Полный текст (666 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وأخفي من ذَلِك مؤاخاة كثير من الرِّجَال لكثير من النِّسَاء أَو لكثير من الصّبيان وَقَوْلهمْ إِن هَذِه مؤاخاة لله إِذا لم تكن المؤاخاة على فعل الْفَاحِشَة كذوات الأخدان فَهَذَا الَّذِي يظهرونه للنَّاس الَّذين يوافقونهم ويقرونهم على ذَلِك ويرون كلهم أَن من أحب صَبيا أَو امْرَأَة لصورته وَحسنه من غير فعل فَاحِشَة فَإِن هَذَا محبَّة لله
فَهَذَا من الضلال والغي وتَبْدِيل الدَّين حَيْثُ جعل مَا كرهه الله محبوبا لله وَهُوَ نوع من الشّرك والمحبوب الْمُعظم بذلك طاغوت
وَذَلِكَ أَن اعْتِقَاد أَن التَّمَتُّع بالمحبة وَالنَّظَر أَو نوع من الْمُبَاشرَة إِلَى الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة وَالصبيان هُوَ لله وَهُوَ حب فِي الله كفر وشرك كاعتقاد أَن محبَّة الأنداد حب لله وَأَن الِاجْتِمَاع على الْفَاحِشَة تعاون على الْبر وَالتَّقوى وَأَن الْإِقَامَة على ذَلِك بِالْعبَادَة هِيَ عبَادَة لله وَنَحْو ذَلِك
فاعتقاد أَن هَذِه الْأُمُور الَّتِي حرمهَا الله وَرَسُوله تَحْرِيمًا ظَاهرا أَنَّهَا دين الله ومحبة الله نوع من الشّرك وَالْكفْر
ثمَّ قد يكون مِنْهَا من خفيها أَشْيَاء تروج على من لم يبلغهُ الْعلم كَمَا اشْتبهَ على كثير من الْعلمَاء والعباد أَن اسْتِمَاع أصوات الملاهي تكون عبَادَة لله واشتبه على من هُوَ أَضْعَف علما وإيمانا أَن التَّمَتُّع بمشاهدة هَذِه الصُّور يكون عبَادَة لله
ثمَّ بعد هَذَا الضلال وَمَا فِيهِ من الغي هم أَرْبَعَة أَقسَام
стр. 562
قوم يَعْتَقِدُونَ أَن هَذَا لله ويقتصرون عَلَيْهِ كَمَا يُوجد مثل ذَلِك فِي كثير من الأجناد والمتنسكة والعامة
وَقوم يعلمُونَ أَن هَذَا لَيْسَ لله وَإِنَّمَا يظهرون هَذَا الْكَلَام نفَاقًا وخداعا لِئَلَّا يُنكر عَلَيْهِم وَهَؤُلَاء من وَجه أمثل لما يرجي لَهُم من التَّوْبَة وَمن جِهَة أَخبث لأَنهم يعلمُونَ التَّحْرِيم ويأتون الْمحرم
وَقوم مقصودهم مَا وَرَاء ذَلِك من الْفَاحِشَة الْكُبْرَى فَتَارَة يكونُونَ من أُولَئِكَ الظَّالِمين الَّذين يَعْتَقِدُونَ أَن هَذِه الْمحبَّة الَّتِي لَا وَطْء فِيهَا لله فيفعلون شَيْئا لله ويفعلون هَذَا لغير الله وَتارَة يكونُونَ من أُولَئِكَ الغاوين الْمُنَافِقين الَّذين يظهرون أَن هَذِه الْمحبَّة لله وهم يعلمُونَ أَنَّهَا للشَّيْطَان فَيجمع هَؤُلَاءِ بَين هَذَا الْكَذِب وَبَين الْفَاحِشَة الْكُبْرَى وَهَؤُلَاء فِي هَذِه المخادنة والمؤاخاة يضاهون النِّكَاح فَإِنَّهُ يحصل بَين هذَيْن من الاقتران والازدواج مَا يشبه اقتران الزَّوْجَيْنِ وَيزِيد عَلَيْهِ تَارَة وَينْقص عَنهُ تَارَة وَمَا يشبه اقتران المتحابين فِي الله والمتآخين فِي الله لَكِن الَّذين آمنُوا أَشد حبا لله
فالمتحابان فِي الله يعظم تحابهما وَيُقَوِّي وَيثبت بِخِلَاف هَذِه المؤاخاة الشيطانية فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهَا أَنْوَاع من الْفساد ثمَّ هَذَا قد يظْهر وينتشر حَتَّى قد يسمونه زواجا وَيَقُولُونَ تزوج هَذَا بِهَذَا كَمَا يفعل ذَلِك بعض الْمُسْتَهْزِئِينَ
стр. 563
بآيَات الله من فجار الْفُسَّاق وَالْمُنَافِقِينَ ويقره الْحَاضِرُونَ على ذَلِك وَيضْحَكُونَ وَرُبمَا أعجبهم مثل هَذَا المزاح
كَمَا أَن اعْتِقَاد أَن هَذِه الْمحبَّة لله أوجب لمن كَانَ من فجار الْفُسَّاق وَالْمُنَافِقِينَ أَن يَقُول لَهُم الْأَمْرَد حبيب الله والملتحي عَدو الله وَذَلِكَ يعجبهم وَيضْحَكُونَ مِنْهُ وَحَتَّى اعْتقد كثير من المردان أَن هَذَا حق وَهُوَ دَاخل فِي قَول النَّبِي
إِذا أحب الله العَبْد نَادِي فِي السَّمَاء يَا جِبْرِيل إِنِّي أحب فلَانا فَيصير يُعجبهُ أَن يحب ويعتقد الغاوي أَنه مَحْبُوب
وَذَلِكَ أَن من فُقَهَاء الْكُوفَة من لَا يُوجب فِي اللوطية الْحَد بل التَّعْزِير إِلَّا إِذا أسرف فِيهِ فَإِنَّهُ يُبِيح قَتله سياسة وَمن الْفُقَهَاء من يُوجب فِيهِ حد الزني كأشهر قولي الشَّافِعِي وإحدي الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَقَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأكْثر فُقَهَاء الْحجاز وَأهل الحَدِيث يوجبون قَتلهمَا جَمِيعًا كمذهب مَالك وَظَاهر مَذْهَب أَحْمد
وَزعم بعض الْفُقَهَاء أَن فجور الرجل بمملوكه شُبْهَة فِي دَرْء الْحَد وَهُوَ مُوجب للتعزير كَمَا هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فِي وَطْء أمته الْمُحرمَة عَلَيْهِ برضاع
стр. 564
أَو محرمته وَأَيْضًا فالعقوبة بِالْقَتْلِ إِنَّمَا تكون فِي حق الْبَالِغ وَأما الصَّبِي وَأَمْثَاله فَيجوز قَتله إِذا قَاتل مَعَ الْكفَّار فَأَما بِمُجَرَّد فعله هُوَ بِنَفسِهِ فَلَا يقتل بل يُعَاقب بِمَا يزجره
وَكَذَلِكَ النَّوْع الثَّانِي من الْحَلَال وَهُوَ ملك الْيَمين فَإِن الْمَرْأَة قد تملك الرجل وَالرجل قد يملك الصَّبِي وَقد يكون فِي هَذَا الْملك نوع من ملك الرجل الْأمة فَرُبمَا استمتعت الْمَرْأَة بمملوكها بمقدمات النِّكَاح أَو بِالنِّكَاحِ مضاهاة لاستمتاع الرجل بمملوكته وَرُبمَا تأولت الْقُرْآن على ذَلِك واعتقدت أَن ذَلِك دَاخل فِي قَوْله تَعَالَى أَو مَا ملكت أَيْمَانهم كَمَا رفع إِلَى عمر ابْن الْخطاب امْرَأَة تزوجت عَبدهَا وتأولت هَذِه الْآيَة فَفرق بَينهمَا وأدبه وَقَالَ وَيحك إِنَّمَا هَذِه للرِّجَال لَا للنِّسَاء
وَكَذَلِكَ كثير من جهال التّرْك وَغَيرهم قد يملك من الذكران من يُحِبهُمْ ويستمتع بهم وَقد يتَأَوَّل بَعضهم على ذَلِك إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم وَمن الْمَعْلُوم أَن هَذَا كفر بِإِجْمَاع الْمُسلمين فالاعتقاد بِأَن الذكران حَلَال بِملك أَو غير ملك بَاطِل وَكفر بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيرهم
стр. 565
ثمَّ من هَؤُلَاءِ من يتَأَوَّل هَذِه الْآيَة وَمِنْهُم من يتَأَوَّل ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك وَلَا يفرق بَين المنكوح والناكح كَمَا سَأَلَني مرّة بعض النَّاس عَن هَذِه الْآيَة وَكَانَ مِمَّن يقْرَأ الْقُرْآن وَيطْلب الْعلم وَقد ظن أَن مَعْنَاهَا إِبَاحَة ذكران الْمُؤمنِينَ
وَآخَرُونَ قد يجْتَمع بهم من يَقُول لَهُم إِن فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلافًا ويكذب أَئِمَّة الْمُسلمين الَّذين لَا تكون مذاهبهم ظَاهِرَة فِي بِلَاده مثل من يكون بِأَرْض الرّوم فيكذب على مَذْهَب مَالك وَيَقُول هُوَ مُبَاح فِي مَذْهَب مَالك وَمِنْهُم من يَقُول هَذَا مُبَاح للضَّرُورَة مثل أَن يبقي الرجل أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى أَمْثَال هَذِه الْأُمُور الَّتِي خاطبني فِيهَا وسألني عَنْهَا طوائف من الْجند والعامة والفقراء وَكَانَ عِنْدهم من هَذِه الاعتقادات الْفَاسِدَة ألوان مُخْتَلفَة قد صدتهم عَن سَبِيل الله
وَمِنْهُم من قد بلغه خلاف بعض الْعلمَاء فِي وجوب الْحَد فِي بعض الصُّور فيظن أَن ذَلِك خلاف فِي التَّحْرِيم فَرُبمَا قَالَ ذَلِك أَو اعتقده وَلَا يفرق بَين الْخلاف على الْحَد الْمُقدر وَالتَّحْرِيم وَأَن الشَّيْء قد يكون من أعظم الْمُحرمَات كَالدَّمِ وَالْميتَة وَلحم الْخِنْزِير وَلَيْسَ فِيهِ حد مُقَدّر
