Полный текст (435 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
هذا - وإذا توهَّمَ متوهِّمٌ، أَنَّا نحتاجُ إلى أن نَطْلبَ اللفظَ، وأنَّ مِن شأْن الطلبِ، أن يكون هناك، فإنَّ الذي يتَوَّهم أنَّهُ يَحتاج إلى طَلَبه، هو ترتيبُ الألفاظ في النطق لا مَحالة؛ وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أن نَرْجِع إلى نفوسنا فنَنْظر: هل يُتَصوَّر أن نُرتِّب مَعاني أسماءٍ وأفعالٍ وحروفٍ في النفس، ثم يَخْفى علينا مواقِعُها في النطق، حتى يُحْتاجَ في ذلك إلى فكْرٍ وروية؟ وذلك ما لا يَشكُّ فيه عاقلٌ إِذا هو رَجَعَ إِلى نفسه.
وإِذا بطَلَ أن يكون ترتيب اللفظ مطلوباً بحالٍ، ولم يكن المطلوبُ أبداً إلا ترتيبُ المعاني، وكان معوَّلُ هذا المخالف على ذلك، فقد اضمحلَّ كلامُه، وبانَ أنه ليس لِمنْ حام في حديثِ المزيةِ والإعجازِ حَوْل اللفظِ، ورامَ أنْ يجعلَه السببَ، في هذه الفضيلةِ، إِلا التسكُّعُ في الحيرة، والخروجُ عن فاسدٍ من القول إلى مثله، واللهُ الموفِّق للصواب.
فإنْ قيل: إذا كان اللفظُ بمَعْزِلٍ عن المزية التي تنازَعْنا فيها، وكان مقصورةً على المعنى، فكيف كانت الفصاحةُ من صفاتِ اللفظِ البتَّةَ؟ وكيف امْتَنَع أن يَوصفَ بها المعنى، فيقالُ: معنًى فَصِيحٌ وكلامٌ فصيحُ المعنى؟ قيل: إنما اختُصَّت الفصاحةُ باللفظِ، وكانت مِنْ صِفته من حيث كانت عبارةً عن كونِ اللفظِ على وَصْفٍ، إذا كان عليه، دلَّ على المزية التي نحن في حديثها! وإِذا كانت لِكَوْن اللفظ دالآ، استحال أنْ يُوصفَ بها المعنى، كما يَسْتحيلُ أن يوصَف المعنى بأنه دالٌّ مَثلاً، فاعرِفْ.
стр. 107
فإنْ قيل: فماذا دَعا القدماءَ إلى أن قَسَموا الفضيلةَ بين المعنى واللفظِ فقالوا: معنى لطيفٌ ولفظ شريفٌ وفَخَّموا شأنَ اللفظ وعظَّموه، حتى تَبِعَهم في ذلك مَن بَعْدَهم، وحتى قال أهلُ النظر: إنَّ المعاني لا تَتزايد، وإِنما تتزايدُ الألفاظُ، فأَطلقوا كما ترى، كلاماً يُوهِمُ كلَّ مَنْ يَسمعهُ أنَّ المزيَّةَ في حاق اللفظ؟ قيلَ له: لمَّا كان المعاني إنما تَتبيَّنُ بالألفاظِ، وكان لا سبيلَ للمرتِّب لها، والجامعِ شَمْلَها، إلى أن يُعْلمكَ ما صنَعَ في ترتيبها بفِكْره، إلا بترتيب الألفاظِ في نُطْقه، تجوَّزوا فكنُّوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالأَلفاظ بحذْفِ الترتيب، ثم أَتْبَعوا ذلك من الوصفِ والنعْت ما أبانَ الغرضَ، وكشفَ عن المراد، كقولهم: "لفظٌ متمكّن"، يُريدون أنه بموافقة معناهُ لمعنى ما يليهِ، كالشيء الحاصلِ في مكانٍ صالح يطمئنُّ فيه، "ولفظٌ قلِقٌ نابٍ"، يُريدون أنه مِنْ أجْل أنَّ معناهُ غيرُ موافقٍ لِما يَليه، كالحاصل في مكانٍ لا يَصْلُح له، فهو لا يستطيعُ الطمأنينةَ فيه - إلى سائر ما يَجيء صفةً في صفة اللفظ، مما يُعْلَم أنه مستعارٌ له مِنْ معناه، وأنهم نَحَلوه إياه بسبب مضمونهِ ومؤدَّاه، هذا - ومَنْ تَعلَّق بهذا وَشَبهِه، واعترضَهُ الشكُّ فيه بعد الذي مضَى من الحِجَج، فهو رجلٌ قد أَنِسَ بالتقليد، فهو يَدْعو الشبهةَ إلى نفسه مِنْ هاهنا وثَمَّ؛ ومَنْ كان هذا سبيلَه، فليس له دواءٌ سوى السكوتِ عنه، وتَرْكِهِ وما يَختارُه لنفسه من سوء النظر وقِلَّةِ التدبُّرْ.
قد فرَغْنا الآن من الكلام على جنسِ المزية، وأنها من حيِّز المعاني دون الألفاظ، وأنها ليستْ لك حيثُ تَسْمعُ بأُذَنك، بل حيث تَنْظرُ بقلبك، وتَستعينُ بفكرك، وتُعْمل رَوِيَّتَك وتَراجع عقْلَك، وتَسْتنجِدُ في الجملة فَهْمَك، وبلغَ القولُ في ذلك أقصاه، وانتهى إلى مَدَاه.
стр. 108
وينبغي أن نأخذَ الآنَ في تفصيل أمرِ المزية، وبيانِ الجهات التي منها تَعْرِض؛ وإنَّه لَمَرامٌ صعْبٌ ومطْلَبٌ عسير؛ ولولا أَنه على ذلك، لما وجَدْت الناسَ بين مُنْكِرٍ له من أَصْله، ومُتخيِّلٍ له على غيرِ وَجْههِ، ومعتقِدٍ أَنه بابٌ لا تَقْوى عليه دَونَه مغْلقٌ، وأنَّ معانيَك فيه، مَعانٍ تَأبى أن تَبْرُز مِن الضمير، وأنْ تَدِينَ للتبيينِ والتصوير، وأن تُرى سافرةً لا نِقابَ عليها، وناديةً لا حِجابَ دونها، وأن ليس للواصِفِ لها، إلاَّ أن يُلَوِّح ويُشيرَ، أَوْ يَضربَ مثَلاً يُنْبئُ عن حُسْنٍ قد عرَفَه على الجملة، وفضيلةٍ قد أَحسَّها من غير أن يُتْبعَ ذلك بياناً، ويُقيمَ عليه برهاناً، ويَذكُرَ له علةً، ويُورِدَ فيه حَجَّة، وأنا أُنْزِلُ لك القولَ في ذلك وأُدرِّجه شيئاً فشيئاً، واستعينُ بالله تعالى عليه، وأَسألُه التوفيقَ.
стр. 109
فصل: الكناية والاستعارة والتمثيل بالاستعارة
اعْلَم أنَّ لهذا الضرْبِ اتِّساعاً وتفنناً، لا إلى غاية إلاَّ أنَّه على اتِّساعه يَدورُ في الأَمْر الأعمِّ عَلى شيئين: الكناية والمجاز.
والمرادُ بالكناية هاهنا: أن يُريد المتكلمُ إثباتَ معنًى من المعاني، فلا يذكُرُه باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكنْ يَجيءُ إلى معنى هو تاليه ورِدْفُه في الوجود، فيومئ به إليه، ويجَعلُه دلياً عليه؛ مثال ذلك قولهم: "هو طويل النجاد"، يريدونَ: طويلَ القامة. "وكثيرُ رمادِ القِدْر"، يَعْنون: كثيرَ القِرى، وفي المرأة: "نَؤومُ الضحى"، والمرادُ أنها مُتْرفةٌ مخَدْومة، لها مَنْ يكفيها أمْرَها، فقد أرادوا في هذا كله كما ترى، معنًى، ثمَّ لم يَذْكُروه بلفظه الخاصِّ به، ولكنهم تَوصَّلوا إِليه بِذِكْر معنًى آخر، مِنْ شأنِه أن يَرْدُفَه في الوجود، وأنْ يكونَ، إذا كان. أَفلا تَرى أنَّ القامةَ إذا طالتْ، طالَ النجادُ؟ وإذا كثُرَ القِرى، كثُرَ رَمادُ القِدْر؟ وإذا كانت المرأةُ مُتْرفةً، لها مَنْ يَكفيها أَمْرَها، رَدِف ذلك أَنْ تنام إلى الضحى؟
وأمَّا الَمجاز، فقد عوَّل الناسُ في حدِّه على حديث النَّقْل، وأنَّ كلَّ لفظٍ نُقِلَ عن موضوعه فهو مَجاز. والكلامُ في ذلك يَطولُ. وقد ذكرتُ ما هو الصحيحُ من ذلك في موضعٍ آخر.
وأنَا أَقْتصرُ هاهنا، على ذِكْر ما هو أشهرُ منه وأظهَرُ، والاسمُ والشهرةُ فيه لشيئين: الاستعارةُ والتمثيلُ، وإنما يكونُ التمثيلُ مَجازاً إذا جاء على حَدِّ الاستعارة.
فالاستعارة: أن تُريدَ تشبيهَ الشيءِ بالشيء، فَتَدعَ أنْ تُفْصحَ بالتشبيهِ وتُظْهرَه، وتجيءَ إلى اسم المشبَّه بهِ، فتعُيِرَه المِشبَّةَ، وتُجْرِيَه عليه. تريد أن تَقول: رأيتُ رجلاً هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه سواء، فتَدَعُ ذلك، وتقول: (رأيتُ أسداً) وضَرْبٌ آخرُ من الاستعارة، وهو ما كان نحو قوله [من الكامل]:
إذْ أَصْبَحتْ بيد الشَّمال زِمامُها
هذا الضربُ وإِن كان الناس يَضمُّونه إِلى الأَوَّل، حيث يذكرون الاستعارة، فليسا سَواءً؛ وذاك أنكَ في الأول، تجعلُ الشيءَ، الشيءَ ليس به، وفي الثاني تجعل للشيء، الشيءَ له. تفسيرُ هذا أنك إذا قلت: (رأيتُ أسداً)، فقد ادَّعيت في إنسانٍ أنه أسدٌ وجعْلته إياه، ولا يكون الإِنسان أَسَداً.
وإذا قلتَ:
إذ أصبحَتْ بيد الشمال زمامها
فقد ادَّعيْتَ أن لِلشَّمال يداً؛ ومَعْلومٌ أنه لا يكون للريحِ يَدٌ.
وهاهنا أَصْلٌ يجبُ ضَبْطُه، وهو أَنَّ جعلَ المشبَّهة، المشبَّهَ به على ضرِبين: أَحدُهما أنْ تُنْزِلَه مَنزلةَ الشيءِ تَذكُرُه بأَمرٍ قد ثبتَ له، فأنتَ لا تحتاج إلى أَنْ تَعْمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تُسْقِط ذكرَ المشبَّه من الشيئين، ولا تَذْكُرُه بوجهٍ من الوجوه. كقولك: رأيتُ أسداً.
стр. 110
والثاني أن تَجعلَ ذلكَ كالأمرِ الذي يَحتاجُ إلى أن تَعْمل في إثباته وتزجيته. وذلك حيث تُجْري اسْمَ المشبَّهِ به صراحةً على المشبَّه، فتقول: (زيدٌ أسَدٌ وزيدٌ هو الأسدُ)؛ أو تجيءُ به على وجهٍ يَرجعُ إلى هذا، كقولك: (إنْ لقيتَه لقيتَ به أسداً، وإنْ لقيتَه لَيَلْقيَنَّكَ منهُ الأسدُ)؛ فأنتَ في هذا كلِّه، تَعملُ في إثبات كونهِ أَسداً أو الأَسَدَ، وتَضعُ كلامَك له. وأمَّا في الأول، فتُخرِجُه مَخرجَ ما لا يَحْتاجُ فيه إلى إثبات وتقرير. والقياسُ يقتضي أنْ يُقال في هذا الضرب، أَعْني ما أنتَ تَعْملُ في إِثباتِه وتَزْجِيتهِ، أنَّه تَشبيهٌ على حد المبالغة؛ ويقتصرُ على هذا القدرِ ولا يُسمَّى استعارة.
وأمَّا التمثيل الذي يكون مجازاً، لمجيئك به على حَدِّ الاستعارة، فمِثالُه قولُك للرجل، يَتردَّدُ في الشيء بين فِعْله وتَرْكهِ: أَراكَ تقدِّمُ رِجْلاً وتُؤخِّر أُخرى؛ فالأصْل في هذا: أَراكَ في تَردُّدِك، كَمَنْ يُقَدِّمُ رجْلاً ويؤخِّر أخرى؛ ثم اخْتُصِرَ الكلام، وجُعِل كأنه يُقدِّم الرِّجْلَ ويُؤخِّرها على الحقيقة، كما كان الأصْلُ في قولك: رأيتُ أَسَداً: "رأَيتُ رجلاً كالأسد"، ثم جُعِل كأنه الأَسَدُ على الحقيقة. وكذلك تقولُ للرجل: يَعْمَل غيرَ مَعْمَل: أَراك تَنفُخُ في غير فحمٍ، وتَخُطُّ على الماء، فَتجْعلُه في ظاهر الأمر، كأنه يَنفخُ ويَخطُّ؛ والمعنىعلى أنك في فِعْلِك كمن يَفْعل ذلك. وتقولُ للرجل يُعمِلُ الحيلةَ حتى يُميلَ صاحبَه إلى الشيء، وقد كان يأباه ويَمْتنعُ منه: (ما زال يَفْتِل في الذِّروة والغارب، حتى بَلغَ منه ما أَراد) فتَجْعلُه بظاهر اللفظ، كأنه كان منه فَتْلٌ في ذِرْوَةٍ وغاربٍ، والمعنى على أنه لم يَزَلْ يَرْفِقُ بصاحبهِ رِفْقاً يُشبهُ حالُه فيه حالَ الرجل يَجيء إلى البعير الصَّعْب فيَحكُّه ويفتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يَسْكنَ ويَسْتأنسَ. وهو في المعنى، نَظيرُ قولهم: (فلان يُقَرِّدُ فلاناً). يَعني به: أنه يتلطَّف له، فعلَ الرجل يَنْزَعُ القراد من البعير لِيَلَذَّ ذلك، فيَسْكُن ويَثْبتُ في مكانه، حتى يتمكن من أَخْذه.
