَكَ إِنِّي ظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي فَإِنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت ثمَّ ضحك فَقيل من أَي شَيْء ضحِكت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ صنع كَمَا صنعت ثمَّ ضحك فَقلت من أَي شَيْء ضحِكت يَا رَسُول الله فَقَالَ إِن رَبك ليعجب من عَبده إِذا قَالَ رب اغْفِر لي ذُنُوبِي يَقُول يعلم أَن الذُّنُوب لَا يغفرها أحد غَيْرِي
стр. 262
فصل فِي أَن دين الْأَنْبِيَاء وَاحِد
стр. 263
فصل
قَوْله ﷺ إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء ديننَا وَاحِد
قَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات إِلَى قَوْله وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ٥١ - ٥٢] أَي ملتكم مِلَّة وَاحِدَة كَقَوْلِه إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة [سُورَة الزخرف ٢٢ - ٢٣] أَي على مِلَّة وَقَالَ شرع لكم من الدَّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك الْآيَة [سُورَة الشورى ١٣]
فدين الْأَنْبِيَاء وَاحِد وَهُوَ دين الْإِسْلَام لِأَن بعض الشَّرَائِع تتنوع فقد يشرع فِي وَقت أمرا لحكمة ثمَّ يشرع فِي وَقت آخر أمرا آخر لحكمة كَمَا شرع فِي أول الْإِسْلَام الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ نسخ ذَلِك وَأمر بِالصَّلَاةِ إِلَى الْكَعْبَة فتنوعت الشَّرِيعَة وَالدّين وَاحِد وَكَانَ اسْتِقْبَال الشَّام من ذَلِك
стр. 264
الْوَقْت من دين الْإِسْلَام وَكَذَلِكَ السبت لمُوسَى من دين الْإِسْلَام ثمَّ لما صَار دين الْإِسْلَام هُوَ النَّاسِخ وَهُوَ الصَّلَاة إِلَى الْكَعْبَة فَمن تمسك بالمنسوخ فَلَيْسَ على دين الْإِسْلَام وَلَا هُوَ من الْأَنْبِيَاء
وَمن ترك شرع الْأَنْبِيَاء وابتدع شرعا فشرعه بَاطِل لَا يجوز اتِّبَاعه كَمَا قَالَ أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدَّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله [سُورَة الشورى ٢١] وَلِهَذَا كفرت الْيَهُود وَالنَّصَارَى لأَنهم تمسكوا بشرع مَنْسُوخ
وَالله أوجب على جَمِيع الْخلق أَن يُؤمنُوا بِجَمِيعِ كتبه وَرُسُله وَمُحَمّد خَاتم الرُّسُل فعلى جَمِيع الْخلق اتِّبَاعه وَاتِّبَاع مَا شَرعه من الدَّين هُوَ مَا أَتَى بِهِ من الْكتاب وَالسّنة
стр. 265
فصل فِي الدَّلِيل على فضل الْعَرَب
стр. 266
فصل
الدَّلِيل على فضل الْعَرَب مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِن قُريْشًا جَلَسُوا يتذاكرون أحسابهم بَينهم فَجعلُوا مثلك كَمثل نَخْلَة فِي كبوة من الأَرْض فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله خلق الْخلق فجعلني فِي خير فرقهم ثمَّ خير الْقَبَائِل فجعلني فِي خير قَبيلَة ثمَّ خير الْبيُوت فجعلني فِي خير بُيُوتهم فَأَنا خَيرهمْ نفسا وَخَيرهمْ بَيْتا قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن
والكبا بِالْكَسْرِ وَالْقصر والكبة الكناسة وَالْمعْنَى أَن النَّخْلَة طيبَة فِي نَفسهَا وَإِن كَانَ أَصْلهَا لَيْسَ بِذَاكَ
