← Джавами‘

Джавами‘ · id 22653

جامع الرسائل لابن تيمية - رشاد سالم

ابن تيمية

Полный текст (666 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . هَذَا مَا وجد فِي الأَصْل. وَصلى الله على مُحَمَّد النَّبِي وَآله وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا. كتبه مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ الْخَطِيب بقرية بييلا فِي ثَانِي عشر جُمَادَى الأول سنة أَربع وَسَبْعمائة.

стр. 457

الرسَالَة الثَّالِثَة قَاعِدَة فِي الْمحبَّة

стр. 458

فصل فِي الْحبّ والبغض لأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم على الله توكلي الْحَمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وحبيبه وخليله وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا أما بعد فَهَذِهِ قَاعِدَة عَظِيمَة فِي الْمحبَّة وَمَا يتَعَلَّق بهَا من جمع الإِمَام الْعَلامَة شيخ الْإِسْلَام بركَة الْأَنَام بَقِيَّة السّلف الْكِرَام أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن الشَّيْخ شهَاب الدَّين عبد الْحَلِيم بن الشيح مجد الدَّين أَبى البركات عبد السَّلَام ابْن تيميه ﵁ وأرضاه الْحبّ والإرادة أصل كل فعل وحركة فِي الْعَالم والبغض وَالْكَرَاهَة أصل كل ترك فِيهِ قَالَ ﵁ فصل فِي الْحبّ والبغض والمحمود من ذَلِك والمذموم وأصل كل فعل وحركة فِي الْعَالم من الْحبّ والإرادة فَهُوَ أصل كل فعل ومبدؤه كَمَا أَن البغض وَالْكَرَاهَة مَانع وصاد لكل مَا انْعَقَد بِسَبَبِهِ ومادته فَهُوَ أصل كل ترك إِذا فسر التّرْك بِالْأَمر الوجودي كَمَا يفسره بذلك أَكثر أهل النّظر وَإِذا عني بِالتّرْكِ مُجَرّد عدم الْفِعْل فَعدم الْفِعْل تَارَة يكون لعدم مقتضيه من الْمحبَّة والإرادة ولوازمهما وَقد يكون لوُجُود مانعه من البغض وَالْكَرَاهَة وَغَيرهمَا

стр. 459

فَأَما وجود الْفِعْل فَلَا يكون إِلَّا عَن محبَّة وَإِرَادَة حَتَّى دَفعه للأمور الَّتِي يكرهها ويبغضها هُوَ لما فِي ذَلِك من المحبوب أَو اللَّذَّة يجدهَا بِالدفع فَيُقَال شفى صَدره وَقَلبه والشفاء والعافية بمحبوب والمحبة والإرادة تكون إِمَّا بِوَاسِطَة وَإِمَّا بِغَيْر وَاسِطَة مثل فعله للأشياء الَّتِي يكرهها كشرب الدَّوَاء وَالْمَكْرُوه وَفعل الْأَشْيَاء الْمُخَالفَة لهواه وَصَبره وَنَحْو ذَلِك فَإِن هَذِه الْأُمُور وَإِن كَانَت مَكْرُوهَة من بعض الْوُجُوه فَإِنَّمَا يفعل أَيْضا لمحبة وَإِرَادَة وَإِن لم تكن الْمحبَّة لنَفسهَا بل الْمحبَّة لملازمها فَإِنَّهُ يحب الْعَافِيَة وَالصِّحَّة المستلزمة لإِرَادَة شرب الدَّوَاء وَيُحب رَحْمَة الله ونجاته من عَذَابه المستلزم لإِرَادَة ترك مَا يهواه كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِمَّا من خَافَ مقَام ربه وَنهي النَّفس عَن الْهَوِي فَلَا يتْرك الْحَيّ مَا يُحِبهُ ويهواه إِلَّا لما يُحِبهُ ويهواه لَكِن يتْرك أضعفهما محبَّة لأقواهما محبَّة كَمَا يفعل مَا يكرههُ لما محبته أقوي من كَرَاهَة ذَلِك وكما يتْرك مَا يُحِبهُ لما كَرَاهَته أقوي من محبَّة ذَلِك وَلِهَذَا كَانَت الْمحبَّة والإرادة أصلا للبغض وَالْكَرَاهَة وَعلة لَهَا ولازما مستلزما لَهَا من غير عِلّة وَفعل البغض فِي الْعَالم إِنَّمَا هُوَ لمنافاة المحبوب وَلَوْلَا وجود المحبوب لم يكن البغض بِخِلَاف الْحبّ للشَّيْء فَإِنَّهُ قد يكون لنَفسِهِ لَا لأجل منافاته للبغض وبغض الْإِنْسَان وغضبه مِمَّا يضاد وجود محبوبه ومانع ومستلزم لَا يكره عَلَيْهِ ونجد قُوَّة البغض للنافي أَشد وأحوط

стр. 460

وَلِهَذَا كَانَ رَأس الْإِيمَان الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله وَكَانَ من احب لله وَأبْغض لله وَأعْطِي لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الْإِيمَان فالمحبة والإرادة أصل فِي وجود البغض وَالْكَرَاهَة وَالْأَصْل فِي زَوَال البغيض الْمَكْرُوه فَلَا يُوجد البغض إِلَّا لمحبة وَلَا يَزُول البغيض إِلَّا لمحبة فالمحبة أصل كل أَمر مَوْجُود وأصل دفع كل مَا يطْلب الْوُجُود وَدفع مَا يطْلب الْوُجُود أَمر مَوْجُود لكنه مَانع من وجود ضِدّه فَهُوَ أصل كل مَوْجُود من بغيض ومانع ولوازمهما وَهَذَا الْقدر الَّذِي ذَكرْنَاهُ من أَن الْمحبَّة والإرادة اصل كل حَرَكَة فِي الْعَالم فقد بَينا فِي الْقَوَاعِد وَغَيرهَا أَن هَذَا ينْدَرج فِيهِ كل حَرَكَة وَعمل فَإِن مَا فِي الْأَجْسَام من حركه طبعية فَإِنَّمَا أَصْلهَا السّكُون فَإِنَّهُ إِذا خرجت عَن مستقرها كَانَت بطبعها تطلب مستقرها وَمَا فِيهَا من حَرَكَة قسرية فأصلها من القاسر القاهر فَلم تبْق حَرَكَة اختيارية إِلَّا عَن الْإِرَادَة والحركات إِمَّا إرادية وَإِمَّا طبعية وَإِمَّا قسرية لِأَن الْفَاعِل المتحرك إِن كَانَ لَهُ شُعُور بهَا فَهِيَ الإرادية وَإِن لم يكن لَهُ شُعُور فَإِن كَانَت على وفْق طبع المتحرك فَهِيَ الطبعية وَإِن كَانَت على خلاف ذَلِك فَهِيَ القسرية وَبينا أَن مَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا من حَرَكَة الأفلاك وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وحركة الرِّيَاح والسحاب والمطر والنبات وَغير ذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ بملائكة الله تَعَالَى الموكلة بالسموات وَالْأَرْض الَّذين لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ

стр. 461

كَمَا قَالَ تَعَالَى فالمدبرات أمرا فَالْمُقَسِّمَات أمرا وكما دلّ الْكتاب وَالسّنة على أَصْنَاف الْمَلَائِكَة وتوكلهم بأصناف الْمَخْلُوقَات وَلَفظ الْملك يشْعر بِأَنَّهُ رَسُول منفذ لأمر غَيره فَلَيْسَ لَهُم من الْأَمر شئ بل كم من ملك فِي السَّمَوَات لَا تغني شفاعتهم شَيْئا إِلَّا من بعد أَن يَأْذَن الله لمن يَشَاء ويرضى ووَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك لَهُ مَا بَين أَيْدِينَا وَمَا خلفنا وَمَا بَين ذَلِك وَمَا كَانَ رَبك نسيا رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فاعبده واصطبر لعبادته هَل تعلم لَهُ سميا وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَجَمِيع تِلْكَ المحبات والإرادات وَالْأَفْعَال والحركات هِيَ عبَادَة لله رب الأَرْض وَالسَّمَوَات كَمَا قد بَيناهُ فِي غير هَذَا الْموضع الْمحبَّة الَّتِي أَمر الله بهَا هِيَ عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَأصل الْمحبَّة المحمودة الَّتِي أَمر الله بهَا وَخلق خلقه لأَجلهَا هِيَ مَا فِي عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ إِذْ الْعِبَادَة متضمنة لغاية الْحبّ بغاية الذل والمحبة لما كَانَت جِنْسا لأنواع مُتَفَاوِتَة فِي الْقدر وَالْوَصْف كَانَ أغلب مَا يذكر مِنْهَا فِي حق الله مَا يخْتَص بِهِ ويليق بِهِ مثل الْعِبَادَة والإنابة وَنَحْوهمَا فَإِن الْعِبَادَة لَا تصلح إِلَّا لله وَحده وَكَذَلِكَ الْإِنَابَة وَقد تذكر الْمحبَّة الْمُطلقَة لَكِن تقع فِيهَا الشّركَة كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمن

