← Джавами‘

Джавами‘ · id 22653

جامع الرسائل لابن تيمية - رشاد سالم

ابن تيمية

Полный текст (666 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وَفِي السّنَن " ﴿من سَأَلَ الْقَضَاء واستعان عَلَيْهِ وكل إِلَيْهِ وَمن لم يسْأَل الْقَضَاء وَلم يستعن عَلَيْهِ أنزل الله عَلَيْهِ ملكا يسدده﴾ - وَفِي رِوَايَة - وَإِن أكره عَلَيْهِ ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ قَالَ فِي الطَّاعُون: " ﴿إِذا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْض فَلَا تقدمُوا عَلَيْهِ؛ وَإِذا وَقع بِأَرْض وَأَنْتُم بهَا فَلَا تخْرجُوا فِرَارًا مِنْهُ﴾ ". وَمِنْه أَنه ﷺ " ﴿نهى عَن النّذر﴾ ".

стр. 422

وَمِنْه قَوْله: " ﴿ذروني مَا تركْتُم فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ على أَنْبِيَائهمْ. فَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَاجْتَنبُوهُ. وَإِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ " فصل تَابع كَلَام الجيلاني: قَالَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر: " وَإِن كنت فِي حَالَة الْحَقِيقَة وَهِي حَالَة الْولَايَة: فَخَالف هَوَاك، وَاتبع الْأَمر فِي الْجُمْلَة وَاتِّبَاع الْأَمر على " قسمَيْنِ ": (أَحدهمَا) : أَن تَأْخُذ من الدُّنْيَا الْقُوت الَّذِي هُوَ حق النَّفس وتترك الْحَظ، وَتُؤَدِّي الْفَرْض وتشتغل بترك الذُّنُوب مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن. و (الْقسم الثَّانِي) : مَا كَانَ بِأَمْر بَاطِن وَهُوَ أَمر الْحق ﵎ يَأْمر عَبده وينهاه وَإِنَّمَا يتَحَقَّق هَذَا الْأَمر فِي الْمُبَاح الَّذِي لَيْسَ حكما فِي الشَّرْع على معنى أَنه لَيْسَ من قبيل النَّهْي وَلَا من قبيل الْأَمر الْوَاجِب بل هُوَ مهمل ترك العَبْد يتَصَرَّف فِيهِ بِاخْتِيَارِهِ فَسُمي مُبَاحا فَلَا يحدث العَبْد فِيهِ شَيْئا من عِنْده بل ينْتَظر الْأَمر فِيهِ فَإِذا أَمر امتثل فَتَصِير جَمِيع حركاته

стр. 423

وسكناته بِاللَّه تَعَالَى مَا فِي الشَّرْع حكمه فبالشرع وَمَا لَيْسَ لَهُ حكم فِي الشَّرْع فبالأمر الْبَاطِن فَحِينَئِذٍ يصير محقًّا من أهل الْحَقِيقَة وَمَا لَيْسَ فِيهِ أَمر بَاطِن فَهُوَ مُجَرّد الْفِعْل حَالَة التَّسْلِيم. وَإِن كنت فِي حَالَة حق الْحق وَهِي حَالَة المحو والفناء وَهِي حَالَة الأبدال المنكسري الْقُلُوب لأجل الْحق، الْمُوَحِّدين العارفين أَرْبَاب الْعُلُوم وَالْفِعْل، السَّادة الْأُمَرَاء الشِّحْن الخفراء لِلْخلقِ، خلفاء الرَّحْمَن وأخلائه وأعيانه وأحبابه ﵈، فاتباع الْأَمر فِيهَا بمخالفتك إياك، بالتبري من الْحول وَالْقُوَّة، وَأَن لَا يكون لَك إِرَادَة وهمة فِي شَيْء أَلْبَتَّة، دنيا وَأُخْرَى، عبد الملِك

стр. 424

لَا عبد المُلك، وَعبد الْأَمر لَا عبد الْهوى، كالطفل مَعَ الظِّئْر، وَالْمَيِّت الغسيل مَعَ الْغَاسِل، وَالْمَرِيض المغلوب على جنبه مَعَ الطَّبِيب فِيمَا سوى الْأَمر وَالنَّهْي ". وَقَالَ أَيْضا: " اتبع الشَّرْع فِي جَمِيع مَا ينزل بك إِن كنت فِي حَالَة التَّقْوَى، الَّتِي هِيَ الْقدَم الأولى، وَاتبع الْأَمر فِي حَالَة الْولَايَة وخمود وجود الْهوى وَلَا تتجاوزه، وَهِي الْقدَم الثَّانِيَة، وَارْضَ بِالْفِعْلِ، وَوَافَقَ، وافن فِي حَالَة الْبَدَلِيَّة والغوثية والقطبية والصديقية، وَهِي الْمُنْتَهى.

стр. 425

تَنَح عَن الطَّرِيق الْقدر خل عَن سَبيله رد نَفسك وهواك كف لسَانك عَن الشكوى فَإِذا فعلت ذَلِك إِن كَانَ خيرا زادك الْمولى طيبَة وَلَذَّة وسرورا، وَإِن كَانَ شرا حفظك فِي طَاعَته فِيهِ وأزال عَنْك الْمَلَامَة وأفقدك فِيهِ حَتَّى يتَجَاوَز ويرحل عِنْد انْقِضَاء أَجله كَمَا يَنْقَضِي اللَّيْل فيسفر عَن النَّهَار، وَالْبرد فِي الشتَاء فيسفر عَن الصَّيف. ذَلِك أنموذج عنْدك فَاعْتبر بِهِ. ثمَّ ذنُوب وآثام وإجرام وتلويث بأنواع الْمعاصِي والخطيّات وَلَا يصلح لمجالسة الْكَرِيم إِلَّا طَاهِر عَن أنجاس الذُّنُوب والزلات، وَلَا يقبل على سدته إِلَّا طيب من دون الدَّعْوَى والهواشات كَمَا لَا يصلح لمجالسة الْمُلُوك إِلَّا الطَّاهِر من الأنجاس وأنواع النتن والأوساخ فالبلايا مكفرات مطهرات. قَالَ النَّبِي ﷺ " ﴿حمى يَوْم كَفَّارَة سنة﴾ ".

стр. 426

تَعْلِيق ابْن تَيْمِية: قلت: فقد بَين الشَّيْخ عبد الْقَادِر ﵁ أَن لُزُوم الْأَمر وَالنَّهْي لَا بُد مِنْهُ فِي كل مقَام، وَذكر الْأَحْوَال الثَّلَاث الَّتِي جعلهَا: حَال صَاحب التَّقْوَى وَحَال الْحَقِيقَة، وَحَال حق الْحق وَقد فسر مَقْصُوده بِأَنَّهُ لَا بُد للْعَبد فِي كل حَال من أَن يُرِيد فعل مَا أَمر بِهِ فِي الشَّرْع، وَترك مَا نهي عَنهُ فِي الشَّرْع وَأَنه إِذا أَمر العَبْد بترك إِرَادَته فَهُوَ فِيمَا لم يُؤمر بِهِ وَلم ينْه عَنهُ وَهَذَا حق. فَإِنَّهُ لم يُؤمر بِهِ فَتكون لَهُ إِرَادَة فِي وجوده وَلَا نهي عَنهُ فَتكون لَهُ إِرَادَة فِي عَدمه فيخلو فِي مثل هَذَا عَن إِرَادَة النقيضين. وَقد بَين أَن صَاحب الْحَقِيقَة عَلَيْهِ أَن يلْزم الْأَمر دَائِما الْأَمر الشَّرْعِيّ الظَّاهِر إِن عرفه أَو الْأَمر الْبَاطِن، وَبَين أَن الْأَمر الْبَاطِن إِنَّمَا يكون فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِب فِي الشَّرْع وَلَا محرم وَأَن مثل هَذَا ينْتَظر فِيهِ الْأَمر الْخَاص حَتَّى يَفْعَله بِحكم الْأَمر. فَإِن قلت: فَمَا الْفرق بَين هَذَا وَبَين صَاحب التَّقْوَى الَّذِي قبله؟ وَصَاحب الْحق الَّذِي بعده؟ قيل: أما الَّذِي بعده الَّذين سماهم " الأبدال " فهم الَّذين لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا بِأَمْر الْحق، وَلَا يَفْعَلُونَ إِلَّا بِهِ فَلَا يشْهدُونَ لأَنْفُسِهِمْ فعلا فِيمَا فَعَلُوهُ من الطَّاعَة؛ بل يشْهدُونَ أَنه هُوَ الْفَاعِل بهم مَا قَامَ بهم من طَاعَة أمره. وَلِهَذَا قَالَ: " فاتباع الْأَمر فِيهَا بمخالفتك إياك بالتبري من الْحول وَالْقُوَّة ".

