Полный текст (666 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَكَلَام الشُّيُوخ الْكِبَار: كالشيخ " عبد الْقَادِر " وَغَيره يُشِير إِلَى هَذَا السلوك؛ وَلِهَذَا يأمرون بِمَا هُوَ مُسْتَحبّ غير وَاجِب وَينْهَوْنَ عَمَّا هُوَ مَكْرُوه غير محرم فَإِنَّهُم يسلكون بالخاصة مَسْلَك الْخَاصَّة وبالعامة مَسْلَك الْعَامَّة.
وَطَرِيق الْخَاصَّة طَرِيق المقربين أَلا يفعل العَبْد إِلَّا مَا أَمر بِهِ وَلَا يُرِيد إِلَّا مَا أَمر الله وَرَسُوله بإرادته وَهُوَ مَا يُحِبهُ الله ويرضاه ويريده إِرَادَة دينية شَرْعِيَّة وَإِلَّا فالحوادث كلهَا مُرَادة لَهُ خلقا وتكوينا. وَالْوُقُوف مَعَ الْإِرَادَة الخلقية الْقَدَرِيَّة مُطلقًا غير مَقْدُور عقلا وَلَا مَأْمُور شرعا.
وَذَلِكَ لِأَن من الْحَوَادِث مَا يجب دَفعه وَلَا تجوز إِرَادَته كمن أَرَادَ تَكْفِير الرجل أَو تَكْفِير أَهله أَو الْفُجُور بِهِ أَو بأَهْله أَو أَرَادَ قتل النَّبِي وَهُوَ قَادر على دَفعه أَو أَرَادَ إضلال الْخلق، وإفساد دينهم ودنياهم فَهَذِهِ الْأُمُور يجب دَفعهَا وكراهتها؛ لَا تجوز إرادتها.
وَأما الِامْتِنَاع عقلا؛ فَلِأَن الْإِنْسَان مجبول على حب مَا يلائمه وبغض مَا ينافره فَهُوَ عِنْد الْجُوع يحب مَا يقيته كالطعام وَلَا يحب مَا لَا يقيته كالتراب فَلَا يُمكن أَن تكون إِرَادَته لهذين سَوَاء. وَكَذَلِكَ يحب الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح الَّذِي يَنْفَعهُ وَيبغض الْكفْر والفسوق الَّذِي يضرّهُ بل وَيُحب الله وعبادته وَحده وَيبغض عبَادَة مَا دونه.
стр. 352
كَمَا قَالَ الْخَلِيل: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ﴾ ﴿أَنْتُم وآباؤكم الأقدمون﴾ ﴿فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا بُرَآء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده﴾ .
فقد أمرنَا الله أَن نتأسى بإبراهيم وَالَّذين مَعَه إِذْ تبرءوا من الْمُشْركين وَمِمَّا يعبدونه من دون الله.
وَقَالَ الْخَلِيل: ﴿إِنَّنِي برَاء مِمَّا تَعْبدُونَ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِي فطرني فَإِنَّهُ سيهدين﴾ والبراءة ضد الْولَايَة وأصل الْبَرَاءَة البغض وأصل الْولَايَة الْحبّ.
وَهَذَا لِأَن حَقِيقَة التَّوْحِيد أَلا تحب إِلَّا الله وتحب مَا يُحِبهُ الله لله فَلَا تحب إِلَّا لله وَلَا تبغض إِلَّا لله. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ .
стр. 353
وَالْفرق ثَابت بَين الْحبّ لله وَالْحب مَعَ الله فَأهل التَّوْحِيد وَالْإِخْلَاص يحبونَ غير الله لله وَالْمُشْرِكُونَ يحبونَ غير الله مَعَ الله كحب الْمُشْركين لآلهتهم وَحب النَّصَارَى للمسيح وَحب أهل الْأَهْوَاء رُءُوسهم.
فَإِذا عرف أَن العَبْد مفطور على حب مَا يَنْفَعهُ وبغض مَا يضرّهُ. لم يُمكن أَن تستوي إِرَادَته لجَمِيع الْحَوَادِث فطْرَة وخلقا وَلَا هُوَ مَأْمُور من جِهَة الشَّرْع أَن يكون مرِيدا لجَمِيع الْحَوَادِث بل قد أمره الله بِإِرَادَة أُمُور وَكَرَاهَة أُخْرَى.
وَالرسل - صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه - بعثوا بتكميل الْفطْرَة وتقريرها لَا بتحويل الْفطْرَة وتغييرها. وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه﴾ " قَالَ تَعَالَى: ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدَّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ .
стр. 354
وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ " ﴿يَقُول الله تَعَالَى: خلقت عبَادي حنفَاء فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين وَحرمت عَلَيْهِم مَا أحللت لَهُم وأمرتهم أَن يشركوا بِي مَا لم أنزل بِهِ سُلْطَانا﴾ ". و " الحنيفية " هِيَ الاسْتقَامَة بإخلاص الدَّين لله وَذَلِكَ يتَضَمَّن حبه تَعَالَى والذل لَهُ لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا لَا فِي الْحبّ وَلَا فِي الذل فَإِن الْعِبَادَة تَتَضَمَّن غَايَة الْحبّ بغاية الذل وَذَلِكَ لَا يسْتَحقّهُ إِلَّا الله وَحده وَكَذَلِكَ الخشية وَالتَّقوى لله وَحده والتوكل على الله وَحده.
وَالرَّسُول يطاع وَيُحب فالحلال مَا حلله وَالْحرَام مَا حرمه وَالدّين مَا شَرعه. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ .
وَهَذَا حَقِيقَة دين الْإِسْلَام. وَالرسل بعثوا بذلك كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿شرع لكم من الدَّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ
стр. 355
إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدَّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم﴾ ﴿وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون﴾ .
فَهَذَا هُوَ الأَصْل الَّذِي يجب على كل أحد أَن يعتصم بِهِ فَلَا بُد أَن يكون مرِيدا محبا لما أمره الله بإرادته ومحبته كَارِهًا مبغضا لما أمره الله بكراهته وبغضه.
وَالنَّاس فِي هَذَا الْبَاب " أَرْبَعَة أَنْوَاع ": أكملهم الَّذين يحبونَ مَا أحبه الله وَرَسُوله، ويبغضون مَا أبغضه الله وَرَسُوله فيريدون مَا أَمرهم الله وَرَسُوله بإرادته ويكرهون مَا أَمرهم الله وَرَسُوله بكراهته وَلَيْسَ عِنْدهم حب وَلَا بغض لغير ذَلِك. فيأمرون بِمَا أَمر الله وَرَسُوله بِهِ وَلَا يأمرون بِغَيْر ذَلِك، وَينْهَوْنَ عَمَّا نهى الله عَنهُ وَرَسُوله وَلَا ينهون عَن غير ذَلِك.
وَهَذِه حَال الخليلين أفضل الْبَريَّة: مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " ﴿إِن الله اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ ".
стр. 356
وَقَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح: " ﴿إِنِّي وَالله لَا أعطي أحدا وَلَا أمنع أحدا وَإِنَّمَا أَنا قَاسم أَضَع حَيْثُ أمرت﴾ ".
وَذكر: أَن ربه خَيره بَين أَن يكون نَبيا ملكا؛ وَبَين أَن يكون عبدا رَسُولا فَاخْتَارَ أَن يكون عبدا رَسُولا. فَإِن " النَّبِي الْملك " مثل دَاوُد وَسليمَان.
قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا عطاؤنا فَامْنُنْ أَو أمسك بِغَيْر حِسَاب﴾ قَالُوا: مَعْنَاهُ أعْط من شِئْت وامنع من شِئْت لَا نحاسبك.
стр. 357
" فالنبي الْملك " يُعْطي بإرادته لَا يُعَاقب على ذَلِك كَالَّذي يفعل الْمُبَاحَات بإرادته. وَأما " العَبْد الرَّسُول " فَلَا يُعْطي وَلَا يمْنَع إِلَّا بِأَمْر ربه وَهُوَ محبته وَرضَاهُ وإرادته الدِّينِيَّة وَالسَّابِقُونَ المقربون أَتبَاع العَبْد الرَّسُول والمقتصدون أهل الْيَمين أَتبَاع النَّبِي الْملك.
