Полный текст (666 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
والمتفرقون أَيْضا فِيهِ الَّذين أَخذ كل مِنْهُم بِبَعْضِه وَترك بعضه وافترقت أهواؤهم قد بَرِيء الله وَرَسُوله مِنْهُم
لَا بُد فِي كل دين من شَيْئَيْنِ العقيدة والشريعة أَو المعبود وَالْعِبَادَة
وَلَا بُد فِي كل دين وَطَاعَة ومحبة من شَيْئَيْنِ أَحدهمَا الدَّين المحبوب المطاع وَهُوَ الْمَقْصُود المُرَاد
وَالثَّانِي نفس صُورَة الْعَمَل الَّتِي تطاع ويعبد بهَا وَهُوَ السَّبِيل وَالطَّرِيق والشريعة والمنهاج والوسيلة
كَمَا قَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا قَالَ أخلصه وأصوبه قَالُوا يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه قَالَ إِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة
فَهَكَذَا كَانَ الدَّين يجمع هذَيْن الْأَمريْنِ المعبود وَالْعِبَادَة والمعبود اله وَاحِد وَالْعِبَادَة طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله فَهَذَا هُوَ دين الله الَّذِي ارْتَضَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا وَهُوَ دين الْمُؤمنِينَ من الْأَوَّلين والآخرين وَهُوَ الدَّين الَّذِي لَا يقبل الله من أحد غَيره لِأَنَّهُ دين فَاسد بَاطِل كمن عبد من لَا تصلح عِبَادَته أَو عبد بِمَا لَا يصلح أَن يعبد بِهِ
تنوع النَّاس فِي المعبود وَفِي الْعِبَادَة
ثمَّ مَعَ اشْتِرَاك الْأَوَّلين والآخرين فِي هَذَا الدَّين فيتنازعون فِي كل مِنْهُمَا فَإِن الله سُبْحَانَهُ لَهُ الْأَسْمَاء الحسني وَله الْمثل الْأَعْلَى فقد تعرف هَذِه الْأمة من أَسْمَائِهِ
стр. 492
وَصِفَاته مَا لَا تعرف بِهِ الْأمة الْأُخْرَى فهم مشتركون فِي عبَادَة نَفسه وَإِن تنوعوا فِيمَا عرفوه وعبدوه بِهِ من أَسْمَائِهِ وَصِفَاته
وَقد رفع الله بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات فَهَذَا تنوعهم فِي المعبود وَكَذَلِكَ حَالهم فِي معرفَة الْيَوْم الآخر
وَأما تنوعهم فِي الْعِبَادَة وَالطَّاعَة من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال فَإِنَّهُم متنوعون فِي ذَلِك أَيْضا
وَقد قَالَ تَعَالَى لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا
وَقَالَ تَعَالَى ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ
وَقَالَ تَعَالَى لكل أمة جعلنَا منسكا هم ناسكوه فَلَا ينازعنك فِي الْأَمر
وَقَالَ تَعَالَى وَلكُل أمة جعلنَا منسكا لِيذكرُوا اسْم الله على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام
وَقَالَ تَعَالَى وَلكُل وجهة هُوَ موليها
وَهَذَانِ الأصلان قد جَاءَت شريعتنا فيهمَا بأنواع فَجَاءَت فِي أَسمَاء الله وَصِفَاته بأنواع وَجَاءَت فِي صِفَات الْعِبَادَات بأنواع وَالْأَصْل الأول يَنْضَم إِلَيْهِ الْيَوْم الآخر وَمَا جَاءَ فِي نَعته من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات والوعد والوعيد
стр. 493
وَهَذِه الْأُصُول الثَّلَاثَة وَهِي الْإِيمَان بِاللَّه وباليوم الآخر وَالْعَمَل الصَّالح هِيَ الْمُوجبَة للسعادة فِي كل مِلَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ وَالشَّرْع مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَهُوَ الأَصْل الرَّابِع
ذمّ الله التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف فِي الْكتاب وَالسّنة
فَإِن هَذِه الْأُصُول الْأَرْبَعَة متلازمة والتفرق فِي ذَلِك بِالْأَمر فِي بعضه وَالنَّهْي عَن بعض هُوَ من التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف الَّذِي ذمه الْكتاب وَالسّنة من الْمُخْتَلِفين
وَقَالَ تَعَالَى وَإِن الَّذين اخْتلفُوا فِي الْكتاب لفي شقَاق بعيد
وَقَالَ تَعَالَى إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء
وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات
وَلِهَذَا غضب النَّبِي لما اخْتلفُوا فِي الْقِرَاءَة وَقَالَ كِلَاهُمَا محسن
стр. 494
وَقَالَ إِن الْقُرْآن نزل على سَبْعَة أحرف فاقرؤوا مِنْهُ مَا تيَسّر وَكَذَلِكَ غضب لما تنازعوا فِي الْقدر وَأخذُوا يعارضون بَين الْآيَات مُعَارضَة تُفْضِي إِلَى الْإِيمَان بِبَعْض دون بعض
وَهَذَا التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف يُوجب الشّرك وينافي حَقِيقَة التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ إخلاص الدَّين كُله لله كَمَا قَالَ تَعَالَى فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين من الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ
فإقامة وجهة الدَّين حَنِيفا وَعبادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ وَذَلِكَ يجمع الْإِيمَان بِكُل مَا أَمر الله بِهِ وَأخْبر بِهِ أَن يكون الدَّين كُله لله
стр. 495
ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين من الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا وَذَلِكَ أَنه إِذا كَانَ الدَّين كُله لله حصل الْإِيمَان وَالطَّاعَة لكل مَا أنزلهُ وَأرْسل بِهِ رسله وَهَذَا يجمع كل حق وَيجمع عَلَيْهِ كل حق
وَإِذا لم يكن كَذَلِك فَلَا بُد أَن يكون لكل قَول مَا يمتازون بِهِ مثل مُعظم مُطَاع أَو معبود لم يَأْمر الله بِعِبَادَتِهِ وطاعته وَمثل قَول وَدين ابتدعوه لم يَأْذَن الله بِهِ وَلم يشرعه فَيكون كل من الْفَرِيقَيْنِ مُشْركًا من هَذَا الْوَجْه
وَأَيْضًا فَفِي قُلُوب بني آدم محبَّة وَإِرَادَة لما يتألهونه ويعبدونه وَذَلِكَ هُوَ قوام قُلُوبهم وَصَلَاح نُفُوسهم كَمَا أَن فيهم محبَّة وَإِرَادَة لما يطعمونه وينكحونه وَبِذَلِك تصلح حياتهم ويدوم شملهم وحاجتهم إِلَى التأله أعظم من حَاجتهم إِلَى الْغذَاء فَإِن الْغذَاء إِذا فقد يفْسد الْجِسْم وبفقد التأله تفْسد النَّفس وَلنْ يصلحهم إِلَّا تأله الله وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ وَهِي الْفطْرَة الَّتِي فطروا عَلَيْهَا كَمَا قَالَ النَّبِي فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عِيَاض بن حمَار عَن النَّبِي فِيمَا يروي عَن ربه أَنه قَالَ إِنَّنِي خلقت عبَادي حنفَاء فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين وَحرمت عَلَيْهِم مَا أحللت لَهُم وأمرتهم أَن يشركوا بِي مَا لم أنزل بِهِ سُلْطَانا
لَكِن أَكثر الشّرك فِي بني آدم بإيجاد إِلَه آخر مَعَ الله ودان بذلك كثير مِنْهُم فِي أَنْوَاع كَثِيرَة
стр. 496
فَصَارَ كل طَائِفَة من بني آدم لَا بُد لَهُم من دين لهذين الْأَمريْنِ لحَاجَة نُفُوسهم إِلَى الْإِلَه الَّذِي هُوَ مَحْبُوب مَطْلُوب لذاته وَلِأَنَّهُ ينفع ويضر ولحاجتهم إِلَى الْتِزَام مَا يحبونه من الْحَاجَات ويدفعونه من المضرات
وهم مشركون فِي الْمحبَّة للأمور الْمنزلَة أعيانها وأنواعها فهم مشركون فِي محبَّة الْإِلَه الَّذِي يعبدونه وتعظيمه ومحبة من يبلغ عَنهُ مَا يخْتَص بِهِ ومحبة أوامره ونواهيه مُشْرِكين فِي محبَّة غير ذَلِك ومشركون أَيْضا فِي محبَّة جنس مَا التزموه من الْوَاجِبَات والمحرمات الْعَامَّة الَّتِي هِيَ جلب الْمَنْفَعَة لَهُم جَمِيعًا وَدفع الْمضرَّة عَنْهُم جَمِيعًا