ثمَّ ذَلِك الْخلاف قد يكون قولا ضَعِيفا فيتولد من ذَلِك القَوْل الضَّعِيف الَّذِي هُوَ خطأ بعض الْمُجْتَهدين وَهَذَا الظَّن الْفَاسِد الَّذِي هُوَ خطأ بعض الْجَاهِلين وَمن الْكَذِب الَّذِي هُوَ فِرْيَة بعض الظَّالِمين تَبْدِيل
стр. 566
الدَّين وَطَاعَة الشَّيَاطِين وَسخط رب الْعَالمين حَتَّى نقل أَن كثيرا من المماليك يتمدح بِأَنَّهُ لَا يعرف إِلَّا سَيّده كَمَا تتمدح الْأمة بِأَنَّهَا لَا تعرف إِلَّا سَيِّدهَا وَزوجهَا وَكَذَلِكَ كثير من المردان الْأَحْدَاث يتمدح بِأَنَّهُ لَا يعرف إِلَّا خدينه وَصديقه ومؤاخيه كَمَا تتمدح الْمَرْأَة بِأَنَّهَا لَا تعرف إِلَّا زَوجهَا وَكَذَلِكَ كثير من الزناة بالمماليك والأحداث من الصّبيان قد يتمدح بِأَنَّهُ عفيف عَمَّا سوي خدنه الَّذِي هُوَ قرينه كَالزَّوْجَةِ أَو عَمَّا سوي مَمْلُوكه الَّذِي هُوَ قرينه كَمَا يتمدح الْمُؤمن بِأَنَّهُ عفيف إِلَّا عَن زَوجته أَو مَا ملكت يَمِينه
وَلَا ريب أَن الْكفْر والفسوق والعصيان دَرَجَات كَمَا أَن الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح دَرَجَات هم دَرَجَات عِنْد الله وَالله بَصِير بِمَا يعْملُونَ وَقد قَالَ تَعَالَى إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر وَقَالَ تَعَالَى فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم وَقَالَ تَعَالَى فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم كَمَا قَالَ تَعَالَى يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت وَقَالَ وليزيدن كثيرا مِنْهُم مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا كَمَا قَالَ تَعَالَى وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يفرحون بِمَا أنزل
فالمتخذ خدنا من الرجل وَالنِّسَاء أقل شرا من المسافح لِأَن الْفساد فِي ذَلِك أقل والمستخفي بِمَا يَأْتِيهِ أقل إِثْمًا من المجاهر المستعلن كَمَا فِي الحَدِيث عَن
стр. 567
النَّبِي أَنه قَالَ من ابْتُلِيَ من هَذِه القاذورات بِشَيْء فليستتر بستر الله فَإِنَّهُ من يبد لنا صفحته نقم عَلَيْهِ كتاب الله
وَقد قَالَ من ستر مُسلما ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَفِي الحَدِيث إِن الْخَطِيئَة إِذا أخفيت لم تضر إِلَّا صَاحبهَا وَلَكِن إِذا أعلنت فَلم تنكر ضرت الْجَمَاعَة
وَفِي الحَدِيث عَن النَّبِي أَنه قَالَ كل أمتِي معافى إِلَّا المجاهرين وَإِن من المجاهرة أَن يبيت الرجل على الذَّنب وَقد ستره الله فَيُصْبِح فيتحدث بِذَنبِهِ وَيَقُول يَا فلَان فعلت اللَّيْلَة كَيْت وَكَيْت أَو كَمَا قَالَ
стр. 568
فالإقلال والاستخفاء خير من هَذِه الْوُجُوه وَلَكِن قد يقْتَرن بهَا مَا يكون أعظم من بعض المسافحة والمجاهرة وَهِي الْمحبَّة والتعظيم الَّتِي توجب محبَّة مَا يُحِبهُ الخدن وتعظيم مَا يعظمه وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه والاستسرار بذلك والنفاق فِيهِ فقد تكون فِي هَذِه الْمُوَالَاة والمعاداة والنفاق من الْعدوان وَالضَّرَر على الْمُسلمين أعظم مِمَّا فِي المجاهرة والمسافحة وَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة الْكَافِر الْمُعْلن كفره وَهَذَا بِمَنْزِلَة الْمُنَافِق فَأَما إِذا لم يكن عدوان على النَّاس وتضييع لحقوقهم لانْتِفَاء الْمحبَّة أَو لغير ذَلِك فَالْأول أَخبث وأفحش وتفاوت الشرور فِي الْقدر وَالصّفة كثير كَمَا يتفاضل الْخَيْر أَيْضا فِي الْقدر وَالْوَصْف وَالْوَاجِب اسْتِعْمَال الْكتاب وَالسّنة فِي جَمِيع الْأُمُور
وَلَا ريب أَن هَذِه المخادنة وَملك الْيَمين وَنَحْو ذَلِك مِمَّا فِيهِ اشْتِرَاك فِي محرم مضاد للْحَلَال لَا بُد أَن يتَضَمَّن من الْمُبَاح مَا يصير فِيهِ من الشّبَه بالحلال وَمن التَّمْيِيز عَن الْحَرَام مَا يكون فِيهِ رواج لَهُ إِذْ الْحَرَام الْمَحْض الْمَحْض من كل وَجه لَا يشْتَبه بالحلال الْمَحْض من كل وَجه بل بقتني الرجل الْمَمْلُوك لنَوْع من الِاسْتِخْدَام وَيضم إِلَى ذَلِك الِاسْتِمْتَاع وَقد يكون هَذَا أغلب فِي نَفسه من
стр. 569
الآخر وَقد يكون بِالْعَكْسِ وَذَلِكَ الِاسْتِخْدَام قد يكون مُبَاحا فِي الشَّرِيعَة وَقد يكون فِيهِ نوع من الظُّلم والعدوان إِمَّا باسترقاق الْأَحْرَار وَإِمَّا باشتراء المماليك لنَفسِهِ بِالْمَالِ الْمَغْصُوب من بَيت المَال أَو غَيره وَإِمَّا فِي استخدامهم على وَجه الْكِبْرِيَاء والعلو فِي الأَرْض بإذلاله لَهُم فِي غير طَاعَة الله وإذلال النَّاس بهم فِي غير طَاعَة الله إِلَى أَمْثَال ذَلِك من الْوُجُوه الَّتِي يكون فِيهَا من الظُّلم والعدوان أُمُور عَظِيمَة وينضم إِلَى ذَلِك الْفَاحِشَة
وَكَذَلِكَ فِي المخادنة الَّتِي صورتهَا مؤاخاة قد تكون لأجل الِاسْتِئْجَار لصناعة وَنَحْوهَا وَقد تكون لتعلم صناعَة أَو كِتَابَة أَو قِرَاءَة أَو علم أَو تَأْدِيب وتنوير وَغير ذَلِك من الْأُمُور الْمُبَاحَة والمستحبة والواجبة فِي الدَّين وَقد تكون لكفالة وتربية إِمَّا ليتم ذَلِك الصَّبِي أَو غربته أَو لقرابة بَينهمَا أَو غير ذَلِك وَقد يكون اشتراكا مَحْضا فِي صناعَة أَو تِجَارَة أَو بِحمْل مَال أَو مجاورة وصلَة أَو تعلم أَو تأدب أَو غير ذَلِك مِمَّا يشْتَرك النَّاس فِيهِ لغير فَاحِشَة بشركة مُبَاحَة أَو مَأْمُور بهَا أَو مَنْهِيّ عَنْهَا وَيكون بَينهم فِي ذَلِك من التعاقد والتحالف مَا يكون بَين المشتركين فِي الْأُمُور وَقد يُسَمِّي ذَلِك صديقا ورفيقا وَسمي بالتركية خوشداشا وَغير ذَلِك وَهُوَ من قسم التَّحَالُف فَيكون بَين المشتركين فِي الْحَلَال وَالْحرَام من الْمُعَاوضَة والمشاركة إِمَّا على غير فَاحِشَة وَإِمَّا
стр. 570
مُعَاوضَة بِتِلْكَ فَتكون شُبْهَة مَعَ الشَّهْوَة فغالب وُقُوع الْمُحرمَات من هَذَا الْبَاب وَقد لبس فبه الْحق بِالْبَاطِلِ وأشرك فِيهِ الْحق بِالْبَاطِلِ
موقف الْمُؤمن من الشرور والخيرات وَمَا يجب عَلَيْهِ حيالها
وَالْمُؤمن يَنْبَغِي لَهُ أَن يعرف الشرور الْوَاقِعَة ومراتبها فِي الْكتاب وَالسّنة كَمَا يعرف الْخيرَات الْوَاقِعَة ومراتبها فِي الْكتاب وَالسّنة فَيُفَرق بَين أَحْكَام الْأُمُور الْوَاقِعَة الكائنة وَالَّتِي يُرَاد إيقاعها فِي الْكتاب وَالسّنة ليقدم مَا هُوَ أَكثر خيرا وَأَقل شرا على مَا هُوَ دونه وَيدْفَع أعظم الشرين بِاحْتِمَال أدناهما ويجتلب أعظم الخيرين بِفَوَات أدناهما فَإِن من لم يعرف الْوَاقِع فِي الْخلق وَالْوَاجِب فِي الدَّين لم يعرف أَحْكَام الله فِي عباده وَإِذا لم يعرف ذَلِك كَانَ قَوْله وَعَمله بِجَهْل وَمن عبد الله بِغَيْر علم كَانَ مَا يفْسد أَكثر مِمَّا يصلح
وَإِذا عرف ذَلِك فَلَا بُد أَن يقْتَرن بِعِلْمِهِ الْعَمَل الَّذِي أَصله محبته لما يُحِبهُ الله وَرَسُوله وبغضه لما يبغضه الله وَرَسُوله وَمَا اجْتمع فِيهِ الحبيب والبغيض الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ أَو الْحَلَال والمحظور أعطي كل ذِي حق حَقه ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ فَإِن الله بذلك أنزل الْكتاب وَأرْسل الرُّسُل فالعلم بِالْعَدْلِ قبل فعل الْعدْل