وَقد تكون للْإنْسَان حَال هُوَ فِيهَا خَال عَن الإرادتين: وَهُوَ أَلا تكون لَهُ إِرَادَة فِي عَطاء وَلَا منع، لَا إِرَادَة دينية هُوَ مَأْمُور بهَا وَلَا إِرَادَة نفسانية سَوَاء كَانَ مَنْهِيّا عَنْهَا أَو غير مَنْهِيّ عَنْهَا بل مَا وَقع كَانَ مرَادا لَهُ وَمهما فعل بِهِ كَانَ مرَادا لَهُ من غير أَن يعرف الْمَأْمُور بِهِ شرعا فِي ذَلِك.
فَهَذَا بِمَنْزِلَة من لَهُ أَمْوَال يُعْطِيهَا وَلَيْسَ لَهُ إِرَادَة فِي إِعْطَاء معِين لَا إِرَادَة شَرْعِيَّة وَلَا إِرَادَة مذمومة؛ بل يُعْطي كل أحد. فَهَذَا إِذا قدر أَنه قَامَ بِمَا يجب عَلَيْهِ بِحَسب إِمْكَانه وَلكنه خَفِي عَلَيْهِ الْإِرَادَة الشَّرْعِيَّة فِي تَفْصِيل أَفعاله. فَإِنَّهُ لَا يذم على مَا فعل وَلَا يمدح مُطلقًا. بل يمدح لعدم هَوَاهُ وَلَو علم تَفْصِيل الْمَأْمُور بِهِ وأراده إِرَادَة شَرْعِيَّة لَكَانَ أكمل. بل هَذَا مَعَ الْقُدْرَة إِمَّا وَاجِب وَإِمَّا مُسْتَحبّ. وَحَال هَذَا خير من حَال من يُرِيد بِحكم هَوَاهُ وَنَفسه؛ وَإِن كَانَ ذَلِك مُبَاحا لَهُ وَهُوَ دون من يُرِيد بِأَمْر ربه لَا بهواه وَلَا بِالْقدرِ الْمَحْض.
النَّاس فِي الْمُبَاحَات على ثَلَاثَة أَقسَام:
فمضمون هَذَا الْمقَام أَن النَّاس فِي الْمُبَاحَات من الْملك وَالْمَال وَغير ذَلِك على " ثَلَاثَة أَقسَام ":
стр. 358
(قوم لَا يتصرفون فِيهَا إِلَّا بِحكم الْأَمر الشَّرْعِيّ) . وَهُوَ حَال نَبينَا ﷺ . وَهُوَ حَال العَبْد الرَّسُول وَمن اتبعهُ فِي ذَلِك.
و (قوم يتصرفون فِيهَا بِحكم إرادتهم والشهوة الَّتِي لَيست مُحرمَة) . وَهَذَا حَال النَّبِي الْملك. وَهُوَ حَال الْأَبْرَار أهل الْيَمين. و (قوم لَا يتصرفون بِهَذَا وَلَا بِهَذَا) . أما " الأول " فلعدم علمهمْ بِهِ. وَأما " الثَّانِي " فلزهدهم فِيهِ؛ بل يتصرفون فِيهَا بِحكم الْقدر الْمَحْض اتبَاعا لإِرَادَة الله الخلقية الْقَدَرِيَّة حِين تعذر معرفَة الْإِرَادَة الشَّرْعِيَّة الأمرية وَهَذَا كالترجيح بِالْقُرْعَةِ إِذا تعذر التَّرْجِيح بِسَبَب شَرْعِي مَعْلُوم وَقد يتَصَرَّف هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْمقَام بإلهام يَقع فِي قُلُوبهم وخطاب.
وَكَلَام " الشَّيْخ عبد الْقَادِر " - قدس الله روحه - كثيرا مَا يَقع فِي هَذَا الْمقَام؛ فَإِنَّهُ يَأْمر بالزهد فِي إِرَادَة النَّفس وهواها حَتَّى لَا يتَصَرَّف بِحكم الْإِرَادَة وَالنَّفس وَهَذَا رفع لَهُ عَن حَال الْأَبْرَار أهل الْيَمين وَعَن طَرِيق الْمُلُوك مُطلقًا وَمن حصل هَذَا وَتصرف بِالْأَمر الشَّرْعِيّ المحمدي القرآني فَهُوَ أكمل الْخلق لَكِن هَذَا قد يخفى عَلَيْهِ؛ فَإِن معرفَة هَذَا على التَّفْصِيل قد يتَعَذَّر أَو يتعسر فِي كثير من الْمَوَاضِع.
أَلا ترى ﴿أَن النَّبِي ﷺ لما حكم سعد بن معَاذ فِي بني قُرَيْظَة فَحكم بقتل مُقَاتلَتهمْ، وبسبي ذَرَارِيهمْ وغنيمة أَمْوَالهم. قَالَ: لقد حكمت فيهم بِحكم الله
стр. 359
من فَوق سَبْعَة أَرقعَة﴾ ". وَذَلِكَ أَن تَخْيِير ولي الْأَمر بَين الْقَتْل والاسترقاق، والمن وَالْفِدَاء لَيْسَ تَخْيِير شَهْوَة بل تَخْيِير رَأْي ومصلحة فَعَلَيهِ أَن يخْتَار الْأَصْلَح، فَإِن اخْتَار ذَلِك فقد وَافق حكم الله وَإِلَّا فَلَا.
وَلما كَانَ هَذَا يخفى كثيرا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح لبريدة: " ﴿إِذا حاصرت أهل حصن فسألوك أَن تنزلهم على حكم الله فَلَا تنزلهم على حكم الله فَإنَّك لَا تَدْرِي مَا حكم الله فيهم وَلَكِن أنزلهم على حكمك، وَحكم أَصْحَابك﴾ ".
стр. 360
وَالْحَاكِم الَّذِي ينزل أهل الْحصن على حكمه عَلَيْهِ أَن يحكم بِاجْتِهَادِهِ فَلَمَّا أَمر سَعْدا بِمَا هُوَ الأرضى لله والأحب إِلَيْهِ حكم بِحكمِهِ وَلَو حكم بِغَيْر ذَلِك لنفذ حكمه فَإِنَّهُ حكم بِاجْتِهَادِهِ وَإِن لم يكن ذَلِك هُوَ حكم الله فِي الْبَاطِن.
حكم الإلهام فِي الشَّرِيعَة:
فَفِي مثل هَذِه الْحَال الَّتِي لَا يتَبَيَّن الْأَمر الشَّرْعِيّ فِي الْوَاقِعَة الْمعينَة يَأْمر الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَأَمْثَاله من الشُّيُوخ: " تَارَة " بِالرُّجُوعِ إِلَى الْأَمر الْبَاطِن والإلهام إِن أمكن ذَلِك و " تَارَة " بِالرُّجُوعِ إِلَى الْقدر الْمَحْض لتعذر الْأَسْبَاب المرجحة من جِهَة الشَّرْع كَمَا يرجح الشَّارِع بِالْقُرْعَةِ. فهم يأمرون أَلا يرجح بِمُجَرَّد إِرَادَته وهواه فَإِن هَذَا إِمَّا محرم وَإِمَّا مَكْرُوه وَإِمَّا منقص، فهم فِي هَذَا النَّهْي كنهيهم عَن فضول الْمُبَاحَات.
ثمَّ إِن تبين لَهُم الْأَمر الشَّرْعِيّ وَجب التَّرْجِيح بِهِ وَإِلَّا رجحوا: إِمَّا " بِسَبَب بَاطِن " من الإلهام والذوق وَإِمَّا " بِالْقضَاءِ وَالْقدر " الَّذِي لَا يُضَاف إِلَيْهِم.
وَمن يرجح فِي مثل هَذِه الْحَال " باستخارة الله " كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ يعلم أَصْحَابه الاستخارة فِي الْأُمُور كلهَا كَمَا يعلمهُمْ السُّورَة من الْقُرْآن فقد أصَاب.
وَهَذَا كَمَا أَنه إِذا تَعَارَضَت أَدِلَّة " الْمَسْأَلَة الشَّرْعِيَّة " عِنْد النَّاظر الْمُجْتَهد وَعند الْمُقَلّد المستفتي فَإِنَّهُ لَا يرجح شَيْئا. بل مَا جرى بِهِ الْقدر أَقروهُ وَلم ينكروه. وَتارَة يرجح أحدهم: إِمَّا بمنام وَإِمَّا بِرَأْي مشير نَاصح وَإِمَّا بِرُؤْيَة الْمصلحَة فِي أحد الْفِعْلَيْنِ.