وَعَن سلمَان قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا سلمَان لَا تبغضني فتفارق دينك قلت يَا رَسُول الله وَكَيف أبغضك وَبِك هَدَانِي الله قَالَ تبغض الْعَرَب فتبغضني قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب
وروى أَبُو جَعْفَر الْحَافِظ الْكُوفِي عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله
стр. 267
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَحبُّوا الْعَرَب لثلاث لِأَنِّي عَرَبِيّ وَالْقُرْآن عَرَبِيّ ولسان أهل الْجنَّة عَرَبِيّ قَالَ الْحَافِظ السلَفِي هَذَا حَدِيث حسن فَمَا أَدْرِي أَرَادَ حسن إِسْنَاده على طَريقَة الْمُحدثين أَو حسن مَتنه على الإصطلاح الْعَام وَأَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ ذكره فِي الموضوعات
وَقَالَ سلمَان يَا معشر الْعَرَب لتفضيل رَسُول الله إيَّاكُمْ لَا ننكح نساءكم وَلَا نؤمكم فِي الصَّلَاة وَإِسْنَاده جيد رَوَاهُ مُحَمَّد بن أبي عمر الْعَدنِي وَسَعِيد فِي سنَنه
стр. 268
وَلما وضع عمر الدِّيوَان للعطاء كتب النَّاس على قدر أنسابهم فَبَدَأَ بالأقرب فَالْأَقْرَب إِلَى رَسُول الله فَلَمَّا انْقَضتْ الْعَرَب ذكر الْعَجم هَكَذَا كَانَ الدِّيوَان على عهد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وخلفاء بني أُميَّة وخلفاء بني الْعَبَّاس إِلَى أَن تغير الْأَمر بعد ذَلِك وَالْأَحَادِيث والْآثَار فِي ذَلِك كَثِيرَة أَصَحهَا مَا ذَكرْنَاهُ
سَبَب مَا اخْتصَّ بِهِ الْعَرَب من الْفضل
وَسبب مَا اختصوا بِهِ من الْفضل وَالله أعلم مَا جعل الله لَهُم من الْعُقُول والألسنة والأخلاق والأعمال وَذَلِكَ أَن الْفضل إِمَّا بِالْعلمِ النافع أَو الْعَمَل الصَّالح وَالْعلم لَهُ مبدأ وَهُوَ قُوَّة الْعقل الَّذِي هُوَ الْفَهم وَالْحِفْظ وَتَمام وَهُوَ قُوَّة الْمنطق الَّذِي هُوَ الْبَيَان والعبارة فالعرب هم أفهم وأحفظ وأقدر على الْبَيَان والعبارة ولسانهم أتم الْأَلْسِنَة بَيَانا وتمييزا للمعاني
وَأما الْعَمَل فَإِن مبناه على الْأَخْلَاق وَهِي الغرائز المخلوقة فِي النَّفس فغرائزهم أطوع من غرائز غَيرهم فهم أقرب إِلَى السخاء والحلم والشجاعة وَالْوَفَاء من غَيرهم وَلَكِن حازوا قبل الْإِسْلَام طبيعة قَابِلَة للخير معطلة عَن فعله لَيْسَ عِنْدهم علم منزل وَلَا شَرِيعَة مأثورة وَلَا اشتغلوا بِبَعْض الْعُلُوم بِخِلَاف غَيرهم فَإِنَّهُم كَانَت بَين أظهرهم الْكتب الْمنزلَة وأقوال الْأَنْبِيَاء فضلوا لضعف عُقُولهمْ وخبث غرائزهم
وَإِنَّمَا كَانَ علم الْعَرَب مَا سمحت بِهِ قرائحهم من الشّعْر والخطب أَو مَا حفظوه من أنسابهم وأيامهم أَو مَا احتاجوا إِلَيْهِ فِي دنياهم من الأنواء والنجوم والحروب فَلَمَّا بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ بِالْهدى تلقفوه عَنهُ بعد مجاهدة شَدِيدَة ونقلهم الله عَن تِلْكَ الْعَادَات الْجَاهِلِيَّة الَّتِي كَانَت قد أحالت قُلُوبهم عَن فطرتها فَلَمَّا تلقوا عَنهُ ذَلِك الْهدى زَالَت تِلْكَ الريون عَن قُلُوبهم فقبلوا هَذَا الْهدى الْعَظِيم وأخذوه بِتِلْكَ الْفطْرَة الجيدة فَاجْتمع لَهُم الْكَمَال بِالْقُوَّةِ
стр. 269