стр. 462

النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله وَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْحبّ أعظم الْأَقْسَام المذمومة فِي الْمحبَّة كَمَا أَن حب الله أعظم الْأَنْوَاع المحمودة بل عبَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ هِيَ أصل السَّعَادَة ورأسها الَّتِي لَا ينجو أحد من الْعَذَاب إِلَّا بهَا وَعبادَة إِلَه آخر من دونه هُوَ أصل الشَّقَاء وَرَأسه الَّذِي لَا يبقي فِي الْعَذَاب إِلَّا أَهله فَأهل التَّوْحِيد الَّذين أَحبُّوا الله وعبدوه وَحده لَا شريك لَهُ لَا يبقي مِنْهُم فِي الْعَذَاب أحد وَالَّذين اتَّخذُوا من دونه أندادا يحبونهم كحبه وعبدوا غَيره هم أهل الشّرك الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم أَن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وجماع الْقُرْآن هُوَ الْأَمر بِتِلْكَ الْمحبَّة ولوازمها وَالنَّهْي عَن هَذِه المحبات ولوازمها وَضرب الْأَمْثَال والمقاييس للنوعين وَذكر قصَص أهل النَّوْعَيْنِ وأصل دَعْوَة جَمِيع الْمُرْسلين ٠ قَوْلهم اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره وعَلى ذَلِك قَاتل من قَاتل مِنْهُم الْمُشْركين كَمَا قَالَ خَاتم الرُّسُل أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لاإله إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على الله قَالَ الله تَعَالَى شرع لكم

стр. 463

من الدَّين مَا وَصِيّ بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَهِيمُ ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدَّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ كبر على الْمُشْركين مَا تدعوهم إِلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان وَفِي رِوَايَة فِي الصَّحِيح لَا يجد طعم الْإِيمَان إِلَّا من كَانَ فِيهِ ثَلَاث أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله وَأَن يكره أَن يرجع فِي الْكفْر بعد إِذْ أنقذه الله كَمَا يكره أَن يلقِي فِي النَّار وَفِي الصَّحِيح عَن أنس أَيْضا عَن النَّبِي قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَلَده ووالده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن عمر قَالَ يَا رَسُول الله وَالله لأَنْت أحب إِلَى من كل شئ إِلَّا من نَفسِي فَقَالَ لَا يَا عمر حَتَّى أكون أحب إِلَيْك من

стр. 464

نَفسك قَالَ فوالذي بَعثك بِالْحَقِّ لأَنْت أحب إِلَى من نَفسِي قَالَ الْآن يَا عمر وَلِهَذَا ورد فِي فضل هَذِه الْكَلِمَة شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله من الدَّلَائِل مَا يضيق هَذَا الْموضع عَن ذكره وهى أفضل الْكَلَام وَمَا فِيهَا من الْعلم والمحبة أفضل الْعُلُوم والمحبات كالحديث الَّذِي فِي السّنَن أفضل الذّكر لَا إِلَه أَلا الله وَالْآيَة المتضمنة لَهَا أعظم آيَة فِي الْقُرْآن كَمَا فِي صَحِيح مُسلم أَن النَّبِي قَالَ لأبى بن كَعْب يَا أَبَا الْمُنْذر أَتَدْرِي أَي آيَة فِي كتاب الله أعظم قَالَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم قَالَ فَضرب بِيَدِهِ صَدْرِي وَقَالَ لِيَهنك الْعلم أَبَا الْمُنْذر وَإِذا كَانَت كل حَرَكَة فأصلها الْحبّ والإرادة من مَحْبُوب مُرَاد لنَفسِهِ

стр. 465

لَا يحب لغيره إِذْ لَو كَانَ كل شئ محبوبا لغيره لزم الدّور أَو التسلسل وَالشَّيْء قد يحب من وَجه دون وَجه وَلَيْسَ شَيْء يحب لذاته من كل وَجه إِلَّا الله وَحده وَلَا تصلح الإلهية إِلَّا لَهُ وَلَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا والإلهية الْمَذْكُورَة فِي كتاب الله هِيَ الْعِبَادَة والتأله وَمن لَوَازِم ذَلِك أَن يكون هُوَ الرب الْخَالِق وَأما مَا يَظُنّهُ طوائف من أهل الْكَلَام أَن الألوهية هِيَ نفس الربوبية وَأَن مَا ذكر فِي الْقُرْآن من نفي إِلَه آخر والأمثال المضروبة الْبَيِّنَة فالمقصود بِهِ نفي رب يشركهُ فِي خلق الْعَالم كَمَا هُوَ عَادَتهم فِي كتب الْكَلَام فَهَذَا قُصُور وتقصير مِنْهُم فِي فهم الْقُرْآن وَمَا فِيهِ من الْحجَج والأمثال أَتَوا فِيهِ من جِهَة أَن مبلغ علمهمْ هُوَ مَا سلكوه من الطَّرِيقَة الكلامية فاعتقدوا أَن المقصودين وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْقُرْآن يَنْفِي أَن يعبد غير الله أَو أَن يَتَّخِذهُ إِلَهًا فَيُحِبهُ ويخضع لَهُ محبَّة الْإِلَه وخضوعه كَمَا بيّنت ذَلِك عَامَّة آيَات الْقُرْآن مثل قَوْله تَعَالَى وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيل لَا أحب الآفلين وَمن الْمَعْلُوم أَن كل حَيّ فَلهُ إِرَادَة وَعمل بِحَسبِهِ وكل متحرك فَأصل حركته الْمحبَّة والإرادة وَلَا صَلَاح للموجودات إِلَّا أَن يكون كَمَال محبتها وحركتها لله تَعَالَى كَمَا لَا وجود لَهَا إِلَّا أَن يبدعها الله

стр. 466

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا وَلم يقل لعدمتا إِذْ هُوَ قَادر على أَن يبقيها على وجهة الْفساد لَكِن لَا يُمكن أَن تكون صَالِحَة إِلَّا أَن يعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ فَإِن صَلَاح الْحَيّ إِنَّمَا هُوَ صَلَاح مَقْصُوده وَمرَاده وَصَلَاح الْأَعْمَال والحركات بصلاح إرادتها ونياتها وَلِهَذَا كَانَ من أجمع الْكَلَام وأبلغه قَوْله إِنَّمَا الإعمال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوي وَهَذَا يعم كل عمل وكل نِيَّة فَكل عمل فِي الْعَالم هُوَ بِحَسب نِيَّة صَاحبه وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ إِلَّا مَا نَوَاه وقصده وأحبه وأراده بِعَمَلِهِ لَيْسَ فِي ذَلِك تَخْصِيص وَلَا تَقْيِيد كَمَا يَظُنّهُ طوائف من النَّاس حَيْثُ يحسبون أَن النِّيَّة المُرَاد بِهِ النِّيَّة الشَّرْعِيَّة الْمَأْمُور بهَا فيحتاجون أَن يحصروا الْأَعْمَال بِالْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّة فَإِن النِّيَّة مَوْجُودَة لكل متحرك كَمَا قَالَ النَّبِي فِي الحَدِيث الصَّحِيح أصدق الْأَسْمَاء الْحَارِث وَهَمَّام فالحارث هُوَ الْعَامِل الكاسب والهمام هُوَ القاصد المريد وكل إِنْسَان متحرك بإرادته حَارِث همام