стр. 361
وَأما التَّرْجِيح بِمُجَرَّد الِاخْتِيَار بِحَيْثُ إِذا تكافأت عِنْده الْأَدِلَّة يرجح بِمُجَرَّد إِرَادَته واختياره. فَهَذَا لَيْسَ قَول أحد من أَئِمَّة الْإِسْلَام وَإِنَّمَا هُوَ قَول طَائِفَة من أهل الْكَلَام وَلَكِن قَالَه طَائِفَة من الْفُقَهَاء فِي الْعَاميّ المستفتي: إِنَّه يُخَيّر بَين الْمُفْتِينَ الْمُخْتَلِفين.
وَهَذَا كَمَا أَن طَائِفَة من السالكين إِذا اسْتَوَى عِنْده الْأَمْرَانِ فِي الشَّرِيعَة رجح بِمُجَرَّد ذوقه وإرادته فالترجيح بِمُجَرَّد الْإِرَادَة الَّتِي لَا تستند إِلَى أَمر علمي بَاطِن وَلَا ظَاهر لَا يَقُول بِهِ أحد من أَئِمَّة الْعلم والزهد. فأئمة الْفُقَهَاء والصوفية لَا يَقُولُونَ هَذَا. لَكِن من جوز لمجتهد أَو مقلد التَّرْجِيح بِمُجَرَّد اخْتِيَاره وإرادته فَهُوَ نَظِير من شرع للسالك التَّرْجِيح بِمُجَرَّد إِرَادَته وذوقه.
لَكِن قد يُقَال: الْقلب الْمَعْمُور بالتقوى إِذا رجح بإرادته فَهُوَ تَرْجِيح شَرْعِي. وعَلى هَذَا التَّقْدِير لَيْسَ من هَذَا فَمن غلب على قلبه إِرَادَة مَا يُحِبهُ الله وبغض مَا يكرههُ إِذا لم يدر فِي الْأَمر الْمعِين هَل هُوَ مَحْبُوب لله أَو مَكْرُوه وَرَأى قلبه يُحِبهُ أَو يكرههُ كَانَ هَذَا تَرْجِيحا عِنْده. كَمَا لَو أخبرهُ من صدقه أغلب من كذبه فَإِن التَّرْجِيح بِخَبَر هَذَا عِنْد انسداد وُجُوه التَّرْجِيح تَرْجِيح بِدَلِيل شَرْعِي.
فَفِي " الْجُمْلَة " مَتى حصل مَا يظنّ مَعَه أَن أحد الْأَمريْنِ أحب إِلَى الله
стр. 362
وَرَسُوله كَانَ هَذَا تَرْجِيحا بِدَلِيل شَرْعِي وَالَّذين أَنْكَرُوا كَون الإلهام طَرِيقا شَرْعِيًّا على الْإِطْلَاق أخطئوا كَمَا أَخطَأ الَّذين جَعَلُوهُ طَرِيقا شَرْعِيًّا على الْإِطْلَاق.
وَلَكِن إِذا اجْتهد السالك فِي الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة الظَّاهِرَة فَلم ير فِيهَا تَرْجِيحا وألهم حِينَئِذٍ رُجْحَان أحد الْفِعْلَيْنِ مَعَ حسن قَصده وعمارته بالتقوى فإلهام مثل هَذَا دَلِيل فِي حَقه؛ قد يكون أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة؛ وَالْأَحَادِيث الضعيفة والظواهر الضعيفة والاستصحابات الضعيفة الَّتِي يحْتَج بهَا كثير من الخائضين فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف وأصول الْفِقْه.
وَفِي التِّرْمِذِيّ عَن أبي سعيد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " ﴿اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾ ﴾ ".
وَقَالَ عمر بن الْخطاب: اقتربوا من أَفْوَاه المطيعين؛ واسمعوا مِنْهُم مَا يَقُولُونَ فَإِنَّهُ تتجلى لَهُم أُمُور صَادِقَة.
стр. 363
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح قَول الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا فَبِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يبطش وَبِي يمشي﴾ .
وَفِي مثل هَذَا يُقَال حَدِيث وابصة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " الْبر مَا اطمأنت إِلَيْهِ النَّفس وَسكن إِلَيْهِ الْقلب، وَالْإِثْم مَا حاك فِي نَفسك، وَإِن أفتوك وأفتوك ". وَفِي صَحِيح مُسلم حَدِيث النواس بن سمْعَان عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " الْبر حسن الْخلق، وَالْإِثْم مَا حاك فِي نَفسك، وكرهت أَن يطلع عَلَيْهِ
стр. 364
النَّاس ". وَقَالَ ابْن مَسْعُود: الْإِثْم حَوّاز الْقُلُوب.
و (أَيْضا) فَالله - تَعَالَى - فطر عباده على الحنيفية: وَهِي حب الْمَعْرُوف وبغض الْمُنكر فَإِذا لم تستحل الْفطْرَة فالقلوب مفطورة على الْحق فَإِذا كَانَت الْفطْرَة مقومة بِحَقِيقَة الْإِيمَان منورة بِنور الْقُرْآن وخفي عَلَيْهَا دلَالَة الْأَدِلَّة السمعية الظَّاهِرَة وَرَأى قلبه يرجح أحد الْأَمريْنِ كَانَ هَذَا من أقوى الأمارات عِنْد مثله.
وَذَلِكَ أَن الله علم الْقُرْآن وَالْإِيمَان. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نورا نهدي بِهِ من نشَاء من عبادنَا﴾ .
стр. 365
وَقَالَ جُنْدُب بن عبد الله، وَعبد الله بن عمر: تعلمنا الْإِيمَان ثمَّ تعلمنا الْقُرْآن فازددنا إِيمَانًا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن حُذَيْفَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " ﴿إِن الْأَمَانَة نزلت فِي جذر قُلُوب الرِّجَال فَعَلمُوا من الْقُرْآن، وَعَلمُوا من السّنة﴾ ".
وَفِي التِّرْمِذِيّ - بِإِسْنَاد جيد - وَغَيره حَدِيث النواس بن سمْعَان عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " ﴿ضرب الله مثلا صراطا مُسْتَقِيمًا، وعَلى جنبتي الصِّرَاط سوران، وَفِي السورين أَبْوَاب مفتّحة، وعَلى الْأَبْوَاب ستور مرخاة، وداع يَدْعُو على رَأس الصِّرَاط، وداع يَدْعُو من فَوق الصِّرَاط. فالصراط الْمُسْتَقيم هُوَ الْإِسْلَام، والستور حُدُود الله، والأبواب المفتّحة محارم الله، فَإِذا أَرَادَ العَبْد أَن يفتح بَابا من تِلْكَ الْأَبْوَاب ناداه الْمُنَادِي - أَو كَمَا قَالَ -: يَا عبد الله لَا تفتحه، فَإنَّك إِن تفتحه تلجه، والداعي على رَأس الصِّرَاط كتاب الله، والداعي فَوق الصِّرَاط واعظُ الله فِي قلب كل مُؤمن﴾ ".
стр. 366
فقد بَين أَن فِي قلب كل مُؤمن واعظا، والواعظ الْأَمر وَالنَّهْي بترغيب وترهيب؛ فَهَذَا الْأَمر وَالنَّهْي الَّذِي يَقع فِي قلب الْمُؤمن مُطَابق لأمر الْقُرْآن وَنَهْيه وَلِهَذَا يقوى أَحدهمَا بِالْآخرِ.
كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " ﴿مثل الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل الأترجة رِيحهَا طيب وطعمها طيب، وَمثل الْمُؤمن الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل التمرة لَا ريح لَهَا وطعمها طيب، وَمثل الْمُنَافِق الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الريحانة رِيحهَا طيب وطعمها مر، وَمثل الْمُنَافِق الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل الحنظلة لَيْسَ لَهَا ريح
стр. 367
وطعمها مر﴾ ".
وَقد قَالَ بعض السّلف فِي قَوْله: ﴿نور على نور﴾ قَالَ: هُوَ الْمُؤمن ينْطق بالحكمة وَإِن لم يسمع فِيهَا بأثر، فَإِذا سمع بالأثر كَانَ نورا على نور. نور الْإِيمَان الَّذِي فِي قلبه يُطَابق نور الْقُرْآن، كَمَا أَن الْمِيزَان الْعقلِيّ يُطَابق الْكتاب الْمنزل؛ فَإِن الله أنزل الْكتاب وَالْمِيزَان ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ.
والإلهام فِي الْقلب تَارَة يكون من جنس القَوْل وَالْعلم وَالظَّن والاعتقاد، وَتارَة يكون من جنس الْعَمَل وَالْحب والإرادة والطلب، فقد يَقع فِي قلبه أَن هَذَا القَوْل أرجح وَأظْهر وأصوب، وَقد يمِيل قلبه إِلَى أحد الْأَمريْنِ دون الآخر.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " ﴿قد كَانَ فِي الْأُمَم قبلكُمْ محدَّثون فَإِن يكن فِي أمتِي أحد فعمر مِنْهُم﴾ " والمحدَّث هُوَ الملهم الْمُخَاطب.