стр. 427

فَهَؤُلَاءِ يشْهدُونَ تَوْحِيد الربوبية مَعَ تَوْحِيد الإلهية فَيَشْهَدُونَ أَن الله هُوَ الَّذِي خلق مَا قَامَ بهم من أَفعَال الْبر وَالْخَيْر فَلَا يرَوْنَ لأَنْفُسِهِمْ حمدا وَلَا منَّة على أحد، ويرون أَن الله خَالق أَفعَال الْعباد فَلَا يرَوْنَ أحدا مسيئا إِلَيْهِم وَلَا يرَوْنَ لَهُم حَقًا على أحد إِذْ قد شهدُوا أَن الله خَالق كل شَيْء من أَفعَال الْعباد وَغَيرهَا وهم يعلمُونَ أَن الْعباد لَا يسْتَحقُّونَ من أنفسهم وَلَا بِأَنْفسِهِم على الله شَيْئا بل هُوَ الَّذِي كتب على نَفسه الرَّحْمَة. وَيشْهدُونَ أَنه يسْتَحق أَن يُعبد لَا يُشْرك بِهِ شَيْء، وَأَنه يسْتَحق أَن يتقى حق تُقَاته، وَحقّ تُقَاته أَن يطاع فَلَا يعْصى، وَيذكر فَلَا ينسى، ويشكر فَلَا يكفر فيرون أَن مَا قَامَ بهم من الْعَمَل الصَّالح فَهُوَ بفضله وجوده وَكَرمه لَهُ الْحَمد فِي ذَلِك. وَيشْهدُونَ: أَنه لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. وَأما مَا قَامَ بالعباد من أذاهم فَالله خالقه وَهُوَ من عدله، وَمَا تَركه النَّاس من حُقُوقهم الَّتِي يستحقونها على النَّاس فَهُوَ الَّذِي لم يخلقه وَله الْحَمد على كل حَال على مَا فعل وَمَا لم يفعل. وَلِهَذَا كَانُوا منكسرة قُلُوبهم؛ لشهودهم وجوده الْكَامِل، وعدمهم الْمَحْض، وَلَا أعظم انكسارا مِمَّن لم ير لنَفسِهِ إِلَّا الْعَدَم لَا يرى لَهُ شَيْئا وَلَا يرى بِهِ شَيْئا. وَصَاحب الْحَقِيقَة الَّذِي هُوَ دون هَذَا قد شَاركهُ فِي إخلاص الدَّين لله وَأَنه لَا يفعل إِلَّا مَا أَمر بِهِ فَلَا يفعل إِلَّا لله لَكِن قصر عَنهُ فِي شُهُود

стр. 428

تَوْحِيد الربوبية ورؤيته وَأَنه لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَأَنه لَيْسَ لَهُ فِي الْحَقِيقَة شَيْء. بل الرب هُوَ الْخَالِق الْفَاعِل لكل مَا قَامَ بِهِ وَأَن كَمَال هَذَا الشُّهُود لَا يبقي شَيْئا من الْعجب وَلَا الْكبر وَنَحْو ذَلِك. فكلاهما قَائِم بِالْأَمر مُطِيع لله لَكِن هَذَا يشْهد أَن الله هُوَ الَّذِي جعله مُسلما مُصَليا وَأَنه فِي الْحَقِيقَة لم يحدث شَيْئا، وَذَاكَ وَإِن كَانَ يُؤمن بِهَذَا وَيصدق بِهِ إِذْ كَانَ مقرا بِأَن الله خَالق أَفعَال الْعباد؛ لَكِن قد لَا يشهده شُهُودًا يَجعله فِيهِ بِمَنْزِلَة الْمَعْدُوم. وَأَيْضًا بَينهمَا فرق من جِهَة ثَانِيَة: وَهِي أَن الأول تكون لَهُ إِرَادَة وهمة فِي أُمُور فيتركها فَهُوَ يُمَيّز فِي مراداته بَين مَا يُؤمر بِهِ وَمَا ينْهَى عَنهُ وَمَا لَا يُؤمر بِهِ وَلَا ينْهَى عَنهُ؛ وَلِهَذَا لم يبْق لَهُ مُرَاد أصلا إِلَّا مَا أَرَادَهُ الرب إِمَّا أمرا بِهِ فيمتثله هُوَ بِاللَّه وَإِمَّا فعلا فِيهِ فيفعله الله بِهِ وَلِهَذَا شبهه بالطفل مَعَ الظِّئْر فِي غير الْأَمر وَالنَّهْي. وَأما (الأول) : الَّذِي هُوَ فِي مقَام التَّقْوَى الْعَامَّة فَإِن لَهُ شهوات للمحرمات وَله الْتِفَات إِلَى الْخلق وَله رُؤْيَة نَفسه فَيحْتَاج إِلَى المجاهدة بالتقوى بِأَن يكف عَن

стр. 429

الْمُحرمَات وَعَن تنَاول الشَّهَوَات بِغَيْر الْأَمر فَهَذَا يحْتَاج أَن يُمَيّز بَين مَا يَفْعَله وَمَا لَا يَفْعَله وَهُوَ التَّقْوَى. وَصَاحب الْحَقِيقَة لم يبْق لَهُ مَا يَفْعَله إِلَّا مَا يُؤمر بِهِ فَقَط فَلَا يفعل إِلَّا مَا أَمر بِهِ فِي الشَّرْع وَمَا كَانَ مُبَاحا لم يفعل إِلَّا مَا أَمر بِهِ بَاطِنا. وَأما (الثَّالِث) : فقد تمّ شُهُوده فِي أَنه لَا يفعل إِلَّا لله وَبِاللَّهِ. فَلَا يفعل إِلَّا مَا أَمر الله بِهِ لله وَيشْهد أَن الله هُوَ الَّذِي فعل ذَاك فِي الْحَقِيقَة وَلَا تكون لَهُ همة إِرَادَة أَن يفعل لنَفسِهِ وَلَا لغير الله وَلَا يفعل بِنَفسِهِ وَلَا بِغَيْر الله. و (الثَّلَاثَة) مشتركون فِي الطَّرِيق فِي أَن كلا مِنْهُم لَا يفعل إِلَّا الطَّاعَة لَكِن يتفاوتون بِكَمَال الْمعرفَة وَالشَّهَادَة وبصفاء النِّيَّة والإرادة. وَالله أعلم. فَإِن قيل: كَلَام الشَّيْخ كُله يَدُور على أَنه يتبع الْأَمر مهما أمكن مَعْرفَته بَاطِنا وظاهرا وَمَا لَيْسَ فِيهِ أَمر بَاطِن وَلَا ظَاهر يكون فِيهِ مُسلما لفعل الرب بِحَيْثُ لَا يكون لَهُ اخْتِيَار لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا بل إِن عرف الْأَمر كَانَ مَعَه وَإِن لم يعرفهُ كَانَ مَعَ الْقدر فَهُوَ مَعَ أَمر الرب إِن عرف وَإِلَّا فَمَعَ خلقه،

стр. 430

فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْخلق وَالْأَمر وَهَذَا يَقْتَضِي أَن من الْحَوَادِث مَا لَيْسَ فِيهِ أَمر وَلَا نهي فَلَا يكون لله فِيهِ حكم لَا باستحباب وَلَا كَرَاهَة. وَقد صرح بذلك هُوَ وَالشَّيْخ حَمَّاد الدباس، وَإِن السالك يصل إِلَى أُمُور لَا يكون فِيهَا حكم شَرْعِي بِأَمْر وَلَا نهي بل يقف العَبْد مَعَ الْقدر. وَهَذَا الْموضع هُوَ الَّذِي يكون السالك فِيهِ عِنْدهم مَعَ " الْحَقِيقَة الْقَدَرِيَّة " الْمَحْضَة إِذْ لَيْسَ هُنَا حَقِيقَة شَرْعِيَّة. وَهَذَا مِمَّا ينازعهم فِيهِ أهل الْعلم بالشريعة. وَيَقُولُونَ: إِن " الْفِعْل " إِمَّا أَن يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرْع وجوده راجحا على عَدمه وَهُوَ الْوَاجِب وَالْمُسْتَحب. وَإِمَّا أَن يكون عَدمه راجحا على وجوده. وَهُوَ الْمحرم وَالْمَكْرُوه. وَإِمَّا أَن يَسْتَوِي

стр. 431

الْأَمْرَانِ وَهُوَ الْمُبَاح. وَهَذَا التَّقْسِيم بِحَسب الْأَمر الْمُطلق. ثمَّ " الْفِعْل الْمعِين " الَّذِي يُقَال هُوَ مُبَاح إِمَّا أَن تكون مصْلحَته راجحة للْعَبد لاستعانته بِهِ على طَاعَة ولحسن نِيَّته فَهَذَا يصير أَيْضا محبوبا رَاجِح الْوُجُود بِهَذَا الِاعْتِبَار وَإِمَّا أَن يكون مفوتا للْعَبد مَا هُوَ أفضل لَهُ كالمباح الَّذِي يشْغلهُ عَن مُسْتَحبّ فَهَذَا عَدمه خير لَهُ. والسالك المتقرب إِلَى الله بالنوافل بعد الْفَرَائِض لَا يكون الْمُبَاح الْمعِين فِي حَقه مستوي الطَّرفَيْنِ فَإِنَّهُ إِذا لم يستعن بِهِ على طَاعَة كَانَ تَركه وَفعل طَاعَة مَكَانَهُ خيرا لَهُ وَإِنَّمَا قدر وجوده وَعَدَمه سَوَاء إِذا كَانَ مَعَ عَدمه يشْتَغل بمباح مثله. فَيُقَال: لَا فرق بَين هَذَا وَهَذَا، فَهَذَا يصلح للأبرار أهل الْيَمين الَّذين يَتَقَرَّبُون إِلَى الله بالفرائض: أَدَاء الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات، ويشتغلون مَعَ ذَلِك بمباحات. فَهَؤُلَاءِ قد يكون الْمُبَاح الْمعِين يَسْتَوِي وجوده وَعَدَمه فِي حَقهم إِذا كَانُوا عِنْد عَدمه يشتغلون بمباح آخر وَلَا سَبِيل إِلَى أَن تتْرك النَّفس فعلا إِن لم تشتغل بِفعل آخر يضاد الأول؛ إِذْ لَا تكون معطلة عَن جَمِيع الحركات والسكنات.