المخلوقة فيهم والكمال الَّذِي أنزلهُ الله إِلَيْهِم بِمَنْزِلَة أَرض طيبَة فِي نَفسهَا لَكِن هِيَ معطلة عَن الْحَرْث أَو قد نبت فِيهَا شجر العضاء والعوسج وَصَارَت مأوى الْخَنَازِير وَالسِّبَاع فَإِذا طهرت عَن ذَلِك المؤذي من الشّجر وَغَيره من الدَّوَابّ وازدرع فِيهَا أفضل الْحُبُوب أَو الثِّمَار جَاءَ فِيهَا من الْحبّ وَالثَّمَر مَا لَا يُوصف مثله
فَصَارَ السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار أفضل خلق الله سوى الْأَنْبِيَاء وَصَارَ أفضل النَّاس بعدهمْ من اتبعهم بِإِحْسَان ﵃ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من الْعَرَب والعجم
وَالله سُبْحَانَهُ أعلم وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا
стр. 270
جَامِعُ الرَّسَائِل
لشيخ الْإِسْلَام
أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْحَلِيم
ابْن تَيْمِية
الْمُتَوفَّى سنة (٧٢٨) هـ
تَحْقِيق
الدكتور مُحَمَّد رشاد سَالم
الْمَجْمُوعَة الثَّانِيَة
стр. 271
الرسَالَة الأولى
رِسَالَة فِي الصِّفَات الاختيارية
стр. 272
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله، نستعينه، وَنَسْتَغْفِرهُ، ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وسيئات أَعمالنَا. من يهده الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ. ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، ﵌ تَسْلِيمًا.
قَالَ شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْعَبَّاس تَقِيّ الدَّين بن تَيْمِية، قدس الله روحه، وَنور ضريحه.
فصل
فِي الصِّفَات الاختيارية: وَهِي الْأُمُور الَّتِي يَتَّصِف بهَا الرب فتقوم بِذَاتِهِ بمشيئته وَقدرته؛ مثل كَلَامه وسَمعه وبصره وإرادته ومحبته وَرضَاهُ وَرَحمته وغضبه وَسخطه؛ وَمثل خلقه وإحسانه وعدله؛ وَمثل استوائه ومجيئه وإتيانه ونزوله وَنَحْو ذَلِك من الصِّفَات الَّتِي نطق بهَا الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة.
مقَالَة الْجَهْمِية والمعتزلة:
" فالجهمية " وَمن وافقهم من " الْمُعْتَزلَة " وَغَيرهم يَقُولُونَ: لَا يقوم بِذَاتِهِ شَيْء من هَذِه الصِّفَات وَلَا غَيرهَا.
стр. 273
مقَالَة الْكلابِيَّة والسالمية:
و" الْكلابِيَّة " وَمن وافقهم من " السالمية " وَغَيرهم يَقُولُونَ: " تقوم بِهِ صِفَات بِغَيْر مَشِيئَته وَقدرته؛ فَأَما مَا يكون بمشيئته وَقدرته: فَلَا يكون إِلَّا مخلوقا مُنْفَصِلا عَنهُ لَا يقوم بِذَات الرب ".
مقَالَة السّلف وَأهل السّنة:
وَأما " السّلف وأئمة السّنة والْحَدِيث " فَيَقُولُونَ: إِنَّه متصف بذلك؛ كَمَا نطق بِهِ الْكتاب وَالسّنة؛ وَهُوَ قَول كثير من " أهل الْكَلَام والفلسفة " أَو أَكْثَرهم كَمَا قد ذكرنَا أَقْوَالهم بألفاظها فِي غير هَذَا الْموضع.
صفة الْكَلَام:
وَمثل هَذَا: " الْكَلَام ". فَإِن السّلف وأئمة السّنة والْحَدِيث يَقُولُونَ: إِنَّه يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته؛ وَكَلَامه لَيْسَ بمخلوق؛ بل كَلَامه صفة لَهُ قَائِمَة بِذَاتِهِ.
وَمِمَّنْ ذكر أَن ذَلِك قَول أَئِمَّة السّنة: أَبُو عبد الله ابْن مَنْدَه وَأَبُو عبد الله ابْن حَامِد وَأَبُو بكر عبد الْعَزِيز وَأَبُو إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ وَغَيرهم؛ وَكَذَلِكَ ذكر أَبُو عمر بن عبد الْبر نَظِير هَذَا فِي " الاسْتوَاء ".
