← Джавами‘

Джавами‘ · id 22653

جامع الرسائل لابن تيمية - رشاد سالم

ابن تيمية

Полный текст (666 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فَقيل لَهُم: عنْدكُمْ هُوَ معنى وَاحِد لَا يَتَبَعَّض وَلَا يَتَعَدَّد فموسى فهم الْمَعْنى كُله أَو بعضه؟ إِن قُلْتُمْ كُله فقد علم علم الله كُله وَإِن قُلْتُمْ بعضه فقد تبعض وعندكم لَا يَتَبَعَّض. وَمن قَالَ من أَتبَاع " الْكلابِيَّة ": بِأَن النداء وَغَيره من الْكَلَام الْقَدِيم حُرُوف أَو حُرُوف وأصوات لَازِمَة لذات الرب كَمَا يَقُوله " السالمية " وَمن وافقهم يَقُولُونَ: إِنَّه يخلق لَهُ إدراكا لتِلْك الْحُرُوف والأصوات؛ وَالْقُرْآن وَالسّنة وَكَلَام السّلف قاطبة يَقْتَضِي أَنه إِنَّمَا ناداه وناجاه حِين أَتَى؛ لم يكن النداء مَوْجُودا قبل ذَلِك فضلا عَن أَن يكون قَدِيما أزليا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذاقا الشَّجَرَة بَدَت لَهما سوآتهما وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة وناداهما ربهما ألم أنهكما عَن تلكما الشَّجَرَة وَأَقل لَكمَا إِن الشَّيْطَان لَكمَا عَدو مُبين﴾ ، وَهَذَا يدل على أَنه لما أكلا مِنْهَا ناداهما، لم ينادهما قبل ذَلِك.

стр. 282

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول مَاذَا أجبتم الْمُرْسلين﴾ . ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول أَيْن شركائي الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ . فَجعل النداء فِي يَوْم معِين وَذَلِكَ الْيَوْم حَادث كَائِن بعد أَن لم يكن وَهُوَ حِينَئِذٍ يناديهم؛ لم ينادهم قبل ذَلِك. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم غير محلي الصَّيْد وَأَنْتُم حرم إِن الله يحكم مَا يُرِيد﴾ . فَبين أَنه يحكم فيحلل مَا يُرِيد وَيحرم مَا يُرِيد وَيَأْمُر بِمَا يُرِيد؛ فَجعل التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وَالْأَمر وَالنَّهْي مُتَعَلقا بإرادته. وَهَذِه أَنْوَاع الْكَلَام، فَدلَّ على أَنه يَأْمر بإرادته وَينْهى بإرادته، ويحلل بإرادته وَيحرم بإرادته. و" الْكلابِيَّة " يَقُولُونَ: لَيْسَ شَيْء من ذَلِك بإرادته؛ بل هُوَ قديم لَازم لذاته غير مُرَاد لَهُ وَلَا مَقْدُور. و " الْمُعْتَزلَة مَعَ الْجَهْمِية " يَقُولُونَ: كل ذَلِك مَخْلُوق مُنْ فَصِل عَنهُ لَيْسَ لَهُ كَلَام قَائِم بِهِ لَا بإرادته وَلَا بِغَيْر إِرَادَته وَمثل هَذَا كثير فِي الْقُرْآن الْعَزِيز. فصل صفة الْإِرَادَة: وَكَذَلِكَ فِي " الْإِرَادَة " و " الْمحبَّة " كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ . وَقَوله: ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَقَوله: ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ وَقَوله: ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا فَحق عَلَيْهَا القَوْل﴾ وَقَوله: ﴿وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ﴾ وَقَوله:

стр. 283

﴿وَإِذا شِئْنَا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ وَقَوله: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك﴾ وأمثال ذَلِك فِي الْقُرْآن الْعَزِيز. فَإِن جوازم الْفِعْل الْمُضَارع ونواصبه تخلصه للاستقبال مثل " إِن " و " أَن " وَكَذَلِكَ " إِذا " ظرف لما يسْتَقْبل من الزَّمَان؛ فَقَوله: ﴿إِذا أَرَادَ﴾ و ﴿إِن شَاءَ الله﴾ وَنَحْو ذَلِك يَقْتَضِي حُصُول إِرَادَة مُسْتَقْبلَة ومشيئة مُسْتَقْبلَة. صفتا الْمحبَّة وَالرِّضَا: وَكَذَلِكَ فِي الْمحبَّة وَالرِّضَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ فَإِن هَذَا يدل على أَنهم إِذا اتَّبعُوهُ أحبهم الله؛ فَإِنَّهُ جزم قَوْله: " يحببكم الله " فجزمه جَوَابا لِلْأَمْرِ وَهُوَ فِي معنى الشَّرْط فتقديره: إِن تتبعوني يحببكم الله. وَمَعْلُوم أَن جَوَاب الشَّرْط وَالْأَمر إِنَّمَا يكون بعده لَا قبله؛ فمحبة الله لَهُم إِنَّمَا تكون بعد اتباعهم للرسول؛ والمنازعون: مِنْهُم من يَقُول: مَا ثمَّ محبَّة بل المُرَاد ثَوابًا مخلوقا وَمِنْهُم من يَقُول: بل ثمَّ محبَّة قديمَة أزلية إِمَّا الْإِرَادَة وَإِمَّا غَيرهَا وَالْقُرْآن يدل على قَول السّلف وأئمة السّنة الْمُخَالف للقولين.

стр. 284

وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه﴾ فَإِنَّهُ يدل على أَن أَعْمَالهم أسخطته فَهِيَ سَبَب لسخطه وَسخطه عَلَيْهِم بعد الْأَعْمَال؛ لَا قبلهَا. وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿إِن تكفرُوا فَإِن الله غَنِي عَنْكُم وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَإِن تشكروا يرضه لكم﴾ علق الرِّضَا بشكرهم وَجعله مَجْزُومًا جَزَاء لَهُ وَجَزَاء الشَّرْط لَا يكون إِلَّا بعده. وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين﴾ و ﴿يحب الْمُتَّقِينَ﴾ و ﴿يحب المقسطين﴾ و ﴿يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا﴾ وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ يدل على أَن الْمحبَّة بِسَبَب هَذِه الْأَعْمَال وَهِي جَزَاء لَهَا وَالْجَزَاء إِنَّمَا يكون بعد الْعَمَل وَالسَّبَب. فصل صفتا السّمع وَالْبَصَر: وَكَذَلِكَ " السّمع " و " الْبَصَر " " وَالنَّظَر ". قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله﴾ هَذَا فِي حق الْمُنَافِقين وَقَالَ فِي حق التائبين: ﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون﴾ فَقَوله ﴿فسيرى الله﴾ دَلِيل على أَنه يَرَاهَا بعد نزُول هَذِه الْآيَة

стр. 285

الْكَرِيمَة والمنازع إِمَّا أَن يَنْفِي الرُّؤْيَة؛ وَإِمَّا أَن يثبت رُؤْيَة قديمَة أزلية فَقَط. وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿ثمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلائف فِي الأَرْض من بعدهمْ لنَنْظُر كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ وَلَام " كي " تَقْتَضِي أَن مَا بعْدهَا مُتَأَخّر عَن الْمَعْلُول فنظره كَيفَ يعْملُونَ هُوَ بعد جعلهم خلائف. وَكَذَلِكَ ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا وتشتكي إِلَى الله وَالله يسمع تحاوركما﴾ أخبر أَنه يسمع تحاورهما حِين كَانَت تجَادل وتشتكي إِلَى الله. وَقَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿إِذا قَالَ الإِمَام سمع الله لمن حَمده فَقولُوا رَبنَا وَلَك الْحَمد يسمع الله لكم﴾ " فَجعل سَمعه لنا جَزَاء وجوابا للحمد فَيكون ذَلِك بعد الْحَمد والسمع يتَضَمَّن مَعَ سمع القَوْل قبُوله وإجابته. وَمِنْه قَول الْخَلِيل ﴿إِن رَبِّي لسميع الدُّعَاء﴾ . وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿لقد سمع الله قَول الَّذين قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء﴾ وَقَوله لمُوسَى وَهَارُون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ .

стр. 286

و " الْعقل الصَّرِيح " يدل على ذَلِك فَإِن الْمَعْدُوم لَا يرى وَلَا يسمع بِصَرِيح الْعقل واتفاق الْعُقَلَاء؛ لَكِن قَالَ من قَالَ من " السالمية ": إِنَّه يسمع وَيرى مَوْجُودا فِي علمه لَا مَوْجُودا بَائِنا عَنهُ وَلم يقل أحد: إِنَّه يسمع وَيرى بَائِنا عَن الرب. فَإِذا خلق الْعباد وَعمِلُوا وَقَالُوا؛ فإمَّا أَن نقُول: إِنَّه يسمع أَقْوَالهم وَيرى أَعْمَالهم؛ وَإِمَّا لَا يرى وَلَا يسمع. فَإِن نفي ذَلِك تَعْطِيل لهاتين الصفتين وَتَكْذيب لِلْقُرْآنِ وهما صفتا كَمَال لَا نقص فِيهِ فَمن يسمع ويبصر أكمل مِمَّن لَا يسمع وَلَا يبصر. والمخلوق يَتَّصِف بِأَنَّهُ يسمع ويبصر فَيمْتَنع اتصاف الْمَخْلُوق بِصِفَات الْكَمَال دون الْخَالِق وَقد عَابَ الله تَعَالَى من يعبد من لَا يسمع وَلَا يبصر فِي غير مَوضِع؛ وَلِأَنَّهُ حَيّ والحي إِذا لم يَتَّصِف بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر اتّصف بضد ذَلِك وَهُوَ الْعَمى والصمم وَذَلِكَ مُمْتَنع وَبسط هَذَا لَهُ مَوضِع آخر. وَإِنَّمَا " الْمَقْصُود هُنَا " أَنه إِذا كَانَ يسمع ويبصر الْأَقْوَال والأعمال بعد أَن وجدت؛ فإمَّا أَن يُقَال: إِنَّه تجدّد شَيْء، وَإِمَّا أَن يُقَال: لم يَتَجَدَّد شَيْء، فَإِن كَانَ لم يَتَجَدَّد، وَكَانَ لَا يسْمعهَا وَلَا يبصرها، فَهُوَ بعد أَن خلقهَا لَا يسْمعهَا

стр. 287

وَلَا يبصرها. وَإِن تجدّد شَيْء: فإمَّا أَن يكون وجودا أَو عدما؛ فَإِن كَانَ عدما فَلم يَتَجَدَّد شَيْء وَإِن كَانَ وجودا: فإمَّا أَن يكون قَائِما بِذَات الله أَو قَائِما بِذَات غَيره و " الثَّانِي " يسْتَلْزم أَن يكون ذَلِك الْغَيْر هُوَ الَّذِي يسمع وَيرى فَيتَعَيَّن أَن ذَلِك السّمع والرؤية الْمَوْجُودين قَائِم بِذَات الله وَهَذَا لَا حِيلَة فِيهِ. و" الْكلابِيَّة " يَقُولُونَ فِي جَمِيع هَذَا الْبَاب: المتجدد هُوَ تعلُّقٌ تعلَّق بَين الْأَمر والمأمور وَبَين الْإِرَادَة وَالْمرَاد وَبَين السّمع وَالْبَصَر والمسموع والمرئي. فَيُقَال لَهُم: هَذَا التَّعَلُّق إِمَّا أَن يكون وجودا وَإِمَّا أَن يكون عدما فَإِن كَانَ عدما فَلم يَتَجَدَّد شَيْء فَإِن الْعَدَم لَا شَيْء وَإِن كَانَ وجودا بَطل قَوْلهم. وَأَيْضًا فحدوث " تعلق " هُوَ نِسْبَة وَإِضَافَة من غير حُدُوث مَا يُوجب ذَلِك مُمْتَنع فَلَا تحدث نِسْبَة وَإِضَافَة إِلَّا بحدوث أَمر وجودي يَقْتَضِي ذَلِك. وَطَائِفَة مِنْهُم ابْن عقيل يسمون هَذِه النّسَب " أحوالا ". و" الطوائف " متفقون على حُدُوث " نسب " و " إضافات " و " تعلقات " لَكِن حُدُوث النّسَب بِدُونِ حُدُوث مَا يُوجِبهَا مُمْتَنع. فَلَا تكون نِسْبَة وَإِضَافَة إِلَّا تَابِعَة لصفة ثبوتية؛ كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية والتيامن والتياسر فَإِنَّهَا لَا بُد أَن تَسْتَلْزِم أمورا ثبوتية.

стр. 288

أَفعَال الرب الاختيارية: وَكَذَلِكَ كَونه " خَالِقًا " و " رازقا " و " محسنا " و " عادلا " فَإِن هَذِه أَفعَال فعلهَا بمشيئته وَقدرته إِذْ كَانَ يخلق بمشيئته ويرزق بمشيئته. ويعدل بمشيئته وَيحسن بمشيئته. وَالَّذِي عَلَيْهِ " جَمَاهِير الْمُسلمين " من السّلف. وَالْخلف أَن الْخلق غير الْمَخْلُوق؛ فالخلق فعل الْخَالِق والمخلوق مَفْعُوله. وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ يستعيذ بِأَفْعَال الرب وَصِفَاته كَمَا فِي قَوْله ﷺ " ﴿أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عُقُوبَتك وَبِك مِنْك لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك.﴾ " فاستعاذ بمعافاته كَمَا استعاذ بِرِضَاهُ. وَقد اسْتدلَّ " أَئِمَّة السّنة " كأحمد وَغَيره على أَن " كَلَام الله غير مَخْلُوق " بِأَنَّهُ استعاذ بِهِ فَقَالَ: " ﴿من نزل منزلا فَقَالَ: أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة من شَرّ مَا خلق لم يضرّهُ شَيْء حَتَّى يرتحل مِنْهُ﴾ . " فَكَذَلِك معافاته وَرضَاهُ غير مَخْلُوق لِأَنَّهُ استعاذ بِهِ والعافية الْقَائِمَة ببدن العَبْد مخلوقة فَإِنَّهَا نتيجة معافاته.

стр. 289

وَإِذا كَانَ " الْخلق فعله " والمخلوق مَفْعُوله " وَقد خلق الْخلق بمشيئته دلّ على أَن الْخلق فعل يحصل بمشيئته وَيمْتَنع قِيَامه بِغَيْرِهِ فَدلَّ على أَن أَفعاله قَائِمَة بِذَاتِهِ مَعَ كَونهَا حَاصِلَة بمشيئته وَقدرته. وَقد حكى البُخَارِيّ إِجْمَاع الْعلمَاء على الْفرق بَين الْخلق والمخلوق وعَلى هَذَا يدل " صَرِيح الْمَعْقُول ". فَإِنَّهُ قد ثَبت بالأدلة " الْعَقْلِيَّة والسمعية " أَن كل مَا سوى الله تَعَالَى مَخْلُوق مُحدث كَائِن بعد أَن لم يكن وَأَن الله انْفَرد بالقدم والأزلية. وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام﴾ فَهُوَ حِين خلق السَّمَوَات ابْتِدَاء؛ إِمَّا أَن يحصل مِنْهُ فعل يكون هُوَ خلقا لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْض وَإِمَّا أَن لَا يحصل مِنْهُ فعل؛ بل وجدت الْمَخْلُوقَات بِلَا فعل وَمَعْلُوم أَنه إِذا كَانَ الْخَالِق قبل خلقهَا وَمَعَ خلقهَا وَبعده سَوَاء لم يجز تَخْصِيص خلقهَا بِوَقْت دون وَقت بِلَا سَبَب يُوجب التَّخْصِيص. و" أَيْضا " فحدوث الْمَخْلُوق بِلَا سَبَب حَادث مُمْتَنع فِي بدايه الْعقل وَإِذا قيل: الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة الْقَدِيمَة خصصت. قيل: نِسْبَة الْإِرَادَة الْقَدِيمَة إِلَى جَمِيع الْأَوْقَات سَوَاء. وَأَيْضًا فَلَا تعقل إِرَادَة تخصص أحد المتماثلين إِلَّا بِسَبَب يُوجب التَّخْصِيص.

стр. 290

" وَأَيْضًا " فَلَا بُد عِنْد وجود المُرَاد من سَبَب يَقْتَضِي حُدُوثه وَإِلَّا فَلَو كَانَ مُجَرّد مَا تقدم من الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة كَافِيا؛ للَزِمَ وجوده قبل ذَلِك لِأَنَّهُ مَعَ الْإِرَادَة التَّامَّة وَالْقُدْرَة التَّامَّة يجب وجود الْمَقْدُور. وَقد احْتج من قَالَ: " الْخلق " هُوَ الْمَخْلُوق - كَأبي الْحسن وَمن اتبعهُ مثل ابْن عقيل - بِأَن قَالُوا: لَو كَانَ غَيره لَكَانَ إِمَّا قَدِيما وَإِمَّا حَادِثا فَإِن كَانَ قَدِيما لزم قدم الْمَخْلُوق لِأَنَّهُمَا متضايفان؛ وَإِن كَانَ حَادِثا لزم أَن تقوم بِهِ الْحَوَادِث ثمَّ ذَلِك الْمَخْلُوق يفْتَقر إِلَى خلق آخر وَيلْزم التسلسل. فأجابهم " الْجُمْهُور " - كل طَائِفَة على أَصْلهَا - فطائفة قَالَت: الْخلق قديم وَإِن كَانَ الْمَخْلُوق حَادِثا كَمَا يَقُول ذَلِك كثير من أهل الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَعَلِيهِ أَكثر الْحَنَفِيَّة؛ قَالَ هَؤُلَاءِ: أَنْتُم تسلمون لنا أَن الْإِرَادَة قديمَة أزلية؛ وَالْمرَاد مُحدث فَنحْن نقُول فِي الْخلق مَا قُلْتُمْ فِي الْإِرَادَة. وَقَالَت " طَائِفَة ": بل الْخلق حَادث فِي ذَاته وَلَا يفْتَقر إِلَى خلق آخر؛ بل يحدث بقدرته. وَأَنْتُم تَقولُونَ: إِن الْمَخْلُوق يحصل بقدرته بعد أَن لم يكن فَإِن كَانَ الْمُنْفَصِل يحصل بِمُجَرَّد الْقُدْرَة فالمتصل بِهِ أولى وَهَذَا جَوَاب كثير من الكرامية والهشامية وَغَيرهم.