стр. 432

وَمن هُنَا أنكر الكعبي " الْمُبَاح " فِي الشَّرِيعَة لِأَن كل مُبَاح فَهُوَ يشْتَغل بِهِ عَن محرم، وَترك الْمحرم وَاجِب وَلَا يُمكنهُ تَركه إِلَّا أَن يشْتَغل بضده وَهَذَا الْمُبَاح ضِدّه، وَالْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه، وَالنَّهْي عَنهُ أَمر بضده الْمعِين إِن لم يكن لَهُ إِلَّا ضد وَاحِد وَإِلَّا فَهُوَ أَمر بِأحد أضداده فَأَي ضد تلبس بِهِ كَانَ وَاجِبا من بَاب الْوَاجِب الْمُخَير. وسؤال الكعبي هَذَا أشكل على كثير من النظار فَمنهمْ من اعْترف بِالْعَجزِ عَن جَوَابه: كَأبي الْحسن الْآمِدِيّ، وَقواهُ طَائِفَة بِنَاء على أَن النَّهْي عَن الشَّيْء أَمر بضده كَأبي الْمَعَالِي. وَمِنْهُم من قَالَ: هَذَا فِيمَا كَانَت أضداده محصورة فَأَما مَا لَيست أضداده محصورة فَلَا يكون النَّهْي عَنهُ أمرا بِأَحَدِهِمَا كَمَا يفرق بَين الْوَاجِب الْمُطلق، وَالْوَاجِب الْمُخَير. فَيُقَال فِي الْمُخَير: هُوَ أَمر بِأحد الثَّلَاثَة وَيُقَال فِي الْمُطلق هُوَ أَمر بِالْقدرِ الْمُشْتَرك. وجدي أَبُو البركات يمِيل إِلَى هَذَا.

стр. 433

وَقد ألزموا " الكعبي " إِذا ترك الْحَرَام بِحرَام آخر وَهُوَ قد يَقُول: عَلَيْهِ ترك الْمُحرمَات كلهَا إِلَى مَا لَيْسَ بِمحرم بل إِمَّا مُبَاح وَإِمَّا مُسْتَحبّ وَإِمَّا وَاجِب. و" تَحْقِيق الْأَمر " أَن قَوْلنَا: الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه. وأضداده وَالنَّهْي عَنهُ أَمر بضده أَو بِأحد أضداده من جنس قَوْلنَا: الْأَمر بالشَّيْء أَمر بلوازمه وَمَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب، وَالنَّهْي عَن الشَّيْء نهي عَمَّا لَا يتم اجتنابه إِلَّا بِهِ. فَإِن وجود الْمَأْمُور بِهِ يسْتَلْزم وجود لوازمه وَانْتِفَاء أضداده، بل وجود كل شَيْء هُوَ كَذَلِك يسْتَلْزم وجوده وَانْتِفَاء أضداده وَعدم الْمنْهِي عَنهُ؛ بل وَعدم كل شَيْء يسْتَلْزم عدم ملزوماته وَإِذا كَانَ لَا يعْدم إِلَّا بضد يخلفه كالأكوان فَلَا بُد عِنْد عَدمه من وجود بعض أضداده. فَهَذَا حق فِي نَفسه؛ لَكِن هَذِه اللوازم جَاءَت من ضَرُورَة الْوُجُود وَإِن لم تكن مَقْصُوده لِلْأَمْرِ. وَالْفرق ثَابت بَين مَا يُؤمر بِهِ قصدا مَا يلْزمه فِي الْوُجُود.

стр. 434

(فَالْأول) هُوَ الَّذِي يذم ويعاقب على تَركه بِخِلَاف (الثَّانِي) فَإِن من أَمر بِالْحَجِّ أَو الْجُمُعَة وَكَانَ مَكَانَهُ بَعيدا فَعَلَيهِ أَن يسْعَى من الْمَكَان الْبعيد، والقريب يسْعَى من الْمَكَان الْقَرِيب فَقطع تِلْكَ المسافات من لَوَازِم الْمَأْمُور بِهِ وَمَعَ هَذَا فَإِذا ترك هَذَانِ الْجُمُعَة وَالْحج لم تكن عُقُوبَة الْبعيد أعظم من عُقُوبَة الْقَرِيب بل ذَاك بِالْعَكْسِ أولى مَعَ أَن ثَوَاب الْبعيد أعظم فَلَو كَانَت اللوازم مَقْصُودَة لِلْأَمْرِ لَكَانَ يُعَاقب بِتَرْكِهَا فَكَأَن تكون عُقُوبَة الْبعيد أعظم وَهَذَا بَاطِل قطعا. وَهَكَذَا إِذا فعل الْمَأْمُور بِهِ فَإِنَّهُ لَا بُد من ترك أضداده، لَكِن ترك الأضداد هُوَ من لَوَازِم فعل الْمَأْمُور بِهِ لَيْسَ مَقْصُودا لِلْأَمْرِ بِحَيْثُ إِنَّه إِذا ترك الْمَأْمُور بِهِ عُوقِبَ على تَركه لَا على فعل الأضداد الَّتِي اشْتغل بهَا وَكَذَلِكَ الْمنْهِي عَنهُ مَقْصُود الناهي عَدمه؛ لَيْسَ مَقْصُوده فعل شَيْء من أضداده وَإِذا تَركه متلبسا بضد لَهُ كَانَ ذَلِك من ضَرُورَة التّرْك. وعَلى هَذَا إِذا ترك حَرَامًا بِحرَام آخر فَإِنَّهُ يُعَاقب على الثَّانِي وَلَا يُقَال فعل وَاجِبا وَهُوَ ترك الأول؛ لِأَن الْمَقْصُود عدم الأول، فالمباح الَّذِي اشْتغل بِهِ عَن محرم لم يُؤمر بِهِ وَلَا بأمثاله [كَانَ] أمرا مَقْصُودا؛ لَكِن نهي عَن الْحَرَام وَمن ضَرُورَة ترك الْمنْهِي عَنهُ الِاشْتِغَال بضد من أضداده فَذَاك يَقع

стр. 435

لَازِما لترك الْمنْهِي عَنهُ فَلَيْسَ هُوَ الْوَاجِب الْمَحْدُود بقولنَا " الْوَاجِب مَا يذم تَاركه ويعاقب تَاركه " أَو " يكون تَركه سَببا للذم وَالْعِقَاب ". فقولنا: " مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب " أَو " يجب التَّوَصُّل إِلَى الْوَاجِب بِمَا لَيْسَ بِوَاجِب " يتَضَمَّن إِيجَاب اللوازم. وَالْفرق ثَابت بَين الْوَاجِب " الأول " و " الثَّانِي ". فَإِن الأول يذم تَاركه ويعاقب، وَالثَّانِي وَاجِب وقوعا أَي لَا يحصل الأول إِلَّا بِهِ وَيُؤمر بِهِ أمرا بالوسائل ويثاب عَلَيْهِ لَكِن الْعقُوبَة لَيست على تَركه. وَمن هَذَا الْبَاب إِذا اشتبهت الْميتَة بالمذكى فَإِن الْمحرم الَّذِي يُعَاقب على فعله أَحدهمَا بِحَيْثُ إِذا أكلهما جَمِيعًا لم يُعَاقب عُقُوبَة من أكل ميتتين بل عُقُوبَة من أكل ميتَة وَاحِدَة، وَالْأُخْرَى وَجب تَركهَا وجوب الْوَسَائِل. فَقَوْل من قَالَ: كِلَاهُمَا محرم صَحِيح بِهَذَا الِاعْتِبَار؛ وَقَول من قَالَ: الْمحرم فِي نفس الْأَمر أَحدهمَا صَحِيح أَيْضا بذلك الِاعْتِبَار وَهَذَا نَظِير قَول من قَالَ: يجب التَّوَصُّل إِلَى الْوَاجِب بِمَا لَيْسَ بِوَاجِب. وإنكار أبي حَامِد الْغَزالِيّ وَأبي مُحَمَّد الْمَقْدِسِي على من قَالَ

