Полный текст (666 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
قلت ثمَّ أَي قَالَ ثمَّ أَن تَزني بحليلة جَارك فَأنْزل الله تَصْدِيق ذَلِك وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون فدعاء إِلَه آخر مَعَ الله هُوَ اتِّخَاذ ند من دون الله يُحِبهُ كحب الله إِذْ أصل الْعِبَادَة الْمحبَّة
والمحبة وَإِن كَانَت جِنْسا تَحْتَهُ أَنْوَاع فالمحبوبات المعظمة لغير الله قد أثبت الشَّارِع فِيهَا اسْم التَّعَبُّد كَقَوْلِه فِي الحَدِيث الصَّحِيح تعس عبد الدِّرْهَم تعس عبد الدِّينَار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وَإِذا شيك فَلَا انتقش إِن أعطي رَضِي وَإِن منع سخط
فَسُمي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة الَّذين إِن أعْطوا رَضوا وَإِن منعُوا سخطوا لِأَنَّهَا محبتهم ومرادهم عبادا لَهَا حَيْثُ قَالَ عبد الدِّرْهَم وَعبد الدِّينَار وَعبد القطيفة وَعبد الخميصة
стр. 527
مَرَاتِب الْعِشْق
فَإِذا كَانَ الْإِنْسَان مشغوفا بمحبة بعض الْمَخْلُوقَات لغير الله الَّذِي يرضيه وجوده ويسخطه عَدمه كَانَ فِيهِ من التَّعَبُّد بِقدر ذَلِك وَلِهَذَا يجْعَلُونَ الْعِشْق مَرَاتِب مثل العلاقة ثمَّ الصبابة ثمَّ الغرام ويجعلون آخِره التتيم والتتيم التَّعَبُّد وتيم الله هُوَ عبد الله فَيصير العاشق لبَعض الصُّور عبدا لمعشوقه
ذكر الله الْعِشْق فِي الْقُرْآن عَن الْمُشْركين
وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا ذكر هَذَا الْعِشْق فِي الْقُرْآن عَن الْمُشْركين فَإِن الْعَزِيز وَامْرَأَته وَأهل مصر كَانُوا مُشْرِكين كَمَا قَالَ لَهُم يُوسُف ﵊ إِنِّي تركت مِلَّة قوم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وهم بِالآخِرَة هم كافرون وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب مَا كَانَ لنا أَن نشْرك بِاللَّه من شَيْء ذَلِك من فضل الله علينا وعَلى النَّاس وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون يَا صَاحِبي السجْن أأرباب متفرقون خير أم الله الْوَاحِد القهار مَا تَعْبدُونَ من دونه إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان إِن الحكم إِلَّا لله أَمر أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه ذَلِك الدَّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ
وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد جَاءَكُم يُوسُف من قبل بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زلتم فِي شكّ مِمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذا هلك قُلْتُمْ لن يبْعَث الله من بعده رَسُولا كَذَلِك يضل الله من هُوَ مُسْرِف مرتاب الَّذين يجادلون فِي آيَات الله بِغَيْر سُلْطَان أَتَاهُم كبر مقتا عِنْد الله وَعند الَّذين آمنُوا كَذَلِك يطبع الله على كل قلب متكبر جَبَّار
وَقَالَ تَعَالَى وَقَالَ نسْوَة فِي الْمَدِينَة امْرَأَة الْعَزِيز تراود فتاها عَن نَفسه قد شغفها حبا إِنَّا لنراها فِي ضلال مُبين
стр. 528
وَأما يُوسُف ﵇ فَإِن الله ذكر أَنه عصمه بإخلاصه الدَّين لله وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رَأْي برهَان ربه كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنَّه من عبادنَا المخلصين فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه صرف عَنهُ السوء والفحشاء وَمن السوء عَشِقَهَا ومحبتها وَمن الْفَحْشَاء الزِّنَا وَقد يَزْنِي بفرجه من لَا يكون عَاشِقًا وَقد يعشق من لَا يَزْنِي بفرجه وَالزِّنَا بالفرج أعظم من الْإِلْمَام بصغيرة كنظرة وقبلة
وَأما الْإِصْرَار على الْعِشْق ولوازمه من النّظر وَنَحْوه فقد يكون أعظم من الزِّنَا الْوَاحِد بِشَيْء كثير والمخلصون يصرف الله عَنْهُم السوء والفحشاء ويوسف ﵇ كَانَ من المخلصين حَيْثُ كَانَ يعبد الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا وَحَيْثُ توكل على الله واستعان بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم
وَهَذَا تَحْقِيق قَوْله تَعَالَى فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على الَّذين آمنُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون
المتولون للشَّيْطَان هم الَّذين يحبونَ مَا يُحِبهُ
فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن المتوكلين على الله لَيْسَ للشَّيْطَان عَلَيْهِم سُلْطَان وَإِنَّمَا سُلْطَانه على المتولين لَهُ وَالْمُتوَلِّيّ من الْولَايَة وَأَصله الْمحبَّة والموافقة كَمَا أَن الْعَدَاوَة أَصْلهَا البغض والمخالفة فالمتولون لَهُ هم الَّذين يحبونه مَا يُحِبهُ الشَّيْطَان وَيُوَافِقهُ فهم مشركون بِهِ حَيْثُ أطاعوه وعبدوه بامتثال أمره كَمَا قَالَ تَعَالَى
стр. 529
ألم أَعهد إِلَيْكُم يَا بني آدم أَلا تعبدوا الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين وَأَن اعبدوني هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم
وَالشَّيَاطِين شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْعِبَادَة فِيهَا الرَّغْبَة والرهبة قَالَ تَعَالَى مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي أستكبرت أم كنت من العالين قَالَ أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين قَالَ فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم وَإِن عَلَيْك لَعْنَتِي إِلَيّ يَوْم الدَّين قَالَ رب فأنظرنى إِلَيّ يَوْم يبعثون قَالَ فَإنَّك من المنظرين إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم قَالَ فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين قَالَ فَالْحق وَالْحق أَقُول لأملأن جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تبعك مِنْهُم أَجْمَعِينَ فأقسم الشَّيْطَان لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين
وَقد أخبر الله أَنه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على هَؤُلَاءِ فَقَالَ فِي الْحجر فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم وَإِن عَلَيْك اللَّعْنَة إِلَى يَوْم الدَّين قَالَ رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين قَالَ تَعَالَى إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين
وَقَوله إِلَّا من اتبعك من الغاوين اسْتثِْنَاء مُنْقَطع فِي أقوي الْقَوْلَيْنِ إِذْ الْعباد هم العابدون لَا المعبودون كَمَا قَالَ تَعَالَى وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا
стр. 530
وَقَالَ تَعَالَى عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا
وَقَالَ تَعَالَى الإخلاء يَوْمئِذٍ بَعضهم لبَعض عَدو إِلَّا الْمُتَّقِينَ يَا عباد لَا خوف عَلَيْكُم الْيَوْم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلمين
وَقَالَ تَعَالَى وَأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ
وَقَالَ تَعَالَى سُبْحَانَ الَّذِي أسرِي بِعَبْدِهِ لَيْلًا
وَقَالَ تَعَالَى وَاذْكُر عبادنَا إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب أولي الْأَيْدِي والأبصار
