Полный текст (666 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
تثبت فِيك شَهْوَة وَلَا إِرَادَة، كالإناء الْمُتَثَلِّم الَّذِي لَا يثبت فِيهِ مَائِع وَلَا كدر، فتنبو عَن أَخْلَاق البشرية فَلَنْ يقبل باطنك شَيْئا غير إِرَادَة الله تَعَالَى، فَحِينَئِذٍ يُضَاف إِلَيْك التكوين وخرق الْعَادَات، فَيرى ذَلِك مِنْك فِي ظَاهر الْفِعْل وَالْحكم وَهُوَ فعل الله ﵎ حَقًا فِي الْعلم، فَتدخل حِينَئِذٍ فِي زمرة المنكسرة قُلُوبهم الَّذين كسرت إرادتهم البشرية، وأزيلت شهواتهم الطبيعية، واستؤنفت لَهُم إرادات ربانية وشهوات إضافية. كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ " حبب إِلَيّ من دنياكم ثَلَاث: النِّسَاء وَالطّيب وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة " فأضيف ذَلِك إِلَيْهِ بعد أَن خرج مِنْهُ وَزَالَ عَنهُ، تَحْقِيقا لما
стр. 387
أَشرت إِلَيْهِ وَتقدم، قَالَ الله تَعَالَى: " ﴿أَنا عِنْد المنكسرة قُلُوبهم من أَجلي﴾ " وسَاق كَلَامه. وَفِيه: " ﴿وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل﴾ " الحَدِيث.
تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:
قلت: هَذَا الْمقَام هُوَ آخر مَا يُشِير إِلَيْهِ الشَّيْخ عبد الْقَادِر. وَحَقِيقَته أَنه لَا يُرِيد كَون شَيْء إِلَّا أَن يكون مَأْمُورا بإرادته فَقَوله: عَلامَة فنَاء إرادتك بِفعل الله أَنَّك لَا تُرِيدُ مرَادا قطّ. أَي لَا تُرِيدُ مرَادا لم تُؤمر بإرادته فَأَما مَا أَمرك الله وَرَسُوله بإرادتك إِيَّاه فإرادته إِمَّا وَاجِب وَإِمَّا مُسْتَحبّ وَترك إِرَادَة هَذَا إِمَّا مَعْصِيّة وَإِمَّا نقص.
وَهَذَا الْموضع يلتبس على كثير من السالكين، فيظنون أَن الطَّرِيقَة الْكَامِلَة
стр. 388
أَلا يكون للْعَبد إِرَادَة أصلا وَأَن قَول أبي يزِيد: " أُرِيد أَلا أُرِيد " - لما قيل لَهُ: مَاذَا تُرِيدُ؟ - نقص وتناقض؛ لِأَنَّهُ قد أَرَادَ، ويحملون كَلَام الْمَشَايِخ الَّذين يمدحون بترك الْإِرَادَة على ترك الْإِرَادَة مُطلقًا.
وَهَذَا غلط مِنْهُم على الشُّيُوخ المستقيمين وَإِن كَانَ من الشُّيُوخ من يَأْمر بترك الْإِرَادَة مُطلقًا فَإِن هَذَا غلط مِمَّن قَالَه فَإِن ذَلِك لَيْسَ بمقدور وَلَا مَأْمُور.
فَإِن الْحَيّ لَا بُد لَهُ من إِرَادَة، فَلَا يكون حَيّ من النَّاس إِلَّا أَن تكون لَهُ إِرَادَة. وَأما الْأَمر فَإِن الْإِرَادَة الَّتِي يُحِبهَا الله وَرَسُوله، وَيَأْمُر بهَا أَمر إِيجَاب أَو أَمر اسْتِحْبَاب، لَا يَدعهَا إِلَّا كَافِر أَو فَاسق أَو عَاص إِن كَانَت وَاجِبَة، وَإِن كَانَت مُسْتَحبَّة كَانَ تاركها تَارِكًا لما هُوَ خير لَهُ.
стр. 389
وَالله تَعَالَى قد وصف الْأَنْبِيَاء وَالصديقين بِهَذِهِ " الْإِرَادَة " فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى﴾ ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله لَا نُرِيد مِنْكُم جَزَاء وَلَا شكُورًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن كنتن تردن الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة فَإِن الله أعد للمحسنات مِنْكُن أجرا عَظِيما﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن أَرَادَ الْآخِرَة وسعى لَهَا سعيها وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك كَانَ سَعْيهمْ مشكورا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فاعبد الله مخلصا لَهُ الدَّين﴾ ﴿أَلا لله الدَّين الْخَالِص﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل الله أعبد مخلصا لَهُ ديني﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ .
وَلَا عبَادَة إِلَّا بِإِرَادَة الله وَلما أَمر بِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بلَى من أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن﴾ أَي أخْلص قَصده لله. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدَّين﴾ وإخلاص الدَّين لَهُ هُوَ إِرَادَته وَحده بِالْعبَادَة.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ . وكل محب فَهُوَ مُرِيد.
стр. 390
وَقَالَ الْخَلِيل ﵇ ﴿لَا أحب الآفلين﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ .
وَمثل هَذَا كثير فِي الْقُرْآن؛ يَأْمر الله بإرادته وَإِرَادَة مَا يَأْمر بِهِ وَينْهى عَن إِرَادَة غَيره وَإِرَادَة مَا نهى عَنهُ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ﴾ ".
فهما " إرادتان ": إِرَادَة يُحِبهَا الله ويرضاها وَإِرَادَة لَا يُحِبهَا وَلَا يرضاها بل إِمَّا نهى عَنْهَا وَإِمَّا لم يَأْمر بهَا وَلَا ينْهَى عَنْهَا.
وَالنَّاس فِي الْإِرَادَة " ثَلَاثَة أَقسَام ":
قوم يُرِيدُونَ مَا يهوونه فَهَؤُلَاءِ عبيد أنفسهم والشيطان.
وَقوم يَزْعمُونَ أَنهم فرغوا من الْإِرَادَة مُطلقًا وَلم يبْق لَهُم مُرَاد إِلَّا مَا يقدره الرب وَأَن هَذَا الْمقَام هُوَ أكمل المقامات. ويزعمون أَن من قَامَ بِهَذَا فقد
стр. 391
قَامَ بِالْحَقِيقَةِ وَهِي الْحَقِيقَة الْقَدَرِيَّة الكونية؛ وَأَنه شهد القيومية الْعَامَّة ويجعلون الفناء فِي شُهُود تَوْحِيد الربوبية هُوَ الْغَايَة؛ وَقد يسمون هَذَا: الْجمع والفناء والاصطلام وَنَحْو ذَلِك. وَكثير من الشُّيُوخ زلقوا فِي هَذَا الْموضع.