стр. 436

هَذَا وَمن قَالَ الْمحرم أَحدهمَا لَا يُنَاسب طَريقَة الْفُقَهَاء، وَحَاصِله يرجع إِلَى " نزاع لَفْظِي ". فَإِن الْوُجُوب وَالْحُرْمَة الثَّابِتَة لأَحَدهمَا لَيست ثَابِتَة للْآخر بل هِيَ نوع آخر حَتَّى لَو اشتبهت مملوكته بأجنبية بِاللَّيْلِ وَوَطئهَا يعْتَقد حل وَطْء إِحْدَاهمَا وَتَحْرِيم وَطْء الْأُخْرَى كَانَ وَلَده من مملوكته ثَابتا نسبه بِخِلَاف الْأُخْرَى وَلَو قَدرنَا أَنه اشتبهت أُخْته بأجنبية وَتزَوج إِحْدَاهمَا فحد مثلا ثمَّ تزوج الْأُخْرَى لم يحد حَدَّيْنِ مَعَ أَنه لَا حد فِي ذَلِك لجَوَاز أَن تكون الْمَنْكُوحَة هِيَ الْأَجْنَبِيَّة. وَبِهَذَا تنْحَل " شُبْهَة الكعبي ". فَإِن الْمحرم تَركه مَقْصُود، وَأما الِاشْتِغَال بضد من أضداده فَهُوَ وَسِيلَة. فَإِذا قيل: الْمُبَاح وَاجِب بِمَعْنى وجوب الْوَسَائِل أَي قد يتوسل بِهِ إِلَى فعل وَاجِب وَترك محرم فَهَذَا حق. ثمَّ إِن هَذَا يعْتَبر فِيهِ الْقَصْد؛ فَإِن كَانَ الْإِنْسَان يقْصد أَن يشْتَغل بالمباح ليترك الْمحرم مثل من يشْتَغل بِالنّظرِ إِلَى امْرَأَته وَوَطئهَا ليَدع بذلك النّظر إِلَى

стр. 437

الْأَجْنَبِيَّة وَوَطئهَا أَو يَأْكُل طَعَاما حَلَالا ليشتغل بِهِ عَن الطَّعَام الْحَرَام فَهَذَا يُثَاب على هَذِه النِّيَّة وَالْفِعْل. كَمَا بَين ذَلِك النَّبِي ﷺ بقوله: " ﴿وَفِي بضع أحدكُم صَدَقَة. قَالُوا: يَا رَسُول الله؛ أَيَأتِي أَحَدنَا شَهْوَته وَيكون لَهُ أجر قَالَ: أَرَأَيْتُم لَو وَضعهَا فِي حرَام أما كَانَ عَلَيْهِ وزر؟ قَالُوا: بلَى. قَالَ: فَلم تعتدّون بالحرام وَلَا تعتدّون بالحلال؟﴾ ". وَمِنْه قَوْله ﷺ " ﴿إِن الله يحب أَن تُؤْخَذ بِرُخصِهِ كَمَا يكره أَن تُؤْتى مَعْصِيَته﴾ " رَوَاهُ أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه. وَقد يُقَال: الْمُبَاح يصير وَاجِبا بِهَذَا الِاعْتِبَار وَإِن تعين طَرِيقا صَار وَاجِبا معينا وَإِلَّا كَانَ وَاجِبا مُخَيّرا لَكِن مَعَ هَذَا الْقَصْد وَأما مَعَ الذهول عَن ذَلِك فَلَا يكون وَاجِبا أصلا إِلَّا وجوب الْوَسَائِل إِلَى التّرْك.

стр. 438

وَترك الْمحرم لَا يشْتَرط فِيهِ الْقَصْد. فَكَذَلِك مَا يتوسل بِهِ إِلَيْهِ فَإِذا قيل هُوَ مُبَاح من جِهَة نَفسه وَأَنه قد يجب وجوب المخيرات من جِهَة الْوَسِيلَة لم يمْنَع ذَلِك. فالنزاع فِي هَذَا الْبَاب نزاع لَفْظِي اعتباري. وَإِلَّا فالمعاني الصَّحِيحَة لَا يُنَازع فِيهَا من فهمها. و (الْمَقْصُود هُنَا) : أَن الْأَبْرَار وَأَصْحَاب الْيَمين قد يشتغلون عَن مُبَاح بمباح آخر فَيكون كل من المباحين يَسْتَوِي وجوده وَعَدَمه فِي حَقهم. أما السَّابِقُونَ المقربون فهم إِنَّمَا يستعملون الْمُبَاحَات إِذا كَانَت طَاعَة لحسن الْقَصْد فِيهَا؛ والاستعانة على طَاعَة الله. وَحِينَئِذٍ فمباحاتهم طاعات. وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم تكن الْأَفْعَال فِي حَقهم إِلَّا مَا يتَرَجَّح وجوده فيؤمرون بِهِ شرعا أَمر اسْتِحْبَاب أَو مَا يتَرَجَّح عَدمه فَالْأَفْضَل لَهُم أَلا يفعلوه وَإِن لم يكن فِيهِ إِثْم. والشريعة قد بيّنت أَحْكَام الْأَفْعَال كلهَا فَهَذَا " سُؤال ". و " سُؤال ثَان " وَهُوَ أَنه إِذا قدر أَن من الْأَفْعَال مَا لَيْسَ فِيهِ أَمر وَلَا نهي كَمَا فِي حق الْأَبْرَار فَهَذَا الْفِعْل لَا يحمد وَلَا يذم وَلَا يحب وَلَا يبغض وَلَا ينظر فِيهِ إِلَى وجود

стр. 439

الْقدر وَعَدَمه؛ بل إِن فَعَلُوهُ لم يحْمَدُوا وَإِن لم يفعلوه لم يحْمَدُوا، فَلَا يَجْعَل مِمَّا يحْمَدُونَ عَلَيْهِ أَنهم يكونُونَ فِي هَذَا الْفِعْل كالميت بَين يَدي الْغَاسِل مَعَ كَون هَذَا الْفِعْل صدر باختيارهم وإرادتهم. إِذْ الْكَلَام فِي ذَلِك. وَأما غير " الْأَفْعَال الاختيارية ": وَهُوَ مَا فعل بالإنسان بِغَيْر اخْتِيَاره، كَمَا يحمل الْإِنْسَان وَهُوَ لَا يَسْتَطِيع الِامْتِنَاع، فَهَذَا خَارج عَن التَّكْلِيف مَعَ أَن العَبْد مَأْمُور فِي مثل هَذَا أَن يُحِبهُ إِن كَانَ حَسَنَة ويبغضه إِن كَانَ سَيِّئَة ويخلو عَنْهُمَا إِن لم يكن حَسَنَة وَلَا سَيِّئَة، فَمن جعل الْإِنْسَان فِيمَا يَسْتَعْمِلهُ فِيهِ الْقدر من الْأَفْعَال الاختيارية - كالميت بَين يَدي الْغَاسِل - فقد رفع الْأَمر وَالنَّهْي عَنهُ فِي الْأَفْعَال الاختيارية وَهَذَا بَاطِل. و" سُؤال ثَالِث ": وَهُوَ أَن حَقِيقَة هَذَا القَوْل طي بِسَاط الْأَمر وَالنَّهْي عَن العَبْد فِي هَذِه الْأَحْوَال مَعَ كَون أَفعاله اختيارية، وهب أَنه لَيْسَ لَهُ هوى فَلَيْسَ كل مَا لَا هوى فِيهِ يسْقط عَنهُ فِيهِ الْأَمر وَالنَّهْي بل عَلَيْهِ أَن يحب مَا أحبه الله وَرَسُوله وَيبغض مَا أبغضه الله وَرَسُوله. قيل: هَذِه الأسولة أسولة صَحِيحَة. وَفصل الْخطاب أَن السالك قد يخفى عَلَيْهِ الْأَمر وَالنَّهْي بِحَيْثُ لَا يدْرِي هَل ذَلِك الْفِعْل مَأْمُور بِهِ شرعا أَو مَنْهِيّ عَنهُ شرعا؛ فَيبقى هَوَاهُ لِئَلَّا يكون

стр. 440

لَهُ هوى فِيهِ ثمَّ يسلم فِيهِ للقدر، وَهُوَ فعل الرب لعدم مَعْرفَته بِرِضا الرب وَأمره وحبه فِي ذَلِك الْفِعْل. وَهَذَا يعرض لكثير من أَئِمَّة الْعباد وأئمة الْعلمَاء فَإِنَّهُ قد تكون عِنْدهم أَفعَال وأقوال لَا يعْرفُونَ حكم الله الشَّرْعِيّ فِيهَا بل قد تَعَارَضَت عِنْدهم فِيهَا الْأَدِلَّة أَو خفيت الْأَدِلَّة بِالْكُلِّيَّةِ فيكونون معذورين لخفاء الشَّرْع عَلَيْهِم. وَحكم الشَّرْع إِنَّمَا يثبت فِي حق العَبْد إِذا تمكن من مَعْرفَته فَأَما مَا لم يبلغهُ وَلم يتَمَكَّن من مَعْرفَته فَلَا يُطَالب بِهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَن يَتَّقِي الله مَا اسْتَطَاعَ. وَهَذَا خطأ فِي الْعلم وَلَيْسَ خطأ فِي الْعَمَل وَهُوَ كالمجتهد الْمُخطئ لَهُ أجر على قَصده واجتهاده، وخطؤه مَرْفُوع عَنهُ. فَإِن قيل: فَإِذا كَانَ الْأَمر هَكَذَا. فَالْوَاجِب على العَبْد أَن يتَوَقَّف فِي مثل هَذِه الْحَال إِذا لم يتَبَيَّن لَهُ أَن ذَلِك الْفِعْل مَأْمُور بِهِ أَو مَنْهِيّ عَنهُ وَهُوَ لَا يُرِيد أَن يفعل شَيْئا لَا مدح فِيهِ وَلَا ذمّ فيقف لَا يستسلم للقدر وَيصير محلا لما يسْتَعْمل فِيهِ من الْأَفْعَال اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا فعل غَيره فعلا فَهُوَ لَا يمدحه وَلَا يذمه وَلَا يرضاه وَلَا يسخطه؛ إِذا لم يتَبَيَّن لَهُ حكمه. فَأَما كَونه هُوَ من أَفعاله الاختيارية يصير مستسلما لما يَسْتَعْمِلهُ الْقدر فِيهِ: كالطفل مَعَ الظِّئْر وَالْمَيِّت مَعَ الْغَاسِل فَهَذَا مَا لم يَأْمر الله بِهِ وَلَا رَسُوله بل هَذَا