стр. 291

و " طَائِفَة " يَقُولُونَ: هَب أَنه يفْتَقر إِلَى فعل قبله فَلم قُلْتُمْ: إِن ذَلِك مُمْتَنع؟ وقولكم: هَذَا تسلسل. فَيُقَال: هَذَا لَيْسَ تسلسلا فِي الفاعلين والعلل الفاعلة؛ فَإِن هَذَا مُمْتَنع بِاتِّفَاق الْعُقَلَاء؛ بل هُوَ تسلسل فِي الْآثَار وَالْأَفْعَال وَهُوَ حُصُول شَيْء بعد شَيْء. وَهَذَا مَحل النزاع. " فالسلف " يَقُولُونَ: لم يزل متكلما إِذا شَاءَ وكما شَاءَ؛ وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿قل لَو كَانَ الْبَحْر مدادا لكلمات رَبِّي لنفد الْبَحْر قبل أَن تنفد كَلِمَات رَبِّي وَلَو جِئْنَا بِمثلِهِ مدَدا﴾ . فكلمات الله لَا نِهَايَة لَهَا وَهَذَا تسلسل جَائِز كالتسلسل فِي الْمُسْتَقْبل فَإِن نعيم الْجنَّة دَائِم لَا نفاد لَهُ فَمَا من شَيْء إِلَّا وَبعده شَيْء بِلَا نِهَايَة. فصل و" الْأَفْعَال نَوْعَانِ ": مُتَعَدٍّ ولازم. فالمتعدي مثل: الْخلق والإعطاء وَنَحْو ذَلِك وَاللَّازِم: مثل الاسْتوَاء وَالنُّزُول والمجيء والإتيان. قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ فَذكر الْفِعْلَيْنِ: الْمُتَعَدِّي وَاللَّازِم وَكِلَاهُمَا حَاصِل بقدرته ومشيئته وَهُوَ متصف بِهِ؛ وَقد بسط هَذَا فِي غير هَذَا الْموضع.

стр. 292

الْأَدِلَّة على هَذَا الأَصْل من السّنة: وَالْمَقْصُود هُنَا: أَن الْقُرْآن يدل على " هَذَا الأَصْل " فِي أَكثر من مائَة مَوضِع. وَأما " الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة " فَلَا يُمكن ضَبطهَا فِي هَذَا الْبَاب كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ ﴿أَن النَّبِي ﷺ صلى بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الصُّبْح بِالْحُدَيْبِية على أثر سَمَاء كَانَت من اللَّيْل ثمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربكُم اللَّيْلَة؟ قَالَ: أصبح من عبَادي مُؤمن بِي وَكَافِر بِي فَأَما من قَالَ مُطِرْنَا بِفضل الله وَرَحمته فَذَلِك مُؤمن بِي كَافِر بالكواكب وَأما من قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا ونوء كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِك كَافِر بِي مُؤمن بالكواكب﴾ ". وَفِي الصِّحَاح فِي حَدِيث الشَّفَاعَة " ﴿يَقُول كل من الرُّسُل إِذا أَتَوا إِلَيْهِ: إِن رَبِّي قد غضب الْيَوْم غَضبا لم يغْضب قبله مثله وَلنْ يغْضب بعده مثله﴾ " وَهُوَ بَيَان أَن الْغَضَب حصل فِي ذَلِك الْيَوْم لَا قبله.

стр. 293

وَفِي الصَّحِيح: " ﴿إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَوَات كجر السلسلة على الصفوان﴾ " فَقَوله: إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع يدل على أَنه يتَكَلَّم بِهِ حِين يسمعونه وَذَلِكَ يَنْفِي كَونه أزليا وَأَيْضًا فَمَا يكون كجر السلسلة على الصَّفَا يكون شَيْئا بعد شَيْء والمسبوق بِغَيْرِهِ لَا يكون أزليا. وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيح " ﴿يَقُول الله: قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ نصفهَا لي وَنِصْفهَا لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ؛ فَإِذا قَالَ: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ قَالَ الله: حمدني عَبدِي فَإِذا قَالَ: ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ قَالَ

стр. 294

الله: أثنى عَليّ عَبدِي. فَإِذا قَالَ ﴿مَالك يَوْم الدَّين﴾ قَالَ الله: مجدني عَبدِي؛ فَإِذا قَالَ: ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ قَالَ الله هَذِه الْآيَة بيني وَبَين عَبدِي ولعبدي مَا سَأَلَ؛ فَإِذا قَالَ: ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ الله: هَؤُلَاءِ لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ﴾ فقد أخبر أَن العَبْد إِذا قَالَ ﴿الْحَمد لله﴾ قَالَ الله: حمدني عَبدِي فَإِذا قَالَ ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ قَالَ الله: أثنى عَليّ عَبدِي.. الحَدِيث. وَفِي الصِّحَاح حَدِيث النُّزُول أَنه " ﴿ينزل رَبنَا كل لَيْلَة حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر فَيَقُول: من يدعوني فأستجيب لَهُ؟ من يسألني فَأعْطِيه؟ من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟﴾ " فَهَذَا قَول وَفعل فِي وَقت معِين وَقد

стр. 295

اتّفق السّلف على أَن " النُّزُول " فعل يَفْعَله الرب كَمَا قَالَ ذَلِك الْأَوْزَاعِيّ وَحَمَّاد بن زيد والفضيل بن عِيَاض وَأحمد بن حَنْبَل وَغَيرهم. وَأَيْضًا فقد قَالَ ﷺ " ﴿لله أَشد أذنا إِلَى الرجل الْحسن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ من صَاحب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته﴾ " وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح الآخر " ﴿مَا أذن الله لشَيْء كَإِذْنِهِ لنَبِيّ حسن الصَّوْت يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يجْهر بِهِ﴾ " أذن يَأْذَن أذنا: أَي اسْتمع يستمع استماعا ﴿وأذنت لِرَبِّهَا وحقت﴾ . فَأخْبر أَنه يستمع إِلَى هَذَا وَهَذَا. وَفِي الصَّحِيح " ﴿لَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا

стр. 296

أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ؛ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا﴾ " فَأخْبر أَنه لَا يزَال يتَقرَّب بالنوافل بعد الْفَرَائِض حَتَّى يُحِبهُ، و "حَتَّى " حرف غَايَة، يدل على أَنه يُحِبهُ بعد تقربه بالنوافل والفرائض. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ ﷺ فِيمَا يروي عَن ربه تَعَالَى قَالَ: " ﴿قَالَ الله أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَأَنا مَعَه إِذا ذَكرنِي؛ إِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي وَإِن ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي ملإ خير مِنْهُم﴾ " وحرف " إِن " حرف الشَّرْط؛ وَالْجَزَاء يكون بعد الشَّرْط فَهَذَا يبين أَنه يذكر العَبْد بعد أَن يذكرهُ العَبْد، إِن ذكره فِي نَفسه ذكره فِي نَفسه وَإِن ذكره فِي ملإ ذكره

