Полный текст (435 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ومما يُعلَمُ به ضرورةً، أنه لا تكونُ البدايةُ بالفعل كالبداية بِالاسم، أَنك تقول: (أقلتَ شعراً قط؟ أرأيتَ اليومَ إنساناً؟) فيكونُ كلاماً مستقيماً. ولَو قلتَ: (أأَنْتَ شعراً قط؟ أأنت رأيتَ إنساناً) أخطأتَ. وذاك أَنه لا مَعْنى للسؤال عن الفاعلِ مَنْ هو، في مثل هذا؛ لأنَّ ذلك إنما يُتَصوَّر إذا كانت الإشارةُ إلى فعلٍ مخصوصٍ. نَحْوَ أَنْ تقول: (مَنْ قال هذا الشعرَ؟ ومَنْ بَنى هذه الدارَ؟ ومَنْ أتاك اليومَ؟ ومن أَذِنَ لك في الذي فعلتَ؟)، وما أشبه ذلك مما يُمكنُ أن يُنَصَّ فيه على مُعَيَّنٍ. فأمَّا قيلُ شعرٍ على الجملة، ورؤيةُ إنسانٍ على الإطلاق، فمُحَالٌ ذلك فيه. لأَنه ليس مما يُخْتصُّ بهذا دون ذاكَ حتى يُسْأَلَ عن عين فاعلهِ. ولو كان تقديمُ الاسم لا يُوجب ما ذكَرْنا، من أنْ يكونَ السؤالُ عن الفاعل مَنْ هو، وكان يَصِحُّ أن يكون سؤالاً عن الفعل: أكانَ أمْ لم يكُنْ، لكانَ ينبغي أَنْ يَستقيمَ ذلك.
تقديم المسند إليه مع الاستفهام التقريري والإنكاري
стр. 142
واعلمْ أَنَّ هذا الذي ذكرتُ لك في الهمزة "وهي للاستفهام" قائمٌ فيها، إِذا هيَ كانت للتقرير. فإذا قلتَ: (أَأَنْتَ فعلتَ ذاك)، كان غرَضُكَ أنْ تُقَرِّرَهُ بأنه الفاعلُ؛ يُبَيِّنُ ذلكَ قولُه تعالى، حكايةً عن قَوْل نمروذ ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هاذا بِآلِهَتِنَا ياإبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٢] لا شبْهةَ في أنهم لم يقولوا ذلك له ﵇، وهم يُريدون أنْ يُقِرَّ لهم بأَنَّ كَسْرَ الأصنام قد كان، ولكنْ أَنْ يُقِرَّ بأنه منهُ كان؛ وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم. "أأَنْتَ فعلْتَ هذا"؟ وقال هو ﵇ في الجواب: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هاذا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. ولو كان التقريرُ بالفعل، لَكانَ الجوابُ: فَعلْتُ، أوْ: لم أَفْعَل! فإن قلتَ: أوَ ليس إذا قال: "أَفَعَلْتَ"، فهو يريد أيضاً أن يُقرِّره بأَنَّ الفعلَ كان منه، لا بأنه كان على الجملة؟ فأيُّ فَرْقٍ بينَ الحالَيْنِ؟ فإنه إذا قال: "أَفَعَلْتَ" فهو يقرره بالفعل مِنْ غير أن يُردِّدَه بينَه وبينَ غيرهِ، وكان كلامُه كلامَ مَنْ يُوهِمُ أنه لا يَدْري أنَّ ذلك الفعلَ كان على الحقيقة. وإذا قال: (أأنت فعلت؟) كان قد ردَّدَ الفعلَ بينه وبين غيره، ولم يكُنْ منه في نَفْس الفعلِ تردُّدٌ، ولم يكن كلامُه كلامَ مَنْ يُوهم أنه لا يَدْري أَكانَ الفعلُ أمْ لم يَكُنْ. بدلالةِ أَنك تَقولُ ذلك، والفعلُ ظاهرٌ موجودٌ مشار إليه، كما رأيْتَ في الآية.
واعلمْ أنَّ الهمزةَ فيما ذكرنا، تَقريرٌ بفعلٍ قد كان، وإنكارٌ له لِمَ كان، وتوبيخٌ لفاعِلِه عليه.