وهكذا كل كلام رأيتَهم قد نَحَوْا فيه التمثيلَ، لم يُفْصحوا بذلك، وأَخرجوا اللفظ مخرَجَه، إذا لم يريدوا تمثيلاً.
стр. 111
ترجُّح الكناية والاستعارة والتمثيل على الحقيقة
قد أَجمعَ الجميعُ على أن الكناية أَبْلَغُ من الإفصاحِ، والتعريضَ أَوْقَعُ من التصريح. وأنَّ للاستعارة مزيةً وفضلاً وأنَّ المجازَ أَبداً أبلَغُ من الحقيقة. إلا أَنَّ ذلك، وإن كان معلوماً على الجملة، فإنه لا تَطمئنُّ نفْسُ العاقلِ في كل ما يُطْلَبُ العلمُ به، حتى يَبْلُغَ فيه غايتَه، وحتى يُغْلِغِلَ الفكْرَ إلى زواياه، وحتى لا يَبْقى عليه مَوضعُ شبهةٍ ومكانُ مسألة.
فنحن، وإنْ كنَّا نَعْلم أَنك إذا قلْتَ: (هو طويلُ النِّجاد، وهو جَمُّ الرماد). كان أَبْهى لِمَعْناك، وأَنْبلَ مِن أَن تَدَعَ الكنايةَ، وتُصرِّح بالذي تريد؛ وكَذا إذا قلتَ: (رأيتُ أسداً) كان لِكلامِكَ مزيةٌ لا تكونُ إذا قلتَ: رأيتُ رجلاً هو والأسدُ سواءٌ، في معنى الشجاعةِ، وفي قوةِ القلب، وشدة البطش وأشباه ذلك. وإذا قلتَ: بَلَغني أنك تُقَدِّمُ رِجْلاً وتُؤخِّر أخرى. كان أَوْقَعَ من صَريحه الذي هو قولُك: بلغني أنك تَتردَّد في أَمرك، وأنك في ذلك كمَن يقول: أَخرجُ ولا أخرج، فيُقدِّم رِجْلاً ويؤُخِّر أخرى. ونَقْطعُ على ذلك حتى لا يُخالجُنا شكٌّ فيه. فإنَّما تَسْكُنُ أَنفُسُنا تمامَ السكونِ إذا عرَفْنا السببَ في ذلك والعلَّةَ، ولِمَ كان كذلك، وهيأْنا له عبارةً تُفْهمُ عنا من نُريد إفهامَه، وهذا هو القول في ذلك.
стр. 112
إعْلَمْ أنَّ سبيلك أَولاً، أَنْ تَعْلَم أنْ ليستِ المزيةُ التي تُثْبتها لهذه الأجناس عَلَى الكلام المتروكِ على ظاهره، والمبالغةُ التي تدَّعى لها في أنفس المعاني التي يَقْصِدُ المتكلمُ إليها بخَبَره، ولكنها في طريق إثباتهِ لها وتقريره إياها. تفسيرُ هذا، أنْ ليس المعنى إذا قلنا: "إن الكناية أبْلغُ من التصريح" أَنك لمَّا كنَّيْتَ عن المعنى زدْتَ في ذاته، بل المعنى أَنك زِدْتَ في إثباته، فجَعلْتَه أبلغَ وآكَدَ وأَشَدَّ. فليستِ المزيةُ في قولهم: "جَمُّ الرماد"، أنه دلَّ على قرىً أكثرَ، بل إنك أَثبتَ له القِرى الكثيرَ من وجهٍ هو أَبلغُ، وأوجَبْتَه إيجاباً هو أَشدُّ، وادَّعيْتَه دَعْوى أنتَ بها أَنْطَقُ، وبِصِحَّتها أَوْثَقُ.
وكذلك ليستِ المزيةُ التي تَراها لقولك: "رأيتُ أسداً" على قولك "رأيتُ رجلاً لا يتميزُ عن الأَسد في شجاعته وجرأته"، أنك قد أَفدْتَ بالأَوَّل زيادةً في مُسَاواتِه الأَسَدَ، بل أنَّكَ أَفَدْتَ تأكيداً وتشديداً وقوةً في إثباتك له هذه المساواةَ، وفي تقريرِكَ لها. فليس تأثيرُ الاستعارةِ إذن في ذاتِ المعنى وحَقيقَتِه، بل في إيجابه والحُكْم به.
وهكذا قياس التمثيل: تَرى المزيةَ أبداً في ذلك تَقعُ في طريق إثباتِ المعنى دون المعنى نَفْسِه. فإذا سمعْتَهُم يقولون: إنَّ مِنْ شأن هذه الأجناسِ، أنْ تُكسِبَ المعاني نُبلاً وفَضلاً، وتُوجِبَ لها شَرَفاً، وأن تُفخِّمها في نفوس السامعين، وتَرْفَع أَقْدارَها عند المخاطَبِين، فإنهم لا يريدون الشجاعة والقِرى وأشباهَ ذلك، مِنْ مَعاني الكَلِم المُفْردةِ، وإنما يَعْنون إثباتَ معاني هذه الكلم لِمن تَثْبتُ له ويُخَبَّرُ بها عنه.
مزية الاستعارة والكناية على الحقيقة
стр. 113
هذا ما ينبغي للعاقل أن يَجْعلَه على ذُكْرٍ منه أَبداً، وأَنْ يعلم أَنْ ليس لنا، إذا نحن تَكلِّمْنَا في البلاغةِ والفصاحةِ معَ معاني الكلم المفردةِ، شغلٌ ولا هي منَّا بسبيل، وإنما نَعْمَد إلى الأحكام التي تَحْدُثُ بالتأليف والتركيب. وإذْ قد عرَفْتَ مكانَ هذه المزيةِ، والمبالغةَ التي لا تزال تَسْمع بها، وأَنها في الإثباتِ دون المُثْبَتِ، فإنَّ لها في كل واحدٍ من هذه الأجناس سبباً وعلَّة. أما الكنايةُ فإنَّ السببَ في أنْ كان للإثباتِ بها مزيةٌ، لا تكونُ للتصريح، أنَّ كلَّ عاقلٍ يَعْلمُ - إذا رجعَ إلى نفسه - أَنَّ إثباتَ الصفةِ بإثباتِ دَليلِها، وإيجابها بما هُو شاهِدٌ في وجودها، آكَد وأَبْلَغُ في الدعوة من أن تَجيءَ إليها فَتُثْبتهَا هكذا ساذَجاً غُفْلاً .. وذلك أنَّكَ لا تدَّعي شاهدَ الصفةِ ودليلهَا، إلاَّ والأَمرُ ظاهرٌ معروفٌ، وبحيث لا يُشَكُّ فيه، ولاَ يُظَنُّ بالمُخْبر التجوُّزُ والغَلَطُ.
وأما الاستعارة، فسبَبُ ما تَرى لها من المزية والفخامةِ أَنَّك إذا قُلْتَ: "رأيتُ أسداً" كنتَ قد تلطَّفْتَ لما أَردْتَ إثباتَه له من فَرْط الشجاعة، حتى جعلْتَها كالشيء الذي يَجبُ له الثبوتُ والحصولُ، وكالأمرُ الذي نُصِبَ له دليلٌ يَقطع بوجوده. وذلك أَنه إذا كان أَسداً، فواجبٌ أن تكون له تلك الشجاعةُ العظيمة، وكالمستحيل أو الممتنع أن يَعْرى عنها، وإذا صرَّحتَ بالتشبيه فقلتَ: "رأيت رجلاً كالأسد"، كنتَ قد أَثبتَّها إثباتَ الشيء يترجَّحُ بين أن يكونَ، وبين أن لا يكونَ، ولم يكن مِنْ حديث الوجوب في شيء.
وحكْمُ التمثيلِ حكْمُ الاستعارة، سواء. فإنَّك إذا قلتَ: "أَراكَ تُقدِّم رِجْلاً وتؤخر أخرى"، فأَوجَبْتَ له الصورةَ التي يُقْطَعُ معها بالتحيُّر والتردُّدِ، كان أبلغَ لا محالةَ، من أن تجريَ على الظاهر، فتقول: قد جَعْلتَ تتردَّدُ في أمرِك؛ فأنتَ كمَنْ يقول: أَخْرجُ ولا أخرج، فيُقدِّم رجْلاً ويؤُخِّر أخرى.
стр. 114
فصل: مزية الكناية والاستعارة والتمثيل على الحقيقة وتفاوتها
إِعْلم أنَّ مِنْ شأن هذه الأجناس، أنْ تَجْريَ فيها الفضيلةُ، وأن تَتفاوَتَ التفاوتَ الشديدَ. أفَلا تَرى في الاستعارة العاميَّ المبتذَلَ، كقولنا: "رأيت أسداً"، ووَرَدْتُ بَحْراً، ولَقِيت بَدْراً؟
تفاوت الاستعارة والخاصيّ النادر منها
والخاصيُّ: النادرُ الذي لا تَجِدُه إلاَّ في كلام الفحول، ولا يَقْوى عليه إلا افرادُ الرجال، كقوله:
وسالتْ بأَعناقِ المَطِيِّ الأَباطِحُ
أراد أنها سارتْ سَيْراً حثيثاً في غاية السرعة، وكانت سرعةً في لِينٍ وسَلاسَةٍ كأنها كانت سُيُولاً وقعَتْ في تلك الأباطح، فَجَرتْ بها.
ومثلُ الاستعارة في الحُسْن واللطفِ وعُلوِّ الطبقة في هذه اللفظة بعينها، قولُ الآخر:
سالتْ عليه شِعابُ الحيِّ حينَ دَعا ... أَنْصَارَهُ بوجُوهٍ كالدنانيرِ
أراد أنه مُطاعٌ في الحيِّ، وأنهم يُسْرعون إلى نُصْرته، وأنه لا يَدْعوهم لِحَرْبٍ، أو نازلِ خَطْب، إلا أَتَوْه وكَثرُوا عليه، وازْدَحموا حوالَيْه، حتى تَجِدَهم كالسيول تَجيءُ مِنْ هاهنا وهاهنا، وتَنْصبُّ من هذا وذاك، حتى يغَصَّ بها الوادي ويطفح منها.
بديعُ الاستعارة ووجه حسْنه
ومِن بديع الاستعارة نادِرِها - إلا أن جهةَ الغرابةِ فيهِ، غيرُ جهتِها في هذا - قولُ يزيدَ بن مَسلمة بن عبد الملكِ يصف فرساً له، وأَنَّه مُؤدَّبٌ، وأنه إذا نزَلَ عنه وألقى عِنانَه في قَرَبوس سَرْجه، وقفَ مكانَه إلى أن يعودَ إليه [من الكامل]:
عوَّدْتُهُ فيما أَزورُ حَبَائبي ... إهمالَه، وكذاكَ كلَّ مَخاطِر
وإذا احْتَبى قَرَبوسُهُ بعِنانِهِ ... عَلَك الشَّكيمَ إلى انصرافِ الزائرِ
فالغرابة هاهنا، في الشَّبَه نَفْسِه وفي أَنْ اسْتَدركَ أَنَّ هيئةَ العِنان في موقعه من قَربوس السِّرِج، كالهيئة في مَوْقع الثوب مِنْ رُكْبة المُحْتبي، وليست الغرابة في قوله:
وسالتْ بأعناقِ المطيّ بالأباطحُ
стр. 115
على هذه الجملة، وذلك أنه لم يُغْرِبْ لأَنْ جعلَ المطيَّ، في سرعة سيرها، وسهولته كالماء يجري في الأَبْطُحِ، فإنَّ هذا شَبَهٌ معروفٌ ظاهر، ولكنَّ الدِّقةَ واللطفَ في خصوصيةٍ أفادَها، بأنْ جعَلَ "سال" فعلاً "للأباطح"، ثم عدَّاه (بالباء) ثم بأَن أدخلَ الأعناقَ في البيت، فقال: "بأعناقِ المطيِّ"، ولم يَقُلْ: بالمطيِّ؛ ولو قال: سالتِ المطيُّ في الأَباطح، لم يَكُنْ شيئاً.
وكذلك الغرابة في البيت الآخر: ليس في مُطْلق معنى (سال) ولكنْ في تَعْديته "بعلى" و "الباء"، وبأن جعَلَه فِعْلاً لقوله: "شعابُ الحَيِّ". ولولا هذه الأمورُ كلُّها، لم يكن هذا الحُسْنُ. وهذا مَوضعٌ يَدِقُّ الكلامُ فيه.