стр. 441

محرم، وَإِن عفى عَن صَاحبه وَحسب صَاحبه أَن يعفي عَنهُ؛ لاجتهاده وَحسن قَصده. أما كَونه يحمد على ذَلِك وَيجْعَل هَذَا أفضل المقامات فَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، وَكَونه مُجَردا عَن هَوَاهُ لَيْسَ مسوغا لَهُ أَن يستسلم لكل مَا يفعل بِهِ. ثمَّ يُقَال الْأُمُور مَعَ هَذَا نَوْعَانِ: (أَحدهمَا) : أَن يفعل بِهِ بِغَيْر اخْتِيَاره كَمَا يحمل الْإِنْسَان وَلَا يُمكنهُ الِامْتِنَاع، وكما تضجع الْمَرْأَة قهرا وتوطأ فَهَذَا لَا إِثْم فِيهِ بِاتِّفَاق الْعلمَاء. وَإِمَّا أَن يكره بِالْإِكْرَاهِ الشَّرْعِيّ حَتَّى يفعل، فَهَذَا أَيْضا مَعْفُو عَنهُ فِي الْأَفْعَال عِنْد الْجُمْهُور، وَهُوَ أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُكْرهن فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم﴾ . وَأما إِذا لم يكره الْإِكْرَاه الشَّرْعِيّ فاستسلامه للْفِعْل الْمُطلق الَّذِي لَا يعرف أخير هُوَ أم شَرّ، لَيْسَ هُوَ مَأْمُورا بِهِ وَإِن جرى على يَده خرق عَادَة أَو لم يجر فَلَيْسَ هُوَ مَأْمُورا أَن يفعل إِلَّا مَا هُوَ خير عِنْد الله وَرَسُوله. قيل: هَذَا السُّؤَال صَحِيح وَحَقِيقَة الْأَمر أَن السالكين إِذا وصلوا إِلَى هَذَا الْمقَام فبحسن قصدهم وتسليمهم وخضوعهم لرَبهم وطلبهم مِنْهُ أَن يخْتَار لَهُم مَا هُوَ الْأَصْلَح إِذا استعملوا فِي أَمر وهم لَا يعْرفُونَ حكمه فِي الشَّرْع رجوا أَن يكون خيرا؛ لِأَن معرفتهم بِحكمِهِ قد تتعذر عَلَيْهِم،

стр. 442

وَالْإِنْسَان غير عَالم فِي كل حَال بِمَا هُوَ الْأَصْلَح لَهُ فِي دينه وَبِمَا هُوَ رضَا الله وَرَسُوله فَيبقى حَالهم حَال المستخير لله فِيمَا لم يعلم عاقبته إِذا قَالَ: " ﴿اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وَأَسْأَلك من فضلك الْعَظِيم؛ فَإنَّك تقدر وَلَا أقدر؛ وَتعلم وَلَا أعلم؛ وَأَنت علام الغيوب. اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر خير لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي فاقدره لي ويسره لي ثمَّ بَارك لي فِيهِ. وَإِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر شَرّ لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي فأصرفه عني واصرفني عَنهُ واقدر لي الْخَيْر حَيْثُ كَانَ ثمَّ رضني بِهِ﴾ ". فَإِذا استخار الله كَانَ مَا شرح لَهُ صَدره وتيسر لَهُ من الْأُمُور هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الله لَهُ. إِذْ لم يكن مَعَه دَلِيل شَرْعِي على أَن عين هَذَا الْفِعْل هُوَ مَأْمُور بِهِ فِي هَذِه الْحَال فَإِن الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا تَأمر بِأَمْر مُطلق عَام لَا بِعَين كل فعل من كل فَاعل إِذْ كَانَ هَذَا مُمْتَنعا؛ وَإِن كَانَ ذَلِك الْمعِين يُمكن إدراجه تَحت بعض خطاب الشَّارِع الْعَام؛ إِذا كَانَت الْأَفْرَاد الْمعينَة دَاخِلَة تَحت الْأَمر الْعَام الْكُلِّي؛ لَكِن لَا يقدر كل أحد على استحضار هَذَا وَلَا على استحضار أَنْوَاع الْخطاب.

стр. 443

وَلِهَذَا كَانَ الْفُقَهَاء يعدلُونَ إِلَى الْقيَاس عِنْد خَفَاء ذَلِك عَلَيْهِم. ثمَّ " الْقيَاس أَيْضا قد لَا يحصل فِي كل وَاقعَة فقد يخفى على الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان دُخُول الْوَاقِعَة الْمعينَة تَحت خطاب عَام أَو اعْتِبَارهَا بنظير لَهَا فَلَا يعرف لَهَا أصل وَلَا نَظِير. هَذَا مَعَ كَثْرَة نظرهم فِي خطاب الشَّارِع وَمَعْرِفَة مَعَانِيه ودلالته على الْأَحْكَام. فَكيف بِمن لم يكن كَذَلِك؟ ثمَّ السالك لَيْسَ قَصده معرفَة الْحَلَال من الْحَرَام؛ بل مَقْصُوده أَن هَذَا الْفِعْل الْمعِين خير من هَذَا وَهَذَا خير من هَذَا وَأيهمَا أحب إِلَى الله فِي حَقه فِي تِلْكَ الْحَال. وَهَذَا بَاب وَاسع لَا يُحِيط بِهِ إِلَّا الله وَلكُل سالك حَال تخصه قد يُؤمر فِيهَا بِمَا ينْهَى عَنهُ غَيره وَيُؤمر فِي حَال بِمَا ينْهَى عَنهُ فِي حَال آخر. فَقَالُوا: نَحن نَفْعل الْخَيْر بِحَسب الْإِمْكَان وَهُوَ فعل مَا علمنَا أَنا أمرنَا بِهِ ونترك أصل الشَّرّ وَهُوَ هوى النَّفس ونلجأ إِلَى الله فِيمَا سوى ذَلِك أَن يوفقنا لما هُوَ أحب إِلَيْهِ وأرضى لَهُ؛ فَمَا استعملنا فِيهِ رجونا أَن يكون من هَذَا الْبَاب؛ ثمَّ إِن أصبْنَا فلنا أَجْرَانِ وَإِلَّا فلنا أجر وخطؤنا محطوط عَنَّا فَهَذَا هَذَا. وَحِينَئِذٍ فَمن قدر أَنه علم الْمَشْرُوع وَفعله فَهُوَ أفضل من هَذَا، وَلَكِن

стр. 444

كثير مِمَّن يعلم الْمَشْرُوع لَا يَفْعَله وَلَا يقْصد أحب الْأُمُور إِلَى الله، وَكثير مِنْهُم يَفْعَله بشوب من الْهوى فَيبقى هَذَا يفعل الْمَشْرُوع بهوى، وَهَذَا يتْرك مَا لم يعلم أَنه مَشْرُوع بِلَا هوى. فَهَذَا نقص فِي الْعلم، وَذَاكَ نقص فِي الْعَمَل؛ إِذْ الْعَمَل بهوى النَّفس نقص فِي الْعَمَل وَلَو كَانَ الْمَفْعُول وَاجِبا. فَيُقَال: إِن تَابَ صَاحب الْهوى من هَوَاهُ كَانَ أرفع بِعِلْمِهِ وَإِن لم يتب فَلهُ نصيب من عَالم السوء. وَلِهَذَا تشاجر رجلَانِ من الْمُتَقَدِّمين عَام الْحكمَيْنِ فِي مثل هَذَا. فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: إِنَّمَا مثلك مثل الْكَلْب؛ إِن تحمل عَلَيْهِ يَلْهَث أَو تتركه يَلْهَث. وَقَالَ الآخر: أَنْت كالحمار يحمل أسفارا؛ فَهَذَا أحسن قصدا وَأقوى علما. وَلِهَذَا تَجِد أَصْحَاب حسن الْقَصْد إِنَّمَا يعيبون على هَؤُلَاءِ اتِّبَاع الْهوى وَحب الدُّنْيَا والرئاسة، وَأهل الْعلم يعيبون على أُولَئِكَ نقص علمهمْ بِالشَّرْعِ، وعدولهم عَن الْأَمر وَالنَّهْي فَهَذَا هَذَا. وَالله هُوَ الْمَسْئُول أَن يهدينا إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أنعم عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا. وَقد قَالَ بعض (أهل الْفِقْه والزهد) : من النَّاس من سلك " الشَّرِيعَة " وَمِنْهُم من سلك " الْحَقِيقَة ". وَلَعَلَّه أَرَادَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء؛ فَإِن هَؤُلَاءِ يرجحون بِمَا ييسره الله،