فَهَذِهِ الْمحبَّة هِيَ الْمحبَّة الدِّينِيَّة كحب الدَّين الَّذِي هم عَلَيْهِ حَقًا كَانَ أَو بَاطِلا وَكَذَلِكَ محبَّة مَا يعين على ذَلِك ويوصل إِلَيْهِ لأجل ذَلِك فَهِيَ أَيْضا محبَّة دينية
يَقُول بعض المتفلسفة إِن الْمَقْصُود بِالدّينِ مُجَرّد الْمصلحَة الدُّنْيَوِيَّة
وَلَيْسَ الْمَقْصُود بِالدّينِ الْحق مُجَرّد الْمصلحَة الدُّنْيَوِيَّة من إِقَامَة الْعدْل بَين النَّاس فِي الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة كَمَا يَقُوله طوائف من المتفلسفة فِي مَقْصُود النواميس والنبوات أَن المُرَاد بهَا مُجَرّد وضع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ معاشهم فِي الدُّنْيَا من القانون العدلي الَّذِي يَنْتَظِم بِهِ معاشهم لَكِن هَذَا قد يكون الْمَقْصُود فِي أَدْيَان من لم يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله من اتِّبَاع الْمُلُوك المتفلسفة وَنَحْوهم مثل قوم نوح ونمرود وجنكيزخان وَغَيرهم
стр. 497
فَإِن كل طَائِفَة من بني آدم محتاجون إِلَى الْتِزَام وَاجِبَات وَترك مُحرمَات يقوم بهَا معاشهم وحياتهم الدُّنْيَوِيَّة وَرُبمَا جعلُوا مَعَ ذَلِك مَا بِهِ يستولون بِهِ على غَيرهم من الْأَصْنَاف ويقهرونه كَفعل الْمُلُوك الظَّالِمين مثل جنكيزخان
فَإِذا لم يكن مَقْصُود الدَّين والناموس الْمَوْضُوع إِلَّا جلب الْمَنْفَعَة فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَدفع الْمضرَّة فِيهَا فَلَيْسَ لهَؤُلَاء فِي الْآخِرَة من خلاق ثمَّ إِن كَانَ مَعَ ذَلِك جَعَلُوهُ ليستولوا بِهِ على غَيرهم من بني آدم ويقهرونهم كَفعل فِرْعَوْن وجنكيزخان وَنَحْوهمَا فَهَؤُلَاءِ من أعظم النَّاس عذَابا فِي الْآخِرَة
كَمَا قَالَ تَعَالَى نتلوا عَلَيْك من نبأ مُوسَى وَفرْعَوْن بِالْحَقِّ لقوم يُؤمنُونَ إِن فِرْعَوْن علا فِي الأَرْض وَجعل أَهلهَا شيعًا يستضعف طَائِفَة مِنْهُم يذبح أَبْنَاءَهُم ويستحيي نِسَاءَهُمْ إِنَّه كَانَ من المفسدين
وَقد قصّ الله سُبْحَانَهُ قصَّة فِرْعَوْن فِي غير مَوضِع من الْقُرْآن وَكَانَ هُوَ وَقَومه على دين لَهُم من دين الْمُلُوك كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قصَّة يُوسُف مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك إِلَّا أَن يَشَاء الله وَهَذَا الْملك كَانَ فِرْعَوْن يُوسُف وَكَانَ قبل فِرْعَوْن مُوسَى وَفرْعَوْن اسْم لمن يملك مصر من القبط وَهُوَ اسْم جنس كقيصر وكسري وَالنَّجَاشِي وَنَحْو ذَلِك
وَهَؤُلَاء المتفلسفة الصابئة المبتدعة من الْمَشَّائِينَ وَمن سلك مسلكهم من المنتسبين إِلَى الْملَل فِي الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى يجْعَلُونَ الشَّرَائِع والنواميس
стр. 498
والديانات من هَذَا الْجِنْس لوضع قانون تتمّ بِهِ مصلحَة الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلِهَذَا لَا يأمرون فِيهَا بِالتَّوْحِيدِ وَهُوَ عبَادَة الله وَحده وَلَا بِالْعَمَلِ للدَّار الْآخِرَة وَلَا ينهون فِيهَا عَن الشّرك بل يأمرون فِيهَا بِالْعَدْلِ والصدق وَالْوَفَاء بالعهد وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي لَا تتمّ مصلحَة الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا بهَا ويشرعون التأله للمخلصين وَالْمُشْرِكين
وَقد تَكَلَّمت على أَقسَام الديانَات فِي غير هَذَا الْموضع وبينت الطبعي والملي والشرعي وَإِنَّمَا جَاءَ ذكر هَذَا هُنَا مطردا
وَلِهَذَا يُقِيمُونَ النواميس بأنواع من الْحِيَل وَالسحر والطلسمات كَمَا وضعوه فِي كتب ذَلِك وَيَقُولُونَ فِي بعض الطيالسم هَذَا يصلح لوضع النواميس كَمَا تواصت القرامطة والباطنية وكما كَانَ يَفْعَله سحرة فِرْعَوْن وَغَيرهم وآثارهم مَوْجُودَة بذلك إِلَى الْيَوْم وكما يَفْعَله الْمُشْركُونَ من التّرْك والهند فِي بِلَادهمْ
стр. 499
والمتفلسفة الصابئة تجْعَل ذَلِك جِنْسا لما بعثت بِهِ الرُّسُل من الْآيَات ويجعلون مُوسَى والسحرة وَالَّذين عارضوه من جنس وَاحِد
وَهَؤُلَاء كَمَا قَالَ تَعَالَى فيهم وَلَقَد علمُوا لمن اشْتَرَاهُ مَاله فِي الْآخِرَة من خلاق هم مقرون بِأَن مَنْفَعَة ذَلِك لَا تكون فِي الْآخِرَة وَإِنَّمَا يرجون منفعَته فِي الدُّنْيَا وَإِن كَانَ فِيهِ بُلُوغ بعض الْأَعْرَاض من رئاسة أَو شَهْوَة
فَهُوَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ويتعلمون مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ إِذْ مَا فِيهِ من الْمضرَّة يَرْبُو على مَا فِيهِ من الْخَيْر قَالَ الله تَعَالَى وَلَو أَنهم آمنُوا وَاتَّقوا لمثوبة من عِنْد الله خير لَو كَانُوا يعلمُونَ وَلِهَذَا كَانَ مَا نهي عَنهُ من هَذَا الْجِنْس إِنَّمَا هُوَ لكَون الضَّرَر فِيهِ أغلب من الْمَنْفَعَة فَأَما مَا ينفع النَّاس فَلم ينْه الله عَنهُ
وَلِهَذَا لما عرض على النَّبِي الرقى قَالَ من اسْتَطَاعَ أَن ينفع أَخَاهُ فَلْيفْعَل وَقَالَ لَا بَأْس بالرقى مَا لم يكن فِيهِ شرك
стр. 500
وَذكر البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي اسْتِخْرَاج السحر عَن قَتَادَة قَالَ قلت لسَعِيد بن الْمسيب رجل بِهِ طب أَو يُؤْخَذ عَن امْرَأَته أَيحلُّ عَنهُ أَو ينشر قَالَ لَا بَأْس بِهِ إِنَّمَا يُرِيدُونَ الْإِصْلَاح فَأَما مَا ينفع النَّاس فَلم ينْه عَنهُ
فصل
الْحبّ أصل كل عمل والتصديق بالمحبة هُوَ أصل الْإِيمَان
وَإِذا كَانَ الْحبّ أصل كل عمل من حق وباطل وَهُوَ أصل الْأَعْمَال الدِّينِيَّة وَغَيرهَا وأصل الْأَعْمَال الدِّينِيَّة حب الله وَرَسُوله كَمَا ان اصل الْأَقْوَال الدِّينِيَّة تَصْدِيق الله وَرَسُوله فالتصديق بالمحبة هُوَ أصل الْإِيمَان وَهُوَ قَول وَعمل كَمَا قد بَين فِي غير هَذَا الْموضع
وَمَعْلُوم أَن قُوَّة الْمحبَّة لكل مَحْبُوب يتَفَاوَت النَّاس فِيهَا تَفَاوتا عَظِيما
стр. 501
ويتفاوت حَال الشَّخْص الْوَاحِد فِي محبَّة الشَّيْء الْوَاحِد بِحَيْثُ يُقَوي الْحبّ تَارَة ويضعف تَارَة بل قد يتبدل أقوي الْحبّ بأقوى البغض وَبِالْعَكْسِ
قَالَ تَعَالَى لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة وَقد كفرُوا بِمَا جَاءَكُم من الْحق إِلَى قَوْله قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا برءاؤا مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده وَإِبْرَاهِيم هُوَ إِمَام الحنفاء الَّذين يُحِبهُمْ الله وَيُحِبُّونَهُ وَهُوَ خَلِيل الله
وَقَالَ تَعَالَى أَفَرَأَيْتُم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ أَنْتُم وآباؤكم الأقدمون فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين
وَقَالَ تَعَالَى أَيْضا لَا أحب الأفلين وَقَالَ بعد ذَلِك إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين
وَقد قَالَ تَعَالَى وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله
وَلَا ريب أَن محبَّة الْمُؤمنِينَ لرَبهم أعظم المحبات وَكَذَلِكَ محبَّة الله لَهُم هِيَ محبَّة عَظِيمَة جدا كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي قَالَ يَقُول الله تَعَالَى من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وَمَا تقرب إِلَيّ عَبدِي
стр. 502
بِمثل أَدَاء مَا افترضت عَلَيْهِ وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا فَبِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يبطش وَبِي يمشي وَلَئِن سَأَلَني لأعطينه وَلَئِن استعاذني لأعيذنه وَمَا ترددت عَن شَيْء أَنا فَاعله ترددي عَن قبض نفس عَبدِي الْمُؤمن يكره الْمَوْت واكره مساءته وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ
تَأْوِيل طوائف من الْمُسلمين للمحبة تأويلات خاطئة
وَقد تَأَول الْجَهْمِية وَمن اتبعهم من أهل الْكَلَام محبَّة الله لعَبْدِهِ على أَنَّهَا الْإِحْسَان إِلَيْهِ فَتكون من الْأَفْعَال
وَطَائِفَة أخري من الصفاتية قَالُوا هِيَ إِرَادَة الْإِحْسَان وَرُبمَا قَالَ كلا من الْقَوْلَيْنِ بعض المنتسبين إِلَى السّنة من أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد وَغَيرهم
وَسلف الْأمة وأئمة السّنة على إِقْرَار الْمحبَّة على مَا هِيَ عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ محبَّة العَبْد لرَبه يُفَسِّرهَا كثير من هَؤُلَاءِ بِأَنَّهَا إِرَادَة الْعِبَادَة لَهُ وَإِرَادَة التَّقَرُّب إِلَيْهِ لَا يثبتون أَن العَبْد يحب الله
وَسلف الْأمة وأئمة السّنة ومشايخ الْمعرفَة وَعَامة أهل الْإِيمَان متفقون على خلاف قَول هَؤُلَاءِ المعطلة لأصل الدَّين بل هم متفقون على أَنه لَا يكون شَيْء من أَنْوَاع الْمحبَّة أعظم من محبَّة العَبْد ربه
كَمَا قَالَ تَعَالَى وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله وَقَالَ
стр. 503
تَعَالَى فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَقَالَ تَعَالَى قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره فَلم يرض إِلَّا بِأَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِم من الأهلين وَالْأَمْوَال حَتَّى يكون الْجِهَاد فِي سَبِيل الله الَّذِي هُوَ من كَمَال الْإِيمَان
قَالَ تَعَالَى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون وَلِهَذَا وصف الله المحبين لَهُ الَّذين يُحِبهُمْ هُوَ بِالْجِهَادِ فَقَالَ تَعَالَى من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم
تنَازع النَّاس فِي لفظ الْعِشْق
واما تنَازع النَّاس فِي لفظ الْعِشْق فَمن النَّاس من أهل التصوف وَالْكَلَام وَغَيرهم من أطلق هَذَا اللَّفْظ فِي حق الله كَمَا روى عبد الْوَاحِد بن زيد فِيمَا يؤثره عَن أحد أَنْبيَاء الله أَنه قَالَ عشقني وعشقته
стр. 504
وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْعِشْق هُوَ الْمحبَّة الْكَامِلَة التَّامَّة وأولي النَّاس بذلك هُوَ الله فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يجب أَن يحب أكمل محبَّة وَكَذَلِكَ هُوَ يحب عَبده محبَّة كَامِلَة
وَلَو قيل أَن الْعِشْق هُوَ مُنْتَهى الْمحبَّة أَو أقصاها أَو نَحْو ذَلِك فَهَذَا الْمَعْنى حق من العَبْد فَإِنَّهُ يحب ربه منتهي الْمحبَّة وأقصاها وَالله يحب عَبده مثل إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد صلي الله عَلَيْهَا وَسلم تَسْلِيمًا أقصي محبَّة تكون لِعِبَادِهِ ومنتهاها وهما خَلِيلًا الله
كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي انه قَالَ إِن الله قد اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا وَقَالَ
لَو كنت متخذا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن صَاحبكُم خَلِيل الله
وَذهب طوائف من أهل الْعلم وَالدّين إِلَى إِنْكَار ذَلِك فِي حق الله وَلَا ريب أَن هَذَا اللَّفْظ لَيْسَ مأثورا عَن أَئِمَّة السّلف
منكرو لفظ الْعِشْق لَهُم من جِهَة اللَّفْظ مأخذان وَمن جِهَة الْمَعْنى مأخذان
وَالَّذين أنكروه لَهُم من جِهَة اللَّفْظ مأخذان وَمن جِهَة الْمَعْنى مأخذان
المأخذ الأول من جِهَة اللَّفْظ
أما من جِهَة اللَّفْظ فَإِن هَذَا اللَّفْظ لَيْسَ مأثورا عَن السّلف وَبَاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات يتبع فِيهَا الْأَلْفَاظ الشَّرْعِيَّة فَلَا نطلق إِلَّا مَا يرد بِهِ الْأَثر
стр. 505
والأولون يستدلون بِمثل قَول عبد الْوَاحِد بن زيد وَنَحْوه
وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ هَذَا من الْإسْرَائِيلِيات الَّتِي لَا يجوز الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا فِي شرعنا فَإِن ثُبُوت مثل هَذَا الْكَلَام عَن الله لَا يعلم إِلَّا من جِهَة نَبينَا صلي الله عَلَيْهِ وَسلم وَذَلِكَ غير مأثور عَنهُ وَنحن لَا نصدق بِمَا ينْقل عَن الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين إِلَّا أَن يكون عندنَا مَا يصدقهُ كَمَا لَا نكذب إِلَّا بِمَا نعلم أَنه كذب وَقد قَالَ النَّبِي إِذا حَدثكُمْ أهل الْكتاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم فإمَّا أَن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وَإِمَّا يحدثوكم بِحَق فتكذبوه وَهَذَا الْوَجْه يَقْتَضِي الِامْتِنَاع من الْإِطْلَاق إِلَّا عِنْد الْجَزْم بِتَحْرِيمِهِ فِي جَمِيع الشَّرَائِع
المأخذ الثَّانِي
المأخذ الثَّانِي أَن الْمَعْرُوف من اسْتِعْمَال هَذَا اللَّفْظ فِي اللُّغَة إِنَّمَا هُوَ فِي محبَّة جنس النِّكَاح مثل حب الْإِنْسَان الْآدَمِيّ مثله مِمَّن يسْتَمْتع بِهِ من امْرَأَة
стр. 506
أَو صبي فَلَا يكَاد يسْتَعْمل هَذَا اللَّفْظ فِي محبَّة الْإِنْسَان لوَلَده وأقاربه ووطنه وَمَاله وَدينه وَغير ذَلِك وَلَا فِي محبته لآدَمِيّ لغير صورته مثل محبَّة الْآدَمِيّ لعلمه وَدينه وشجاعته وَكَرمه وإحسانه وَنَحْو ذَلِك بل الْمَشْهُور من لفظ الْعِشْق هُوَ محبَّة النِّكَاح ومقدماته فالعاشق يُرِيد الِاسْتِمْتَاع بِالنّظرِ إِلَى المعشوق وَسَمَاع كَلَامه أَو مُبَاشَرَته بالقبلة والحس والمعانقة أَو الْوَطْء وَإِن كَانَ كثير من العشاق لَا يخْتَار الْوَطْء بل يحب تَقْبِيل ومعانقة موطوءته فَهُوَ يحب مُقَدمَات الْوَطْء وَكم مِمَّن اشْتغل بالوسيلة عَن الْمَقْصُود
ثمَّ لفظ الْعِشْق قد يسْتَعْمل فِي غير ذَلِك إِمَّا على سَبِيل التواطؤ فَيكون حَقِيقَة فِي الْقدر الْمُشْتَرك وَإِمَّا على سَبِيل الْمجَاز
لَكِن اسْتِعْمَاله فِي محبَّة الله إِمَّا أَن يفهم أَو يُوهم الْمَعْنى الْفَاسِد وَهُوَ أَن الله يحب وَيُحب كَمَا تحب صور الْآدَمِيّين الَّتِي نستمتع بمعاشرتها وَوَطئهَا وكما تحب الْحور الْعين الَّتِي فِي الْجنَّة
وَهَذَا الْمَعْنى من أعظم الْكفْر وَإِن كَانَ قد بلغ إِلَى هَذَا الْكفْر الاتحادية الَّذين يَقُولُونَ إِنَّه عين الموجودات وَيَقُولُونَ مَا نكح سوي نَفسه وَهُوَ الناكح والمنكوح