стр. 467

كَمَا بَينا أَن الْمحبَّة والإرادة أصل كل عمل فَكل عمل فِي الْعَالم فَعَن إِرَادَة ومحبة صدر وَلِهَذَا كَانَت الْمحبَّة والإرادة منقسمة إِلَى مَحْبُوب لله وَغير مَحْبُوب كَمَا أَن الْعَمَل وَالْحَرَكَة منقسم كَذَلِك وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالمحبة لَهَا آثَار وتوابع سَوَاء كَانَت صَالِحَة محمودة نافعة أَو كَانَت غير ذَلِك لَهَا وجد وحلاوة وذوق ووصال وصدود وَلها سرُور وحزن وبكاء والمحبة المحمودة هِيَ الْمحبَّة النافعة وَهِي الَّتِي تجلب لصَاحِبهَا مَا يَنْفَعهُ وَهُوَ السَّعَادَة والضارة هِيَ الَّتِي تجلب لصَاحِبهَا مَا يضرّهُ وَهُوَ الشَّقَاء وَمَعْلُوم أَن الْحَيّ الْعَالم لَا يخْتَار أَن يحب مَا يضرّهُ لَكِن يكون ذَلِك عَن جهل وظلم فَإِن النَّفس قد تهوي مَا يَضرهَا وَلَا ينفعها وَذَلِكَ ظلم مِنْهَا لَهَا وَقد تكون جاهلة بِحَالِهَا بِهِ بِأَن تهوي الشَّيْء وتحبه بِلَا علم مِنْهَا بِمَا فِي محبته من الْمَنْفَعَة والمضرة وتتبع هَواهَا وَهَذَا حَال من اتبع هَوَاهُ بِغَيْر علم وَقد يكون عَن اعْتِقَاد فَاسد وَهُوَ حَال من اتبع الظَّن وَمَا تهوي نَفسه وكل ذَلِك من أُمُور الْجَاهِلِيَّة وَإِن كَانَ كل من جهلها وظلمها لَا يكَاد يَخْلُو عَن شُبْهَة يشْتَبه بهَا الْحق وشهوه هِيَ فِي الأَصْل محمودة إِذا وضعت فِي محلهَا كَحال الَّذِي يحب لِقَاء قَرِيبه فَإِن هَذَا مَحْمُود وَهُوَ أصل صلَة الرَّحِم الَّتِي هِيَ شجنة من الرَّحْمَن

стр. 468

لَكِن إِذا اتبع هَوَاهُ حَتَّى خرج عَن الْعدْل بَين ذَوي الْقُرْبَى وَغَيرهم كَانَ هَذَا ظلما كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِذا قُلْتُمْ فاعدلوا ولوكان ذَا قربي وَقَالَ تَعَالَى كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَو على أَنفسكُم أَو الْوَالِدين والأقربين وَكَذَلِكَ الَّذِي يحب الطَّعَام وَالشرَاب وَالنِّسَاء فَإِن هَذَا مَحْمُود وَبِه يصلح حَال بني آدم وَلَوْلَا ذَلِك لما استقامت نفس الْأَنْسَاب وَلَا وجدت الذُّرِّيَّة وَلَكِن يجب الْعدْل وَالْقَصْد فِي ذَلِك كَمَا قَالَ تَعَالَى وكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا وكما قَالَ تَعَالَى إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغِي وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون فَإِذا تجَاوز حد الْعدْل وَهُوَ الْمَشْرُوع صَار ظَالِما عاديا بِحَسب ظلمه وعدوانه وَقد ذكرنَا فِي مَوَاضِع أَن الْمَشْرُوع والنافع والصالح وَالْعدْل وَالْحق وَالْحسن أَسمَاء متكافئة مسماها وَاحِد بِالذَّاتِ وَإِن تنوعت صِفَاته بِمَنْزِلَة أَسمَاء الله الحسني فأسماؤه تَعَالَى وَأَسْمَاء كِتَابه وَدينه وَنبيه مسمي كل صنف من ذَلِك وَاحِد وَإِن تنوعت صِفَاته فَكل عمل صَالح هُوَ نَافِع لصَاحبه وَبِالْعَكْسِ وكل نَافِع صَالح فَهُوَ مَشْرُوع وَبِالْعَكْسِ وكل مَا كَانَ صَالحا مَشْرُوعا فَهُوَ حق وَعدل وَبِالْعَكْسِ

стр. 469

وَلَكِن النَّاس قد يدركون أحد النعتين فيستدلون بِهِ على وجود الآخر مثل أَن يعلم أَن الله أَمر بِهَذَا الْفِعْل وشرعه فَيعلم من هَذَا وجوب كَونه طَاعَة لله وَرَسُوله وَذَلِكَ الْفِعْل بِعَيْنِه يجب أَن يكون عملا صَالحا وَهُوَ النافع وَأَن يكون حَقًا وعدلا وَهَذَا اسْتِدْلَال بِالنَّصِّ وَقد يعلم كَون الشَّيْء صَالحا أَو عدلا أَو حسنا ثمَّ يسْتَدلّ بذلك على كَونه مَشْرُوعا وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بالاسصلاح وَالِاسْتِحْسَان وَالْقِيَاس على كَون مَشْرُوعا وَهَذِه الطَّرِيقَة فِيهَا خطر عَظِيم والغلط فِيهَا كثير ولخفاء صِفَات الْأَعْمَال وَأَحْوَالهَا عَنْهَا وَأَن الْعَالم بذلك كَمَا يَنْبَغِي لَيْسَ هُوَ إِلَّا رَسُول الله فالاستدلال بالمصالح الَّتِي قد يُقَال لَهَا الْمصَالح الْمُرْسلَة هُوَ الَّذِي يري الشَّيْء مصلحَة وَلَيْسَ فِي الشَّرْع مَا يَنْفِيه فيستدل بِالْمَصْلَحَةِ على أَنه من الشَّرِيعَة وَالِاسْتِحْسَان أَن يري الشَّيْء حسنا فيستدل بحسنه على أَنه من الشَّرْع وَالْعدْل أَن يري للشَّيْء نظيرا وشبيها فيستدل على حكمه بِحكم نَظِيره وشبيهه وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع الْكَلَام فِي ذَلِك لَكِن أعلم النَّاس من كَانَ رَأْيه واستصلاحه واستحسانه وَقِيَاسه مُوَافقا للنصوص كَمَا قَالَ مُجَاهِد أفضل الْعِبَادَة الرَّأْي الْحسن وَهُوَ اتِّبَاع السّنة وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ويري الَّذين أُوتُوا الْعلم الَّذِي أنزل إِلَيْك من رَبك هُوَ الْحق

стр. 470

وَلِهَذَا كَانَ السّلف يسمون أهل الآراء الْمُخَالفَة للسّنة والشريعة فِي مسَائِل الِاعْتِقَاد الخبرية ومسائل الْأَحْكَام العملية أهل الْأَهْوَاء لِأَن الرَّأْي الْمُخَالف للسّنة جهل لَا علم فصاحبه مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر علم وَلِهَذَا يذكر الله فِي الْقُرْآن من يتبع هَوَاهُ بِغَيْر علم ويذم من يتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدي من الله كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدي من الله وَقَالَ تَعَالَى وَإِن كثيرا ليضلون بأهوائهم بِغَيْر علم إِن رَبك هُوَ أعلم بالمعتدين وكل من اتبع هَوَاهُ اتبعهُ بِغَيْر علم إِذْ لَا علم بذلك إِلَّا بِهَدي الله الَّذِي بعث الله بِهِ رسله كَمَا قَالَ تَعَالَى فَأَما يَأْتينكُمْ مني هدي فَمن اتبع هُدَايَ فَلَا يضل وَلَا يشقي وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمي وَلِهَذَا ذمّ الله الْهوى فِي مَوَاضِع من كِتَابه وَاتِّبَاع الْهوى يكون فِي الْحبّ والبغض كَقَوْلِه تَعَالَى يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسوا يَوْم الْحساب فَهُنَا يكون اتِّبَاع الْهوى هُوَ مَا يُخَالف الْحق فِي الحكم قَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَو على أَنفسكُم أَو الْوَالِدين والأقربين إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا فَالله