وهذه أشياءُ من هذا الفن [من البسيط]:
اليومُ يومانِ مُذْ غَيِّبْتَ عن بَصَري ... نفْسي فداؤك ما ذَنْبي فأَعْتَذِرُ
أُمسي وأُصِبحُ لا ألقاكَ، وَاحَزَنَاً ... لقد تأَنَّق في مكرُوهِيَ القَدَر
سَوَّارُ بن المضَرَّب، وهو لطيف جداً [من الوافر]:
بِعَرْض تَنُوفةٍ للريحِ فيها ... نَسيمٌ لا يرُوعُ التُّرْبَ وانِ
بعضُ الأعراب [من الكامل]:
ولَرُبَّ خصمٍ جاهدين ذَوي شَذاً ... تَقْذي عُيونهُمُ بهترٍ هاتر
لُدِّ ظأَرْتُهُم على ما ساءَهُمْ ... وَخسَأْتُ باطِلَهم بحَقِّ ظاهرِ
ابنُ المعتز [من السريع]:
حتى إذا ما عَرف الصيدَ أنْصَارْ ... وأَذِن الصبح لنا في الإبصارْ
المعنى: حتى إذا تهيأ لنا أن نُبصر شيئاً. لمَّا كان تعذُّرُ الإبصار مَنْعاً من الليل، جَعَل إمكانه عند ظُهور الصبح إذْناً من الصبح.
وله [من مجزوء الوافر]:
بخيلٌ قد بُليتُ به ... يَكُدُّ الوعدَ بالحجج
وله [من الطويل]:
يُنَاجينيَ: الإخلافَ مِنْ تحتِ مَطْلهِ ... فتَخصمُ الآمال واليأسُ في صدري
ومما هو في غاية الحسن وهو من الفن الأول قول الشاعر أنشده الجاحظ [من الطويل]:
لقد كنتَ في قوم عليك أشحَّةٍ ... بنَفْسِكَ إلا أنَّ ما طاحَ طائحُ
يَوَدُّونَ لو خاطوا عليكَ جلودَهُمْ ... ولا تَدفعُ الموت النفوسُ الشحائحُ
قال: وإليه ذهب بشار في قوله [من الزجر]:
وصاحبِ كالدُّمَّلِ الْمُمِدِّ ... حملْتُهُ في رُقعةٍ من جلدي
стр. 116
تفاوت الاستعارة في اللفظ الواحد وتعددها للتناسب
ومن سرِّ هذا الباب، أنك تَرى اللفظة المستعارة قد استُعيرتْ في عدَّةِ مواضعَ، ثم تَرى لها في بعض ذلك، مَلاحةً لا تَجِدُها في الباقي. مثال ذلك أنك تَنْظر إلى لفظة "الجسر" في قول أبي تمام [من البسيط]:
لا يَطْمعُ المرءُ أن يجْتابَ لُجَّتَهُ ... بالقولِ ما لم يَكُنْ جِسْراً له العَمَلُ
وقوله [من البسيط]:
بَصْرْتَ بالرَّاحةِ العُظمى فلم تَرَها ... تُنَال إلا عَلَى جسرٍ من التعَبِ
فترى لها في الثاني حُسْناً، لا تَراه في الأَول؛ ثم تنظر إليها في قول ربيعة الرَّقِّي [من البسيط]:
قولي: "نعم"! و "نعم" إن قُلْتِ، واجبةٌ ... قالت: "عسى"! و "عسى" جِسْرٌ إلى نَعَمِ
فتَرى لها لُطْفاً وخَلابةً وحُسْناً، ليس الفَضْلُ فيه بقليل.
ومما هو أَصْلٌ في شرَف الاستعارة، أن تَرى الشاعرَ قد جمعَ بين عدةِ استعاراتٍ قَصْداً، إلى أَنْ يُلحقَ الشكلَ بالشكل وأن يُتِمَّ المعنى والشَّبهَ فيما يريد. مثالُه قولُ امرئ القيس [من الطويل]:
فقلتُ له لما تَمطَّى بصُلْبه ... وأَرْدَف أَعجازاً وناءَ بكَلْكَلِ
لمَّا جعلَ لِلَّيل صُلْباً قد تمطَّى به، ثَنَّى ذلك فجعَلَ له أَعجازاً قد اردف بها الصُّلْبَ، وثلََّثَ فجعَل له كَلْكَلاً قد ناءَ به، فاسْتَوفى له جملةُ أركانِ الشَّخصِ، وراعى ما يرَاه الناظرُ من سَواده، إذا نظرَ قُدَّامه، وإذا نَظَر إلى خَلْفِه، وإذا رفَعَ البصرَ ومدَّه في عُرْض الجَوِّ.
شرح معنى النظم الذي يظهر فيه سر البلاغة
стр. 117
واعْلَمْ أنَّ هاهنا أسراراً ودقائق، لا يمكن بَيانُها إلاَّ بَعْد أَن نُعِدَّ جملةً من القول في النظم، وفي تفسيره والمُراد منه، وأيِّ شيءٍ هو، وما محصولُه ومحصولُ الفضيلةِ فيه! فينبغي لنا أن نأْخُذَ في ذِكْرِه، وبَيان أَمره، وبيانِ المزية التي تُدَّعى له مِنْ أين تَأْتيه، وكيف تَعْرِضُ فيه، وما أَسبابُ ذلك وعِلَلُه، وما المُوجِبُ له؟ وقد عَلمْتَ إطباقَ العلماء على تعظيم شأن النظْم وتَفْخيم قَدْره، والتنويهِ بذكره، وإجماعَهم أنْ لا فضْلَ مع عَدَمِه، ولا قَدْر لكلام إذا هو لم يَستقمْ له، ولو بلغَ في غرابة معناه ما بَلغَ. وبَتَّهُمُ الحُكْمَ بأنه الذي لا تمام دونه، ولا قِوام إلاَّ به، وأَنه القطُبُ الذي عليه المَدارُ، والعَمودُ الذي به الاستقلالُ. وما كان المَوْضعَ من المزية، وبالغاً هذا المبلغ من الفضيلة، كان حَرىّ بأن توقَظَ له الهِمَمُ، وتُوكَلَ به النفوسُ، وتُحرَّكَ له الأفكارُ، وتُستخدَمَ فيه الخواطرُ؛ وكان العاقَلُ جديراً أَن لا يَرْضى من نَفْسه، بأن يَجد فيه سبيلاً إلى مزيَّة عِلْم، وفَضْلِ استبانةٍ وتلخيصٍ حُجَّةٍ، وتحريرِ دليل، ثم يَعْرضُ عن ذلك صَفْحاً، ويَطْوي دونه كَشْحاً، وأن يَرْبأ بنفسه، وتَدْخلَ عليه الأَنفَةُ، من أن يكون في سبيل المُقلِّدِ الذي لا يَبُتُّ حكْماً، ولا يَقْتُل الشيءَ عِلْماً، ولا يجد ما يُبْرئُ من الشبهة، ويَشفي غليلَ الشاكِّ، وهو يستطيع أن يَرْتفعَ عن هذه المنزلة، ويُباينَ مَنْ بهذه الصفة؛ فإنَ ذلك دليلُ ضَعْفِ الرأي، وقِصَرِ الهِمَّةِ ممن يَختارُه ويَعْملُ عليه.
القول في نظم الكلام ومكان النحو منه
стр. 118
واعلم أن ليس النظْمُ إلا أن تَضعَ كلامَك الوَضْعَ الذي يَقْتضيهِ علمُ النحْو، وتَعْملَ على قوانينه وأُصوله، وتَعْرفَ مناهجَه التي نُهجَتْ، فلا تَزيغَ عنها، وتَحفظَ الرسومَ التي رُسمِيتْ لك فلا تُخِلَّ بشيءٍ منها؛ وذلك أنَّا لا نَعلم شيئاً يبتغيهِ الناظمُ بنَظْمه، غيرَ أنَ ينظرَ في وُجوهِ كل بابٍ وفُروقهِ، فينظرَ في الخبر، إلى الوجوه التي تَراها في قولك: "زيدٌ منطلقٌ" و "زيدٌ يَنطلِقُ" و "ينطلِقُ زيد" و "منطلِقٌ زيد" و "زيد المُنطلِقُ" و "المنطلِقُ زيدٌ" و "زيدٌ هو المطلِقُ" و "زيدٌ هو منطلِقٌ"؛ وفي الشرط والجزاء، إلى الوجوه التي تَراها في قولك: "إنْ تَخْرُجْ أَخرجْ" و "إنْ خرجْتَ خرجْتُ" و "إن تخرجْ فأنا خارجٌ"، و "أنا خارجٌ إن خرجتَ" و "أنا إنْ خرجْتَ خارجٌ". وفي الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك: "جاءَني زيدٌ مُسْرعاً" و "جاءني يُسرعُ" و "جاءني وهو مُسْرعٌ أوْ هو يُسرع" و "جاءني قد أَسرَع" و "جاءني وقد أَسْرعَ"؛ فيَعرفُ لكلِّ من ذلك موضِعَه، ويجيءُ به حيث ينبغي له. وينظرَ في الحروف التي تَشْتركُ في معنىً، ثم يَنفردُ كلُّ واحدٍ منها بخصوصيةٍ في ذلك المعنى، فيضع كلاًّ من ذلك في خاصِّ معناه، نحْوَ أن يجيء بـ "ما" في نَفْي الحال، وبـ "لا" إذا أراد نَفْي الاستقبالِ، وبـ "إنْ" فيما يترجَّحُ بين أن يكونَ وأنْ لا يكون، وبـ "إذا" فيما علم أنه كائن. وينظرَ في الجمل التي تُسْرَدُ فيعرفَ موْضعَ الفصلِ فيها من موضع الوَصْل، ثم يعرفَ فيما حقُّه الوصْلُ، موضعَ "الواو" من موْضعِ "الفاء"، وموضعَ "الفاء" من موضعِ "ثُمَّ"، وموضعَ "أو" من موضع "أم"، وموضَعَ "لكن" من موضع "بل". ويتصرَّفَ في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير في الكلام كلِّه، وفي الحذْف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيضعَ كلاَّ من ذلك مكانَه، ويستعملَه على الصِّحة وعَلَى ما ينبغي له.
بيان مزية النظم في مراعاة النحو
стр. 119
هذا هو السبيل، فلستَ بواجدٍ شيئاً يَرجِعُ صوابهُ إن كان صواباً وخَطؤهُ إن كان خطأ، إلى النَّظْم، ويَدخلُ تحت هذا الاسم، إلاَّ وهو معنىً من معاني النحو قد أُصيب به موضِعُه، وَوُضِعَ في حقه، أو عُومِلَ بخلافِ هذه المعاملة فأُزيلَ عن موضعه، أوْ وُصِفَ بمزيةٍ وفضلٍ فيه، إلا وأنتَ تجدُ مرجِعَ تلك الصحةِ، وذلكَ الفسادِ، وتلك المزيةِ، وذلك الفضلِ، إلى معاني النحو وأَحكامه، ووَجْدتَه يَدْخل في أصلٍ من أُصوله، ويتَّصلُ ببابٍ من أبوابه.
هذه جملةٌ لا تَزْدادُ فيها نظَراً، إلا ازددْتَ لها تَصوُّراً، وازدادتْ عندَ صحةً وازدَدْتَ بها ثقةً؛ وليس من أَحدٍ تُحرِّكُه، لأَنْ يقولَ في أمر النظمِ شيئاً، إلا وجدْتَهُ قد اعترفَ لك بها أو ببعضها، ووافقَ فيها: دَرى ذلك أو لم يَدْرَ. ويكفيكَ أنهم قد كشَفوا عن وَجْه ما أَردناه حيثُ ذكَروا فسادَ النظمِ؛ فليس من أَحدٍ يُخالِفُ في نحو قولِ الفرزدق [من الطويل]:
وما مثلُه في الناسِ إلا مُملَّكاً ... أبو أُمِّهِ حيٌّ أبوهُ يقاربُهْ
وقول المتنبي [من الكامل]:
ولذا اسْمُ أغطيةِ العيون جفونُها ... من أنها عملَ السيوفِ عواملُ
وقوله [من الكامل]:
الطيبُ أنتَ إذا أصابَكَ طِيبُه ... والماءَ أنتَ إذا اغتسْلتَ الغاسلُ
وقوله [من الطويل]:
وفَاؤكُما كالرَّبعِ أَشْجَاهُ طاسِمُهْ ... بأن تُسعِدا والدمعُ أَشفاهُ ساجِمُهْ
وقولُ أبي تمام [من الكامل]:
ثانيهِ في كبدِ السماءِ ولم يكُنْ ... كاثْنَيْنِ ثانٍ إذْ هُما في الغارِ
وقولهُ [من البسيط]:
يَدي لِمَنْ شَاءَ رَهْنٌ لم يَذُقُ جُرَعاً ... مِنْ راحَتيْكَ دَرى ما الصَّابُ والعَسَلُ
стр. 120
وفي نظائر ذلك، مما وَصفوه بفَساد النظْم، وعابوه من جهة سوء التأليف، أَنَّ الفسادَ والخللَ كانا مِن أنْ تعاطى الشاعرُ ما تَعاطاهُ من هذا الشأن على غير الصواب، وصنَعَ في تقديم أو تأخيرٍ أو حذفٍ وإِضمارٍ أو غير ذلك ما ليس له أن يَصْنعَه، وما لا يَسوغُ ولا يَصِحُّ على أصول هذا العلم. إذا ثبَتَ أنَّ سببَ فسادِ النظام واختلاله، أنْ لا يعمل بقوانين هذا الشأنِ، ثبَتَ أنَّ سبب صحته أنْ يَعملَ عليها؛ ثم إِذا ثبَتَ أنَّ مستَنْبَطَ صحته وفساده من هذا العلمِ، ثبَتَ أنَّ الحكْم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرضُ فيه. وإذا ثبتَ جميعُ ذلك، ثبتَ أنْ ليس هو شيئاً، غيرَ تَوخِّي معاني هذا العِلْمِ وأحكامِه فيما بين الكَلِم، والله الموفق للصواب.