стр. 507
وَكَذَلِكَ الَّذين يَقُولُونَ بالحلول الْعَام وَالَّذين يَقُولُونَ بالاتحاد فِي صور مُعينَة أَو بحلوله فِيهَا كَمَا يَقُوله الغالية من النَّصَارَى والرافضة وغالية النساك فَإِن هَؤُلَاءِ يصفونه بِمَا يُوصف بِهِ الْبشر من النِّكَاح تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا هُوَ الْأَحَد الصَّمد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد وَلَو يكن لَهُ كفوا أحد
وَمن هَؤُلَاءِ من يعشق الصُّور الجميلة وَيَزْعُم أَنه يتجلي فِيهَا وَأَنه إِنَّمَا يحب مظَاهر جماله وَقد بسطنا الْكَلَام فِي كفرهم وضلالهم فِي غير هَذَا الْموضع فَمن زعم أَن الله يحب أَو يعشق وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنى فَهُوَ أعظم كفرا من الْيَهُود وَالنَّصَارَى
المأخذ الْمَعْنَوِيّ قيل إِن الْعِشْق فَسَاد فِي الْحبّ والإرادة
وَأما المأخذ الْمَعْنَوِيّ فَهُوَ أَن الْعِشْق هَل هُوَ فَسَاد فِي الْحبّ والإرادة أَو فَسَاد فِي الْإِدْرَاك والمعرفة قيل إِن الْعِشْق هُوَ الإفراط فِي الْحبّ حَتَّى يزِيد على الْقَصْد الْوَاجِب فَإِذا أفرط كَانَ مذموما فَاسِدا مُفْسِدا للقلب والجسم كَمَا قَالَ تَعَالَى فيطمع الَّذِي فِي قلبه مرض فَمن صَار مفرطا صَار مَرِيضا كالإفراط فِي الْغَضَب والإفراط فِي الْفَرح وَفِي الْحزن
وَهَذَا الإفراط قد يكون فِي محبَّة الْإِنْسَان لصورته وَقد يكون فِي محبته لغير ذَلِك كالإفراط فِي حب الْأَهْل وَالْمَال والإفراط فِي الْأكل وَالشرب وَسَائِر أَحْوَال
стр. 508
الْإِنْسَان وَهَذَا الْمَعْنى مُمْتَنع فِي حق الله من الْجِهَتَيْنِ فَإِن الله لَا يحب محبَّة زِيَادَة على الْعدْل ومحبة عبَادَة الْمُؤمنِينَ لَهُ لَيْسَ لَهَا حد تَنْتَهِي إِلَيْهِ حَتَّى تكون الزِّيَادَة إفراطا وإسرافا ومجاوزة للقصد بل الْوَاجِب أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا
كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي أَنه قَالَ ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَمن كَانَ يجب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله وَمن كَانَ يكره أَن يرجع فِي الْكفْر بعد إِذْ أنقذه مِنْهُ كَمَا يكره أَن يلقِي فِي النَّار وَفِي رِوَايَة فِي الصَّحِيح لَا يجد عبد حلاوة الْإِيمَان حَتَّى يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا إِلَى آخِره وَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَالِده وَولده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ
وَفِي الصَّحِيح أَن عمر قَالَ لَهُ يَا رَسُول الله وَالله لأَنْت أحب إِلَيّ من كل شَيْء إِلَّا من نَفسِي فَقَالَ لَا يَا عمر حَتَّى أكون أحب إِلَيْك من نَفسك قَالَ فلأنت أحب إِلَيّ من نَفسِي قَالَ الْآن يَا عمر
وَقد تقدم دلَالَة الْقُرْآن على هَذَا الأَصْل بقوله تَعَالَى قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره
وَقيل إِن الْعِشْق فَسَاد فِي الْإِدْرَاك والتخيل والمعرفة
وَقيل أَن الْعِشْق هُوَ فَسَاد فِي الْإِدْرَاك والتخيل والمعرفة فَإِن العاشق يخيل
стр. 509
لَهُ المعشوق على خلاف مَا هُوَ بِهِ حَتَّى يُصِيبهُ مَا يُصِيبهُ من دَاء الْعِشْق وَلَو أدْركهُ على الْوَجْه الصَّحِيح لم يبلغ إِلَى حد الْعِشْق وَإِن حصل لَهُ محبَّة وعلاقة
وَلِهَذَا يَقُول الْأَطِبَّاء الْعِشْق مرض وسواسي شَبيه بالمالنخوليا فيجعلونه من الْأَمْرَاض الدماغية الَّتِي تفْسد التخيل كَمَا يُفْسِدهُ المالنخوليا
وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك امْتنع فِي حق الله من الْجَانِبَيْنِ فَإِن الله بِكُل شَيْء عليم وَهُوَ سميع بَصِير مقدس منزه عَن نقص أَو خلل فِي سَمعه وبصره وَعلمه والمحبون لَهُ عباده الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِهِ وعرفوه بِمَا تعرف بِهِ إِلَيْهِم من أَسْمَائِهِ وآياته وَمَا قذفه فِي قُلُوبهم من أنوار مَعْرفَته فَلَيْسَتْ محبتهم إِيَّاه عَن اعْتِقَاد فَاسد
لَكِن قد يُقَال إِن كثيرا مِمَّن يكون فِيهِ نوع محبَّة الله قد يكون مَعهَا اعْتِقَاد فَاسد إِذْ الْحبّ يستتبع الشُّعُور لَا يسْتَلْزم صَرِيح الْمعرفَة لَا سِيمَا من كَانَ من عقلاء المجانين الَّذين عِنْدهم محبَّة لله وتأله وَفِيهِمْ فَسَاد عقل فَهَؤُلَاءِ قد يُصِيب أحدهم مَا يُصِيب العشاق فِي حق الله وَمَعَهُمْ حب شَدِيد وَنَوع من الِاعْتِقَاد الْفَاسِد
وَكَثِيرًا مَا يعتري أهل الْمحبَّة من السكر والفناء أعظم مَا يُصِيب السَّكْرَان بِالْخمرِ والسكران بالصور كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قوم لوط إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون فالحب لَهُ سكر أعظم من سكر الشَّرَاب كَمَا قيل
стр. 510
سَكرَان سكر هوى وسكر مدامة ... وَمَتى إفاقة من بِهِ سَكرَان
وَمَعْلُوم أَنه فِي حَال السكر والفناء تنقص الْمعرفَة وَالتَّمَيُّز ويضطرب الْعقل وَالْعلم فَيحصل فِي ضمن ذَلِك من الاعتقادات والتخيلات الْفَاسِدَة مَا هُوَ من جنس الْعِشْق الَّذِي فِيهِ فَسَاد الِاعْتِقَاد
وَهَؤُلَاء محمودون على مَا مَعَهم من محبَّة الله والأعمال الصَّالِحَة وَالْإِيمَان بِهِ وَأما مَا مَعَهم من اعْتِقَاد فَاسد وَعمل فَاسد لم يشرعه الله وَرَسُوله فَلَا يحْمَدُونَ على ذَلِك لَكِن إِن كَانُوا مغلوبين على ذَلِك بِغَيْر تَفْرِيط مِنْهُم وَلَا عدوان كَانُوا معذورين وَإِن كَانَ ذَلِك لتفريطهم فِيمَا أمروا بِهِ وتعديهم حُدُود الله فهم مذنبون فِي ذَلِك مثل مَا يُصِيب كثيرا مِمَّن يهيج حبه عِنْد سَماع المكاء والتصدية والأشعار الغزلية فتتولد لَهُم أَنْوَاع من الاعتقادات والإرادات الَّتِي فِيهَا الْحق وَالْبَاطِل وَقد يغلب هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة
فباب محبَّة الله ضل فِيهِ فريقان من النَّاس فريق من أهل النّظر وَالْكَلَام والمنتسبين إِلَى الْعلم جحدوها وكذبوا بحقيقتها
وفريق من أهل التَّعَبُّد والتصوف والزهد أدخلُوا فِيهَا من الاعتقادات والإرادات الْفَاسِدَة مَا ضاهوا بهَا الْمُشْركين
فالأولون يشبهون المستكبرين وَهَؤُلَاء يشبهون الْمُشْركين
وَلِهَذَا يكون الأول فِي أشباه الْيَهُود وَيكون الثَّانِي فِي أشباه النَّصَارَى
وَقد أمرنَا الله تَعَالَى أَن نقُول اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين
стр. 511
فصل
كل محبَّة وبغضة يتبعهَا لَذَّة وألم
وَمن الْمَعْلُوم أَن كل محبَّة وبغضة فَإِنَّهُ يتبعهَا لَذَّة وألم فَفِي نيل المحبوب لَذَّة وفراقه يكون فِيهِ ألم وَفِي نيل الْمَكْرُوه ألم وَفِي الْعَافِيَة مِنْهُ تكون فِيهِ لَذَّة فاللذة تكون بعد إِدْرَاك المشتهى والمحبة تَدْعُو إِلَى إِدْرَاكه
فالمحبة الْعلَّة الفاعلة لإدراك الملائم المحبوب المشتهي واللذة وَالسُّرُور هِيَ الْغَايَة
اللَّذَّات ثَلَاثَة أَجنَاس: الأول: اللَّذَّة الحسية