стр. 445

مَعَ حسن الْقَصْد وَاتِّبَاع الْأَمر وَالنَّهْي الْمَعْلُوم لَهُم مَعَ خَفَاء الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة فِي ذَلِك المتيسر لَهُم وَهَؤُلَاء يرجحون بالأدلة الشَّرْعِيَّة من الظَّوَاهِر والأقيسة وأخبار الْآحَاد وأقوال الْعلمَاء مَعَ خَفَاء الْأَمر المتيسر لَهُم. و (أَيْضا فَهَؤُلَاءِ) قد يشْهدُونَ مَا فِي ذَلِك الْفِعْل الْمَقْدُور من الْمصلحَة وَالْخَيْر فيرجحونه بِحكم الْإِيمَان وَإِن لم يعرفوا دَلِيلا من النَّص على حسنه وَأُولَئِكَ إِنَّمَا يرجحون بالنصوص وَمَا استنبط مِنْهَا. فَهَؤُلَاءِ لَهُم الْقُرْآن وَهَؤُلَاء لَهُم الْإِيمَان. وَسبب هَذَا أَن كلا من الطَّائِفَتَيْنِ خَفِي عَلَيْهِ مَا مَعَ الْأُخْرَى من الْحق، وكل من الطَّائِفَتَيْنِ فِي طريقها حق وباطل. فَأَما المدعون للْحَقِيقَة بِدُونِ مُرَاعَاة الْأَمر وَالنَّهْي الشرعيين فهم ضالون؛ كَالَّذِين يعْرفُونَ الْأَمر وَالنَّهْي وَلَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَا يهوونه من الْكَبَائِر فَإِنَّهُم فساق. وَهَؤُلَاء وَهَؤُلَاء الَّذين قيل فيهم: " احْذَرُوا فتْنَة الْعَالم الْفَاجِر وَالْعَابِد الْجَاهِل فَإِن فتنتهما فتْنَة لكل مفتون ". و" الْحَقِيقَة " قد تكون قدرية وَقد تكون ذوقية وَقد تكون شَرْعِيَّة وَلَفظ " الشَّرْع " يتَنَاوَل الْمُبدل والمؤول والمنزل.

стр. 446

و (الْمَقْصُود هُنَا) ذكر أهل الاسْتقَامَة من الطَّائِفَتَيْنِ، وَالْكَلَام على حَال أهل الْعِبَادَة والإرادة الَّذين خَرجُوا عَن الْهوى وَهُوَ الْفرق الطبعي وَقَامُوا بِمَا علموه من الْفرق الشَّرْعِيّ. وَبَقِي " قسم ثَالِث " لَيْسَ لَهُم فِيهِ فرق طبعي وَلَا عِنْدهم فِيهِ فرق شَرْعِي فَهُوَ الَّذِي جروا فِيهِ مَعَ الْفِعْل وَالْقدر. وَأما من جرى مَعَ الْفرق الطبعي إِمَّا عَالما بِأَنَّهُ عَاص وَهُوَ الْعَالم الْفَاجِر أَو محتجا بِالْقدرِ أَو بذوقه ووجده معرضًا عَن الْكتاب وَالسّنة وَهُوَ العابد الْجَاهِل فَهَذَا خَارج عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم. وَهَذَا مِمَّا يبين حَال كَمَال حَال الصَّحَابَة وَأَنَّهُمْ خير قُرُون هَذِه الْأمة؛ إِذْ كَانُوا فِي خلَافَة النُّبُوَّة يقومُونَ بالفروق الشَّرْعِيَّة فِي جليل الْأُمُور ودقيقها مَعَ اتساع الْأَمر وَالْوَاحد من الْمُتَأَخِّرين قد يعجز عَن معرفَة الفروق الشَّرْعِيَّة فِيمَا يَخُصُّهُ كَمَا أَن الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ يتبع هَوَاهُ فِي أَمر قَلِيل. فَأُولَئِك مَعَ عَظِيم مَا دخلُوا فِيهِ من الْأَمر وَالنَّهْي لَهُم الْعلم الَّذِي يميزون بِهِ بَين الْحَسَنَات والسيئات وَلَهُم الْقَصْد الْحسن الَّذِي يَفْعَلُونَ بِهِ الْحَسَنَات. وَالْكثير من الْمُتَأَخِّرين الْعَالمين والعابدين يفوت أحدهم الْعلم فِي كثير من الْحَسَنَات والسيئات حَتَّى يظنّ السَّيئَة حَسَنَة وَبِالْعَكْسِ، أَو يفوتهُ الْقَصْد فِي كثير من الْأَعْمَال حَتَّى يتبع هَوَاهُ فِيمَا وضح لَهُ من الْأَمر وَالنَّهْي. فنسأل الله أَن يهدينا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أنعم عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ.

стр. 447

هَذَا لعمري إِذا كَانَ عِنْد الْعَالم مَا هُوَ أَمر الشَّارِع وَنَهْيه حَقِيقَة وَعند العابد حسن الْقَصْد الْخَالِي عَن الْهوى حَقِيقَة فَأَما من خلط الشَّرْع الْمنزل بالمبدل والمؤول، وخلط الْقَصْد الْحسن بِاتِّبَاع الْهوى فَهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء مخلطون فِي علمهمْ وعملهم. وتخليط هَؤُلَاءِ فِي الْعلم سوى تخليطهم وتخليط غَيرهم فِي الْقَصْد، وتخليط هَؤُلَاءِ فِي الْقَصْد سوى تخليطهم وتخليط غَيرهم فِي الْعلم فَإِنَّهُ من عمل بِمَا علم وَرثهُ الله علم مَا لم يعلم. و " حسن الْقَصْد " من أعون الْأَشْيَاء على نيل الْعلم ودركه. و " الْعلم الشَّرْعِيّ " من أعون الْأَشْيَاء على حسن الْقَصْد وَالْعَمَل الصَّالح فَإِن الْعلم قَائِد وَالْعَمَل سائق، وَالنَّفس حرون فَإِن ونى قائدها لم تستقم لسائقها وَإِن ونى سائقها لم تستقم لقائدها فَإِذا ضعف الْعلم حَار السالك وَلم يدر أَيْن يسْلك فغايته أَن يستطرح للقدر وَإِذا ترك الْعَمَل حاد السالك عَن الطَّرِيق فسلك غَيره مَعَ علمه أَنه تَركه فَهَذَا حائر لَا يدْرِي أَيْن يسْلك مَعَ كَثْرَة سيره وَهَذَا حائد عَن الطَّرِيق زائغ عَنهُ مَعَ علمه بِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم﴾ . هَذَا جَاهِل وَهَذَا ظَالِم. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ . مَعَ أَن الْجَهْل وَالظُّلم متقاربان لَكِن الْجَاهِل لَا يدْرِي أَنه ظَالِم،

стр. 448

والظالم جهل الْحَقِيقَة الْمَانِعَة لَهُ من الْعلم. قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا التَّوْبَة على الله للَّذين يعْملُونَ السوء بِجَهَالَة ثمَّ يتوبون من قريب﴾ . قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: سَأَلت أَصْحَاب مُحَمَّد فَقَالُوا: كل من عصى الله فَهُوَ جَاهِل وكل من تَابَ قبل الْمَوْت فقد تَابَ من قريب. وَقد روى الْخلال عَن أبي حَيَّان التَّيْمِيّ قَالَ: " الْعلمَاء ثَلَاثَة " فعالم بِاللَّه لَيْسَ عَالما بِأَمْر الله، وعالم بِأَمْر الله لَيْسَ عَالما بِاللَّه، وعالم بِاللَّه وبأمر الله. فالعالم بِاللَّه الَّذِي يخشاه والعالم بِأَمْر الله الَّذِي يعرف أمره وَنَهْيه. قلت: والخشية تمنع اتِّبَاع الْهوى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى﴾ ﴿فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى﴾ . والكمال فِي عدم الْهوى وَفِي الْعلم، وَذَلِكَ هُوَ لخاتم الرُّسُل ﷺ الَّذِي قَالَ فِيهِ: ﴿والنجم إِذا هوى﴾ ﴿مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾ ﴿إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ فنفى عَنهُ الضلال والغي وَوَصفه بِأَنَّهُ مَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى فنفى الْهوى وَأثبت الْعلم الْكَامِل وَهُوَ الْوَحْي فَهَذَا كَمَال الْعلم وَذَاكَ كَمَال الْقَصْد ﷺ ، وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا.