стр. 368
و (أَيْضا) فَإِذا كَانَت الْأُمُور الكونية قد تنكشف للْعَبد الْمُؤمن يَقِينا أَو ظنا فالأمور الدِّينِيَّة كَذَلِك بطرِيق الأولى فَإِنَّهُ إِلَى كشفها أحْوج لَكِن هَذَا فِي الْغَالِب لَا بُد أَن يكون كشفا بِدَلِيل وَقد يكون بِدَلِيل ينقدح فِي قلب الْمُؤمن وَلَا يُمكنهُ التَّعْبِير عَنهُ وَهَذَا أحد مَا فسر بِهِ معنى " الِاسْتِحْسَان ".
وَقد قَالَ من طعن فِي ذَلِك - كَأبي حَامِد وَأبي مُحَمَّد -: مَا لَا يعبر عَنهُ فَهُوَ هوس وَلَيْسَ كَذَلِك؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ كل أحد يُمكنهُ إبانة الْمعَانِي الْقَائِمَة بِقَلْبِه، وَكثير من النَّاس يبينها بَيَانا نَاقِصا وَكثير من أهل الْكَشْف يلقى فِي قلبه أَن هَذَا الطَّعَام حرَام أَو أَن هَذَا الرجل كَافِر أَو فَاسق من غير دَلِيل ظَاهر وَبِالْعَكْسِ قد يلقى فِي قلبه محبَّة شخص وَأَنه ولي لله أَو أَن هَذَا المَال حَلَال.
وَلَيْسَ الْمَقْصُود هُنَا بَيَان أَن هَذَا وَحده دَلِيل على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة؛ لَكِن إِن مثل هَذَا يكون تَرْجِيحا لطَالب الْحق إِذا تكافأت عِنْده الْأَدِلَّة السمعية الظَّاهِرَة. فالترجيح بهَا خير من التَّسْوِيَة بَين الْأَمريْنِ المتناقضين قطعا فَإِن
стр. 369
التَّسْوِيَة بَينهمَا بَاطِلَة قطعا. كَمَا قُلْنَا: إِن الْعَمَل بِالظَّنِّ النَّاشِئ عَن ظَاهر أَو قِيَاس خير من الْعَمَل بنقيضه إِذا احْتِيجَ إِلَى الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا.
وَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ السّلف وَالْجُمْهُور أَنه لَا بُد فِي كل حَادِثَة من دَلِيل شَرْعِي فَلَا يجوز تكافؤ الْأَدِلَّة فِي نفس الْأَمر لَكِن قد تَتَكَافَأ عِنْد النَّاظر لعدم ظُهُور التَّرْجِيح لَهُ وَأما من قَالَ: أَنه لَيْسَ فِي نفس الْأَمر حق معِين بل كل مُجْتَهد عَالم بِالْحَقِّ الْبَاطِن فِي الْمَسْأَلَة وَلَيْسَ لأَحَدهمَا على الآخر مزية فِي علم وَلَا عمل فَهَؤُلَاءِ قد يجوزون أَو بَعضهم تكافؤ الْأَدِلَّة ويجعلون الْوَاجِب التَّخْيِير بَين الْقَوْلَيْنِ.
وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ لَيْسَ على الظَّن دَلِيل فِي نفس الْأَمر؛ وَإِنَّمَا رُجْحَان أحد الْقَوْلَيْنِ هُوَ من بَاب الرجحان بالميل والإرادة كترجيح النَّفس الغضبية للانتقام وَالنَّفس الحليمة للعفو.
وَهَذَا القَوْل خطأ؛ فَإِنَّهُ لَا بُد فِي نفس الْأَمر من حق معِين يُصِيبهُ الْمُسْتَدلّ تَارَة ويخطئه أُخْرَى. كالكعبة فِي حق من اشتبهت عَلَيْهِ الْقبْلَة والمجتهد إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى جِهَة وَسقط عَنهُ الْفَرْض بِالصَّلَاةِ إِلَيْهَا كالمجتهد إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى قَول فَعمل بِمُوجبِه كِلَاهُمَا مُطِيع لله وَهُوَ مُصِيب بِمَعْنى أَنه مُطِيع لله وَله أجر على ذَلِك؛ وَلَيْسَ مصيبا بِمَعْنى أَنه علم الْحق الْمعِين؛ فَإِن ذَلِك لَا يكون إِلَّا وَاحِدًا ومصيبه لَهُ أَجْرَانِ.
стр. 370
وَهَذَا فِي كشف الْأَنْوَاع الَّتِي يكون عَلَيْهَا دَلِيل شَرْعِي لَكِن قد يخفى على العَبْد. فَإِن الشَّارِع بَين (الْأَحْكَام الْكُلية) . وَأما (أَحْكَام المعينات) الَّتِي تسمى " تَنْقِيح المناط " مثل كَون الشَّخْص الْمعِين عدلا أَو فَاسِقًا ومؤمنا أَو منافقا أَو وليا لله أَو عدوا لَهُ وَكَون هَذَا الْمعِين عدوا للْمُسلمين يسْتَحق الْقَتْل، وَكَون هَذَا المَال يخَاف عَلَيْهِ من ظلم ظَالِم، فَإِذا زهد فِيهِ الظَّالِم انْتفع بِهِ أَهله.
فَهَذِهِ الْأُمُور لَا يجب أَن تعلم بالأدلة الشَّرْعِيَّة الْعَامَّة الْكُلية بل تعلم بأدلة خَاصَّة تدل عَلَيْهَا. وَمن طرق ذَلِك " الإلهام " فقد يلهم الله بعض عباده حَال هَذَا المَال الْمعِين وَحَال هَذَا الشَّخْص الْمعِين وَإِن لم يكن هُنَاكَ دَلِيل ظَاهر يشركهُ فِيهِ غَيره.
وقصة الْخضر مَعَ مُوسَى هِيَ من هَذَا الْبَاب لَيْسَ فِيهَا مُخَالفَة لشرع الله؛ فَإِنَّهُ لَا يجوز قطّ لأحد لَا نَبِي وَلَا ولي أَن يُخَالف شرع الله لَكِن فِيهَا علم حَال ذَاك الْمعِين بِسَبَب بَاطِن يُوجب فِيهِ الشَّرْع مَا فعله الْخضر، كمن دخل إِلَى دَار وَأخذ مَا فِيهَا من المَال لعلمه بِأَن صَاحبهَا أذن
стр. 371
لَهُ وَغَيره لم يعلم، وَمثل من رأى ضَالَّة أَخذهَا وَلم يعرفهَا لعلمه بِأَنَّهُ أَتَى بهَا هَدِيَّة لَهُ وَنَحْو ذَلِك. وَمثل هَذَا كثير عِنْد أهل الإلهام الصَّحِيح.
و (النَّوْع الثَّانِي) عكس هَذَا. وَهُوَ أَنهم يتبعُون هواهم لَا أَمر الله؛ فَهَؤُلَاءِ لَا يَفْعَلُونَ وَلَا يأمرون إِلَّا بِمَا يحبونه بهواهم وَلَا يتركون وَينْهَوْنَ إِلَّا عَن مَا يكرهونه بهواهم وَهَؤُلَاء شَرّ الْخلق. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ أفأنت تكون عَلَيْهِ وَكيلا﴾ قَالَ الْحسن: هُوَ الْمُنَافِق لَا يهوى شَيْئا إِلَّا رَكبه.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: لَا تكن مِمَّن يتبع الْحق إِذا وَافق هَوَاهُ وَيُخَالِفهُ إِذا خَالف هَوَاهُ فَإِذا أَنْت لَا تثاب على مَا اتبعته من الْحق وتعاقب على مَا خالفته. وَهُوَ كَمَا قَالَ ﵁ لِأَنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِنَّمَا قصد اتِّبَاع هَوَاهُ لم يعْمل لله.
стр. 372
أَلا ترى أَن " أَبَا طَالب " نصر النَّبِي ﷺ وذب عَنهُ أَكثر من غَيره؛ لَكِن فعل ذَلِك لأجل الْقَرَابَة لَا لأجل الله تَعَالَى فَلم يتَقَبَّل الله ذَلِك مِنْهُ وَلم يثبه على ذَلِك وَأَبُو بكر الصّديق ﵁ أَعَانَهُ بِنَفسِهِ وَمَاله لله؛ فَقَالَ الله فِيهِ: ﴿وسيجنبها الأتقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَاله يتزكى﴾ ﴿وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى﴾ ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى﴾ ﴿ولسوف يرضى﴾ .