стр. 471

أولى بهما فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا وَإِن تلووا أَو تعرضوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا فَهُنَا يكون اتِّبَاع الْهوى فِيمَا يُخَالف الْقسْط من الشَّهَادَة وَغَيرهَا وَالْحق هُوَ الْعدْل وَاتِّبَاع الْهوى فِي خلاف ذَلِك هُوَ من الظُّلم وَقد نهى رَسُول الله عَن اتِّبَاع أهواء الْخلق وَقَالَ تَعَالَى وَلنْ ترضي عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تتبع ملتهم قل إِن هدي الله هُوَ الْهدى وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم مَالك من الله من ولي وَلَا نصير فَنَهَاهُ عَن اتِّبَاع أهواء الَّذين أُوتُوا الْكتاب بعد مَا جَاءَهُ من الْعلم وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد مَا جَاءَك من الْعلم وَقَالَ تَعَالَى فاحكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهوائهم واحذرهم أَن يفتنوك عَن بعض مَا أنزل إِلَيْك فَإِن توَلّوا فَاعْلَم إِنَّمَا يُرِيد الله أَن يصيبهم بِبَعْض ذنوبهم وَقَالَ تَعَالَى قل هَلُمَّ شهداءكم الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا فَإِن شهدُوا فَلَا تشهد مَعَهم وَلَا تتبع أهواء الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة وهم برَبهمْ يعدلُونَ فقد نَهَاهُ عَن اتِّبَاع أهواء الْمُشْركين وَاتِّبَاع أهواء أهل الْكتاب وحذره أَن يفتنوه عَمَّا أنزل الله إِلَيْهِ من الْحق وَذَلِكَ يتَضَمَّن النَّهْي عَن اتِّبَاع أهواء أحد فِي خلاف شَرِيعَته وسنته وَكَذَا أهل الْأَهْوَاء من هَذِه الْأمة

стр. 472

وَقد بَين ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ إِنَّهُم لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَإِن الظَّالِمين بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالله ولي الْمُتَّقِينَ فقد أمره فِي هَذِه الْآيَة بِاتِّبَاع الشَّرِيعَة الَّتِي جعله عَلَيْهَا وَنَهَاهُ عَن اتِّبَاع مَا يُخَالِفهَا وَهِي أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ وَلِهَذَا كَانَ كل من خرج عَن الشَّرِيعَة وَالسّنة من أهل الْأَهْوَاء كَمَا سماهم السّلف وَقَالَ تَعَالَى وَلَو اتبع الْحق أهواءهم لفسدت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ وَقَالَ تَعَالَى يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل وَقَالَ تَعَالَى وَمَا لكم أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ وَقد فصل لكم مَا حرم عَلَيْكُم إِلَّا مَا اضطررتم إِلَيْهِ وَإِن كثيرا ليضلون بأهوائهم بِغَيْر علم وَقَالَ تَعَالَى قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مثل مَا أُوتِيَ مُوسَى من قبل إِلَى قَوْله فَأتوا بِكِتَاب من عِنْد الله هُوَ أهدي مِنْهُمَا أتبعه إِن كُنْتُم صَادِقين فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يتبعُون أهواءهم وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدي من الله

стр. 473

وَقَالَ تَعَالَى وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك حَتَّى إِذا خَرجُوا من عنْدك قَالُوا للَّذين أُوتُوا الْعلم مَاذَا قَالَ آنِفا أُولَئِكَ الَّذين طبع الله على قُلُوبهم وَاتبعُوا أهوائهم وَالَّذين اهتدوا زادهم هدي وآتاهم تقواهم فَذكر الَّذين أُوتُوا الْعلم وهم الَّذين يعلمُونَ أَن مَا أنزل إِلَيْهِ من ربه الْحق ويفقهون مَا جَاءَ بِهِ وَذكر المطبوع على قُلُوبهم فَلَا يفقهُونَ إِلَّا قَلِيلا الَّذين اتبعُوا أهوائهم يَسْأَلُونَهُمْ مَاذَا قَالَ الرَّسُول آنِفا وَهَذِه حَال من لم يفقه الْكتاب وَالسّنة بل يسْتَشْكل ذَلِك فَلَا يفقهه أَو قَرَأَهُ متعارضا متناقضا وَهِي صفة الْمُنَافِقين ثمَّ ذكر صفة الْمُؤمنِينَ فَقَالَ تَعَالَى وَالَّذين اهتدوا زادهم زِيَادَة الْهَدْي وَهُوَ ضد الطَّبْع على قُلُوب أُولَئِكَ وآتاهم تقواهم وَهُوَ ضد اتِّبَاع أُولَئِكَ الْأَهْوَاء فَصَاحب التَّقْوَى ضد صَاحب الْأَهْوَاء كَمَا قَالَ تَعَالَى وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهي النَّفس عَن الْهوى فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى وَقَالَ تَعَالَى إِذْ جعل الَّذين كفرُوا فِي قُلُوبهم الحمية حمية الْجَاهِلِيَّة فَأنْزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ وألزمهم كلمة التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا وَلما كَانَت كل حَرَكَة وَعمل فِي الْعَالم فأصلها الْمحبَّة والإرادة وكل محبَّة وَإِرَادَة لَا يكون أَصْلهَا محبَّة الله وَإِرَادَة وَجهه فَهِيَ بَاطِلَة فَاسِدَة كَانَ كل عمل

стр. 474

لَا يُرَاد بِهِ وَجهه بَاطِلا فأعمال الثقلَيْن الْجِنّ وَالْإِنْس منقسمة مِنْهُم من يعبد الله وَمِنْهُم من لَا يعبده بل قد يَجْعَل مَعَه إِلَهًا آخر وَأما الْمَلَائِكَة فهم عَابِدُونَ لله وَجَمِيع الحركات الْخَارِجَة عَن مَقْدُور بني آدم وَالْجِنّ والبهائم فَهِيَ من عمل الْمَلَائِكَة وتحريكها لما فِي السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فَجَمِيع تِلْكَ الحركات والأعمال عبادات لله متضمنة لمحبته وإرادته وقصده وَجَمِيع الْمَخْلُوقَات عابدة لخالقها إِلَّا مَا كَانَ من مَرَدَة الثقلَيْن وَلَيْسَت عبادتها إِيَّاه قبُولهَا لتدبيره وتصريفه وخلقه فَإِن هَذَا عَام لجَمِيع الْمَخْلُوقَات حَتَّى كفار بني آدم فَلَا يخرج أحد عَن مَشِيئَته وتدبيره وَذَلِكَ بِكَلِمَات الله الَّتِي كَانَ النَّبِي يستعيذ بهَا فَيَقُول أعوذ بِكَلِمَات الله التامات الَّتِي لَا يجاوزهن بر وَلَا فَاجر وَهَذَا من عُمُوم ربو بَيته وَملكه وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي أدْركهُ كثير من أهل النّظر وَالْكَلَام حَتَّى فسروا مَا فِي الْقُرْآن والْحَدِيث من عبَادَة الْأَشْيَاء وسجودها وتسبيحها بذلك وهم غالطون فِي هَذَا التَّخْصِيص شرعا وعقلا أَيْضا فَإِن الْمَعْقُول الَّذِي لَهُم يعرفهُمْ أَن كل شَيْء وكل متحرك وَأَن كَانَ لَهُ مبدأ فَلَا بُد لَهُ من غَايَة ومنتهى كَمَا يَقُولُونَ لَهَا عِلَّتَانِ فاعلية وغائية وَالَّذِي

стр. 475

ذَكرُوهُ إِنَّمَا هُوَ من جِهَة الْعلَّة الفاعلية وَبَعض المخلوقين كَذَلِك يجعلونه من جِهَة الْعلَّة الغائية وَهَذَا غلط فَلَا يصلح أَن يكون شَيْء من الْمَخْلُوقَات عِلّة فاعلية وَلَا غائية إِذْ لَا يسْتَقلّ مَخْلُوق بِأَن يكون عِلّة تَامَّة قطّ وَلِهَذَا لم يصدر عَن مَخْلُوق وَاحِد شَيْء قطّ وَلَا يصدر شَيْء فِي الْآثَار إِلَّا عَن اثْنَيْنِ من الْمَخْلُوقَات كَمَا قد بَينا هَذَا فِي غير هَذَا الْمَوْضُوع وَكَذَلِكَ لَا يصلح شَيْء من الْمَخْلُوقَات أَن يكون عِلّة غائية تَامَّة إِذْ لَيْسَ فِي شَيْء من الْمَخْلُوقَات كَمَال مَقْصُود حَتَّى من الْأَحْيَاء فالمخلوقات بأسرها يجْتَمع فِيهَا هَذَانِ النُّقْصَان أَحدهمَا أَنه لَا يصلح شَيْء مِنْهَا أَن تكون عِلّة تَامَّة لَا فاعلية وَلَا غائية وَالثَّانِي أَن مَا كَانَ فِيهَا عِلّة فَلهُ عِلّة سَوَاء كَانَ عِلّة فاعلية أَو غائية فَالله سُبْحَانَهُ رب كل شَيْء ومليكه وَهُوَ رب الْعَالمين لَا رب لشَيْء من الْأَشْيَاء إِلَّا هُوَ وَهُوَ إِلَه كل شَيْء وَهُوَ فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه وَهُوَ الله فِي السَّمَوَات وَفِي الأَرْض لَو كَانَ فيهمَا إلهة إِلَّا الله لفسدتا وَمَا من إِلَه إِلَّا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا فعبادة الْمَخْلُوقَات وتسبيحها هُوَ من جِهَة إلاهيته وَهُوَ الْغَايَة الْمَقْصُودَة مِنْهَا وَلها