стр. 449

وَوصف أعداءه بضد هذَيْن فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى﴾ فالكمال الْمُطلق للْإنْسَان هُوَ تَكْمِيل الْعُبُودِيَّة لله علما وقصدا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ عَن إِبْلِيس: ﴿قَالَ فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ ﴿إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ . وَقَالَ: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنَّه من عبادنَا المخلصين﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على الَّذين آمنُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون﴾ . و " عِبَادَته " تَعَالَى هِيَ طَاعَة أمره، وَأمره لنا مَا بلغه الرَّسُول عَنهُ؛ فالكمال فِي كَمَال طَاعَة الله وَرَسُوله بَاطِنا وظاهرا وَمن كَانَ لم يعرف مَا أَمر الله بِهِ فَترك هَوَاهُ واستسلم للقدر أَو اجْتهد فِي الطَّاعَة فَأَخْطَأَ، فعل الْمَأْمُور بِهِ إِلَى مَا اعتقده مَأْمُورا بِهِ أَو تَعَارَضَت عِنْده الْأَدِلَّة فتوقف عَمَّا هُوَ طَاعَة فِي نفس الْأَمر، فَهَؤُلَاءِ

стр. 450

مطيعون لله يثابون على مَا أحسنوه من الْقَصْد لله واستفرغوه من وسعهم فِي طَاعَة الله وَمَا عجزوا عَن علمه فأخطئوه إِلَى غَيره فمغفور لَهُم. وَهَذَا من أَسبَاب فتن تقع بَين الْأمة فَإِن أَقْوَامًا يَقُولُونَ ويفعلون أمورا هم مجتهدون فِيهَا وَقد أخطئوا فتبلغ أَقْوَامًا يظنون أَنهم تعمدوا فِيهَا الذَّنب أَو يظنون أَنهم لَا يعذرُونَ بالْخَطَأ وهم أَيْضا مجتهدون مخطئون فَيكون هَذَا مُجْتَهدا مخطئا فِي فعله وَهَذَا مُجْتَهدا مخطئا فِي إِنْكَاره وَالْكل مغْفُور لَهُم. وَقد يكون أَحدهمَا مذنبا كَمَا قد يكونَانِ جَمِيعًا مذنبين. وَخير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة. وَالْوَاحد من هَؤُلَاءِ قد يعْطى تَصرفا بِالْأَمر وَالنَّهْي. فيولي ويعزل وَيُعْطِي وَيمْنَع فيظن الظَّان أَن هَذَا كَمَال وَإِنَّمَا يكون كمالا إِذا كَانَ مُوَافقا لِلْأَمْرِ فَيكون طَاعَة لله وَإِلَّا فَهُوَ من جنس الْملك وأفعال الْملك: إِمَّا ذَنْب وَإِمَّا عَفْو وَإِمَّا طَاعَة. فالخلفاء الراشدون أفعالهم طَاعَة وَعبادَة وهم أَتبَاع العَبْد الرَّسُول ﷺ ، وَهِي طَرِيق السَّابِقين المقربين. وَأما طَرِيق الْمُلُوك العادلين فإمَّا

стр. 451

طَاعَة وَإِمَّا عَفْو؛ وَهِي طَريقَة الْأَنْبِيَاء الْمُلُوك؛ وَطَرِيقَة الْأَبْرَار أَصْحَاب الْيَمين. وَأما طَريقَة الْمُلُوك الظَّالِمين: فتتضمن الْمعاصِي؛ وَهِي طَريقَة الظَّالِمين لأَنْفُسِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات بِإِذن الله ذَلِك هُوَ الْفضل الْكَبِير﴾ فَلَا يخرج الْوَاحِد من الْمُؤمنِينَ عَن أَن يكون من أحد هَذِه الْأَصْنَاف: إِمَّا ظَالِم لنَفسِهِ وَإِمَّا مقتصد وَإِمَّا سَابق بالخيرات. و" خوارق الْعَادَات " إِمَّا مكاشفة وَهِي من جنس الْعلم الخارق وَإِمَّا تصرف وَهِي من جنس الْقُدْرَة الخارقة؛ وأصحابها لَا يخرجُون عَن الْأَقْسَام الثَّلَاثَة. فصل وَقد تفرّق النَّاس فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي هُوَ غَايَة مطَالب الْعباد، فطائفة من الفلاسفة وَنَحْوهم يظنون أَن كَمَال النَّفس فِي مُجَرّد الْعلم، ويجعلون الْعلم الَّذِي بِهِ يكمل مَا يعرفونه هم من علم مَا بعد الطبيعة، ويجعلون الْعِبَادَات رياضة لأخلاق النَّفس حَتَّى تستعد للْعلم فَتَصِير النَّفس عَالما معقولا موازيا للْعَالم الْمَوْجُود. الفلاسفة ضالون كافرون من وُجُوه: وَهَؤُلَاء ضالون، بل كافرون من وُجُوه: مِنْهَا: الأول: أَنهم اعتقدوا الْكَمَال فِي مُجَرّد الْعلم، كَمَا اعْتقد جهم، والصالحي،

стр. 452

والأشعري فِي الْمَشْهُور من قَوْله، وَأكْثر أَتْبَاعه: أَن الْإِيمَان مُجَرّد الْعلم. لَكِن المتفلسفة أَسْوَأ حَالا من الْجَهْمِية، فَإِن الْجَهْمِية يجْعَلُونَ الْإِيمَان هُوَ الْعلم بِاللَّه، وَأُولَئِكَ يجْعَلُونَ كَمَال النَّفس فِي أَن تعلم الْوُجُود الْمُطلق من حَيْثُ هُوَ وجود، وَالْمُطلق بِشَرْط الْإِطْلَاق إِنَّمَا يكون فِي الأذهان لَا فِي الْأَعْيَان، وَالْمُطلق لَا بِشَرْط لَا يُوجد أَيْضا فِي الْخَارِج إِلَّا معينا، وَإِن علمُوا الْوُجُود الْكُلِّي المنقسم إِلَى وَاجِب وممكن، فَلَيْسَ لمعلوم علمهمْ وجود فِي الْخَارِج. وَهَكَذَا من تصوف وتألَّه على طريقتهم كَابْن عَرَبِيّ وَابْن سبعين وَنَحْوهمَا. وَأَيْضًا فَإِن الْجَهْمِية مقرُّون بالرسل وَبِمَا جاؤوا بِهِ من حَيْثُ الْجُمْلَة، مقرّون بِأَن الله خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام، وَغير ذَلِك مِمَّا جَاءَت بِهِ الرُّسُل، بِخِلَاف المتفلسفة. وَبِالْجُمْلَةِ فكمال النَّفس لَيْسَ فِي مُجَرّد الْعلم، بل لَا بُد مَعَ الْعلم بِاللَّه من محبته وعبادته والإنابة إِلَيْهِ، فَهَذَا عمل النَّفس وإرادتها، وَذَاكَ علمهَا ومعرفتها. الثَّانِي: الْوَجْه الثَّانِي: أَنهم ظنُّوا أَن الْعلم الَّذِي تكمل بِهِ النَّفس هُوَ علمهمْ، وَكثير مِنْهُ جهل لَا علم.

стр. 453

الثَّالِث: الثَّالِث: أَنهم لم يعرفوا الْعلم الإلهي الَّذِي جَاءَت بِهِ الرُّسُل، وَهُوَ الْعلم الْأَعْلَى الَّذِي تكمل بِهِ النَّفس، مَعَ الْعَمَل بِمُوجبِه. الرَّابِع: الرَّابِع: أَنهم يرَوْنَ أَنه إِذا حصل لَهُم ذَاك الْعلم سَقَطت عَنْهُم وَاجِبَات الشَّرْع وأبيحت لَهُم محرماته، وَهَذِه طَريقَة الباطنية من الإسماعيلية وَغَيرهم، مثل أبي يَعْقُوب السجسْتانِي صَاحب " الأقاليد الملكوتية " وَأَمْثَاله، وَطَرِيقَة من وافقهم من ملاحدة الصُّوفِيَّة الَّذين يتأوّلون قَوْله: ﴿واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ إِنَّك تعْمل حَتَّى يحصل لَك الْعلم، فَإِذا حصل الْعلم سقط عَنْك الْعَمَل. وَقد قيل للجنيد: إِن قوما يَقُولُونَ: إِنَّهُم يصلونَ من طَرِيق الْبر إِلَى أَن تسْقط عَنْهُم الْفَرَائِض وتباح لَهُم الْمَحَارِم، أَو نَحْو هَذَا الْكَلَام. فَقَالَ: الَّذِي يَزْنِي وَيسْرق وَيشْرب الْخمر أحسن حَالا من هَذَا. وَمن هَؤُلَاءِ من يكون طلبه للمكاشفة وَنَحْوهَا من الْعلم أعظم من طلبه لما فرض الله عَلَيْهِ، وَيَقُول فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْعِصْمَة فِي الحركات

стр. 454

والسكنات، والخطرات والإرادات والكلمات، من الشكوك والظنون والأوهام الساترة للقلوب عَن مطالعة الغيوب. وأصل المتفلسفة أَن الفلسفة الَّتِي هِيَ الْكَمَال عِنْدهم هِيَ التَّشَبُّه بالإله على قدر الطَّاقَة، وهم يَقُولُونَ: إِن حركات الأفلاك لأجل التَّشَبُّه بِالْأولِ. وعَلى هَذَا بنى أَبُو حَامِد كِتَابه فِي " شرح الْأَسْمَاء الْحسنى "، وتخلق العَبْد بأخلاق الله، وَأنكر ذَلِك عَلَيْهِ الْمَازرِيّ وَغَيره، وَقَالُوا: لَيْسَ لله خلق يتخلق بِهِ العَبْد. وَعدل أَبُو الحكم بن برجان عَن لفظ التخلق إِلَى لفظ التَّعَبُّد. وعَلى هَذَا الأَصْل الفلسفي بنى ابْن عَرَبِيّ معنى ولي الله، وَأَنه المتشبّه بِهِ المتخلّق بأخلاقه، كَمَا يُفَسر أَبُو حَامِد التَّقَرُّب من الله بالتشبه بِهِ، وَابْن عَرَبِيّ وَنَحْوه يجْعَلُونَ الْوَلِيّ أفضل من النَّبِي بِنَاء على أصُولهم الفلسفيّة الاتحادية.