وَاللَّذَّات الْمَوْجُودَة فِي الدُّنْيَا ثَلَاثَة أَجنَاس فجنس بالجسد تَارَة كَالْأَكْلِ وَالنِّكَاح وَنَحْوهمَا مِمَّا يكون بإحساس الْجَسَد فَإِن أَنْوَاع الْمَأْكُول والملبوس يُبَاشِرهَا الْجَسَد
الثَّانِي: اللَّذَّة الوهمية
وجنس يكون مِمَّا يتخيله ويتوهمه بِنَفسِهِ وَنَفس غَيره كالمدح لَهُ والتعظيم لَهُ وَالطَّاعَة لَهُ فَإِن ذَلِك لذيذ مَحْبُوب لَهُ كَمَا أَن فَوَات الْأكل وَالشرب يؤلمه وَأكل مَا يضرّهُ يؤلمه وَكَذَلِكَ فَوَات الْكَرَامَة بِحَيْثُ لَا يكون لَهُ قدر عِنْد أحد وَلَا منزلَة يؤلمه كَمَا يؤلمه ترك الْأكل وَالشرب ويؤلمه الذَّم والإهانة كَمَا يؤلمه الْأكل وَالشرب الَّذِي يضرّهُ
فالمأكول والمنكوح هِيَ أجساد تنَال بالجسد يتلذذ بوجودها ويتألم بفقدها ولحصول مَا يضر مِنْهَا وَأما الْكَرَامَة فَهِيَ فِي النُّفُوس إِذا كَانَت النُّفُوس
стр. 512
ملائمة لَهُ وموافقة لَهُ بِأَن يعْتَقد فِيهِ مَا يسره وَيُوَافِقهُ بالمحبة والتعظيم كَانَ ذَلِك مِمَّا يُوجب لذته ولذته بإدراكه ذَلِك الملائم من النَّاس ومدحهم الْمظهر لاعتقادهم وَمن طاعتهم وموافقتهم المظهرة لمحبتهم وتعظيمهم
الثَّالِث: اللَّذَّة الْعَقْلِيَّة
وَالْجِنْس الثَّالِث أَن يكون مَا يُعلمهُ بِقَلْبِه وروحه وبعقله كَذَلِك كالتذاذه بِذكر الله ومعرفته وَمَعْرِفَة الْحق وتألمه بِالْجَهْلِ إِمَّا الْبَسِيط وَهُوَ عدم الْكَلَام وَالذكر وَإِمَّا الْمركب وَهُوَ اعْتِقَاد الْبَاطِل كَمَا يتألم الْجَسَد بِعَدَمِ غذائه تَارَة وبالتغذي بالمضار أخري
كَذَلِك النَّفس تتألم بِعَدَمِ غذائها وَهُوَ مُوَافقَة النَّاس وإكرامهم تَارَة وبالتغذي بالضد وَهُوَ مخالفتهم وإهانتهم فَكَذَلِك الْقلب يتألم بِعَدَمِ غذائه وَهُوَ الْعلم الْحق وَذكر الله تَارَة والتغذي بالضد وَهُوَ ذكر الْبَاطِل واعتقاده أخري
قَالَ النَّبِي إِن كل أحد يحب أَن تؤتي مأدبته وَإِن مأدبة الله هِيَ الْقُرْآن
стр. 513
وَهَذِه اللَّذَّات الثَّلَاث اللَّذَّات الحسية والوهمية والعقلية وَقد علمت أَن كل مَا خلقه الله فِي الْحَيّ من قوي الْإِدْرَاك وَالْحَرَكَة فَإِنَّمَا خلقه لحكمة وَفِي ذَلِك من جلب الْمَنْفَعَة للحي وَدفع الْمضرَّة عَنهُ مَا هُوَ من عَظِيم نعم الله عَلَيْهِ
وَالله سُبْحَانَهُ بعث الرُّسُل لتكميل الْفطْرَة وتقريرها لَا بتحويلها وتغييرها وَأنزل مَعَهم الْكتاب وَالْمِيزَان ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ وَالله شرع من الدَّين مَا فِيهِ اسْتِعْمَال هَذِه الْقوي على وَجه الْعدْل والاعتدال الَّذِي فِيهِ صَلَاح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَمن الْمَعْلُوم أَن قوي الْحَرَكَة فِي الْجَسَد الَّتِي هِيَ حركات طبعية متي لم تكن على وَجه الِاعْتِدَال وَإِلَّا فسد الْجَسَد وَكَذَلِكَ قوي الْإِدْرَاك وَالْحَرَكَة الَّتِي فِيهِ وَفِي النَّفس متي لم تكن على وَجه الِاعْتِدَال وَإِلَّا فسد الْجَسَد وَالْحَرَكَة الطبعية لَيْسَ فِيهَا حس وَلَا إِرَادَة وَهَذِه لَا تكون عَن حَرَكَة إرادية كَمَا تقدم لَكِن لَا يكون ذَلِك فِي نفس المتحرك بطبعه كحركة الْغذَاء قبل أَن يصرفهُ الْخَارِج من السَّبِيلَيْنِ وَغير ذَلِك
стр. 514
شرع الله من اللَّذَّات مَا فِيهِ صَلَاح حَال الْإِنْسَان وَجعل اللَّذَّة التَّامَّة فِي الْآخِرَة
وَالله سُبْحَانَهُ قد شرع من هَذِه اللَّذَّات مَا فِيهِ صَلَاح حَال الْإِنْسَان فِي الدُّنْيَا وَجعل اللَّذَّة التَّامَّة بذلك فِي الدَّار الْآخِرَة كَمَا أخبر الله بذلك على ألسن رسله بِأَنَّهَا هِيَ دَار الْقَرار وإليها تَنْتَهِي حَرَكَة الْعباد
واللذة هِيَ الْغَايَة من الحركات الإرادية فَتكون الْغَايَة من اللَّذَّات عِنْد الْغَايَة من الحركات وَلَا يُخَالف مَا يُوجد فِي الْوَسِيلَة وَالطَّرِيق فَإِن الْمَوْجُود فِيهَا من اللَّذَّات بِقدر مَا يعين على الْوُصُول إِلَى الْمَقْصُود التَّام وكل لَذَّة وَإِن جلت هِيَ فِي نَفسهَا مَقْصُودَة لنَفسهَا إِذْ الْمَقْصُود لنَفسِهِ هُوَ اللَّذَّة لَكِن من اللَّذَّات مَا يكون عونا على مَا هُوَ أَكثر مِنْهُ أَيْضا فَيكون مَقْصُودا لنَفسِهِ بِقَدرِهِ وَيكون مَقْصُودا لغيره بِقدر ذَلِك الْغَيْر وَهَذَا من تَمام نعْمَة الله على عباده وكل مَا يتنعمون بِهِ إِذا استعملوه على وَجه الْعدْل الَّذِي شَرعه أوصلهم بِهِ إِلَى مَا هُوَ أعظم نعْمَة مِنْهُ
ولذات الْجنَّة أَيْضا تتضاعف وتتزايد كَمَا يَشَاء الله تَعَالَى فَإِن الله يَقُول كَمَا ذكره النَّبِي فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وَقد قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين
стр. 515
وَلِهَذَا بعث الله الرُّسُل مبشرين ومنذرين مبشرين بِنِعْمَة الله التَّامَّة فِي جنته لمن أطاعهم فَاتبع الذّكر الَّذِي أنزل عَلَيْهِم وَاسْتعْمل الْقسْط الَّذِي بعثوا بِهِ ومنذرين بتعظيمهم عِقَاب الله لمن أعرض عَن ذَلِك وعصاهم فَكَانَ من الظَّالِمين
قَالَ تَعَالَى اهبطا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضكُم لبَعض عَدو فَأَما يَأْتينكُمْ مني هدي فَمن اتبع هُدَايَ فَلَا يضل وَلَا يشقي وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمي وَقَالَ تَعَالَى فَمن تبع هُدَايَ فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ
غلط المتفلسفة وَمن اتبعهم فِي أَمر هَذِه اللَّذَّات
وَقد غَلطت المتفلسفة من الصابئة وَالْمُشْرِكين وَنَحْوهم وَمن حذا حذوهم مِمَّن صنف فِي أَصْنَاف هَذِه اللَّذَّات كالرازي وَغَيره فِي أَمر هَذِه اللَّذَّات فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة حَتَّى جرهم ذَلِك الْغَلَط إِلَى الدَّين الْفَاسِد فِي الدُّنْيَا بالاعتقادات الْفَاسِدَة والعبادات والزهادات الْفَاسِدَة وَإِلَى التَّكْذِيب بِحَقِيقَة مَا أخبر الله بِهِ على ألسن رسله من وعده ووعيده فصاروا تاركين لما يَنْفَعهُمْ من لذات الدُّنْيَا معرضين عَمَّا خلقُوا لَهُ من لذات الْآخِرَة ومعتاضين عَن ذَلِك بِأخذ مَا يضرهم مِمَّا يظنون أَنه لَذَّة فِي الدُّنْيَا أَو موصل للذة فِي الدُّنْيَا وهم فِي ذَلِك إِن
стр. 516
يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوي الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهَدْي فجهلوا الْمَقَاصِد والوسائل فَكَانُوا ضَالِّينَ يقصدون مَا يَنْفَعهُمْ ويلذهم وهم لَا يعْرفُونَ عين مقصودهم وَلَا الطَّرِيق إِلَيْهِ وَصَارَ عامتهم غواة منهمكين فِي اللَّذَّات الَّتِي تَضُرهُمْ
ضل النَّصَارَى كَذَلِك فِي أَمر اللَّذَّات
وَالنَّصَارَى ضارعوهم فِي بعض ذَلِك حِين كذبُوا بِكَثِير مِمَّا وعدوا بِهِ فِي الْآخِرَة من اللَّذَّات وَضَلُّوا بِمَا ابتدعوه من الْعِبَادَات فَكَانُوا ضَالِّينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل وَلِهَذَا يغلب على عوامهم الغي وَاتِّبَاع شهوات الغي إِذْ لم يحرموا عَلَيْهِم شَيْئا من المطاعم والمشارب