стр. 297

فِي ملإ خير مِنْهُم والمنازع يَقُول مَا زَالَ يذكرهُ أزلا وأبدا ثمَّ يَقُول: ذكره وَذكر غَيره وَسَائِر مَا يتَكَلَّم الله بِهِ هُوَ شَيْء وَاحِد لَا يَتَبَعَّض وَلَا يَتَعَدَّد فحقيقة قَوْله إِن الله لم يتَكَلَّم وَلَا يتَكَلَّم وَلَا يذكر أحدا. وَفِي صَحِيح مُسلم فِي حَدِيث تَعْلِيم الصَّلَاة " ﴿وَإِذا قَالَ الإِمَام سمع الله لمن حَمده فَقولُوا: اللَّهُمَّ رَبنَا وَلَك الْحَمد؛ يسمع الله لكم فَإِن الله قَالَ على لِسَان نبيه سمع الله لمن حَمده﴾ " فَقَوله: سمع الله لمن حَمده؛ لِأَن الْجَزَاء بعد الشَّرْط فَقَوله " يسمع الله لكم " مجزوم حرك بِالْكَسْرِ لالتقاء الساكنين وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه يسمع بعد أَن تحمدوا. فصل مَوَاقِف النفاة من مَسْأَلَة الصِّفَات وَالرَّدّ عَلَيْهِم: والمنازعون " النفاة " كَذَلِك. مِنْهُم من يَنْفِي الصِّفَات مُطلقًا فَهَذَا يكون الْكَلَام مَعَه فِي الصِّفَات مُطلقًا؛ لَا يخْتَص " بِالصِّفَاتِ الاختيارية ". وَمِنْهُم من يثبت الصِّفَات وَيَقُول لَا يقوم بِذَاتِهِ شَيْء بمشيئته وَقدرته؛ فَيَقُول: إِنَّه لَا يتَكَلَّم بمشيئته واختياره وَيَقُول: لَا يرضى ويسخط وَيُحب وَيبغض ويختار بمشيئته وَقدرته وَيَقُول: إِنَّه لَا يفعل فعلا " هُوَ الْخلق " يخلق بِهِ الْمَخْلُوق وَلَا يقدر عِنْده على فعل يقوم بِذَاتِهِ بل مقدوره لَا يكون إِلَّا مُنْفَصِلا مِنْهُ وَهَذَا مَوضِع تنَازع فِيهِ النفاة.

стр. 298

فَقيل: لَا يكون " مقدوره " إِلَّا بَائِنا عَنهُ؛ كَمَا يَقُوله الْجَهْمِية والكلابية والمعتزلة وَقيل: لَا يكون " مقدوره " إِلَّا مَا يقوم بِذَاتِهِ؛ كَمَا يَقُوله: السالمية والكرامية وَالصَّحِيح: أَن كليهمَا مَقْدُور لَهُ. أما " الْفِعْل " فَمثل قَوْله تَعَالَى ﴿قل هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم أَو من تَحت أَرْجُلكُم﴾ . وَقَوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى﴾ . وَقَول الحواريين: ﴿هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء﴾ . وَقَوله: ﴿أوليس الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِقَادِر على أَن يخلق مثلهم﴾ وَقَوله: ﴿أولم يرَوا أَن الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلم يعي بخلقهن بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى﴾ إِلَى أَمْثَال ذَلِك مِمَّا يبين أَنه يقدر على " الْأَفْعَال " كالإحياء والبعث وَنَحْو ذَلِك. وَأما " الْقُدْرَة على الْأَعْيَان " فَفِي الصَّحِيح عَن أبي مَسْعُود قَالَ: " ﴿كنت أضْرب غُلَاما فرآني النَّبِي ﷺ فَقَالَ: اعْلَم أَبَا مَسْعُود اعْلَم

стр. 299

أَبَا مَسْعُود: لله أقدر عَلَيْك مِنْك على هَذَا﴾ " فَقَوله: " لله أقدر عَلَيْك مِنْك على هَذَا " دَلِيل على أَن الْقُدْرَة تتَعَلَّق بالأعيان الْمُنْفَصِلَة: " قدرَة الرب " و " قدرَة العَبْد ". وَمن النَّاس من يَقُول: كِلَاهُمَا يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ كالكرامية وَمِنْهُم من يَقُول: قدرَة الرب تتَعَلَّق بالمنفصل وَأما قدرَة العَبْد فَلَا تتَعَلَّق إِلَّا بِفعل فِي محلهَا كالأشعرية. و" النُّصُوص " تدل على أَن كلا القدرتين تتَعَلَّق بالمتصل والمنفصل فَإِن الله تَعَالَى أخبر أَن العَبْد يقدر على أَفعاله كَقَوْلِه: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَقَوله: ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم﴾ فَدلَّ على أَن منا من يَسْتَطِيع ذَلِك وَمنا من لم يسْتَطع. وَقَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿يَا معشر الشَّبَاب من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فليتزوج وَمن لم يسْتَطع فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاء﴾ ". أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

стр. 300

وَقَوله: " ﴿إِن اسْتَطَعْت أَن تعْمل بِالرِّضَا مَعَ الْيَقِين فافعل﴾ . وَقَوله فِي الحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيح: " ﴿إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَقد أخبر أَنه قَادر على عَبده وَهَؤُلَاء الَّذين يَقُولُونَ: لَا تقوم بِهِ " الْأُمُور الاختيارية " عمدتهم أَنه لَو قَامَت بِهِ الْحَوَادِث لم يخل مِنْهَا وَمَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث. وَقد نازعهم النَّاس فِي كلا " المقدمتين " وأصحابهم الْمُتَأَخّرُونَ كالرازي والآمدي قَدَحُوا فِي " الْمُقدمَة الأولى " فِي نفس هَذِه الْمَسْأَلَة وقدح الرَّازِيّ فِي " الْمُقدمَة الثَّانِيَة " فِي غير مَوضِع من كتبه وَقد بسط الْكَلَام على ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع.

стр. 301

وَقَوْلهمْ: إِنَّمَا عرفنَا حُدُوث الْعَالم بِهَذِهِ الطَّرِيق وَبِه أثبتنا " الصَّانِع " فَيُقَال لَهُم: لَا جرم ابتدعتم طَرِيقا لَا يُوَافق السّمع وَلَا الْعقل فالعالمون بِالشَّرْعِ معترفون أَنكُمْ مبتدعون محدثون فِي الْإِسْلَام مَا لَيْسَ مِنْهُ وَالَّذين يعْقلُونَ مَا يَقُولُونَ يعلمُونَ أَن الْعقل يُنَاقض مَا قُلْتُمْ وَأَن مَا جعلتموه دَلِيلا على إِثْبَات الصَّانِع لَا يدل على إثْبَاته بل هُوَ اسْتِدْلَال على نفي " الصَّانِع ". وَإِثْبَات " الصَّانِع " حق وَهَذَا الْحق يلْزم من ثُبُوته إبِْطَال استدلالكم بِأَن مَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث. وَأما كَون " طريقكم مبتدعة " مَا سلكها الْأَنْبِيَاء وَلَا أتباعهم وَلَا سلف الْأمة؛ فَلِأَن كل من يعرف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول - وَإِن كَانَت مَعْرفَته متوسطة لم يصل فِي ذَلِك إِلَى الْغَايَة - يعلم أَن الرَّسُول ﷺ لم يدع النَّاس فِي معرفَة الصَّانِع وتوحيده وَصدق رسله إِلَى الِاسْتِدْلَال بِثُبُوت الْأَعْرَاض وَأَنَّهَا حَادِثَة ولازمة للأجسام؛ وَمَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث؛ لِامْتِنَاع حوادث لَا أول لَهَا، بل يعلم بالاضطرار أَن " هَذِه الطَّرِيق " لم يتَكَلَّم بهَا الرَّسُول وَلَا دَعَا إِلَيْهَا أَصْحَابه، وَلَا أَصْحَابه تكلمُوا بهَا وَلَا دعوا بهَا النَّاس. وَهَذَا يُوجب الْعلم الضَّرُورِيّ من دين الرَّسُول بِأَنَّهُ عِنْد الرَّسُول

стр. 302

وَالْمُؤمنِينَ بِهِ أَن الله يُعرف ويُعرف توحيده وَصدق رسله بِغَيْر هَذِه الطَّرِيق فَدلَّ الشَّرْع دلَالَة ضَرُورِيَّة على أَنه لَا حَاجَة إِلَى هَذِه الطَّرِيق وَدلّ مَا فِيهَا من مُخَالفَة نُصُوص الْكتاب وَالسّنة على أَنَّهَا طَرِيق بَاطِلَة. فَدلَّ الشَّرْع على أَنه لَا حَاجَة إِلَيْهَا وَأَنَّهَا بَاطِلَة. وَأما الْعقل فقد بسط القَوْل فِي جَمِيع مَا قيل فِيهَا فِي غير هَذِه الْمَوَاضِع وَبَين أَن أَئِمَّة أَصْحَابهَا قد يعترفون بفسادها من جِهَة الْعقل. كَمَا يُوجد فِي كَلَام أبي حَامِد والرازي وَغَيرهمَا بَيَان فَسَادهَا. وَلما ظهر فَسَادهَا لِلْعَقْلِ تسلط " الفلاسفة " على سالكيها وظنت الفلاسفة أَنهم إِذا قَدَحُوا فِيهَا فقد قَدَحُوا فِي دلَالَة الشَّرْع ظنا مِنْهُم أَن الشَّرْع جَاءَ بموجبها إِذْ كَانُوا أَجْهَل بِالشَّرْعِ وَالْعقل من سالكيها فسالكوها لَا لِلْإِسْلَامِ نصروا وَلَا لأعدائه كسروا بل سلطوا الفلاسفة عَلَيْهِم وعَلى الْإِسْلَام. وَهَذَا كُله مَبْسُوط فِي مَوَاضِع. وَإِنَّمَا " الْمَقْصُود هُنَا ": أَن يعرف أَن نفيهم " للصفات الاختيارية " الَّتِي يسمونها حُلُول الْحَوَادِث لَيْسَ لَهُم دَلِيل عَقْلِي عَلَيْهِ وحذاقهم يعترفون بذلك وَأما السّمع فَلَا ريب أَنه مَمْلُوء بِمَا يناقضه وَالْعقل أَيْضا يدل نقيضه من وُجُوه نبهنا على بَعْضهَا. وَلما لم يُمكن مَعَ أَصْحَابهَا حجَّة " لَا عقلية وَلَا سمعية ": من الْكتاب وَالسّنة احتال متأخروهم فسلكوا " طَرِيقا سمعية " ظنُّوا أَنَّهَا تنفعهم فَقَالُوا: هَذِه

