← Джавами‘

Джавами‘ · id 22653

جامع الرسائل لابن تيمية - رشاد سالم

ابن تيمية

Полный текст (666 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

و (الْمَقْصُود) أَن هَؤُلَاءِ كلهم الَّذين يمْنَعُونَ أَن يكون الرب لم يزل يُمكنهُ أَن يفعل مَا يَشَاء وَيَقُولُونَ ذَلِك يسْتَلْزم وجود حوادث لَا تتناهى وَذَلِكَ محَال فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ صَار الْفِعْل مُمكنا لَهُ بعد أَن كَانَ مُمْتَنعا عَلَيْهِ. وَحَقِيقَة قَوْلهم إِنَّه صَار قَادِرًا بعد أَن لم يكن قَادِرًا وَهَذَا حَقِيقَة التَّغَيُّر مَعَ أَنه لم يحدث سَبَب يُوجب كَونه قَادِرًا. وَإِذا قَالُوا: هُوَ فِي الْأَزَل قَادر على مَا لَا يزَال. قيل: هَذَا جمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات فَهُوَ فِي الْأَزَل كَانَ قَادِرًا. فَكَانَ القَوْل مُمكنا لَهُ أَو مُمْتَنعا عَلَيْهِ؟ إِن قُلْتُمْ: مُمكن لَهُ فقد جوزتم دوَام كَونه فَاعِلا وَأَنه قَادر على حوادث لَا نِهَايَة لَهَا. وَإِن قُلْتُمْ: بل كَانَ مُمْتَنعا. قيل: الْقُدْرَة على الْمُمْتَنع ممتنعة، فَمَعَ كَون الْفِعْل مُمْتَنعا غير مُمكن - لَا يكون مَقْدُورًا للقادر إِنَّمَا الْمَقْدُور هُوَ الْمُمكن لَا الْمُمْتَنع. فَإِذا قُلْتُمْ: أمكنه بعد ذَلِك. فقد قُلْتُمْ: إِنَّه أمكنه أَن يفعل بعد أَن كَانَ لَا يُمكنهُ أَن يفعل وَهَذَا صَرِيح فِي أَنه صَار قَادِرًا بعد أَن لم يكن وَهُوَ صَرِيح فِي التَّغَيُّر.

стр. 317

فَهَؤُلَاءِ النفاة الَّذين قَالُوا: إِن المثبتة يلْزمهُم القَوْل بِأَنَّهُ " تغير " قد بَان بطلَان قَوْلهم وَأَنَّهُمْ هم الَّذين قَالُوا بِمَا يُوجب تغيره. وَإِذا قَالَ المنازع: أَنا أُرِيد بِكَوْنِهِ تغير: أَنه يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته، وَأَنه يحب من أطاعه، ويفرح بتوبة التائب، وَيَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة. قيل: فَهَب أَنَّك سميت هَذَا تغيرا، فَلم قلت: إِن هَذَا مُمْتَنع؟ فَهَذَا مَحل النزاع، كَمَا قَالَ الرَّازِيّ: فالمقدم هُوَ التَّالِي. وَقد ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَن الله يُوصف " بالغيرة "، وَهِي مُشْتَقَّة من " التَّغَيُّر ". فَقَالَ ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح: " لَا أحد أغير من الله أَن يَزْنِي عَبده أَو تَزني أمته ".

стр. 318

وَقَالَ أَيْضا " ﴿لَا أحد أحب إِلَيْهِ الْمَدْح من الله من أجل ذَلِك مدح نَفسه وَلَا أحد أحب إِلَيْهِ الْعذر من الله من أجل ذَلِك بعث الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَلَا أحد أغير من الله من أجل ذَلِك حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن﴾ ". وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح أَيْضا لما قَالَ سعد بن عبَادَة: لَو رَأَيْت لَكاع - يَعْنِي امْرَأَة سعد - قد تفخّذها رجل لضربته بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: " ﴿أتعجبون من غيرَة سعد لأَنا أغير مِنْهُ وَالله أغير مني﴾ ".

стр. 319

الْحجَّة الرَّابِعَة: (الْحجَّة الرَّابِعَة) : قَالُوا: حُلُول الْحَوَادِث بِهِ أفول؛ والخليل قد قَالَ: ﴿لَا أحب الآفلين﴾ و " الآفل " هُوَ المتحرك الَّذِي تقوم لَهُ الْحَوَادِث فَيكون " الْخَلِيل " قد نفى الْمحبَّة عَمَّن تقوم بِهِ الْحَوَادِث فَلَا يكون إِلَهًا. الرَّد عَلَيْهَا: و (الْجَواب) : أَن قصَّة الْخَلِيل حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم؛ وهم المخالفون لإِبْرَاهِيم ولنبينا ولغيرهما من الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام - وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكبا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين﴾ ﴿فَلَمَّا رأى الْقَمَر بازغا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفل قَالَ لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين﴾ ﴿فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أكبر فَلَمَّا أفلت قَالَ يَا قوم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ . فقد أخبر الله فِي كِتَابه: أَنه من حِين بزغ الْكَوْكَب وَالْقَمَر وَالشَّمْس وَإِلَى حِين أفولها لم يقل الْخَلِيل: لَا أحب البازغين وَلَا المتحركين وَلَا المتحولين وَلَا أحب من تقوم بِهِ الحركات وَلَا الْحَوَادِث وَلَا قَالَ شَيْئا مِمَّا يَقُوله النفاة حَتَّى أفل الْكَوْكَب وَالشَّمْس وَالْقَمَر. و" الأفول " بِاتِّفَاق أهل اللُّغَة وَالتَّفْسِير: هُوَ المغيب والاحتجاب؛ بل هَذَا مَعْلُوم بالاضطرار من لُغَة الْعَرَب الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن وَهُوَ المُرَاد بِاتِّفَاق الْعلمَاء.

стр. 320

فَلم يقل إِبْرَاهِيم: ﴿لَا أحب الآفلين﴾ ، حَتَّى أفل وَغَابَ عَن الْأَبْصَار، فَلم يبْق مرئيا وَلَا مشهودا، فَحِينَئِذٍ قَالَ: ﴿لَا أحب الآفلين﴾ . وَهَذَا يَقْتَضِي أَن كَونه متحركا منتقلا تقوم بِهِ الْحَوَادِث؛ بل كَونه جسما متحيزا تقوم بِهِ الْحَوَادِث لم يكن دَلِيلا عِنْد إِبْرَاهِيم على نفي محبته. فَإِن كَانَ إِبْرَاهِيم إِنَّمَا اسْتدلَّ " بالأفول " على أَنه لَيْسَ رب الْعَالمين - كَمَا زَعَمُوا -: لزم من ذَلِك أَن يكون مَا تقدم الأفول - من كَونه متحركا منتقلا - تحله الْحَوَادِث؛ بل وَمن كَونه جسما متحيزا: لم يكن دَلِيلا عِنْد إِبْرَاهِيم على أَنه لَيْسَ بِرَبّ الْعَالمين وَحِينَئِذٍ فَيلْزم أَن تكون قصَّة إِبْرَاهِيم حجَّة على نقيض مطلوبهم؛ لَا على نفس مطلوبهم. وَهَكَذَا نجد أهل الْبدع لَا يكادون يحتجون " بِحجَّة " سمعية وَلَا عقلية إِلَّا وَهِي عِنْد التَّأَمُّل حجَّة عَلَيْهِم؛ لَا لَهُم. وَلَكِن " إِبْرَاهِيم ﵇ " لم يقْصد بقوله ﴿هَذَا رَبِّي﴾ إِنَّه رب الْعَالمين وَلَا كَانَ أحد من قومه يَقُول: إِنَّه رب الْعَالمين، حَتَّى يرد ذَلِك عَلَيْهِم؛ بل كَانُوا مُشْرِكين مقرين بالصانع؛ وَكَانُوا يتخذون الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر أَرْبَابًا يدعونها من دون الله ويبنون لَهَا الهياكل وَقد صنفت فِي مثل مَذْهَبهم كتب، مثل كتاب