الْيَهُود أعلم لكِنهمْ غواة قساة
وَأما الْيَهُود فهم أعلم بِالْمَقْصُودِ وَطَرِيقه لكِنهمْ غواة قساة مغضوب عَلَيْهِم
ويتبين ذَلِك بأصلين أَحدهمَا أَنهم اعتقدوا أَن اللَّذَّات الحسية والوهمية لَيست لذات فِي الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا هِيَ دفع آلام وَرُبمَا حسنوا الْعبارَة فَقَالُوا لَيْسَ الْمَقْصُود بهَا التنعم وَإِنَّمَا الْمَقْصُود بهَا دفع الْأَلَم بِخِلَاف اللَّذَّات الْعَقْلِيَّة الروحانية فَإِنَّهَا هِيَ اللَّذَّات فَقَط وَهِي الْمَقْصُودَة لذاتها فَقَط وَعَن هَذَا يدْفَعُونَ أَن تكون للنفوس بعد مُفَارقَة الدُّنْيَا لذات حسية أَو وهمية وَإِنَّمَا يكون لَهَا لذات روحانية فَقَط
стр. 517
تَفْصِيل مقَالَة الفلاسفة فِي اللَّذَّة
ثمَّ إِن من دخل مَعَ أهل الْملَل مِنْهُم وَافق الْمُؤمنِينَ بإظهاره للإقرار بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَقَالَ إِن مَا أخْبرت بِهِ الرُّسُل من الْوَعْد والوعيد إِنَّمَا هُوَ أَمْثَال مَضْرُوبَة لتفهم الْعَامَّة الْمعَاد الروحاني وَمَا فِيهِ من اللَّذَّة والألم الروحانيين وَرُبمَا يغرب بَعضهم فَأثْبت اللَّذَّات الخيالية بِنَاء على أَن النُّفُوس يُمكن أَن يحصل لَهَا من إشراق الأفلاك عَلَيْهَا مَا يحصل لَهَا بِهِ من اللَّذَّة مَا هُوَ من أعظم اللَّذَّات الخيالية الَّتِي قد يَقُولُونَ هِيَ أعظم من الحسية
الأَصْل الثَّانِي أَن اللَّذَّات الْعَقْلِيَّة الَّتِي أقرُّوا بهَا لم تحصل لَهُم وَلم يعرفوا الطَّرِيق إِلَيْهَا بل ظنُّوا أَن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ إِدْرَاك الْوُجُود الْمُطلق بأنواعه وَأَحْكَامه وطلبوا اللَّذَّة الْعَقْلِيَّة فِي الدُّنْيَا بِمَا هُوَ من هَذَا النمط من الْأُمُور الْعَقْلِيَّة وَتَكَلَّمُوا فِي الإلهيات بِكَلَام حَقه قَلِيل وباطله كثير فَكَانُوا طَالِبين للذة الْعَقْلِيَّة الَّتِي أثبتوها بالأغذية الْفَاسِدَة الَّتِي تضر وتؤلم أَكثر من طلبَهَا بالأغذية النافعة بل كَانُوا فاقدين لغذائها الَّذِي لَا صَلَاح لَهَا إِلَّا بِهِ وَهُوَ إخلاص الدَّين لله بِعِبَادَتِهِ وَحده لَا شريك لَهُ فَإِن هَذَا هُوَ خَاصَّة النَّفس الَّتِي خلقت لَهُ لَا تصلح إِلَّا بِهِ وَلَا تفْسد فَسَادًا مُطلقًا مَعَ وجوده قطّ بل من بَات وَهُوَ يعلم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة
كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلي الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من وُجُوه مُتعَدِّدَة من
стр. 518
حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان وَأبي ذَر ومعاذ بن جبل وَأبي هُرَيْرَة وعتبان بن مَالك وَعبادَة بن الصَّامِت وَغَيرهم وَلَا يخلد فِي النَّار من أهل التَّوْحِيد أحد بل يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال دِينَار من إِيمَان أَو مِثْقَال شعيرَة من إِيمَان أَو مِثْقَال ذرة من إِيمَان
وَقد تَكَلَّمت على رِسَالَة المبدأ والمعاد الَّتِي صنفها أَبُو عَليّ بن سينا وَزعم أَن فِيهَا من الْأَسْرَار المخزونة من فلسفتهم بِمَا يُنَاسب هَذَا مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه وبينت مَا دخل عَلَيْهِم من الْجَهْل وَالْكفْر فِي ذَلِك من وُجُوه بَيِّنَة من لغاتهم ومعارفهم الَّتِي يفقهُونَ بهَا ويعلمون صِحَة مَا عَلَيْهِ أهل الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله وَبطلَان مَا هم عَلَيْهِ مِمَّا يُخَالف ذَلِك من الْحَقِيقَة وَإِن زَعَمُوا أَنهم موافقون لأهل الْإِيمَان
نعم هم مُؤمنُونَ بِبَعْض وكافرون بِبَعْض كَمَا قد بيّنت أَيْضا مَرَاتِب مَا مَعَهم وَمَعَ غَيرهم من الْكفْر وَالْإِيمَان فِي غير هَذَا الْموضع وَذكرت مَا كفرُوا بِهِ مِمَّا خالفوا بِهِ الرُّسُل وَمَا آمنُوا بِهِ مِمَّا وافقوهم فِيهِ
стр. 519
فَأن الله أمرنَا بِالْعَدْلِ وأمرنا أَن نعدل بَين الْأُمَم كَمَا قَالَ تَعَالَى لرَسُوله وَأمرت لأعدل بَيْنكُم وَقَالَ تَعَالَى كَانَ النَّاس أمة وَاحِدَة فَبعث الله النَّبِيين مبشرين ومنذرين وَأنزل مَعَهم الْكتاب بِالْحَقِّ ليحكم بَين النَّاس فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى وأنزلنا مَعَهم الْكتاب وَالْمِيزَان ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ
فصل
حب الله أصل التَّوْحِيد العملي
وَإِذا كَانَ أصل الْإِيمَان العملي هُوَ حب الله تَعَالَى وَرَسُوله وَحب الله أصل التَّوْحِيد العملي وَهُوَ أصل التأليه الَّذِي هُوَ عبَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ فَإِن الْعِبَادَة أَصْلهَا أكمل أَنْوَاع الْمحبَّة مَعَ أكمل أَنْوَاع الخضوع وَهَذَا هُوَ الْإِسْلَام
وَأعظم الذُّنُوب عِنْد الله الشّرك بِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء والشرك مِنْهُ جليل ودقيق وخفي وجلي
كَمَا فِي الحَدِيث الشّرك فِي هَذِه الْأمة أُخْفِي من دَبِيب النَّمْل فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ يَا رَسُول الله إِذا كَانَ أُخْفِي من دَبِيب النَّمْل فَكيف نصْنَع بِهِ أَو كَمَا قَالَ فَقَالَ أَلا أعلمك كلمة إِذا قلتهَا نجوت من قَلِيله وَكَثِيره قل اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن أشرك بك وَأَنا أعلم وأستغفرك لما لَا أعلم
стр. 520
أصل الْإِشْرَاك العملي بِاللَّه الْإِشْرَاك فِي الْمحبَّة
فمعلوم أَن أصل الْإِشْرَاك العملي بِاللَّه الْإِشْرَاك فِي الْمحبَّة قَالَ تَعَالَى وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله فَأخْبر أَن من النَّاس من يُشْرك بِاللَّه فيتخذ أندادا يحبونهم كَمَا يحبونَ الله وَأخْبر أَن الَّذين آمنُوا أَشد حبا لله من هَؤُلَاءِ والمؤمنون أَشد حبا لله من هَؤُلَاءِ لأندادهم وَللَّه فَإِن هَؤُلَاءِ أشركوا بِاللَّه فِي الْمحبَّة فَجعل الْمحبَّة مُشْتَركَة بَينه وَبَين الأنداد والمؤمنون أَخْلصُوا دينهم لله الَّذِي أَصله الْمحبَّة لله فَلم يجْعَلُوا لله عدلا فِي الْمحبَّة بل كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِم مِمَّا سواهُمَا ومحبة الرَّسُول هِيَ من محبَّة الله وَكَذَلِكَ كل حب فِي الله وَهُوَ الْحبّ لله
الْمُؤْمِنُونَ يحبونَ لله ويبغضون لله
كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي انه قَالَ ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان وَفِي رِوَايَة فِي الصَّحِيح
لَا يجد حلاوة الْإِيمَان إِلَّا من كَانَ فِيهِ ثَلَاث خِصَال أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله وَأَن يكره أَن يرجع فِي الْكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يلقِي فِي النَّار
وَلِهَذَا فِي الحَدِيث من أحب لله وَأبْغض لله وَأعْطِي لله وَمنع لله
стр. 521
فقد اسْتكْمل الْإِيمَان وَفِي الْأَثر مَا تحاب رجلَانِ فِي الله إِلَّا كَانَ أفضلهما أشدهما حبا لصَاحبه لِأَن هَذِه الْمحبَّة من محبَّة الله وكل من كَانَت محبته لله أَشد كَانَ أفضل