وَفِي " هَذَا الْمقَام " كَانَ النزاع بَين الْجُنَيْد بن مُحَمَّد وَبَين طَائِفَة من أَصْحَابه الصُّوفِيَّة؛ فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على شُهُود تَوْحِيد الربوبية وَأَن الله خَالق كل
стр. 392
شَيْء وربه ومليكه وَهُوَ شُهُود الْقدر؛ وَسموا هَذَا " مقَام الْجمع " فَإِنَّهُ خرج بِهِ عَن الْفرق الأول وَهُوَ الْفرق الطبيعي بِإِرَادَة هَذَا وَكَرَاهَة هَذَا، ورؤية فعل هَذَا وَترك هَذَا فَإِن الْإِنْسَان قبل أَن يشْهد هَذَا التَّوْحِيد يرى لِلْخلقِ فعلا يتفرق بِهِ قلبه فِي شُهُود أَفعَال الْمَخْلُوقَات؛ وَيكون مُتبعا لهواه فِيمَا يُريدهُ فَإِذا أَرَادَ الْحق خرج بإرادته عَن إِرَادَة الْهوى والطبع ثمَّ يشْهد أَنه خَالق كل شَيْء فَخرج بِشُهُود هَذَا الْجمع عَن ذَاك الْفرق فَلَمَّا اتَّفقُوا على هَذَا ذكر لَهُم الْجُنَيْد بن مُحَمَّد " الْفرق الثَّانِي " وَهُوَ بعد هَذَا الْجمع وَهُوَ الْفرق الشَّرْعِيّ. أَلا ترى أَنَّك تُرِيدُ مَا أمرت بِهِ وَلَا تُرِيدُ مَا نهيت عَنهُ وَتشهد أَن الله هُوَ يسْتَحق الْعِبَادَة دون مَا سواهُ وَأَن عِبَادَته هِيَ بِطَاعَة رسله فَتفرق بَين الْمَأْمُور والمحظور وَبَين أوليائه وأعدائه، وَتشهد تَوْحِيد الألوهية؟
فنازعوه فِي هَذَا " الْفرق " مِنْهُم من أنكرهُ. و (مِنْهُم من لم يفهمهُ. وَمِنْهُم من ادّعى أَن الْمُتَكَلّم فِيهِ لم يصل إِلَيْهِ. ثمَّ إِنَّك تَجِد كثيرا من الشُّيُوخ إِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَى
стр. 393
ذَلِك الْجمع وَهُوَ " تَوْحِيد الربوبية " والفناء فِيهِ. كَمَا فِي كَلَام صَاحب " منَازِل السائرين " مَعَ جلالة قدره مَعَ أَنه قطعا كَانَ قَائِما بِالْأَمر وَالنَّهْي المعروفين.
لَكِن قد يدعونَ أَن هَذَا لأجل الْعَامَّة. و (مِنْهُم من يتناقض) . و (مِنْهُم من يَقُول: الْوُقُوف مَعَ الْأَمر لأجل مصلحَة الْعَامَّة) وَقد يعبر عَنْهُم بِأَهْل المارستان.
و (مِنْهُم من يُسَمِّي ذَلِك مقَام التلبيس) .
وَمِنْهُم من يَقُول: إِنَّمَا التَّكْلِيف على الْإِنْسَان مادام عبدا، فَإِذا ترقّى من منزلَة الْعُبُودِيَّة [إِلَى منزلَة] الْحُرِّيَّة سقط عَنهُ التَّكْلِيف، فَلَا يبْقى عَلَيْهِ تَكْلِيف، لِأَن الْحر لَا تَكْلِيف عَلَيْهِ لأحد.
و (مِنْهُم من يَقُول: التَّحْقِيق أَن يكون الْجمع فِي قَلْبك مشهودا وَالْفرق على لسَانك مَوْجُودا) فَيشْهد بِقَلْبِه اسْتِوَاء الْمَأْمُور والمحظور مَعَ تفريقه بِلِسَانِهِ بَينهمَا.
و (مِنْهُم من يرى أَن هَذِه هِيَ الْحَقِيقَة الَّتِي هِيَ مُنْتَهى سلوك العارفين وَغَايَة منَازِل الْأَوْلِيَاء الصديقين) .
و (مِنْهُم من يظنّ أَن الْوُقُوف مَعَ إِرَادَة الْأَمر وَالنَّهْي يكون فِي السلوك والبداية وَأما فِي النِّهَايَة فَلَا تبقى إِلَّا إِرَادَة الْقدر) وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة قَول بِسُقُوط الْعِبَادَة
стр. 394
وَالطَّاعَة؛ فَإِن الْعِبَادَة لله وَالطَّاعَة لَهُ وَلِرَسُولِهِ إِنَّمَا تكون فِي امْتِثَال الْأَمر الشَّرْعِيّ لَا فِي الجري مَعَ الْمَقْدُور وَإِن كَانَ كفرا وفسوقا وعصيانا.
وَمن هُنَا صَار كثير من السالكين من أعوان الْكفَّار والفجار وخفرائهم حَيْثُ شهدُوا الْقدر مَعَهم؛ وَلم يشْهدُوا الْأَمر وَالنَّهْي الشرعيين. وَمن هَؤُلَاءِ من يَقُول: من شهد الْقدر سقط عَنهُ الملام. وَيَقُول: إِن الْخضر إِنَّمَا سقط عَنهُ الملام لما شهد الْقدر.
وَأَصْحَاب شُهُود الْقدر قد يُؤْتى أحدهم ملكا من جِهَة خرق الْعَادة بالكشف وَالتَّصَرُّف فيظن ذَلِك كمالا فِي الْولَايَة؛ وَتَكون تِلْكَ " الخوارق " إِنَّمَا حصلت بِأَسْبَاب شيطانية وَأَهْوَاء نفسانية؛ وَإِنَّمَا الْكَمَال فِي الْولَايَة أَن يسْتَعْمل خرق الْعَادَات فِي إِقَامَة الْأَمر وَالنَّهْي الشرعيين مَعَ حصولهما بِفعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور فَإِذا حصلت بِغَيْر الْأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة فَهِيَ مذمومة وَإِن حصلت بالأسباب الشَّرْعِيَّة لَكِن اسْتعْملت ليتوصل بهَا إِلَى محرم كَانَت مذمومة وَإِن توصل بهَا إِلَى مُبَاح لَا يستعان بهَا على طَاعَة كَانَت للأبرار دون المقربين وَأما إِن حصلت بِالسَّبَبِ الشَّرْعِيّ واستعين بهَا على فعل الْأَمر الشَّرْعِيّ: فَهَذِهِ خوارق المقربين السَّابِقين.
стр. 395
فَلَا بُد أَن ينظر فِي " الخوارق " فِي أَسبَابهَا وغاياتها: من أَيْن حصلت وَإِلَى مَاذَا أوصلت - كَمَا ينظر فِي الْأَمْوَال فِي مستخرجها ومصروفها - وَمن استعملها - أَعنِي الخوارق - فِي إِرَادَته الطبيعية كَانَ مذموما.
وَمن كَانَ خَالِيا عَن الإرادتين الطبيعية والشرعية فَهَذَا حَسبه أَن يُعْفَى عَنهُ لكَونه لم يعرف الْإِرَادَة الشَّرْعِيَّة. وَأما إِن عرفهَا وَأعْرض عَنْهَا فَإِنَّهُ يكون مذموما مُسْتَحقّا للعقاب إِن لم يعف عَنهُ وَهُوَ يمدح بِكَوْن إِرَادَته لَيست بهواه؛ لَكِن يجب مَعَ ذَلِك أَن تكون مُوَافقَة لأمر الله وَرَسُوله لَا يَكْفِيهِ أَن تكون لَا من هَذَا وَلَا من هَذَا مَعَ أَنه لَا يُمكن خلوه عَن الْإِرَادَة مُطلقًا بل لَا بُد لَهُ من إِرَادَة فَإِن لم يرد مَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله أَرَادَ مَا لَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله؛ لَكِن إِذا جَاهد نَفسه على ترك مَا يهواه بَقِي مرِيدا لما يظنّ أَنه مَأْمُور بِهِ فَيكون ضَالًّا.
فَإِن هَذَا يشبه حَال الضَّالّين من النَّصَارَى. وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿الْيَهُود مغضوب عَلَيْهِم وَالنَّصَارَى ضالون﴾ ".
стр. 396
فاليهود لَهُم إرادات فَاسِدَة مَنْهِيّ عَنْهَا كَمَا أخبر عَنْهُم: بِأَنَّهُم عصوا وَكَانُوا يعتدون. وهم يعْرفُونَ الْحق وَلَا يعْملُونَ بِهِ فَلهم علم لَكِن لَيْسَ لَهُم عمل بِالْعلمِ وهم فِي الْإِرَادَة المذمومة الْمُحرمَة يتبعُون أهواءهم لَيْسُوا فِي الْإِرَادَة المحمودة الْمَأْمُور بهَا وَهِي إِرَادَة مَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله.