стр. 321

" السِّرّ المكتوم فِي السحر ومخاطبة النُّجُوم " وَغَيره من الْكتب. وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيل: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ﴾ ﴿أَنْتُم وآباؤكم الأقدمون﴾ ﴿فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا بُرَآء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده﴾ . وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيل فِي تَمام الْكَلَام: ﴿إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ . فَقَوله: ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ يبين أَنه إِنَّمَا يعبد الله وَحده، فَلهُ يُوَجه وَجهه، فَإِنَّهُ إِذا توجه قَصده إِلَيْهِ تبع قَصده وَجهه، فَالْوَجْه موجه حَيْثُ توجه الْقلب، فَصَارَ قلبه وقصده وَوَجهه مُتَوَجها إِلَى الله تَعَالَى. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ لم يذكر أَنه أقرّ بِوُجُود الصَّانِع فَإِن هَذَا كَانَ مَعْلُوما عِنْد قومه لم يَكُونُوا ينازعونه فِي وجود فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض،

стр. 322

وَإِنَّمَا كَانَ النزاع فِي عبَادَة غير الله واتخاذه رَبًّا؛ فَكَانُوا يعْبدُونَ الْكَوَاكِب السماوية ويتخذون لَهَا أصناما أرضية. وَهَذَا " النَّوْع الثَّانِي من الشّرك " فَإِن الشّرك فِي قوم نوح كَانَ أَصله من عبَادَة الصَّالِحين - أهل الْقُبُور - ثمَّ صوروا تماثيلهم فَكَانَ شركهم بِأَهْل الأَرْض؛ إِذْ كَانَ الشَّيْطَان إِنَّمَا يضل النَّاس بِحَسب الْإِمْكَان فَكَانَ تزيينه " أَولا " الشّرك بالصالحين أيسر عَلَيْهِ. ثمَّ قوم إِبْرَاهِيم انتقلوا إِلَى الشّرك بالسماويات فالكواكب، وضعُوا لَهَا " الْأَصْنَام " بِحَسب مَا رَأَوْهُ من طبائعها يصنعون لكل كَوْكَب بَيْتا وَطَعَامًا وخاتما وبخورا وأقوالا تناسبه. وَهَذَا كَانَ قد اشْتهر على عهد إِبْرَاهِيم إِمَام الحنفاء؛ وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيل: ﴿مَاذَا تَعْبدُونَ﴾ ﴿أئفكا آلِهَة دون الله تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَمَا ظنكم بِرَبّ الْعَالمين﴾ وَقَالَ لَهُم: ﴿أتعبدون مَا تنحتون﴾ ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ . وقصة إِبْرَاهِيم قد ذكرت فِي غير مَوضِع من الْقُرْآن مَعَ قومه: إِنَّمَا فِيهَا نهيهم عَن الشّرك؛ خلاف قصَّة مُوسَى مَعَ فِرْعَوْن فَإِنَّهَا ظَاهِرَة فِي أَن فِرْعَوْن كَانَ مظْهرا الْإِنْكَار للخالق وجحوده.

стр. 323

وَقد ذكر الله عَن إِبْرَاهِيم أَنه حَاج الَّذِي حاجه فِي ربه فِي قَوْله: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه أَن آتَاهُ الله الْملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت قَالَ أَنا أحيي وأميت قَالَ إِبْرَاهِيم فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب﴾ فَهَذَا قد يُقَال: إِنَّه كَانَ جاحدا للصانع وَمَعَ هَذَا فالقصة لَيست صَرِيحَة فِي ذَلِك؛ بل يَدْعُو الْإِنْسَان إِلَى عبَادَة نَفسه وَإِن كَانَ لَا يُصَرح بإنكار الْخَالِق مثل إِنْكَار فِرْعَوْن. وَبِكُل حَال " فقصة إِبْرَاهِيم " إِلَى أَن تكون حجَّة عَلَيْهِم أقرب مِنْهَا إِلَى أَن تكون حجَّة لَهُم وَهَذَا بَين - وَللَّه الْحَمد - بل مَا ذكره الله عَن إِبْرَاهِيم يدل على أَنه كَانَ يثبت مَا ينفونه عَن الله؛ فَإِن إِبْرَاهِيم قَالَ: ﴿إِن رَبِّي لسميع الدُّعَاء﴾ وَالْمرَاد بِهِ: أَنه يستجيب الدُّعَاء كَمَا يَقُول الْمُصَلِّي سمع الله لمن حَمده وَإِنَّمَا يسمع الدُّعَاء ويستجيبه بعد وجوده؛ لَا قبل وجوده. كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا وتشتكي إِلَى الله وَالله يسمع تحاوركما﴾ . فَهِيَ تجَادل وتشتكي حَال سمع الله تحاورهما؛ وَهَذَا يدل على أَن سَمعه كرؤيته الْمَذْكُورَة فِي قَوْله: ﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون﴾ وَقَالَ: ﴿ثمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلائف فِي الأَرْض من بعدهمْ لنَنْظُر كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَذِهِ رُؤْيَة مُسْتَقلَّة وَنظر مُسْتَقل وَقد تقدم أَن الْمَعْدُوم لَا يرى وَلَا يسمع مُنْفَصِلا عَن الرَّائِي السَّامع بِاتِّفَاق الْعُقَلَاء فَإِذا وجدت الْأَقْوَال والأعمال سَمعهَا وَرَآهَا.

стр. 324

و " الرُّؤْيَة " و " السّمع " أَمر وجودي لَا بُد لَهُ من مَوْصُوف يَتَّصِف بِهِ فَإِذا كَانَ هُوَ الَّذِي رَآهَا وسمعها امْتنع أَن يكون غَيره هُوَ المتصف بِهَذَا السّمع وَهَذِه الرُّؤْيَة. وَأَن تكون قَائِمَة بِغَيْرِهِ فَتعين قيام هَذَا السّمع وَهَذِه الرُّؤْيَة بِهِ بعد أَن خلقت الْأَعْمَال والأقوال وَهَذَا قَطْعِيّ لَا حِيلَة فِيهِ. وَقد بسط الْكَلَام على " هَذِه الْمَسْأَلَة " وَمَا قَالَه فِيهَا عَامَّة الطوائف فِي غير هَذَا الْموضع وحكيت أَلْفَاظ النَّاس وحججهم بِحَيْثُ يتَيَقَّن الْإِنْسَان أَن النَّافِي لَيْسَ مَعَه حجَّة لَا سمعية وَلَا عقلية؛ وَأَن الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة الصَّرِيحَة مُوَافقَة لمَذْهَب السّلف وَأهل الحَدِيث؛ وعَلى ذَلِك يدل الْكتاب وَالسّنة مَعَ " الْكتب الْمُتَقَدّمَة ": التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور فقد اتّفق عَلَيْهَا نُصُوص الْأَنْبِيَاء وأقوال السّلف وأئمة الْعلمَاء ودلت عَلَيْهَا صرائح المعقولات. فالمخالف فِيهَا كالمخالف فِي أَمْثَالهَا مِمَّن لَيْسَ مَعَه حجَّة لَا سمعية وَلَا عقلية بل هُوَ شَبيه بالذين قَالُوا: ﴿لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾ . قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا أَو آذان يسمعُونَ بهَا فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ .

стр. 325

وَلَكِن " هَذِه الْمَسْأَلَة " و " مَسْأَلَة الزِّيَارَة " وَغَيرهمَا حدث من الْمُتَأَخِّرين فِيهَا شبه. وَأَنا وغيري كُنَّا على " مَذْهَب الْآبَاء " فِي ذَلِك نقُول فِي " الْأَصْلَيْنِ " بقول أهل الْبدع؛ فَلَمَّا تبين لنا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول دَار الْأَمر بَين أَن نتبع مَا أنزل الله أَو نتبع مَا وجدنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا فَكَانَ الْوَاجِب هُوَ اتِّبَاع الرَّسُول؛ وَأَن لَا نَكُون مِمَّن قيل فِيهِ: ﴿وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا وجدنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ . وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ أولو جِئتُكُمْ بأهدى مِمَّا وجدْتُم عَلَيْهِ آبَاءَكُم﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حسنا وَإِن جَاهَدَاك لتشرك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم فَلَا تطعهما إِلَيّ مرجعكم فأنبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ . فَالْوَاجِب اتِّبَاع الْكتاب الْمنزل وَالنَّبِيّ الْمُرْسل وسبيل من أناب إِلَى الله فاتبعنا الْكتاب وَالسّنة كالمهاجرين وَالْأَنْصَار؛ دون مَا خَالف ذَلِك من دين الْآبَاء وَغير الْآبَاء وَالله يهدينا وَسَائِر إِخْوَاننَا إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أنعم عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا. وَالله سُبْحَانَهُ أنزل الْقُرْآن وَهدى بِهِ الْخلق وأخرجهم بِهِ من الظُّلُمَات إِلَى النُّور؛ وَأم الْقُرْآن هِيَ فَاتِحَة الْكتاب. قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح ﴿يَقُول الله قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ فنصفها لي وَنِصْفهَا لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ فَإِذا قَالَ العَبْد: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ قَالَ الله: حمدني عَبدِي فَإِذا قَالَ: ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ قَالَ الله: أثنى عَليّ عَبدِي فَإِذا

стр. 326

قَالَ: ﴿مَالك يَوْم الدَّين﴾ قَالَ الله: مجدني عَبدِي - وَقَالَ مرّة: فوض إِلَيّ عَبدِي - فَإِذا قَالَ: ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ قَالَ الله: هَذِه بيني وَبَين عَبدِي ولعبدي مَا سَأَلَ فَإِذا قَالَ: ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: هَؤُلَاءِ لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ﴾ ". فَهَذِهِ " السُّورَة " فِيهَا لله الْحَمد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وفيهَا للْعَبد السُّؤَال، وفيهَا لله الْعِبَادَة لَهُ وَحده، وَلِلْعَبْدِ الِاسْتِعَانَة، فَحق الرب حَمده وعبادته وَحده، وَهَذَانِ " حمد الرب وتوحيده " يَدُور عَلَيْهِمَا جَمِيع الدَّين. و" مَسْأَلَة الصِّفَات الاختيارية " هِيَ من تَمام حَمده فَمن لم يقر بهَا لم يُمكنهُ الْإِقْرَار بِأَن الله مَحْمُود أَلْبَتَّة وَلَا أَنه رب الْعَالمين فَإِن الْحَمد ضد الذَّم وَالْحَمْد هُوَ الْإِخْبَار بمحاسن الْمَحْمُود مَعَ الْمحبَّة لَهُ والذم هُوَ الْإِخْبَار بمساوئ المذموم مَعَ البغض لَهُ.

стр. 327

وجماع المساوئ فعل الشَّرّ كَمَا أَن جماع المحاسن فعل الْخَيْر. فَإِذا كَانَ يفعل الْخَيْر - بمشيئته وَقدرته اسْتحق " الْحَمد ". فَمن لم يكن لَهُ فعل اخْتِيَاري يقوم بِهِ؛ بل وَلَا يقدر على ذَلِك لَا يكون خَالِقًا وَلَا رَبًّا للْعَالمين. وَالله تَعَالَى يحمد نَفسه بأفعاله، لقَوْله: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ ، وَقَوله: ﴿الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ ، ﴿الْحَمد لله الَّذِي أنزل على عَبده الْكتاب﴾ - وَنَحْو ذَلِك - فَإِذا لم يكن لَهُ فعل يقوم بِهِ بِاخْتِيَارِهِ امْتنع ذَلِك كُله. فَإِنَّهُ من الْمَعْلُوم بِصَرِيح " الْعقل " أَنه إِذا خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَلَا بُد من فعل يصير بِهِ خَالِقًا لَهَا؛ وَإِلَّا فَلَو اسْتمرّ الْأَمر على حَال وَاحِدَة وَلم يحدث فعلا، لَكَانَ الْأَمر على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل أَن يخلق وَحِينَئِذٍ فَلم يكن الْمَخْلُوق مَوْجُودا فَكَذَلِك يجب أَن لَا يكون الْمَخْلُوق مَوْجُودا إِن كَانَ الْحَال فِي الْمُسْتَقْبل مثل مَا كَانَ فِي الْمَاضِي لم يحدث من الرب فعل هُوَ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أشهدتهم خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَا خلق أنفسهم﴾ . وَمَعْلُوم أَنهم قد شهدُوا نفس الْمَخْلُوق فَدلَّ على أَن " الْخلق " الَّذِي لم يشهدوه وَهُوَ تكوينه لَهما وإحداثه لَهما؛ غير الْمَخْلُوق التَّالِي.

стр. 328

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ ﴿خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام﴾ . فالخلق لَهَا كَانَ فِي سِتَّة أَيَّام وَهِي مَوْجُودَة بعد السِّتَّة فَالَّذِي اخْتصَّ بالستة غير الْمَوْجُود بعد السِّتَّة. وَكَذَلِكَ قَالَ ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ فَإِن الرَّحْمَن الرَّحِيم هُوَ الَّذِي يرحم الْعباد بمشيئته وَقدرته فَإِن لم يكن لَهُ رَحْمَة إِلَّا نفس الْإِرَادَة الْقَدِيمَة؛ أَو صفة أُخْرَى قديمَة: لم يكن مَوْصُوفا بِأَنَّهُ يرحم من يَشَاء ويعذب من يَشَاء. قَالَ الْخَلِيل: ﴿قل سِيرُوا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ بَدَأَ الْخلق ثمَّ الله ينشئ النشأة الْآخِرَة إِن الله على كل شَيْء قدير﴾ ﴿يعذب من يَشَاء وَيرْحَم من يَشَاء وَإِلَيْهِ تقلبون﴾ فالرحمة ضد التعذيب والتعذيب فعله وَهُوَ يكون بمشيئته؛ وَكَذَلِكَ الرَّحْمَة تكون بمشيئته؛ كَمَا قَالَ: ﴿وَيرْحَم من يَشَاء﴾ . والإرادة الْقَدِيمَة اللَّازِمَة لذاته - أَو صفة أُخْرَى كَذَلِك - لَيست بمشيئته؛ فَلَا تكون الرَّحْمَة بمشيئته. وَإِن قيل: لَيْسَ بمشيئته إِلَّا الْمَخْلُوقَات المباينة لزم أَن لَا تكون الرَّحْمَة

стр. 329

صفة للرب بل تكون مخلوقة لَهُ وَهُوَ إِنَّمَا يَتَّصِف بِمَا يقوم بِهِ لَا يَتَّصِف بالمخلوقات فَلَا يكون هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " ﴿لما قضى الله الْخلق كتب فِي كتاب فَهُوَ مَوْضُوع عِنْده فَوق الْعَرْش: إِن رَحْمَتي تغلب غَضَبي﴾ - وَفِي رِوَايَة - تسبق غَضَبي ". وَمَا كَانَ سَابِقًا لما يكون بعده لم يكن إِلَّا بِمَشِيئَة الرب وَقدرته. وَمن قَالَ: مَا ثمَّ رَحْمَة إِلَّا إِرَادَة قديمَة أَو مَا يشبهها امْتنع أَن يكون لَهُ غضب مَسْبُوق بهَا فَإِن الْغَضَب إِن فسر بالإرادة فالإرادة لم تسبق نَفسهَا وَكَذَلِكَ إِن فسر بِصفة قديمَة الْعين فالقديم لَا يسْبق بعضه بَعْضًا وَإِن فسر بالمخلوقات لم يَتَّصِف برحمة وَلَا غضب. وَهُوَ قد فرق بَين غَضَبه وعقابه بقوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما﴾ وَقَوله: ﴿ويعذب الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات الظانين بِاللَّه ظن السوء عَلَيْهِم دَائِرَة السوء وَغَضب الله عَلَيْهِم ولعنهم وَأعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ . وَفِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ [عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ] عَن النَّبِي