عباد الله المخلصون لَيْسَ للشَّيْطَان عَلَيْهِم سُلْطَان
وَإِذا كَانَ عباد الله المخلصون لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِم سُلْطَان وَأَن سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون وَقد أقسم أَن يغويهم إِلَّا عباد الله المخلصين وَأخْبر الله أَن سُلْطَانه لَيْسَ على عباد الله بل على من اتبعهُ من الغاوين
والغي اتِّبَاع الْأَهْوَاء والشهوات وأصل ذَلِك أَن الْحبّ لغير الله كحب الأنداد وَذَلِكَ هُوَ الشّرك قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون فَبين أَن صَاحب الْإِخْلَاص مادام صَادِقا فِي إخلاصه فَإِنَّهُ يعتصم من هَذَا الغي وَهَذَا الشّرك وَإِن الغي هُوَ يضعف الْإِخْلَاص وَيُقَوِّي هَوَاهُ الشّرك فأصحاب
стр. 531
العشاق يتولون الشَّيْطَان ويشركون بِهِ
الْعِشْق الَّذِي يُحِبهُ الشَّيْطَان فيهم من تولي الشَّيْطَان والإشراك بِهِ بِقدر ذَلِك لما فاتهم من إخلاص الْمحبَّة لله والإشراك بَينه وَبَين غَيره فِي الْمحبَّة حَتَّى يكون فِيهِ نصيب من اتِّخَاذ الأنداد وَحَتَّى يصيروا عبيدا لذَلِك المعشوق فيفنون فِيهِ ويصرحون بِأَنا عبيد لَهُ فيوجد فِي هَذَا الْحبّ والهوي واقتراف مَا يبغضه الله وَمَا حرمه من الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن يشركوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن يَقُولُوا على الله مَا لَا يعلمُونَ فيوجد فِيهِ من الشّرك الْأَكْبَر والأصغر وَمن قتل النُّفُوس بِغَيْر حق وَمن الزِّنَا وَمن الْكَذِب وَمن أكل المَال بِالْبَاطِلِ إِلَى غير ذَلِك مَا يَنْتَظِم هَذِه الْأَصْنَاف الَّتِي يكرمها الله تَعَالَى لِأَن أَصله أَن يكون حبه كحب الله وَهُوَ من ترك إخلاص الْمحبَّة وَمن الْإِشْرَاك بَينه وَبَين غَيره أَو من جعل الْمحبَّة لغير الله فَإِذا عمل مُوجب ذَلِك كَانَ ذَلِك هُوَ اتِّبَاع الْهَوِي بِغَيْر هدي من الله
وَفِي الْأَثر مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء إِلَه يعبد أعظم عِنْد الله من هوي مُتبع قَالَ تَعَالَى أَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ أفأنت تكون عَلَيْهِ وَكيلا أم تحسب أَن أَكْثَرهم يسمعُونَ أَو يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا
وَلِهَذَا لَا يَبْتَلِي بِهَذَا الْعِشْق أَلا من فِيهِ نوع شرك فِي الدَّين وَضعف إخلاص لله وَسبب هَذَا مَا ذكره بَعضهم فَقَالَ إِنَّه لَيْسَ شَيْء من
стр. 532
المحبوبات يستوعب محبَّة الْقلب إِلَّا محبَّة الله أَو محبَّة بشر مثلك أما محبَّة الله فَهِيَ الَّتِي خلق لَهَا الْعباد وَهِي سعادتهم وَقد تكلمنا عَلَيْهَا فِي غير هَذَا الْموضع
وَأما الْبشر المتماثل من ذكر أَو أنثي فَإِن فِيهِ من المشاكلة والمناسبة مَا يُوجب أَن يكون لكل شَيْء من الْحبّ نصيب من المحبوب يستوعبه حبه وَلِهَذَا لَا يعرف لشَيْء من المحبوبات الَّتِي تحب لغير الله من الِاسْتِيعَاب مَا يعرف لذَلِك حَتَّى يزِيل الْعقل ويفقد الْإِدْرَاك وَيُوجب انْقِطَاع الْإِرَادَة لغير ذَلِك المحبوب وَيُوجب مرض الْمَوْت وَإِنَّمَا يعرض هَذَا كُله لضعف مَا فِي الْقلب من حب الله وإخلاص الدَّين لَهُ عبَادَة واستعانة فَيكون فِيهِ من الشّرك مَا يُسَلط الشَّيْطَان عَلَيْهِ حَتَّى يغويه هَذَا بِهَذَا الغي الَّذِي فِيهِ من تولي الشَّيْطَان والإشراك بِهِ مَا يتسلط بِهِ الشَّيْطَان
وَلِهَذَا قد يُطِيع هَذَا الْمُحب لغير الله محبوبه أَكثر مِمَّا يُطِيع الله حَتَّى يطْلب الْقَتْل فِي سَبيله كَمَا يخْتَار الْمُؤمن الْقَتْل فِي سَبِيل الله وَإِذا كَانَ محبوبه مطيعه من وَجه وعبدا لَهُ فَهُوَ أولي بِأَن يكون هُوَ مطيعه وعبدا لَهُ من وَجه آخر
وَإِذا كَانَ النَّبِي قَالَ شَارِب الْخمر كعابد وثن وَمر عَليّ
стр. 533
رَضِي الله عَنهُ بِقوم يَلْعَبُونَ بالشطرنج فَقَالَ مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون وَأَظنهُ قلب الرقعة
وَذَلِكَ أَن الله جمع بَين الْخمر وَالْميسر وَبَين الأنصاب والأزلام فِي قَوْله تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر ويصدكم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ
مَعَ أَن الْخمر إِذا سكر بهَا الشَّارِب كَانَ سكره يَوْمًا أَو قَرِيبا من يَوْم أَو بعض يَوْم وَأما سكر الشَّهْوَة والمحبة الْفَاسِدَة من الْعِشْق وَنَحْوه فسكره قوي دَائِم قَالَ تَعَالَى فِي قوم لوط لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون
فَكيف إِذا خرج عَن حد السكر إِلَى حد الْجُنُون بل كَانَ الْجُنُون المطبق لَا الْحمق كَمَا أنْشد مُحَمَّد بن جَعْفَر فِي كتاب اعتلال الْقُلُوب قَالَ أَنْشدني الصيدلاني
قَالَت جننت على رَأْسِي فَقلت لَهَا ... الْعِشْق أعظم مِمَّا بالمجانين
стр. 534
الْعِشْق لَيْسَ يفِيق الدَّهْر صَاحبه ... وَإِنَّمَا يصرع الْمَجْنُون فِي الْحِين
وَقَالَ الآخر
سَكرَان سكر هوى وسكر مدامة ... وَمَتى إفاقة من بِهِ سَكرَان
فصاحبه أَحَق بِأَن يشبه بعابد الوثن والعاكفين على التماثيل يعملونها على صُورَة آدَمِيّ
وَقد قَالَ وَقَالَ نسْوَة فِي الْمَدِينَة امْرَأَة الْعَزِيز تراود فتاها عَن نَفسه قد شغفها حبا أَي شغفها حبه أَي وصل حبه إِلَى شغَاف الْقلب وَهِي جلدَة فِي دَاخله فَهَذَا يكون قد اتخذ ندا يُحِبهُ كحب الله
يُوقع الشَّيْطَان الْعَدَاوَة والبغضاء بَين الْمُؤمنِينَ بالعشق
وَإِذا كَانَ الشَّيْطَان يُرِيد أَن يُوقع بَين الْمُؤمنِينَ الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر ويصدهم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة فالعداوة والبغضاء الَّتِي يُرِيد أَن يوقعها بالعشق وصده عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة بذلك أَضْعَاف غَيره كَمَا قد تكلمنا عَلَيْهِ فِي غير هَذَا الْموضع وَبينا أَن جَمِيع الْمعاصِي يجْتَمع فِيهَا هَذَانِ الوصفان وَأَن ذكر ذَلِك فِي الْخمر وَالْميسر اللَّذين هما من أَوَاخِر الْمُحرمَات يُنَبه على مَا فِي غَيرهمَا من ذَلِك مِمَّا حرم قبلهمَا كَقَتل النُّفُوس بِغَيْر حق وَالْفَوَاحِش وَنَحْو ذَلِك
وَمِمَّا يبين هَذَا أَن الْفَوَاحِش الَّتِي أَصْلهَا الْمحبَّة لغير الله سَوَاء كَانَ الْمَطْلُوب الْمُشَاهدَة أَو الْمُبَاشرَة أَو الْإِنْزَال أَو غير ذَلِك هِيَ فِي الْمُشْركين أَكثر مِنْهَا فِي
стр. 535
المخلصين وَيُوجد فيهم مَا لَا يُوجد فِي المخلصين لله
قَالَ الله تَعَالَى يَا بني آدم لَا يفتننكم الشَّيْطَان كَمَا أخرج أبويكم من الْجنَّة ينْزع عَنْهُمَا لباسهما ليريهما سوءاتهما إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم إِنَّا جعلنَا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء للَّذين لَا يُؤمنُونَ وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد وادعوه مُخلصين لَهُ الدَّين كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ فريقا هدي وفريقا حق عَلَيْهِم الضَّلَالَة فاخبر سُبْحَانَهُ أَنه جعل الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء للَّذين لَا يُؤمنُونَ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى افتتخذونه وَذريته أَوْلِيَاء من دوني وهم لكم عَدو بئس للظالمين بَدَلا وَقَالَ تَعَالَى إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون
وَإِذا كَانَ سُلْطَانه على أوليائه الَّذين تولوه وَالَّذين هم بِهِ مشركون وهم الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَقَالَ تَعَالَى إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين فَيكون هَؤُلَاءِ هم الغاوين وهم الَّذين قَالَ الشَّيْطَان لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين
وَلِهَذَا أخبر سُبْحَانَهُ عَن أوليائه أَنهم وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ فَأخْبر عَن أَوْلِيَاء الشَّيْطَان وهم الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون أَنهم إِذا فعلوا فَاحِشَة احْتَجُّوا بالتقليد
стр. 536
لأسلافهم وَزَعَمُوا مَعَ ذَلِك أَن الله أَمرهم بهَا فيتبعون الظَّن فِي قَوْلهم إِن الله أَمرهم بهَا وَمَا تهوي الْأَنْفس فِي تَقْلِيد أسلافهم وأتباعهم
وَهَذَا الْوَصْف فِيهِ بسط كثير لكثير من المنتسبين إِلَى الْقبْلَة من الصُّوفِيَّة والعباد والأمراء والأجناد والمتكلمة والمتفلسفة والعامة وَغَيرهم يسْتَحلُّونَ من الْفَوَاحِش مَا حرمه الله وَرَسُوله وَأَصله الْعِشْق الَّذِي يبغضه الله
وَكثير مِنْهُم يَجْعَل ذَلِك دينا ويري أَنه يتَقرَّب بذلك إِلَى الله إِمَّا لزعمه أَنه يُزكي النَّفس ويهديها وَإِمَّا لزعمه أَنه يجمع بذلك قلبه على آدَمِيّ ثمَّ ينْتَقل إِلَى عبَادَة الله وَحده وَإِمَّا لزعمه أَن الصُّور الجميلة مظَاهر الْحق ومشاهده وَرُبمَا اعْتقد حُلُول الرب فِيهَا واتحاده بهَا وَمِنْهُم من يخص ذَلِك بهَا وَمِنْهُم من يَقُول بِإِطْلَاق وَهَؤُلَاء إِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا
وكل هَؤُلَاءِ فيهم من الْإِشْرَاك بِقدر ذَلِك وَلِهَذَا يظْهر الافتتان بالصور وعشقها فِيمَن فيهم شرك كالنصارى والرهبان والمتشبهين بهم من هَذِه الْأمة من كثير من المتفلسفة والمتصوفة الَّذين يفتنون بالأحداث وَغَيرهم فتجد فيهم قسطا عَظِيما من اتِّخَاذ الأنداد من دون الله يحبونهم كحب الله إِمَّا تدينا وَإِمَّا شَهْوَة وَإِمَّا جمعا بَين الْأَمريْنِ وَلِهَذَا تَجِد بَين أغنيائهم وفقرائهم وَبَين مُلُوكهمْ وأمرائهم تحَالفا على اتِّخَاذ أنداد من دون الله من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ
وَلِهَذَا تجدهم كثيرا مَا يَجْتَمعُونَ على سَماع الشّعْر والأصوات الَّتِي تهيج الْحبّ الْمُشْتَرك الَّذِي يجْتَمع فِيهِ محب الرَّحْمَن ومحب الْأَوْثَان ومحب الصلبان ومحب الأخوان ومحب الأوطان ومحب المردان ومحب النسوان
стр. 537
وَهَذَا السماع هُوَ سَماع الْمُشْركين كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية
وَسبب مَا ذكرنَا أَن الله خلق عباده لعبادته الَّتِي تجمع محبته وتعظيمه فَإِذا كَانَ فِي الْقلب مَا يجد حلاوته من الْإِيمَان والتوحيد لَهُ احْتَاجَ إِلَى أَن يسْتَبْدل بذلك مَا يهواه فيتخذ إلهه هَوَاهُ فيتخذ الشَّيْطَان وَذريته أَوْلِيَاء من دون الله وهم لَهُم عَدو بئس للظالمين بَدَلا
وَلِهَذَا كَانَ هَذَا وَنَحْوه من تَبْدِيل الدَّين وتغيير فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا قَالَ تَعَالَى فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدَّين الْقيم وَقَالَ تَعَالَى وَمن يُشْرك بِاللَّه فقد ضل ضلالا بَعيدا إِن يدعونَ من دونه إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يدعونَ إِلَّا شَيْطَانا مرِيدا لَعنه الله وَقَالَ لأتخذن من عِبَادك نَصِيبا مَفْرُوضًا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الْأَنْعَام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله
قَالَ تَعَالَى لَا تَبْدِيل لخلق الله وَنَفس مَا خلقه الله لَا تَبْدِيل لَهُ لَا يُمكن أَن تُوجد الْمَخْلُوقَات على غير مَا يخلقه الله عَلَيْهَا وَلَا أَن تخلق على غير الْفطْرَة الَّتِي خلقهَا الله عَلَيْهَا لَكِن بعض الْخلق قد يُغير بَعْضهَا كَمَا قَالَ النَّبِي كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة بَهِيمَة جَمْعَاء هَل تُحِسُّونَ فِيهَا من جَدْعَاء
стр. 538
أصل الْعِبَادَة الْمحبَّة والشرك فِيهَا أصل الشّرك
وَمِمَّا يبين ذَلِك أَن أصل الْعِبَادَة هِيَ الْمحبَّة وَأَن الشّرك فِيهَا أصل الشّرك كَمَا ذكره الله فِي قصَّة إِمَام الحنفاء إِبْرَاهِيم الْخَلِيل حَيْثُ قَالَ فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رَأْي كوكبا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين وَقَالَ فِي الْقَمَر لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين فَلَمَّا أفلت الشَّمْس قَالَ يَا قوم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين
وَلِهَذَا تَبرأ إِبْرَاهِيم من الْمُشْركين وَمِمَّنْ أشركوا بِاللَّه قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ أَنْتُم وآباؤكم الأقدمون فأنهم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين وَقَالَ تَعَالَى قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا برءاء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده
وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَنه قَالَ تَعَالَى وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَيكون الدَّين لله فَإِن انْتَهوا فَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين وَقَالَ تَعَالَى وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَيكون الدَّين كُله لله فَإِن انْتَهوا فَإِن الله بِمَا يعْملُونَ بَصِير فَأمر بِالْجِهَادِ حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَحَتَّى يكون الدَّين كُله لله فَجعل الْمَقْصُود عدم كَون الْفِتْنَة وَوُجُود كَون الدَّين كُله لله وناقض بَينهمَا فكون الْفِتْنَة يُنَافِي كَون الدَّين لله وَكَون الدَّين لله يُنَافِي كَون
стр. 539
الْفِتْنَة والفتنة قد فسرت بالشرك فَمَا حصلت بِهِ فتْنَة الْقُلُوب فَفِيهِ شرك وَهُوَ يُنَافِي كَون الدَّين كُله لله
الْفِتْنَة جنس تَحْتَهُ أَنْوَاع من الشُّبُهَات والشهوات
والفتنة جنس تَحْتَهُ أَنْوَاع من الشُّبُهَات والشهوات وفتنة الَّذين يتخذون من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله من أعظم الْفِتَن وَمِنْه فتْنَة أَصْحَاب الْعجل كَمَا قَالَ تَعَالَى قَالَ فَإنَّا قد فتنا قَوْمك من بعْدك وأضلهم السامري قَالَ مُوسَى إِن هِيَ إِلَّا فتنك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء وَقَالَ تَعَالَى وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل بكفرهم
قيل لِسُفْيَان بن عيينه إِن أهل الْأَهْوَاء يحبونَ مَا ابتدعوه من أهوائهم حبا شَدِيدا فَقَالَ أنسيت قَوْله تَعَالَى وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَقَوله تَعَالَى وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل بكفرهم أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وكل مَا أحب لغير الله فقد يحصل بِهِ من الْفِتْنَة مَا يمْنَع أَن يكون الدَّين لله