وَالنَّصَارَى لَهُم قصد وَعبادَة وزهد لكِنهمْ ضلال يعْملُونَ بِغَيْر علم فَلَا يعْرفُونَ الْإِرَادَة الَّتِي يُحِبهَا الله وَرَسُوله بل غَايَة أحدهم تَجْرِيد نَفسه عَن الإرادات فَلَا يبْقى مرِيدا لما أَمر الله بِهِ وَرَسُوله كَمَا لَا يُرِيد كثيرا مِمَّا نهى الله عَنهُ وَرَسُوله.
وَهَؤُلَاء ضالون عَن مقصودهم فَإِن مقصودهم إِنَّمَا هُوَ فِي طَاعَة الله وَرَسُوله وَلِهَذَا كَانُوا ملعونين: أَي بعيدين عَن الرَّحْمَة الَّتِي تنَال بِطَاعَة الله .
و" الْعَالم الْفَاجِر " يشبه الْيَهُود. و " العابد الْجَاهِل " يشبه النَّصَارَى. وَمن أهل الْعلم من فِيهِ شَيْء من الأول وَمن أهل الْعِبَادَة من فِيهِ شَيْء من الثَّانِي. وَهَذَا الْموضع تفرق فِيهِ بَنو آدم وتباينوا تباينا عَظِيما لَا يُحِيط بِهِ إِلَّا الله. ففيهم من لم يخلق الله خلقا أكْرم عَلَيْهِ مِنْهُ وَهُوَ خير الْبَريَّة. وَمِنْهُم من هُوَ شَرّ الْبَريَّة.
стр. 397
وَأفضل الْأَحْوَال فِيهِ حَال الخليلين: إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد - صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم - وَمُحَمّد سيد ولد آدم وَأفضل الْأَوَّلين والآخرين، وَخَاتم النَّبِيين وإمامهم إِذا اجْتَمعُوا، وخطيبهم إِذا وفدوا وَهُوَ المعروج بِهِ إِلَى مَا فَوق الْأَنْبِيَاء كلهم - إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَغَيرهمَا.
وَأفضل الْأَنْبِيَاء بعده " إِبْرَاهِيم " كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ " ﴿أَن إِبْرَاهِيم خير الْبَريَّة﴾ ".
وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول فِي خطْبَة يَوْم الْجُمُعَة: " ﴿خير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد ﷺ ﴾ ". وَكَذَلِكَ كَانَ عبد الله بن مَسْعُود يخْطب بذلك يَوْم الْخَمِيس كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه.
стр. 398
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " ﴿مَا ضرب رَسُول الله ﷺ خَادِمًا لَهُ وَلَا امْرَأَة وَلَا دَابَّة وَلَا شَيْئا قطّ إِلَّا أَن يُجَاهد فِي سَبِيل الله وَمَا نيل مِنْهُ قطّ شَيْء فانتقم لنَفسِهِ إِلَّا أَن تنتهك محارم الله فَإِذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شَيْء حَتَّى ينْتَقم لله﴾ ".
﴿وَقَالَ أنس: خدمت رَسُول الله ﷺ عشر سِنِين فَمَا قَالَ لي: أُفٍّ قطّ وَمَا قَالَ لي لشَيْء فعلته لم فعلته؟ وَلَا لشَيْء لم أَفعلهُ لم لَا فعلته؟ وَكَانَ بعض أَهله إِذا عتبني على شَيْء قَالَ: دَعوه فَلَو قضي شَيْء لَكَانَ﴾ ".
وَرَسُول الله ﷺ هُوَ أفضل الْخَلَائق وَسيد ولد آدم وَله الْوَسِيلَة فِي المقامات كلهَا وَلم يكن حَاله أَنه لَا يُرِيد شَيْئا وَلَا أَنه يُرِيد كل وَاقع كَمَا أَنه لم يكن حَاله أَنه يتبع الْهوى بل هُوَ منزه عَن هَذَا وَهَذَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾ ﴿إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ ،
стр. 399
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا﴾ وَقَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ . وَالْمرَاد بِعَبْدِهِ عابده الْمُطِيع لأَمره؛ وَإِلَّا فَجَمِيع المخلوقين عباد بِمَعْنى أَنهم معبدون مخلوقون مدبرون.
وَقد قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه: ﴿واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ لم يَجْعَل الله لعمل الْمُؤمن أَََجَلًا دون الْمَوْت.
وَقد قَالَ الله تَعَالَى لَهُ: ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَمن وَافقه كَابْن عُيَيْنَة وَأحمد بن حَنْبَل: على دين عَظِيم. و " الدَّين " فعل مَا أَمر بِهِ.
стр. 400
وَقَالَت عَائِشَة: ﴿كَانَ خلقه الْقُرْآن﴾ " رَوَاهُ مُسلم. وَقد أخْبرت أَنه لم يكن يُعَاقب لنَفسِهِ وَلَا ينْتَقم لنَفسِهِ لَكِن يُعَاقب لله وينتقم لله وَكَذَلِكَ أخبر أنس أَنه كَانَ يعْفُو عَن حظوظه.
وَأما حُدُود الله فقد قَالَ: " ﴿وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد سرقت لَقطعت يَدهَا﴾ " أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَهَذَا هُوَ كَمَال الْإِرَادَة؛ فَإِنَّهُ أَرَادَ مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وَأمر بذلك وَكره مَا يبغضه الله من الْكفْر والفسوق والعصيان وَنهى عَن ذَلِك كَمَا وَصفه الله تَعَالَى بقوله: ﴿ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وَالَّذين هم بِآيَاتِنَا يُؤمنُونَ﴾ ﴿الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل يَأْمُرهُم
стр. 401
بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم فَالَّذِينَ آمنُوا بِهِ وعزروه ونصروه وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه أُولَئِكَ هم المفلحون﴾ .
وَأما لحظ نَفسه فَلم يكن يُعَاقب وَلَا ينْتَقم بل يَسْتَوْفِي حق ربه، وَيَعْفُو عَن حَظّ نَفسه وَفِي حَظّ نَفسه ينظر إِلَى الْقدر. فَيَقُول: " ﴿لَو قضي شَيْء لَكَانَ﴾ " وَفِي حق الله يقوم بِالْأَمر فيفعل مَا أَمر الله بِهِ ويجاهد فِي سَبِيل الله أكمل الْجِهَاد الْمُمكن فجاهدهم أَولا بِلِسَانِهِ بِالْقُرْآنِ الَّذِي أنزل عَلَيْهِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَو شِئْنَا لبعثنا فِي كل قَرْيَة نذيرا﴾ ﴿فَلَا تُطِع الْكَافرين وجاهدهم بِهِ جهادا كَبِيرا﴾ . ثمَّ لما هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَأذن لَهُ فِي الْقِتَال جاهدهم بِيَدِهِ.
وَهَذَا مُطَابق لما أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة وَهُوَ مَعْرُوف أَيْضا من حَدِيث عمر بن الْخطاب عَن النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث احتجاج آدم ومُوسَى،
стр. 402
لما لَام مُوسَى آدم لكَونه أخرج نَفسه وَذريته من الْجنَّة بالذنب الَّذِي فعله فَأَجَابَهُ آدم بِأَن هَذَا كَانَ مَكْتُوبًا عَليّ قبل أَن أخلق بِمدَّة طَوِيلَة قَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿فحج آدم مُوسَى﴾ ".