стр. 143
ولها مذهبٌ آخر وهو أن يكونَ لإنكار أَنْ يكونَ الفعلُ قد كانَ مِنْ أَصْله. ومثاله قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ [الإسراء: ٤٠]. وقولُه : ﴿أَصْطَفَى البنات على البنين (*) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٣ - ١٥٤]. فهذا رَدٌّ على المشركينَ وتكذيبٌ لهم في قولهم ما يُؤَدِّي إلى هذا الجهل العظيم. وإذا قُدِّم الاسمُ في هذا، صارَ الإنكارُ في الفاعل، ومثالُه، قولُكَ للرجل قد انْتَحلَ شِعراً: (أأَنْتَ قلتَ هذا الشعر؟ كذبتَ لسْتَ ممنْ يُحْسِن مِثلَه)، أَنْكَرْتَ أنْ يكونَ القائلَ ولم تُنكِرِ الشِّعرَ. وقد تكونُ إذْ يُرادُ إنكارُ الفعل من أَصْله ثم يُخرَجُ اللفظُ مخرجَه، إذا كان الإنكار في الفاعل. مثالُ ذلك قولُه تعالى: ﴿قُلْءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩]. الإذْنُ راجعٌ إلى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً﴾ [يونس: ٥٩]. ومعلومٌ أَنَّ المعنى على إنكار أن يكون قد كان من الله تعالى إذْنٌ فيما قالوه، من غير أن يكونَ هذا الإذْنُ قد كان من غير الله، فأضافوه إلى الله. إلاَّ أَنَّ اللفظَ أُخرجَ مخرَجَهُ إذا كان الأمر كذلك، لأنْ يُجعَلوا في صورة مَنْ غَلِطَ، فأضاف إلى الله تعالى إذْناً، كان من غير الله؛ فإِذا حقّقَ عليه ارتدع. ومثالُ ذلك قولُكَ للرجلِ يَدَّعي أنَّ قولاً كان ممَّن تَعْلَم أنه لا يقولُه: (أهو قال ذاك بالحقيقة أم أنتَ تَغْلَطُ؟) تضَعُ الكلامَ وضْعهَ إذا كنتَ علمتَ أنَّ ذلك القولَ، قد كان مِنْ قائلٍ لينصرِفَ الإنكارُ إلى الفاعل، فيكونَ أَشَدَّ لنفيِ ذلك وإبطاله.
стр. 144
ونظيرُ هذا قولُه تعالى: ﴿قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين﴾ [الأنعام: ١٤٣]، أُخرجَ اللفظُ مَخْرجَه، إذا كان قد ثبتَ تحريمٌ في أحدِ أشياء، ثم أُريدَ معرفةُ عين المحرَّم، مع أنَّ المراد إنكارُ التحريم مِنْ أصله ونَفْيُ أن يكونَ قد حُرِّمَ كأنه قد كان؛ ثم يُقال لهم: أَخْبِرونا عن هذا التحريم الذي زعمتُمْ، فيمَ هو؟ أفي هذا، أم ذاك، أم في الثالث؟ ليتبيَّنَ بُطْلانُ قولِهمْ ويَظْهَرَ مكانُ الفِرْية مِنهم على الله تعالى. ومثل ذلك قولُكَ للرجلِ يدَّعي أمراً وأنتَ تُنْكِره: (متى كان هذا، أفي ليل أم نهاراً؟) تضَعُ الكلامَ وضْعَ مَنْ سَلَّم أنَّ ذلك قد كان، ثم تُطالِبُه ببيان وقْتهِ يَتَبيَّنَ كذبَهُ إذا لم يَقْدر أن يَذكُرَ له وقتاً ويُفتضَح. ومثلُهُ قولُكَ: (مَنْ أَمرَكَ بهذا مِنَّا، وأَيُّنا أَذِنَ لكَ فيه؟) وأنتَ لا تَعني أنَّ أَمْراً قد كان بذلك مِنْ واحدٍ منكم، إلا أنَّكَ تَضَعُ الكلامَ هذا الوضْعَ لكي تُضيِّقَ عليه ولِيَظْهَر كَذِبُه حينَ لا يَستطيعُ أن يقولُ: فلانٌ، وأَنْ يُحيلَ على واحد.