فَإِذا علم وَأحب كَانَ من تَمَامه الْجِهَاد عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى لقد أرسلنَا رسلنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأنزلنا مَعَهم الْكتاب وَالْمِيزَان ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد وَمَنَافع للنَّاس وَالْعلم
стр. 571
هُوَ طَرِيق إِلَى الْعَمَل وَسبب كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى وَآتَيْنَاهُ من كل شَيْء سَببا أَي علما
فالعلم بِالْخَيرِ سَبَب إِلَى فعله وَالْعلم بِالشَّرِّ سَبَب إِلَى مَنعه هَذَا مَعَ حسن النِّيَّة وَإِلَّا فَالنَّفْس الأمارة بالسوء قد يكون علمهَا بالسوء سَبَب لفعله وبالخير سَبَب لمَنعه وَكَذَلِكَ الْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق مثل الْخمر الَّذِي اتخذ مِنْهُ أَنْوَاع من المسكرات وَقيل إِنَّهَا حَلَال وَسميت بِغَيْر أَسمَاء الْخمر وَهِي من الْخمر
وَكَذَلِكَ ظلم الْعباد فِي النُّفُوس وَالْأَمْوَال والأعراض فِيهِ مَا قد سمي حَقًا وعدلا وَشرعا وسياسة وجهادا فِي سَبِيل الله وَهُوَ من الْكفْر والفسوق والعصيان مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله وَكَذَلِكَ الْإِشْرَاك بِاللَّه بِغَيْر حق وَالْقَوْل بِمَا لَا يعلم مثل أَنْوَاع الغلو فِي الدَّين واتخاذ الْعلمَاء والعباد أَرْبَابًا من دون الله وَالْقَوْل بِتَحْرِيم الْحَلَال وَتَحْلِيل الْحَرَام وأنواع الْإِشْرَاك بالمخلوقات عبَادَة لَهَا واستعانة بهَا وغلوا فِيهَا وقولا على الله فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وَأَحْكَامه مَا قد دخل فِي ذَلِك من الْبَاطِل الَّذِي سمي بأسماء محمودة أَو غير مذمومة كالعبادة والزهادة وَالتَّحْقِيق وأصول الدَّين وَالْفِقْه وَالْعلم والتوحيد وَالْكَلَام والفقر والتصوف مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يعرف أَن كل تَبْدِيل يَقع فِي الْأَدْيَان بل كل اجْتِمَاع فِي الْعَالم لَا بُد فِيهِ من التَّحَالُف وَهُوَ الِاتِّفَاق والتعاقد على ذَلِك من اثْنَيْنِ فَصَاعِدا
стр. 572
بَنو آدم لَا يُمكن عيشهم إِلَّا بالتعاقد والتحالف
فَأن بني آدم لَا يُمكن عيشهم إِلَّا بِمَا يشتركون فِيهِ من جلب منفعتهم وَدفع مضرتهم فاتفاقهم على ذَلِك هُوَ التعاقد والتحالف
وَلِهَذَا كَانَ الْوَفَاء بالعهود من الْأُمُور الَّتِي اتّفق أهل الأَرْض على إِيجَابهَا لبَعْضهِم على بعض وَإِن كَانَ مِنْهُم الْقَادِر الَّذِي لَا يُوفي بذلك كَمَا اتَّفقُوا فِي إِيجَاب الْعدْل والصدق فَإِذا اتَّفقُوا وتعاقدوا على اجتلاب الْأَمر الَّذِي يحبونه وَدفع الْأَمر الَّذِي يكرهونه أعَان بَعضهم بَعْضًا على اجتلاب المحبوب وَنصر بَعضهم بَعْضًا على دفع الْمَكْرُوه وَلَو لم يتعاقدوا بالْكلَام فَنَفْس اشتراكهم فِي أَمر يُوجب عَلَيْهِم اجتلاب مَا يصلح ذَلِك الْأَمر الْمُشْتَرك وَدفع مَا يضرّهُ كَأَهل النّسَب الْوَاحِد وَأهل الْبَلَد الْوَاحِد فَإِن التناسب والتجاور يُوجب التعاون على جلب الْمَنْفَعَة الْمُشْتَركَة وَدفع الضَّرَر الْمُشْتَرك
فَصَارَ الِاشْتِرَاك بَينهم تَارَة يثبت بفعلهم وَهُوَ التعاقد على مَا فِيهِ خَيرهمْ وَتارَة يثبت بِفعل الله تَعَالَى وَقد جمع الله هذَيْن الْأَصْلَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام وَذكر فِي هَذِه السُّورَة الْأُمُور الَّتِي بَينهم من جِهَة الْخلق وَهِي من جِهَة الْعُقُود كَمَا قَالَ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا فَجعله نسبا وصهرا
وَقَالَ تَعَالَى الَّذين يُوفونَ بِعَهْد الله وَلَا ينقضون الْمِيثَاق وَالَّذين يصلونَ مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل
стр. 573
وَقَالَ تَعَالَى وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين الَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل
وَإِذا كَانَ لَا بُد فِي كل مَا يشتركون فِيهِ من تحالف وَغير تحالف من التعاون على جلب المحبوب والتناصر لدفع الْمَكْرُوه فالمحبوب هُوَ الموَالِي وَالْمَكْرُوه هُوَ المعادي فَلَا بُد لكل بني آدم من ولَايَة وعداوة وَلِهَذَا جَمِيعهم يتمادحون بالشجاعة والسماحة فَإِن السماحة إِعَانَة على وجود المحبوب بالأموال وَالْمَنَافِع وَغير ذَلِك والشجاعة نصر لدفع الْمَكْرُوه بِالْقِتَالِ وَغَيره وَلَا قوام لشَيْء من أُمُور بني آدم إِلَّا بذلك ومبني ذَلِك بَينهم على الْعدْل فِي المشاركات والمعاوضات
فَظهر أَن جَمِيع أُمُور بني آدم لَا بُد فِيهَا من تعاون بَينهم وَدفع وَمنع لغَيرهم فَلَا بُد لَهُم من عقد وقدرة وَالْعقد أَصله الْإِرَادَة كَمَا قَالَ تَعَالَى وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ أى يتعاهدون ويتعاقدون وَالْقُدْرَة الْقُدْرَة
وَمَعْلُوم أَنه لَا بُد فِي كل فعل من إِرَادَة وقدرة والمشتركون لَا بُد من اتِّفَاقهم فِي إِرَادَة وَفِي قدرَة فَالَّذِي يَنَالهُ بَعضهم من جلب مَحْبُوب وَدفع مَكْرُوه من بعض هُوَ بالإرادة والطوع وَالَّذِي ينالونه من غَيرهم من جلب مَحْبُوب وَدفع مَكْرُوه وَهُوَ بِالْقُدْرَةِ على ذَلِك الْعَدو الْمَكْرُوه مِنْهُ كَمَا أَن الْوَطْء بِملك النِّكَاح الَّذِي هُوَ عقد أَصله الْإِرَادَة والطوع وبملك الْيَمين الَّذِي هُوَ قهر بِالْقُدْرَةِ على سَبِيل الكره واشتراكهم فِي الجلب وَالدَّفْع إِمَّا أَن يكون تبعا لتعاقدهم وَإِمَّا أَن
стр. 574
يكون بِأَمْر آمُر مُطَاع فيهم فَالْأول هُوَ التَّحَالُف وَالثَّانِي مَا يطاع بِغَيْر تحالف سَوَاء كَانَت طَاعَته بِحَق أَو بِغَيْر حق
فَالَّذِي بِحَق مَا أَمر الله بِطَاعَتِهِ من أنبياءه وأولي الْأَمر من الْمُؤمنِينَ وَطَاعَة الْوَالِدين وَنَحْو ذَلِك وَمَا يُجَاب بِهِ بَعضهم إِلَى مُرَاد بعض بِحَق فَإِن ذَلِك هُوَ معنى الطَّاعَة إِذْ الْمَقْصُود بهَا مُوَافقَة الْمَطْلُوب
وَأما بِغَيْر حق فكطاعة الطواغيت وَهُوَ كل مَا عظم بباطل
التَّحَالُف يكون وفقا الشَّرِيعَة منزلَة أَو شَرِيعَة غير منزلَة أَو سياسة
وكل قوم لَا تجمعهم طَاعَة مُطَاع فِي جَمِيع أُمُورهم فَلَا بُد لَهُم من التعاقد والتحالف فِيمَا لم يَأْمُرهُم بِهِ المطاع
وَلِهَذَا كَانَت الشَّرِيعَة الْمنزلَة من عِنْد الله الْأَفْعَال فِيهَا الَّتِي تجب لله وَتجب لبَعض النَّاس على بعض تَارَة تجب بِإِيجَاب الله وَتارَة تجب بِالْعقدِ كالنذر وكعقود المفاوضات والمشاركات فَلَا وَاجِب فِي الشَّرِيعَة إِلَّا بشرع أَو عقد
وَإِذا لم يَكُونُوا على شَرِيعَة منزلَة من عِنْد الله فإمَّا أَن يَكُونُوا على شَرِيعَة غير منزلَة أَو سياسة وَضعهَا بعض المعظمين فيهم بِنَوْع قدرَة وَعلم وَنَحْو ذَلِك وَمَا بقدرة من هَذِه الْأُمُور الجامعة أوجب التَّحَالُف بَينهم فَإِنَّهُ لَا يَنْتَظِم لَهُم أَمر إِلَّا بِطَاعَة آمُر متحالفون عَلَيْهِ أَو يَأْمُرهُم بِهِ من يطيعونه وَلِهَذَا أنكر التَّحَالُف فِي الْأُمَم الْخَارِجَة عَن الشَّرِيعَة وَفِي الخارجين عَنْهَا وَفِي الْأُمُور الَّتِي لَا ترد إِلَى الشَّرِيعَة وَإِنَّمَا يظْهر ذَلِك حَيْثُ تدرس آثَار النُّبُوَّة المطاعة فيتحالف قوم على طَاعَة ملك أَو شيخ أَو طَاعَة بَعضهم لبَعض فِي أُمُور
стр. 575