وَذَلِكَ لِأَن ملام مُوسَى لآدَم لم يكن لحق الله وَإِنَّمَا كَانَ لما لحقه وَغَيره من الْآدَمِيّين من الْمُصِيبَة بِسَبَب ذَلِك الْفِعْل فَذكر لَهُ آدم أَن هَذَا كَانَ أمرا مُقَدرا لَا بُد من كَونه والمصائب الَّتِي تصيب الْعباد يؤمرون فِيهَا بِالصبرِ؛ فَإِن هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْفَعهُمْ. وَأما لومهم لمن كَانَ سَببا فِيهَا فَلَا فَائِدَة لَهُم فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ مَا فاتهم من الْأُمُور الَّتِي تنفعهم يؤمرون فِي ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى الْقدر وَأما التأسف والحزن فَلَا فَائِدَة فِيهِ فَمَا جرى بِهِ الْقدر من فَوت مَنْفَعَة لَهُم أَو حُصُول مضرَّة لَهُم فلينظروا فِي ذَلِك إِلَى الْقدر وَأما مَا كَانَ بِسَبَب أَعْمَالهم فليجتهدوا فِي التَّوْبَة من الْمَاضِي والإصلاح فِي الْمُسْتَقْبل. فَإِن هَذَا الْأَمر يَنْفَعهُمْ وَهُوَ مَقْدُور لَهُم بمعونة الله لَهُم.
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " ﴿الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وَفِي كل خير احرص على مَا ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز. وَإِن أَصَابَك شَيْء فَلَا تقل: لَو أَنِّي فعلت لَكَانَ كَذَا
стр. 403
وَكَذَا؛ وَلَكِن قل: قدر الله وَمَا شَاءَ فعل؛ فَإِن لَو تفتح عمل الشَّيْطَان﴾ ".
أَمر النَّبِي ﷺ بحرص العَبْد على مَا يَنْفَعهُ والاستعانة بِاللَّه وَنَهَاهُ عَن الْعَجز وأنفع مَا للْعَبد طَاعَة الله وَرَسُوله وَهِي عبَادَة الله تَعَالَى. وَهَذَانِ الأصلان هما حَقِيقَة قَوْله تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَنَهَاهُ عَن الْعَجز وَهُوَ الإضاعة والتفريط والتواني. كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث الآخر: " ﴿الْكيس من دَان نَفسه وَعمل لما بعد الْمَوْت وَالْعَاجِز من أتبع نَفسه هَواهَا وَتمنى على الله الْأَمَانِي﴾ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ.
وَفِي سنَن أبي دَاوُد: " ﴿أَن رجلَيْنِ تحاكما إِلَى النَّبِي ﷺ فَقضى على أَحدهمَا. فَقَالَ الْمقْضِي عَلَيْهِ: حسبي الله وَنعم الْوَكِيل فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله يلوم على الْعَجز وَلَكِن عَلَيْك بالكيس فَإِذا غلبك أَمر فَقل: حسبي الله وَنعم الْوَكِيل﴾ " فالكيس ضد الْعَجز. وَفِي الحَدِيث: " ﴿كل شَيْء بِقدر حَتَّى الْعَجز والكيس﴾ " رَوَاهُ مُسلم.
стр. 404
وَلَيْسَ المُرَاد بِالْعَجزِ فِي كَلَام النَّبِي ﷺ مَا يضاد الْقُدْرَة؛ فَإِن من لَا قدرَة لَهُ بِحَال لَا يلام وَلَا يُؤمر بِمَا لَا يقدر عَلَيْهِ بِحَال. ثمَّ لما أمره بِالِاجْتِهَادِ والاستعانة بِاللَّه وَنَهَاهُ عَن الْعَجز أمره إِذا غَلبه أَمر أَن ينظر إِلَى الْقدر، وَيَقُول: قدر الله وَمَا شَاءَ فعل وَلَا يتحسر ويتلهف ويحزن. وَيَقُول: لَو أَنِّي فعلت كَذَا وَكَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا فَإِن لَو تفتح عمل الشَّيْطَان.
وَقد قَالَ بعض النَّاس فِي هَذَا الْمَعْنى: الْأَمر أَمْرَانِ: أَمر فِيهِ حِيلَة وَأمر لَا حِيلَة فِيهِ. فَمَا فِيهِ حِيلَة لَا تعجز عَنهُ وَمَا لَا حِيلَة فِيهِ لَا تجزع مِنْهُ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يذكرهُ أَئِمَّة الدَّين. كَمَا ذكر (الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَغَيره. فَإِنَّهُ لَا بُد من فعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور وَالرِّضَا أَو الصَّبْر على الْمَقْدُور.
وَقد قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن يُوسُف: ﴿أَنا يُوسُف وَهَذَا أخي قد من الله علينا إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ " فالتقوى " تَتَضَمَّن فعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور. و " الصَّبْر " يتَضَمَّن الصَّبْر على الْمَقْدُور.
وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا﴾ - إِلَى قَوْله - ﴿وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا﴾
стр. 405
فَبين سُبْحَانَهُ أَنه مَعَ التَّقْوَى وَالصَّبْر لَا يضر الْمُؤمنِينَ كيد أعدائهم الْمُنَافِقين.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بلَى إِن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ فَبين أَنه مَعَ الصَّبْر وَالتَّقوى يمدهُمْ بِالْمَلَائِكَةِ. وَيَنْصُرهُمْ على أعدائهم الَّذين يقاتلونهم.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لتبلون فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا وَإِن تصبروا وتتقوا فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ فَأخْبرهُم أَن أعداءهم من الْمُشْركين، وَأهل الْكتاب لَا بُد أَن يؤذوهم بألسنتهم وَأخْبر أَنهم إِن يصبروا ويتقوا فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور. فالصبر وَالتَّقوى يدْفع شَرّ الْعَدو الْمظهر للعداوة المؤذين بألسنتهم والمؤذين بِأَيْدِيهِم وَشر الْعَدو المبطن للعداوة. وهم المُنَافِقُونَ.
وَهَذَا الَّذِي كَانَ خلق النَّبِي ﷺ وهديه هُوَ أكمل الْأُمُور. فَأَما من أَرَادَ مَا يُحِبهُ الله تَارَة وَمَا لَا يُحِبهُ تَارَة أَو لم يرد لَا هَذَا وَلَا هَذَا فكلاهما دون خلق رَسُول الله ﷺ وَإِن لم يكن على وَاحِد مِنْهُمَا إِثْم كَالَّذي يُرِيد مَا أُبِيح لَهُ من نيل الشَّهْوَة الْمُبَاحَة وَالْغَضَب والانتقام الْمُبَاح كَمَا هُوَ خلق بعض الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ فَهُوَ وَإِن كَانَ جَائِزا لَا إِثْم فِيهِ فخلق رَسُول الله ﷺ أكمل مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ من لم يرد الشَّهَوَات الْمُبَاحَة وَإِن كَانَ
стр. 406
يستعان بهَا على أَمر مُسْتَحبّ وَلم يرد أَن يغْضب وينتقم ويجاهد إِذا جَازَ الْعَفو وَإِن كَانَ الانتقام لله أرْضى لله. كَمَا هُوَ أَيْضا خلق بعض الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ فَهَذَا وَإِن كَانَ جَائِزا لَا إِثْم فِيهِ فخلق رَسُول الله ﷺ أكمل مِنْهُ.
وَهَذَا وَالَّذِي قبله إِذا كَانَ شَرِيعَة لنَبِيّ فَلَا عيب على نَبِي فِيمَا شرع الله لَهُ. لَكِن قد فضل الله بعض النَّبِيين على بعض، وَفضل بعض الرُّسُل على بعض.
والشريعة الَّتِي بُعث بهَا مُحَمَّد ﷺ أفضل الشَّرَائِع؛ إِذْ كَانَ مُحَمَّد ﷺ أفضل الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَأمته خير أمة أخرجت للنَّاس.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ كُنْتُم خير النَّاس للنَّاس تأتون بهم فِي الأقياد والسلاسل حَتَّى تدخلوهم الْجنَّة. يبذلون أَمْوَالهم وأنفسهم فِي الْجِهَاد لنفع النَّاس فهم خير الْأُمَم لِلْخلقِ.