التقديم والتأخير في الاسم والمضارع مع الاستفهام
وإذ قد بينَّا الفَرْقَ بين تقديم الفعلِ وتقديم الاسم والفعلُ ماضٍ، فينبغي أن يُنظَر فيه والفعلُ مضارعٌ. والقول في ذلك أَنك إِذا قلت: (أَتفَعلُ)، و (أَأَنْتَ تَفعل؟) لم يَخْلُ من أن تُريدَ الحالَ أو الاستقبالَ. فإن أردتَ الحالَ، كان المعنى شبيهاً بما مَضى في الماضي. فإذا قلتَ: (أتفعل؟) كان المعنى على أنكَ أردتَ أن تُقرِّره بفعل هو يفعلُه، وكنتَ كمَن يُوهِمِ أنه لا يَعلمُ بالحقيقة أنَّ الفعلَ كائنٌ. وإذا قلتَ: (أأَنتَ تَفْعل؟) كان المعنى على أنك تريد أن تُقرِّره بأنه الفاعل، وكانَ أمْرُ الفعلِ في وجوده ظاهراً، وبحيثُ لا يُحتاج إلى الإقرار بأنه كائن. وإن أردتَ بـ "تَفْعلُ" المستقبلَ، كان المعنى، إذا بدأْتَ بالفعل، على أنك تَعْمد بالإنكار، إلى الفعل نفسه، وتَزعم أنه لا يكونُ أو أنه لا ينبغي أن يكون. فمثال الأول [من الطويل]:
أَيقتُلُني والمَشْرَفيُّ مُضَاجِعي ... وَمَسْنونةٌ زُرْقٌ كأَنيابِ أغوالِ
стр. 145
فهذا تكذيبٌ منه لإنسانٍ تهَدَّدَهُ بالقتل، وإنكارٌ أن يَقْدر على ذلك ويَستطيعَه. ومثْلُه أن يَطمعَ طامعٌ في أمرٍ لا يكونُ مثْلَهُ فتُجهِّلَه في طمعه فتقولَ: (أيرضى عنك فلانٌ وأنتَ مقيمٌ على ما يَكرهُ؟) (أتَجِدُ عنده ما تُحبُّ وقد فَعلتَ وصنَعْت؟) وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨]. ومثالُ الثاني، قولُك للرجل يركَب الخطرَ: (أتَخرجُ في هذا الوقت؟ أتذْهَبُ في غير الطريق؟ أَتُغرِّر بنفسك؟) وقولُك للرجل يُضيعُ الحقَّ: (أَتنسى قديمَ إحسانِ فلانٍ؟) أتترْكُ صُحبتَه وتَتغيرُ عن حالك معه، لأنْ تغيَّر الزمانُ؟) كما قال [من الطويل]: أأتركُ أنْ قلَّتْ دراهمُ خالدٍ ... زيارتَه؟ إني إذاَ لَلئِيمُ
وجملةُ الأمر، أَنك تَنْحو بالإنكار نَحْوَ الفعلِ، فإنْ بدأت بالاسم فقلتَ: (أأنتَ تَفعلِ؟) أو قلتَ: (أهو يفعل؟) كنتَ وجَّهْتَ الإنكارَ إلى نفس المذكور وأبيْتَ أن تكون بموضع أَنْ يجيءَ منه الفعلُ وممن يجيءُ منه، وأن يكونَ بتلك المَثَابة. تفسيرُ ذلك أنكَ إذا قلتَ: (أأنتَ تمنعني؟ أأنتَ تأخذ على يدي؟) صرتَ كأنك قلتَ: إنَّ غيرَك الذي يستطيع منْعي والأخْذَ على يدي، ولستَ بذاك، ولقد وضعتَ نفسَك في غير موضعك. هذا إذا جعلْتَه لا يكونُ منه الفعلُ للعَجْز، ولأنه ليس في وُسْعه. وقد يكونُ أن تجعلَه لا يجيءُ منه، لأنه لا يَختارُه ولا يَرْتضيه، وأنَّ نفْسَه نفسٌ تَأْبى مثلَه وتَكْرَهُه. ومثالُهُ أن تَقول: (أَهو يسأَل فلاناً؟) هو أَرفعُ همَّةً من ذلك. (أَهو يمَنعُ الناسَ حقوقَهم؟) هو أكرمُ من ذاك. وقد يكون أن تَجعله لا يَفْعله لصِغَر قدْره وقِصَر همَّته، وأَنَّ نفْسَه نَفسٌ لا تَسمو. وذلك قولُك: (أهو يَسْمح بمثل هذا؟) (أهو يَرتاحُ للجميل؟) هو أَقصرُ همةً من ذلك، وأَقلُّ رغبةً في الخير مما تظنُّ.