стр. 303

الصِّفَات إِن كَانَت صِفَات نقص وَجب تَنْزِيه الرب عَنْهَا وَإِن كَانَت صِفَات كَمَال فقد كَانَ فاقدا لَهَا قبل حدوثها وَعدم الْكَمَال نقص؛ فَيلْزم أَن يكون كَانَ نَاقِصا وتنزيهه عَن النَّقْص وَاجِب بِالْإِجْمَاع. الرَّد على حجَّة للنفاة من وُجُوه: وَهَذِه الْحجَّة من أفسد الْحجَج وَذَلِكَ من وُجُوه: الأول: (أَحدهَا) : أَن هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: نفي النَّقْص عَنهُ لم يعلم بِالْعقلِ وَإِنَّمَا علم " بِالْإِجْمَاع " - وَعَلِيهِ اعتمدوا فِي نفي النَّقْص هُنَا - فَيَعُود الْأَمر إِلَى احتجاجهم بِالْإِجْمَاع وَمَعْلُوم أَن الْإِجْمَاع لَا يحْتَج بِهِ فِي موارد النزاع؛ فَإِن المنازع لَهُم يَقُول أَنا لم أوافقكم على نفي هَذَا الْمَعْنى وَإِن وافقتكم على إِطْلَاق القَوْل بِأَن الله منزه عَن النَّقْص؛ فَهَذَا الْمَعْنى عِنْدِي لَيْسَ بِنَقص وَلم يدْخل فِيمَا سلمته لكم فَإِن بينتم بِالْعقلِ أَو بِالسَّمْعِ انتفاءه وَإِلَّا فاحتجاجكم بِقَوْلِي مَعَ أَنِّي لم أرد ذَلِك كذب عَليّ؛ فَإِنَّكُم تحتجون بِالْإِجْمَاع؛ والطائفة المثبتة من أهل الْإِجْمَاع وهم لم يسلمُوا هَذَا. الثَّانِي: (الثَّانِي) : أَن يُقَال: لَا نسلم أَن عدم هَذِه الْأُمُور قبل وجودهَا نقص؛ بل لَو وجدت قبل وجودهَا لَكَانَ نقصا؛ مِثَال ذَلِك تكليم الله لمُوسَى ﵇ ونداؤه لَهُ فنداؤه حِين ناداه صفة كَمَال؛ وَلَو ناداه قبل أَن

стр. 304

يَجِيء لَكَانَ ذَلِك نقصا؛ فَكل مِنْهَا كَمَال حِين وجوده؛ لَيْسَ بِكَمَال قبل وجوده؛ بل وجوده قبل الْوَقْت الَّذِي تَقْتَضِي الْحِكْمَة وجوده فِيهِ نقص. الثَّالِث: (الثَّالِث) : أَن يُقَال: لَا نسلم أَن عدم ذَلِك نقص فَإِن مَا كَانَ حَادِثا امْتنع أَن يكون قَدِيما وَمَا كَانَ مُمْتَنعا لم يكن عَدمه نقصا؛ لِأَن النَّقْص فَوَات مَا يُمكن من صِفَات الْكَمَال. الرَّابِع: (الرَّابِع) : أَن هَذَا يرد فِي كل مَا فعله الرب وخلقه. فَيُقَال: خلق هَذَا إِن كَانَ نقصا فقد اتّصف بِالنَّقْصِ وَإِن كَانَ كمالا فقد كَانَ فاقدا لَهُ؛ فَإِن قُلْتُمْ: " صِفَات الْأَفْعَال " عندنَا لَيست بِنَقص وَلَا كَمَال. قيل: إِذا قُلْتُمْ ذَلِك أمكن المنازع أَن يَقُول: هَذِه الْحَوَادِث لَيست بِنَقص وَلَا كَمَال. الْخَامِس: (الْخَامِس) : أَن يُقَال: إِذا عرض على الْعقل الصَّرِيح ذَات يُمكنهَا أَن تَتَكَلَّم بقدرتها وَتفعل مَا تشَاء بِنَفسِهَا وَذَات لَا يُمكنهَا أَن تَتَكَلَّم بمشيئتها وَلَا تتصرف بِنَفسِهَا أَلْبَتَّة بل هِيَ بِمَنْزِلَة الزَّمن الَّذِي لَا يُمكنهُ فعل يقوم بِهِ بِاخْتِيَارِهِ قضى الْعقل الصَّرِيح بِأَن هَذِه الذَّات أكمل وَحِينَئِذٍ فَأنْتم الَّذين وصفتم الرب بِصفة النَّقْص؛ والكمال فِي اتصافه بِهَذِهِ الصِّفَات؛ لَا فِي نفي اتصافه بهَا. السَّادِس: (السَّادِس) : أَن يُقَال: الْحَوَادِث الَّتِي يمْتَنع كَون كل مِنْهَا أزليا وَلَا يُمكن وجودهَا إِلَّا شَيْئا فَشَيْئًا إِذا قيل: أَيّمَا أكمل أَن يقدر على

стр. 305

فعلهَا شَيْئا فَشَيْئًا أَو لَا يقدر على ذَلِك؟ كَانَ مَعْلُوما - بِصَرِيح الْعقل - أَن الْقَادِر على فعلهَا شَيْئا فَشَيْئًا أكمل مِمَّن لَا يقدر على ذَلِك. وَأَنْتُم تَقولُونَ: إِن الرب لَا يقدر على شَيْء من هَذِه الْأُمُور؛ وتقولون إِنَّه يقدر على أُمُور مباينة لَهُ. وَمَعْلُوم أَن قدرَة الْقَادِر على فعله الْمُتَّصِل بِهِ قبل قدرته على أُمُور مباينة لَهُ؛ فَإِذا قُلْتُمْ لَا يقدر على فعل مُتَّصِل بِهِ لزم أَن لَا يقدر على الْمُنْفَصِل؛ فَلَزِمَ على قَوْلكُم أَن لَا يقدر على شَيْء وَلَا أَن يفعل شَيْئا فَلَزِمَ أَن لَا يكون خَالِقًا لشَيْء؛ وَهَذَا لَازم للنفاة لَا محيد لَهُم عَنهُ. وَلِهَذَا قيل: الطَّرِيق الَّتِي سلكوها فِي حُدُوث الْعَالم وَإِثْبَات الصَّانِع: تنَاقض حُدُوث الْعَالم وَإِثْبَات الصَّانِع وَلَا يَصح القَوْل بحدوث الْعَالم وَإِثْبَات الصَّانِع إِلَّا بإبطالها؛ لَا بإثباتها. فَكَأَن مَا اعتمدوا عَلَيْهِ وجعلوه أصولا للدّين ودليلا عَلَيْهِ هُوَ فِي نَفسه بَاطِل شرعا وعقلا وَهُوَ مُنَاقض للدّين ومناف لَهُ، كَمَا أَنه مُنَاقض لِلْعَقْلِ ومناف لَهُ. وَلِهَذَا كَانَ " السّلف وَالْأَئِمَّة " يعيبون كَلَامهم هَذَا ويذمونه وَيَقُولُونَ: من طلب الْعلم بالْكلَام تزندق؛ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُف. ويروى عَن مَالك. وَيَقُول الشَّافِعِي: حكمي فِي أهل الْكَلَام أَن يضْربُوا بِالْجَرِيدِ وَالنعال وَيُطَاف بهم فِي العشائر وَيُقَال: هَذَا جَزَاء من ترك الْكتاب وَالسّنة وَأَقْبل على الْكَلَام.