стр. 476

وَأما فِي الشَّرْع فَإِن الله فصل بَين هَذَا وَبَين هَذَا فَقَالَ تَعَالَى ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب وَكثير من النَّاس وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب وَمن يهن الله فَمَا لَهُ من مكرم إِن الله يفعل مَا يَشَاء فَهَذَا السُّجُود الَّذِي فصل بَين كثير من النَّاس الَّذِي يَفْعَلُونَهُ وَكثير من النَّاس الَّذين لَا يَفْعَلُونَهُ طَوْعًا وهم الَّذين حق عَلَيْهِم الْعَذَاب لَيْسَ هُوَ مَا يشْتَرك فِيهِ جَمِيع النَّاس من خلق الله وربوبيه الله تَعَالَى إيَّاهُم وتدبيرهم وَكَذَلِكَ فصل بَين الصِّنْفَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى أفغير دين الله يَبْغُونَ وَله أسلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وَإِلَيْهِ يرجعُونَ وَكَذَلِكَ فِي قَوْله وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وظلالهم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذكر فِي الْآيَة الْأُخْرَى سُجُود الْمَخْلُوقَات إِلَّا الْكثير من النَّاس لِأَنَّهُ ذكر الطوع فَقَط كَمَا ذكر فِي الَّتِي قبلهَا أَدْيَان النَّاس فَقَالَ تَعَالَى إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالَّذين أشركوا إِن الله يفصل بَينهم يَوْم الْقِيَامَة إِن الله على كل شَيْء شَهِيد فتضمنت هَذِه الْآيَة حَال الْمَخْلُوقَات إِلَّا الْجِنّ فَإِنَّهُم لم يذكرُوا بِاللَّفْظِ الْخَاص

стр. 477

لكِنهمْ يندرجون فِي الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ فَإِنَّهُم كَمَا قَالُوا منا الصالحون وَمنا دون ذَلِك كُنَّا طرائق قددا وَقد ذكر طَائِفَة من أهل الْعَرَبيَّة أَنهم يدْخلُونَ فِي لفظ النَّاس أَيْضا وَقَالَ سُبْحَانَهُ أولم يرَوا إِلَى مَا خلق الله من شَيْء يتفيئوا ظلاله عَن الْيَمين وَالشَّمَائِل سجدا لله وهم داخرون وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض من دَابَّة وَالْمَلَائِكَة وهم لَا يَسْتَكْبِرُونَ يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم ويفعلون مَا يؤمرون وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث أبي ذَر فِي سُجُود الشَّمْس تَحت الْعَرْش إِذا غَابَتْ وَقَالَ تَعَالَى ألم تَرَ أَن الله يسبح لَهُ من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالطير صافات كل قد علم صلَاته وتسبيحه وَالله عليم بِمَا يَفْعَلُونَ وَقَالَ تَعَالَى سبح لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم سبح لله مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم سبح لله مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَهُوَ

стр. 478

الْعَزِيز الْحَكِيم يسبح لله مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض الْملك القدوس الْعَزِيز الْحَكِيم يسبح لله مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم قَالَ تَعَالَى وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا هم يستحسرون يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون وَقَالَ تَعَالَى إِن الَّذين عِنْد رَبك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته ويسبحونه وَله يَسْجُدُونَ وَقَالَ تَعَالَى وَمن آيَاته اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ فَإِن استكبروا فَالَّذِينَ عِنْد رَبك يسبحون لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وهم لَا يسأمون وَقَالَ تَعَالَى لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون وَمن يستنكف عَن عِبَادَته ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا فَأَما الَّذين آمنُوا بِاللَّه واعتصموا بِهِ فسيدخلهم فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفضل ويهديهم إِلَيْهِ صراطا مُسْتَقِيمًا وَقَالَ تَعَالَى وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا تكَاد السَّمَوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدا أَن دعوا للرحمن ولدا وَمَا يَنْبَغِي للرحمن أَن يتَّخذ ولدا إِن كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض

стр. 479

إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وَكلهمْ آتيه يَوْم الْقِيَامَة فَردا وَقَالَ تَعَالَى وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضي وهم من خَشيته مشفقون وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي إِلَه من دونه فَذَلِك نجزيه جَهَنَّم كَذَلِك نجزي الظَّالِمين وَقَالَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يريكم الْبَرْق خوفًا وَطَمَعًا وينشئ السَّحَاب الثقال ويسبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة من خيفته وَيُرْسل الصَّوَاعِق فَيُصِيب بهَا من يَشَاء وهم يجادلون فِي الله وَهُوَ شَدِيد الْمحَال وَقَالَت الْمَلَائِكَة أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك قَالَ إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ وَقَالَ تَعَالَى إِنَّا سخرنا الْجبَال مَعَه يسبحْنَ بالْعَشي وَالْإِشْرَاق وَالطير محشورة كل لَهُ أواب أهل الطَّبْع المتفلسفة لَا يشْهدُونَ الْحِكْمَة الغائية من الْمَخْلُوقَات فَأَما كثير من النَّاس وَأهل الطَّبْع المتفلسفة وَغَيرهم فيعلمون ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَأْخُذُونَ بِظَاهِر من القَوْل يرَوْنَ ظَاهر الحركات والأعمال الَّتِي للموجودات ويرون بعض أَسبَابهَا الْقَرِيبَة وَبَعض حكمهَا وغاياتها الْقَرِيبَة أَن ذَلِك هُوَ الْعلَّة لَهَا فَاعِلا وَغَايَة كَمَا يذكرُونَهُ فِي تشريح الْإِنْسَان وأعضائه وحركاته

стр. 480

الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة وَمَا يذكرُونَهُ من الْقوي الَّتِي فِي الْأَجْسَام الَّتِي هِيَ تكون بهَا الْحَرَكَة وَمَا يذكرُونَهُ من كل شَيْء وَمن ذَلِك ذكرهم الطبيعة الَّتِي فِي الْإِنْسَان وَالْقُوَّة الجاذبة والهاضمة الغاذية والدافعة والمولدة وَغير ذَلِك وَأَن الرئة تروح على الْقلب لفرط حرارته وَأَن الدِّمَاغ أبرد من الْقلب إِلَى غير ذَلِك من الْأَسْبَاب وَالْحكم الَّتِي فِيهَا من شُهُود مَا فِي مخلوقات الله من الْأَسْبَاب وَالْحكم مَا هُوَ عِبْرَة لأولي الْأَبْصَار لَكِن يَقع الْغَلَط من إِضَافَة هَذِه الْآثَار الْعَظِيمَة إِلَى مُجَرّد قُوَّة فِي جسم وَلَا يشْهدُونَ الْحِكْمَة الغائية من هَذِه الْمَخْلُوقَات وَأَن ذَلِك هُوَ عبَادَة رَبهَا أهل الْكَلَام يُنكرُونَ طبائع الموجودات وَمَا فِيهَا من الْقوي والأسباب وَقد يعارضهم كلهم طوائف من أهل الْكَلَام فينكرون طبائع الموجودات وَمَا فِيهَا من الْقوي والأسباب ويدفعون مَا أرى الله عباده من آيَاته فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم مِمَّا شهد بِهِ فِي كِتَابه من أَنه خلق هَذَا بِهَذَا كَقَوْلِه فأنزلنا بِهِ المَاء فأخرجنا بِهِ من كل الثمرات وَقَوله فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا وكلا الطَّائِفَتَيْنِ قد لَا يعلمُونَ مَا فِيهَا من الْحِكْمَة الَّتِي هِيَ عبَادَة رَبهَا وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُود الَّذِي بعث الله بِهِ الرُّسُل وَانْزِلْ بِهِ الْكتب بل إِنَّمَا يتنازعون فِي