وَخير الْخلق مُحَمَّد رَسُول الله وَخير الْبَريَّة بعده إِبْرَاهِيم كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الحَدِيث الصَّحِيح وكل مِنْهُمَا خَلِيل الله
والخلة تَتَضَمَّن كَمَال الْمحبَّة ونهايتها وَلِهَذَا لم يصلح لله شريك فِي الْخلَّة بل قَالَ صلي الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح لَو كنت متخذا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن صَاحبكُم خَلِيل الله وَفِي لفظ أَنا أَبْرَأ إِلَى كل خَلِيل من خلته
فمحبة مَا يُحِبهُ الله لله من الْأَعْيَان والأعمال من تَمام محبَّة الله وَهُوَ الْحبّ فِي الله وَللَّه وَإِن كَانَ كثير من النَّاس يغلط فِي معرفَة كثير من ذَلِك أَو وجوده فيظن فِي أَنْوَاع من الْمحبَّة أَنَّهَا محبَّة الله وَلَا تكون لله ويظن وجود الْمحبَّة لله فِي أُمُور وَلَا تكون الْمحبَّة لله مَوْجُودَة بل قد يعْتَقد وجود الْمحبَّة لله وَتَكون مَعْدُومَة وَقد يعْتَقد فِي بعض الْحبّ أَنه لله وَلَا يكون لله كَمَا يعْتَقد وجود الْعلم أَو الْعِبَادَة
стр. 522
أَو غير ذَلِك من الصِّفَات فِي بعض الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال وَلَا يكون ثَابتا وَقد يعْتَقد فِي كثير من الْأَعْمَال أَنه مَعْمُول لله وَلَا يكون لله
فمحبة مَا يُحِبهُ الله من الْأَعْمَال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة وَهِي الْوَاجِبَات والمستحبات إِذا أَحْبَبْت لله كَانَ ذَلِك من محبَّة الله وَلِهَذَا يُوجب ذَلِك محبَّة الله لعَبْدِهِ
وكما فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن الله تَعَالَى من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وَمَا تقرب إِلَيّ عَبدِي بِمثل أَدَاء مَا افترضته عَلَيْهِ وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا فَبِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يبطش وَبِي يمشي وَلَئِن سَأَلَني لأعطينه وَلَئِن استعاذني لأعيذنه وَمَا ترددت عَن شَيْء أَنا فَاعله ترددي عَن قبض نفس عَبدِي الْمُؤمن يكره الْمَوْت وأكره مساءته وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ
وَكَذَلِكَ محبَّة كَلَام الله وأسمائه وَصِفَاته كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح فِي الَّذِي كَانَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ فَيقْرَأ قل هُوَ الله أحد إِمَّا أَن يَقْرَأها وَحدهَا أَو يقْرَأ بهَا مَعَ سُورَة أخري فَأخْبرُوا بذلك النَّبِي صلي الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ سلوه لم يفعل ذَلِك فَقَالَ لِأَنِّي أحبها فَقَالَ أَن حبك إِيَّاهَا أدْخلك الْجنَّة
стр. 523
وَكَذَلِكَ محبَّة مَلَائِكَة الله وأنبيائه وعباده الصَّالِحين كَمَا كَانَ عبد الله بن عمر يَدْعُو بالمواقف فِي حجه فَيَقُول اللَّهُمَّ اجْعَلنِي أحبك وَأحب ملائكتك وأنبياءك وعبادك الصَّالِحين اللَّهُمَّ حببني إِلَيْك وَإِلَى ملائكتك وأنبيائك وعبادك الصَّالِحين
محبَّة الله مستلزمة لمحبة مَا يُحِبهُ من الْوَاجِبَات
بل محبَّة الله مستلزمة لمحبة مَا يُحِبهُ من الْوَاجِبَات كَمَا قَالَ تَعَالَى قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم فَإِن اتِّبَاع رَسُوله هُوَ من أعظم مَا أوجبه الله تَعَالَى على عباده وأحبه وَهُوَ سُبْحَانَهُ أعظم شَيْء بغضا لمن لم يتبع رَسُوله فَمن كَانَ صَادِقا فِي دَعْوَى محبَّة الله اتبع رَسُوله لَا محَالة وَكَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا
الذُّنُوب تنقص من محبَّة الله
والذنُوب تنقص من محبَّة الله تَعَالَى بِقدر ذَلِك لَكِن لَا تزيل الْمحبَّة لله وَرَسُوله إِذا كَانَت ثَابِتَة فِي الْقلب وَلم تكن الذُّنُوب عَن نفاق كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عمر بن الْخطاب حَدِيث حمَار الَّذِي كَانَ يشرب الْخمر وَكَانَ النَّبِي يُقيم عَلَيْهِ الْحَد فَلَمَّا كثر ذَلِك مِنْهُ لَعنه رجل فَقَالَ النَّبِي
стр. 524
لَا تلعنه فَإِنَّهُ يجب الله وَرَسُوله وَفِيه دلَالَة على أَنا منهيون عَن لعنة أحد بِعَيْنِه وَإِن كَانَ مذنبا إِذا كَانَ يحب الله وَرَسُوله فَكَمَا أَن الْمحبَّة الْوَاجِبَة تَسْتَلْزِم لفعل الْوَاجِبَات وَكَمَال الْمحبَّة المستحبة تَسْتَلْزِم لكَمَال فعل المستحبات والمعاصي تنقض الْمحبَّة وَهَذَا معنى قَول الشبلى لما سُئِلَ عَن الْمحبَّة فَقَالَ مَا غنت بِهِ جَارِيَة فلَان
تَعْصِي الْإِلَه وَأَنت تزْعم حبه ... هَذَا محَال فِي الْقيَاس شنيع
لَو كَانَ حبك صَادِقا لأطعته ... إِن الْمُحب لمن أحب مُطِيع
وَهَذَا كَقَوْلِه ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حَيْثُ يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن وَقد تكلمنا على هَذَا فِي غير هَذَا الْموضع
стр. 525
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن نفرق بَين الْحبّ فِي الله وَللَّه الَّذِي هُوَ دَاخل فِي محبَّة الله وَهُوَ من محبته وَبَين الْحبّ لغير الله الَّذِي فِيهِ شرك فِي الْمحبَّة لله كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله فَإِن هَؤُلَاءِ يشركُونَ برَبهمْ فِي الْحبّ عادلون بِهِ جاعلون لَهُ أندادا وَأُولَئِكَ أَخْلصُوا دينهم لله فَكَانَ حبهم الَّذِي هُوَ أصل دينهم كُله لله وَهَذَا هُوَ الَّذِي بعث بِاللَّه الرُّسُل وَأنزل بِهِ الْكتب وَأمر بِالْجِهَادِ عَلَيْهِ
كَمَا قَالَ تَعَالَى وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَيكون الدَّين لله وَقَالَ تَعَالَى قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا
وَقد علم أَن محبَّة الْمُؤمنِينَ لرَبهم أَشد من محبَّة هَؤُلَاءِ الْمُشْركين لرَبهم ولأندادهم ثمَّ إِن اتِّخَاذ الأنداد هُوَ من أعظم الذُّنُوب كَمَا فِي الصَّحِيح عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَي الذَّنب أعظم قَالَ أَن تجْعَل لله ندا وَهُوَ خلقك قلت ثمَّ أَي قَالَ ثمَّ أَن تقتل ولدك خشيَة أَن يطعم مَعَك
стр. 526
قلت ثمَّ أَي قَالَ ثمَّ أَن تَزني بحليلة جَارك فَأنْزل الله تَصْدِيق ذَلِك وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون فدعاء إِلَه آخر مَعَ الله هُوَ اتِّخَاذ ند من دون الله يُحِبهُ كحب الله إِذْ أصل الْعِبَادَة الْمحبَّة
والمحبة وَإِن كَانَت جِنْسا تَحْتَهُ أَنْوَاع فالمحبوبات المعظمة لغير الله قد أثبت الشَّارِع فِيهَا اسْم التَّعَبُّد كَقَوْلِه فِي الحَدِيث الصَّحِيح تعس عبد الدِّرْهَم تعس عبد الدِّينَار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وَإِذا شيك فَلَا انتقش إِن أعطي رَضِي وَإِن منع سخط
فَسُمي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة الَّذين إِن أعْطوا رَضوا وَإِن منعُوا سخطوا لِأَنَّهَا محبتهم ومرادهم عبادا لَهَا حَيْثُ قَالَ عبد الدِّرْهَم وَعبد الدِّينَار وَعبد القطيفة وَعبد الخميصة