стр. 146
وجملةُ الأمر أنَ تقديَم الاسمِ يَقْتضي أنك عَمَدتَ بالإنكار إلى ذاتِ مَنْ قيل: إنه يَفْعل، أو قال هو: إني أفعلُ. وأردتَ ما تُريدُه إذا قلتَ: ليس هو بالذي يفعل، وليس مثلُه يَفعل. ولا يكونُ هذا المعنى إذا بدأتَ بالفعل فقلتَ: أَتفعل؟ ألا تَرى أنَّ المحال أن تَزعم أنَّ المعنى في قول الرجلِ لصاحبه: (أتَخْرجُ في هذا الوقت؟ أتغرِّرُ بنفسكَ؟ أتمضي في غير الطريق؟) أنَّه أَنكَرَ أنْ يكونَ بمثابةِ من يفعلُ ذلك وبموْضعِ من يَجيءُ منه ذاك. ذاكَ لأنَّ العِلمَ مُحيطٌ بأنَّ الناسَ لا يُريدونه، وأنَّه لا يَليقُ بالحال التي يُستعملُ فيها هذا الكلامُ. وكذلك مُحالٌ أن يكونَ المعنى في قوله جلَّ وعلاَ: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨] أنَّا لسْنا بمثابةِ مَنْ يجيءُ منه هذا الإلزامُ، وأَنَّ غيرَنا مَنْ يَفعله - جلَّ الله تعالى - وقد يَتوهَّمُ المتوهمُ في الشيء مِن ذلك أنه يحتمل؛ فإذا نَظَر لم يَحْتمل. فمِنْ ذلك قولُه:
أيقتلني والمشرفيُّ مضاجعي؟
وقد يَظنُّ الظانُّ أنه يَجوز أن يكونَ في معنى أنه ليس بالذي يَجيء منه أن يَقْتلَ مثْلي، ويَتعلَّق بأنه قال قبْلُ [من الطويل]:
يَغِطُّ غطيط البَكر شُدَّ خِنَاقُهُ ... ليقتلني والمرءُ ليس بقتَّالِ
ولكنهُ إذا نظَر عَلِمَ أنه لا يَجوز؛ وذاكَ لأنه قال "والمشرفيُّ مضاجِعي"، فذكَرَ ما يكون مَنْعاً من الفعل. ومحالٌ أن يقول: هو ممَّنْ لا يَجيءُ منه الفعلُ، ثم يقول: إني أَمنعُهُ؛ لأنَّ المَنْعَ يُتَصَوَّر فيمن يَجيءُ منه الفعلُ ومَع مَنْ يَصِحُّ منه، لا مَنْ هو منه مُحالٌ، ومَنْ هو نَفْسُه عنه عاجزٌ، فاعرفْه!