وإذْ قد عرفْتَ ذلك، فاعمَدْ إلى ما تَواصَفُوه بالحُسْن، وتَشاهَدوا له بالفضْل، ثم جعلوه كذلك، من أجل النظْم خصوصاً دون غيره، مما يُستحسَنُ له الشعرُ أو غيرُ الشعر من معنى لطيفٍ أو حكمةٍ أو ادبٍ أو استعارةٍ أو تجنيسٍ أو غيرِ ذلك، مما لا يَدخلُ في النظم، وتأَمَّلهْ؛ فإذا رأيتَكَ قد ارتحْتَ واهتززْتَ واستحسنْتَ، فانظرْ إلى حرَكات الأريحيَّةِ ممَّ كانتْ وعندَ ماذا ظهرَتْ؟ فإنك تَرى عِياناً أَنَّ الذي قلتُ لك كما قلتُ. إعْمِدْ إلى قول البحتري [من المتقارب]:
بَلَوْنا ضَرائبَ مَنْ قد نَرى ... فما إنْ رأَينا "لِفتح" ضَريبا
هو المرءُ أَبْدتْ له الحادِثا ... تُ عَزْما وَشِيكا ورأيا صَليبا
تنقَّلَ في خْلُقَيْ سُؤددٍ ... سَماحاً مُزَجَّى وبأساً مَهيبا
فكالسيف إنْ جئتَه صارخاً ... وكالبَحْر إن جئتَه مُسْتثيباً
стр. 121
فإذا رأيتَها قد راقَتْك وكثرتْ عندك، ووَجدْتَ لها اهتزازاً في نفسك، فعُدْ فانظرْ في السبب، واستقْصِ في النظر، فإنك تَعلمُ ضرورةً أنْ ليس إلاَّ أَنه قدَّم وأخَّر، وعرَّف ونَكَّر، وحذفَ وأضمرَ، وأعادَ وكرَّر، وتوخَّى على الجملة وجْهاً من الوُجوهِ التي يَقْتضيها علْمُ النحو، فأصاب في ذلك كلِّه، ثم لَطُفَ مَوضعُ صَوابه، وأتى مأتًى يُوجِبُ الفضيلةَ. أفلا ترى أنَّ أولَ شيءٍ يَروقُكَ منها قوله "هو المرءُ أبدت له الحادثاتُ" ثم قوله: "تنقلح في خُلْقَيْ سؤددِ"، بتنكير "السؤدد" وإضافة "الخُلُقين" إليه، ثم قولُه "فكالسيف" وعطفُه (بالفاء) مع حذفه المبتدأ، لأنَّ المعنى لا محالة فهو كالسيف. ثم تكريرُهُ (الكاف) في قوله "وكالبحر"؛ ثم أنْ قرَنَ إلى كل واحدٍ من التشبيهين شرطاً جوابُه فيه؛ ثم أَنْ أخرجَ من كل واحدٍ من الشرطين، حالاً على مثال ما أخرَجَ مِن الآخرِ، وذلك قوله "صارخاً" هناك، "ومستثيباً" هاهنا. لا نرى حُسْناً تَنسِبُه إلى النظم ليس سَببُهَ ما عددتُ، أو ما هو في حُكْم ما عددتُ، فاعْرفْ ذلك!
وإن أردتَ أَظْهرَ أمراً في هذا المعنى، فانظرْ إلى قول إبراهيم بن العباس [من الطويل]:
فلَوْ إذْ نَبَا دَهرٌ وأَنْكَرَ صاحبٌ ... وسُلِّطَ أعداءٌ وغابَ نَصيرُ
تكونُ عن الأهوازِ داري بنَجْوةٍ ... ولكنْ مَقَاديرٌ جَرَتْ وأُمورُ
وإني لأَرْجو بَعْدَ هذا محمداً ... لأِفضَلِ ما يُرجى أخٌ ووَزيرُ
стр. 122
فإنك ترى ما ترى من الرَّوْنَقِ والطلاوةِ، ومن الحُسْن والحلاوة، ثمَّ تتفَّقدُ السببَ في ذلك، فتَجدُه إنما كان من أَجْل تقديمهِ الظَّرْفَ الذي هو "إذْ نَبَا" على عامله الذي هو "تكون"، وأَنْ لم يَقُلْ: (فلو تكون عن الأهواز داري بنجوةِ إذ نبا دهرٌ). ثم أَنْ قال "تكونُ" ولم يقُلْ "كان"؛ ثم أَنْ نكَّر "الدهر" ولم يِقُلْ "لو إذ نبا الدهر"؛ ثمَّ أنْ ساقَ هذا التنكيرَ في جميع ما أَتى به من بَعْد؛ ثم أَنْ قال "وأَنْكَرَ صاحبٌ"، ولم يقُلْ: (وأنكرتُ صاحبا)؛ لا نَرى في البيتين الأَولين شيئاً غيرَ الذي عدَدْتُه لك تجعلُه حَسْناً في النظم، وكلُّه من معاني النحو، كما ترى. وهكذا السبيلُ أبداً في كل حُسْنٍ ومَزيَّة رأيتَهما قد نُسبا إلى النظم، وفَضْلٍ وشَرفٍ أُحِيلَ فيهما عليه.
стр. 123
فصل: مزايا النظم بحسب المعاني والأغراض
(في أن هذه المزايا في النظم بحسب المعاني والأغراض التي تؤمُّ)
وإذ قد عرفْتَ أنَّ مدارَ أمرِ النظْم، على معاني النحو، وعلى الوجوه والفُروق التي من شأْنها أَنْ تكونَ فيه، فاعلمْ أنَّ الفروقَ، والوجوهَ كثيرةٌ، ليس لها غايةٌ تقفُ عندها، ونهايةٌ لا تجد لها ازدياداً بَعْدها، ثم اعْلَمْ أنْ ليستِ المزيةُ بواجبةٍ لها في أنفسها، ومِنْ حيثُ هي على الإطلاق، ولكنْ تعرضُ بسبب المعاني والأغراضِ التي يُوضعُ لها الكلامُ، ثم بحَسَبِ موقعِ بعضِها من بعضٍ، واستعمال بعضِها مع بعضٍ.
تفسيرُ هذا أنَّه ليس إذا راقَكَ التنكيرُ في "سؤددٍ" من قوله "تنقَّلَ في خلقَيْ سؤددِ" وفي "دهرٌ" من قوله "فلو إذْ نَبا دهرٌ"، فإنه يَجبُ أنْ يروقَكَ أبداً وفي كل شيء. ولا إذا استحسنْتَ لفظَ ما لم يُسمَّ فاعلُه، في قوله "وأنكرَ صاحبٌ"؛ فإنه ينبغي أَن لا تراه في مكانٍ إلاَّ أَعطيتَه مثْلَ استحسانِكَ هاهنا. بل ليس مِنْ فضلٍ ومزيةٍ إلاَّ بحسَبِ الموضع، وبحَسبِ المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤُمُّ؛ وإنما سبيلُ هذه المعاني سبيلُ الأَصباغِ التي تُعملُ منها الصورُ والنقوشُ. فكما أَنك ترَى الرجلَ قد تَهدَّى في الأصباغ التي عَمِلَ منها الصورةَ والنقش في ثوبه الذي نسجَ، إلى ضرب من التخيُّر والتدبُّر في أَنفس الأَصباغِ وفي مواقعها ومقاديرها، وكيفية مَزْجه لها، وتَرتيبه إياها، إلى ما لم يتَهدَّ إليه صاحبُه، فجاء نَقشُه من أجْل ذلك أَعجَبَ، وصورتُه أغرَبَ؛ كذلك حالُ الشاعرِ والشاعرِ في توخِّيهما معاني النحو، ووجوهِه التي علمتَ أنها محصولُ النظْم.
стр. 124
واعلمْ أنَّ مِن الكلام، ما أنتَ تَرى المزيَّةَ في نَظْمه والحُسْنَ، كالأجزاء من الصِّبْغ تَتلاَحقُ، وينْضَمُّ بعضُها إلى بعض حتى تَكْثُرَ في العين؛ فأنتَ لذلك لا تُكْبِرُ شأْنَ صاحبهِ، ولا تَقْضِي له بالحِذْق والاستاذيَّة وسَعَةِ الذَّرْع وشدَّةِ المُنَّة، حتى تَستوفي القطعةَ وتأتيَ على عدة أبياتٍ؛ وذلك ما كان مِن الشعر في طبقة ما أنشدْتُكَ من أبياتِ البحتري. ومنْهُ ما أَنْتَ تَرى الحُسْنَ يَهجُمُ عليك منه دفعةً، ويأتيك منه ما يملأُ العينَ غرابةً، حتى تَعرفَ مِنَ البيتِ يَهجُمُ الواحد، مكانَ الرجُلِ من الفضْل، وموضعَه من الحذْق، وتشْهَدَ له بفضلِ المُنَّة وطولِ الباع، وحتى تَعْلَم - إنْ لم تَعْلَم القائلَ - أنَّه مِنْ قِبَل شاعرٍ فحلٍ، وأنه خرجَ من تحتِ يَدٍ صَنَاعٍ؛ وذلك ما إذَا أنشدْتَه، وصنعْتَ فيه اليدَ على شيء فقلتَ: هذا هذا! وما كان كذلك، فهو الشعرُ الشاعرُ، والكلامُ الفاخر، والنمطُ العالي الشريفُ، والذي لا تَجده إلاَّ في شعْر الفحولِ البُزْلِ، ثُمَّ المطبوعين الذين يُلْهَمون القولَ إلهاماً؛ ثم إنك تحتاجُ إلى أن تستقرئ عدةَ قصائد، بل أن تَفْلي ديواناً من الشعر، حتى تَجْمعَ منه عدَّةَ أبياتٍ؛ وذلك ما كان مثْلَ قولِ الأول، وتَمثَّل به أبو بكر الصديق، رضوانُ اللهِ عليه، حين أَتاه كتابُ خالد بالفتح في هزيمة الأَعاجم [من الوافر]:
تَمنَّانا ليَلْقانا بقومٍ ... تخالُ بياضَ لأُمِهِمُ السَّرايا
فقد لاقيْتَنا فرأيْتَ حَرْباً ... عَواناً تمنع الشيخَ الشرابا
أُنظرْ إلى موضع (الفاء) في قوله:
فقد لاقيتَنا فرأيت حرباً
ومثل قولِ العباس بن الأحنف [من البسيط]:
قالوا خراسانُ أَقصى ما يُرادُ بنا ... ثُمَّ القفولُ فقد جئْنا خراسانا
أنظرْ إلى موضع (الفاء) و "ثم" قبلها.
ومثل قول ابن الدُّمَينةَ [من الطويل]:
أَبِيني أَفْي يُمْنَى يَدَيْكَ جَعْلتِني ... فأفرحَ أمْ صَيِّرْتِني في شِمالِكِ
أَبِيتُ كأني بين شِقَّيْن مِنْ عَصا ... حِذارَ الردى أو خيفةً مِنْ زِيالِكِ
تعالَلْتِ كَيْ أَشْجى وما بكِ علَّةٌ ... تُريدينَ قَتْلي، قد ظَفِرْتِ بذلِكِ
إنظر إلى الفصل والاستئناف في قوله:
стр. 125
تريدين قتلي قد ظفرت بذلك
ومثل قول أبي حَفْصٍ الشطرنجي، وقاله على لسان عُلَيَّةَ أخت الرشيد، وقد كان الرشيدُ عتَبَ عليها [من البسيط]:
لو كانَ يمنَعُ حسْنُ الفعْلِ صاحبَهُ ... مِنْ أن يكونَ له ذنبٌ إلى أَحَدِ
كانتْ عُليةُ أَبْرى الناسِ كلِّهِمِ ... من أنْ تُكَافَا بسوءٍ آخِرَ الأَبدِ
ما أَعْجبَ الشيءَ تَرجُوهُ فَتُحْرَمُهُ ... قد كنتُ أَحْسبُ أَنِّي قد مَلأَتُ يدي
أنظر إلى قوله: "قد كنتُ أحسب". وإلى مكان هذا الاستئناف.
ومثل قولِ أبي دُواد [من الخفيف]:
ولقد أَغْتَدي يُدافِعُ رُكْني ... أخوذِيٌّ ذو مَيْعةٍ إضْريجُ
سَلهبٌ شَرْجبٌ كأنَّ رِماحاً ... حَمَلتْهُ وفي السَّراةِ دُموجُ
أنظر إلى التنكير في قوله "كأن رماحا".
ومثل قولِ ابْن البوَّاب [من مجزوء الوافر]:
أَتيتُكَ عائذاً بكَ مِنْـ ... ـكَ لمَّا ضاقَتِ الحِيَلُ
وصَيَّرني هواكَ وبي ... لَحَيْني يُضْرَبُ المَثَلُ
فإنْ سَلِمتْ لكُمْ نَفْسي ... فَما لاقَيْتُهُ جَلَلُ
وإنْ قَتل الهوى رجلاً ... فإِني ذلك الرَّجُلُ
أُنُظرْ إلى الإشارة والتعريف في قوله: "فإنّي ذلك الرَّجُل".