стр. 481

فَاعل هَذِه الْأُمُور وَمَا يتَعَلَّق بتوحيد الربوبية كَمَا قدمْنَاهُ وَأما شَهَادَة غَايَة هَذِه الْأُمُور وَمَا يتَعَلَّق بتوحيد الإلهية فقد لَا يَهْتَدُونَ لَهُ وَلِهَذَا كَانَ فِي طرقهم من الضلالات والجهالات مَا هُوَ مُخَالف لصحيح الْمَنْقُول وصريح الْمَعْقُول لَكِن أهل الْعلم فِي إِضَافَة جَمِيع الْحَوَادِث إِلَى خلق الله ومشيئته وربوبيته أصح عقلا ودينا وَمن أَدخل فِي ذَلِك كل شَيْء حَتَّى أَفعَال الْحَيَوَان فَهُوَ الْمُصِيب الْمُوَافق للسّنة وَالْعقل وهم متكلمة أهل الْإِثْبَات الَّذين يقررون أَن الله خَالق كل شَيْء وربه ومليكه بِخِلَاف الْقَدَرِيَّة الَّذين أخرجُوا عَن ذَلِك أَفعَال الْحَيَوَان وَبِخِلَاف أهل الطَّبْع والفلسفة الَّذين يخرجُون عَن ذَلِك عَامَّة الكائنات من الْعِلَل المولدات وَكِلَاهُمَا بَاطِل كَمَا بَين فِي غير هَذَا الْموضع وَلِهَذَا تَجِد هَؤُلَاءِ إِذا تكلمُوا فِي الحركات الَّتِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض مثل حَرَكَة الرِّيَاح والسحاب والمطر وحدوث الْمَطَر من الْهَوَاء الَّذِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض تَارَة وَمن البخار المتصاعد من الأَرْض تَارَة كَمَا ذكر ذَلِك أَيْضا غير وَاحِد من السّلف وَهُوَ حق مشهود بالأبصار كَمَا يخلق الْوَلَد فِي بطن أمه من الْمَنِيّ وكما يخلق الشّجر من الْحبّ والنوى فَشَهِدُوا بعض الْأَسْبَاب المرئية وجهلوا أَكثر الْأَسْبَاب وأعرضوا عَن الْخَالِق الْمُسَبّب لذَلِك كُله وَعَما جَاءَ فِي ذَلِك من عِبَادَته وتسبيحه وَالسُّجُود لَهُ الَّذِي هُوَ غَايَة حكمته فَإِن خلق الله سُبْحَانَهُ للسحاب بِمَا فِيهِ من الْمَطَر من هَذَا الْبَحْر وبخار الأَرْض كخلقه للحيوان والنبات والمعدن من هَذِه الْأُمُور

стр. 482

وَمَعْلُوم أَن الْمَنِيّ جسم صَغِير مشابه لهَذَا الَّذِي فِي الْحَيَوَان من الْأَعْضَاء المكسوة والمتنوعة فِي أقدارها وصفاتها وَحكمهَا وغاياتها هَل يَقُول عَاقل إِن هَذَا مُضَاف إِلَى عرض وَصفَة حَال فِي جسم صَغِير أَو يُضَاف هَذَا إِلَى ذَلِك الْجِسْم الصَّغِير هَذَا من أفسد الْأُمُور فِي بديهة الْعقل وَمَعْلُوم أَنه لَا نِسْبَة إِلَى خلق هَذَا من هَذَا وَإِلَى مَا يصنعه بَنو آدم من الصُّور الَّتِي يصنعونها من المداد مثل الْكِتَابَة بالمداد ونسيج الثِّيَاب من الْغَزل وصنعة الْأَطْعِمَة والبنيان من موادها وهم مَعَ ذَلِك لم يخلقوا الْموَاد وَلَا يفنونها وَإِنَّمَا غايتهم حَرَكَة خَاصَّة تعين على تِلْكَ الصُّورَة ثمَّ لَو أضَاف مضيف هَذِه الْكِتَابَة إِلَى المداد لَكَانَ النَّاس جَمِيعًا يستجهلونه ويستحمقونه فَالَّذِي يضيف خلق الْحَيَوَان والنبات إِلَى مادتها أَو مَا فِي مادتها من الطَّبْع أَلَيْسَ هُوَ أَحمَق وأجهل وأظلم وأكفر وَكَذَلِكَ خلق السَّحَاب والمطر من الْهَوَاء والبخار هُوَ كَذَلِك إِضَافَة الزلزلة إِلَى احتقان البخار وَإِضَافَة حَرَكَة الرَّعْد إِلَى مُجَرّد اصطكاك أجرام السَّحَاب إِلَى غير ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي ضلوا فِيهَا ضلالا مُبينًا حَيْثُ جعلوها هِيَ الْعلَّة التَّامَّة فَاعِلا وَلم يعرفوا الْغَايَة فجهلوا الوضعين ونازعهم طوائف من النَّاس فِيمَا يُوجد من الْأَسْبَاب وَالْقَوِي الَّتِي فِي الطباع وَذَلِكَ أَيْضا جهل وَإِذا كَانَت الْمحبَّة والإرادة أصل كل عمل وحركة وَأَعْظَمهَا فِي الْحق محبَّة الله وإرادته بِعِبَادَتِهِ وَحده لَا شريك لَهُ وَأَعْظَمهَا فِي الْبَاطِل أَن يتَّخذ النَّاس من

стр. 483

الْمحبَّة والإرادة أصل كل دين دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ويجعلون لَهُ عدلا وشريكا علم أَن الْمحبَّة والإرادة أصل كل دين سَوَاء كَانَ دينا صَالحا أَو دينا فَاسِدا فَإِن الدَّين هُوَ من الْأَعْمَال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة والمحبة والإرادة أصل ذَلِك كُله وَالدّين هُوَ الطَّاعَة وَالْعِبَادَة والخلق فَهُوَ الطَّاعَة الدائمة اللَّازِمَة الَّتِي قد مَعَاني كلمة الدَّين صَارَت عَادَة وخلقا بِخِلَاف الطَّاعَة مرّة وَاحِدَة وَلِهَذَا فسر الدَّين بِالْعَادَةِ والخلق ويفسر الْخلق بِالدّينِ أَيْضا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم قَالَ ابْن عَبَّاس على دين عَظِيم وَذكره عَنهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأَخذه الإِمَام أَحْمد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَبِذَلِك فسراه وَكَذَلِكَ يُفَسر بِالْعَادَةِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر أَهَذا دينه أبدا وديني وَمِنْه الديدن يُقَال هَذَا ديدنه أَي عَادَته اللَّازِمَة فَإِن ديدن من دَان بِمَنْزِلَة صلصل من صل وكبكب من كب هُوَ تَضْعِيف لَهُ والمضعف قد يكون مشددا وَقد يكون حرف لين وهم يعاقبون فِي كَلَامهم

стр. 484

كثيرا بَين الْحَرْف المشدد وحرف الْمثل كَمَا يُقَال تقضي الْبَازِي وتقضض وَيُقَال تسرر وتسري ودان يكون من الْأَعْلَى القاهر وَيكون من الْمُطِيع يُقَال دنته فدان أَي قهرته فذل كَمَا قَالَ هُوَ دَان الربَاب إِذْ كَرهُوا الديـ ... ـن دراكا بعزة وصيال وَيُقَال فِي الْأَعْلَى كَمَا تدين تدان وَأما دين الْمُطِيع فيستعمل مُتَعَدِّيا ودائما ولازما يُقَال دنت الله وَدنت لله وَيُقَال فلَان لَا يدين الله دينا وَلَا يدين لله لِأَن فِيهِ معنى الطَّاعَة وَالْعِبَادَة وَمعنى الذل فَإِذا قيل دَان الله فَهُوَ قَوْلك أطَاع الله وأحبه وَإِذا قيل دَان لله فَهُوَ كَقَوْلِك ذل لله وخشع لله وَقد ذكرت أَن أسم الْعِبَادَة يتَنَاوَل غَايَة الْحبّ بغاية الذل وَهَكَذَا الدَّين