стр. 330

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يَقُول: " ﴿أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من غَضَبه وعقابه وَمن شَرّ عباده وَمن همزات الشَّيَاطِين وَأَن يحْضرُون﴾ ". وَيدل على ذَلِك قَوْله: ﴿ربكُم أعلم بكم إِن يَشَأْ يَرْحَمكُمْ أَو إِن يَشَأْ يعذبكم﴾ فعلق الرَّحْمَة بِالْمَشِيئَةِ كَمَا علق التعذيب بِالْمَشِيئَةِ. وَمَا تعلق بِالْمَشِيئَةِ مِمَّا يَتَّصِف بِهِ الرب فَهُوَ من " الصِّفَات الاختيارية ". وَكَذَلِكَ كَونه مَالِكًا ليَوْم الدَّين، يَوْم يدين الْعباد بأعمالهم: إِن خيرا فَخير، وَإِن شرا فشر: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا يَوْم الدَّين * ثمَّ مَا أَدْرَاك مَا يَوْم الدَّين * يَوْم لَا تملك نفس لنَفس شَيْئا وَالْأَمر يَوْمئِذٍ لله﴾ . فَإِن " الْملك " هُوَ الَّذِي يتَصَرَّف بِالْأَمر يَأْمر فيطاع وَلِهَذَا إِنَّمَا يُقَال " ملك " للحي المطاع الْأَمر لَا يُقَال فِي الجمادات: لصَاحِبهَا " ملك "؛ إِنَّمَا يُقَال لَهُ: " مَالك " وَيُقَال ليعسوب النَّحْل: " ملك النَّحْل " لِأَنَّهُ يَأْمر فيطاع وَالْمَالِك الْقَادِر على التَّصَرُّف فِي الْمَمْلُوك.

стр. 331

وَإِذا كَانَ " الْملك " هُوَ الْآمِر الناهي المطاع فَإِن كَانَ يَأْمر وَينْهى بمشيئته كَانَ أمره وَنَهْيه من " الصِّفَات الاختيارية " وَبِهَذَا أخبر الْقُرْآن قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم غير محلي الصَّيْد وَأَنْتُم حرم إِن الله يحكم مَا يُرِيد﴾ . وَإِن كَانَ لَا يَأْمر وَينْهى بمشيئته - بل أمره لَازم لَهُ حَاصِل بِغَيْر مَشِيئَته وَلَا قدرته - لم يكن هَذَا مَالِكًا أَيْضا؛ بل هَذَا إِلَى أَن يكون مَمْلُوكا أقرب، فَإِن الله تَعَالَى خلق الْإِنْسَان وَجعل لَهُ صِفَات تلْزمهُ - كاللون والطول وَالْعرض والحياة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يحصل لذاته بِغَيْر اخْتِيَاره - فَكَانَ بِاعْتِبَار ذَلِك مَمْلُوكا مخلوقا للرب فَقَط وَإِنَّمَا يكون " ملكا " إِذا كَانَ يَأْمر وَينْهى بِاخْتِيَارِهِ فيطاع - وَإِن كَانَ الله خَالِقًا لفعله وَلكُل شَيْء. وَلَكِن الْمَقْصُود أَنه لَا يكون " ملكا " إِلَّا من يَأْمر وَينْهى بمشيئته وَقدرته، فَمن نفى الصِّفَات الاختيارية وَقَالَ: لَيْسَ للرب أَمر وَنهي يقوم بِهِ بمشيئته بل من قَالَ: إِنَّه لَازم لَهُ بِغَيْر مَشِيئَته، أَو قَالَ: إِنَّه مَخْلُوق لَهُ، فكلاهما يلْزمه أَنه لَا يكون " ملكا ".

стр. 332

وَإِذا لم يُمكنهُ أَن يتَصَرَّف بمشيئته لم يكن " ملكا " أَيْضا. فَمن قَالَ إِنَّه لَا يقوم بِهِ " فعل اخْتِيَاري " لم يكن عِنْده فِي الْحَقِيقَة مَالِكًا لشَيْء وَإِذا اعْتبرت سَائِر الْقُرْآن وجدت أَنه من لم يقر " بِالصِّفَاتِ الاختيارية " لم يقم بِحَقِيقَة الْإِيمَان وَلَا الْقُرْآن. فَهَذَا يبين أَن الْفَاتِحَة وَغَيرهَا يدل على " الصِّفَات الاختيارية " وَقَوله: ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ فِيهِ إخلاص الْعِبَادَة لله والاستعانة بِهِ وَأَن الْمُؤمنِينَ لَا يعْبدُونَ إِلَّا الله وَلَا يستعينون إِلَّا بِاللَّه؛ فَمن دَعَا غير الله من المخلوقين أَو اسْتَعَانَ بهم: من أهل الْقُبُور أَو غَيرهم لم يُحَقّق قَوْله: ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَلَا يُحَقّق ذَلِك إِلَّا من فرق بَين " الزِّيَارَة الشَّرْعِيَّة " و " الزِّيَارَة البدعية ". فَإِن " الزِّيَارَة الشَّرْعِيَّة " عبَادَة لله وَطَاعَة لرَسُوله وتوحيد لله وإحسان إِلَى عباده وَعمل صَالح من الزائر يُثَاب عَلَيْهِ. و " الزِّيَارَة البدعية " شرك بالخالق وظلم للمخلوقات وظلم للنَّفس. فَصَاحب الزِّيَارَة الشَّرْعِيَّة هُوَ الَّذِي يُحَقّق قَوْله: ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ . أَلا ترى أَن اثْنَيْنِ لَو شَهدا جَنَازَة فَقَامَ أَحدهمَا يَدْعُو للْمَيت وَيَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه وعافه واعف عَنهُ وَأكْرم نزله ووسع مدخله واغسله بِمَاء وثلج وَبرد ونقه من الذُّنُوب والخطايا كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من

стр. 333

الدنس وأبدله دَارا خيرا من دَاره وجيرانا خيرا من جِيرَانه وَأهلا خيرا من أَهله وأعذه من عَذَاب النَّار وَعَذَاب الْقَبْر وأفسح لَهُ فِي قَبره وَنور لَهُ فِيهِ وَنَحْو ذَلِك من الدُّعَاء لَهُ. وَقَامَ الآخر فَقَالَ: يَا سَيِّدي أَشْكُو لَك ديوني وأعدائي وذنوبي، وَأَنا مستغيث بك مستجير بك أجرني أَغِثْنِي وَنَحْو ذَلِك؛ لَكَانَ الأول عابدا لله ومحسنا إِلَى خلقه محسنا إِلَى نَفسه بِعبَادة الله ونفع عباده وَهَذَا الثَّانِي مُشْركًا بِاللَّه مُؤْذِيًا ظَالِما معتديا على هَذَا الْمَيِّت ظَالِما لنَفسِهِ. فَهَذَا بعض مَا بَين " البدعية " و " الشَّرْعِيَّة " من الفروق. وَالْمَقْصُود أَن صَاحب " الزِّيَارَة الشَّرْعِيَّة " إِذا قَالَ: ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ كَانَ صَادِقا؛ لِأَنَّهُ لم يعبد إِلَّا الله وَلم يستعن إِلَّا بِهِ وَأما صَاحب " الزِّيَارَة البدعية " فَإِنَّهُ عبد غير الله واستعان بِغَيْرِهِ. فَهَذَا بعض مَا يبين أَن " الْفَاتِحَة " أم الْقُرْآن: اشْتَمَلت على بَيَان الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَنَازع فيهمَا: " مَسْأَلَة الصِّفَات الاختيارية " وَمَسْأَلَة " الْفرق بَين الزِّيَارَة الشَّرْعِيَّة والزيارة البدعية ". وَالله تَعَالَى هُوَ الْمَسْئُول أَن يهدينا وَسَائِر إِخْوَاننَا إِلَى صراطه الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أنعم عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا.