وعشق الصُّور من أعظم الْفِتَن وَقد قَالَ تَعَالَى إِنَّمَا أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة وَلِهَذَا قَالَ قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا
وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ آلم أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا أَن يَقُولُوا آمنا وهم لَا يفتنون وَلَقَد فتنا الَّذين من قبلهم فليعلمن الله الَّذين صدقُوا وليعلمن الْكَاذِبين
стр. 540
وَمِمَّا يبين ذَلِك أَن رجلا قَالَ للنَّبِي مَا شَاءَ الله وشئت فَقَالَ أجعلتني لله ندا بل مَا شَاءَ الله وَحده فَأنْكر عَلَيْهِ أَن جعله ندا لله فِي هَذِه الْكَلِمَة الَّتِي جمع فِيهَا بَينه وَبَين الله فِي الْمَشِيئَة إِذْ مَشِيئَة العَبْد تَابِعَة لمشيئة الله فَلَا يكون شَرِيكه لما يعلم أَن كَون الشَّيْء ندا لله قد يكون بِدُونِ أَن يعبد الْعِبَادَة التَّامَّة فَإِن ذَلِك الرجل مَا كَانَ يعبد رَسُول الله تِلْكَ الْعِبَادَة
فصل
محبَّة الله توجب المجاهدة فِي سَبيله
وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن محبَّة الله توجب المجاهدة فِي سَبيله قطعا فَإِن من أحب الله وأحبه الله أحب مَا يُحِبهُ الله وَأبْغض مَا يبغضه الله ووالي من يواليه الله وعادي من يعاديه الله لَا تكون محبَّة قطّ إِلَّا وفيهَا ذَلِك بِحَسب قوتها وضعفها فَإِن الْمحبَّة توجب الدنو من المحبوب والبعد عَن مكروهاته ومتي كَانَ مَعَ الْمحبَّة نبذ مَا يبغضه المحبوب فَإِنَّهَا تكون تَامَّة
موادة عَدو الله تنَافِي الْمحبَّة
وَأما موادة عدوه فَإِنَّهَا تنَافِي الْمحبَّة قَالَ تَعَالَى لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم
стр. 541
أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ فَأخْبر أَن الْمُؤمن الَّذِي لَا بُد أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا كَمَا فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَلَده ووالده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا تَجدهُ موادا لمن حاد الله وَرَسُوله فَإِن هَذَا جمع بَين الضدين لَا يَجْتَمِعَانِ ومحبوب الله ومحبوب معاديه لَا يَجْتَمِعَانِ
فالمحب لَهُ لَو كَانَ موادا لمحاده لَكَانَ محبا لِاجْتِمَاع مُرَاد المتحادين المتعاديين وَذَلِكَ مُمْتَنع وَلِهَذَا لم تصلح هَذِه الْحَالة إِلَّا لله وَرَسُوله فَإِنَّهُ يجب على العَبْد أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَلَا يكون مُؤمنا إِلَّا بذلك وَلَا تكون هَذِه الْمحبَّة مَعَ محبَّة من يحاد الله وَرَسُوله ويعاديه أبدا فَلَا وَلَاء لله إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ من عَدو الله وَرَسُوله
وَأما الْمُؤْمِنُونَ الَّذين قد يُقَاتل بَعضهم بَعْضًا فَأُولَئِك لَيْسُوا متحادين من كل وَجه فَإِن مَعَ كل مِنْهُمَا من الْإِيمَان مَا يحب عَلَيْهِ الآخر وَإِن كَانَ يبغضه أَيْضا فيجتمع فيهمَا الْمحبَّة والبغضة وَكَذَلِكَ كل مِنْهُمَا لَا يجب أَن تكون جَمِيع أَفعاله مُوَافقَة لمحبة الله وَجَمِيع أَفعَال الآخر مُوَافقَة لِبُغْض الله بل لَا بُد أَن يفعل أَحدهمَا مَا لَا يُحِبهُ الله وَإِن لم يبغضه وَلَا بُد أَن يكون فِي الآخر أَيْضا مَا يُحِبهُ الله إِذْ هُوَ مُؤمن فَيجب أَن يُعْطي كل وَاحِد من الْمحبَّة بِقدر إيمَانه وَلَا يجب أَن يحب من أَحدهمَا مَا لَا يُحِبهُ وَإِن كَانَ لَا يبغضه بل وَلَا يحب من واحدهما مَا كَانَ خطأ
стр. 542
أَو ذَنبا مغفورا وَإِن كَانَ لَا يبغض على ذَلِك فَلَا يحب إِلَّا مَا أحبه الله وَرَسُوله فيحب مَا كَانَ من اجْتِهَاده من عمل صَالح
وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَمر يجده الأنسان من نَفسه ويحسه أَنه إِذا أحب الشَّيْء لم يحب ضِدّه بل يبغضه فَلَا يتَصَوَّر اجْتِمَاع إرادتين تامتين للضدين لَكِن قد يكون فِي الْقلب نوع محبَّة وَإِرَادَة لشَيْء وَنَوع محبَّة وَإِرَادَة لضده فَهَذَا كثير بل هُوَ غَالب على بني آدم لَكِن لَا يكون وَاحِد مِنْهُمَا تَاما فَإِن الْمحبَّة والإرادة التَّامَّة توجب وجود المحبوب المُرَاد مَعَ الْقُدْرَة فَإِذا كَانَت الْقُدْرَة حَاصِلَة وَلم يُوجد المحبوب المُرَاد لم يكن الْحبّ والإرادة تَامَّة وَكَذَلِكَ البغض التَّام يمْنَع وجود البغيض مَعَ الْقُدْرَة فمتي وجد مَعَ إِمْكَان الِامْتِنَاع لم يكن البغض تَاما
وَمن هُنَا يعرف أَن قَول النَّبِي لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن على بَابه لَو كَانَ بغضه لما أبغضه الله من هَذِه الْأَفْعَال تَاما لما فعلهَا فَإِذا فعلهَا فإمَّا أَن يكون تَصْدِيقه بِأَن الله يبغضها فِيهِ ضعف أَو نفس بغضه لما يبغضه الله فِيهِ ضعف وَكِلَاهُمَا يمْنَع تَمام الْإِيمَان الْوَاجِب
محبَّة الله وَرَسُوله على دَرَجَتَيْنِ: وَاجِبَة ومستحبة
ومحبة الله وَرَسُوله على دَرَجَتَيْنِ وَاجِبَة وَهِي دَرَجَة الْمُقْتَصِدِينَ ومستحبة وَهِي دَرَجَة السَّابِقين
стр. 543
الْمحبَّة الْوَاجِبَة وَهِي محبَّة الْمُقْتَصِدِينَ
فالأولي تَقْتَضِي أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا بِحَيْثُ لَا يحب شَيْئا يبغضه كَمَا قَالَ تَعَالَى لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَذَلِكَ يَقْتَضِي محبَّة جَمِيع مَا أوجبه الله تَعَالَى وبغض مَا حرمه الله تَعَالَى وَذَلِكَ وَاجِب فَإِن إِرَادَة الْوَاجِبَات إِرَادَة تَامَّة تَقْتَضِي وجود مَا أوجبه كَمَا تَقْتَضِي عدم الْأَشْيَاء الَّتِي نهي الله عَنْهَا وَذَلِكَ مُسْتَلْزم لبغضها التَّام
فَيجب على كل مُؤمن أَن يحب مَا أحبه الله وَيبغض مَا أبغضه الله قَالَ تَعَالَى ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم
وَقَالَ تَعَالَى وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم
وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذين آتينهم الْكتاب يفرحون بِمَا أنزل إِلَيْك وَمن الْأَحْزَاب من يُنكر بعضه
الْمحبَّة المستحبة وَهِي محبَّة السَّابِقين
وَأما محبَّة السَّابِقين بِأَن يحب مَا أحبه الله من النَّوَافِل والفضائل محبَّة تَامَّة وَهَذِه حَال المقربين الَّذين قربهم الله إِلَيْهِ فَإِذا كَانَت محبَّة الله وَرَسُوله الْوَاجِبَة تَقْتَضِي بغض مَا أبغضه الله وَرَسُوله كَمَا فِي سَائِر أَنْوَاع الْمحبَّة فَإِنَّهَا توجب بغض
стр. 544
الضِّدّ علم أَن الْجِهَاد من مُوجب محبَّة الله وَرَسُوله فَإِن مَقْصُود الْجِهَاد تَحْصِيل مَا أحبه الله وَدفع مَا أبغضه الله
ترك الْجِهَاد لعدم الْمحبَّة التَّامَّة وَهُوَ دَلِيل النِّفَاق
فَمن لم يكن فِيهِ دَاع إِلَى الْجِهَاد فَلم يَأْتِ بالمحبة الْوَاجِبَة قطعا كَانَ فِيهِ نفاق كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ من مَاتَ وَلم يغز وَلم يحدث نَفسه بالغزو مَاتَ على شُعْبَة من نفاق