وأئمة السّنة - كَعبد الله بن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَالْبُخَارِيّ وَعُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ وَمن لَا يُحْصى من الْأَئِمَّة وَذكره حَرْب بن إِسْمَاعِيل الْكرْمَانِي عَن سعيد بن مَنْصُور وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَسَائِر
стр. 274
أهل السّنة والْحَدِيث - متفقون على أَنه يتَكَلَّم بمشيئته وَأَنه لم يزل متكلما إِذا شَاءَ وَكَيف شَاءَ.
وَقد سمى الله الْقُرْآن الْعَزِيز حَدِيثا، وَقَالَ: ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث﴾ وَقَالَ: ﴿وَمن أصدق من الله حَدِيثا﴾ . وَقَالَ ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ .
وَقَالَ النَّبِي ﷺ " إِن الله يحدث من أمره مَا يَشَاء " وَهَذَا مِمَّا احْتج بِهِ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَفِي غير صَحِيحه؛ وَاحْتج بِهِ أَيْضا غير البُخَارِيّ كنعيم بن حَمَّاد وَحَمَّاد بن زيد.
وَمن الْمَشْهُور عَن السّلف: أَن الْقُرْآن الْعَزِيز كَلَام الله غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود.
مقَالَة الْجَهْمِية والمعتزلة فِي صفة الْكَلَام:
وَأما " الْجَهْمِية " و " الْمُعْتَزلَة " فَيَقُولُونَ: لَيْسَ لَهُ كَلَام قَائِم بِذَاتِهِ؛ بل كَلَامه مَخْلُوق مُنْفَصِل عَنهُ. و " الْمُعْتَزلَة " يطلقون القَوْل: بِأَنَّهُ يتَكَلَّم بمشيئته؛ وَلَكِن مُرَادهم بذلك أَنه يخلق كلَاما مُنْفَصِلا عَنهُ.
стр. 275
مقَالَة الْكلابِيَّة والسالمية فِيهَا:
و" الْكلابِيَّة والسالمية " يَقُولُونَ: إِنَّه لَا يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته؛ بل كَلَامه قَائِم بِذَاتِهِ بِدُونِ قدرته ومشيئته مثل حَيَاته؛ وهم يَقُولُونَ: الْكَلَام صفة ذَات؛ لَا صفة فعل يتَعَلَّق بمشيئته وَقدرته؛ وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: هُوَ صفة فعل؛ لَكِن الْفِعْل عِنْدهم: هُوَ الْمَفْعُول الْمَخْلُوق بمشيئته وَقدرته.
وَأما " السّلف وأئمة السّنة " وَكثير من أهل الْكَلَام كالهشامية والكرامية وَأَصْحَاب أبي معَاذ التَّوْمَني وَزُهَيْر الأثري وَطَوَائِف غير هَؤُلَاءِ فقولون: إِنَّه " صفة ذَات وَفعل " هُوَ يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته كلَاما
стр. 276
قَائِما بِذَاتِهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُول من صفة الْكَلَام لكل مُتَكَلم فَكل حَيّ وصف بالْكلَام كالملائكة والبشر وَالْجِنّ وَغَيرهم: فكلامهم لَا بُد أَن يقوم بِأَنْفسِهِم وهم يَتَكَلَّمُونَ بمشيئتهم وقدرتهم.
وَالْكَلَام صفة كَمَال؛ لَا صفة نقص وَمن تكلم بمشيئته أكمل مِمَّن لَا يتَكَلَّم بمشيئته؛ فَكيف يَتَّصِف الْمَخْلُوق بِصِفَات الْكَمَال دون الْخَالِق وَلَكِن " الْجَهْمِية والمعتزلة " بنوا على " أصلهم ": أَن الرب لَا يقوم بِهِ صفة؛ لِأَن ذَلِك بزعمهم يسْتَلْزم التجسيم والتشبيه الْمُمْتَنع؛ إِذْ الصّفة عرض وَالْعرض لَا يقوم إِلَّا بجسم.