стр. 334

وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: ﴿إِذا قَالَ العَبْد: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ قَالَ الله: حمدني عَبدِي فَإِذا قَالَ: ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ قَالَ أثنى عَليّ عَبدِي. فَإِذا قَالَ: ﴿مَالك يَوْم الدَّين﴾ قَالَ الله: مجدني عَبدِي فَذكر الْحَمد وَالثنَاء وَالْمجد، ثمَّ بعد ذَلِك يَقُول: ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ إِلَى آخرهَا. هَذَا فِي أول الْقِرَاءَة فِي قيام الصَّلَاة. ثمَّ فِي آخر الْقيام بعد الرُّكُوع يَقُول: رَبنَا وَلَك الْحَمد ملْء السَّمَاء وملء الأَرْض. إِلَى قَوْله: أهل الثَّنَاء وَالْمجد أَحَق مَا قَالَ العَبْد وكلنَا لَك عبد لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطي لما منعت وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد﴾ . وَقَوله: أَحَق مَا قَالَ العَبْد. خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف: أَي هَذَا الْكَلَام أَحَق مَا قَالَ العَبْد. فَتبين أَن حمد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ [وتمجيده] أَحَق مَا قَالَه العَبْد وَفِي ضمنه توحيده، لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَك الْحَمد، أَي لَك لَا لغيرك. وَقَالَ فِي

стр. 335

آخِره: لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطي لما منعت، وَهَذَا يَقْتَضِي انْفِرَاده بالعطاء وَالْمَنْع فَلَا يستعان إِلَّا بِهِ وَلَا يطْلب إِلَّا مِنْهُ. ثمَّ قَالَ: وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد فَبين أَن الْإِنْسَان وَإِن أعطي الْملك والغنى والرئاسة فَهَذَا لَا ينجيه مِنْك؛ إِنَّمَا ينجيه الْإِيمَان وَالتَّقوى وَهَذَا تَحْقِيق قَوْله: ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَكَانَ هَذَا الذّكر آخر الْقيام مناسبا للذّكر أول الْقيام. وَقَوله: أَحَق مَا قَالَ العَبْد، يَقْتَضِي أَن يكون حمد الله أَحَق الْأَقْوَال بِأَن يَقُوله العَبْد؛ وَمَا كَانَ أَحَق الْأَقْوَال كَانَ أفضلهَا وأوجبها على الْإِنْسَان. وَلِهَذَا افْترض الله على عباده فِي كل صَلَاة أَن يفتتحوها بقَوْلهمْ: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ وَأمرهمْ أَيْضا أَن يفتتحوا كل خطْبَة " بِالْحَمْد لله " فَأَمرهمْ أَن يكون الْحَمد لله مقدما على كل كَلَام سَوَاء كَانَ خطابا للخالق أَو خطابا للمخلوق. وَلِهَذَا يقدم النَّبِي ﷺ الْحَمد أَمَام الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة. وَلِهَذَا أمرنَا

стр. 336

بِتَقْدِيم الثَّنَاء على الله فِي التَّشَهُّد قبل الدُّعَاء وَقَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِالْحَمْد لله فَهُوَ أَجْذم﴾ ". وَأول من يدعى إِلَى الْجنَّة الْحَمَّادُونَ الَّذين يحْمَدُونَ الله على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء.

стр. 337

وَقَوله ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ جعله ثَنَاء. وَقَوله ﴿مَالك يَوْم الدَّين﴾ جعله تمجيدا. وَقَوله: ﴿الْحَمد لله﴾ حمد مُطلق. فَإِن " الْحَمد " اسْم جنس لَهُ كمية وَكَيْفِيَّة؛ فالثناء تثنيته، وتكبيره تَعْظِيم كميته الْمُنْفَصِلَة، و " الْمجد " هُوَ السعَة والعلو فَهُوَ تَعْظِيم كيفيته وَقدره وكميته الْمُتَّصِلَة. وَذَلِكَ أَن هَذَا وصف لَهُ بِالْملكِ، و " الْملك " يتَضَمَّن الْقُدْرَة وَفعل مَا يَشَاء و ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ وصف بِالرَّحْمَةِ المتضمنة لإحسانه إِلَى الْعباد بمشيئته وَقدرته أَيْضا وَالْخَيْر يحصل بِالْقُدْرَةِ والإرادة الَّتِي تَتَضَمَّن الرَّحْمَة. فَإِذا كَانَ قَدِيرًا مرِيدا للإحسان: حصل كل خير وَإِنَّمَا يَقع النَّقْص لعدم الْقُدْرَة أَو لعدم إِرَادَة الْخَيْر " فالرحمن الرَّحِيم الْملك " قد اتّصف بغاية إِرَادَة الْإِحْسَان وَغَايَة الْقُدْرَة؛ وَذَلِكَ يحصل بِهِ كل خير خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَقَوله: ﴿مَالك يَوْم الدَّين﴾ مَعَ أَنه " ملك الدُّنْيَا " لِأَن يَوْم الدَّين لَا يَدعِي أحد فِيهِ مُنَازعَة وَهُوَ الْيَوْم الْأَعْظَم فَمَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا كَمَا يضع أحدكُم إصبعه فِي اليم فَلْينْظر بِمَ يرجع.

стр. 338

و " الدَّين " عَاقِبَة أَفعَال الْعباد وَقد يدل بطرِيق التَّنْبِيه أَو بطرِيق الْعُمُوم عِنْد بَعضهم: على ملك الدُّنْيَا فَيكون لَهُ الْملك وَله الْحَمد كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنه قَادر على أَن يرحم وَرَحمته وإحسانه وصف لَهُ يحصل بمشيئته وَهُوَ من " الصِّفَات الاختيارية ". وَفِي الصَّحِيح " ﴿أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يعلم أَصْحَابه الاستخارة فِي الْأُمُور كلهَا كَمَا يعلمهُمْ السُّورَة من الْقُرْآن يَقُول: إِذا هم أحدكُم بِالْأَمر فليركع رَكْعَتَيْنِ من غير الْفَرِيضَة ثمَّ ليقل: اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وَأَسْأَلك من فضلك الْعَظِيم فَإنَّك تقدر وَلَا أقدر وَتعلم وَلَا أعلم وَأَنت علام الغيوب اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر - ويسميه باسمه - خيرا لي فِي ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أَمْرِي: فاقدره لي ويسره لي ثمَّ بَارك لي فِيهِ؛ وَإِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر شَرّ لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي فاصرفه عني واصرفني عَنهُ واقدر لي الْخَيْر حَيْثُ كَانَ﴾ ". فَسَأَلَهُ بِعِلْمِهِ وَقدرته وَمن فَضله وفضله يحصل برحمته وَهَذِه الصِّفَات هِيَ جماع صِفَات الْكَمَال لَكِن " الْعلم " لَهُ عُمُوم التَّعَلُّق: يتَعَلَّق بالخالق والمخلوق،

стр. 339

وَالْمَوْجُود والمعدوم. وَأما " الْقُدْرَة " فَإِنَّمَا تتَعَلَّق بالممكن، والإرادة إِنَّمَا تتَعَلَّق بالموجود الْمَخْلُوق، وَالرَّحْمَة أخص مِنْهَا فَإِنَّمَا تتَعَلَّق بالمخلوق، وَكَذَلِكَ " الْملك " إِنَّمَا يكون ملكا على الْمَخْلُوقَات. " فالفاتحة " اشْتَمَلت على الْكَمَال فِي " الْإِرَادَة "، وَهُوَ: الرَّحْمَة، وعَلى الْكَمَال فِي " الْقُدْرَة "، وَهُوَ: مَالك يَوْم الدَّين. وَهَذَا وَهَذَا إِنَّمَا يتم " بِالصِّفَاتِ الاختيارية "، كَمَا تقدم. وَالله أعلم.