وَكَذَلِكَ جمع بَينهمَا فِي قَوْله تَعَالَى أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله لَا يستوون عِنْد الله وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله وَأُولَئِكَ هم الفائزون يبشرهم رَبهم برحمة مِنْهُ ورضوان وجنات لَهُم فِيهَا نعيم مُقيم خَالِدين فِيهَا أبدا إِن الله عِنْده أجر عَظِيم فقرنه بالمحبة فِي الْآيَتَيْنِ من
стр. 545
قَوْله قل إِن كَانَ أباؤكم وابناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره وَفِي قَوْله تَعَالَى فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم فَأخْبر أَن الْقَوْم الَّذين يُحِبهُمْ الله وَرَسُوله هم أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم فوصفهم بالذلة وَالرَّحْمَة لأوليائه إخْوَانهمْ والعزة والشدة على أعدائه أعدائهم وانهم يجاهدون فِي سَبِيل الله
وَالْجهَاد من الْجهد وَهُوَ الطَّاقَة وَهُوَ أعظم من الْجهد الَّذِي هُوَ الْمَشَقَّة فَإِن الضَّم أقوي من الْفَتْح وَكلما كَانَت الْحُرُوف أَو الحركات أقوي كَانَ الْمَعْنى أقوي
وَلِهَذَا كَانَ الْجرْح أقوي من الْجرْح فَإِن الْجرْح هُوَ الْمَجْرُوح نَفسه وَهُوَ غير الْجرْح مصدر وَهُوَ فعل
وَكَذَلِكَ الكره وَالْمَكْرُوه وَالْمكْره كَمَا قَالَ تَعَالَى كتب عَلَيْكُم الْقِتَال وَهُوَ كره لكم وَقَالَ تَعَالَى وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها
فالجهد نِهَايَة الطَّاقَة وَالْقُدْرَة قَالَ تَعَالَى وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ
стр. 546
وَفِي الحَدِيث أفضل الصَّدَقَة جهد من مقل يسره إِلَى فَقير وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي الْجِهَاد سَنَام الْعَمَل فَإِنَّهُ أَعلَى الإرادات فِي نِهَايَة الْقُدْرَة وَهَذَا هُوَ أَعلَى مَا يكون من الْإِيمَان كالسنام الَّذِي هُوَ أَعلَى مَا فِي الْبَعِير وَقد يكون بِمَشَقَّة وَقد لَا يكون
وَأما الْجهد فَهُوَ الْمَشَقَّة وَإِن لم يكن تَمام الْقُدْرَة
فالجهاد فِي سَبِيل الله تَعَالَى من الْجهد وَهِي المغالبة فِي سَبِيل الله بِكَمَال الْقُدْرَة والطاقة فيتضمن شَيْئَيْنِ أَحدهمَا استفراغ الوسع والطاقة وَالثَّانِي أَن يكون ذَلِك فِي تَحْصِيل محبوبات الله وَدفع مكروهاته وَالْقُدْرَة والإرادة بهما يتم الْأَمر
انقسام النَّاس إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام:
وَهنا انقسم النَّاس أَرْبَعَة أَقسَام فقوم لَهُم قدرَة وَلَهُم إِرَادَة ومحبة غير
стр. 547
١- قوم لَهُم قدرَة وَإِرَادَة ومحبة غير مَأْمُور بهَا
مَأْمُور بهَا فهم يجاهدون ويستعملون جهدهمْ وطاقتهم لَكِن لَا فِي سَبِيل الله بل فِي سَبِيل آخر إِمَّا مُحرمَة كالفواحش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا وبطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق والإشراك بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَالْقَوْل على الله بِغَيْر علم الْحق
وَإِمَّا فِي سَبِيل لَا ينفع عِنْد الله مِمَّا جنسه مُبَاح لَا ثَوَاب فِيهِ لَكِن الْغَالِب أَن مثل هَذَا كثيرا مَا يقْتَرن بِهِ من الشّبَه مَا يَجعله فِي سَبِيل الله أَو فِي سَبِيل الشَّيْطَان
٢- قوم لَهُم إِرَادَة صَالِحَة ومحبة كَامِلَة لله وقدرة كَامِلَة
وَقوم لَهُم إِرَادَة صَالِحَة ومحبة كَامِلَة لله وَلَهُم أَيْضا قدرَة كَامِلَة فَهَؤُلَاءِ سادة المحبين المحبوبين الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله لَا يخَافُونَ لومة لائم كالسابقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
٣- قوم فيهم إِرَادَة صَالِحَة ومحبة قَوِيَّة لَكِن قدرتهم نَاقِصَة
وَالْقسم الثَّالِث قوم فيهم إِرَادَة صَالِحَة ومحبة لله قَوِيَّة تَامَّة لَكِن قدرتهم نَاقِصَة فهم يأْتونَ بمحبوبات الْحق من مقدورهم وَلَا يتركون مِمَّا يقوون عَلَيْهِ شَيْئا لَكِن قدرتهم قَاصِرَة ومحبتهم كَامِلَة فَهُوَ مَعَ الْقسم الَّذِي قبله
وَمَا زَالَ فِي الْمُؤمنِينَ على عهد النَّبِي وَبعده من هَؤُلَاءِ خلق كثير وَفِي مثل هَؤُلَاءِ قَالَ النَّبِي أَن بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلَا سلكتم وَاديا
стр. 548
إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ قَالُوا وهم بِالْمَدِينَةِ قَالَ وهم بِالْمَدِينَةِ حَبسهم الْعذر وَقَالَ لَهُ سعد بن أبي وَقاص يَا رَسُول الله الرجل يكون حامية الْقَوْم يُسهم لَهُ مِثْلَمَا يُسهم لأضعفهم فَقَالَ يَا سعد وَهل تنْصرُونَ إِلَّا بضعفائكم بدعائهم وصلواتهم واستغفارهم
وَرُوِيَ أَن النَّبِي كَانَ يستفتح بصعاليك الْمُهَاجِرين وَقَالَ رب أَشْعَث أغبر ذِي طمرين مَدْفُوع بالأبواب لَا يؤبه لَهُ لَو أقسم على الله لَأَبَره وَهَذَا كثير
стр. 549
٤- من قدرته وإرادته للحق قَاصِرَة وَفِيه إِرَادَة للباطل
وَالْقسم الرَّابِع من قدرته قَاصِرَة وإرادته للحق قَاصِرَة وَفِيه من إِرَادَة الْبَاطِل مَا الله بِهِ عليم فَهَؤُلَاءِ ضعفاء الْمُجْرمين وَلَكِن قد يكون لَهُم من التَّأْثِير بقلوبهم نصيب وحظ مَعَ أهل باطلهم كَمَا يُوجد فِي الْعلمَاء والعباد والزاهدين من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب ومنافقي هَذِه الْأمة مَا فِيهِ مضاهاة لعلماء الْمُؤمنِينَ وعبادهم وَذَلِكَ أَن الشَّيْطَان جعل لكل شَيْء من الْخلق نظيرا فِي الْبَاطِل فَإِن أصل الشَّرّ هُوَ الْإِشْرَاك بِاللَّه كَمَا أَن أصل الْخَيْر هُوَ الْإِخْلَاص لله
فَإِن الله سُبْحَانَهُ خلق الْخلق ليعبدوه وَحده لَا يشركوا بِهِ شَيْئا وَبِذَلِك أرسل الرُّسُل وَبِه أنزل الْكتب كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن أعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت
الْعِبَادَة تجمع كَمَال الْمحبَّة وَكَمَال الذل
وَالْعِبَادَة تجمع كَمَال الْمحبَّة وَكَمَال الذل فالعابد محب خاضع بِخِلَاف من يحب من لَا يخضع لَهُ بل يُحِبهُ ليتوسل بِهِ إِلَى مَحْبُوب آخر وَبِخِلَاف من يخضع لمن لَا يُحِبهُ كَمَا يخضع للظالم فَإِن كلا من هذَيْن لَيْسَ عبَادَة مَحْضَة وَإِن كل
стр. 550
مَحْبُوب لغير الله ومعظم لغير الله فَفِيهِ شوب من الْعِبَادَة كَمَا قَالَ النَّبِي فِي الحَدِيث الصَّحِيح
تعس عبد الدِّرْهَم تعس عبد الدِّينَار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وَإِذا شيك فَلَا انتقش
وَذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث إِن الشّرك فِي هَذِه الْأمة أُخْفِي من دَبِيب النَّمْل مَعَ أَنه لَيْسَ فِي الْأُمَم أعظم تَحْقِيقا للتوحيد من هَذِه الْأمة وَلِهَذَا كَانَ شَدَّاد بن أَوْس يَقُول يَا نعايا الْعَرَب يَا نعايا الْعَرَب إِن أخوف مَا أخوف عَلَيْكُم الرِّيَاء والشهوة الْخفية قَالَ أَبُو دَاوُد الشَّهْوَة الْخفية حب الرياسة
وَفِي حَدِيث الترمذى عَن كَعْب بن مَالك أَن النَّبِي قَالَ مَا ذئبان جائعان أرسلا فِي غنم بأفسد لَهَا من حرص الْمَرْء على المَال والشرف لدينِهِ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح والحرص يكون على قدر قُوَّة الْحبّ والبغض
وَقد قَالَ الله تَعَالَى وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون وَرُوِيَ أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ قَالَ للنَّبِي إِذا كَانَ