стр. 147
واعلمْ أَنَّا، وإن كنَّا نُفَسِّر الاستفهامَ في مثل هذا، بالإِنكار، فإنَّ الذي هو مَحْضُ المعنى، أَنه لِيَتَنَبَّه السامعُ حتى يَرجعَ إلى نفسه، فيَخْجل ويرتَدِعَ ويَعْيَا بالجواب، إمَّا لأنه قد ادَّعَى القدرةَ عَلَى فِعْلٍ لا يَقدرُ عليه، فإذا ثبتَ على دَعْواه قيل له: "فافْعَلْ"، فيَفْضحُه ذلك؛ وإمَّا لأَنه همَّ بأنْ يفعلَ ما لا يَسْتصوِبُ فِعْلَه، فإذا رُوجع فيه، تنبَّه وعرَفَ الخطأَ؛ وإما لأَنه جوَّزَ وجود أمرٍ لا يُوجَدُ مثلُه، فإذا ثَبَتَ على تَجْويزه وُبِّخَ على تَعَنُّتِهِ وقيل له: فأَرِناهُ، في موضعٍ، وفي حال، وأقِمْ شاهداً على أنه كان في وقْت. ولو كان يكونُ للإِنكار وكان المعنى فيه مِنْ بَدْء الأمر، لكان يَنْبغي أَنْ لا يَجيءَ فيما لا يَقولُ عاقلٌ إنه يكونُ حتى يُنْكَرَ عليه، كَقَولهم: (أَتصعدُ إلى السماء؟ أتستطيعُ أن تَنْقلَ الجبالَ؟ أإلى رَدِّ ما مَضى سَبيلٌ؟)
الاستفهام على سبيل التشبيه والتمثيل
وإذْ قد عرفْتَ ذلك، فإنه لا يُقرِّر بالمحال، وبما لا يقول أَحدٌ، إنه يكون، إلاَّ على سبيل التمثيلِ، وعلى أنْ يُقالَ له: إنَّكَ في دَعْواك ما ادَّعَيْتَ، بمنزلةِ مَنْ يَدَّعي هذا المُحال، وإنكَ في طَمَعك في الذي طمعْتَ فيه، بمنزلة مَنْ يَطْمعُ في المُمْتَنعِ.
وإذْ قد عرفْتَ هذا، فما هو مِنْ هذا الضربِ، قولُه تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِي العمي﴾ [الزخرف: ٤٠] ليس إسماعُ الصُّم مما يدَّعيه أَحدٌ، فيكون ذلك للإنكار؛ وإنما المعنى فيه التمثيلُ والتشبيه، وأَنْ يُنْزَّل الذي يُظَنُّ بهم أنهم يَسْمعون، أو أنه لا يستطيع إسماعِهم، مَنْزلةَ مَنْ يَرى أنه يُسْمِعُ الصمَّ ويهدي العُمْيَ. ثم المعنى في تَقديم الاسم، وأَنْ لم يُقَلْ "أَتُسمع الصمَّ"، هو أن يُقال للنبيِّ ﷺ : (أأَنْتَ خُصوصاً قد أُوتيتَ أن تُسمِعَ الصمَّ؟) وأن يُجْعَل في ظنه أنه يستطيع إسماعهم، بمثابة مَنْ يَظُنُّ أنه قد أُوتيَ قدرةً على إسماع الصم. ومن لطيف ذلك، قولُ ابنِ أبي عيينة [من الكامل]:
стр. 148
فدَع الوعيدَ فما وعيدُكَ ضائري ... أَطنِينُ أجنحةِ الذباب يَضيرُ؟ جعلَه كَأنه قد ظَنَّ أنَّ طنين أجنحةِ الذبابِ بمثابةِ ما يَضيرُ، حتى ظَنَّ أنَّ وعيدَه يَضيرْ.
تقديم المفعول على الفعل على الاستفهام
واعلمْ أنَّ حالَ المفعولِ فيما ذكرنا، كحال الفاعل. أَعني: تقديمُ الاسم المفعول يَقتضي أنْ يكون الإنكارُ في طريق الإحالة والمنعِ مِنْ أن يكون بمثابة أَنَّ يُوقَع به مثلُ ذلك الفعلُ. فإذا قلْتَ: (أزيداً تضرب؟) كنتَ قد أَنكرْتَ أن يكون زيدٌ بمثابة أن يُضرَبَ أَو بموضع أن يُجْترأَ عليه ويُسْتَجازَ ذلك فيه. ومِن أَجْل ذلك قُدِّمَ (غير) في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام: ١٤]، وقوله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠]. وكان له من الحُسْن والمزية والفخامة، ما تَعلمُ أنه لا يكون، لو أُخِّرَ، فقيل: (قلْ أَأتخِذُ غيرَ الله ولياً وأَتَدعون غيرَ الله؟) وذلك لأنه قد حصَل بالتقديم معنى قولك: (أيكون غير الله) بمثابة أن (يتخذ ولياً؟) وأَيرْضى عاقلٌ مِنْ نفسه أنْ يفعل ذلك؟ وأيكونُ جهلٌ أجهلَ وعمّى أعمى من ذلك؟ ولا يكون شيء من ذلك إذا قيلَ: (أأتَّخِذُ غيرَ الله ولياً). وذلك لأنه حينئذٍ يَتَناولُ الفعلَ أن يكونَ فقط، ولا يَزيد على ذلك فاعرفْه! وكذلك الحكْمُ في قوله تعالى: ﴿فقالوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤]، وذلك لأنهم بَنَوْا كُفْرَهم على أَنَّ مَنْ كان مثْلَهم بَشَراً، لم يكن بمثابةِ أنْ يُتَّبع ويُطاع ويُنْتَهَى إلى ما يَأْمر، ويُصدَّقَ أَنه مبعوثٌ من الله تعالى، وأنهم مأمورون بطاعته، كما جاء في الأخرى: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا﴾ [إبراهيم: ١٠] وكقوله : ﴿فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك فأولائك هُمُ العادون﴾ [المؤمنون: ٧]. فهذا هو القولُ في الضرب الأَول، وهو أن يكون يَفْعلُ بَعد الهمزة لِفعلٍ لم يَكُنْ.