يتفقون عَلَيْهَا ويتحالفون كَمَا كَانَ الْعَرَب فِي جاهليتهم يتحالفون وَمِنْه الحليف الَّذِي يكون فِي الْقَبِيلَة فَيصير مِنْهُم
قَالَ الله تَعَالَى وَالَّذين عقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم إِن الله كَانَ على كل شَيْء شَهِيدا
وَقَالَ تَعَالَى وأوفوا بِعَهْد الله إِذا عاهدتم وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا إِن الله يعلم مَا تَفْعَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نقضت غزلها من بعد قُوَّة أنكاثا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانكُم دخلا بَيْنكُم أَن تكون أمة هِيَ أربي من أمة إِنَّمَا يبلوكم الله بِهِ وليبينن لكم يَوْم الْقِيَامَة مَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون
وَكَذَلِكَ مَا يُوجد من التَّحَالُف بالتآخي وَغير التآخي للملوك والمشايخ وَأهل الفتوة ورماة البندق وَسَائِر المتفقين على بعض الْأُمُور هُوَ دَاخل فِي هَذَا وأيمان التعاقد والتحالف عَام لبني آدم وهم فِي جاهليتهم تَارَة يتحالفون تحَالفا يُحِبهُ الله كَمَا قَالَ النَّبِي لقد شهِدت حلفا مَعَ عمومتي فِي دَار عبد الله بن جدعَان مَا يسرني بِمثلِهِ حمر النعم أَو قَالَ مَا يسرني حمر النعم وَأَن أنقضه وَلَو دعيت إِلَى مثله فِي الْإِسْلَام لَأَجَبْت
стр. 576
وفى مثل هَذَا مَا رَوَاهُ مُسلم عَن جُبَير بن مطعم عَن النبى أَنه قَالَ
لَا حلف فى الْإِسْلَام وَمَا كَانَ من حلف فِي الْجَاهِلِيَّة فَلم يزده الْإِسْلَام إِلَّا شدَّة
стр. 577
وَهَذَا الْحلف يُسَمِّي حلف المطيبين كَانَ يقدم إِلَى مَكَّة من يَظْلمه بعض أكابرها فيستصرخ فَلَا ينصره أحد حَتَّى أنْشد بعض القادمين
يَا آل مَكَّة مظلوم بضاعته ... بِبَطن مَكَّة بَين الرُّكْن وَالْحجر
وَكَانَ عبد الله بن جدعَان من خيارهم فاجتمعت قبائل من قُرَيْش فِي بَيته على التَّحَالُف للتعاون على الْعدْل وَنصر الْمَظْلُوم وَوَضَعُوا أَيْديهم فِي قَصْعَة فِيهَا طيب فَسمى حلف المطيبين
стр. 578
فَأَما إِذا كَانَ القَوْل على الشَّرِيعَة الَّتِى بعث الله بهَا رَسُوله فى دينهم ودنياهم فَإِن ذَلِك يغنيهم عَن التَّحَالُف إِلَّا عَلَيْهَا فعلَيْهَا يكون تحالفهم وتعاقدهم وتعاونهم وتناصرهم كَمَا وصف الله بِهِ المحبين المحبوبين فِي قَوْله تَعَالَى فَسَوف يأتى الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم
وعَلى ذَلِك يُبَايع المطاعون فيهم من الْأُمَرَاء وَالْعُلَمَاء وَغَيرهم كَمَا قَالَ أَبُو بكر الصّديق فِي خطبَته للْمُسلمين أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت الله وَرَسُوله فَإِذا عصيت الله وَرَسُوله فَلَا طَاعَة لى عَلَيْكُم
стр. 579
وَبِذَلِك أَمر الله وَرَسُوله فِي طَاعَة أولى الْأَمر فَقَالَ النبى على الْمَرْء الْمُسلم السّمع وَالطَّاعَة فِي عسره ويسره ومنشطه ومكرهه مَا لم يُؤمر بِمَعْصِيَة الله فَإِذا أَمر بِمَعْصِيَة الله فَلَا سمع وَلَا طَاعَة وَقَالَ النبى إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف ولَا طَاعَة لمخلوق فى مَعْصِيّة الْخَالِق
وفى الصَّحِيح أَن عبد الله بن عمر كتب بيعَته إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان لما اجْتمع النَّاس عَلَيْهِ لعبد الله عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ إنى قد أَقرَرت لَك بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة على سنة الله وَسنة رَسُوله فِيمَا اسْتَطَعْت وَقد أقرّ بنى لما أَقرَرت بِهِ فَأخْبرهُ أَنه يعاقده على مَا أَمر الله بِهِ من الطَّاعَة لَهُ فِي طَاعَة الله بِحَسب قدرته وَهَذَا وَاجِب عَلَيْهِ بِالشَّرْعِ
стр. 580
فَهُوَ تعاقد على مَا أَمر الله بِمَنْزِلَة نفس الدُّخُول فى الْإِسْلَام وبيعة النبى كَمَا بَايعه الْأَنْصَار وكما بَايعه الْمُسلمُونَ تَحت الشَّجَرَة وكما كَانَ يُبَايع الْمُسلمين على السّمع وَالطَّاعَة ويلقنهم فِيمَا اسْتَطَعْتُم
وَطَاعَة الرَّسُول وَاجِبَة على الْخلق بِإِيجَاب الله بمعاقدتهم على ذَلِك معاقدة على طَاعَة الله كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه قَالَ أأقررتم وأخذتم على ذَلِكُم إصرى قَالُوا أقررنا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنا مَعكُمْ من الشَّاهِدين
لَكِن هَذَا إِنَّمَا كَانَ ظَاهرا فى أَيَّام الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وبعدهم كثرت الْعُقُود الْمُوَافقَة للشريعة تَارَة والمخالفة لَهَا أخري فَلَا جرم كَانَ الحكم الْعَام فِي جَمِيع هَذِه الْعُقُود أَنه يجب الْوَفَاء فِيهَا بِمَا كَانَ طَاعَة لله وَلَا يجوز الْوَفَاء فِيهَا بِمَا كَانَ مَعْصِيّة لله كَمَا قَالَ النَّبِي فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَا بَال أَقوام يشترطون شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله مَا كَانَ من شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل وَإِن كَانَ مائَة شَرط كتاب الله أَحَق وَشرط الله أوثق وَقَالَ من نذر أَن
стр. 581
يُطِيع الله فليطعه وَمن نذر أَن يعْصى الله فَلَا يَعْصِهِ وَفِي السّنَن الْمُسلمُونَ على شرطهم إِلَّا شرطا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا
فَأَما أَمر الدَّين وَمَا يُحِبهُ الله وَيقرب إِلَيْهِ فَلَيْسَ لعقود بنى آدم فِيهِ أثر بل الْمرجع فِي ذَلِك إِلَى أَمر الله وَرَسُوله فَلَا دين إِلَّا مَا أَمر الله بِهِ وَمن اتبع فِي ذَلِك عُقُود بنى آدم فهم الَّذين اتبعُوا شركاءهم الَّذين شرعوا لَهُم من الدَّين مَا لم يَأْذَن الله بِهِ وَهَذِه حَال جَمِيع مَا ابتدع من الدَّين فَإِن الَّذِي ابتدعه وَافقه عَلَيْهِ غَيره وحالفه فاتخذوه دينا فتدين هَذَا فِيهِ يظْهر حَال جَمِيع أهل الْبدع الْمُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة وَأَن الْمُوَافقَة عَلَيْهَا هى من هَذَا الْبَاب
стр. 582
وَأكْثر مَا ينْفق بَين الْمُسلمين مَا فِيهِ حق وباطل إِذْ الْبَاطِل الْمَحْض لَا يبْقى بَينهم وَذَلِكَ يتَضَمَّن التَّحَالُف على غير مَا أَمر الله بِهِ والتبديل لدين الله بِمَا لبس من الْحق بِالْبَاطِلِ وَهَذِه حَال الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر أهل الضلال فَإِنَّهُم عدلوا عَمَّا أَمرهم الله باتباعه فلبسوه بباطل ابتدعوه بدلُوا بِهِ دين الله وتحالفوا على ذَلِك الذى ابتدعوه
وَأما الْمُعَامَلَات فِي الدُّنْيَا فَالْأَصْل فِيهَا أَنه لَا يحرم مِنْهَا إِلَّا مَا حرمه الله وَرَسُوله فَلَا حرَام إِلَّا مَا حرم الله وَلَا دين إِلَّا مَا شَرعه وَإِذا لم يحرم إِلَّا مَا حرمه الله وَرَسُوله فَكَأَن مَا كَانَ بدله بِدُونِ التعاقد يجب بالتعاقد فَإِن العقد يُوجب على كل وَاحِد من المتعاوضين والمتشاركين مَا أوجبه الآخر على نَفسه لَهُ
الْمُسلمُونَ على شروطهم إِلَّا شرطا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي الْمُسلمُونَ على شروطهم إِلَّا شرطا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا
وَهَذَا الْموضع كثر فِيهِ غلط كثير من الْفُقَهَاء بِتَحْرِيم عُقُود وشروط لم يحرمها الله كَمَا كثر فى الأول غلط كثير من الْعباد وَالْعُلَمَاء بابتداع دين لم يشرعه الله وإيجابه بالتعاقد عَلَيْهِ حَتَّى يوجبون طَاعَة شخص معِين ميت أَو حى من الْعلمَاء فِي كل شئ ويحرمون طَاعَة غَيره فِي كل شئ نازعه فِيهِ لمُجَرّد عقد العامى الَّذِي انتسب إِلَى هَذَا دون هَذَا
وَكَذَلِكَ فِي الْمَشَايِخ حَتَّى قد يأمرونه بمخالفه مَا تبين لَهُ من الشَّرِيعَة لأجل العقد الذى الْتَزمهُ للْمَذْهَب والطريقة فيشترطون شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله ويأمرون بِطَاعَة الْمَخْلُوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق وَأكْثر ذَلِك يدْخلهُ نوع من الِاجْتِهَاد
стр. 583
الظَّاهِر الَّذِي فِيهِ نوع من اتِّبَاع الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى
وَالْوَاجِب فِي جَمِيع هَذِه الْأُمُور أَن مَا يتَبَيَّن أَنه طَاعَة لله وَرَسُوله وَجب اتِّبَاعه وَمَا اشْتبهَ على الْإِنْسَان حَاله سلك فِيهِ مَسْلَك الِاجْتِهَاد بِحَسب قدرته وَلَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا واجتهاد الْعَامَّة هُوَ طَلَبهمْ للْعلم من الْعلمَاء بالسؤال والاستفتاء بِحَسب إمكانهم
فَإِذا كَانَ جَمِيع مَا عَلَيْهِ بَنو آدم لابد فِيهِ من تعاون وتناصر وَفِيه مَا هُوَ شرك بِاللَّه وَفِيه مَا هُوَ قَول على الله بِغَيْر علم وَفِيه مَا هُوَ إِثْم وبغى وَفِيه مَا هُوَ من الْفَوَاحِش علم أَنه لابد فِي الْإِيمَان من التعاون والتناصر على فعل مَا يُحِبهُ الله تَعَالَى وَدفع مَا يبغضه الله تَعَالَى وَهَذَا هُوَ الْجِهَاد فِي سَبيله وَأَن أَمر الْإِيمَان لَا يتم بِدُونِ ذَلِك كَمَا لَا يتم غير الْإِيمَان إِلَّا بِمَا هُوَ من نوع ذَلِك
فَكل المتعاونين المتناصرين يجاهدون وَلَكِن فِي سَبِيل الله تَارَة وَفِي سَبِيل غير الله تَارَة وَلَا صَلَاح لبنى آدم إِلَّا بِأَن يكون الدَّين كُله لله وَتَكون كلمة الله هى الْعليا
قَالَ تَعَالَى وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَيكون الدَّين كُله لله وَهَؤُلَاء الَّذين توَلّوا الله فتولاهم الله وَالَّذين يدينون لغير الله هم ظَالِمُونَ بتولى بَعضهم بَعْضًا كَمَا قَالَ تَعَالَى ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ إِنَّهُم لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَإِن الظَّالِمين بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالله ولى الْمُتَّقِينَ
стр. 584
وَلَا يتم لمُؤْمِن ذَلِك إِلَّا بِأَن يجمع بَين مَا جمع الله بَينه وَيفرق بَين مَا فرق الله بَينه وَهَذِه حَقِيقَة الْمُوَالَاة والمعاداة الَّتِي مبناها على الْمحبَّة والبغضة
فالموالاة تقتضى التحاب وَالْجمع والمعاداة تقتضى التباغض والتفرق وَالله سُبْحَانَهُ قد ذكر الْمُوَالَاة وَالْجمع بَين الْمُؤمنِينَ فقولة تَعَالَى إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ وَذكر الْعَدَاوَة بَينهم وَبَين الْكفَّار فَقَالَ يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدى الْقَوْم الظَّالِمين ثمَّ ذكر حَال المستنصرين بهم فَإِن الْمُوَالَاة مُوجبهَا التعاون والتناصر
فَلَا يفرق بَين الْمُؤمنِينَ لأجل مَا يتَمَيَّز بِهِ بَعضهم عَن بعض مثل الْأَنْسَاب والبلدان والتحالف على الْمذَاهب والطرائق والمسالك والصداقات وَغير ذَلِك بل يعْطى كل من ذَلِك حَقه كَمَا أَمر الله وَرَسُوله وَلَا يجمع بَينهم وَبَين الْكفَّار الَّذين قطع الله الْمُوَالَاة بَينهم وَبَينه فَإِن دين الله هُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا
وَالله سُبْحَانَهُ أرسل رسله بِالْبَيِّنَاتِ وَأنزل مَعَهم الْكتاب وَالْمِيزَان ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ فَيحْتَاج الْمُؤمن إِلَى معرفَة الْعدْل وَهُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَإِلَى الْعَمَل بِهِ وَإِلَّا وَقع إِمَّا فِي جهل وَإِمَّا فِي ظلم
стр. 585
وَذَلِكَ إِنَّمَا وَقع من التبديل والعقود الْفَاسِدَة كَمَا ذكرنَا من لبس الْحق بِالْبَاطِلِ حَيْثُ صَارَت الْمُحرمَات من الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق والإشراك بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَالْقَوْل على الله بِغَيْر علم قد لبس بهَا من الْحق الْمَأْذُون فِيهِ مَا صَارَت بِسَبَبِهِ شَبيهَة للحق الْحسن وَإِن كَانَت مُشْتَمِلَة مَعَ ذَلِك على الْبَاطِل السَّيئ وَإِن صَار أَصْحَابهَا بَين عمل صَالح وَآخر سيئ فقوم يُنكرُونَ ذَلِك كُله لما علمُوا فِيهِ من الْمُنكر البغيض وأقوام يقرونَ ذَلِك كُله لما فِيهِ من المحبوب
وَهَذِه الْقَاعِدَة قد ذَكرنَاهَا غير مرّة وَهِي اجْتِمَاع الْحَسَنَات والسيئات وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي حق الشَّخْص الْوَاحِد كَمَا عَلَيْهِ أهل جمَاعَة الْمُسلمين من جَمِيع الطوائف إِلَّا من شَذَّ عَنْهُم من الْخَوَارِج والوعيدية من الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم وغالب المرجئة
فَإِن هَؤُلَاءِ لَيْسَ للشَّخْص عِنْدهم إِلَّا أَن يُثَاب أَو يُعَاقب مَحْمُود من كل وَجه أَو مَذْمُوم من كل وَجه وَقد بَينا فَسَاد هَذَا فِي غير هَذَا الْموضع بدلائل كَثِيرَة من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَذكرنَا أَيْضا الْكَلَام فِي الْفِعْل الْوَاحِد نوعا وشخصا
وَالْغَرَض هُنَا أَن هَؤُلَاءِ الَّذين لبسوا الْحق وَالْبَاطِل حصل فِي مقابلتهم من أعرض عَن الْحق وَالْبَاطِل جَمِيعًا فَصَارَ هَؤُلَاءِ مذمومين على فعل السَّيِّئَات
стр. 586
محمودين على فعل الْحَسَنَات وَأُولَئِكَ يذمون على ترك الْحَسَنَات الْوَاجِبَات ويمدحون على مَا قصدُوا تَركه لله من السَّيِّئَات
وَسبب ذَلِك أَن الْإِنْسَان فِيهِ ظلم وَجَهل فَإِذا غلب عَلَيْهِ رأى أَو خلق اسْتَعْملهُ فِي الْحق وَالْبَاطِل جَمِيعًا لم يحفظ حُدُود الله وَلِهَذَا يَأْمر الله بِحِفْظ حُدُوده
مِثَال ذَلِك أَن من النَّاس من يكون فِي خلقه سماحة ولين ومحبة فيسمح بمحبته وبتعظيمه ونفعه وَمَاله لِلْحسنِ الَّذِي يُحِبهُ الله وَيَأْمُر بِهِ كمحبة الله وَرَسُوله وأوليائه الْمُؤمنِينَ والإنفاق فِي سَبيله وَنَحْو ذَلِك ويسمح أَيْضا بمحبة الْفَوَاحِش والإنفاق فِيهَا فتجده يحب الْحق وَالْبَاطِل جَمِيعًا وَيصدق بهما ويعين عَلَيْهِمَا
وَمِنْهُم من يكون فِي خلقه قُوَّة فَيمْتَنع من فعل الْفَوَاحِش ويبغضها وَيمْتَنع مَعَ ذَلِك من محبَّة نفع النَّاس وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم والحلم عَن سيئاتهم فتجده يبغض الْحق وَالْبَاطِل جَمِيعًا ويكذب بهما وَلَا يعين على وَاحِد مِنْهُمَا بل رُبمَا صد عَنْهُمَا
وَذَلِكَ لِأَن النَّفس أَمارَة بالسوء والشيطان يزين للمرء سوء عمله فيراه حسنا وَهُوَ مُتبع هَواهَا وَمَا فِيهَا من الْعلم وَالْإِيمَان يَدعُوهُ إِلَى الْخَيْر حَتَّى تذْهب الْحَسَنَات بالسيئات وَإِنَّمَا يفعل من الْحَسَنَات مَا أَقبلت عَلَيْهِ إِرَادَته ومحبته دون مَا أبغضته
стр. 587
وَفِي الْإِنْسَان قوتان قُوَّة الْحبّ وَقُوَّة البغض وَإِنَّمَا خلق ذَلِك فِيهِ لَيُحِب الْحق الَّذِي يُحِبهُ الله وَيبغض الْبَاطِل الَّذِي يبغضه الله وَهَؤُلَاء هم الَّذين يُحِبهُمْ الله وَيُحِبُّونَهُ