стр. 551
الشّرك أُخْفِي من دَبِيب النَّمْل فَكيف نتجنبه فَقَالَ النَّبِي أَلا أعلمك كلمة إِذا قلتهَا نجوت من قَلِيله وَكَثِيره قل اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن أشرك بك وَأَنا أعلم وأستغفرك لما لَا أعلم فَأمره مَعَ الِاسْتِعَاذَة من الشّرك الْمَعْلُوم بالاستغفار فَإِن الاسْتِغْفَار والتوحيد بهما يكمل الدَّين
كَمَا قَالَ تَعَالَى فَاعْلَم انه لاإله إِلَّا الله واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَقَالَ تَعَالَى كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير أَلا تعبدوا إِلَّا الله إِنَّنِي لكم مِنْهُ نَذِير وَبشير وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
وَفِي الحَدِيث
إِن الشَّيْطَان قَالَ أهلكت بني آدم بِالذنُوبِ وأهلكوني بِلَا إِلَه إِلَّا الله وَالِاسْتِغْفَار فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك بثثت فيهم الْأَهْوَاء فهم يذنبون وَلَا يَسْتَغْفِرُونَ لأَنهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا وَهَذَا كَذَلِك فَإِن من اتخذ إلهه هَوَاهُ صَار يعبد من يهواه وَقد زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا
قَالَ تَعَالَى أفحسب الَّذين كفرُوا أَن يتخذوا عبَادي من دوني أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ نزلا قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا
وَقَالَ تَعَالَى وَكَذَلِكَ زين لفرعون سوء عمله وَصد عَن السَّبِيل وَمَا كيد فِرْعَوْن إِلَّا فِي تباب
стр. 552
وَقَالَ تَعَالَى وَإِذا زين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم وَقَالَ لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم فَلَمَّا تراءت الفئتان نكص على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْكُم إِنِّي أرِي مَا لَا ترَوْنَ إِنِّي أَخَاف الله وَالله شَدِيد الْعقَاب إِذْ يَقُول المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض غر هَؤُلَاءِ دينهم وَمن يتوكل على الله فَإِن الله عَزِيز حَكِيم
وَقَالَ تَعَالَى وَكَذَلِكَ زين لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عَلَيْهِم دينهم
وَكَمَال الدَّين هُوَ أَدَاء الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات وَالْفِعْل وَالتّرْك أَصلهمَا الْحبّ والبغض فَإِذا ترك مَأْمُورا أَو فعل مَحْظُورًا فَإِنَّمَا هُوَ لنَقص الْإِيمَان الَّذِي هُوَ التَّصْدِيق وَحب مَا يُحِبهُ الله وبغض مَا يبغضه الله
والمحبوبات على قسمَيْنِ قسم يحب لنَفسِهِ وَقسم يحب لغيره إِذْ لَا بُد من مَحْبُوب يحب لنَفسِهِ وَلَيْسَ شَيْء شرع أَن يحب لذاته إِلَّا الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ التَّعْظِيم لذاته تَارَة يعظم الشَّيْء لنَفسِهِ وَتارَة يعظم لغيره وَلَيْسَ شَيْء يسْتَحق التَّعْظِيم لذاته إِلَّا الله تَعَالَى
وكل مَا أَمر الله أَن يحب ويعظم فَإِنَّمَا محبته لله وتعظيمه عبَادَة لله فَالله هُوَ المحبوب الْمُعظم فِي الْمحبَّة والتعظيم الْمَقْصُود المستقر الَّذِي إِلَيْهِ المنتهي وَأما مَا سوي ذَلِك فيحب لأجل الله أَي لأجل محبَّة العَبْد لله يحب مَا أحبه الله
стр. 553
فَمن تَمام محبَّة الشَّيْء محبَّة مَحْبُوب المحبوب وبغض بغيضه وَيشْهد لهَذَا الحَدِيث أوثق عري الْإِيمَان الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله
وَفِي السّنَن من أحب لله وَأبْغض لله وَأعْطِي لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الْإِيمَان
فَمن أحب شَيْئا لذاته أَو عظمه لذاته غير الله فَذَاك شرك بِهِ وَإِن أحبه ليتوصل بِهِ إِلَى مَحْبُوب آخر وتعظيم آخر سوي الله فَهُوَ من فروع هَذَا وَالله سُبْحَانَهُ لم يشرع أَن يعبد الْإِنْسَان شَيْئا من دونه أَو يتَّخذ إِلَهًا ليتوصل بِعِبَادَتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى واسأل من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ وَقَالَ تَعَالَى سنلقي فِي قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب بِمَا أشركوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا ومأواهم النَّار وَبئسَ مثوى الظَّالِمين
من أحب شَيْئا كَمَا يحب الله أَو عظمه كَمَا يعظم الله فقد أشرك
فَمن أحب شَيْئا كَمَا يحب الله أَو عظمه كَمَا يعظم الله فقد جعله لله ندا وَإِن كَانَ يَقُول إِنَّمَا نعبدهم ليقربونا إِلَى الله زلفي وَأَنَّهُمْ شفعاؤنا عِنْد الله
стр. 554
قَالَ تَعَالَى وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله أَي يحبونهم كَمَا يحبونَ الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله مِنْهُم لأَنهم أَخْلصُوا لله فَلم يجْعَلُوا الْمحبَّة مُشْتَركَة بَينه وَبَين غَيره فَإِن الِاشْتِرَاك فِيهَا يُوجب نَقصهَا وَالله لَا يتَقَبَّل ذَلِك كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح يَقُول الله تَعَالَى أَنا أُغني الشُّرَكَاء عَن الشّرك فَمن عمل عملا أشرك فِيهِ غَيْرِي فَأَنا مِنْهُ بَرِيء وَهُوَ كُله للَّذي أشرك
فالمؤمن الَّذِي يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا لَا بُد أَن يكون مَا أحبه الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا لم يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَأَن يبغض مَا يبغضه الله وَرَسُوله فَلَا يكون ذَلِك البغيض أحب إِلَيْهِ من مَحْبُوب الله وَرَسُوله
وَالْحب التَّام منا مُسْتَلْزم للإرادة التَّامَّة الْمُوجبَة للْفِعْل مَعَ الْقُدْرَة والبغض التَّام منا مُسْتَلْزم للكراهة التَّامَّة الْمَانِعَة للقدرة فَإِذا كَانَ العَبْد قَادِرًا على محبات الْحق وَلَا يَفْعَلهَا فلضعف محبتها فِي قلبه أَو وجود مَا يُعَارض الْحق مثل محبته لأَهله وَمَاله فَإِن ذَلِك قد يمنعهُ عَن فعل مَحْبُوب الْحق
كَمَا قَالَ تَعَالَى قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا
وَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من
стр. 555
وَلَده ووالده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَقَالَ لَهُ عمر
وَالله يَا رَسُول الله لأَنْت أحب إِلَيّ من كل شَيْء إِلَّا من نَفسِي فَقَالَ لَا يَا عمر حَتَّى أكون أحب إِلَيْك من نَفسك قَالَ فَأَنت أحب إِلَيّ من نَفسِي قَالَ الْآن يَا عمر وَهَذَانِ الحديثان فِي الصَّحِيح
فَإِن كَانَت وَاجِبَات نقص من دَرَجَة الْمُقْتَصِدِينَ من أَصْحَاب الْيَمين حَتَّى يَتُوب أَو يمحوها بِشَيْء آخر وَإِن كَانَت نوافل فَإِنَّهَا من الْقرب بِحَسب ذَلِك
الْإِنْسَان لَا يفعل الْحَرَام إِلَّا لضعف إيمَانه ومحبته
وَإِذا فعل مكروهات الْحق فلضعف بَعْضهَا فِي قلبه أَو لقُوَّة محبتها الَّتِي تغلب بَعْضهَا فالإنسان لَا يَأْتِي شَيْئا من الْمُحرمَات كالفواحش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق والشرك بِاللَّه مالم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَالْقَوْل على الله بِغَيْر علم إِلَّا لضعف الْإِيمَان فِي أَصله أَو كَمَاله أَو ضعف الْعلم والتصديق وَإِمَّا ضعف الْمحبَّة والبغض