و" الْكلابِيَّة " يَقُولُونَ: هُوَ متصف بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا قدرَة وَلَا تكون بمشيئته؛ فَأَما مَا يكون بمشيئته فَإِنَّهُ حَادث والرب - تَعَالَى - لَا تقوم بِهِ الْحَوَادِث. ويترجمون " الصِّفَات الاختيارية " بِمَسْأَلَة " حُلُول الْحَوَادِث " فَإِنَّهُ إِذا كلم مُوسَى بن عمرَان بمشيئته وَقدرته وناداه حِين أَتَاهُ بقدرته ومشيئته كَانَ ذَلِك النداء وَالْكَلَام حَادِثا.
قَالُوا: فَلَو اتّصف الرب بِهِ لقامت بِهِ الْحَوَادِث قَالُوا: وَلَو قَامَت بِهِ الْحَوَادِث لم يخل مِنْهَا وَمَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث؛ قَالُوا: وَلِأَن كَونه قَابلا لتِلْك الصّفة إِن كَانَ من لَوَازِم ذَاته كَانَ قَابلا لَهَا فِي الْأَزَل فَيلْزم جَوَاز وجودهَا فِي الْأَزَل والحوادث لَا تكون فِي الْأَزَل؛ فَإِن ذَلِك يَقْتَضِي وجود حوادث لَا أول لَهَا وَذَلِكَ محَال: " لوجوه " قد ذكرت فِي غير هَذَا الْموضع.
стр. 277
قَالُوا: وَبِذَلِك استدللنا على حُدُوث الْأَجْسَام وَبِه عرفنَا حُدُوث الْعَالم وَبِذَلِك أثبتنا وجود الْمَانِع وَصدق رسله؛ فَلَو قدحنا فِي ذَلِك لزم الْقدح فِي أصُول " الْإِيمَان " و " التَّوْحِيد ".
وَإِن لم يكن من لَوَازِم ذَاته صَار قَابلا لَهَا بعد أَن لم يكن قَابلا فَيكون قَابلا لتِلْك القابلية فَيلْزم التسلسل الْمُمْتَنع. وَقد بسطنا القَوْل على عَامَّة مَا ذَكرُوهُ فِي هَذَا الْبَاب وَبينا فَسَاده وتناقضه على وَجه لَا تبقى فِيهِ شُبْهَة لمن فهم هَذَا الْبَاب.
مقَالَة الرَّازِيّ:
وفضلاؤهم الْمُتَأَخّرُونَ: كالرازي والآمدي والطوسي والحلي وَغَيرهم - معترفون بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُم حجَّة عقلية على نفي ذَلِك؛ بل ذكر الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه أَن هَذَا القَوْل يلْزم جَمِيع الطوائف وَنَصره فِي آخر كتبه: " كالمطالب الْعَالِيَة " - وَهُوَ من أكبر كتبه الكلامية [وَخَالف بذلك قَوْله فِي أجل مَا صنفه فِي
стр. 278
الْكَلَام وَهُوَ كِتَابه] الَّذِي سَمَّاهُ " نِهَايَة الْعُقُول فِي دراية الْأُصُول " - وَلما عرف فَسَاد قَول النفاة لم يعْتَمد على ذَلِك فِي " مَسْأَلَة الْقُرْآن ". فَإِن عمدتهم فِي " مَسْأَلَة الْقُرْآن " إِذا قَالُوا: لم يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته - قَالُوا - لِأَن ذَلِك يسْتَلْزم حُلُول الْحَوَادِث؛ فَلَمَّا عرف فَسَاد هَذَا الأَصْل لم يعْتَمد على ذَلِك فِي " مَسْأَلَة الْقُرْآن ". فَإِن عمدتهم عَلَيْهِ؛ بل اسْتدلَّ بِإِجْمَاع مركب وَهُوَ دَلِيل ضَعِيف إِلَى الْغَايَة لَكِن لم يكن عِنْده فِي نصر قَول الْكلابِيَّة غَيره؛ وَهَذَا مِمَّا يبين أَنه وَأَمْثَاله تبين لَهُم فَسَاد قَول الْكلابِيَّة.