стр. 340

الرسَالَة الثَّانِيَة شرح كَلِمَات من "فتوح الْغَيْب "

стр. 341

هَذَا كتاب يشْتَمل على شرح كَلِمَات رويت عَن الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم، الناسك الزَّاهِد، عبد الْقَادِر الكيلاني رَحمَه الله تَعَالَى، فِي كِتَابه الْمَعْرُوف " بفتوح الْغَيْب " وَشَرحهَا شيخ الْإِسْلَام، ومفتي الشَّام، الإِمَام الْعَالم الْعَامِل، الزَّاهِد الْوَرع، تَقِيّ الدَّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد، بن عبد الْحَلِيم، بن عبد السَّلَام، بن تَيْمِية الْحَرَّانِي، نفع الله بِهِ، وأثابه الْجنَّة، وَغفر لَهُ وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين، آمين، ومتعه الله بالثناء الْجَمِيل، وَالعطَاء الجزيل. بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، توكلت على الله. قَالَ شَيخنَا الإِمَام الْعَلامَة شيخ الْإِسْلَام، أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد، بن عبد الْحَلِيم، بن عبد السَّلَام، الْعَالم الرباني، وَالْعَامِل النوراني بن تَيْمِية، ﵁ وأرضاه. الْحَمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا

стр. 342

هادي لَهُ. ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا. قَالَ الجيلاني: لابد لكل مُؤمن من أَمر يمتثله وَنهي يجتنبه وَقدر يرضى بِهِ: فصل قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر الكيلاني فِي كتاب " فتوح الْغَيْب ": لَا بُد لكل مُؤمن فِي سَائِر أَحْوَاله من ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَمر يمتثله. وَنهي يجتنبه. وَقدر يرضى بِهِ. فَأَقل حَالَة لَا يَخْلُو الْمُؤمن فِيهَا من أحد هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يلْزم همها قلبه وليحدث بهَا نَفسه وَيَأْخُذ بهَا الْجَوَارِح فِي سَائِر أَحْوَاله ".

стр. 343

تَعْلِيق ابْن تَيْمِية: (قلت) : هَذَا كَلَام شرِيف جَامع يحْتَاج إِلَيْهِ كل أحد، وَهُوَ تَفْصِيل لما يحْتَاج إِلَيْهِ العَبْد، وَهِي مُطَابقَة لقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ وَلقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا﴾ وَلقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تصبروا وتتقوا فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ . فَإِن " التَّقْوَى " تَتَضَمَّن: فعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور و " الصَّبْر " يتَضَمَّن: الصَّبْر على الْمَقْدُور. " فالثلاثة " ترجع إِلَى هذَيْن الْأَصْلَيْنِ، وَالثَّلَاثَة فِي الْحَقِيقَة ترجع إِلَى امْتِثَال الْأَمر وَهُوَ طَاعَة الله وَرَسُوله. فحقيقة الْأَمر أَن كل عبد فَإِنَّهُ مُحْتَاج فِي كل وَقت إِلَى طَاعَة الله وَرَسُوله وَهُوَ: أَن يفعل فِي ذَلِك الْوَقْت مَا أَمر بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت. وَطَاعَة الله وَرَسُوله هِيَ عبَادَة الله الَّتِي خلق لَهَا الْجِنّ وَالْإِنْس. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم وَالَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ . وَالرسل كلهم أمروا قَومهمْ أَن يعبدوا الله وَلَا يشركوا بِهِ شَيْئا وَقَالَ

стр. 344

تَعَالَى: ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿واسأل من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ﴾ . الثَّلَاثَة ترجع إِلَى امْتِثَال الْأَمر: وَإِنَّمَا كَانَت " الثَّلَاثَة " ترجع إِلَى امْتِثَال الْأَمر؛ لِأَنَّهُ فِي الْوَقْت الَّذِي يُؤمر فِيهِ بِفعل أُمُور من الْفَرَائِض كالصلوات الْخمس وَالْحج وَنَحْو ذَلِك، يحْتَاج إِلَى فعل ذَلِك الْمَأْمُور. وَفِي الْوَقْت الَّذِي تحدث أَسبَاب الْمعْصِيَة يحْتَاج إِلَى الِامْتِنَاع وَالْكَرَاهَة والإمساك عَن ذَلِك وَهَذَا فعل لما أَمر بِهِ فِي هَذَا الْوَقْت وَأما من لم تخطر لَهُ الْمعْصِيَة ببال فَهَذَا لم يفعل شَيْئا يُؤجر عَلَيْهِ وَلَكِن عدم ذَنبه مُسْتَلْزم لسلامته من عُقُوبَة الذَّنب، والعدم الْمَحْض المستمر لَا يُؤمر بِهِ وَإِنَّمَا يُؤمر بِأَمْر يقدر عَلَيْهِ العَبْد وَذَاكَ لَا يكون إِلَّا حَادِثا: سَوَاء كَانَ إِحْدَاث إِيجَاد أَمر أَو إعدام أَمر. وَأما " الْقدر الَّذِي يرضى بِهِ " فَإِنَّهُ إِذا ابْتُلِيَ بِالْمرضِ أَو الْفقر أَو الْخَوْف فَهُوَ مَأْمُور بِالصبرِ أَمر إِيجَاب، ومأمور بِالرِّضَا إِمَّا أَمر إِيجَاب، وَإِمَّا أَمر اسْتِحْبَاب؛ وللعلماء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم فِي ذَلِك قَولَانِ وَنَفس الصَّبْر وَالرِّضَا بالمصائب هُوَ طَاعَة لله وَرَسُوله فَهُوَ من امْتِثَال الْأَمر وَهُوَ عبَادَة لله. لَكِن هَذِه " الثَّلَاثَة " وَإِن دخلت فِي امْتِثَال الْأَمر عِنْد الْإِطْلَاق فَعِنْدَ

стр. 345

التَّفْصِيل والاقتران: إِمَّا أَن تخص بِالذكر وَإِمَّا أَن يُقَال يُرَاد بِهَذَا مَا لَا يُرَاد بِهَذَا كَمَا فِي قَوْله: ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾ وَقَوله: ﴿فاعبدني وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ فَإِن هَذَا دَاخل فِي الْعِبَادَة إِذا أطلق اسْم الْعِبَادَة، وَعند " الاقتران " إِمَّا أَن يُقَال: ذكر عُمُوما وخصوصا، وَإِمَّا أَن يُقَال: ذكره خُصُوصا يُغني عَن دُخُوله فِي الْعَام. وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَقَوله: ﴿وَاذْكُر اسْم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا﴾ ﴿رب الْمشرق وَالْمغْرب لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فاتخذه وَكيلا﴾ ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ واهجرهم هجرا جميلا﴾ وَقد يُقَال: لفظ " التبتل " لَا يتَنَاوَل هَذِه الْأُمُور المعطوفة كَمَا يَتَنَاوَلهَا لفظ الْعِبَادَة وَالطَّاعَة. و" بِالْجُمْلَةِ " فرق مَا بَين مَا يُؤمر بِهِ الْإِنْسَان ابْتِدَاء وَبَين مَا يُؤمر بِهِ عِنْد حَاجته إِلَى جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة أَو عِنْد حب الشَّيْء وبغضه. وَكَلَام الشَّيْخ - قدس الله روحه - يَدُور على هَذَا القطب وَهُوَ أَن يفعل الْمَأْمُور وَيتْرك الْمَحْظُور ويخلو فِيمَا سواهُمَا عَن إِرَادَة؛ لِئَلَّا يكون لَهُ هُوَ مُرَاد غير فعل مَا أمره بِهِ ربه، وَمَا لم يُؤمر بِهِ العَبْد، بل فعله الرب