стр. 527
مَرَاتِب الْعِشْق
فَإِذا كَانَ الْإِنْسَان مشغوفا بمحبة بعض الْمَخْلُوقَات لغير الله الَّذِي يرضيه وجوده ويسخطه عَدمه كَانَ فِيهِ من التَّعَبُّد بِقدر ذَلِك وَلِهَذَا يجْعَلُونَ الْعِشْق مَرَاتِب مثل العلاقة ثمَّ الصبابة ثمَّ الغرام ويجعلون آخِره التتيم والتتيم التَّعَبُّد وتيم الله هُوَ عبد الله فَيصير العاشق لبَعض الصُّور عبدا لمعشوقه
ذكر الله الْعِشْق فِي الْقُرْآن عَن الْمُشْركين
وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا ذكر هَذَا الْعِشْق فِي الْقُرْآن عَن الْمُشْركين فَإِن الْعَزِيز وَامْرَأَته وَأهل مصر كَانُوا مُشْرِكين كَمَا قَالَ لَهُم يُوسُف ﵊ إِنِّي تركت مِلَّة قوم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وهم بِالآخِرَة هم كافرون وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب مَا كَانَ لنا أَن نشْرك بِاللَّه من شَيْء ذَلِك من فضل الله علينا وعَلى النَّاس وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون يَا صَاحِبي السجْن أأرباب متفرقون خير أم الله الْوَاحِد القهار مَا تَعْبدُونَ من دونه إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان إِن الحكم إِلَّا لله أَمر أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه ذَلِك الدَّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ
وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد جَاءَكُم يُوسُف من قبل بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زلتم فِي شكّ مِمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذا هلك قُلْتُمْ لن يبْعَث الله من بعده رَسُولا كَذَلِك يضل الله من هُوَ مُسْرِف مرتاب الَّذين يجادلون فِي آيَات الله بِغَيْر سُلْطَان أَتَاهُم كبر مقتا عِنْد الله وَعند الَّذين آمنُوا كَذَلِك يطبع الله على كل قلب متكبر جَبَّار
وَقَالَ تَعَالَى وَقَالَ نسْوَة فِي الْمَدِينَة امْرَأَة الْعَزِيز تراود فتاها عَن نَفسه قد شغفها حبا إِنَّا لنراها فِي ضلال مُبين
стр. 528
وَأما يُوسُف ﵇ فَإِن الله ذكر أَنه عصمه بإخلاصه الدَّين لله وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رَأْي برهَان ربه كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنَّه من عبادنَا المخلصين فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه صرف عَنهُ السوء والفحشاء وَمن السوء عَشِقَهَا ومحبتها وَمن الْفَحْشَاء الزِّنَا وَقد يَزْنِي بفرجه من لَا يكون عَاشِقًا وَقد يعشق من لَا يَزْنِي بفرجه وَالزِّنَا بالفرج أعظم من الْإِلْمَام بصغيرة كنظرة وقبلة
وَأما الْإِصْرَار على الْعِشْق ولوازمه من النّظر وَنَحْوه فقد يكون أعظم من الزِّنَا الْوَاحِد بِشَيْء كثير والمخلصون يصرف الله عَنْهُم السوء والفحشاء ويوسف ﵇ كَانَ من المخلصين حَيْثُ كَانَ يعبد الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا وَحَيْثُ توكل على الله واستعان بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم
وَهَذَا تَحْقِيق قَوْله تَعَالَى فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على الَّذين آمنُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون
المتولون للشَّيْطَان هم الَّذين يحبونَ مَا يُحِبهُ
فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن المتوكلين على الله لَيْسَ للشَّيْطَان عَلَيْهِم سُلْطَان وَإِنَّمَا سُلْطَانه على المتولين لَهُ وَالْمُتوَلِّيّ من الْولَايَة وَأَصله الْمحبَّة والموافقة كَمَا أَن الْعَدَاوَة أَصْلهَا البغض والمخالفة فالمتولون لَهُ هم الَّذين يحبونه مَا يُحِبهُ الشَّيْطَان وَيُوَافِقهُ فهم مشركون بِهِ حَيْثُ أطاعوه وعبدوه بامتثال أمره كَمَا قَالَ تَعَالَى
стр. 529
ألم أَعهد إِلَيْكُم يَا بني آدم أَلا تعبدوا الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين وَأَن اعبدوني هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم
وَالشَّيَاطِين شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْعِبَادَة فِيهَا الرَّغْبَة والرهبة قَالَ تَعَالَى مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي أستكبرت أم كنت من العالين قَالَ أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين قَالَ فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم وَإِن عَلَيْك لَعْنَتِي إِلَيّ يَوْم الدَّين قَالَ رب فأنظرنى إِلَيّ يَوْم يبعثون قَالَ فَإنَّك من المنظرين إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم قَالَ فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين قَالَ فَالْحق وَالْحق أَقُول لأملأن جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تبعك مِنْهُم أَجْمَعِينَ فأقسم الشَّيْطَان لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين
وَقد أخبر الله أَنه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على هَؤُلَاءِ فَقَالَ فِي الْحجر فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم وَإِن عَلَيْك اللَّعْنَة إِلَى يَوْم الدَّين قَالَ رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين قَالَ تَعَالَى إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين
وَقَوله إِلَّا من اتبعك من الغاوين اسْتثِْنَاء مُنْقَطع فِي أقوي الْقَوْلَيْنِ إِذْ الْعباد هم العابدون لَا المعبودون كَمَا قَالَ تَعَالَى وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا
стр. 530
وَقَالَ تَعَالَى عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا
وَقَالَ تَعَالَى الإخلاء يَوْمئِذٍ بَعضهم لبَعض عَدو إِلَّا الْمُتَّقِينَ يَا عباد لَا خوف عَلَيْكُم الْيَوْم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلمين
وَقَالَ تَعَالَى وَأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ
وَقَالَ تَعَالَى سُبْحَانَ الَّذِي أسرِي بِعَبْدِهِ لَيْلًا
وَقَالَ تَعَالَى وَاذْكُر عبادنَا إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب أولي الْأَيْدِي والأبصار
عباد الله المخلصون لَيْسَ للشَّيْطَان عَلَيْهِم سُلْطَان
وَإِذا كَانَ عباد الله المخلصون لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِم سُلْطَان وَأَن سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون وَقد أقسم أَن يغويهم إِلَّا عباد الله المخلصين وَأخْبر الله أَن سُلْطَانه لَيْسَ على عباد الله بل على من اتبعهُ من الغاوين
والغي اتِّبَاع الْأَهْوَاء والشهوات وأصل ذَلِك أَن الْحبّ لغير الله كحب الأنداد وَذَلِكَ هُوَ الشّرك قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون فَبين أَن صَاحب الْإِخْلَاص مادام صَادِقا فِي إخلاصه فَإِنَّهُ يعتصم من هَذَا الغي وَهَذَا الشّرك وَإِن الغي هُوَ يضعف الْإِخْلَاص وَيُقَوِّي هَوَاهُ الشّرك فأصحاب
следующие страницы →