مقَالَة الْآمِدِيّ:
وَكَذَلِكَ " الْآمِدِيّ " ذكر فِي " أبكار الأفكار " مَا يبطل قَوْلهم وَذكر أَنه لَا جَوَاب عَنهُ وَقد كشفت هَذِه الْأُمُور فِي مَوَاضِع؛ وَهَذَا مَعْرُوف عِنْد عَامَّة الْعلمَاء حَتَّى الْحلِيّ بن المطهر ذكر فِي كتبه أَن القَوْل بِنَفْي " حُلُول الْحَوَادِث " لَا دَلِيل عَلَيْهِ، فالمنازع جَاهِل بِالْعقلِ وَالشَّرْع.
مقَالَة الْجُوَيْنِيّ:
وَكَذَلِكَ من قبل هَؤُلَاءِ كَأبي الْمَعَالِي وَذَوِيهِ إِنَّمَا عمدتهم أَن " الكرامية " قَالُوا ذَلِك وتناقضوا فيبينون تنَاقض الكرامية ويظنون أَنهم إِذا بينوا تنَاقض
стр. 279
الكرامية - وهم منازعوهم - فقد فلجوا؛ وَلم يعلمُوا أَن السّلف وأئمة السّنة والْحَدِيث - بل من قبل الكرامية من الطوائف - لم يكن يلْتَفت إِلَى الكرامية وأمثالهم؛ بل تكلمُوا بذلك قبل أَن يُخلق الكرامية: فَإِن ابْن كرام كَانَ مُتَأَخِّرًا بعد أَحْمد بن حَنْبَل فِي زمن مُسلم بن الْحجَّاج وطبقته وأئمة السّنة والمتكلمون تكلمُوا بِهَذِهِ قبل هَؤُلَاءِ وَمَا زَالَ السّلف يَقُولُونَ بِمُوجب ذَلِك.
لَكِن لما ظَهرت " الْجَهْمِية النفاة " فِي أَوَائِل الْمِائَة الثَّانِيَة بيّن عُلَمَاء الْمُسلمين ضلالهم وخطاؤهم؛ ثمَّ ظهر محنة الْجَهْمِية فِي أَوَائِل الْمِائَة الثَّالِثَة وامتحن " الْعلمَاء ": الإِمَام أَحْمد وَغَيره فجردوا الرَّد على الْجَهْمِية وكشف ضلالهم حَتَّى جرد الإِمَام أَحْمد الْآيَات الَّتِي من الْقُرْآن تدل على بطلَان قَوْلهم وَهِي كَثِيرَة جدا. بل الْآيَات الَّتِي تدل على " الصِّفَات الاختيارية " الَّتِي يسمونها " حُلُول الْحَوَادِث " كَثِيرَة جدا.
الْآيَات الدَّالَّة على صفة الْكَلَام:
وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم ثمَّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا﴾ فَهَذَا بَين فِي أَنه إِنَّمَا أَمر الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود بعد خلق آدم؛ لم يَأْمُرهُم فِي الْأَزَل.
стр. 280
وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿إِن مثل عِيسَى عِنْد الله كَمثل آدم خلقه من تُرَاب ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون﴾ فَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: " كن " بعد أَن خلقه من تُرَاب؛ لَا فِي الْأَزَل.
وَكَذَلِكَ قَوْله فِي " قصَّة مُوسَى ": ﴿فَلَمَّا جاءها نُودي أَن بورك من فِي النَّار وَمن حولهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي من شاطئ الْوَادي الْأَيْمن فِي الْبقْعَة الْمُبَارَكَة من الشَّجَرَة أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين﴾ فَهَذَا بَين فِي أَنه إِنَّمَا ناداه حِين جَاءَ لم يكن النداء فِي الْأَزَل كَمَا يَقُوله " الْكلابِيَّة " يَقُولُونَ: إِن النداء قَائِم بِذَات الله فِي الْأَزَل وَهُوَ لَازم لذاته لم يزل وَلَا يزَال مناديا لَهُ لكنه لما أَتَى خلق فِيهِ إدراكا لما كَانَ مَوْجُودا فِي الْأَزَل.
ثمَّ من قَالَ مِنْهُم إِن الْكَلَام معنى وَاحِد: مِنْهُم من قَالَ: سمع ذَلِك الْمَعْنى بأذنه كَمَا يَقُوله الْأَشْعَرِيّ وَمِنْهُم من يَقُول: بل أفهم مِنْهُ مَا أفهم؛ كَمَا يَقُوله: القَاضِي أَبُو بكر وَغَيره.