وَالنَّفس تميل إِلَى الْإِشْرَاك بِحَسب الْإِمْكَان فَإِذا غلب على النُّفُوس قُوَّة الْمحبَّة لما يُنَاسِبهَا فأحبت الْحق فقد تنجذب بِسَبَب ذَلِك إِلَى محبَّة مَا يقارنه من الْبَاطِل
وَمن هُنَا مَال كثير من النساك إِلَى محبَّة الْأَصْوَات والصور وَغير ذَلِك بِسَبَب مَا فيهم من الْمحبَّة الَّتِي فِيهَا مَا هُوَ لله لَكِن لبسوا فِيهَا الْحق بِالْبَاطِلِ وَكَذَلِكَ قد يكون الشَّخْص بالمحبة يمِيل إِلَى شهوات الغي فِي بَطْنه وفرجه وإنفاق الْأَمْوَال فِيهَا ثمَّ إِنَّه بِسَبَب مَا فِيهِ من الْحبّ وَالدّين يحب الْحق وَأَهله ويعظمهم فتجد كثيرا من أهل الشَّهَوَات وَفِيهِمْ من الْمحبَّة لله وَرَسُوله مَا لَا يُوجد فِي كثير من النساك كَمَا قَالَ النَّبِي فِي خمار الَّذِي كَانَ يشرب الْخمر كثيرا لَا تلعنه فَإِنَّهُ يحب الله وَرَسُوله والْحَدِيث فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره
فصل
الْمَقْصُود الأول من كل عمل هُوَ التنعم واللذة
وَإِذا كَانَ كل عمل أَصله الْمحبَّة والإرادة وَالْمَقْصُود مِنْهُ التنعم بالمراد المحبوب فَكل حى إِنَّمَا يعْمل لما فِيهِ تنعمه ولذته فالتنعم هُوَ الْمَقْصُود الأول من كل قصد كَمَا أَن التعذب والتألم هُوَ الْمَكْرُوه أَولا وَهُوَ سَبَب كل بغض وكل
стр. 588
حَرَكَة امْتنَاع لَكِن وَقع الْجَهْل وَالظُّلم فِي بنى آدم فعمدوا إِلَى الدَّين الْفَاسِد وَالدُّنْيَا الْفَاجِرَة طلبُوا بهما النَّعيم وَفِي الْحَقِيقَة فَإِنَّمَا فيهمَا ضِدّه
وَبَيَان ذَلِك أَن الْأَعْمَال الَّتِي يعملها جَمِيع بني آدم إِمَّا أَن يتخذونها دينا أَو لَا يتخذونها دينا وَالَّذين يتخذونها دينا إِمَّا أَن يكون الدَّين بهَا دين حق أَو دين بَاطِل فَنَقُول النَّعيم التَّام هُوَ فِي الدَّين الْحق
النَّعيم التَّام هُوَ فِي الدَّين الْحق
فَأهل الدَّين الْحق هم الَّذين لَهُم النَّعيم الْكَامِل كَمَا أخبر الله بذلك فِي كِتَابه فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين
وَقَوله عَن الْمُتَّقِينَ المهتدين أُولَئِكَ على هدى من رَبهم وَأُولَئِكَ هم المفلحون
وَقَوله تَعَالَى فَأَما يَأْتينكُمْ منى هدى فَمن اتبع هداى فَلَا يضل وَلَا يشقى وَمن أعرض عَن ذكرى فَإِن لَهُ معيشة ضنكا ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمي قَالَ رب لم حشرتنى أعمى وَقد كنت بَصيرًا قَالَ كَذَلِك أتتك آيَاتنَا فنسيتها وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى
وَقَوله تَعَالَى فَمن تبع هداى فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ
стр. 589
وَقَوله تَعَالَى إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم
ووعد أهل الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح بالنعيم التَّام فِي الدَّار الْآخِرَة ووعد الْكفَّار بِالْعَذَابِ التَّام فِي الدَّار الْآخِرَة أعظم من أَن يذكر هُنَا وَهَذَا مِمَّا لم يُنَازع فِيهِ أحد من أهل الْإِسْلَام
من الْخَطَأ الظَّن بِأَن نعيم الدُّنْيَا لَا يكون إِلَّا لأهل الْكفْر والفجور
وَلَكِن تذكر هُنَا نُكْتَة نافعة وَهُوَ أَن الْإِنْسَان قد يسمع وَيرى مَا يُصِيب كثيرا من أهل الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فِي الدُّنْيَا من المصائب وَمَا يُصِيب كثيرا من الْكفَّار والفجار فِي الدُّنْيَا من الرياسة وَالْمَال وَغير ذَلِك فيعتقد أَن النَّعيم فِي الدُّنْيَا لَا يكون إِلَّا لأهل الْكفْر والفجور وَأَن الْمُؤمنِينَ لَيْسَ لَهُم فِي الدُّنْيَا مَا يتنعمون بِهِ إِلَّا قَلِيلا وَكَذَلِكَ قد يعْتَقد أَن الْعِزَّة والنصرة قد تَسْتَقِر للْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ على الْمُؤمنِينَ وَإِذا سمع مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن من أَن الْعِزَّة لله وَرَسُوله وَلِلْمُؤْمنِينَ وَأَن الْعَاقِبَة للتقوى وَقَول الله تَعَالَى وَإِن جندنا لَهُم الغالبون وَهُوَ مِمَّن يصدق بِالْقُرْآنِ حمل هَذِه الْآيَات على الدَّار الْآخِرَة فَقَط وَقَالَ أما الدُّنْيَا فَمَا نري بأعيننا إِلَّا أَن الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ فِيهَا يظهرون ويغلبون الْمُؤمنِينَ وَلَهُم الْعِزَّة والنصرة وَالْقُرْآن لَا يرد بِخِلَاف المحسوس ويعتمد على هَذَا فِيمَا إِذا أديل أديل عَلَيْهِ عَدو من جنس الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ أَو الظَّالِمين وَهُوَ عِنْد نَفسه من أهل الْإِيمَان وَالتَّقوى فَيرى أَن صَاحب الْبَاطِل قد علا
стр. 590
على صَاحب الْحق فَيَقُول أَنا على الْحق وَأَنا مغلوب وَإِذا ذكره إِنْسَان بِمَا وعده الله من حسن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين قَالَ هَذَا فِي الْآخِرَة فَقَط وَإِذا قيل لَهُ كَيفَ يفعل الله بأوليائه مثل هَذِه الْأُمُور قَالَ يفعل مَا يَشَاء وَرُبمَا قَالَ بِقَلْبِه أَو لِسَانه أَو كَانَ حَاله يقتضى أَن هَذَا نوع من الظُّلم وَرُبمَا ذكر قَول بَعضهم مَا على الْخلق أضرّ من الْخَالِق لَكِن يَقُول يفعل الله مَا يَشَاء وَإِذا ذكر برحمة الله وحكمته لم يقل إِلَّا أَنه يفعل مَا يَشَاء فَلَا يَعْتَقِدُونَ أَن صَاحب الْحق وَالتَّقوى مَنْصُور مؤيد بل يَعْتَقِدُونَ أَن الله يفعل مَا يَشَاء
وَهَذِه الْأَقْوَال مَبْنِيَّة على مقدمتين إِحْدَاهمَا حسن ظَنّه بدين نَفسه نوعا أَو شخصا واعتقاد أَنه قَائِم بِمَا يجب عَلَيْهِ وتارك مَا نهي عَنهُ فِي الدَّين الْحق واعتقاده فِي خَصمه وَنَظِيره خلاف ذَلِك أَن دينه بَاطِل نوعا أَو شخصا لِأَنَّهُ ترك الْمَأْمُور وَفعل الْمَحْظُور
والمقدمة الثَّانِيَة أَن الله قد لَا يُؤَيّد صَاحب الدَّين الْحق وينصره وَقد لَا يَجْعَل لَهُ الْعَاقِبَة فِي الدُّنْيَا فَلَا ينبغى الاغترار بِهَذَا
الْمُؤمن يطْلب نعيم الدُّنْيَا وَالنَّعِيم التَّام فِي الْآخِرَة
стр. 591
وَمن الْمَعْلُوم أَن العَبْد وَإِن أقرّ بِالآخِرَة فَهُوَ يطْلب حسن عَاقِبَة الدُّنْيَا فقد يطْلب مَا لَا بُد مِنْهُ من دفع الضَّرَر وجلب الْمَنْفَعَة وَقد يطْلب من زِيَادَة النَّفْع وَدفع الضَّرَر مَا يظنّ أَنه مُبَاح فَإِذا اعْتقد أَن الدَّين الْحق قد يُنَافِي ذَلِك لزم من ذَلِك إِعْرَاض الْقلب عَن الرَّغْبَة فِي كَمَال الدَّين الْحق وَفِي حَال السَّابِقين والمقربين بل قد يعرض عَن حَال الْمُقْتَصِدِينَ أَصْحَاب الْيَمين فَيدْخل مَعَ الظَّالِمين بل قد يكفر وَيصير من الْمُرْتَدين الْمُنَافِقين أَو المعلنين بالْكفْر وَإِن لم يكن هَذَا فِي أصل الدَّين كَانَ فِي كثير من أُصُوله وفروعه كَمَا قَالَ النبى يصبح الرجل مُؤمنا ويمسى كَافِرًا أَو يمسى مُؤمنا وَيُصْبِح كَافِرًا يَبِيع دينه بِعرْض من الدُّنْيَا وَذَلِكَ إِذا اعْتقد أَن الدَّين لَا يحصل إِلَّا بِفساد دُنْيَاهُ وَلذَلِك فَإِنَّهُ يفرح بِحُصُول الضَّرَر لَهُ ويرجو ثَوَاب ضيَاع مَا لَا بُد لَهُ من الْمَنْفَعَة
وَهَذِه الْفِتْنَة الَّتِى صدت أَكثر بنى آدم عَن تَحْقِيق الدَّين وَأَصلهَا الْجَهْل بِحَقِيقَة الدَّين وبحقيقة النَّعيم الَّذِي هُوَ مَطْلُوب النُّفُوس فِي كل وَقت إِذْ قد ذكرنَا أَن كل عمل فَلَا بُد فِيهِ من إِرَادَة بِهِ لطلب مَا ينعم فهناك عمل يطْلب بِهِ النَّعيم وَلَا بُد أَن يكون الْمَرْء عَارِفًا بِالْعَمَلِ الذى يعمله وبالنعيم الَّذِي يَطْلُبهُ