стр. 346

عز وَجل بِلَا وَاسِطَة العَبْد أَو فعله بِالْعَبدِ بِلَا هوى من العَبْد. فَهَذَا هُوَ الْقدر الَّذِي عَلَيْهِ أَن يرضى بِهِ. وَسَيَأْتِي من كَلَام الشَّيْخ مَا يبين مُرَاده وَأَن العَبْد فِي كل حَال عَلَيْهِ أَن يفعل مَا أَمر بِهِ وَيتْرك مَا نهي عَنهُ. وَأما إِذا لم يكن هُوَ أمرا للْعَبد بِشَيْء من ذَلِك فَمَا فعله الرب كَانَ علينا التَّسْلِيم فِيمَا فعله وَهَذِه هِيَ " الْحَقِيقَة " فِي كَلَام الشَّيْخ وَأَمْثَاله. وتفصيل الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة فِي هَذَا الْمقَام أَن هَذَا " نَوْعَانِ ": (أَحدهمَا) : أَن يكون العَبْد مَأْمُورا فِيمَا فعله الرب. إِمَّا بحب لَهُ وإعانة عَلَيْهِ. وَإِمَّا ببغض لَهُ وَدفع لَهُ. و (الثَّانِي) : أَن لَا يكون العَبْد مَأْمُورا بِوَاحِد مِنْهُمَا. (فَالْأول) مثل الْبر وَالتَّقوى الَّذِي يَفْعَله غَيره فَهُوَ مَأْمُور بحبه وإعانته عَلَيْهِ: كإعانة الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله على الْجِهَاد وإعانة سَائِر الفاعلين للحسنات على حسناتهم بِحَسب الْإِمْكَان وبمحبة ذَلِك وَالرِّضَا بِهِ وَكَذَلِكَ هُوَ مَأْمُور عِنْد مُصِيبَة الْغَيْر: إِمَّا بنصر مظلوم وَإِمَّا بتعزية مصاب وَإِمَّا بإغناء فَقير وَنَحْو ذَلِك. وَأما مَا هُوَ مَأْمُور ببغضه وَدفعه فَمثل: مَا إِذا أظهر الْكفْر والفسوق والعصيان فَهُوَ مَأْمُور ببغض ذَلِك وَدفعه وإنكاره بِحَسب الْإِمْكَان كَمَا قَالَ

стр. 347

النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح: " من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ. فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه. فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان ". حكم الْمُبَاحَات وأنواعها: وَأما مَا لَا يُؤمر العَبْد فِيهِ بِوَاحِد مِنْهُمَا: فَمثل مَا يظْهر لَهُ من فعل الْإِنْسَان للمباحات الَّتِي لم يتَبَيَّن لَهُ أَنه يستعان بهَا على طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة. فَهَذِهِ لَا يُؤمر بحبها وَلَا ببغضها وَكَذَلِكَ مباحات نَفسه الْمَحْضَة الَّتِي لم يقْصد الِاسْتِعَانَة بهَا على طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة. مَعَ أَن هَذَا نقص مِنْهُ فَإِن الَّذِي يَنْبَغِي أَنه لَا يفعل من الْمُبَاحَات إِلَّا مَا يَسْتَعِين بِهِ على الطَّاعَة ويقصد الِاسْتِعَانَة بهَا على الطَّاعَة فَهَذَا سَبِيل المقربين السَّابِقين الَّذين تقربُوا إِلَى الله تَعَالَى بالنوافل بعد الْفَرَائِض وَلم يزل أحدهم يتَقرَّب إِلَيْهِ بذلك حَتَّى أحبه فَكَانَ سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا. وَأما من فعل الْمُبَاحَات مَعَ الْغَفْلَة أَو فعل فضول الْمُبَاح الَّتِي لَا يستعان بهَا على طَاعَة مَعَ أَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الْمَحَارِم بَاطِنا وظاهرا فَهَذَا من الْمُقْتَصِدِينَ أَصْحَاب الْيَمين. وَبِالْجُمْلَةِ الْأَفْعَال الَّتِي يُمكن دُخُولهَا تَحت الْأَمر وَالنَّهْي لَا تكون مستوية من كل وَجه بل إِن فعلت على الْوَجْه المحبوب كَانَ وجودهَا خيرا للْعَبد،

стр. 348

وَإِلَّا كَانَ تَركهَا خيرا لَهُ وَإِن لم يُعَاقب عَلَيْهَا ففضول الْمُبَاح الَّتِي لَا تعين على الطَّاعَة عدمهَا خير من وجودهَا إِذا كَانَ مَعَ عدمهَا يشْتَغل بِطَاعَة الله فَإِنَّهَا تكون شاغلة لَهُ عَن ذَلِك وَأما إِذا قدر أَنَّهَا تشغله عَمَّا دونهَا فَهِيَ خير لَهُ مِمَّا دونهَا وَإِن شغلته عَن مَعْصِيّة الله كَانَت رَحْمَة فِي حَقه وَإِن كَانَ اشْتِغَاله بِطَاعَة الله خيرا لَهُ من هَذَا وَهَذَا. وَكَذَلِكَ أَفعَال الْغَفْلَة والشهوة الَّتِي يُمكن الِاسْتِعَانَة بهَا على الطَّاعَة: كالنوم الَّذِي يقْصد بِهِ الِاسْتِعَانَة على الْعِبَادَة؛ وَالْأكل وَالشرب واللباس وَالنِّكَاح الَّذِي يُمكن الِاسْتِعَانَة بِهِ على الْعِبَادَة؛ إِذا لم يقْصد بِهِ ذَلِك كَانَ ذَلِك نقصا من العَبْد وفوات حَسَنَة؛ وَخير يُحِبهُ الله. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ ﴿أَنه قَالَ لسعد: إِنَّك لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله إِلَّا ازددت بهَا دَرَجَة ورفعة حَتَّى اللُّقْمَة تضعها فِي فِي امْرَأَتك﴾ " وَقَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح: ﴿نَفَقَة الْمُسلم على أَهله يحتسبها صَدَقَة﴾ ".

стр. 349

فَمَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْمُبَاحَات أَو يحْتَاج إِلَيْهِ وَلم يَصْحَبهُ إِيمَان يَجعله حَسَنَة فعدمه خير من وجوده إِذا كَانَ مَعَ عَدمه يشْتَغل بِمَا هُوَ خير مِنْهُ. وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿فِي بضع أحدكُم صَدَقَة. قَالُوا: يَا رَسُول الله يَأْتِي أَحَدنَا شَهْوَته وَيكون لَهُ أجر. قَالَ: أَرَأَيْتُم لَو وَضعهَا فِي الْحَرَام أما كَانَ عَلَيْهِ وزر؟ قَالُوا: بلَى قَالَ: فَكَذَلِك إِذا وَضعهَا فِي الْحَلَال كَانَ لَهُ بهَا أجر. فَلم تعتدون بالحرام وَلَا تعتدون بالحلال﴾ ". وَذَلِكَ أَن الْمُؤمن عِنْد شَهْوَة النِّكَاح يقْصد أَن يعدل عَمَّا حرمه الله إِلَى مَا أَبَاحَهُ الله؛ ويقصد فعل الْمُبَاح مُعْتَقدًا أَن الله أَبَاحَهُ " ﴿وَالله يحب أَن يُؤْخَذ بِرُخصِهِ كَمَا يكره أَن تُؤْتى مَعْصِيَته﴾ " كَمَا روى ذَلِك الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند وَرَوَاهُ غَيره وَلِهَذَا أحب الْقصر وَالْفطر فِي السّفر، فعدول الْمُؤمن عَن

стр. 350

الرهبانية وَالتَّشْدِيد وتعذيب النَّفس الَّذِي لَا يُحِبهُ الله إِلَى مَا يُحِبهُ الله من الرُّخْصَة هُوَ من الْحَسَنَات الَّتِي يثيبه الله عَلَيْهَا وَإِن فعل مُبَاحا لما اقْترن بِهِ من الِاعْتِقَاد وَالْقَصْد الَّذين كِلَاهُمَا طَاعَة لله وَرَسُوله. فَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى. وَأَيْضًا فَالْعَبْد هُوَ مَأْمُور بِفعل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْمُبَاحَات هُوَ مَأْمُور بِالْأَكْلِ عِنْد الْجُوع وَالشرب عِنْد الْعَطش وَلِهَذَا يجب على الْمُضْطَر إِلَى الْميتَة أَن يَأْكُل مِنْهَا وَلَو لم يَأْكُل حَتَّى مَاتَ كَانَ مستوجبا للوعيد كَمَا هُوَ قَول جَمَاهِير الْعلمَاء من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم وَكَذَلِكَ هُوَ مَأْمُور بِالْوَطْءِ عِنْد حَاجته إِلَيْهِ بل وَهُوَ مَأْمُور بِنَفس عقد النِّكَاح إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَقدر عَلَيْهِ. فَقَوْل النَّبِي ﷺ " ﴿فِي بضع أحدكُم صَدَقَة﴾ " فَإِن المباضعة مَأْمُور بهَا لِحَاجَتِهِ ولحاجة الْمَرْأَة إِلَى ذَلِك فَإِن قَضَاء حَاجَتهَا الَّتِي لَا تَنْقَضِي إِلَّا بِهِ بِالْوَجْهِ الْمُبَاح صَدَقَة. سلوك الْأَبْرَار وسلوك المقربين: و" السلوك " سلوكان: سلوك الْأَبْرَار أهل الْيَمين وَهُوَ أَدَاء الْوَاجِبَات، وَترك الْمُحرمَات بَاطِنا وظاهرا. و (الثَّانِي) : سلوك المقربين السَّابِقين وَهُوَ فعل الْوَاجِب وَالْمُسْتَحب بِحَسب الْإِمْكَان وَترك الْمَكْرُوه وَالْمحرم كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿إِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَاجْتَنبُوهُ. وَإِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ ".