والخلق عِيَال الله فأحبهم إِلَى الله أنفعهم لِعِيَالِهِ، وَأما غير الْأَنْبِيَاء فَمنهمْ من يكون ذَلِك شرعة لاتباعه لذَلِك النَّبِي وَأما من كَانَ من أهل شَرِيعَة مُحَمَّد ﷺ ومنهاجه فَإِن كَانَ مَا تَركه وَاجِبا عَلَيْهِ وَمَا فعله محرما عَلَيْهِ كَانَ مُسْتَحقّا للذم وَالْعِقَاب إِلَّا أَن يكون متأولا مخطئا فَالله قد وضع عَن هَذِه الْأمة الْخَطَأ وَالنِّسْيَان، وذنب أحدهم قد يعْفُو الله عَنهُ بِأَسْبَاب مُتعَدِّدَة.
стр. 407
وَمن أَسبَاب هَذَا الانحراف أَن من النَّاس من تغلب عَلَيْهِ " طَريقَة الزّهْد " فِي إِرَادَة نَفسه فيزهد فِي مُوجب الشَّهْوَة وَالْغَضَب كَمَا يفعل ذَلِك من يَفْعَله من عباد الْمُشْركين وَأهل الْكتاب كالرهبان وأشباههم وَهَؤُلَاء يرَوْنَ الْجِهَاد نقصا لما فِيهِ من قتل النُّفُوس وَسبي الذُّرِّيَّة وَأخذ الْأَمْوَال ويرون أَن الله لم يَجْعَل عمَارَة بَيت الْمُقَدّس على يَد دَاوُد لِأَنَّهُ جرى على يَدَيْهِ سفك الدِّمَاء. وَمِنْهُم من لَا يرى ذبح شَيْء من الْحَيَوَان كَمَا عَلَيْهِ البراهمة وَمِنْهُم من لَا يحرم ذَلِك لكنه هُوَ يتَقرَّب إِلَى الله بِأَنَّهُ لَا يذبح حَيَوَانا وَلَا يَأْكُل لَحْمه بل وَلَا ينْكح النِّسَاء وَيَقُول فِي ممادحه: فلَان مَا نكح وَلَا ذبح.
وَقد أنكر النَّبِي ﷺ على هَؤُلَاءِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس: " ﴿أَن نَفرا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ سَأَلُوا أَزوَاج النَّبِي ﷺ عَن عمله فِي السِّرّ فَقَالَ بَعضهم: لَا أَتزوّج النِّسَاء، وَقَالَ بَعضهم: لَا آكل اللَّحْم، وَقَالَ بَعضهم: لَا أَنَام على فرَاش. فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا بَال أَقوام قَالُوا: كَذَا وَكَذَا لكني أُصَلِّي وأنام وَأَصُوم وَأفْطر وأتزوج النِّسَاء وآكل اللَّحْم فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني﴾ ".
وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله
стр. 408
لكم وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ نزلت فِي عُثْمَان بن مَظْعُون وَطَائِفَة مَعَه كَانُوا قد عزموا على التبتل وَنَوع من الترهب.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿عَن سعد قَالَ رد رَسُول الله ﷺ على عُثْمَان بن مَظْعُون التبتل وَلَو أذن لَهُ لاختصينا﴾ .
و" الزّهْد " النافع الْمَشْرُوع الَّذِي يُحِبهُ الله وَرَسُوله هُوَ الزّهْد فِيمَا لَا ينفع فِي الْآخِرَة فَأَما مَا ينفع فِي الْآخِرَة وَمَا يستعان بِهِ على ذَلِك فالزهد فِيهِ زهد فِي نوع من عبَادَة الله وطاعته والزهد إِنَّمَا يُرَاد لِأَنَّهُ زهد فِيمَا يضر أَو زهد فِيمَا لَا ينفع فَأَما الزّهْد فِي النافع فجهل وضلال كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿احرص على مَا ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز﴾ ".
والنافع للْعَبد هُوَ عبَادَة الله وطاعته وَطَاعَة رَسُوله وَكلما صده عَن ذَلِك فَإِنَّهُ ضار لَا نَافِع ثمَّ الأنفع لَهُ أَن تكون كل أَعماله عبَادَة لله وَطَاعَة لَهُ وَإِن أدّى الْفَرَائِض وَفعل مُبَاحا لَا يُعينهُ على الطَّاعَة فقد فعل مَا يَنْفَعهُ وَمَا لَا يَنْفَعهُ وَلَا يضرّهُ.
стр. 409
وَكَذَلِكَ " الْوَرع " الْمَشْرُوع هُوَ الْوَرع عَمَّا قد تخَاف عاقبته وَهُوَ مَا يعلم تَحْرِيمه وَمَا يشك فِي تَحْرِيمه وَلَيْسَ فِي تَركه مفْسدَة أعظم من فعله - مثل فعل محرم يتَعَيَّن - مثل من يتْرك أَخذ الشُّبْهَة ورعا مَعَ حَاجته إِلَيْهَا وَيَأْخُذ بدل ذَلِك محرما بَينا تَحْرِيمه أَو يتْرك وَاجِبا تَركه أعظم فَسَادًا من فعله مَعَ الشُّبْهَة كمن يكون على أَبِيه أَو عَلَيْهِ دُيُون هُوَ مطَالب بهَا وَلَيْسَ لَهُ وَفَاء إِلَّا من مَال فِيهِ شُبْهَة فيتورع عَنْهَا ويدع ذمَّته أَو ذمَّة أَبِيه مرتهنة.
وَكَذَلِكَ من " الْوَرع " الِاحْتِيَاط بِفعل مَا يشك فِي وُجُوبه لَكِن على هَذَا الْوَجْه. وَتَمام " الْوَرع " أَن يعم الْإِنْسَان خير الخيرين وَشر الشرين، وَيعلم أَن الشَّرِيعَة مبناها على تَحْصِيل الْمصَالح وتكميلها وتعطيل الْمَفَاسِد وتقليلها وَإِلَّا فَمن لم يوازن مَا فِي الْفِعْل وَالتّرْك من الْمصلحَة الشَّرْعِيَّة والمفسدة الشَّرْعِيَّة فقد يدع وَاجِبَات وَيفْعل مُحرمَات. وَيرى ذَلِك من الْوَرع كمن يدع الْجِهَاد مَعَ الْأُمَرَاء الظلمَة وَيرى ذَلِك ورعا ويدع الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة خلف الْأَئِمَّة الَّذين فيهم بِدعَة أَو فجور وَيرى ذَلِك من الْوَرع وَيمْتَنع عَن قبُول شَهَادَة الصَّادِق وَأخذ علم الْعَالم لما فِي صَاحبه من بِدعَة خُفْيَة وَيرى ترك قبُول سَماع هَذَا الْحق الَّذِي يجب سَمَاعه من الْوَرع.
وَكَذَلِكَ " الزّهْد وَالرَّغْبَة " من لم يراع مَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله من الرَّغْبَة والزهد وَمَا يكرههُ من ذَلِك؛ وَإِلَّا فقد يدع وَاجِبَات وَيفْعل مُحرمَات مثل من يدع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْأكل أَو أكل الدسم حَتَّى يفْسد عقله أَو تضعف قوته عَمَّا
стр. 410
يجب عَلَيْهِ من حُقُوق الله تَعَالَى وَحُقُوق عباده أَو يدع الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله لما فِي فعل ذَلِك من أَذَى بعض النَّاس والانتقام مِنْهُم حَتَّى يستولي الْكفَّار والفجار على الصَّالِحين الْأَبْرَار فَلَا ينظر الْمصلحَة الراجحة فِي ذَلِك.
وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ قل قتال فِيهِ كَبِير وَصد عَن سَبِيل الله وَكفر بِهِ وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَإِخْرَاج أَهله مِنْهُ أكبر عِنْد الله والفتنة أكبر من الْقَتْل﴾ . يَقُول : وَإِن كَانَ قتل النُّفُوس فِيهِ شَرّ فالفتنة الْحَاصِلَة بالْكفْر، وَظُهُور أَهله أعظم من ذَلِك فَيدْفَع أعظم الفسادين بِالْتِزَام أدناهما.
وَكَذَلِكَ الَّذِي يدع ذبح الْحَيَوَان أَو يرى أَن فِي ذبحه ظلما لَهُ هُوَ جَاهِل فَإِن هَذَا الْحَيَوَان لَا بُد أَن يَمُوت فَإِذا قتل لمَنْفَعَة الْآدَمِيّين وحاجتهم كَانَ خيرا من أَن يَمُوت موتا لَا ينْتَفع بِهِ أحد والآدمي أكمل مِنْهُ وَلَا تتمّ مصْلحَته إِلَّا بِاسْتِعْمَال الْحَيَوَان فِي الْأكل وَالرُّكُوب وَنَحْو ذَلِك؛ لَكِن مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ من تعذيبه نهى الله عَنهُ كصبر الْبَهَائِم وذبحها فِي غير الْحلق واللبة مَعَ الْقُدْرَة على ذَلِك وَأوجب الله الْإِحْسَان بِحَسب الْإِمْكَان فِيمَا أَبَاحَهُ من الْقَتْل وَالذّبْح. كَمَا فِي صَحِيح مُسلم عَن شَدَّاد بن أَوْس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " ﴿إِن الله كتب
стр. 411
الْإِحْسَان على كل شَيْء: فَإِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة وَإِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذبْحَة وليحد أحدكُم شفرته وليرح ذَبِيحَته﴾ ".
وَهَؤُلَاء الَّذين زهدوا فِي " الإرادات " حَتَّى فِيمَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله من الإرادات بإزائهم " طَائِفَتَانِ ": (طَائِفَة رغبت فِيمَا كره الله وَرَسُوله والرَّغْبَة فِيهِ من الْكفْر والفسوق والعصيان) . و (طَائِفَة رغبت فِيمَا أَمر الله وَرَسُوله لَكِن لهوى أنفسهم لَا لعبادة الله تَعَالَى) وَهَؤُلَاء الَّذين يأْتونَ بصور الطَّاعَات مَعَ فَسَاد النيات كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ " ﴿أَنه قيل لَهُ: يَا رَسُول الله الرجل يُقَاتل شجاعة وَيُقَاتل حمية وَيُقَاتل رِيَاء فَأَي ذَلِك فِي سَبِيل الله؟ فَقَالَ: من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله﴾ ".
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُنَافِقين يخادعون الله وَهُوَ خادعهم وَإِذا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كسَالَى يراءون النَّاس وَلَا يذكرُونَ الله إِلَّا قَلِيلا﴾ وَهَؤُلَاء أهل إرادات فَاسِدَة مذمومة فهم مَعَ تَركهم الْوَاجِب
стр. 412
فعلوا الْمحرم. وهم يشبهون الْيَهُود كَمَا يشبه أُولَئِكَ النَّصَارَى.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْنَمَا ثقفوا إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس وباءوا بغضب من الله وَضربت عَلَيْهِم المسكنة ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا وَإِن يرَوا سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلا﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا فَأتبعهُ الشَّيْطَان فَكَانَ من الغاوين﴾ ﴿وَلَو شِئْنَا لرفعناه بهَا وَلكنه أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ فَمثله كَمثل الْكَلْب إِن تحمل عَلَيْهِ يَلْهَث أَو تتركه يَلْهَث ذَلِك مثل الْقَوْم الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا فاقصص الْقَصَص لَعَلَّهُم يتفكرون﴾ .
فَهَؤُلَاءِ يتبعُون أهواءهم غيا مَعَ الْعلم بِالْحَقِّ وَأُولَئِكَ يتبعُون أهواءهم مَعَ الضلال وَالْجهل بِالْحَقِّ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ وكلا الطَّائِفَتَيْنِ تاركة مَا أَمر الله وَرَسُوله بِهِ من الإرادات والأعمال الصَّالِحَة مرتكبة لما نهى الله وَرَسُوله عَنهُ من الإرادات والأعمال الْفَاسِدَة.
فصل
فَأمر الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَشَيْخه حَمَّاد الدبّاس وَغَيرهمَا من
стр. 413
الْمَشَايِخ أهل الاسْتقَامَة ﵃: بِأَنَّهُ لَا يُرِيد السالك مرَادا قطّ وَأَنه لَا يُرِيد مَعَ إِرَادَة الله سواهَا بل يجْرِي فعله فِيهِ فَيكون هُوَ مُرَاد الْحق. إِنَّمَا قصدُوا بِهِ فِيمَا لم يعلم العَبْد أَمر الله وَرَسُوله فِيهِ فَأَما مَا علم أَن الله أَمر بِهِ فَعَلَيهِ أَن يُريدهُ وَيعْمل بِهِ وَقد صَرَّحُوا بذلك فِي غير مَوضِع. وَإِن كَانَ غَيرهم من الغالطين يرى الْقيام بالإرادة الخلقية هُوَ الْكَمَال وَهُوَ " الفناء فِي تَوْحِيد الربوبية " وَأَن السلوك إِذا انْتهى إِلَى هَذَا الْحَد فصاحبه إِذا قَامَ بِالْأَمر فلأجل غَيره أَو أَنه لَا يحْتَاج أَن يقوم بِالْأَمر فَتلك أَقْوَال وطرائق فَاسِدَة قد تكلم عَلَيْهَا فِي غير هَذَا الْموضع.
فَأَما المستقيمون من السالكين كجمهور مَشَايِخ السّلف: مثل الفضيل بن عِيَاض وَإِبْرَاهِيم بن أدهم وَأبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي ومعروف الْكَرْخِي وَالسري السَّقطِي والجنيد بن مُحَمَّد وَغَيرهم من الْمُتَقَدِّمين، وَمثل الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَالشَّيْخ حَمَّاد وَالشَّيْخ أبي الْبَيَان وَغَيرهم من الْمُتَأَخِّرين. فهم لَا يسوغون للسالك وَلَو طَار فِي الْهَوَاء أَو مَشى على المَاء أَن يخرج عَن الْأَمر وَالنَّهْي الشرعيين بل عَلَيْهِ أَن يفعل الْمَأْمُور ويدع الْمَحْظُور إِلَى أَن يَمُوت وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع السّلف.
تَابع كَلَام الجيلاني:
وَهَذَا كثير فِي كَلَامهم: كَقَوْل الشَّيْخ عبد الْقَادِر فِي كتاب " فتوح الْغَيْب ": " اخْرُج من نَفسك وتنح عَنْهَا وانعزل عَن ملكك. وَسلم الْكل إِلَى الله ﵎ وَكن بوابه على بَاب قَلْبك، وامتثل أمره ﵎ فِي إِدْخَال من يَأْمُرك بإدخاله وانته نَهْيه فِي صد من يَأْمُرك
стр. 414
بصده. فَلَا تدخل الْهوى قَلْبك بعد أَن خرج مِنْهُ فإخراج الْهوى من الْقلب بمخالفته، وَترك مُتَابَعَته فِي الْأَحْوَال كلهَا وإدخاله فِي الْقلب بمتابعته وموافقته فَلَا ترد إِرَادَة غير إِرَادَته ﵎ وَغير ذَلِك مِنْك تمن وَهُوَ وَادي الحمقى وَفِيه حتفك وهلاكك وسقوطك من عينه ﵎ وحجابك عَنهُ.