стр. 281
فَقيل لَهُم: عنْدكُمْ هُوَ معنى وَاحِد لَا يَتَبَعَّض وَلَا يَتَعَدَّد فموسى فهم الْمَعْنى كُله أَو بعضه؟ إِن قُلْتُمْ كُله فقد علم علم الله كُله وَإِن قُلْتُمْ بعضه فقد تبعض وعندكم لَا يَتَبَعَّض.
وَمن قَالَ من أَتبَاع " الْكلابِيَّة ": بِأَن النداء وَغَيره من الْكَلَام الْقَدِيم حُرُوف أَو حُرُوف وأصوات لَازِمَة لذات الرب كَمَا يَقُوله " السالمية " وَمن وافقهم يَقُولُونَ: إِنَّه يخلق لَهُ إدراكا لتِلْك الْحُرُوف والأصوات؛ وَالْقُرْآن وَالسّنة وَكَلَام السّلف قاطبة يَقْتَضِي أَنه إِنَّمَا ناداه وناجاه حِين أَتَى؛ لم يكن النداء مَوْجُودا قبل ذَلِك فضلا عَن أَن يكون قَدِيما أزليا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذاقا الشَّجَرَة بَدَت لَهما سوآتهما وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة وناداهما ربهما ألم أنهكما عَن تلكما الشَّجَرَة وَأَقل لَكمَا إِن الشَّيْطَان لَكمَا عَدو مُبين﴾ ، وَهَذَا يدل على أَنه لما أكلا مِنْهَا ناداهما، لم ينادهما قبل ذَلِك.
стр. 282
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول مَاذَا أجبتم الْمُرْسلين﴾ . ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول أَيْن شركائي الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ . فَجعل النداء فِي يَوْم معِين وَذَلِكَ الْيَوْم حَادث كَائِن بعد أَن لم يكن وَهُوَ حِينَئِذٍ يناديهم؛ لم ينادهم قبل ذَلِك.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم غير محلي الصَّيْد وَأَنْتُم حرم إِن الله يحكم مَا يُرِيد﴾ . فَبين أَنه يحكم فيحلل مَا يُرِيد وَيحرم مَا يُرِيد وَيَأْمُر بِمَا يُرِيد؛ فَجعل التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وَالْأَمر وَالنَّهْي مُتَعَلقا بإرادته. وَهَذِه أَنْوَاع الْكَلَام، فَدلَّ على أَنه يَأْمر بإرادته وَينْهى بإرادته، ويحلل بإرادته وَيحرم بإرادته.
و" الْكلابِيَّة " يَقُولُونَ: لَيْسَ شَيْء من ذَلِك بإرادته؛ بل هُوَ قديم لَازم لذاته غير مُرَاد لَهُ وَلَا مَقْدُور. و " الْمُعْتَزلَة مَعَ الْجَهْمِية " يَقُولُونَ: كل ذَلِك مَخْلُوق مُنْ فَصِل عَنهُ لَيْسَ لَهُ كَلَام قَائِم بِهِ لَا بإرادته وَلَا بِغَيْر إِرَادَته وَمثل هَذَا كثير فِي الْقُرْآن الْعَزِيز.
فصل
صفة الْإِرَادَة:
وَكَذَلِكَ فِي " الْإِرَادَة " و " الْمحبَّة " كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ . وَقَوله: ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَقَوله: ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ وَقَوله: ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا فَحق عَلَيْهَا القَوْل﴾ وَقَوله: ﴿وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ﴾ وَقَوله:
стр. 283
﴿وَإِذا شِئْنَا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ وَقَوله: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك﴾ وأمثال ذَلِك فِي الْقُرْآن الْعَزِيز.
فَإِن جوازم الْفِعْل الْمُضَارع ونواصبه تخلصه للاستقبال مثل " إِن " و " أَن " وَكَذَلِكَ " إِذا " ظرف لما يسْتَقْبل من الزَّمَان؛ فَقَوله: ﴿إِذا أَرَادَ﴾ و ﴿إِن شَاءَ الله﴾ وَنَحْو ذَلِك يَقْتَضِي حُصُول إِرَادَة مُسْتَقْبلَة ومشيئة مُسْتَقْبلَة.