стр. 306

وَقَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل: عُلَمَاء الْكَلَام زنادقة وَمَا ارتدى أحد بالْكلَام فأفلح. وَقد صدق الْأَئِمَّة فِي ذَلِك فَإِنَّهُم يبنون أَمرهم على " كَلَام مُجمل " يروج على من لم يعرف حَقِيقَته فَإِذا اعْتقد أَنه حق تبين أَنه مُنَاقض للْكتاب وَالسّنة فَيبقى فِي قلبه مرض ونفاق وريب وَشك؛ بل طعن فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول. وَهَذِه هِيَ الزندقة. وَهُوَ " كَلَام بَاطِل من جِهَة الْعقل " كَمَا قَالَ بعض السّلف: الْعلم بالْكلَام هُوَ الْجَهْل فهم يظنون أَن مَعَهم عقليات وَإِنَّمَا مَعَهم جهليات: ﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مَاء حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عِنْده فوفاه حسابه وَالله سريع الْحساب﴾ . هَذَا هُوَ الْجَهْل الْمركب؛ لأَنهم كَانُوا فِي شكّ وحيرة فهم فِي ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور. أَيْن هَؤُلَاءِ من نور الْقُرْآن وَالْإِيمَان؟ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض مثل نوره كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح الْمِصْبَاح فِي زجاجة

стр. 307

الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَب دري يُوقد من شَجَرَة مباركة زيتونة لَا شرقية وَلَا غربية يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار نور على نور يهدي الله لنوره من يَشَاء وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ . فَإِن قيل: أما كَون الْكَلَام وَالْفِعْل يدْخل فِي " الصِّفَات الاختيارية " فَظَاهر. فَإِنَّهُ يكون بِمَشِيئَة الرب وَقدرته وَأما " الْإِرَادَة " و " الْمحبَّة " و " الرِّضَا " و " الْغَضَب " فَفِيهِ نظر فَإِن نفس " الْإِرَادَة " هِيَ الْمَشِيئَة وَهُوَ سُبْحَانَهُ إِذا خلق من يُحِبهُ كالخليل فَإِنَّهُ يُحِبهُ وَيُحب الْمُؤمنِينَ وَيُحِبُّونَهُ. وَكَذَلِكَ إِذا عمل النَّاس أعمالا يَرَاهَا وَهَذَا لَازم لَا بُد من ذَلِك، فَكيف يدْخل فِي الِاخْتِيَار؟ قيل: كل مَا كَانَ بعد عَدمه فَإِنَّمَا يكون بِمَشِيئَة الله وَقدرته وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن؛ فَمَا شاءه وَجب كَونه وَهُوَ يجب بِمَشِيئَة الرب وَقدرته وَمَا لم يشأه امْتنع كَونه مَعَ قدرته عَلَيْهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا اقتتل الَّذين من بعدهمْ﴾ ﴿وَلَو شَاءَ رَبك مَا فَعَلُوهُ﴾ .

стр. 308

فكون الشَّيْء وَاجِب الْوُقُوع لكَونه قد سبق بِهِ الْقَضَاء، وَعلم أَنه لَا بُد من كَونه لَا يمْتَنع أَن يكون وَاقعا بمشيئته وَقدرته وإرادته وَإِن كَانَت من لَوَازِم ذَاته كحياته وَعلمه. فَإِن " إِرَادَته للمستقبلات " هِيَ مسبوقة " بإرادته للماضي " ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَهُوَ إِنَّمَا أَرَادَ " هَذَا الثَّانِي " بعد أَن أَرَادَ قبله مَا يَقْتَضِي إِرَادَته؛ فَكَانَ حُصُول الْإِرَادَة اللاحقة بالإرادة السَّابِقَة. وَالنَّاس قد اضْطَرَبُوا فِي " مَسْأَلَة إِرَادَة الله " على أَقْوَال مُتعَدِّدَة. وَمِنْهُم من نفاها وَرجح الرَّازِيّ هَذَا فِي " مطالبه الْعَالِيَة " لَكِن - وَللَّه الْحَمد - نَحن قد قررناها وبيّنّاها وبيّنّا فَسَاد الشّبَه الْمَانِعَة مِنْهَا؛ وَأَن مَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة هُوَ الْحق الْمَحْض الَّذِي تدل عَلَيْهِ المعقولات الصَّرِيحَة وَأَن " صَرِيح الْمَعْقُول مُوَافق لصحيح الْمَنْقُول ". وَكُنَّا قد بيّنّا " أَولا " أَنه يمْتَنع تعَارض الْأَدِلَّة القطعية فَلَا يجوز أَن يتعارض دليلان قطعيان سَوَاء كَانَا عقليين أَو سمعيين أَو كَانَ أَحدهمَا عقليا وَالْآخر سمعيا؛ ثمَّ بَينا بعد ذَلِك: أَنَّهَا متوافقة متناصرة متعاضدة. فالعقل يدل على صِحَة

стр. 309

السّمع والسمع يبين صِحَة الْعقل وَأَن من سلك أَحدهمَا أفْضى بِهِ إِلَى الآخر. وَأَن الَّذين يسْتَحقُّونَ الْعَذَاب هم الَّذين لَا يسمعُونَ وَلَا يعْقلُونَ. كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أم تحسب أَن أَكْثَرهم يسمعُونَ أَو يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير﴾ ﴿قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ضلال كَبِير﴾ ﴿وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا أَو آذان يسمعُونَ بهَا فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد﴾ . فقد بَين الْقُرْآن أَن من كَانَ يعقل أَو كَانَ يسمع: فَإِنَّهُ يكون ناجيا وسعيدا وَيكون مُؤمنا بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَقد بسطت هَذِه الْأُمُور فِي غير مَوضِع وَالله أعلم.

стр. 310

فصل فَسَاد حجج النفاة لحلول الْحَوَادِث: وفحول النظار " كَأبي عبد الله الرَّازِيّ وَأبي الْحسن الْآمِدِيّ " وَغَيرهمَا ذكرُوا حجج النفاة " لحلول الْحَوَادِث " وبينوا فَسَادهَا كلهَا. فَذكرُوا لَهُم أَربع حجج: الْحجَّة الأولى: فَسَاد هَذِه الْحجَّة: (إِحْدَاهَا) : " الْحجَّة الْمَشْهُورَة " وَهِي أَنَّهَا لَو قَامَت بِهِ لم يخل مِنْهَا وَمن أضدادها وَمَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث. وَمنعُوا الْمُقدمَة الأولى؛ والمقدمة الثَّانِيَة؛ ذكر الرَّازِيّ وَغَيره فَسَادهَا وَقد بسط فِي غير هَذَا الْموضع. الْحجَّة الثَّانِيَة: و (الثَّانِيَة) : أَنه لَو كَانَ قَابلا لَهَا فِي الْأَزَل لَكَانَ الْقبُول من لَوَازِم ذَاته فَكَانَ الْقبُول يَسْتَدْعِي إِمْكَان المقبول وَوُجُود الْحَوَادِث فِي الْأَزَل محَال وَهَذِه أبطلوها هم بالمعارضة بِالْقُدْرَةِ: بِأَنَّهُ قَادر على إِحْدَاث الْحَوَادِث وَالْقُدْرَة تستدعي إِمْكَان الْمَقْدُور و " وجود الْمَقْدُور " وَهُوَ الْحَوَادِث فِي الْأَزَل محَال. بطلَان هَذِه الْحجَّة من وُجُوه: و" هَذِه الْحجَّة " بَاطِلَة من وُجُوه: الْوَجْه الأول: (أَحدهَا) أَن يُقَال " وجود الْحَوَادِث دَائِما " إِمَّا أَن يكون مُمكنا وَإِمَّا أَن يكون مُمْتَنعا؛ فَإِن كَانَ مُمكنا أمكن قبُولهَا وَالْقُدْرَة عَلَيْهَا دَائِما وَحِينَئِذٍ فَلَا يكون وجود جِنْسهَا فِي الْأَزَل مُمْتَنعا؛ بل يُمكن أَن يكون جِنْسهَا مَقْدُورًا

стр. 311

مَقْبُولًا؛ وَإِن كَانَ مُمْتَنعا فقد امْتنع وجود حوادث لَا تتناهى؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا تكون فِي الْأَزَل مُمكنَة؛ لَا مقدورة وَلَا مَقْبُولَة؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزم من امتناعها فِي الْأَزَل امتناعها بعد ذَلِك. فَإِن الْحَوَادِث مَوْجُودَة؛ فَلَا يجوز أَن يُقَال بدوام امتناعها؛ وَهَذَا تَقْسِيم حاصر يبين فَسَاد " هَذِه الْحجَّة ". الْوَجْه الثَّانِي: (الْوَجْه الثَّانِي) : أَن يُقَال: لَا ريب أَن الرب تَعَالَى قَادر؛ فإمَّا أَن يُقَال إِنَّه لم يزل قَادِرًا، وَإِمَّا أَن يُقَال بل صَار قَادِرًا بعد أَن لم يكن. فَإِن قيل: لم يزل قَادِرًا - وَهُوَ الصَّوَاب - فَيُقَال: إِذا كَانَ لم يزل قَادِرًا فَإِن كَانَ الْمَقْدُور لم يزل مُمكنا أمكن دوَام وجود الممكنات فَأمكن دوَام وجود الْحَوَادِث؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا يمْتَنع كَونه قَابلا لَهَا فِي الْأَزَل. وَإِن قيل: بل كَانَ الْفِعْل مُمْتَنعا ثمَّ صَار مُمكنا. قيل: هَذَا جمع بَين النقيضين، فَإِن الْقَادِر لَا يكون قَادِرًا على مُمْتَنع، فَكيف يكون قَادِرًا مَعَ كَون الْمَقْدُور مُمْتَنعا؟ ثمَّ يُقَال: بِتَقْدِير إِمْكَان هَذَا كَمَا قيل: هُوَ قَادر فِي الْأَزَل على مَا يُمكن فِيمَا لَا يزَال، قيل: وَكَذَلِكَ فِي الْقبُول، يُقَال: هُوَ قَابل فِي الْأَزَل لما يُمكن فِيمَا لَا يزَال.