ومثل قول عبد الصمد [من السريع]:
مكْتَئِبٌ ذو كَبدٍ حَرَّى ... تَبْكي عليهِ مُقلَةٌ عَبْرى
يَرْفعُ يُمنْاهُ إلى رَبِّه ... يَدْعو وفوقَ الكَبدِ اليُسْرى
أُنظرْ إلى لفظ "يدعو" وإلى مَوقعها!
ومثل قولِ جرير [من الكامل]:
لمن الديار ببُرقة الروحان ... إذ لا نَبيعُ زمانَنا بزمانِ
صَدعَ الغواني إذ رَمَيْنَ، فؤادَهُ ... صدْعَ الزجاجةِ ما لِذاكَ تَدانِ
أُنظرْ إلى قوله "ما لذاك تدان" وتأَمَّلْ حالَ هذا الاستئناف!. ليس من بصير عارفٍ بجوهر الكلام، حسَّاس مُتفهِّم لسرِّ هذا الشأن يُنْشِدُ أو يَقرأ هذه الأبياتَ إلاَّ لم يلبث أَنْ يضَعَ يدَه في كل بيتٍ منها، على الموضِع الذي أشرتُ إليه يَعْجَبُ ويُعَجِّب، ويُكْبِر شأنَ المزيةِ فيه والفضْلَ.
стр. 126
فصل: في النظم يتحد في الوضع ويدق فيه الصنع
واعلمْ أنَّ مما هو أَصلٌ في أنَ يدِقَّ النظرُ، ويَغْمُضَ المَسْلكُ في توخِّي المعاني التي عرفت، أنْ تتَّحِدَ أجزاءُ الكلام، ويَدخلَ بعضُها في بعض، ويشتدَّ ارتباطُ ثانٍ منها بأَوَّل، وأن يُحتاجَ في الجِملة إلى أن تضَعَها في النفس وَضْعاً واحداً، وأن يكون حالُكَ فيها، حالَ الباني يَضعُ بيمينه هاهنا، في حالِ ما يَضَعُ بيَسارِه هناك. نعم وفي حالِ ما يُبْصر مكانَ ثالثٍ ورابعٍ يَضعُهما بَعْدَ الأَوَّلَيْن. وليس لما شأْنهُ أن يجيءَ على هذا الوصف، حَدٌّ يَحْصرُه وقانونٌ يُحيطُ به، فإنه يجيء على وجوهٍ شتى وأنحاءَ مختلفة.
فمن ذلك أن تُزاوِجَ بين معنيينِ في الشرط والجزاء معاً، كقول البحتري [من الطويل]:
إذا ما نَهى الناهي فلجَّ بي الهوى ... أصاختْ إلى الواشي فلجَّ بها الهجرُ
وقوله [من الطويل]:
إذا حتربتْ يوماً ففاضتْ دماؤُها ... تذكَّرتِ القُرْبى ففاضتْ دموعُها
فهذا نوع. ونوع منه آخر قول سليمانَ بنِ داودَ القضاعي [من الوافر]:
فبينا المرءُ في علياءَ أَهْوى ... ومُنْحطِّ أُتيحَ له اعتلاءُ
وبيْنَا نِعْمةٌ إذ حال بُؤسٌ ... وبؤُسٌ إذْ تَعقَّبَه ثَراءُ
ونوع ثالث وهو ما كان، كقول كُثيِّر [من الطويل]:
وإني وتهيامي بعَزَّةَ بَعْدَ ما ... تخلَّيْتُ مما بيننا وتخلَّتِ
لَكالْمُرْتَجي ظلَّ الغمامةِ كلمَّا ... تَبَوَّأَ منها لِلْمَقيلِ اضْمَحلَّتِ
وكقول البحتري [من الطويل]:
لعَمرُكَ إنَّا والزمانُ كما جَنَتْ ... على الأَضْعفِ الموهون عاديةُ الأَقْوى
ومنه التقسيمُ وخصوصاً إذا قسمتَ ثم جمْعتَ، كقول حسَّان [من البسيط]:
قَومٌ إذا حارَبوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ ... أوْ حاوَلوا النفْعَ في أَشياعِهمْ نَفْعوا
سَجِيَّةٌ تلك منهمْ غيرُ مُحْدَثةٍ ... إنَّ الخلائقَ فاعْلمْ: شرُّها البِدَعُ
ومن ذلك، وهو شيءٌ في غايةِ الحُسْن، قولُ القائل [من البسيط]:
لو أنَّ ما أنتمُ فيهِ يدَومُ لكُمْ ... ظنَنْتُ ما أنا فيهِ دائماً أَبدا
لكنْ رأيتُ الليالي غيرَ تاركةٍ ... ما سَرَّ مِنْ حادثٍ أوْ ساءَ مُطَّرِدا
فقد سكَنْتُ إلى أَنِّي وأَنَّكُمُ ... سَنَسْتَجِدُ خِلافُ الحالتين غَدا
стр. 127
قوله "سنستجد خلاف الحالتين غدا" جمعٌ فيما قسَمَ، لطيفٌ. وقد ازدادَ لطفاً بحُسنِ ما بَناه عليه، ولُطْفِ ما توصَّل به إليه، من قوله "فقد سكنتُ إلى أني وأنكم".
وإذْ قد عرفتَ هذا النمطَ من الكلام، وهو ما تتَّحِدُ أَجزاؤه حتى يُوضَعَ وَضْعاً واحداً، فاعلمْ أَنه النمطُ العالي، والبابُ الأَعْظم والذي لا تَرى سلطان المزيةِ يَعْظُم في شيء، كَعِظَمه فيه.
ومما نَدرَ منه، ولطُفَ مأْخذُه، ودقَّ نظرُ واضعِه، وجلَّى لكَ عن شأوٍ قد تحسر دونه العِتاقُ، وغايةٍ يَعْيى مِنْ قَبْلها المذاكي القُرَّح، الأبياتُ المشهورة في تشبيه شيئين بشيئين - بيتُ أمرئ القيس [من الطويل]:
كأنَّ قُلوبَ الطيرِ رَطْباً ويابساً ... لدى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشفُ البالي
وبيتُ الفرزدق [من الكامل]:
والشيبُ يَنْهضُ في الشباب كأنَّهُ ... ليَلٌ يَصِيحُ بجانبَيْهِ نَهارُ
وبيتُ بشار [من الطويل]:
كأنَّ مُثارَ النقعِ فَوقَ رؤوسِنا ... وأسيافنَا، لَيْلٌ تَهَاوى كواكِبُهْ
ومما أَتى في هذا الباب، مأْتىً أَعْجَبَ مما مضى كله، قولُ زياد الأعجم [من الطويل]:
وإنَّما ما نُلْقي لنا إنْ هجَوْتَنا ... لَكالبحر مَهْما يُلْقَ في البحر يَغْرقِ
وإنما كان أعجبَ لأن عمله أدقُّ، وطريقه أغمض، ووجه المشابهة فيه أغربُ.
واعلمْ أنَّ مِن الكلام، ما أنتَ تَعلمُ إذا تدبَّرْتَهُ، أنْ لم يحتجْ واضعُه إلى فكْرٍ وروية حتى انتظَمَ، بل ترى سبيلَه في ضمِّ بعضِه إلى بعض، سبيلَ مَنْ عمدَ إلى لآلٍ، فخرَطَها في سلكٍ لا يبغي أكثرَ من أنْ يَمْنعَها التفرُّقَ. وكمَنْ نَضَدَ أشياءَ بعضُها على بعضٍ، لا يُريد في نَضَده ذلك، أن تجيءَ له منه هيئةٌ أو صورةٌ، بل ليس إلاَّ أنْ تكون مجموعةً في رأْي العينِ. وذلك إذا كان مَعْناكَ معنىً لا يَحتاجُ أن تَصْنَعَ فيه شيئاً، غيرَ أنْ تَعْطِفَ لفَظاً عَلَى مثله.
стр. 128
كقولِ الجاحظ: "جنّبَكَ اللهُ الشبهةَ، وعصَمَكَ من الحَيْرة، وجعَلَ بينكَ وبينَ المعرفةِ نَسَباً، وبينَ الصِّدْق سَبَباً، وحبَّبَ إليك التثبُّتَ، وزَيَّن في عينكَ الإنصافَ، وأذاقَكَ حلاوةَ التقوى، وأشْعَرَ قلبَكَ عزَّ الحقِ، وأوْدَعَ صدْرَكَ برْد اليقينِ، وطردَ عنك ذُلَّ اليأسِ، وعرَّفَكَ ما في الباطلِ من الذَّلَّة، وما في الجهل من القِلَّة".
وكقول بعضهم: "للهِ دَرُّ خطيبٍ قامَ عندك يا أميرَ المؤمنين! ما أفصحَ لسانَه، وأحسَنَ بيانَه، وأَمضى جَنانَه، وأَبلَّ ريقَه، وأسهل طريقَة! "
ومثل قول النابغة في الثناء المسجوع: "أيفاخِرُك الملكُ اللخميُّ؟ فواللهِ لقَفاكَ خيرٌ من وجَهْهِ، ولَشِمالُكَ خيرٌ من يَمينه، ولأَخْمَصُكَ خيرٌ من رأْسه، ولَخَطَؤكَ خير من صَوابه، ولَعِيُّك خير من كلامه ولَخَدَمُكَ خير من قَوْمه! "
وكقول بعض البلغاء في وصف اللسان. "اللسان أداةٌ يظَهر بها حُسْنُ البيان، وظاهرٌ يُخْبِر عن الضمير، وشاهدٌ يُنبئكَ عن غائب، وحاكِم يُفْصَل به الخِطابُ، وواعظٌ يَنْهى عن القبيح، ومُزَيِّنٌ يَدعو إلى الحُسْن، وزارعٌ يَحْرثُ المودَّة، وحاصدٌ يحصِدُ الضَّغينة، ومُلْهٍ يُونِق الأسماع". فما كانَ من هذا وشَبَهه، لم يَجِبْ به فضْلٌ إذا وجَبَ، إلاَّ بمعناه أو بمُتون أَلفاظِه، دون نَظْمه وتأليفه؛ وذلك لأنه لا فضيلةَ حتى تَرى في الأمر مَصْنعاً، وحتى تَجدَ إلى التخيُّر سبيلاً، وحتى تكونَ قد استدركْتَ صَواباً.
стр. 129
فإن قلْتَ: أفلَيْسَ هو كلاماً قد اطَّرد على الصواب، وسَلِم من العَيْب؟ أَفَما يكونُ في كثرة الصوابِ فضيلةٌ؟ قيل: أَمّا والصوابُ كما ترى، فَلاَ! لأنَّا لَسْنا في ذكْر تقويم الِلسان، والتحرُّز من اللَّحْن، وزَيْغ الإعراب، فنَعْتدَّ بمثل هذا الصواب، وإنما نحن في أمورٍ تُدرَك بالفِكَر اللطيفة، ودقائقَ يُوصلُ إليها بثاقِب الفَهْم؛ فليس دَركُ صوابٍ دَركاً فيما نحن فيه حتى يَشْرُفَ موضعُه، ويَصعُبَ الوصولُ إليه؛ وكذلك لا يكونُ تَرْكُ خطأٍ تَرْكاً، حتى يُحتاجَ في التحفظ منه إلى لُطْف نظَرٍ، وفَضْل رويةٍ، وقوة ذهن، وشدةِ تيقظٍ. وهذا باب يَنبغي أن تُراعِيَه، وأن تُعْنى به، حتى إذا وازنْتَ بين كلام وكلام، دريتْ كيف تَصْنعُ؛ فضمَمْتَ إلى كل شَكْلٍ شكْلَه، وقابلْته بما هو نظيرٌ له، وميَّزْتَ ما الصنعةُ منه في لفظه، مما هي منه في نظمه.
واعلمْ أنَّ هذا - أعني الفرق بين أن تكونَ المزيةُ في اللفظ، وبين أن تكون في النظم - بابٌ يَكْثُر فيه الغَلطُ؛ فلا تزَالُ تَرى مُستحسِناً قد أخطأَ بالاستحسانِ موضعَه، فينَحَلُ اللفظَ ما ليس له، ولا تزالُ تَرى الشُّبهةَ قد دخلتْ عليك في الكلام، قد حَسُنَ من لفظه ونظمه، فظننْتَ أنَّ حُسْنه ذلك كلَّه، لِلَّفظِ منه دون النظْم.
مثال ذلك أن تَنْظُر إلى قول ابن المعتز [من الطويل]:
وإنِّي على إشفاقِ عَيْني مِن العِدى ... لَتَجْمَح مني نَظرةٌ ثم أُطْرِقُ
فترَى أنَّ هذه الطَّلاوةَ وهذا الظَّرْفَ، إنما هو لأَنْ جعَلَ النظرَ يَجْمحُ، وليس هو لذلك، بل لأَنْ قال، في أول البيت "وإني"، حتى دخل اللام في قوله "لتجمح"، ثم قوله "مني"؛ ثم لأَنْ قال "نظرة" ولم يقل (النظر) مثلاً، ثُمَّ لمكان "ثُم" في قوله: "ثم أُطرِق"، ولِلطيفةٍ أُخرى نَصَرتْ هذه اللطائفَ، وهي اعتراضُه بين اسم إنَّ وخبرها، بقوله "على إشفاق عيني من العدى".