(الْقسم الثَّالِث) : الَّذِي يُرِيد تَارَة إِرَادَة يُحِبهَا الله؛ وَتارَة إِرَادَة يبغضها الله. وَهَؤُلَاء أَكثر الْمُسلمين فَإِنَّهُم يطيعون الله تَارَة ويريدون مَا أحبه ويعصونه تَارَة فيريدون مَا يهوونه وَإِن كَانَ يكرههُ.
و (الْقسم الرَّابِع) : أَن يَخْلُو عَن الإرادتين فَلَا يُرِيد لله وَلَا لهواه وَهَذَا يَقع لكثير من النَّاس فِي بعض الْأَشْيَاء وَيَقَع لكثير من الزهاد والنساك فِي كثير من الْأُمُور.
وَأما خلو الْإِنْسَان من الْإِرَادَة مُطلقًا فممتنع فَإِنَّهُ مفطور على إِرَادَة مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ وعَلى كَرَاهَة مَا يضرّهُ ويؤذيه والزاهد الناسك إِذا كَانَ مُسلما
стр. 373
فَلَا بُد أَن يُرِيد أَشْيَاء يُحِبهَا الله: مثل أَدَاء الْفَرَائِض، وَترك الْمَحَارِم؛ بل وَكَذَلِكَ عُمُوم الْمُؤمنِينَ لَا بُد أَن يُرِيد أحدهم أَشْيَاء يُحِبهَا الله وَإِلَّا فَمن لم يحب الله وَلَا أحب شَيْئا لله فَلم يحب شَيْئا من الطَّاعَات لَا الشَّهَادَتَيْنِ وَلَا غَيرهمَا، وَلَا يُرِيد ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يكون مُؤمنا.
فَلَا بُد لكل مُؤمن من أَن تكون لَهُ إِرَادَة لبَعض مَا يُحِبهُ الله؛ وَأما إِرَادَة العَبْد لما يهواه وَلَا يُحِبهُ الله فَهَذَا لَازم لكل من عصى الله فَإِنَّهُ أَرَادَ الْمعْصِيَة وَالله لَا يُحِبهَا وَلَا يرضاها.
وَأما الْخُلُو عَن الإرادتين المحمودة والمذمومة فَيَقَع على وَجْهَيْن: (أَحدهمَا) : مَعَ إِعْرَاض العَبْد عَن عبَادَة الله تَعَالَى وطاعته وَإِن علم بهَا فَإِنَّهُ قد يعلم كثيرا من الْأُمُور أَنه مَأْمُور بهَا وَهُوَ لَا يريدها وَلَا يكره من غَيره فعلهَا وَإِذا اقتتل الْمُسلمُونَ وَالْكفَّار لم يكن مرِيدا لانتصار هَؤُلَاءِ الَّذِي يُحِبهُ الله وَلَا لانتصار هَؤُلَاءِ الَّذِي يبغضه الله.
و (الْوَجْه الثَّانِي) : يَقع من كثير من الزهاد الْعباد الممتثلين لما يعلمُونَ أَن الله أَمر بِهِ المجتنبين لما يعلمُونَ أَن الله نهى عَنهُ وَأُمُور أُخْرَى لَا يعلمُونَ أَنَّهَا مَأْمُور بهَا وَلَا مَنْهِيّ عَنْهَا فَلَا يريدونها وَلَا يكرهونها لعدم الْعلم وَقد يرضونها من جِهَة كَونهَا مخلوقة مقدرَة وَقد يعاونون عَلَيْهَا ويرون هَذَا مُوَافقَة لله وَأَنَّهُمْ لما خلوا عَن هوى النَّفس كَانُوا مأمورين بِالرِّضَا بِكُل حَادث؛ بل والمعاونة عَلَيْهِ.
стр. 374
وَهَذَا مَوضِع يَقع فِيهِ الْغَلَط فَإِن مَا أحبه الله وَرَسُوله علينا أَن نحب مَا أحبه الله وَرَسُوله وَمَا أبغضه الله وَرَسُوله فعلينا أَن نبغض مَا أبغضه الله وَرَسُوله وَأما مَا لَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَلَا يبغضه الله وَرَسُوله كالأفعال الَّتِي لَا تَكْلِيف فِيهَا مثل أَفعَال النَّائِم وَالْمَجْنُون فَهَذَا إِذا كَانَ الله لَا يُحِبهَا ويرضاها وَلَا يكرهها ويذمها فالمؤمن أَيْضا لَا يَنْبَغِي أَن يُحِبهَا ويرضاها وَلَا يكرهها.
الْمُؤمن وَالْقدر:
وَأما كَونهَا مقدورة ومخلوقة لله فَذَاك لَا يخْتَص بهَا بل هُوَ شَامِل لجَمِيع الْمَخْلُوقَات وَالله تَعَالَى خلق مَا خلقه لما شَاءَ من حكمته وَقد أحسن كل شَيْء خلقه.
وَالرِّضَا بِالْقضَاءِ " ثَلَاثَة أَقسَام ":
(أَحدهَا) : الرِّضَا بالطاعات؛ فَهَذَا طَاعَة مَأْمُور بهَا.
و (الثَّانِي) : الرِّضَا بالمصائب فَهَذَا مَأْمُور بهَا: إِمَّا مُسْتَحبّ وَإِمَّا وَاجِب.
و (الثَّالِث) : الْكفْر والفسوق والعصيان، فَهَذَا لَا يُؤمر بِالرِّضَا بِهِ، بل يُؤمر ببغضه وَسخطه، فَإِن الله لَا يُحِبهُ وَلَا يرضاه. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يبيتُونَ مَا لَا يرضى من القَوْل﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَالله لَا يحب الْفساد﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ ، وَقَالَ: ﴿فَإِن الله لَا يحب الْكَافرين﴾ ، وَقَالَ: ﴿إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَالله لَا يحب المفسدين﴾ .
стр. 375
وَهُوَ وَإِن خلقه لما لَهُ فِي ذَلِك من الْحِكْمَة فَلَا يمْتَنع أَن يخلق مَا لَا يُحِبهُ لإفضائه إِلَى الْحِكْمَة الَّتِي يُحِبهَا كَمَا خلق الشَّيَاطِين. فَنحْن راضون عَن الله فِي أَن يخلق مَا يَشَاء وَهُوَ مَحْمُود على ذَلِك.
وَأما نفس هَذَا الْفِعْل المذموم وفاعله فَلَا نرضى بِهِ وَلَا نحمده. وَفرق بَين مَا يحب لنَفسِهِ وَمَا يُرَاد لإفضائه إِلَى المحبوب مَعَ كَونه مبغضا من جِهَة أُخْرَى؛ فَإِن الْأَمر الْوَاحِد يُرَاد من وَجه وَيكرهُ من وَجه آخر. كَالْمَرِيضِ الَّذِي يتَنَاوَل الدَّوَاء الكريه؛ فَإِنَّهُ يبغض الدَّوَاء ويكرهه وَهُوَ مَعَ هَذَا يُرِيد اسْتِعْمَاله لإفضائه إِلَى المحبوب لَا لِأَنَّهُ فِي نَفسه مَحْبُوب.
وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح: " يَقُول الله تَعَالَى: وَمَا ترددت عَن شَيْء أَنا فَاعله ترددي عَن قبض نفس عَبدِي الْمُؤمن يكره الْمَوْت وأكره مساءته وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ ". فَهُوَ سُبْحَانَهُ لما كره مساءة عَبده الْمُؤمن الَّذِي يكره الْمَوْت كَانَ هَذَا مقتضيا أَن يكره إماتته مَعَ أَنه يُرِيد إماتته؛ لما لَهُ فِي ذَلِك من الْحِكْمَة .
فالأمور الَّتِي يبغضها الله تَعَالَى وَينْهى عَنْهَا لَا تحب وَلَا ترْضى؛ لَكِن
стр. 376
نرضى بِمَا يرضى الله بِهِ حَيْثُ خلقهَا لما لَهُ فِي ذَلِك من الْحِكْمَة فَكَذَلِك الْأَفْعَال الَّتِي لَا يُحِبهَا وَلَا يبغضها لَا يَنْبَغِي أَن تحب وَلَا ترْضى كَمَا لَا يَنْبَغِي أَن تبغض.