стр. 351

وَكَلَام الشُّيُوخ الْكِبَار: كالشيخ " عبد الْقَادِر " وَغَيره يُشِير إِلَى هَذَا السلوك؛ وَلِهَذَا يأمرون بِمَا هُوَ مُسْتَحبّ غير وَاجِب وَينْهَوْنَ عَمَّا هُوَ مَكْرُوه غير محرم فَإِنَّهُم يسلكون بالخاصة مَسْلَك الْخَاصَّة وبالعامة مَسْلَك الْعَامَّة. وَطَرِيق الْخَاصَّة طَرِيق المقربين أَلا يفعل العَبْد إِلَّا مَا أَمر بِهِ وَلَا يُرِيد إِلَّا مَا أَمر الله وَرَسُوله بإرادته وَهُوَ مَا يُحِبهُ الله ويرضاه ويريده إِرَادَة دينية شَرْعِيَّة وَإِلَّا فالحوادث كلهَا مُرَادة لَهُ خلقا وتكوينا. وَالْوُقُوف مَعَ الْإِرَادَة الخلقية الْقَدَرِيَّة مُطلقًا غير مَقْدُور عقلا وَلَا مَأْمُور شرعا. وَذَلِكَ لِأَن من الْحَوَادِث مَا يجب دَفعه وَلَا تجوز إِرَادَته كمن أَرَادَ تَكْفِير الرجل أَو تَكْفِير أَهله أَو الْفُجُور بِهِ أَو بأَهْله أَو أَرَادَ قتل النَّبِي وَهُوَ قَادر على دَفعه أَو أَرَادَ إضلال الْخلق، وإفساد دينهم ودنياهم فَهَذِهِ الْأُمُور يجب دَفعهَا وكراهتها؛ لَا تجوز إرادتها. وَأما الِامْتِنَاع عقلا؛ فَلِأَن الْإِنْسَان مجبول على حب مَا يلائمه وبغض مَا ينافره فَهُوَ عِنْد الْجُوع يحب مَا يقيته كالطعام وَلَا يحب مَا لَا يقيته كالتراب فَلَا يُمكن أَن تكون إِرَادَته لهذين سَوَاء. وَكَذَلِكَ يحب الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح الَّذِي يَنْفَعهُ وَيبغض الْكفْر والفسوق الَّذِي يضرّهُ بل وَيُحب الله وعبادته وَحده وَيبغض عبَادَة مَا دونه.

стр. 352

كَمَا قَالَ الْخَلِيل: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ﴾ ﴿أَنْتُم وآباؤكم الأقدمون﴾ ﴿فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا بُرَآء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده﴾ . فقد أمرنَا الله أَن نتأسى بإبراهيم وَالَّذين مَعَه إِذْ تبرءوا من الْمُشْركين وَمِمَّا يعبدونه من دون الله. وَقَالَ الْخَلِيل: ﴿إِنَّنِي برَاء مِمَّا تَعْبدُونَ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِي فطرني فَإِنَّهُ سيهدين﴾ والبراءة ضد الْولَايَة وأصل الْبَرَاءَة البغض وأصل الْولَايَة الْحبّ. وَهَذَا لِأَن حَقِيقَة التَّوْحِيد أَلا تحب إِلَّا الله وتحب مَا يُحِبهُ الله لله فَلَا تحب إِلَّا لله وَلَا تبغض إِلَّا لله. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ .

стр. 353

وَالْفرق ثَابت بَين الْحبّ لله وَالْحب مَعَ الله فَأهل التَّوْحِيد وَالْإِخْلَاص يحبونَ غير الله لله وَالْمُشْرِكُونَ يحبونَ غير الله مَعَ الله كحب الْمُشْركين لآلهتهم وَحب النَّصَارَى للمسيح وَحب أهل الْأَهْوَاء رُءُوسهم. فَإِذا عرف أَن العَبْد مفطور على حب مَا يَنْفَعهُ وبغض مَا يضرّهُ. لم يُمكن أَن تستوي إِرَادَته لجَمِيع الْحَوَادِث فطْرَة وخلقا وَلَا هُوَ مَأْمُور من جِهَة الشَّرْع أَن يكون مرِيدا لجَمِيع الْحَوَادِث بل قد أمره الله بِإِرَادَة أُمُور وَكَرَاهَة أُخْرَى. وَالرسل - صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه - بعثوا بتكميل الْفطْرَة وتقريرها لَا بتحويل الْفطْرَة وتغييرها. وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه﴾ " قَالَ تَعَالَى: ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدَّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ .

стр. 354

وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ " ﴿يَقُول الله تَعَالَى: خلقت عبَادي حنفَاء فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين وَحرمت عَلَيْهِم مَا أحللت لَهُم وأمرتهم أَن يشركوا بِي مَا لم أنزل بِهِ سُلْطَانا﴾ ". و " الحنيفية " هِيَ الاسْتقَامَة بإخلاص الدَّين لله وَذَلِكَ يتَضَمَّن حبه تَعَالَى والذل لَهُ لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا لَا فِي الْحبّ وَلَا فِي الذل فَإِن الْعِبَادَة تَتَضَمَّن غَايَة الْحبّ بغاية الذل وَذَلِكَ لَا يسْتَحقّهُ إِلَّا الله وَحده وَكَذَلِكَ الخشية وَالتَّقوى لله وَحده والتوكل على الله وَحده. وَالرَّسُول يطاع وَيُحب فالحلال مَا حلله وَالْحرَام مَا حرمه وَالدّين مَا شَرعه. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ . وَهَذَا حَقِيقَة دين الْإِسْلَام. وَالرسل بعثوا بذلك كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿شرع لكم من الدَّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ

стр. 355

إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدَّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم﴾ ﴿وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون﴾ . فَهَذَا هُوَ الأَصْل الَّذِي يجب على كل أحد أَن يعتصم بِهِ فَلَا بُد أَن يكون مرِيدا محبا لما أمره الله بإرادته ومحبته كَارِهًا مبغضا لما أمره الله بكراهته وبغضه. وَالنَّاس فِي هَذَا الْبَاب " أَرْبَعَة أَنْوَاع ": أكملهم الَّذين يحبونَ مَا أحبه الله وَرَسُوله، ويبغضون مَا أبغضه الله وَرَسُوله فيريدون مَا أَمرهم الله وَرَسُوله بإرادته ويكرهون مَا أَمرهم الله وَرَسُوله بكراهته وَلَيْسَ عِنْدهم حب وَلَا بغض لغير ذَلِك. فيأمرون بِمَا أَمر الله وَرَسُوله بِهِ وَلَا يأمرون بِغَيْر ذَلِك، وَينْهَوْنَ عَمَّا نهى الله عَنهُ وَرَسُوله وَلَا ينهون عَن غير ذَلِك. وَهَذِه حَال الخليلين أفضل الْبَريَّة: مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " ﴿إِن الله اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ ".
следующие страницы →