وإن أردتَ أعجبَ من ذلك، فيما ذكرتُ لك، فانظرْ إلى قوله: - وقد تقدم إنشاده قَبْلُ -[من البسيط]:
سالتْ عليه شِعابُ الحيِّ حين دَعا ... أنصارَه بوجوهٍ كالدنانيرِ
стр. 130
فإنَّكَ تَرى هذه الاستعارة، على لُطْفها وغَرابتها، إنما تَمَّ لها الحسْنُ وانتهى إلى حيثُ انتهى، بما تُوخِّيَ في وضْع الكلام من التقديم والتأخير، وتَجدُها قد مَلُحَتْ ولَطُفتْ بمعاونةِ ذلك ومؤازرتِه لها. وإن شكَكْتَ، فاعمدْ إلى الجارَّيْن والظَّرْف، فأَزِلْ كلآ منها عن مكانه الذي وضَعَه الشاعرُ فيه، فقل: (سالت شعابُ الحيّ بوجوهٍ كالدنانير عليه حين دعا أنصاره). ثم انظرْ كيف يكونُ الحالُ، وكيف يَذهبُ الحسْنُ والحلاوةُ، وكيف تَعْدَم أرْيَحِيَّتَكَ التي كانت، وكيف تَذْهب النشوةُ التي كُنتَ تَجِدُها.
وجملةُ الأمر أنَّ هاهنا كلاماً حُسْنُه لِلَّفظ دونَ النظمِ، وآخرَ حُسْنُه للنظْم دونَ اللفظِ، وثالثاً قرَى الحُسْنَ من الجهتين، ووجبَتْ له المزيةُ بكلا الأمرين؛ والإشكال في هذا الثالث وهو الذي لا تَزالُ تَرى الغلَطَ قد عارضَك فيه، وتَراكَ قد حِفْتَ فيه على النظم فتركْتَه، وطمحْتَ ببصرِكَ إلى اللفظ وقدَّرْتَ في حُسْنٍ كان به، وباللفظ أنه لِلَّفظِ خاصة. وهذا هو الذي أردتُ حين قلتُ لك: إنَّ في الاستعارة، ما لا يُمكنُ بَيانُه إلاَّ مِنْ بَعد العلم بالنظْم، والوقوف على حقيقته.
стр. 131
ومن دقيق ذلك وخَفِيِّه، أنكَ ترى الناسَ، إذا ذَكَروا قولَه تعالى: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] لم يَزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم يَنْسبوا الشَّرَفَ إلاَّ إليها، ولم يروا لِلمزيَّة مُوجِباً سواها؛ هكذا تَرى الأمر في ظاهر كلامِهمْ؛ وليس الأَمرُ على ذلك. ولا هذا الشرفُ العظيمُ، ولا هذه المزيةُ الجليلة، وهذه الروعةُ التي تَدخلُ على النفوس، عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة، ولكنْ لأَنْ يُسلَك بالكلام طريقُ ما يُسْنَدُ الفعلُ فيه إلى الشيء، وهو لما هو، من سببه؛ فيُرفَعُ به ما يُسْنَد إليه، ويُؤتى بالذي الفعلُ له في المعنى، منصوباً بعده، مبيناً أَنًَّ ذلك الإسنادَ وتلك النسبةَ إلى ذلك الأولِ، إنما كان من أَجْل هذا الثاني ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسةِ كقولهم: (طابَ زيدٌ نفساً، وقَرَّ عَمرو عَيْناً، وتصبَّب عَرقاً، وكرُم أَصْلاً، وحَسُنَ وجْهاً). وأشباهِ ذلك مما تَجِد الفعل فيه منقولاً عن الشيء إلى ما ذلك الشيءُ من سببه. وذلك أَنَّا نَعلم أَنَّ "اشتعل" للشيبِ في المعنى، وإنْ كان هو للرأس في اللفظ، كما أنَّ "طاب" للنفس، و "قرَّ" للعين، و "تصبَّبَ" للعرق وإنْ أُسِند إلى ما أُسنِد إليه، يُبَيِّنُ أن الشرَفَ كان، لأَن سُلِكَ فيه هذا المسلكُ، وتُؤخِّيَ به هذا المذهبُ، أن تَدَع هذا الطريق فيه وتأخذَ اللفظَ فتُسنِده إلى الشيب صريحاً فتقول: (اشتعلَ شيبُ الرأسِ، والشيْبُ في الرأسِ)، ثم تنظر: هل تَجدُ ذلك الحُسْنَ وتلك الفخامة؟ وهل تَرى الروعةَ التي كنتَ تَراها؟ فإن قلْتَ: فما السببُ في أَنْ كان "اشتعل" إذا استُعيرَ للشيب، على هذا الوجه، كان له الفضْلُ، ولمَ بانَ بالمزيَّةِ منَ الوجهِ الآخرِ هذ البَيْنُونَة؟ فإنَّ السببَ أَنَّه يُفيدُ، معَ لمَعانِ الشيبِ في الرأس، الذي هو أَصْلُ المعنى: الشُّمولَ؛ وأَنَّه قد شاعَ فيه، وأَخذَه من نَواحيه، وأَنَّه قد استقَرَّ به، وعمَّ جُمْلَتَه، حتى لم يَبْقَ من السَّوادِ شيءٌ، أوْ لم يبْقَ منه إلاَّ ما لا يُعْتَدُّ به؛ وهذا ما لا يكون إذا قيل: (اشتعلَ شَيبُ الرأس، أو الشيب في الرأس).
стр. 132
بل لا يُوجِبُ اللفظُ حينئذٍ أكثرَ مِنْ ظهورهِ فيه على الجملة. وَوِزانُ هذا أنك تقول: (اشتعلَ البيْتُ ناراً) فيكونُ المعنى، أنَّ النارَ قد وقَعَتْ فيه وُقوع الشُّمولِ، وأنَّها قد استولَتْ عليه وأخذَتْ في طرفَيْه ووَسَطِه. وتقول: (اشتعلتِ النارُ في البيت) فلا يُفيد ذلك، بل لا يُقْتضَى أكثرُ من وقوعها فيه، وإصابتها جانباً منه. فأمَّا الشُّمول، وأنْ تكونَ قد استولتَ على البيت وابتزَّتْه، فلا يُعقلُ من اللفظ البتَّةَ.
ونَظيرُ هذا في التنزيل قولُه : ﴿وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً﴾ [القمر: ١٢] التفجيرُ للعيون في المعنى، وأَوْقَعُ على الأرض في اللفظ، كما أُسنِد هناك، الاشتعالُ إلى الرأس. وقد حصَلَ بذلك منْ معنى الشمولِ هاهنا، مثْلُ الذي حصلَ هناك. وذلك أَنَّه قد أَفادَ أنَّ الأرضَ قد كانت صارتْ عُيوناً كلُّها، وأنَّ الماءَ قد كان يَفُور مِنْ كل مكانٍ منها. ولو أُجريَ اللفظُ على ظاهرهِ فقيل: (وفجَّرْنا عيونَ الأرضِ، أو العيونَ في الأرض)، لم يُفِد ذلك، ولم يَدُلَّ عليه، ولَكانَ المفهومُ منه، أنَّ الماء قد كان فارَ من عيونٍ متفرقةٍ في الأرض، وَتَبجَّس مِن أماكنَ منها.
واعلمْ أَنَّ في الآيةِ الأُولى، شيئاً آخرَ من جنْس النظّم، وهو تَعريفُ الرأسِ (بالأَلِف واللاَّم) وإفادةُ معنى الإضافةِ من غَيْر إضافةٍ، وهو أَحدُ ما أَوْجَبَ المزيةَ. ولو قيل: (واشتعلَ رأس) فَصُرِّح بالإضافة، لذَهَب بعضُ الحُسْنِ؛ فاعرِفْهُ! وأنا أكتبُ لك شيئاً مما سَبيلُ الاستعارة فِيه هذا السبيلُ، ليَستحْكِمَ هذا البابُ في نفسِك، ولِتأْنَسَ به.
فمِن عجيب ذلك قولُ بعضِ الأعراب [من الرجز]:
الليلُ داجٍ كَنَفَا جِلْبَابِهْ ... والبَيْنُ مَحجورٌ على غُرَابهْ
стр. 133
ليس كلُّ ما تَرى من الملاحَةِ، لأَنْ جعَلَ لِلَّيلِ جلْباباً، وحَجَر على الغراب، ولكنْ في أَنْ وضَعَ الكلامَ الذي تَرى؛ فجعَلَ "الليل" مبتدأً، وجعل "داجٍ" خبراً له، وفعلاً لما بَعْدَه وهو الكنَفانُ، وأضافَ (الجَلْبابَ) إلى ضمير "الليل" ولأَنْ جَعلَ كذلك "البين" مبتدأً وأَجْرى "محجوراً" خبراً عنه، وأنْ أَخرَجَ اللفظَ عَلَى مفعول. يُبيِّنُ ذلك، أَنَّكَ لو قلْتَ: (وغرابُ البينِ محجورٌ عليه أو: قد حُجرَ على غراب البين)، لم تَجِدْ له هذه المَلاحة. وكذلك لو قلت: (قد دَجا كَنَفَا جلبابِ الليل) لم يكن شيئاً.
ومن النادر فيه قول المتنبي [من الخفيف]:
غَصَبَ الدهرَ والملوكَ عليها ... فَبنَاها في وَجْنة الدهر خالا
قد تَرى في أَول الأمرِ أنَّ حُسْنه أَجْمَع، في أنْ جَعلَ للدهر وَجْنةً، وجعل البُنيَّة خالاً في الوجنة؛ وليسَ الأَمرُ على ذلك. فإنَّ مَوْضعَ الأُعجوبةِ في أنْ أَخْرج الكلام مخْرجَهُ الذي تَرى، وأَنْ أَتَى بالخال منصوباً على الحال، من قوله "فَبنَاها". أفَلاَ ترى أَنك لو قُلْتَ: (وهي خالٌ في وَجْنة الدهر)، لوجدْتَ الصورة غيرَ ما تَرى؟
وشبيهٌ بذلك أنَّ ابنَ المعتز قال [من المجتث]:
يا مِسْكةَ العطَّارِ ... وخالَ وَجْهِ النهارِ
وكانت المَلاحَةُ في الإضافة بعد الإضافة، لا في استعارة لفظة "الخال". إذْ معلومٌ أَنه لو قال: (يا خالا في وجه النهار) أو: (يا مَنْ هو خالٌ في وجْه النهار)، لم يكن شيئاً. ومِنْ شأنِ هذا الضربِ أن يَدْخلَه الاستكراهُ. قال الصاحب: إياكَ والإضافاتِ المتداخلة، فإنَّ ذلك لا يَحْسُن! وذكَر أنه يُستعملُ في الهجاء كقول القائل [من الخفيف]:
يا عليُّ بنُ حمزةَ بنِ عمارَةْ ... أنتَ واللهِ ثلجةٌ في خِيارَهْ
ولا شُبْهَة في ثِقَل ذلك في الأَكثر؛ ولكنه إذا سَلِمَ من الاستكراه، لطُفَ ومْلحَ. ومما حَسُنَ فيه، قول ابن المعتز أيضاً [من الطويل]:
وظَلَّتْ تُديرُ الراحَ أَيْدي جآذرٍ ... عتاقِ دنانير الوجوهِ مِلاحِ
ومما جاء منه حَسَناً جميلاً، قولُ الخالديِّ في صفة غلام له [من المنسرح]:
ويَعرِفُ الشِّعْرَ مثْلَ معرفتي ... وهْو عَلَى أنْ يَزيد مجتهدُ
стр. 134
وصيْرفيُّ القريضِ وَزَّانُ دِينا ... رِ المعاني الدقاقِ مُنْتقِدُ
ومنه قولُ أبي تمام [من الكامل]:
خُذْها ابْنَةَ الفكْرِ المهذَّب في الدجى ... والليلُ أَسْودُ رقعةِ الجلبابِ
ومما كثُرَ الحُسْنُ فيه بسبب النظْم، قولُ المتنبي [من الطويل]:
وقَيَّدتُ نَفْسي في ذَرَاك مَحَبةً ... ومَنْ وَجَدَ الإحسان قَيْداً تَقيَّدا
الاستعارة في أصْلها مُبْتذلة معروفة، فإنَّك ترَى العاميَّ يقول للرجل، يَكْثُر إحسانُه إليه وَبرُّهُ له، حتى يألَفَه ويختارَ المقامَ عنده: (قد قيَّدني بكثرة إحسانه إليَّ، وجميلِ فِعْله معي، حتى صارتْ نفسي لا تُطاوِعُني على الخروج من عنده). وإنما كان ما ترى من الحُسْن بالمَسْلك الذي سلَكَ في النظم والتأليف.
стр. 135
فصل: القول في التقديم والتأخير
هو باب كثير الفوائد، جَمُّ المَحاسن، واسعُ التصرف، بعيدُ الغاية، لا يَزالُ يَفْتَرُّ لك عن بديعة، ويُفْضي بك إلى لَطيفة؛ ولا تَزال تَرى شعراً يَروقُك مَسْمَعُه، ويَلْطُف لديكَ مَوقِعُه، ثم تنظرُ فتجدُ سبَبَ أَنّ راقَكَ ولطُفَ عندك، أنْ قُدِّمَ فيه شيءٌ وحُوِّل اللفظ عن مكان إلى مكان.