لَكِن إِذا كَانَ أصل الْإِيمَان صَحِيحا وَهُوَ التَّصْدِيق فَإِن هَذِه الْمُحرمَات يَفْعَلهَا الْمُؤمن مَعَ كَرَاهَته وبغضه لَهَا فَهُوَ إِذا فعلهَا لغَلَبَة الشَّهْوَة عَلَيْهِ فَلَا بُد أَن يكون مَعَ فعلهَا فِيهِ بغض لَهَا وَفِيه خوف من عِقَاب الله عَلَيْهَا وَفِيه رَجَاء لِأَن يخلص من عقابها إِمَّا بتوبة وَإِمَّا حَسَنَات وَإِمَّا عَفْو وَإِمَّا دون ذَلِك وَإِلَّا فَإِذا لم يبغضها وَلم يخف الله فِيهَا وَلم يرج رَحمته فَهَذَا لَا يكون مُؤمنا بِحَال بل هُوَ كَافِر أَو مُنَافِق
стр. 556
فَكل سَيِّئَة يَفْعَلهَا الْمُؤمن لَا بُد أَن تقترن بهَا حَسَنَات لَهُ لَكِن قُوَّة شَهْوَته للسيئة وَمَا زين لَهُ فِيهَا حتي ظن أَنَّهَا مصلحَة لَهُ أوجب وُقُوعهَا وَهُوَ اتِّبَاع الظَّن وَمَا تهوي الْأَنْفس وَهَذَا الْقدر عَارض بعض إيمَانه فترجح عَلَيْهِ حتي مَا هُوَ ضد لبَعض الْإِيمَان فَلم يبْق مُؤمنا الْإِيمَان الْوَاجِب كَمَا قَالَ النَّبِي
لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن وَهُوَ فِيمَا يَفْعَله مُتبع للشَّيْطَان فِيمَا زينه لَهُ حَتَّى رَآهُ حسنا وَفِيمَا أمره بِهِ فأطاعه وَهَذَا من الشّرك بالشيطان كَمَا قَالَ تَعَالَى أفتتخذونه وَذريته أَوْلِيَاء من دوني وهم لكم عَدو بئس للظالمين بَدَلا وَقَالَ تَعَالَى ألم أَعهد إِلَيْكُم يَا بني آدم أَلا تعبدوا الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين وَأَن اعبدوني هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم
وَلِهَذَا لم يخلص من الشَّيْطَان إِلَّا المخلصون لله كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن ابليس ولأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين وَقَالَ تَعَالَى إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين وَقَالَ تَعَالَى إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على الَّذين آمنُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون
فَإِذا كَانَ الشَّيْطَان لَيْسَ لَهُ سُلْطَان إِلَّا على من أشرك بِهِ فَكل من أطَاع الشَّيْطَان فِي مَعْصِيّة الله فقد تسلط الشَّيْطَان عَلَيْهِ وَصَارَ فِيهِ من الشّرك بالشيطان بِقدر ذَلِك
стр. 557
والشيطان يوالي الْإِنْسَان بِحَسب عدم إيمَانه كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنَّا جعلنَا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء للَّذين لَا يُؤمنُونَ وَقَالَ تَعَالَى وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين وَإِنَّهُم ليصدونهم عَن السَّبِيل وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون حَتَّى إِذا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْت بيني وَبَيْنك بعد المشرقين فبئس القرين وَقَالَ تَعَالَى فِي قصَّة يُوسُف ﵇ كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنَّه من عبادنَا المخلصين
وَيشْهد لهَذَا مَا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر عَن النَّبِي إِن الشَّيْطَان ينْتَصب عَرْشه على الْبَحْر وَيبْعَث سراياه
فَجَمِيع مَا نهي الله عَنهُ هُوَ من شعب الْكفْر وفروعه كَمَا أَن كل مَا أَمر الله بِهِ هُوَ من الْإِيمَان وَالْإِخْلَاص لدين الله وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَيكون الدَّين كُله لله
لَكِن قد يكون ذَلِك شركا أكبر وَقد يكون شركا أَصْغَر بِحَسب مَا يقْتَرن بِهِ من الْإِيمَان فمتي اقْترن بِمَا نهي الله عَنهُ الْإِيمَان لتحريمه وبغضه وَخَوف
стр. 558
الْعقَاب ورجاء الرَّحْمَة لم يكن شركا أكبر وَأما إِن اتخذ الْإِنْسَان مَا يهواه إِلَهًا من دون الله وأحبه كحب الله فَهَذَا شرك اكبر والدرجات فِي ذَلِك مُتَفَاوِتَة
وَكثير من النَّاس يكون مَعَه من الْإِيمَان بِاللَّه وتوحيده مَا ينجيه من عَذَاب الله وَهُوَ يَقع فِي كثير من هَذِه الْأَنْوَاع وَلَا يعلم أَنَّهَا شرك بل لَا يعلم أَن الله حرمهَا وَلم تبلغه فِي ذَلِك رِسَالَة من عِنْد الله وَالله تَعَالَى يَقُول وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا فَهَؤُلَاءِ يكثرون جدا فِي الْأَمْكِنَة والأزمنة الَّتِي تظهر فِيهَا فَتْرَة الرسَالَة بقلة القائمين بِحجَّة الله فَهَؤُلَاءِ قد يكون مَعَهم من الْإِيمَان مَا يرحمون بِهِ وَقد لَا يُعَذبُونَ بِكَثِير مِمَّا يعذب بِهِ غَيرهم مِمَّن كَانَت عَلَيْهِ حجَّة الرسَالَة
فَيَنْبَغِي أَن يعرف أَن اسْتِحْقَاق الْعباد للعذاب بالشرك فَمَا دونه مَشْرُوط ببلاغ الرسَالَة فِي أصل الدَّين وفروعه وَلِهَذَا لما كثر الْجَهْل وانتشر
تَزْيِين الشَّيْطَان لكثير من النَّاس أنواعا من الْحَرَام ضاهوا بهَا الْحَلَال
زين الشَّيْطَان لكثير من النَّاس نواعا من الْمُحرمَات ضاهوا بهَا حَلَال وَقد لَا يعلمُونَ أَنَّهَا مُحرمَة بغيضة إِلَى الله بل قد يظنون أَن ذَلِك مَحْبُوب لله مَأْمُور بِهِ وَقد يظنون أَن فِيهَا هَذَا وَهَذَا وهم فِي ذَلِك يتبعُون الظَّن وَمَا تهوي الْأَنْفس وَقد يعلمُونَ تَحْرِيم ذَلِك ويظهرون عدم الْوَجْه الْمحرم خداعا ونفاقا فَهَؤُلَاءِ غير الْمُؤمن الَّذِي يحب الله وَرَسُوله وَيَأْتِي بالمحرم مُعْتَقدًا أَنه محرم وَهُوَ مبغض لَهُ خَائِف راج
стр. 559
وَهَذِه الْأُمُور تُوجد فِي الْأَقْسَام الثَّلَاثَة وَنحن نذْكر أَمْثِلَة ذَلِك فِي الْمُحرمَات الَّتِي ذكرهَا الله فِي قَوْله تَعَالَى قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ فَالله سُبْحَانَهُ قد حرم الْفَوَاحِش كَمَا ذكر
وَقد قَالَ تَعَالَى وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَلم تبح إِلَّا الْمَرْأَة الَّتِي هِيَ زوج أَو ملك يَمِين وَقد ذكر مَا اشْتَرَطَهُ فِي الْحَلَال بقوله غير مسافحات وَلَا متخذات اخدان وَقَوله غير مسافحين وَلَا متخذي اخدان
كَمَا فِي الصَّحِيح عَن عَائِشَة قَالَت كَانَ النِّكَاح فِي الْجَاهِلِيَّة على أَرْبَعَة أنحاء وَذكرت أَصْحَاب الرَّايَات وَهن المسافحات وَأَن إِلْحَاق النّسَب فِي
стр. 560
وطئهن كَانَ بالقافة وَذكرت الَّتِي يَطَأهَا جمَاعَة محصورة وَأَن الْإِلْحَاق كَانَ بِتَعْيِين الْمَرْأَة وَذكرت نِكَاح الاستبضاع وَهُوَ غير نِكَاح ذَوَات الأخدان وَذكرت النِّكَاح الرَّابِع وَهُوَ النِّكَاح الْمَعْرُوف الَّذِي أحله الله
فالشيطان جعل من الْحَرَام مَا فِيهِ مضاهاة من للْحَلَال وان سمي باسم آخر لَكِن الْمَعْنى فِيهِ اشْتِرَاك فَالله أَبَاحَ للرجل امْرَأَته ومملوكته وكل من الرجل وَالْمَرْأَة زوج الآخر فذوات الأخدان بَينهُنَّ وَبَين أخدانهن نوع ازدواج واقتران كَذَلِك وَلِهَذَا ميز الله بَين هَذَا وَهَذَا
стр. 561
وأخفي من ذَلِك مؤاخاة كثير من الرِّجَال لكثير من النِّسَاء أَو لكثير من الصّبيان وَقَوْلهمْ إِن هَذِه مؤاخاة لله إِذا لم تكن المؤاخاة على فعل الْفَاحِشَة كذوات الأخدان فَهَذَا الَّذِي يظهرونه للنَّاس الَّذين يوافقونهم ويقرونهم على ذَلِك ويرون كلهم أَن من أحب صَبيا أَو امْرَأَة لصورته وَحسنه من غير فعل فَاحِشَة فَإِن هَذَا محبَّة لله