стр. 485

الَّذِي يدين بِهِ النَّاس فِي الْبَاطِن وَالظَّاهِر لَا بُد فِيهِ من الْحبّ والخضوع بِخِلَاف طاعتهم للملوك وَنَحْوهم فَإِنَّهَا قد تكون خضوعا ظَاهرا فَقَط وَالله سمي يَوْم الْقِيَامَة يَوْم الدَّين كَمَا قَالَ مَالك يَوْم الدَّين وَهُوَ كَمَا روى عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره من السّلف يَوْم يدين الله الْعباد بأعمالهم إِن خيرا فخيرا وَإِن شرا فشرا وَذَلِكَ يتَضَمَّن جزاءهم وحسابهم فَلهَذَا من قَالَ هُوَ يَوْم الْحساب وَيَوْم الْجَزَاء فقد ذكر بعض صِفَات الدَّين قَالَ تَعَالَى كلا بل تكذبون بِالدّينِ وَإِن عَلَيْكُم لحافظين كراما كاتبين يعلمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم يصلونها يَوْم الدَّين وَمَا هم عَنْهَا بغائبين وَمَا أَدْرَاك مَا يَوْم الدَّين ثمَّ مَا أَدْرَاك مَا يَوْم الدَّين يَوْم لَا تملك نفس لنَفس شَيْئا وَالْأَمر يَوْمئِذٍ لله وَقَالَ تَعَالَى فلولا إِن كُنْتُم غير مدينين ترجعونها إِن كُنْتُم صَادِقين أَي مقهورين ومدبرين ومجزيين

стр. 486

لَا بُد لكل طَائِفَة من بني آدم من دين يجمعهُمْ وَإِذا كَانَ كل عمل عَن محبَّة وَإِرَادَة وَالتّرْك يكون عَن بغض وَكَرَاهَة وكل أحد همام حَارِث لَهُ حب وبغض لَا يَخْلُو الْحَيّ عَنْهُمَا وَعَمله يتبع حبه وبغضه ثمَّ قد يكون ذَلِك فِي أُمُور هِيَ لَهُ عَادَة وَخلق وَقد يكون فِي أُمُور عارضة لَازِمَة علم أَن كل طَائِفَة من بني آدم لَا بُد لَهُم من دين يجمعهُمْ إِذْ لَا غَنِي لبَعْضهِم عَن بعض وأحدهم لَا يسْتَقلّ بجلب منفعَته وَدفع مضرته فَلَا بُد من اجْتِمَاعهم وَإِذا اجْتَمعُوا فَلَا بُد أَن يشتركوا فِي اجتلاب مَا يَنْفَعهُمْ كلهم مثل طلب نزُول الْمَطَر وَذَلِكَ محبتهم لَهُ وَفِي دفع مَا يضرهم مثل عدوهم وَذَلِكَ بغضهم لَهُ فَصَارَ وَلَا بُد أَن يشتركوا فِي محبَّة شَيْء عَام وبغض شَيْء عَام وَهَذَا هُوَ دينهم الْمُشْتَرك الْعَام وَإِمَّا اخْتِصَاص كل مِنْهُم بمحبة مَا يَأْكُلهُ ويشربه وينكحه وَطلب مَا يستره باللباس فَهَذَا يشتركون فِي نَوعه لَا فِي شخصه بل كل مِنْهُم يحب نَظِير مَا يُحِبهُ الآخر لَا عينه بل كل مِنْهُم لَا ينْتَفع فِي أكله وشربه ونكاحه ولباسه بِعَين مَا ينْتَفع بِهِ الآخر بل بنظيره وَهَكَذَا هِيَ الْأُمُور السماوية فِي الْحَقِيقَة فَإِن عين الْمَطَر الَّذِي ينزل فِي أَرض هَذَا لَيْسَ هُوَ عين الَّذِي ينزل فِي أَرض هَذَا وَلَكِن نَظِيره وَلَا عين الْهَوَاء الْبَارِد الَّذِي يُصِيب جَسَد أحدهم قد لَا يكون نفس عين الْهَوَاء الْبَارِد الَّذِي يُصِيب جَسَد الآخر بل نَظِيره

стр. 487

لَكِن الْأُمُور السماوية تقع مُشْتَركَة عَامه وَلِهَذَا تعلق حبهم وبغضهم بهَا عَامَّة مُشْتَركَة بِخِلَاف الْأُمُور الَّتِي تتَعَلَّق بأفعالهم كالطعام واللباس فقد تقع مُخْتَصَّة وَقد تقع مُشْتَركَة الدَّين هُوَ التعاهد والتعاقد وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالأمور الَّتِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا يَحْتَاجُونَ أَن يوجبوها على أنفسهم والأمور الَّتِي تَضُرهُمْ يَحْتَاجُونَ أَن يحرموها على نُفُوسهم وَذَلِكَ دينهم وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا باتفاقهم على ذَلِك وَهُوَ التعاهد والتعاقد وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلَا دين لمن لَا عهد لَهُ فَهَذَا هُوَ من الدَّين الْمُشْتَرك بَين جَمِيع بني آدم من الْتِزَام وَاجِبَات ومحرمات وَهُوَ الْوَفَاء والعهد وَهَذَا قد يكون بَاطِلا فَاسِدا إِذا كَانَ فِيهِ مضرَّة لَهُم راجحة على منفعَته وَقد يكون دين حق إِذا كَانَت مَنْفَعَة خَاصَّة أَو راجحة كَمَا قَالَ تَعَالَى قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ لَا أعبد مَا تَعْبدُونَ وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أعبد وَلَا أَنا عَابِد مَا عَبدْتُمْ وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أعبد لكم دينكُمْ ولي دين وَقَالَ تَعَالَى مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك

стр. 488

وَقَالَ تَعَالَى قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله وَلَا يدينون دين الْحق من الَّذين أُوتُوا الْكتاب الدَّين الْحق هُوَ طَاعَة الله وعبادته وَالدّين الْحق هُوَ طَاعَة الله وعبادته كَمَا بَينا أَن الدَّين هُوَ الطَّاعَة الْمُعْتَادَة الَّتِي صَارَت خلقا وَبِذَلِك يكون المطاع محبوبا مرَادا إِذْ أصل ذَلِك الْمحبَّة والإرادة وَلَا يسْتَحق أحد أَن يعبد ويطاع على الْإِطْلَاق إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَرُسُله وأولو الْأَمر أطِيعُوا لأَنهم يأمرون بِطَاعَة الله كَمَا قَالَ النَّبِي فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ من أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله وَمن أطَاع أَمِيري فقد أَطَاعَنِي وَمن عَصَانِي فقد عصي الله وَمن عصي أَمِيري فقد عَصَانِي وَأما الْعِبَادَة فَللَّه وَحده لَيْسَ فِيهَا وَاسِطَة فَلَا يعبد العَبْد إِلَّا الله وَحده كَمَا قد بَينا ذَلِك فِي مَوَاضِع وَبينا أَن كل عمل لَا يكون غَايَته إِرَادَة الله وعبادته فَهُوَ عمل فَاسد غير صَالح بَاطِل غير حق أَي لاينفع صَاحبه

стр. 489

وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ وَمَا أمروا إِلَّا ليعيدوا الله مُخلصين لَهُ الدَّين حنفَاء ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة وَذَلِكَ دين الْقيمَة وَقَالَ تَعَالَى وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَيكون الدَّين لله وَقَالَ تَعَالَى ذَلِك الدَّين الْقيم فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم وَقَالَ تَعَالَى قل إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دينا قيمًا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين وَقَالَ تَعَالَى فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدَّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي انه قَالَ من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدَّين وَقَالَ تَعَالَى وَلَا يزالون يقاتلونكم حَتَّى يردوكم عَن دينكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت

стр. 490

أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَهُوَ الدَّين الْحق الَّذِي هُوَ عبَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ وطاعته وَطَاعَة رَسُوله هُوَ الْإِسْلَام الْعَام الَّذِي لَا يقبل الله دينا غَيره كَمَا قَالَ تَعَالَى إِن الدَّين عِنْد الله الْإِسْلَام وَقَالَ تَعَالَى وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين وَقَالَ تَعَالَى أفغير دين الله يَبْغُونَ وَله أسلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وَإِلَيْهِ يرجعُونَ وَقَالَ تَعَالَى شرع لكم من الدَّين مَا وَصِيّ بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وعيسي أَن أقِيمُوا الدَّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ كبر على الْمُشْركين مَا تدعوهم إِلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء كل دين سوي الْإِسْلَام بَاطِل فَإِذا كَانَ لَا بُد لكل آدَمِيّ من اجْتِمَاع وَلَا بُد فِي كل اجْتِمَاع من طَاعَة وَدين وكل دين وَطَاعَة لَا يكون لله فَهُوَ بَاطِل فَكل دين سوي الْإِسْلَام فَهُوَ بَاطِل وَأَيْضًا فَلَا بُد لكل حَيّ من مَحْبُوب هُوَ مُنْتَهى محبته وإرادته وَإِلَيْهِ تكون حَرَكَة بَاطِنه وَظَاهره وَذَلِكَ هُوَ إلهه وَلَا يصلح ذَلِك إِلَّا لله وَحده لَا شريك لَهُ فَكل مَا سوي الْإِسْلَام فَهُوَ بَاطِل

стр. 491

والمتفرقون أَيْضا فِيهِ الَّذين أَخذ كل مِنْهُم بِبَعْضِه وَترك بعضه وافترقت أهواؤهم قد بَرِيء الله وَرَسُوله مِنْهُم لَا بُد فِي كل دين من شَيْئَيْنِ العقيدة والشريعة أَو المعبود وَالْعِبَادَة وَلَا بُد فِي كل دين وَطَاعَة ومحبة من شَيْئَيْنِ أَحدهمَا الدَّين المحبوب المطاع وَهُوَ الْمَقْصُود المُرَاد وَالثَّانِي نفس صُورَة الْعَمَل الَّتِي تطاع ويعبد بهَا وَهُوَ السَّبِيل وَالطَّرِيق والشريعة والمنهاج والوسيلة كَمَا قَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا قَالَ أخلصه وأصوبه قَالُوا يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه قَالَ إِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة فَهَكَذَا كَانَ الدَّين يجمع هذَيْن الْأَمريْنِ المعبود وَالْعِبَادَة والمعبود اله وَاحِد وَالْعِبَادَة طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله فَهَذَا هُوَ دين الله الَّذِي ارْتَضَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا وَهُوَ دين الْمُؤمنِينَ من الْأَوَّلين والآخرين وَهُوَ الدَّين الَّذِي لَا يقبل الله من أحد غَيره لِأَنَّهُ دين فَاسد بَاطِل كمن عبد من لَا تصلح عِبَادَته أَو عبد بِمَا لَا يصلح أَن يعبد بِهِ تنوع النَّاس فِي المعبود وَفِي الْعِبَادَة ثمَّ مَعَ اشْتِرَاك الْأَوَّلين والآخرين فِي هَذَا الدَّين فيتنازعون فِي كل مِنْهُمَا فَإِن الله سُبْحَانَهُ لَهُ الْأَسْمَاء الحسني وَله الْمثل الْأَعْلَى فقد تعرف هَذِه الْأمة من أَسْمَائِهِ

стр. 492

وَصِفَاته مَا لَا تعرف بِهِ الْأمة الْأُخْرَى فهم مشتركون فِي عبَادَة نَفسه وَإِن تنوعوا فِيمَا عرفوه وعبدوه بِهِ من أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وَقد رفع الله بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات فَهَذَا تنوعهم فِي المعبود وَكَذَلِكَ حَالهم فِي معرفَة الْيَوْم الآخر وَأما تنوعهم فِي الْعِبَادَة وَالطَّاعَة من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال فَإِنَّهُم متنوعون فِي ذَلِك أَيْضا وَقد قَالَ تَعَالَى لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا وَقَالَ تَعَالَى ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ وَقَالَ تَعَالَى لكل أمة جعلنَا منسكا هم ناسكوه فَلَا ينازعنك فِي الْأَمر وَقَالَ تَعَالَى وَلكُل أمة جعلنَا منسكا لِيذكرُوا اسْم الله على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام وَقَالَ تَعَالَى وَلكُل وجهة هُوَ موليها وَهَذَانِ الأصلان قد جَاءَت شريعتنا فيهمَا بأنواع فَجَاءَت فِي أَسمَاء الله وَصِفَاته بأنواع وَجَاءَت فِي صِفَات الْعِبَادَات بأنواع وَالْأَصْل الأول يَنْضَم إِلَيْهِ الْيَوْم الآخر وَمَا جَاءَ فِي نَعته من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات والوعد والوعيد

стр. 493

وَهَذِه الْأُصُول الثَّلَاثَة وَهِي الْإِيمَان بِاللَّه وباليوم الآخر وَالْعَمَل الصَّالح هِيَ الْمُوجبَة للسعادة فِي كل مِلَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ وَالشَّرْع مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَهُوَ الأَصْل الرَّابِع ذمّ الله التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف فِي الْكتاب وَالسّنة فَإِن هَذِه الْأُصُول الْأَرْبَعَة متلازمة والتفرق فِي ذَلِك بِالْأَمر فِي بعضه وَالنَّهْي عَن بعض هُوَ من التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف الَّذِي ذمه الْكتاب وَالسّنة من الْمُخْتَلِفين وَقَالَ تَعَالَى وَإِن الَّذين اخْتلفُوا فِي الْكتاب لفي شقَاق بعيد وَقَالَ تَعَالَى إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَلِهَذَا غضب النَّبِي لما اخْتلفُوا فِي الْقِرَاءَة وَقَالَ كِلَاهُمَا محسن

стр. 494

وَقَالَ إِن الْقُرْآن نزل على سَبْعَة أحرف فاقرؤوا مِنْهُ مَا تيَسّر وَكَذَلِكَ غضب لما تنازعوا فِي الْقدر وَأخذُوا يعارضون بَين الْآيَات مُعَارضَة تُفْضِي إِلَى الْإِيمَان بِبَعْض دون بعض وَهَذَا التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف يُوجب الشّرك وينافي حَقِيقَة التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ إخلاص الدَّين كُله لله كَمَا قَالَ تَعَالَى فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين من الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ فإقامة وجهة الدَّين حَنِيفا وَعبادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ وَذَلِكَ يجمع الْإِيمَان بِكُل مَا أَمر الله بِهِ وَأخْبر بِهِ أَن يكون الدَّين كُله لله

стр. 495

ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين من الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا وَذَلِكَ أَنه إِذا كَانَ الدَّين كُله لله حصل الْإِيمَان وَالطَّاعَة لكل مَا أنزلهُ وَأرْسل بِهِ رسله وَهَذَا يجمع كل حق وَيجمع عَلَيْهِ كل حق وَإِذا لم يكن كَذَلِك فَلَا بُد أَن يكون لكل قَول مَا يمتازون بِهِ مثل مُعظم مُطَاع أَو معبود لم يَأْمر الله بِعِبَادَتِهِ وطاعته وَمثل قَول وَدين ابتدعوه لم يَأْذَن الله بِهِ وَلم يشرعه فَيكون كل من الْفَرِيقَيْنِ مُشْركًا من هَذَا الْوَجْه وَأَيْضًا فَفِي قُلُوب بني آدم محبَّة وَإِرَادَة لما يتألهونه ويعبدونه وَذَلِكَ هُوَ قوام قُلُوبهم وَصَلَاح نُفُوسهم كَمَا أَن فيهم محبَّة وَإِرَادَة لما يطعمونه وينكحونه وَبِذَلِك تصلح حياتهم ويدوم شملهم وحاجتهم إِلَى التأله أعظم من حَاجتهم إِلَى الْغذَاء فَإِن الْغذَاء إِذا فقد يفْسد الْجِسْم وبفقد التأله تفْسد النَّفس وَلنْ يصلحهم إِلَّا تأله الله وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ وَهِي الْفطْرَة الَّتِي فطروا عَلَيْهَا كَمَا قَالَ النَّبِي فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عِيَاض بن حمَار عَن النَّبِي فِيمَا يروي عَن ربه أَنه قَالَ إِنَّنِي خلقت عبَادي حنفَاء فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين وَحرمت عَلَيْهِم مَا أحللت لَهُم وأمرتهم أَن يشركوا بِي مَا لم أنزل بِهِ سُلْطَانا لَكِن أَكثر الشّرك فِي بني آدم بإيجاد إِلَه آخر مَعَ الله ودان بذلك كثير مِنْهُم فِي أَنْوَاع كَثِيرَة
следующие страницы →