واعلمْ أَنَّ تقديم الشيء على وجهين - تقديمٌ يُقال إِنه على نيَّةِ التأخير، وذلك في كل شيء أًَقرَرْتَه مع التقديم على حُكْمِه الذي كان عليه، وفي جنسه الذي كان فيه، كخبر المبتدأ إذا قدَّمْتَه على المبتدأ، والمفعولِ إذا قدَّمتَه على الفاعل، كقولك: (مُنْطَلِقٌ زيد، وضربَ عَمراً زيدٌ). معلوم أن "مُنْطلقٌ" "وعمراً" لم يَخْرجا بالتقديم، عما كانا عليه، من كون هذا خبرَ مبتدأ ومرفوعاً بذلك، وكونَ ذلك مفعولاً ومنْصوباً من أجله، كما يكون إذا أَخَّرْتَ. وتقديمٌ، لا على نية التأخير، ولكنْ على أنْ تَنقُلَ الشيءَ عن حُكْمٍ إلى حُكْمٍ وتجعلَه بابا غيرَ بابه، وإعراباً غيرَ إعرابه، وذلك أَن تَجيءَ إلى اسمينِ يُحتملُ كلُّ واحدٍ منهما أَنْ يكون مبتدأً، ويكون الآخرُ خبراً له، فتُقَدِّمُ تارةً هذا على ذاك، وأخرى ذاكَ على هذا. ومثالُه ما تَصْنعه (بزيد والمنطلق) حيث تقولُ مرة: (زيدٌ المنطلقُ)، وأُخرى: (المنطلقُ زيدٌ). فأنتَ في هذا لم تُقدِّمْ (المنطلق) على أن يكونَ متروكاً على حُكْمه الذي كان عليه مع التأخير، فيكونَ خبرَ مبتدأ كما كان، بل على أَنْ تَنْقلَه عن كَونه خبراً إلى كونه مبتدأً. وكذلك لم تؤخِّر (زيداً) على أن يكون مبتدأً كما كان، بل على أن تُخرجَه عن كونه مبتدأً إلى كونِه خبراً. وأَظهرُ من هذا قولُنا: (ضَربتُ زيداً، وزيدٌ ضربتُه)؛ لم تُقدِّم (زيداً) على أن يكون مفعولاً منصوباً بالفعل كما كان، ولكن على أن تَرْفَعه بالابتداء، وتشغلَ الفعلَ بضميره، وتجعلَه في موضعِ الخبر له. وإذْ قد عرفتَ هذا التقسيم فإني أُتبعه بجملة من الشرح.
واعلمْ أَنَّا لم نَجدْهُم اعتمدوا فيه شيئاً يَجري مجرى الأَصْل غيرَ العنايةِ والاهتمامِ.
стр. 136
قال صاحب الكتاب، وهو يَذكُر الفاعلَ والمفعولَ: كأنهم يُقدِّمون الذي بَيانُه أَهمُّ لهم، وهُم بشأنه أَعْنى، وإن كانا جميعاً يُهمَّانِهم ويَعْنيانِهم. ولم يَذْكر في ذلك مثالاً. وقال النحويون: إنَّ معنى ذلك أَنه قد يكونُ من أغراض الناس في فعلٍ ما، أنْ يَقَع بإنسانٍ بعينه، ولا يُبالون مَنْ أَوْقَعَه؛ كَمِثل ما يُعلمُ مِنْ حالهم، في حال الخارجي يَخْرُج فيعيثُ ويُفْسِد ويَكْثُرُ به الأذى، أَنهم يُريدون قَتْلَه ولا يُبالون مَنْ كانَ القتلُ منه، ولا يَعْنيهم منه شيءٌ. فإذا قُتل وأرادَ مُريدٌ (قتلَ زيدٌ الخارجيَّ) لأنه يعلم أنْ ليس للناس، في أن يعلموا أنَّ القاتلَ له زيدٌ، جَدْوى وفائدةٌ، فيَعْنيهم ذكْرُه ويهمُّهُمْ ويتَّصلُ بمسرتهم. ويَعْلم من حالهم أَنَّ الذي هم متوقِّعون له ومُتَطلّعون إليه، متى يكونُ، وقوعُ القتل بِالخارجي المُفْسِد، وأنهم قد كفُّوا شرَّه، وتخلَّصوا منه.
ثم قالوا: فإن كان رجلٌ ليس له بأس، ولا يقَدَّرُ فيه أنه يَقتُلُ فقَتلَ رجلاً، وأَرادَ المُخْبِرُ أن يُخْبر بذلك، فإنه يُقدِّم ذكرَ القاتلِ فيقول: (قتلَ زيدٌ رجلاً): ذاك لأَنَّ الذي يَعْنيه، ويَعْني الناسَ من شأن هذا القتل، طرافَتُه وموضعُ الندْرةِ فيه. وبُعدُه كان من الظنِّ. ومعلومٌ أَنه لم يكن نادراً وبعيداً من حيثُ كان واقعاً بالذي وَقَع به، ولكنْ من حيثُ كان واقعاً مِنَ الذي وقعَ منه. فهذا جيِّد بالغٌ؛ إلاَّ الشأنَ في أَنه يَنبغي أن يُعرَفَ في كل شيءٍ قُدِّمَ في موضع من الكلام، مثلُ هذا المعنى، ويُفسَّر وجهُ العنايةِ فيه هذا التفسير.
مواضع التقديم والتأخير
وقد وَقعَ في ظنون الناس أَنَّه يكفي أنْ يقال إنه قُدِّم للعناية، ولأنَّ ذكْرَه أَهمُّ، مِنْ غير أن يُذْكَر مِنْ أين كانت تلك العنايةُ، ولمَ كانَ أهمَّ. ولِتخيُّلهِم ذلك، قد صَغُر أمرُ التقديم والتأخير في نفوسهم، وهَوَّنوا الخَطْبَ فيه، حتى إنك لتَرى أكثرَهم يَرى تَتبُّعَه والنظرَ فيه، ضرباً من التكلف؛ ولم ترَ ظنّاً أزْرى على صاحبه من هذا وشَبهه.
стр. 137
وكذلك صَنعوا في سائر الأبواب؛ فجعلوا لا يَنْظرونَ في الحَذْف والتكرار، والإظهار والإضمار، والفصْل والوصل، ولا في نوع من أنواع الفُروق والوجوه، إلا نَظَرُك فيما غيرُه أهمُّ لك، بل فيما إن لم تعلَمْه لم يَضُرَّك. لا جَرَمَ أَنَّ ذلك قد ذَهَبَ بهم عن معرفة البلاغة، ومنَعَهم أن يَعرفوا مقاديرها، وصدَّ أوْجُهَهُمْ عن الجهة التي هي فيها، والشِّقِّ الذي يَحْويها. والمَداخِلُ التي تَدخُلُ منها الآفةُ على الناس في شأن العلم، ويَبْلُغ الشيطانُ مُرادهَ منهم، في الصدِّ عن طَلبهِ وإحراز فضيلته، كثيرةٌ.
стр. 138
وهذه مِنْ أَعْجبها - إن وجَدْتَ متعجِّباً - وليتَ شعري إن كانت هذه أموراً هيِّنة، وكان المدى فيها قريباً، والجَدى يسيراً، من أينَ كانَ نَظْمٌ أشرَفَ من نَظمٍ، وبِمَ عَظُمَ التفاوتُ، واشتدَّ التباينُ، وتَرقَّى الأمرُ إلى الإعجاز، وإلى أن يَقْهر أعناقَ الجبابرة؟ أَوَ هاهنا أمورٌ أُخَرٌ نُحيلُ في المزية عليها، ونَجْعلُ الإعجازُ كان بها، فتكونَ تلكَ الحوالةُ لنا عذْراً في ترك النظر في هذه التي معنا، والإعراضِ عنها وقلَّة المبالاةِ بها؟ أَوَ ليس هذا التهاونُ - إنْ نَظَر العاقلُ - خيانةً منه لِعقله ودينهِ، ودخُولاً فيما يُزري بذي الخَطَر، ويغضُّ من قَدْر ذَوي القَدر؟ وهل يكون أضعفُ رأياً وأبعدُ من حُسْن التدبر منكَ، إذا هَمَّك أنْ تعرفَ الوجوهَ في ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [يس: ١٠] والإمالةَ في ﴿رَأَى القمر﴾ [الأنعام: ٧٧] وتعرفَ "الصراط" و "الزراط" وأشباهَ ذلك، مما لا يَعْدُو عِلْمُك فيه اللفظَ وجَرْسَ الصوت، ولا يَمنعُكَ إنْ لم تَعلمْه بلاغةً، ولا يَدْفعُكَ عن بيانٍ، ولا يُدخِلُ عليك شَكّاً، ولا يُغْلق دونَكَ بابَ معرفةٍ، ولا يُفْضى بك إلى تحريفٍ وتبديلٍ، وإلى الخطإ في تأويلٍ، وإلى ما يَعظُمُ فيه المَعابُ عليكَ، ويُطيلُ لسانَ القادحِ فيك، ولا يَعْنيكَ ولا يَهُمُّك أنْ تَعرف ما إذا جهلْتَه، عرَّضْتَ نفسَك لكل ذلك، وحصلْتَ فيما هنالك، وكان أكثرُ كلامِك في التفسير، وحيثُ تخوض في التأويل، كلامَ مَنْ لا يَبْني الشيءَ على أصله، ولا يأخذُهُ من مَأْخذه، ومَنْ ربما وَقَعَ في الفاحش من الخطإ الذي يَبقى عارُه، وتَشنُع آثارُه.
ونَسأل اللهَ العِصْمةَ من الزلَلِ، والتوفيقَ لما هو أقربُ إلى رضاه، من القول والعمل.
стр. 139
واعلمْ أَنَّ مِن الخطإ أَنْ يُقْسَم الأَمرُ، في تقديم الشيء وتأخيرهِ قسميْن، فيُجْعَلَ مفيداً في بعض الكلام، وغيرَ مفيدٍ في بعضٍ؛ وأَنْ يُعلَّل تَارةً بالعناية، وأخرى بأنه تَوْسِعةٌ على الشاعر والكاتب، حتى تَطَّردَ لهذا قَوافيهِ ولِذاكَ سجعُهُ. ذاك لأنَّ من البعيد أَنْ يكون في جملة النظْم ما يدلُّ تارةً ولا يَدلُّ أُخْرى. فمتى ثبتَ في تقديم المفعولِ مَثلاً على الفعل، في كثيرٍ من الكلام، أَنَّه قد اخْتُصَّ بفائدةٍ لا تكونُ تلك الفائدةُ سمع التأخُّر، فقد وَجَب أن تكونَ تلك قضيةً في كل شيءٍ وكلِّ حالٍ. ومِنْ سبيلِ مَنْ يَجْعلُ التقديمَ وترْكَ التقديم سواءً، أنْ يدَّعي أنه كذلك في عموم الأحوال. فأمَّا أَن يَجْعله بَيْنَ بينَ، فيزعُمُ أنه للفائدة في بعضها، وللتصرف في اللفظ مِنْ غيرِ معنًى في بعض، فما ينبغي أن يَرْغَبَ عن القول به.
وهذه مسائلُ لا يَستطِيع أحدٌ أن يَمتنِعَ من التفرقة بين تقديمِ ما قُدِّمَ فيها وتَرْكِ تقديمه.