стр. 312

الْوَجْه الثَّالِث: (الْوَجْه الثَّالِث) : أَنه سُبْحَانَهُ إِذا قيل - هُوَ قَابل لما فِي الْأَزَل فَإِنَّمَا هُوَ قَابل لما هُوَ قَادر عَلَيْهِ يُمكن وجوده فَإِن مَا يكون مُمْتَنعا لَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة فَهَذَا لَيْسَ بقابل لَهُ. الْوَجْه الرَّابِع: (الرَّابِع) : أَن يُقَال - هُوَ قَادر على حُدُوث مَا هُوَ مباين لَهُ من الْمَخْلُوقَات وَمَعْلُوم أَن قدرَة الْقَادِر على فعله الْقَائِم بِهِ أولى من قدرته على المباين لَهُ؛ وَإِذا كَانَ الْفِعْل لَا مَانع مِنْهُ إِلَّا مَا يمْتَنع مثله لوُجُود الْمَقْدُور المباين ثمَّ ثَبت أَن الْمَقْدُور المباين هُوَ مُمكن وَهُوَ قَادر عَلَيْهِ فالفعل أَن يكون مُمكنا مَقْدُورًا أولى. الْحجَّة الثَّالِثَة: إِثْبَات بطلَان هَذِه الْحجَّة: (الْحجَّة الثَّالِثَة) لَهُم: أَنهم قَالُوا: لَو قَامَت بِهِ الْحَوَادِث للَزِمَ " تغيره " والتغير على الله محَال وأبطلوا هم " هَذِه الْحجَّة " الرَّازِيّ وَغَيره؛ بِأَن قَالُوا: مَا تُرِيدُونَ بقولكم: لَو قَامَت بِهِ للَزِمَ تغيره، أتريدون بالتغير نفس قِيَامهَا بِهِ أم شَيْئا آخر؟ فَإِن أردتم الأول كَانَ الْمُقدم هُوَ الثَّانِي والملزوم هُوَ اللَّازِم وَهَذَا لَا فَائِدَة فِيهِ فَإِنَّهُ يكون تَقْدِير الْكَلَام لَو قَامَت بِهِ الْحَوَادِث لقامت بِهِ الْحَوَادِث وَهَذَا كَلَام لَا يُفِيد. وَإِن أردتم بالتغير معنى غير ذَلِك فَهُوَ مَمْنُوع فَلَا نسلم أَنَّهَا لَو قَامَت بِهِ لزم " تغير " غير حُلُول الْحَوَادِث فَهَذَا جوابهم.

стр. 313

الْمَعْنى الصَّحِيح للتغير: وإيضاح ذَلِك: أَن لفظ " التَّغَيُّر " لفظ مُجمل فالتغير فِي اللُّغَة الْمَعْرُوفَة لَا يُرَاد بِهِ مُجَرّد كَون الْمحل قَامَت بِهِ الْحَوَادِث فَإِن النَّاس لَا يَقُولُونَ للشمس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب إِذا تحركت: إِنَّهَا قد تَغَيَّرت وَلَا يَقُولُونَ للْإنْسَان إِذا تكلم وَمَشى إِنَّه تغير وَلَا يَقُولُونَ إِذا طَاف وَصلى وَأمر وَنهى وَركب إِنَّه تغير إِذا كَانَ ذَلِك عَادَته بل إِنَّمَا يَقُولُونَ تغير لمن اسْتَحَالَ من صفة إِلَى صفة كَالشَّمْسِ مَا زَالَ نورها ظَاهرا لَا يُقَال إِنَّهَا تَغَيَّرت فَإِذا اصْفَرَّتْ قيل قد تَغَيَّرت. وَكَذَلِكَ الْإِنْسَان إِذا مرض أَو تغير جِسْمه بجوع أَو تَعب قيل قد تغير وَكَذَلِكَ إِذا تغير خلقه وَدينه مثل أَن يكون فَاجِرًا فيتوب وَيصير برا أَو يكون برا فينقلب فَاجِرًا فَإِنَّهُ يُقَال قد تغير. وَمِنْه الحَدِيث: " رَأَيْت وَجه رَسُول الله ﷺ متغيرا "، وَهُوَ لما رأى بِهِ أثر الْجُوع، وَلم يزل يرَاهُ يرْكَع وَيسْجد، فَلم يسم حركته تغيرا.

стр. 314

وَكَذَلِكَ يُقَال: فلَان قد تغير على فلَان إِذا صَار يبغضه بعد الْمحبَّة فَأَما إِذا كَانَ ثَابتا على مودته لم يسم هشته إِلَيْهِ وخطابه لَهُ تغيرا. وَإِذا جرى على عَادَته فِي أَقْوَاله وأفعاله فَلَا يُقَال إِنَّه قد تغير. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ . وَمَعْلُوم أَنهم إِذا كَانُوا على عَادَتهم الْمَوْجُودَة يَقُولُونَ ويفعلون مَا هُوَ خير لم يَكُونُوا قد غيروا مَا بِأَنْفسِهِم فَإِذا انتقلوا عَن ذَلِك فاستبدلوا بِقصد الْخَيْر قصد الشَّرّ وباعتقادهم الْحق اعْتِقَاد الْبَاطِل قيل: قد غيروا مَا بِأَنْفسِهِم مثل من كَانَ يحب الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة فَتغير قلبه وَصَارَ لَا يحب الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة فَهَذَا قد غير مَا فِي نَفسه. وَإِذا كَانَ هَذَا " معنى التَّغَيُّر " فالرب تَعَالَى لم يزل وَلَا يزَال مَوْصُوفا بِصِفَات الْكَمَال منعوتا بنعوت الْجلَال وَالْإِكْرَام وكماله من لَوَازِم ذَاته فَيمْتَنع أَن يَزُول عَنهُ شَيْء من صِفَات كَمَاله وَيمْتَنع أَن يصير نَاقِصا بعد كَمَاله. و" هَذَا الأَصْل " عَلَيْهِ يدل قَول السّلف وَأهل السّنة: أَنه لم يزل متكلما إِذا شَاءَ وَلم يزل قَادِرًا وَلم يزل مَوْصُوفا بِصِفَات الْكَمَال وَلَا يزَال كَذَلِك فَلَا يكون متغيرا. وَهَذَا معنى قَول من يَقُول: يَا من يُغير وَلَا يتَغَيَّر، فَإِنَّهُ يحِيل صِفَات الْمَخْلُوقَات ويسلبها مَا كَانَت متصفة بِهِ إِذا شَاءَ، ويعطيها من صِفَات الْكَمَال مَا لم يكن لَهَا، وكماله من لَوَازِم ذَاته؛ لم يزل وَلَا يزَال مَوْصُوفا بِصِفَات الْكَمَال.

стр. 315

قَالَ تَعَالَى ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كل من عَلَيْهَا فان﴾ ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ . وَلَكِن " هَؤُلَاءِ النفاة " هم الَّذين يلْزمهُم أَن يكون قد تغير؛ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: كَانَ فِي الْأَزَل لَا يُمكنهُ أَن يَقُول شَيْئا؛ وَلَا يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته؛ وَكَانَ ذَلِك مُمْتَنعا عَلَيْهِ لَا يتَمَكَّن مِنْهُ ثمَّ صَار الْفِعْل مُمكنا يُمكنهُ أَن يفعل. وَلَهُم فِي " الْكَلَام " قَولَانِ. فَمن أثبت الْكَلَام الْمَعْرُوف وَقَالَ: إِنَّه يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته قَالَ أَيْضا: إِنَّه صَار الْكَلَام مُمكنا لَهُ بعد أَن كَانَ مُمْتَنعا عَلَيْهِ. وَمن لم يصفه بالْكلَام الْمَعْرُوف؛ بل قَالَ: إِنَّه يتَكَلَّم بِلَا مَشِيئَته وَقدرته كَمَا تَقوله الْكلابِيَّة فَهَؤُلَاءِ أثبتوا كلَاما لَا يعقل وَلم يسبقهم إِلَيْهِ أحد من الْمُسلمين. بل كَانَ الْمُسلمُونَ قبلهم على " قَوْلَيْنِ ": فالسلف وَأهل السّنة يَقُولُونَ: إِنَّه يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته وَكَلَامه غير مَخْلُوق. و " الْجَهْمِية " يَقُولُونَ: إِنَّه مَخْلُوق بقدرته ومشيئته فَقَالَ هَؤُلَاءِ بل يتَكَلَّم بِلَا مَشِيئَته وَقدرته وَكَلَامه شَيْء وَاحِد لَازم لذاته وَهُوَ حُرُوف أَو حُرُوف وأصوات: أزلية لَازِمَة لذاته كَمَا قد بسط فِي غير هَذَا الْموضع.