وَالرِّضَا الثَّابِت بِالنَّصِّ هُوَ أَن يرضى بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا. وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " ﴿من رَضِي بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا كَانَ حَقًا على الله أَن يرضيه﴾ ".
وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقدر فيرضى عَن الله إِذْ لَهُ الْحَمد على كل حَال ويرضى بِمَا يرضاه من الْحِكْمَة الَّتِي خلق لأَجلهَا مَا خلق وَإِن كُنَّا نبغض مَا يبغضه من الْمَخْلُوقَات فَحَيْثُ انْتَفَى الْأَمر الشَّرْعِيّ أَو خَفِي الْأَمر الشَّرْعِيّ لَا يكون الِامْتِثَال وَالرِّضَا والمحبة كَمَا يكون فِي الْأَمر الشَّرْعِيّ وَإِن كَانَ ذَلِك مَقْدُورًا.
وَهَذَا مَوضِع يغلط فِيهِ كثير من خَاصَّة " السالكين " وشيوخهم فضلا عَن عامتهم ويتفاوتون فِي ذَلِك بِحَسب معرفتهم بِالْأَمر الشَّرْعِيّ وطاعتهم لَهُ،
стр. 377
فَمنهمْ من هُوَ أعرف من غَيره بِالْأَمر الشَّرْعِيّ وأطوع لَهُ فَهَذَا تكون حَاله أحسن مِمَّن نقص عَنهُ فِي الْمعرفَة بِالْأَمر الشَّرْعِيّ وَالطَّاعَة لَهُ. وَمِنْهُم من يبعد عَن الْأَمر الشَّرْعِيّ ويسترسل حَتَّى يَنْسَلِخ من الْإِسْلَام بِالْكُلِّيَّةِ وَيبقى وَاقِفًا مَعَ هَوَاهُ وَالْقدر.
وَمن هَؤُلَاءِ من يَمُوت كَافِرًا وَمِنْهُم من يَتُوب الله عَلَيْهِ وَمِنْهُم من يَمُوت فَاسِقًا وَمِنْهُم من يَتُوب الله عَلَيْهِ. وَهَؤُلَاء ينظرُونَ إِلَى الْحَقِيقَة الْقَدَرِيَّة معرضين عَن الْأَمر الشَّرْعِيّ وَلَا بُد مَعَ ذَلِك من اتِّبَاع أَمر وَنهي غير الْأَمر الشَّرْعِيّ إِمَّا من أنفسهم وَإِمَّا من غير الله وَرَسُوله إِذْ الاسترسال مَعَ الْقدر مُطلقًا مُمْتَنع لذاته لما تقدم من أَن العَبْد مفطور على محبَّة أَشْيَاء وبغض أَشْيَاء.
وَقَول من قَالَ: " إِن العَبْد يكون مَعَ الله كالميت مَعَ الْغَاسِل " لَا يَصح وَلَا يسوغ على الْإِطْلَاق عِنْد أحد من الْمُسلمين وَإِنَّمَا يُقَال ذَلِك فِي بعض الْمَوَاضِع؛ وَمَعَ هَذَا فَإِنَّمَا ذَلِك لخفاء أَمر الله عَلَيْهِ وَإِلَّا فَإِذا علم مَا أَمر الله بِهِ وأحبه. فَلَا بُد أَن يحب مَا أحبه الله وَيبغض مَا أبغضه الله.
فصل
وكما أَن الطَّرِيقَة العلمية بِصِحَّة النّظر فِي الْأَدِلَّة والأسباب هِيَ الْمُوجبَة للْعلم: كتدبر الْقُرْآن والْحَدِيث فالطريقة العملية بِصِحَّة الْإِرَادَة والأسباب
стр. 378
هِيَ الْمُوجبَة للْعَمَل، كعمارة الْبَاطِن بالمراقبة، وَالْخَوْف من الله على كل حَال، وَلِهَذَا يسمون السالك فِي ذَلِك " المريد " كَمَا يُسَمِّيه أُولَئِكَ " الطَّالِب ".
و" النّظر " جنس تَحْتَهُ حق وباطل ومحمود ومذموم وَكَذَلِكَ " الْإِرَادَة " فَكَمَا أَن طَرِيق الْعلم لَا بُد فِيهِ من الْعلم النَّبَوِيّ الشَّرْعِيّ بِحَيْثُ يكون معلومك المعلومات الدِّينِيَّة النَّبَوِيَّة وَيكون علمك بهَا مطابقا لما أخْبرت بِهِ الرُّسُل وَإِلَّا فَلَا ينفعك أَي مَعْلُوم عَلمته وَلَا أَي شَيْء اعتقدته فِيمَا أخْبرت بِهِ الرُّسُل بل لَا بُد من الْإِيمَان بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر فَكَذَلِك " الْإِرَادَة " لَا بُد فِيهَا من تعْيين " المُرَاد " وَهُوَ الله و " الطَّرِيق إِلَيْهِ " وَهُوَ مَا أمرت بِهِ الرُّسُل. فَلَا بُد أَن تعبد الله، وَتَكون عبادتك إِيَّاه بِمَا شرع على أَلْسِنَة رسله إِذْ لَا بُد من تَصْدِيق الرَّسُول فِيمَا أخبر علما وَلَا بُد من طَاعَته فِيمَا أَمر عملا.
وَلِهَذَا كَانَ " الْإِيمَان " قولا وَعَملا مَعَ مُوَافقَة السّنة فَعلم الْحق مَا وَافق علم الله، والإرادة الصَّالِحَة مَا وَافَقت محبَّة الله وَرضَاهُ وَهُوَ حكمه الشَّرْعِيّ وَالله عليم حَكِيم.
فالأمور الخبرية لَا بُد أَن تطابق علم الله وَخَبره؛ والأمور العملية لَا بُد أَن تطابق حب الله وَأمره فَهَذَا حكمه وَذَاكَ علمه.
وَأما من جعل حكمه مُجَرّد الْقدر كَمَا فعل صَاحب " منَازِل السائرين " وَجعل مُشَاهدَة الْعَارِف الحكم يمنعهُ أَن يستحسن حَسَنَة أَو يستقبح
стр. 379
سَيِّئَة فَهَذَا فِيهِ من الْغَلَط الْعَظِيم مَا قد نبهنا عَلَيْهِ فِي غير هَذَا الْموضع.
فَلَا ينفع المريد القاصد أَن يعبد أَي معبود كَانَ وَلَا أَن يعبد الله بِأَيّ عبَادَة كَانَت بل هَذِه طَريقَة الْمُشْركين المبتدعين الَّذين لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدَّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله كالنصارى وَمن أشبههم من أهل الْبدع الَّذين يعْبدُونَ غير الله بِغَيْر أَمر الله.
وَأما أهل الْإِسْلَام وَالسّنة فهم يعْبدُونَ الله وَحده ويعبدونه بِمَا شرع. لَا يعبدونه بالبدع إِلَّا مَا يَقع من أحدهم خطأ. فالسالكون طَرِيق الْإِرَادَة قد يغلطون تَارَة فِي المُرَاد؛ وَتارَة فِي الطَّرِيق إِلَيْهِ وَتارَة يتألهون غير الله بالخوف مِنْهُ والرجاء لَهُ والتعظيم والمحبة لَهُ وسؤاله وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ فَهَذَا حَقِيقَة الشّرك الْمحرم فَإِن حَقِيقَة التَّوْحِيد أَن لَا يعبد إِلَّا الله.
و" الْعِبَادَة " تَتَضَمَّن كَمَال الْحبّ وَكَمَال التَّعْظِيم، وَكَمَال الرَّجَاء والخشية والإجلال وَالْإِكْرَام. و " الفناء " فِي هَذَا التَّوْحِيد هُوَ فنَاء الْمُرْسلين وأتباعهم وَهُوَ أَن تفنى بِعِبَادَتِهِ عَن عبَادَة مَا سواهُ وبطاعته عَن طَاعَة مَا سواهُ وبسؤاله عَن سُؤال مَا سواهُ وبخوفه عَن خوف مَا سواهُ وبرجائه عَن رَجَاء مَا سواهُ، وبحبه وَالْحب فِيهِ عَن محبَّة مَا سواهُ وَالْحب فِيهِ.