وأما الضربُ الثاني وهو أن يكون يَفْعَل لفعلٍ موجود، فإنَّ تقديم الاسم يَقتضي شَبَهاً بما اقتضاهُ في الماضي من الأخذ بأن يُقرَّ أنه الفاعلُ، أو الإنكار أنَ يكون الفاعلَ. فمثال الأول، قولك للرجل يَبْغي ويَظْلِمُ: (أَأنت تجيءُ إلى الضعيف فتغْصِبَ ما لَه؟ أأنتَ تَزْعُم أنَّ الأمرَ كَيْتَ وكيت؟) وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. ومثال الثاني: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
стр. 149
فصل: التقديم والتأخير مع النفي
وإذْ قد عرَفْتَ هذه المسائلَ في الاستفهام.
فهذه مسائل في النفي: إذا قلْتَ: (ما فعلتُ). كنْتَ نَفَيْتَ عنك فِعْلاً لم يَثْبتْ أَنه مفعولٌ. وإذا قلتَ: (ما أنا فعلْتُ). كنتَ نفَيْتَ عنك فِعْلاً ثَبَت أَنه مفْعُولٌ. تفسيرُ ذلك أَنك إذا قلتَ: (ما قلتُ هذا): كنتَ نَفيتَ أن تكونَ قد قلْتَ ذاك، وكنتَ نُوظرْتَ في شيءٍ لم يَثْبُتْ أنه مَقُولٌ. وإِذا قلتَ: (ما أنا قلتُ هذا): كنتَ نفَيْتَ أن تكون القائلَ له، وكانتِ المناظرةُ في شيءٍ ثَبَتَ أنه مقُولٌ. وكذلك إذا قلت: (ما ضربتُ زيداً). كنتَ نفيتَ عنكَ ضَرْبَه ولم يَجِبْ أن يكون قد ضُرِبَ، بل يَجوزُ أن يكونَ قد ضَرَبَه غَيرُك، وأنْ لا يكونَ قد ضُرِبَ أصْلاً. وإذا قلتَ: (ما أنا ضربْتُ زيداً) لم تَقلْه إلاَّ وزَيدٌ مضروبٌ، وكان القصْدُ أن تَنْفي أن تكون أنتَ الضاربَ. ومن أَجْل ذلك، صَلُحَ في الوجه الأولِ أن يكون المَنْفيُّ عامّاً كقولك: (ما قلتُ شعراً قطُّ، وما أكلتُ اليومَ شيئاً، وما رأيتُ أحداً من الناس): ولم يَصْلُحْ في الوجه الثاني. فكان خَلْقاًَ أن تقولَ: (ما أنا قلتُ شِعراً قطُّ، وما أنا أكَلتُ اليومَ شيئاً، وما أنا رأيتُ أحداً من الناس): وذلك لأنه يقتضي المُحَال، وهو أن يكونَ هاهنا إنسانٌ قد قال كلَّ شعرٍ في الدنيا، وأكَل شيءٍ يؤكلُ، ورأى كلَّ أحدٍ من الناس، فنفيتَ أن تَكُونَه ومما هو مثالٌ بيِّن في أنَّ تقديمَ الاسمِ يَقْتضي وجودَ الفعل قولُه [من المتقارب]:
وما أنا أَسقَمْتُ جِسْمي بهِ ... ولا أنا أَضرمتُ في القلبِ ناراً
стр. 150
المَعنى، كما لا يَخْفى، على أنَّ القسْمَ ثابتٌ موجود، وليس القصدُ بالنفي إليه، ولكنْ إلى أن يكونَ هو الجالبَ له، ويكونَ قد جرَّه إلى نفسه. ومثله في الوضوح قوله [من الطويل]:
وما أنا وَحدي قلتُ ذا الشعرَ كلَّهُ
الشعرُ مَقولٌ على القَطْع والنفي، لأن يكونَ هوَ وحْدَه القائلَ له.