стр. 316

و (الْمَقْصُود) أَن هَؤُلَاءِ كلهم الَّذين يمْنَعُونَ أَن يكون الرب لم يزل يُمكنهُ أَن يفعل مَا يَشَاء وَيَقُولُونَ ذَلِك يسْتَلْزم وجود حوادث لَا تتناهى وَذَلِكَ محَال فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ صَار الْفِعْل مُمكنا لَهُ بعد أَن كَانَ مُمْتَنعا عَلَيْهِ. وَحَقِيقَة قَوْلهم إِنَّه صَار قَادِرًا بعد أَن لم يكن قَادِرًا وَهَذَا حَقِيقَة التَّغَيُّر مَعَ أَنه لم يحدث سَبَب يُوجب كَونه قَادِرًا. وَإِذا قَالُوا: هُوَ فِي الْأَزَل قَادر على مَا لَا يزَال. قيل: هَذَا جمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات فَهُوَ فِي الْأَزَل كَانَ قَادِرًا. فَكَانَ القَوْل مُمكنا لَهُ أَو مُمْتَنعا عَلَيْهِ؟ إِن قُلْتُمْ: مُمكن لَهُ فقد جوزتم دوَام كَونه فَاعِلا وَأَنه قَادر على حوادث لَا نِهَايَة لَهَا. وَإِن قُلْتُمْ: بل كَانَ مُمْتَنعا. قيل: الْقُدْرَة على الْمُمْتَنع ممتنعة، فَمَعَ كَون الْفِعْل مُمْتَنعا غير مُمكن - لَا يكون مَقْدُورًا للقادر إِنَّمَا الْمَقْدُور هُوَ الْمُمكن لَا الْمُمْتَنع. فَإِذا قُلْتُمْ: أمكنه بعد ذَلِك. فقد قُلْتُمْ: إِنَّه أمكنه أَن يفعل بعد أَن كَانَ لَا يُمكنهُ أَن يفعل وَهَذَا صَرِيح فِي أَنه صَار قَادِرًا بعد أَن لم يكن وَهُوَ صَرِيح فِي التَّغَيُّر.

стр. 317

فَهَؤُلَاءِ النفاة الَّذين قَالُوا: إِن المثبتة يلْزمهُم القَوْل بِأَنَّهُ " تغير " قد بَان بطلَان قَوْلهم وَأَنَّهُمْ هم الَّذين قَالُوا بِمَا يُوجب تغيره. وَإِذا قَالَ المنازع: أَنا أُرِيد بِكَوْنِهِ تغير: أَنه يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته، وَأَنه يحب من أطاعه، ويفرح بتوبة التائب، وَيَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة. قيل: فَهَب أَنَّك سميت هَذَا تغيرا، فَلم قلت: إِن هَذَا مُمْتَنع؟ فَهَذَا مَحل النزاع، كَمَا قَالَ الرَّازِيّ: فالمقدم هُوَ التَّالِي. وَقد ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَن الله يُوصف " بالغيرة "، وَهِي مُشْتَقَّة من " التَّغَيُّر ". فَقَالَ ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح: " لَا أحد أغير من الله أَن يَزْنِي عَبده أَو تَزني أمته ".

стр. 318

وَقَالَ أَيْضا " ﴿لَا أحد أحب إِلَيْهِ الْمَدْح من الله من أجل ذَلِك مدح نَفسه وَلَا أحد أحب إِلَيْهِ الْعذر من الله من أجل ذَلِك بعث الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَلَا أحد أغير من الله من أجل ذَلِك حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن﴾ ". وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح أَيْضا لما قَالَ سعد بن عبَادَة: لَو رَأَيْت لَكاع - يَعْنِي امْرَأَة سعد - قد تفخّذها رجل لضربته بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: " ﴿أتعجبون من غيرَة سعد لأَنا أغير مِنْهُ وَالله أغير مني﴾ ".

стр. 319

الْحجَّة الرَّابِعَة: (الْحجَّة الرَّابِعَة) : قَالُوا: حُلُول الْحَوَادِث بِهِ أفول؛ والخليل قد قَالَ: ﴿لَا أحب الآفلين﴾ و " الآفل " هُوَ المتحرك الَّذِي تقوم لَهُ الْحَوَادِث فَيكون " الْخَلِيل " قد نفى الْمحبَّة عَمَّن تقوم بِهِ الْحَوَادِث فَلَا يكون إِلَهًا. الرَّد عَلَيْهَا: و (الْجَواب) : أَن قصَّة الْخَلِيل حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم؛ وهم المخالفون لإِبْرَاهِيم ولنبينا ولغيرهما من الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام - وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكبا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين﴾ ﴿فَلَمَّا رأى الْقَمَر بازغا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفل قَالَ لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين﴾ ﴿فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أكبر فَلَمَّا أفلت قَالَ يَا قوم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ . فقد أخبر الله فِي كِتَابه: أَنه من حِين بزغ الْكَوْكَب وَالْقَمَر وَالشَّمْس وَإِلَى حِين أفولها لم يقل الْخَلِيل: لَا أحب البازغين وَلَا المتحركين وَلَا المتحولين وَلَا أحب من تقوم بِهِ الحركات وَلَا الْحَوَادِث وَلَا قَالَ شَيْئا مِمَّا يَقُوله النفاة حَتَّى أفل الْكَوْكَب وَالشَّمْس وَالْقَمَر. و" الأفول " بِاتِّفَاق أهل اللُّغَة وَالتَّفْسِير: هُوَ المغيب والاحتجاب؛ بل هَذَا مَعْلُوم بالاضطرار من لُغَة الْعَرَب الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن وَهُوَ المُرَاد بِاتِّفَاق الْعلمَاء.

стр. 320

فَلم يقل إِبْرَاهِيم: ﴿لَا أحب الآفلين﴾ ، حَتَّى أفل وَغَابَ عَن الْأَبْصَار، فَلم يبْق مرئيا وَلَا مشهودا، فَحِينَئِذٍ قَالَ: ﴿لَا أحب الآفلين﴾ . وَهَذَا يَقْتَضِي أَن كَونه متحركا منتقلا تقوم بِهِ الْحَوَادِث؛ بل كَونه جسما متحيزا تقوم بِهِ الْحَوَادِث لم يكن دَلِيلا عِنْد إِبْرَاهِيم على نفي محبته. فَإِن كَانَ إِبْرَاهِيم إِنَّمَا اسْتدلَّ " بالأفول " على أَنه لَيْسَ رب الْعَالمين - كَمَا زَعَمُوا -: لزم من ذَلِك أَن يكون مَا تقدم الأفول - من كَونه متحركا منتقلا - تحله الْحَوَادِث؛ بل وَمن كَونه جسما متحيزا: لم يكن دَلِيلا عِنْد إِبْرَاهِيم على أَنه لَيْسَ بِرَبّ الْعَالمين وَحِينَئِذٍ فَيلْزم أَن تكون قصَّة إِبْرَاهِيم حجَّة على نقيض مطلوبهم؛ لَا على نفس مطلوبهم. وَهَكَذَا نجد أهل الْبدع لَا يكادون يحتجون " بِحجَّة " سمعية وَلَا عقلية إِلَّا وَهِي عِنْد التَّأَمُّل حجَّة عَلَيْهِم؛ لَا لَهُم. وَلَكِن " إِبْرَاهِيم ﵇ " لم يقْصد بقوله ﴿هَذَا رَبِّي﴾ إِنَّه رب الْعَالمين وَلَا كَانَ أحد من قومه يَقُول: إِنَّه رب الْعَالمين، حَتَّى يرد ذَلِك عَلَيْهِم؛ بل كَانُوا مُشْرِكين مقرين بالصانع؛ وَكَانُوا يتخذون الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر أَرْبَابًا يدعونها من دون الله ويبنون لَهَا الهياكل وَقد صنفت فِي مثل مَذْهَبهم كتب، مثل كتاب
следующие страницы →