стр. 140
ومِنْ أَبْيَن شيءٍ في ذلك: الاستفهامُ بالهمزة. فإنَّ موضعَ الكلام على أَنك إذا قلتَ: (أَفَعلْتَ؟) فبدأتَ بالفعل، كان الشكُّ في الفعل نَفْسِه وكان غَرضُكَ مِن استفهامك، أنْ تَعْلم وُجودَه. وإِذا قلتَ: (أأَنْتَ فعلتَ؟)، فبدأْتَ بالاسم، كان الشكُّ في الفاعل، مَنْ هوَ، وكان التردُّدُ فيه. ومثالُ ذلك أَنَّك تقولُ: (أَبَنَيْتَ الدارَ التي كنتَ على أنْ تَبْنِيهَا؟ أَقُلْتَ الشِّعرَ الذي كان في نفسكَ أن تقولَهُ؟ أفَرَغْتَ من الكتابِ الذي كنتَ تَكتُبُه؟). تبدأ في هذا ونحْوهِ بالفعل، لأنَّ السؤالَ: عنِ الفعلِ نفْسهِ، والشكَّ فيه، لأنَّك في جميع ذلك، متردِّدٌّ في وجود الفعل وانتفائه، مُجوِّزٌ أَنْ يكونَ قد كانَ، وأنْ يكونَ لم يَكُنْ. وتقول: (أأَنْتَ بَنَيْتَ هذهِ الدارَ؟ أأنْتَ قلتَ هذا الشعرَ؟ أأَنتَ كتبْتَ هذا الكتاب؟) فتَبْدأ في ذلك كله بالاسم. ذلك لأنك لم تَشُكَّ في الفعل أنه كانَ. كيفَ، وقد أشرْتَ إلى الدار مَبْنية، والشِّعر مَقُولاً والكتابِ مكتوباً؟ وإنما شكَكْتَ في الفاعل مَنْ هو. فهذا من الفَرْق لا يَدْفعُه دافعٌ، ولا يَشكُّ فيه شاكٌّ، ولا يَخْفى فسادُ أحدِهما في موضع الآخر. فلو قلتَ: (أأَنْتَ بَنيتَ الدارَ التي كنتَ على أنْ تبنيها؟ أَأَنْتَ قلتَ الشعرَ الذي كان في نفسك أن تَقولَه؟ أأَنْتَ فرغْتَ من الكِتاب الذي كنتَ تكْتُبه؟) خرَجْتَ من كلام الناس. وكذلك لو قلْتَ: (أبَنَيْتَ هذه الدارَ؟ أَقلت هذا الشعرَ؟ أَكتبتَ هذا الكتابَ؟) قلْتَ ما ليس بقولِ ذاك، لِفَساد أنْ تقولَ في الشيء المُشَاهَدِ الذي هو نُصْبُ عينيكَ: أَموجودٌ أم لا؟
стр. 141
ومما يُعلَمُ به ضرورةً، أنه لا تكونُ البدايةُ بالفعل كالبداية بِالاسم، أَنك تقول: (أقلتَ شعراً قط؟ أرأيتَ اليومَ إنساناً؟) فيكونُ كلاماً مستقيماً. ولَو قلتَ: (أأَنْتَ شعراً قط؟ أأنت رأيتَ إنساناً) أخطأتَ. وذاك أَنه لا مَعْنى للسؤال عن الفاعلِ مَنْ هو، في مثل هذا؛ لأنَّ ذلك إنما يُتَصوَّر إذا كانت الإشارةُ إلى فعلٍ مخصوصٍ. نَحْوَ أَنْ تقول: (مَنْ قال هذا الشعرَ؟ ومَنْ بَنى هذه الدارَ؟ ومَنْ أتاك اليومَ؟ ومن أَذِنَ لك في الذي فعلتَ؟)، وما أشبه ذلك مما يُمكنُ أن يُنَصَّ فيه على مُعَيَّنٍ. فأمَّا قيلُ شعرٍ على الجملة، ورؤيةُ إنسانٍ على الإطلاق، فمُحَالٌ ذلك فيه. لأَنه ليس مما يُخْتصُّ بهذا دون ذاكَ حتى يُسْأَلَ عن عين فاعلهِ. ولو كان تقديمُ الاسم لا يُوجب ما ذكَرْنا، من أنْ يكونَ السؤالُ عن الفاعل مَنْ هو، وكان يَصِحُّ أن يكون سؤالاً عن الفعل: أكانَ أمْ لم يكُنْ، لكانَ ينبغي أَنْ يَستقيمَ ذلك.
تقديم المسند إليه مع الاستفهام التقريري والإنكاري
стр. 142
واعلمْ أَنَّ هذا الذي ذكرتُ لك في الهمزة "وهي للاستفهام" قائمٌ فيها، إِذا هيَ كانت للتقرير. فإذا قلتَ: (أَأَنْتَ فعلتَ ذاك)، كان غرَضُكَ أنْ تُقَرِّرَهُ بأنه الفاعلُ؛ يُبَيِّنُ ذلكَ قولُه تعالى، حكايةً عن قَوْل نمروذ ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هاذا بِآلِهَتِنَا ياإبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٢] لا شبْهةَ في أنهم لم يقولوا ذلك له ﵇، وهم يُريدون أنْ يُقِرَّ لهم بأَنَّ كَسْرَ الأصنام قد كان، ولكنْ أَنْ يُقِرَّ بأنه منهُ كان؛ وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم. "أأَنْتَ فعلْتَ هذا"؟ وقال هو ﵇ في الجواب: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هاذا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. ولو كان التقريرُ بالفعل، لَكانَ الجوابُ: فَعلْتُ، أوْ: لم أَفْعَل! فإن قلتَ: أوَ ليس إذا قال: "أَفَعَلْتَ"، فهو يريد أيضاً أن يُقرِّره بأَنَّ الفعلَ كان منه، لا بأنه كان على الجملة؟ فأيُّ فَرْقٍ بينَ الحالَيْنِ؟ فإنه إذا قال: "أَفَعَلْتَ" فهو يقرره بالفعل مِنْ غير أن يُردِّدَه بينَه وبينَ غيرهِ، وكان كلامُه كلامَ مَنْ يُوهِمُ أنه لا يَدْري أنَّ ذلك الفعلَ كان على الحقيقة. وإذا قال: (أأنت فعلت؟) كان قد ردَّدَ الفعلَ بينه وبين غيره، ولم يكُنْ منه في نَفْس الفعلِ تردُّدٌ، ولم يكن كلامُه كلامَ مَنْ يُوهم أنه لا يَدْري أَكانَ الفعلُ أمْ لم يَكُنْ. بدلالةِ أَنك تَقولُ ذلك، والفعلُ ظاهرٌ موجودٌ مشار إليه، كما رأيْتَ في الآية.
واعلمْ أنَّ الهمزةَ فيما ذكرنا، تَقريرٌ بفعلٍ قد كان، وإنكارٌ له لِمَ كان، وتوبيخٌ لفاعِلِه عليه.
стр. 143
ولها مذهبٌ آخر وهو أن يكونَ لإنكار أَنْ يكونَ الفعلُ قد كانَ مِنْ أَصْله. ومثاله قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ [الإسراء: ٤٠]. وقولُه : ﴿أَصْطَفَى البنات على البنين (*) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٣ - ١٥٤]. فهذا رَدٌّ على المشركينَ وتكذيبٌ لهم في قولهم ما يُؤَدِّي إلى هذا الجهل العظيم. وإذا قُدِّم الاسمُ في هذا، صارَ الإنكارُ في الفاعل، ومثالُه، قولُكَ للرجل قد انْتَحلَ شِعراً: (أأَنْتَ قلتَ هذا الشعر؟ كذبتَ لسْتَ ممنْ يُحْسِن مِثلَه)، أَنْكَرْتَ أنْ يكونَ القائلَ ولم تُنكِرِ الشِّعرَ. وقد تكونُ إذْ يُرادُ إنكارُ الفعل من أَصْله ثم يُخرَجُ اللفظُ مخرجَه، إذا كان الإنكار في الفاعل. مثالُ ذلك قولُه تعالى: ﴿قُلْءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩]. الإذْنُ راجعٌ إلى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً﴾ [يونس: ٥٩]. ومعلومٌ أَنَّ المعنى على إنكار أن يكون قد كان من الله تعالى إذْنٌ فيما قالوه، من غير أن يكونَ هذا الإذْنُ قد كان من غير الله، فأضافوه إلى الله. إلاَّ أَنَّ اللفظَ أُخرجَ مخرَجَهُ إذا كان الأمر كذلك، لأنْ يُجعَلوا في صورة مَنْ غَلِطَ، فأضاف إلى الله تعالى إذْناً، كان من غير الله؛ فإِذا حقّقَ عليه ارتدع. ومثالُ ذلك قولُكَ للرجلِ يَدَّعي أنَّ قولاً كان ممَّن تَعْلَم أنه لا يقولُه: (أهو قال ذاك بالحقيقة أم أنتَ تَغْلَطُ؟) تضَعُ الكلامَ وضْعهَ إذا كنتَ علمتَ أنَّ ذلك القولَ، قد كان مِنْ قائلٍ لينصرِفَ الإنكارُ إلى الفاعل، فيكونَ أَشَدَّ لنفيِ ذلك وإبطاله.
стр. 144
ونظيرُ هذا قولُه تعالى: ﴿قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين﴾ [الأنعام: ١٤٣]، أُخرجَ اللفظُ مَخْرجَه، إذا كان قد ثبتَ تحريمٌ في أحدِ أشياء، ثم أُريدَ معرفةُ عين المحرَّم، مع أنَّ المراد إنكارُ التحريم مِنْ أصله ونَفْيُ أن يكونَ قد حُرِّمَ كأنه قد كان؛ ثم يُقال لهم: أَخْبِرونا عن هذا التحريم الذي زعمتُمْ، فيمَ هو؟ أفي هذا، أم ذاك، أم في الثالث؟ ليتبيَّنَ بُطْلانُ قولِهمْ ويَظْهَرَ مكانُ الفِرْية مِنهم على الله تعالى. ومثل ذلك قولُكَ للرجلِ يدَّعي أمراً وأنتَ تُنْكِره: (متى كان هذا، أفي ليل أم نهاراً؟) تضَعُ الكلامَ وضْعَ مَنْ سَلَّم أنَّ ذلك قد كان، ثم تُطالِبُه ببيان وقْتهِ يَتَبيَّنَ كذبَهُ إذا لم يَقْدر أن يَذكُرَ له وقتاً ويُفتضَح. ومثلُهُ قولُكَ: (مَنْ أَمرَكَ بهذا مِنَّا، وأَيُّنا أَذِنَ لكَ فيه؟) وأنتَ لا تَعني أنَّ أَمْراً قد كان بذلك مِنْ واحدٍ منكم، إلا أنَّكَ تَضَعُ الكلامَ هذا الوضْعَ لكي تُضيِّقَ عليه ولِيَظْهَر كَذِبُه حينَ لا يَستطيعُ أن يقولُ: فلانٌ، وأَنْ يُحيلَ على واحد.
التقديم والتأخير في الاسم والمضارع مع الاستفهام
وإذ قد بينَّا الفَرْقَ بين تقديم الفعلِ وتقديم الاسم والفعلُ ماضٍ، فينبغي أن يُنظَر فيه والفعلُ مضارعٌ. والقول في ذلك أَنك إِذا قلت: (أَتفَعلُ)، و (أَأَنْتَ تَفعل؟) لم يَخْلُ من أن تُريدَ الحالَ أو الاستقبالَ. فإن أردتَ الحالَ، كان المعنى شبيهاً بما مَضى في الماضي. فإذا قلتَ: (أتفعل؟) كان المعنى على أنكَ أردتَ أن تُقرِّره بفعل هو يفعلُه، وكنتَ كمَن يُوهِمِ أنه لا يَعلمُ بالحقيقة أنَّ الفعلَ كائنٌ. وإذا قلتَ: (أأَنتَ تَفْعل؟) كان المعنى على أنك تريد أن تُقرِّره بأنه الفاعل، وكانَ أمْرُ الفعلِ في وجوده ظاهراً، وبحيثُ لا يُحتاج إلى الإقرار بأنه كائن. وإن أردتَ بـ "تَفْعلُ" المستقبلَ، كان المعنى، إذا بدأْتَ بالفعل، على أنك تَعْمد بالإنكار، إلى الفعل نفسه، وتَزعم أنه لا يكونُ أو أنه لا ينبغي أن يكون. فمثال الأول [من الطويل]:
أَيقتُلُني والمَشْرَفيُّ مُضَاجِعي ... وَمَسْنونةٌ زُرْقٌ كأَنيابِ أغوالِ
стр. 145
فهذا تكذيبٌ منه لإنسانٍ تهَدَّدَهُ بالقتل، وإنكارٌ أن يَقْدر على ذلك ويَستطيعَه. ومثْلُه أن يَطمعَ طامعٌ في أمرٍ لا يكونُ مثْلَهُ فتُجهِّلَه في طمعه فتقولَ: (أيرضى عنك فلانٌ وأنتَ مقيمٌ على ما يَكرهُ؟) (أتَجِدُ عنده ما تُحبُّ وقد فَعلتَ وصنَعْت؟) وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨]. ومثالُ الثاني، قولُك للرجل يركَب الخطرَ: (أتَخرجُ في هذا الوقت؟ أتذْهَبُ في غير الطريق؟ أَتُغرِّر بنفسك؟) وقولُك للرجل يُضيعُ الحقَّ: (أَتنسى قديمَ إحسانِ فلانٍ؟) أتترْكُ صُحبتَه وتَتغيرُ عن حالك معه، لأنْ تغيَّر الزمانُ؟) كما قال [من الطويل]: أأتركُ أنْ قلَّتْ دراهمُ خالدٍ ... زيارتَه؟ إني إذاَ لَلئِيمُ
وجملةُ الأمر، أَنك تَنْحو بالإنكار نَحْوَ الفعلِ، فإنْ بدأت بالاسم فقلتَ: (أأنتَ تَفعلِ؟) أو قلتَ: (أهو يفعل؟) كنتَ وجَّهْتَ الإنكارَ إلى نفس المذكور وأبيْتَ أن تكون بموضع أَنْ يجيءَ منه الفعلُ وممن يجيءُ منه، وأن يكونَ بتلك المَثَابة. تفسيرُ ذلك أنكَ إذا قلتَ: (أأنتَ تمنعني؟ أأنتَ تأخذ على يدي؟) صرتَ كأنك قلتَ: إنَّ غيرَك الذي يستطيع منْعي والأخْذَ على يدي، ولستَ بذاك، ولقد وضعتَ نفسَك في غير موضعك. هذا إذا جعلْتَه لا يكونُ منه الفعلُ للعَجْز، ولأنه ليس في وُسْعه. وقد يكونُ أن تجعلَه لا يجيءُ منه، لأنه لا يَختارُه ولا يَرْتضيه، وأنَّ نفْسَه نفسٌ تَأْبى مثلَه وتَكْرَهُه. ومثالُهُ أن تَقول: (أَهو يسأَل فلاناً؟) هو أَرفعُ همَّةً من ذلك. (أَهو يمَنعُ الناسَ حقوقَهم؟) هو أكرمُ من ذاك. وقد يكون أن تَجعله لا يَفْعله لصِغَر قدْره وقِصَر همَّته، وأَنَّ نفْسَه نَفسٌ لا تَسمو. وذلك قولُك: (أهو يَسْمح بمثل هذا؟) (أهو يَرتاحُ للجميل؟) هو أَقصرُ همةً من ذلك، وأَقلُّ رغبةً في الخير مما تظنُّ.
следующие страницы →