стр. 380
وَأما الغالطون فِي الطَّرِيق فقد يُرِيدُونَ الله؛ لَكِن لَا يتبعُون الْأَمر الشَّرْعِيّ فِي إِرَادَته. لَكِن " تَارَة " يعبده أحدهم بِمَا يَظُنّهُ يرضيه وَلَا يكون كَذَلِك. و " تَارَة " ينظرُونَ إِلَى الْقدر لكَونه مُرَاده فيفنون فِي الْقدر الَّذِي لَيْسَ لَهُم فِيهِ غَرَض وَأما الفناء الْمُطلق فِيهِ فممتنع. وَهَؤُلَاء يبْقى أحدهم مُتبعا لذوقه ووجده الْمُخَالف لِلْأَمْرِ الشَّرْعِيّ أَو نَاظرا إِلَى الْقدر. وَهَذَا يبتلى بِهِ كثير من خواصهم.
و" الشَّيْخ عبد الْقَادِر " وَنَحْوه من أعظم مَشَايِخ زمانهم، أَمر بِالْتِزَام الشَّرْع: الْأَمر وَالنَّهْي، وتقديمه على الذَّوْق وَالْقدر، وَمن أعظم الْمَشَايِخ أمرا بترك الْهوى والإرادة النفسية. فَإِن الْخَطَأ فِي الْإِرَادَة من حَيْثُ هِيَ إِرَادَة إِنَّمَا تقع من هَذِه الْجِهَة.
فَهُوَ يَأْمر السالك أَلا تكون لَهُ إِرَادَة من جِهَة هَوَاهُ أصلا؛ بل يُرِيد مَا يُريدهُ الرب : إِمَّا إِرَادَة شَرْعِيَّة أَن تبين لَهُ ذَلِك؛ وَإِلَّا جرى مَعَ الْإِرَادَة الْقَدَرِيَّة فَهُوَ إِمَّا مَعَ أَمر الرب، وَإِمَّا مَعَ خلقه وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْخلق وَالْأَمر.
وَهَذِه " طَريقَة شريفة صَحِيحَة " إِنَّمَا يخَاف على صَاحبهَا من ترك إِرَادَة شَرْعِيَّة لَا يعلم أَنَّهَا شَرْعِيَّة أَو من تَقْدِيم إِرَادَة قدرية على الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ إِذا لم
стр. 381
يعلم الشَّرْعِيَّة فقد يَتْرُكهَا وَقد يُرِيد ضدها فَيكون ترك مَأْمُورا أَو فعل مَحْظُورًا وَهُوَ لَا يعلم.
فَإِن " طَريقَة الْإِرَادَة " يخَاف على صَاحبهَا من ضعف الْعلم؛ وَمَا يقْتَرن بِالْعلمِ من الْعَمَل والوقوع فِي الضلال كَمَا أَن طَريقَة الْعلم يخَاف على صَاحبهَا من ضعف الْعَمَل وَضعف الْعلم الَّذِي يقْتَرن بِالْعَمَلِ.
لَكِن لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا من هَذَا وَهَذَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ فَإِذا تفقه السالك وَتعلم الْأَمر وَالنَّهْي بِحَسب اجْتِهَاده وَكَانَ عمله وإرادته بِحَسب ذَاك فَهَذَا مستطاعه. وَإِذا أدّى الطَّالِب مَا أَمر بِهِ وَترك مَا نهي عَنهُ وَكَانَ علمه مطابقا لعمله فَهَذَا مستطاعه.
فصل
أَمر الجيلاني بالفناء عَن الْخلق والهوى والإرادة:
قَالَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر: " افن عَن الْخلق بِحكم الله، وَعَن هَوَاك بأَمْره، وَعَن إرادتك بِفِعْلِهِ، فَحِينَئِذٍ تصلح أَن تكون وعَاء لعلم الله تَعَالَى ".
стр. 382
تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:
قلت: فَحكمه يتَنَاوَل خلقه وَأمره أَي: افن عَن عبَادَة الْخلق والتوكل عَلَيْهِم بِعبَادة الله والتوكل عَلَيْهِ فَلَا تطعهم فِي مَعْصِيّة الله تَعَالَى وَلَا تتَعَلَّق بهم فِي جلب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة.
وَأما الفناء عَن الْهوى بِالْأَمر وَعَن الْإِرَادَة بِالْفِعْلِ بِأَن يكون فعله مُوَافقا لِلْأَمْرِ الشَّرْعِيّ لَا لهواه وَأَن تكون إِرَادَته لما يخلق تَابِعَة لفعل الله لَا لإِرَادَة نَفسه. فالإرادة تَارَة تتَعَلَّق بِفعل نَفسه وَتارَة بالمخلوقات.
" فَالْأول " يكون بِالْأَمر و " الثَّانِي " لَا تكون لَهُ إِرَادَة. وَلَا بُد فِي هَذَا أَن يُقيد بِأَن لَا تكون لَهُ إِرَادَة لم يُؤمر بهَا وَإِلَّا فَإِذا أَمر بِأَن يُرِيد من المقدورات شَيْئا دون شَيْء فليرد مَا أَمر بإرادته سَوَاء كَانَ مُوَافقا للقدر أم لَا.
وَهَذَا الْموضع قد يغلط فِيهِ طَائِفَة من السالكين وَالْغَالِب على الصَّادِقين مِنْهُم أَنهم لم يعرفوا الْإِرَادَة الشَّرْعِيَّة فِي ذَلِك الْمعِين وهم لَيْسَ لَهُم إِرَادَة نفسانية فتركوا إرادتهم لغير الْمَقْدُور.
كَلَام الجيلاني عَن عَلَامَات الفناء:
قَالَ الشَّيْخ: " فعلامة فنائك عَن خلق الله انقطاعك عَنْهُم، وَعَن التَّرَدُّد إِلَيْهِم، واليأس مِمَّا فِي أَيْديهم ".
تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:
وَهُوَ كَمَا قَالَ. فَإِذا كَانَ الْقلب لَا يرجوهم وَلَا يخافهم لم يتَرَدَّد إِلَيْهِم لطلب شَيْء مِنْهُم وَهَذَا يشبه بِمَا يكون مَأْمُورا بِهِ من الْمَشْي إِلَيْهِم لأمرهم بِمَا أَمر الله بِهِ ونهيهم عَمَّا نَهَاهُم الله عَنهُ كذهاب الرُّسُل وَأَتْبَاع الرُّسُل إِلَى من يبلغون رسالات الله فَإِن التَّوَكُّل إِنَّمَا يَصح مَعَ الْقيام بِمَا أَمر بِهِ العَبْد. ليَكُون عابدا لله
стр. 383
متوكلا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَمن توكل عَلَيْهِ وَلم يفعل مَا أَمر بِهِ؛ فقد يكون مَا أضاعه من الْأَمر أولى بِهِ مِمَّا قَامَ بِهِ من التَّوَكُّل أَو مثله أَو دونه كَمَا أَن من قَامَ بِأَمْر وَلم يتوكل عَلَيْهِ وَلم يستعن بِهِ فَلم يقم بِالْوَاجِبِ؛ بل قد يكون مَا تَركه من التَّوَكُّل والاستعانة أولى بِهِ مِمَّا فعله من الْأَمر أَو مثله أَو دونه.
تَابع كَلَام الجيلاني:
قَالَ الشَّيْخ: " وعلامة فنائك عَنْك وَعَن هَوَاك: ترك التكسب، والتعلق بِالسَّبَبِ فِي جلب النَّفْع، وَدفع الضّر فَلَا تتحرك فِيك بك، وَلَا تعتمد عَلَيْك لَك وَلَا تنصر نَفسك وَلَا تذب عَنْك لَكِن تكل ذَلِك كُله إِلَى من تولاه أَولا فيتولاه آخرا. كَمَا كَانَ ذَلِك موكولا إِلَيْهِ فِي حَال كونك مغيبا فِي الرَّحِم وكونك رضيعا طفْلا فِي مهدك ".
تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:
قلت: وَهَذَا لِأَن النَّفس تهوى وجود مَا تحبه وينفعها، وَدفع مَا تبْغضهُ ويضرها فَإِذا فني عَن ذَاك بِالْأَمر فعل مَا يُحِبهُ الله، وَترك مَا يبغضه الله فاعتاض بِفعل
стр. 384
مَحْبُوب الله عَن محبوبه وبترك مَا يبغضه الله عَمَّا يبغضه، وَحِينَئِذٍ فَالنَّفْس لَا بُد لَهَا من جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة فَيكون فِي ذَلِك متوكلا على الله.