احفظ أبدا أمره وانته أبدا نَهْيه وَسلم إِلَيْهِ أبدا مقدوره وَلَا تشركه بِشَيْء من خلقه فإرادتك وهواك وشهواتك كلهَا خلقه فَلَا ترد وَلَا تهو وَلَا تشته كَيْلا تكون مُشْركًا. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ يرجوا لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾ لَيْسَ الشّرك عبَادَة الْأَصْنَام فَحسب؛ بل هُوَ أَيْضا متابعتك لهواك وَأَن تخْتَار مَعَ رَبك شَيْئا سواهُ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَالْآخِرَة وَمَا فِيهَا فَمَا سواهُ ﵎ غَيره فَإِذا ركنت إِلَى غَيره فقد أشركت بِهِ عز وَجل
стр. 415
غَيره فاحذر وَلَا تركن وخف وَلَا تأمن وفتش وَلَا تغفل فتطمئن وَلَا تضف إِلَى نَفسك حَالا وَلَا مقَاما وَلَا تدع شَيْئا من ذَلِك ".
وَقَالَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر أَيْضا: " إِنَّمَا هُوَ الله ونفسك وَأَنت الْمُخَاطب وَالنَّفس ضد الله وعدوته؛ والأشياء كلهَا تَابِعَة لله فَإِذا وَافَقت الْحق فِي مُخَالفَة النَّفس وعداوتها فَكنت خصما لَهُ على نَفسك ".
إِلَى أَن قَالَ: " فالعبادة فِي مخالفتك نَفسك وهواك قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾ ".
إِلَى أَن قَالَ: " والحكاية الْمَشْهُورَة عَن أبي يزِيد البسطامي ﵀ لما رأى رب الْعِزَّة فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ: كَيفَ الطَّرِيق إِلَيْك يَا بارخُذَاه؟ فَقَالَ:
стр. 416
اترك نَفسك وتعال قَالَ أَبُو يزِيد: فانسلخت من نَفسِي كَمَا تنسلخ الْحَيَّة من جلدهَا. فَإِذا ثَبت أَن الْخَيْر كُله فِي معاداتها فِي الْجُمْلَة فِي الْأَحْوَال كلهَا فَإِن كنت فِي حَال التَّقْوَى فَخَالف النَّفس بِأَن تخرج من حرَام الْخلق وشبههم ومننهم والاتكال عَلَيْهِم والثقة بهم وَالْخَوْف مِنْهُم؛ والرجاء لَهُم والطمع فِيمَا عِنْدهم من حطام الدُّنْيَا فَلَا ترج عطاءهم على طَرِيق الْهَدِيَّة أَو الزَّكَاة أَو الصَّدَقَة أَو الْكَفَّارَة أَو النّذر فاقطع همك مِنْهُم من سَائِر الْوُجُوه والأسباب فَاخْرُج من الْخلق جدا واجعلهم كالباب يُرد وَيفتح وكالشجرة يُوجد فِيهَا ثَمَرَة تَارَة ونخيل أُخْرَى كل ذَلِك بِفعل فَاعل وتدبير مُدبر، وَهُوَ الله ﵎. فَإِذا اصح لَك هَذَا كنت
стр. 417
موحدا لَهُ ﵎ وَلَا تنس مَعَ ذَلِك كسبهم لتتخلص من مَذْهَب الجبرية وأعتقد أَن الْأَفْعَال لَا تتمّ لَهُم دون الله ﵎ لكيلا تعبدهم وتنسى الله تَعَالَى وَلَا تقل فعلهم دون الله فتكفر وَتَكون قدريا. لَكِن قل: هِيَ لله خلقا وللعباد كسبا. كَمَا جَاءَت بِهِ الْآثَار لبَيَان مَوضِع الْجَزَاء من الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وامتثل أَمر الله فيهم وخلص قسمك مِنْهُم بأَمْره وَلَا تجاوزه فَحكمه قَائِم يحكم عَلَيْك وَعَلَيْهِم فَلَا تكن أَنْت الْحَاكِم وكونك مَعَهم قدر وَالْقدر ظلمَة فَادْخُلْ فِي الظلمَة بِالْمِصْبَاحِ وَهُوَ " الحكم ": كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ لَا تخرج عَنْهُمَا.
فَإِن خطر خاطر أَو وجد إلهام فاعرضهما على الْكتاب وَالسّنة فَإِن وجدت فيهمَا تَحْرِيم ذَلِك مثل أَن تلهم بِالزِّنَا أَو الرِّبَا أَو مُخَالطَة أهل الفسوق والفجور وَغير ذَلِك من الْمعاصِي فادفعه عَنْك واهجره وَلَا تقبله وَلَا تعْمل بِهِ واقطع بِأَنَّهُ من الشَّيْطَان اللعين وَإِن وجدت فيهمَا إِبَاحَته
стр. 418
كالشهوات الْمُبَاحَة من الْأكل وَالشرب واللبس وَالنِّكَاح فاهجره أَيْضا وَلَا تقبله وَاعْلَم أَنه من إلهام النَّفس وشهواتها وَقد أمرت بمخالفتها وعداوتها ".
قلت: وَمرَاده بهجر الْمُبَاح إِذا لم يكن مَأْمُورا بِهِ كَمَا قد بَين مُرَاده فِي غير هَذَا الْموضع. فَإِن الْمُبَاح الْمَأْمُور بِهِ إِذا فعله بِحكم الْأَمر كَانَ ذَلِك من أعظم نعم الله عَلَيْهِ وَكَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ وَقد قدمت أَنه يَدْعُو إِلَى طَريقَة السَّابِقين المقربين؛ لَا يقف عِنْد طَريقَة الْأَبْرَار أَصْحَاب الْيَمين.
قَالَ: " وَإِن لم تَجِد فِي الْكتاب وَالسّنة تَحْرِيمه وَلَا إِبَاحَته بل هُوَ أَمر لَا تعقله مثل أَن يُقَال لَك ائْتِ مَوضِع كَذَا وَكَذَا الق فلَانا الصَّالح؛ وَلَا حَاجَة لَك هُنَاكَ وَلَا فِي الصَّالح؛ لاستغنائك عَنهُ بِمَا أولاك الله تَعَالَى من نعمه من الْعلم والمعرفة فتوقف فِي ذَلِك وَلَا تبادر إِلَيْهِ. فَتَقول: هَل هَذَا إلهام إِلَّا من الْحق فاعمل بِهِ؟ بل انْتظر الْخَيْر فِي ذَلِك وَفعل الْحق بِأَن يتَكَرَّر ذَلِك الإلهام، وتؤمر بالسعي أَو عَلامَة تظهر لأهل الْعلم بِاللَّه ﵎ يَعْقِلهَا الْعُقَلَاء
стр. 419
من أَوْلِيَاء الله والمؤيدون من الأبدال.
وَإِنَّمَا لم تبادر إِلَى ذَلِك لِأَنَّك لَا تعلم عاقبته وَمَا يؤول الْأَمر إِلَيْهِ وَرُبمَا كَانَ فِيهِ فتْنَة وهلاك ومكر من الله وامتحان فاصبر حَتَّى يكون هُوَ الْفَاعِل فِيك فَإِذا تجرد الْفِعْل وحملت إِلَى هُنَاكَ واستقبلتك فتْنَة كنت مَحْمُولا مَحْفُوظًا مِنْهَا؛ لِأَن الله تَعَالَى لَا يعاقبك على فعله وَإِنَّمَا تتطرق الْعقُوبَة نَحْوك لكونك فِي الشَّيْء ".
تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:
قلت: فقد أَمر ﵀ بِأَن مَا كَانَ مَحْظُورًا فِي الشَّرْع يجب تَركه وَلَا بُد وَمَا كَانَ مَعْلُوما أَنه مُبَاح بِعَيْنِه لكَونه يفعل بِحكم الْهوى لَا بِأَمْر الشَّارِع فَيتْرك أَيْضا وَأما مَا لم يعلم هَل هُوَ بِعَيْنِه مُبَاح لَا مضرَّة فِيهِ أَو فِيهِ مضرَّة مثل السّفر إِلَى مَكَان معِين أَو شخص معِين والذهاب إِلَى مَكَان معِين أَو شخص معِين فَإِن جنس هَذَا الْعَمَل لَيْسَ محرما وَلَا كل أَفْرَاده مُبَاحَة؛ بل يحرم على الْإِنْسَان أَن يذهب إِلَى حَيْثُ يحصل لَهُ ضَرَر فِي دينه فَأمره بالكف عَن الذّهاب حَتَّى يُقهر أَو يتَبَيَّن لَهُ فِي الْبَاطِن أَن هَذَا مصلحَة؛ لِأَنَّهُ إِذا
стр. 420
لم يتَبَيَّن لَهُ أَن الذّهاب وَاجِب أَو مُسْتَحبّ لم يَنْبغ لَهُ فعله وَإِذا خَافَ الضَّرَر انبغى لَهُ تَركه فَإِذا أكره على الذّهاب لم يكن عَلَيْهِ حرج فَلَا يُؤَاخذ بِالْفِعْلِ. بِخِلَاف مَا إِذا فعله بِاخْتِيَارِهِ وشهوته؛ وَإِذا تبين لَهُ أَنه مصلحَة راجحة كَانَ حسنا.
وَقد جَاءَت شَوَاهِد السّنة: بِأَن من ابْتُلِيَ بِغَيْر تعرض مِنْهُ أعين، وَمن تعرض للبلاء خيف عَلَيْهِ. مثل قَوْله ﷺ لعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة " ﴿لَا تسْأَل الْإِمَارَة فَإنَّك إِن أعطيتهَا عَن مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا وَإِن أعطيتهَا عَن غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا﴾ ".
وَمِنْه قَوْله: " ﴿لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدو واسألوا الله الْعَافِيَة فَإِذا لقيتموهم فَاصْبِرُوا﴾ ".
стр. 421
وَفِي السّنَن " ﴿من سَأَلَ الْقَضَاء واستعان عَلَيْهِ وكل إِلَيْهِ وَمن لم يسْأَل الْقَضَاء وَلم يستعن عَلَيْهِ أنزل الله عَلَيْهِ ملكا يسدده﴾ - وَفِي رِوَايَة - وَإِن أكره عَلَيْهِ ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ قَالَ فِي الطَّاعُون: " ﴿إِذا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْض فَلَا تقدمُوا عَلَيْهِ؛ وَإِذا وَقع بِأَرْض وَأَنْتُم بهَا فَلَا تخْرجُوا فِرَارًا مِنْهُ﴾ ".
وَمِنْه أَنه ﷺ " ﴿نهى عَن النّذر﴾ ".
стр. 422
وَمِنْه قَوْله: " ﴿ذروني مَا تركْتُم فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ على أَنْبِيَائهمْ. فَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَاجْتَنبُوهُ. وَإِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ "
فصل
تَابع كَلَام الجيلاني:
قَالَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر: " وَإِن كنت فِي حَالَة الْحَقِيقَة وَهِي حَالَة الْولَايَة: فَخَالف هَوَاك، وَاتبع الْأَمر فِي الْجُمْلَة وَاتِّبَاع الْأَمر على " قسمَيْنِ ": (أَحدهمَا) : أَن تَأْخُذ من الدُّنْيَا الْقُوت الَّذِي هُوَ حق النَّفس وتترك الْحَظ، وَتُؤَدِّي الْفَرْض وتشتغل بترك الذُّنُوب مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن.
و (الْقسم الثَّانِي) : مَا كَانَ بِأَمْر بَاطِن وَهُوَ أَمر الْحق ﵎ يَأْمر عَبده وينهاه وَإِنَّمَا يتَحَقَّق هَذَا الْأَمر فِي الْمُبَاح الَّذِي لَيْسَ حكما فِي الشَّرْع على معنى أَنه لَيْسَ من قبيل النَّهْي وَلَا من قبيل الْأَمر الْوَاجِب بل هُوَ مهمل ترك العَبْد يتَصَرَّف فِيهِ بِاخْتِيَارِهِ فَسُمي مُبَاحا فَلَا يحدث العَبْد فِيهِ شَيْئا من عِنْده بل ينْتَظر الْأَمر فِيهِ فَإِذا أَمر امتثل فَتَصِير جَمِيع حركاته
стр. 423
وسكناته بِاللَّه تَعَالَى مَا فِي الشَّرْع حكمه فبالشرع وَمَا لَيْسَ لَهُ حكم فِي الشَّرْع فبالأمر الْبَاطِن فَحِينَئِذٍ يصير محقًّا من أهل الْحَقِيقَة وَمَا لَيْسَ فِيهِ أَمر بَاطِن فَهُوَ مُجَرّد الْفِعْل حَالَة التَّسْلِيم. وَإِن كنت فِي حَالَة حق الْحق وَهِي حَالَة المحو والفناء وَهِي حَالَة الأبدال المنكسري الْقُلُوب لأجل الْحق، الْمُوَحِّدين العارفين أَرْبَاب الْعُلُوم وَالْفِعْل، السَّادة الْأُمَرَاء الشِّحْن الخفراء لِلْخلقِ، خلفاء الرَّحْمَن وأخلائه وأعيانه وأحبابه ﵈، فاتباع الْأَمر فِيهَا بمخالفتك إياك، بالتبري من الْحول وَالْقُوَّة، وَأَن لَا يكون لَك إِرَادَة وهمة فِي شَيْء أَلْبَتَّة، دنيا وَأُخْرَى، عبد الملِك
стр. 424
لَا عبد المُلك، وَعبد الْأَمر لَا عبد الْهوى، كالطفل مَعَ الظِّئْر، وَالْمَيِّت الغسيل مَعَ الْغَاسِل، وَالْمَرِيض المغلوب على جنبه مَعَ الطَّبِيب فِيمَا سوى الْأَمر وَالنَّهْي ".
وَقَالَ أَيْضا: " اتبع الشَّرْع فِي جَمِيع مَا ينزل بك إِن كنت فِي حَالَة التَّقْوَى، الَّتِي هِيَ الْقدَم الأولى، وَاتبع الْأَمر فِي حَالَة الْولَايَة وخمود وجود الْهوى وَلَا تتجاوزه، وَهِي الْقدَم الثَّانِيَة، وَارْضَ بِالْفِعْلِ، وَوَافَقَ، وافن فِي حَالَة الْبَدَلِيَّة والغوثية والقطبية والصديقية، وَهِي الْمُنْتَهى.
стр. 425
تَنَح عَن الطَّرِيق الْقدر خل عَن سَبيله رد نَفسك وهواك كف لسَانك عَن الشكوى فَإِذا فعلت ذَلِك إِن كَانَ خيرا زادك الْمولى طيبَة وَلَذَّة وسرورا، وَإِن كَانَ شرا حفظك فِي طَاعَته فِيهِ وأزال عَنْك الْمَلَامَة وأفقدك فِيهِ حَتَّى يتَجَاوَز ويرحل عِنْد انْقِضَاء أَجله كَمَا يَنْقَضِي اللَّيْل فيسفر عَن النَّهَار، وَالْبرد فِي الشتَاء فيسفر عَن الصَّيف.
ذَلِك أنموذج عنْدك فَاعْتبر بِهِ. ثمَّ ذنُوب وآثام وإجرام وتلويث بأنواع الْمعاصِي والخطيّات وَلَا يصلح لمجالسة الْكَرِيم إِلَّا طَاهِر عَن أنجاس الذُّنُوب والزلات، وَلَا يقبل على سدته إِلَّا طيب من دون الدَّعْوَى والهواشات كَمَا لَا يصلح لمجالسة الْمُلُوك إِلَّا الطَّاهِر من الأنجاس وأنواع النتن والأوساخ فالبلايا مكفرات مطهرات. قَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿حمى يَوْم كَفَّارَة سنة﴾ ".
следующие страницы →