فَهَذَا من الضلال والغي وتَبْدِيل الدَّين حَيْثُ جعل مَا كرهه الله محبوبا لله وَهُوَ نوع من الشّرك والمحبوب الْمُعظم بذلك طاغوت
وَذَلِكَ أَن اعْتِقَاد أَن التَّمَتُّع بالمحبة وَالنَّظَر أَو نوع من الْمُبَاشرَة إِلَى الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة وَالصبيان هُوَ لله وَهُوَ حب فِي الله كفر وشرك كاعتقاد أَن محبَّة الأنداد حب لله وَأَن الِاجْتِمَاع على الْفَاحِشَة تعاون على الْبر وَالتَّقوى وَأَن الْإِقَامَة على ذَلِك بِالْعبَادَة هِيَ عبَادَة لله وَنَحْو ذَلِك
فاعتقاد أَن هَذِه الْأُمُور الَّتِي حرمهَا الله وَرَسُوله تَحْرِيمًا ظَاهرا أَنَّهَا دين الله ومحبة الله نوع من الشّرك وَالْكفْر
ثمَّ قد يكون مِنْهَا من خفيها أَشْيَاء تروج على من لم يبلغهُ الْعلم كَمَا اشْتبهَ على كثير من الْعلمَاء والعباد أَن اسْتِمَاع أصوات الملاهي تكون عبَادَة لله واشتبه على من هُوَ أَضْعَف علما وإيمانا أَن التَّمَتُّع بمشاهدة هَذِه الصُّور يكون عبَادَة لله
ثمَّ بعد هَذَا الضلال وَمَا فِيهِ من الغي هم أَرْبَعَة أَقسَام
стр. 562
قوم يَعْتَقِدُونَ أَن هَذَا لله ويقتصرون عَلَيْهِ كَمَا يُوجد مثل ذَلِك فِي كثير من الأجناد والمتنسكة والعامة
وَقوم يعلمُونَ أَن هَذَا لَيْسَ لله وَإِنَّمَا يظهرون هَذَا الْكَلَام نفَاقًا وخداعا لِئَلَّا يُنكر عَلَيْهِم وَهَؤُلَاء من وَجه أمثل لما يرجي لَهُم من التَّوْبَة وَمن جِهَة أَخبث لأَنهم يعلمُونَ التَّحْرِيم ويأتون الْمحرم
وَقوم مقصودهم مَا وَرَاء ذَلِك من الْفَاحِشَة الْكُبْرَى فَتَارَة يكونُونَ من أُولَئِكَ الظَّالِمين الَّذين يَعْتَقِدُونَ أَن هَذِه الْمحبَّة الَّتِي لَا وَطْء فِيهَا لله فيفعلون شَيْئا لله ويفعلون هَذَا لغير الله وَتارَة يكونُونَ من أُولَئِكَ الغاوين الْمُنَافِقين الَّذين يظهرون أَن هَذِه الْمحبَّة لله وهم يعلمُونَ أَنَّهَا للشَّيْطَان فَيجمع هَؤُلَاءِ بَين هَذَا الْكَذِب وَبَين الْفَاحِشَة الْكُبْرَى وَهَؤُلَاء فِي هَذِه المخادنة والمؤاخاة يضاهون النِّكَاح فَإِنَّهُ يحصل بَين هذَيْن من الاقتران والازدواج مَا يشبه اقتران الزَّوْجَيْنِ وَيزِيد عَلَيْهِ تَارَة وَينْقص عَنهُ تَارَة وَمَا يشبه اقتران المتحابين فِي الله والمتآخين فِي الله لَكِن الَّذين آمنُوا أَشد حبا لله
فالمتحابان فِي الله يعظم تحابهما وَيُقَوِّي وَيثبت بِخِلَاف هَذِه المؤاخاة الشيطانية فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهَا أَنْوَاع من الْفساد ثمَّ هَذَا قد يظْهر وينتشر حَتَّى قد يسمونه زواجا وَيَقُولُونَ تزوج هَذَا بِهَذَا كَمَا يفعل ذَلِك بعض الْمُسْتَهْزِئِينَ
стр. 563
بآيَات الله من فجار الْفُسَّاق وَالْمُنَافِقِينَ ويقره الْحَاضِرُونَ على ذَلِك وَيضْحَكُونَ وَرُبمَا أعجبهم مثل هَذَا المزاح
كَمَا أَن اعْتِقَاد أَن هَذِه الْمحبَّة لله أوجب لمن كَانَ من فجار الْفُسَّاق وَالْمُنَافِقِينَ أَن يَقُول لَهُم الْأَمْرَد حبيب الله والملتحي عَدو الله وَذَلِكَ يعجبهم وَيضْحَكُونَ مِنْهُ وَحَتَّى اعْتقد كثير من المردان أَن هَذَا حق وَهُوَ دَاخل فِي قَول النَّبِي
إِذا أحب الله العَبْد نَادِي فِي السَّمَاء يَا جِبْرِيل إِنِّي أحب فلَانا فَيصير يُعجبهُ أَن يحب ويعتقد الغاوي أَنه مَحْبُوب
وَذَلِكَ أَن من فُقَهَاء الْكُوفَة من لَا يُوجب فِي اللوطية الْحَد بل التَّعْزِير إِلَّا إِذا أسرف فِيهِ فَإِنَّهُ يُبِيح قَتله سياسة وَمن الْفُقَهَاء من يُوجب فِيهِ حد الزني كأشهر قولي الشَّافِعِي وإحدي الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَقَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأكْثر فُقَهَاء الْحجاز وَأهل الحَدِيث يوجبون قَتلهمَا جَمِيعًا كمذهب مَالك وَظَاهر مَذْهَب أَحْمد
وَزعم بعض الْفُقَهَاء أَن فجور الرجل بمملوكه شُبْهَة فِي دَرْء الْحَد وَهُوَ مُوجب للتعزير كَمَا هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فِي وَطْء أمته الْمُحرمَة عَلَيْهِ برضاع
стр. 564
أَو محرمته وَأَيْضًا فالعقوبة بِالْقَتْلِ إِنَّمَا تكون فِي حق الْبَالِغ وَأما الصَّبِي وَأَمْثَاله فَيجوز قَتله إِذا قَاتل مَعَ الْكفَّار فَأَما بِمُجَرَّد فعله هُوَ بِنَفسِهِ فَلَا يقتل بل يُعَاقب بِمَا يزجره
وَكَذَلِكَ النَّوْع الثَّانِي من الْحَلَال وَهُوَ ملك الْيَمين فَإِن الْمَرْأَة قد تملك الرجل وَالرجل قد يملك الصَّبِي وَقد يكون فِي هَذَا الْملك نوع من ملك الرجل الْأمة فَرُبمَا استمتعت الْمَرْأَة بمملوكها بمقدمات النِّكَاح أَو بِالنِّكَاحِ مضاهاة لاستمتاع الرجل بمملوكته وَرُبمَا تأولت الْقُرْآن على ذَلِك واعتقدت أَن ذَلِك دَاخل فِي قَوْله تَعَالَى أَو مَا ملكت أَيْمَانهم كَمَا رفع إِلَى عمر ابْن الْخطاب امْرَأَة تزوجت عَبدهَا وتأولت هَذِه الْآيَة فَفرق بَينهمَا وأدبه وَقَالَ وَيحك إِنَّمَا هَذِه للرِّجَال لَا للنِّسَاء
وَكَذَلِكَ كثير من جهال التّرْك وَغَيرهم قد يملك من الذكران من يُحِبهُمْ ويستمتع بهم وَقد يتَأَوَّل بَعضهم على ذَلِك إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم وَمن الْمَعْلُوم أَن هَذَا كفر بِإِجْمَاع الْمُسلمين فالاعتقاد بِأَن الذكران حَلَال بِملك أَو غير ملك بَاطِل وَكفر بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيرهم
стр. 565
ثمَّ من هَؤُلَاءِ من يتَأَوَّل هَذِه الْآيَة وَمِنْهُم من يتَأَوَّل ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك وَلَا يفرق بَين المنكوح والناكح كَمَا سَأَلَني مرّة بعض النَّاس عَن هَذِه الْآيَة وَكَانَ مِمَّن يقْرَأ الْقُرْآن وَيطْلب الْعلم وَقد ظن أَن مَعْنَاهَا إِبَاحَة ذكران الْمُؤمنِينَ
وَآخَرُونَ قد يجْتَمع بهم من يَقُول لَهُم إِن فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلافًا ويكذب أَئِمَّة الْمُسلمين الَّذين لَا تكون مذاهبهم ظَاهِرَة فِي بِلَاده مثل من يكون بِأَرْض الرّوم فيكذب على مَذْهَب مَالك وَيَقُول هُوَ مُبَاح فِي مَذْهَب مَالك وَمِنْهُم من يَقُول هَذَا مُبَاح للضَّرُورَة مثل أَن يبقي الرجل أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى أَمْثَال هَذِه الْأُمُور الَّتِي خاطبني فِيهَا وسألني عَنْهَا طوائف من الْجند والعامة والفقراء وَكَانَ عِنْدهم من هَذِه الاعتقادات الْفَاسِدَة ألوان مُخْتَلفَة قد صدتهم عَن سَبِيل الله
وَمِنْهُم من قد بلغه خلاف بعض الْعلمَاء فِي وجوب الْحَد فِي بعض الصُّور فيظن أَن ذَلِك خلاف فِي التَّحْرِيم فَرُبمَا قَالَ ذَلِك أَو اعتقده وَلَا يفرق بَين الْخلاف على الْحَد الْمُقدر وَالتَّحْرِيم وَأَن الشَّيْء قد يكون من أعظم الْمُحرمَات كَالدَّمِ وَالْميتَة وَلحم الْخِنْزِير وَلَيْسَ فِيهِ حد مُقَدّر
ثمَّ ذَلِك الْخلاف قد يكون قولا ضَعِيفا فيتولد من ذَلِك القَوْل الضَّعِيف الَّذِي هُوَ خطأ بعض الْمُجْتَهدين وَهَذَا الظَّن الْفَاسِد الَّذِي هُوَ خطأ بعض الْجَاهِلين وَمن الْكَذِب الَّذِي هُوَ فِرْيَة بعض الظَّالِمين تَبْدِيل
следующие страницы →