стр. 455

وَطَائِفَة أُخْرَى عِنْدهم أَن الْكَمَال فِي الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان وَالتَّصَرُّف فِي الْوُجُود، بنفاذ الْأَمر وَالنَّهْي، إِمَّا بِالْملكِ وَالْولَايَة الظَّاهِرَة، وَإِمَّا بالباطن، وَتَكون عِبَادَتهم ومجاهدتهم كَذَلِك. وَكثير من هَؤُلَاءِ يدْخل فِي الشّرك وَالسحر، فيعبد الْكَوَاكِب والأصنام لتعينه الشَّيَاطِين على مقاصده، وَهَؤُلَاء أضلّ وأجهل من الَّذين قبلهم. وَعَامة من يعبد الله لطلب خوارق الْعَادَات يكون فِيهِ نصيبٌ من هَذَا. وَلِهَذَا كَانَ مِنْهُم من يَمُوت فَاسِقًا أَو مسلوبًا، وَكلهمْ ضلاَّل جهال. وَطَائِفَة تجْعَل الْكَمَال فِي مَجْمُوع الْأَمريْنِ، فَيدْخلُونَ فِي أَقْوَال وأعمال من الشّرك وَالسحر، ليستعينوا بالشياطين على مَا يطلبونه من الْإِخْبَار بالأمور الغائبة، وعَلى مَا ينفذ بِهِ تصرفهم فِي الْعَالم. وَأما الْحق الْمُبين فَهُوَ أَن كَمَال الْإِنْسَان فِي أَن يعبد الله علما وَعَملا، كَمَا أمره ربه. وهؤلاءِ هم عبادُ الله، وهم الْمُؤْمِنُونَ والمسلمون، وهم أَوْلِيَاء الله المتقون، وحزب الله المفلحون، وجند الله الغالبون، وهم أهل الْعلم النافع، وَالْعَمَل الصَّالح، وهم الَّذين زكُّوا نُفُوسهم وكمَّلوها. كملوا القوَّة النظرية العلمية، وَالْقُوَّة الإرادية العملية. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .

стр. 456

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . هَذَا مَا وجد فِي الأَصْل. وَصلى الله على مُحَمَّد النَّبِي وَآله وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا. كتبه مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ الْخَطِيب بقرية بييلا فِي ثَانِي عشر جُمَادَى الأول سنة أَربع وَسَبْعمائة.

стр. 457

الرسَالَة الثَّالِثَة قَاعِدَة فِي الْمحبَّة

стр. 458

فصل فِي الْحبّ والبغض لأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم على الله توكلي الْحَمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وحبيبه وخليله وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا أما بعد فَهَذِهِ قَاعِدَة عَظِيمَة فِي الْمحبَّة وَمَا يتَعَلَّق بهَا من جمع الإِمَام الْعَلامَة شيخ الْإِسْلَام بركَة الْأَنَام بَقِيَّة السّلف الْكِرَام أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن الشَّيْخ شهَاب الدَّين عبد الْحَلِيم بن الشيح مجد الدَّين أَبى البركات عبد السَّلَام ابْن تيميه ﵁ وأرضاه الْحبّ والإرادة أصل كل فعل وحركة فِي الْعَالم والبغض وَالْكَرَاهَة أصل كل ترك فِيهِ قَالَ ﵁ فصل فِي الْحبّ والبغض والمحمود من ذَلِك والمذموم وأصل كل فعل وحركة فِي الْعَالم من الْحبّ والإرادة فَهُوَ أصل كل فعل ومبدؤه كَمَا أَن البغض وَالْكَرَاهَة مَانع وصاد لكل مَا انْعَقَد بِسَبَبِهِ ومادته فَهُوَ أصل كل ترك إِذا فسر التّرْك بِالْأَمر الوجودي كَمَا يفسره بذلك أَكثر أهل النّظر وَإِذا عني بِالتّرْكِ مُجَرّد عدم الْفِعْل فَعدم الْفِعْل تَارَة يكون لعدم مقتضيه من الْمحبَّة والإرادة ولوازمهما وَقد يكون لوُجُود مانعه من البغض وَالْكَرَاهَة وَغَيرهمَا

стр. 459

فَأَما وجود الْفِعْل فَلَا يكون إِلَّا عَن محبَّة وَإِرَادَة حَتَّى دَفعه للأمور الَّتِي يكرهها ويبغضها هُوَ لما فِي ذَلِك من المحبوب أَو اللَّذَّة يجدهَا بِالدفع فَيُقَال شفى صَدره وَقَلبه والشفاء والعافية بمحبوب والمحبة والإرادة تكون إِمَّا بِوَاسِطَة وَإِمَّا بِغَيْر وَاسِطَة مثل فعله للأشياء الَّتِي يكرهها كشرب الدَّوَاء وَالْمَكْرُوه وَفعل الْأَشْيَاء الْمُخَالفَة لهواه وَصَبره وَنَحْو ذَلِك فَإِن هَذِه الْأُمُور وَإِن كَانَت مَكْرُوهَة من بعض الْوُجُوه فَإِنَّمَا يفعل أَيْضا لمحبة وَإِرَادَة وَإِن لم تكن الْمحبَّة لنَفسهَا بل الْمحبَّة لملازمها فَإِنَّهُ يحب الْعَافِيَة وَالصِّحَّة المستلزمة لإِرَادَة شرب الدَّوَاء وَيُحب رَحْمَة الله ونجاته من عَذَابه المستلزم لإِرَادَة ترك مَا يهواه كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِمَّا من خَافَ مقَام ربه وَنهي النَّفس عَن الْهَوِي فَلَا يتْرك الْحَيّ مَا يُحِبهُ ويهواه إِلَّا لما يُحِبهُ ويهواه لَكِن يتْرك أضعفهما محبَّة لأقواهما محبَّة كَمَا يفعل مَا يكرههُ لما محبته أقوي من كَرَاهَة ذَلِك وكما يتْرك مَا يُحِبهُ لما كَرَاهَته أقوي من محبَّة ذَلِك وَلِهَذَا كَانَت الْمحبَّة والإرادة أصلا للبغض وَالْكَرَاهَة وَعلة لَهَا ولازما مستلزما لَهَا من غير عِلّة وَفعل البغض فِي الْعَالم إِنَّمَا هُوَ لمنافاة المحبوب وَلَوْلَا وجود المحبوب لم يكن البغض بِخِلَاف الْحبّ للشَّيْء فَإِنَّهُ قد يكون لنَفسِهِ لَا لأجل منافاته للبغض وبغض الْإِنْسَان وغضبه مِمَّا يضاد وجود محبوبه ومانع ومستلزم لَا يكره عَلَيْهِ ونجد قُوَّة البغض للنافي أَشد وأحوط

стр. 460

وَلِهَذَا كَانَ رَأس الْإِيمَان الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله وَكَانَ من احب لله وَأبْغض لله وَأعْطِي لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الْإِيمَان فالمحبة والإرادة أصل فِي وجود البغض وَالْكَرَاهَة وَالْأَصْل فِي زَوَال البغيض الْمَكْرُوه فَلَا يُوجد البغض إِلَّا لمحبة وَلَا يَزُول البغيض إِلَّا لمحبة فالمحبة أصل كل أَمر مَوْجُود وأصل دفع كل مَا يطْلب الْوُجُود وَدفع مَا يطْلب الْوُجُود أَمر مَوْجُود لكنه مَانع من وجود ضِدّه فَهُوَ أصل كل مَوْجُود من بغيض ومانع ولوازمهما وَهَذَا الْقدر الَّذِي ذَكرْنَاهُ من أَن الْمحبَّة والإرادة اصل كل حَرَكَة فِي الْعَالم فقد بَينا فِي الْقَوَاعِد وَغَيرهَا أَن هَذَا ينْدَرج فِيهِ كل حَرَكَة وَعمل فَإِن مَا فِي الْأَجْسَام من حركه طبعية فَإِنَّمَا أَصْلهَا السّكُون فَإِنَّهُ إِذا خرجت عَن مستقرها كَانَت بطبعها تطلب مستقرها وَمَا فِيهَا من حَرَكَة قسرية فأصلها من القاسر القاهر فَلم تبْق حَرَكَة اختيارية إِلَّا عَن الْإِرَادَة والحركات إِمَّا إرادية وَإِمَّا طبعية وَإِمَّا قسرية لِأَن الْفَاعِل المتحرك إِن كَانَ لَهُ شُعُور بهَا فَهِيَ الإرادية وَإِن لم يكن لَهُ شُعُور فَإِن كَانَت على وفْق طبع المتحرك فَهِيَ الطبعية وَإِن كَانَت على خلاف ذَلِك فَهِيَ القسرية وَبينا أَن مَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا من حَرَكَة الأفلاك وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وحركة الرِّيَاح والسحاب والمطر والنبات وَغير ذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ بملائكة الله تَعَالَى الموكلة بالسموات وَالْأَرْض الَّذين لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ
следующие страницы →