صفتا الْمحبَّة وَالرِّضَا:
وَكَذَلِكَ فِي الْمحبَّة وَالرِّضَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ فَإِن هَذَا يدل على أَنهم إِذا اتَّبعُوهُ أحبهم الله؛ فَإِنَّهُ جزم قَوْله: " يحببكم الله " فجزمه جَوَابا لِلْأَمْرِ وَهُوَ فِي معنى الشَّرْط فتقديره: إِن تتبعوني يحببكم الله.
وَمَعْلُوم أَن جَوَاب الشَّرْط وَالْأَمر إِنَّمَا يكون بعده لَا قبله؛ فمحبة الله لَهُم إِنَّمَا تكون بعد اتباعهم للرسول؛ والمنازعون: مِنْهُم من يَقُول: مَا ثمَّ محبَّة بل المُرَاد ثَوابًا مخلوقا وَمِنْهُم من يَقُول: بل ثمَّ محبَّة قديمَة أزلية إِمَّا الْإِرَادَة وَإِمَّا غَيرهَا وَالْقُرْآن يدل على قَول السّلف وأئمة السّنة الْمُخَالف للقولين.
стр. 284
وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه﴾ فَإِنَّهُ يدل على أَن أَعْمَالهم أسخطته فَهِيَ سَبَب لسخطه وَسخطه عَلَيْهِم بعد الْأَعْمَال؛ لَا قبلهَا.
وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿إِن تكفرُوا فَإِن الله غَنِي عَنْكُم وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَإِن تشكروا يرضه لكم﴾ علق الرِّضَا بشكرهم وَجعله مَجْزُومًا جَزَاء لَهُ وَجَزَاء الشَّرْط لَا يكون إِلَّا بعده.
وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين﴾ و ﴿يحب الْمُتَّقِينَ﴾ و ﴿يحب المقسطين﴾ و ﴿يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا﴾ وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ يدل على أَن الْمحبَّة بِسَبَب هَذِه الْأَعْمَال وَهِي جَزَاء لَهَا وَالْجَزَاء إِنَّمَا يكون بعد الْعَمَل وَالسَّبَب.
فصل
صفتا السّمع وَالْبَصَر:
وَكَذَلِكَ " السّمع " و " الْبَصَر " " وَالنَّظَر ". قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله﴾ هَذَا فِي حق الْمُنَافِقين وَقَالَ فِي حق التائبين: ﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون﴾ فَقَوله ﴿فسيرى الله﴾ دَلِيل على أَنه يَرَاهَا بعد نزُول هَذِه الْآيَة
стр. 285
الْكَرِيمَة والمنازع إِمَّا أَن يَنْفِي الرُّؤْيَة؛ وَإِمَّا أَن يثبت رُؤْيَة قديمَة أزلية فَقَط.
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿ثمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلائف فِي الأَرْض من بعدهمْ لنَنْظُر كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ وَلَام " كي " تَقْتَضِي أَن مَا بعْدهَا مُتَأَخّر عَن الْمَعْلُول فنظره كَيفَ يعْملُونَ هُوَ بعد جعلهم خلائف.
وَكَذَلِكَ ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا وتشتكي إِلَى الله وَالله يسمع تحاوركما﴾ أخبر أَنه يسمع تحاورهما حِين كَانَت تجَادل وتشتكي إِلَى الله.
وَقَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿إِذا قَالَ الإِمَام سمع الله لمن حَمده فَقولُوا رَبنَا وَلَك الْحَمد يسمع الله لكم﴾ " فَجعل سَمعه لنا جَزَاء وجوابا للحمد فَيكون ذَلِك بعد الْحَمد والسمع يتَضَمَّن مَعَ سمع القَوْل قبُوله وإجابته.
وَمِنْه قَول الْخَلِيل ﴿إِن رَبِّي لسميع الدُّعَاء﴾ . وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿لقد سمع الله قَول الَّذين قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء﴾ وَقَوله لمُوسَى وَهَارُون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ .
следующие страницы →