стр. 592
ثمَّ إِذا علم هذَيْن الْأَصْلَيْنِ فلابد أَن تكون فِيهِ إِرَادَة جازمة على الْعَمَل بذلك وَإِلَّا فالعلم بالمطلوب وبطريقه لَا يحصلان الْمَقْصُود إِلَّا مَعَ الْإِرَادَة الجازمة والارادةالجازمة لَا تكون إِلَّا مَعَ الصَّبْر وَلِهَذَا قَالَ وَالْعصر إِن الْإِنْسَان لفى خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ وَقَالَ تَعَالَى وَجَعَلنَا مِنْهُم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يوقنون
فاليقين هُوَ الْعلم الثَّابِت المستقر وَالصَّبْر لابد مِنْهُ لتحقيق الْإِرَادَة الجازمة
والمقدمتان اللَّتَان الَّتِي بنيت عَلَيْهِمَا هَذِه البلية مبناهما على الْجَهْل بِأَمْر الله وَنَهْيه وبوعده ووعيده فَإِن صَاحبهمَا إِذا اعْتقد أَنه قَائِم بِالدّينِ الْحق فقد اعْتقد أَنه فَاعل للْمَأْمُور تَارِك للمحظور وَهُوَ على الْعَكْس من ذَلِك وَهَذَا يكون من جَهله بِالدّينِ الْحق
من الْخَطَأ الِاعْتِقَاد أَن الله ينصر الْكفَّار فِي الدُّنْيَا وَلَا ينصر الْمُؤمنِينَ
وَإِذا اعْتقد أَن صَاحب الْحق لَا ينصره الله فِي الدُّنْيَا بل قد تكون الْعَاقِبَة فِي الدُّنْيَا للْكفَّار على الْمُؤمنِينَ وَلأَهل الْفُجُور على أهل الْبر فَهَذَا من جَهله بوعد الله تَعَالَى
стр. 593
أما الأول فَمَا أَكثر من يتْرك وَاجِبَات لَا يعلم بهَا وَلَا بِوُجُوبِهَا وَمَا أَكثر من يفعل مُحرمَات لَا يعلم بتحريمها بل مَا أَكثر من يعبد الله بِمَا حرم وَيتْرك مَا أوجب وَمَا أَكثر من يعْتَقد أَنه هُوَ الْمَظْلُوم المحق من كل وَجه وَأَنه خَصمه هُوَ الظَّالِم الْمُبْطل من كل وَجه وَلَا يكون الْأَمر كَذَلِك بل يكون مَعَه نوع من الْبَاطِل وَالظُّلم وَمَعَ خَصمه نوع من الْحق وَالْعدْل
وحبك الشَّيْء يعمي ويصم وَالْإِنْسَان مجبول على محبَّة نَفسه فَهُوَ لَا يرى إِلَّا محاسنها ومبغض لخصمه فَلَا يرى إِلَّا مساوئه وَهَذَا الْجَهْل غالبه مقرون بالهوى وَالظُّلم فَإِن الْإِنْسَان ظلوم جهول
وَأكْثر ديانات الْخلق إِنَّمَا هِيَ عادات أخذوها عَن آبَائِهِم وأسلافهم وتقليدهم فِي التَّصْدِيق والتكذيب وَالْحب والبغض والموالاة والمعاداة
كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا وجدنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أولو كَانَ الشَّيْطَان يَدعُوهُم إِلَى عَذَاب السعير وَقَالَ تَعَالَى يَوْم تقلب وُجُوههم فِي النَّار يَقُولُونَ يَا ليتنا أَطعْنَا الله وأطعنا الرسولا وَقَالُوا رَبنَا إِنَّا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا
وَقَالَ تَعَالَى وَمَا تفَرقُوا إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك إِلَى أجل مُسَمّى لقضى بَينهم وَإِن الَّذين أورثوا الْكتاب من بعدهمْ لفى شكّ مِنْهُ مريب
وَأما الثَّانِي فَمَا أَكثر من يظنّ أَن أهل الدَّين الْحق فِي الدُّنْيَا يكونُونَ أذلاء معذبين بِمَا فِيهِ بِخِلَاف من فارقهم إِلَى طَاعَة أخري وسبيل آخر ويكذب بوعد الله بنصرهم
стр. 594
وَالله سُبْحَانَهُ قد بَين بكتابه كلا المقدمتين فَقَالَ تَعَالَى إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد
وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه وَلَقَد سبقت كلمتنا لعبادنا الْمُرْسلين إِنَّهُم لَهُم المنصورون وَإِن جندنا لَهُم الغالبون
وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه إِن الَّذين يحادون الله وَرَسُوله كبتوا كَمَا كبت الَّذين من قبلهم
وَقَالَ تَعَالَى إِن الَّذين يحادون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ فِي الأذلين كتب الله لأغلبن أَنا ورسلى إِن الله قوى عَزِيز
وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله هم الغالبون
وذم من يطْلب النُّصْرَة بولاء غير هَؤُلَاءِ فَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود والنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين فتري الَّذين فِي قُلُوبهم مرض يُسَارِعُونَ فيهم يَقُولُونَ نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح أَو أَمر من عِنْده فيصبحوا على مَا أَسرُّوا فِي أنفسهم نادمين وَيَقُول الَّذين آمنُوا أهولاء الَّذين أَقْسمُوا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم إِنَّهُم لمعكم حبطت أَعْمَالهم فَأَصْبحُوا خاسرين
وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه بشر الْمُنَافِقين بِأَن لَهُم عذَابا أَلِيمًا الَّذين يتخذون الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ أيبتغون عِنْدهم الْعِزَّة فَإِن الْعِزَّة لله جَمِيعًا
стр. 595
وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يعلمُونَ
وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه من كَانَ يُرِيد الْعِزَّة فَللَّه الْعِزَّة جَمِيعًا إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ وَالَّذين يمكرون السَّيِّئَات لَهُم عَذَاب شَدِيد ومكر أُولَئِكَ هُوَ يبور
وَقَالَ فِي كِتَابه هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدَّين كُله وَكفى بِاللَّه شَهِيدا
وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم من عَذَاب أَلِيم تؤمنون بِاللَّه وَرَسُوله وتجاهدون فِي سَبِيل الله بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ يغْفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنَّات تجرى من تحتهَا الْأَنْهَار ومساكن طيبَة فِي جنَّات عدن ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم وأخري تحبونها نصر من الله وَفتح قريب وَبشر الْمُؤمنِينَ يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا أنصار الله كَمَا قَالَ عيسي ابْن مَرْيَم للحواريين من أنصارى إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحن أنصار الله فآمنت طَائِفَة من بنى إِسْرَائِيل وكفرت طَائِفَة فأيدنا الَّذين آمنُوا على عدوهم فَأَصْبحُوا ظَاهِرين
وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ ومطهرك من الَّذين كفرُوا وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
стр. 596
وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه وَلَو قاتلكم الَّذين كفرُوا لولوا الأدبار ثمَّ لَا يَجدونَ وليا وَلَا نَصِيرًا سنة الله الَّتِي قد خلت من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا
وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر إِلَى قَوْله تَعَالَى ذَلِك بِأَنَّهُم شاقوا الله وَرَسُوله وَمن يشاق الله فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب
وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين
وَقَالَ تَعَالَى لما قصّ قصَّة نوح وهى نصْرَة على قومه فِي الدُّنْيَا فَقَالَ تَعَالَى تِلْكَ من أنباء الْغَيْب نوحيها إِلَيْك مَا كنت تعلمهَا أَنْت وَلَا قَوْمك من قبل هَذَا فاصبر إِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين
وَقَالَ تَعَالَى وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ واصطبر عَلَيْهَا لَا نَسْأَلك رزقا نَحن نرزقك وَالْعَاقبَة للتقوى
وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا إِلَى قَوْله وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا إِن الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط
وَقَالَ تَعَالَى إِن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين
وَقَالَ يُوسُف وَقد نَصره الله فِي الدُّنْيَا لما دخل عَلَيْهِ إخْوَته قَالُوا أئنك لأَنْت يُوسُف قَالَ أَنا يُوسُف وَهَذَا أخى قد من الله علينا إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ
стр. 597
وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تتقوا الله يَجْعَل لكم فرقانا وَيكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَيغْفر لكم وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم
وَقَالَ تَعَالَى وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه إِن الله بَالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا
وَقد رُوِيَ عَن أَبى ذَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ
لَو عمل النَّاس كلهم بِهَذِهِ الْآيَة لوسعتهم
رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَغَيره
وَأخْبر أَن مَا يحصل لَهُ من مُصِيبَة انتصار الْعَدو وَغَيرهَا إِنَّمَا هُوَ بِذُنُوبِهِمْ فَقَالَ تَعَالَى فِي يَوْم أحد أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة قد أصبْتُم مثليها قُلْتُمْ أَنى هَذَا قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم
وَقَالَ تَعَالَى إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان بِبَعْض مَا كسبوا وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم
وَقَالَ تَعَالَى وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم ويعفوا عَن كثير
стр. 598
وَقَالَ تَعَالَى مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك
وَقَالَ تَعَالَى وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم
وَقَالَ تَعَالَى أَو يوبقهن بِمَا كسبوا
وذم فِي كِتَابه من لَا يَثِق بوعده لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ وَذكر مَا يُصِيب الرُّسُل وَالْمُؤمنِينَ فَقَالَ تَعَالَى إِذْ جاؤوكم من فَوْقكُم وَمن أَسْفَل مِنْكُم وَإِذ زاغت الْأَبْصَار وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر وتظنون بِاللَّه الظنونا هُنَالك ابتلى الْمُؤْمِنُونَ وزلزلوا زلزالا شَدِيدا وَإِذ يَقُول المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض مَا وعدنا الله وَرَسُوله إِلَّا غرُورًا واذ قَالَت طَائِفَة مِنْهُم يَا أهل يثرب لَا مقَام لكم فَارْجِعُوا ويستأذن فريق مِنْهُم النَّبِي يَقُولُونَ إِن بُيُوتنَا عَورَة وَمَا هِيَ بعوره إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا وَلَو دخلت عَلَيْهِم من أقطارها ثمَّ سئلوا الْفِتْنَة لآتوها وَمَا تلبثوا بهَا إِلَّا يَسِيرا
وَقَالَ تَعَالَى أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يأتكم مثل الَّذين خلوا من قبلكُمْ مستهم البأساء وَالضَّرَّاء وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه مَتى نصر الله أَلا إِن نصر الله قريب
وَقَالَ تَعَالَى وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحى إِلَيْهِم من أهل الْقرى أفلم يَسِيرُوا فى الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم ولدار الْآخِرَة خير للَّذين يَتَّقُونَ أَفلا تعقلون حَتَّى إِذا استيئس الرُّسُل وظنوا أَنهم قد كذبُوا جَاءَهُم نصرنَا فنجى من نشَاء وَلَا يرد بأسنا عَن الْقَوْم
стр. 599
الْمُجْرمين لقد كَانَ فى قصصهم عِبْرَة لأولى الْأَلْبَاب مَا كَانَ حَدِيثا يفترى وَلَكِن تَصْدِيق الذى بَين يَدَيْهِ وتفصيل كل شئ وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ
وَلِهَذَا أَمر الله رَسُوله وَالْمُؤمنِينَ بِاتِّبَاع مَا أنزل إِلَيْهِم وَهُوَ طَاعَته وَهُوَ الْمُقدمَة الأولى وَأمرهمْ بانتظار وعده وهى الْمُقدمَة الثَّانِيَة وأمرنا بالاستغفار وَالصَّبْر لأَنهم لابد أَن يحصل لَهُم تَقْصِير وذنوب فيزيله الاسْتِغْفَار ولابد مَعَ انْتِظَار الْوَعْد من الصَّبْر فبالاستغفار تتمّ الطَّاعَة وبالصبر يتم الْيَقِين بالوعد إِن كَانَ هَذَا كُله يدْخل فى مُسَمّى الطَّاعَة وَالْإِيمَان
قَالَ تَعَالَى وَاتبع مَا يُوحى إِلَيْك واصبر حَتَّى يحكم الله وَهُوَ خير الْحَاكِمين
وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد كذبت رسل من قبلك فصبروا على مَا كذبُوا وأوذوا حَتَّى أَتَاهُم نصرنَا وَلَا مبدل لكلمات الله وَلَقَد جَاءَك من نبأ الْمُرْسلين
وَقَالَ تَعَالَى فاصبر إِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين
وَأمرهمْ أَيْضا بِالصبرِ إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة بِذُنُوبِهِمْ مثل ظُهُور الْعَدو وكما قَالَ تَعَالَى فى قصَّة أحد وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين إِن يمسسكم قرح فقد مس الْقَوْم قرح مثله وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس وليعلم الله الَّذين آمنُوا ويتخذ مِنْكُم شُهَدَاء وَالله لَا يحب
стр. 600
الظَّالِمين وليمحص الله الَّذين آمنُوا ويمحق الْكَافرين
وَأَيْضًا فقد قصّ سُبْحَانَهُ فى كِتَابه نَصره لرسله ولعباده الْمُؤمنِينَ على الْكفَّار فى قصَّة نوح وَهود وَصَالح وَشُعَيْب وَلُوط وَفرْعَوْن وَغير ذَلِك وَقَالَ تَعَالَى لقد كَانَ فى قصصهم عِبْرَة لأولى الْأَلْبَاب وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد أنزلنَا إِلَيْكُم آيَات مبينات ومثلا من الَّذين خلوا من قبلكُمْ
مَا سبق يتَبَيَّن بأصلين: الأَصْل الأول: حُصُول النَّصْر وَغَيره من أنوع النَّعيم لَا يُنَافِي وُقُوع الْقَتْل أَو الْأَذَى
وَهَذَا يتَبَيَّن بأصلين أَحدهمَا أَن حُصُول النَّصْر وَغَيره من أَنْوَاع النَّعيم لطائفة أَو شخص لَا يُنَافِي مَا يَقع فِي خلال ذَلِك من قتل بَعضهم وجرحه وَمن أَنْوَاع الْأَذَى وَذَلِكَ أَن الْخلق كلهم يموتون فَلَيْسَ فِي قتل الشُّهَدَاء مُصِيبَة زَائِدَة على مَا هُوَ مُعْتَاد لبنى آدم فَمن عد الْقَتْل فِي سَبِيل الله مُصِيبَة مُخْتَصَّة بِالْجِهَادِ كَانَ من أَجْهَل النَّاس بل الْفِتَن الَّتِي تكون بَين الْكفَّار وَتَكون بَين الْمُخْتَلِفين من أهل القبله لَيْسَ مِمَّا يخْتَص بِالْقِتَالِ فَإِن الْمَوْت يعرض لبني آدم بِأَسْبَاب عَامَّة وَهِي المصائب الَّتِي تعرض لبني آدم من مرض بطاعون وَغَيره وَمن جوع وَغَيره وبأسباب خَاصَّة فَالَّذِينَ يعتادون الْقِتَال لَا يصيبهم أَكثر مِمَّا يُصِيب من لَا يُقَاتل بل الْأَمر بِالْعَكْسِ كَمَا قد جربه النَّاس
ثمَّ موت الشَّهِيد من أيسر الميتات وَلِهَذَا قَالَ قل لن ينفعكم الْفِرَار إِن فررتم من الْمَوْت أَو الْقَتْل وَإِذا لَا تمتعون إِلَّا قَلِيلا قل من ذَا الَّذِي يعصمكم من الله إِن أَرَادَ بكم سوءا أَو أَرَادَ بكم رَحْمَة وَلَا يَجدونَ لَهُم من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا
следующие страницы →