و" الشَّيْخ ﵀ " ذكر هُنَا التَّوَكُّل دون الطَّاعَة؛ لِأَن النَّفس لَا بُد لَهَا من جلب الْمَنْفَعَة، وَدفع الْمضرَّة فَإِن لم تكن متوكلة على الله فِي ذَلِك واثقة بِهِ لم يُمكن أَن تَنْصَرِف عَن ذَلِك فتمتثل الْأَمر مُطلقًا؛ بل لَا بُد أَن تَعْصِي الْأَمر فِي جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة فَلَا تصح الْعِبَادَة لله، وَطَاعَة أمره بِدُونِ التَّوَكُّل عَلَيْهِ كَمَا أَن التَّوَكُّل عَلَيْهِ لَا يَصح بِدُونِ عِبَادَته وطاعته.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا﴾ ﴿وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر اسْم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا﴾ ﴿رب الْمشرق وَالْمغْرب لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فاتخذه وَكيلا﴾ .
و (الْمَقْصُود) أَن امْتِثَال الْأَمر على الْإِطْلَاق لَا يَصح بِدُونِ التَّوَكُّل والاستعانة وَمن كَانَ واثقا بِاللَّه أَن يجلب لَهُ مَا يَنْفَعهُ وَيدْفَع عَنهُ مَا يضرّهُ
стр. 385
أمكن أَن يدع هَوَاهُ ويطيع أَمر مَوْلَاهُ وَإِلَّا فنفسه لَا تَدعه يتْرك مَا يَقُول إِنَّه مُحْتَاج فِيهِ إِلَى غَيره.
كَلَام آخر للجيلاني عَن عَلامَة فنَاء إِرَادَة العَبْد:
قَالَ الشَّيْخ: " وعلامة فنَاء إرادتك بِفعل الله أَنَّك لَا تُرِيدُ مرَادا قطّ فَلَا يكن لَك غَرَض وَلَا تقف لَك حَاجَة وَلَا مرام؛ لِأَنَّك لَا تُرِيدُ مَعَ إِرَادَة الله سواهَا بل يجْرِي فعله فِيك فَتكون أَنْت إِرَادَة الله تَعَالَى وَفعله، سَاكن الْجَوَارِح، مطمئن الْجنان، مشروح الصَّدْر، منور الْوَجْه، عَامر الْبَاطِن، غَنِيا عَن الْأَشْيَاء بخالقها تقلبك يَد الْقُدْرَة، ويدعوك لِسَان الْأَزَل، ويعلمك رب الْملَل ويكسوك نورا مِنْهُ وَالْحلَل، وينزلك منَازِل من سلف من أولي الْعلم الأول فَتكون منكسرا أبدا، فَلَا
стр. 386
تثبت فِيك شَهْوَة وَلَا إِرَادَة، كالإناء الْمُتَثَلِّم الَّذِي لَا يثبت فِيهِ مَائِع وَلَا كدر، فتنبو عَن أَخْلَاق البشرية فَلَنْ يقبل باطنك شَيْئا غير إِرَادَة الله تَعَالَى، فَحِينَئِذٍ يُضَاف إِلَيْك التكوين وخرق الْعَادَات، فَيرى ذَلِك مِنْك فِي ظَاهر الْفِعْل وَالْحكم وَهُوَ فعل الله ﵎ حَقًا فِي الْعلم، فَتدخل حِينَئِذٍ فِي زمرة المنكسرة قُلُوبهم الَّذين كسرت إرادتهم البشرية، وأزيلت شهواتهم الطبيعية، واستؤنفت لَهُم إرادات ربانية وشهوات إضافية. كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ " حبب إِلَيّ من دنياكم ثَلَاث: النِّسَاء وَالطّيب وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة " فأضيف ذَلِك إِلَيْهِ بعد أَن خرج مِنْهُ وَزَالَ عَنهُ، تَحْقِيقا لما
стр. 387
أَشرت إِلَيْهِ وَتقدم، قَالَ الله تَعَالَى: " ﴿أَنا عِنْد المنكسرة قُلُوبهم من أَجلي﴾ " وسَاق كَلَامه. وَفِيه: " ﴿وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل﴾ " الحَدِيث.
تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:
قلت: هَذَا الْمقَام هُوَ آخر مَا يُشِير إِلَيْهِ الشَّيْخ عبد الْقَادِر. وَحَقِيقَته أَنه لَا يُرِيد كَون شَيْء إِلَّا أَن يكون مَأْمُورا بإرادته فَقَوله: عَلامَة فنَاء إرادتك بِفعل الله أَنَّك لَا تُرِيدُ مرَادا قطّ. أَي لَا تُرِيدُ مرَادا لم تُؤمر بإرادته فَأَما مَا أَمرك الله وَرَسُوله بإرادتك إِيَّاه فإرادته إِمَّا وَاجِب وَإِمَّا مُسْتَحبّ وَترك إِرَادَة هَذَا إِمَّا مَعْصِيّة وَإِمَّا نقص.
وَهَذَا الْموضع يلتبس على كثير من السالكين، فيظنون أَن الطَّرِيقَة الْكَامِلَة
стр. 388
أَلا يكون للْعَبد إِرَادَة أصلا وَأَن قَول أبي يزِيد: " أُرِيد أَلا أُرِيد " - لما قيل لَهُ: مَاذَا تُرِيدُ؟ - نقص وتناقض؛ لِأَنَّهُ قد أَرَادَ، ويحملون كَلَام الْمَشَايِخ الَّذين يمدحون بترك الْإِرَادَة على ترك الْإِرَادَة مُطلقًا.
وَهَذَا غلط مِنْهُم على الشُّيُوخ المستقيمين وَإِن كَانَ من الشُّيُوخ من يَأْمر بترك الْإِرَادَة مُطلقًا فَإِن هَذَا غلط مِمَّن قَالَه فَإِن ذَلِك لَيْسَ بمقدور وَلَا مَأْمُور.
فَإِن الْحَيّ لَا بُد لَهُ من إِرَادَة، فَلَا يكون حَيّ من النَّاس إِلَّا أَن تكون لَهُ إِرَادَة. وَأما الْأَمر فَإِن الْإِرَادَة الَّتِي يُحِبهَا الله وَرَسُوله، وَيَأْمُر بهَا أَمر إِيجَاب أَو أَمر اسْتِحْبَاب، لَا يَدعهَا إِلَّا كَافِر أَو فَاسق أَو عَاص إِن كَانَت وَاجِبَة، وَإِن كَانَت مُسْتَحبَّة كَانَ تاركها تَارِكًا لما هُوَ خير لَهُ.
стр. 389
وَالله تَعَالَى قد وصف الْأَنْبِيَاء وَالصديقين بِهَذِهِ " الْإِرَادَة " فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى﴾ ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله لَا نُرِيد مِنْكُم جَزَاء وَلَا شكُورًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن كنتن تردن الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة فَإِن الله أعد للمحسنات مِنْكُن أجرا عَظِيما﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن أَرَادَ الْآخِرَة وسعى لَهَا سعيها وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك كَانَ سَعْيهمْ مشكورا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فاعبد الله مخلصا لَهُ الدَّين﴾ ﴿أَلا لله الدَّين الْخَالِص﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل الله أعبد مخلصا لَهُ ديني﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ .
وَلَا عبَادَة إِلَّا بِإِرَادَة الله وَلما أَمر بِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بلَى من أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن﴾ أَي أخْلص قَصده لله. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدَّين﴾ وإخلاص الدَّين لَهُ هُوَ إِرَادَته وَحده بِالْعبَادَة.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ . وكل محب فَهُوَ مُرِيد.
стр. 390
وَقَالَ الْخَلِيل ﵇ ﴿لَا أحب الآفلين﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ .
وَمثل هَذَا كثير فِي الْقُرْآن؛ يَأْمر الله بإرادته وَإِرَادَة مَا يَأْمر بِهِ وَينْهى عَن إِرَادَة غَيره وَإِرَادَة مَا نهى عَنهُ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ﴾ ".
فهما " إرادتان ": إِرَادَة يُحِبهَا الله ويرضاها وَإِرَادَة لَا يُحِبهَا وَلَا يرضاها بل إِمَّا نهى عَنْهَا وَإِمَّا لم يَأْمر بهَا وَلَا ينْهَى عَنْهَا.
وَالنَّاس فِي الْإِرَادَة " ثَلَاثَة أَقسَام ":
قوم يُرِيدُونَ مَا يهوونه فَهَؤُلَاءِ عبيد أنفسهم والشيطان.
وَقوم يَزْعمُونَ أَنهم فرغوا من الْإِرَادَة مُطلقًا وَلم يبْق لَهُم مُرَاد إِلَّا مَا يقدره الرب وَأَن هَذَا الْمقَام هُوَ أكمل المقامات. ويزعمون أَن من قَامَ بِهَذَا فقد
следующие страницы →