مواضع التقديم والتأخير - النفي
وهاهنا أَمران يَرتفعُ معهما الشكُّ في وجوب هذا الفَرْق، ويَصيرُ العِلمُ به كالضرورة.
(أحَدُهما) أنه يَصِحُّ لكَ أن تقول: (ما قلتُ هذا، ولا قاله أحدٌ من الناس)، (وما ضربتُ زيداً ولا ضَرَبَه أحدٌ سوِاي): ولا يصحُّ ذلك في الوجه الآخر. فلو قلتَ: (ما أنا قلتُ هذا، ولا قاله أحدٌ من الناس، وما أنا ضَربتُ زيداً ولا ضرَبَهُ أَحدٌ سواي)، كان خَلْفاً من القول، وكان في التناقض بمنزلة أن تقول: (لستُ الضاربَ زيداً أمسِ): فتُثْبِتَ أنه قد ضُربَ؛ ثم تقولَ مِنْ بَعدهِ: (وما ضَرَبَه أحدٌ مِن الناس): ولستَ القائلَ ذلك: فتُثبِتَ أنه قد قيل، ثم تجيءَ فتقولَ. وما قاله أَحدٌ من الناس.
والثاني من الأمرين أَنك تقول: (ما ضربتُ إلاَّ زيداً): فيكونُ كلاماً مسْتقيماً، ولو قلت: (ما أنا ضربتُ إلاَّ زيداً): كان لَغُواً من القول، وذلك لأن نَقْضَ النفي "بإلاَّ"، يَقْتضي أن تكونَ ضربْتَ زيداً؛ وتقديمُكَ ضميرَك وإيِلاؤه حَرْفَ النفْي، يقتضي نَفْي أن تكون ضَرَبْتَه، فهما يتدافعان، فاعرفْه!
المفعول المنفيّ
ويجيء لك هذا الفرقُ على وَجْهه في تقديمِ المفعول وتأخيره؛ فإذا قلت: (ما ضربتُ زيداً): فقدَّمْتَ الفعلَ، كان المعنى أَنك قد نَفيْتَ أن يكونَ قد وقَع ضَرْبٌ منك على زيدٍ، ولم تَعرِضْ في أَمرٍ غَيرهِ لنفيٍ ولا إثبات، وتركْتَه مُبْهَماً محتمَلاً. وإذا قلتَ: (ما زيداً ضربتُ): فقدَّمْتَ المفعول، كان المعنى على أنَّ ضرْباً وقعَ منكَ على إنسانٍ، وظُنَّ أنَّ ذلك الإنسانَ زيدٌ، فنفيتَ أَن يكون إياه. فلك أن تقول في الوجه الأول: (ما ضربتُ زيداً ولا أحداً من الناس) وليس لك في الوجه الثاني. فإنْ قلتَ: (ما زيداً ضربتُ ولا أحداً من الناس)، كان فاسداً على ما مضى في الفاعل.
стр. 151
ومما ينبغي أن تَعلمه، أنه يَصحُّ لك أن تقول: (ما ضربت زيداً ولكني أكْرمتُه)، فُتعْقِبَ الفعلَ المنفيَّ بإثباتِ فعلٍ هو ضدُّه. ولا يصحُّ أن تقول: (ما زيداً ضربتُ ولكني أكرمتُه)؛ وذاك أنكَ لم تُرِد أن تقولَ: لم يكن الفعلُ هذا ولكنْ ذاك. ولكنك أردتَ أنه لم يكن المفعولُ هذا ولكنْ ذاك؛ فالواجب إذن أن تقول: (ما زيداً ضربتُ ولكن عمراً).
وحكْمُ الجارِّ مع المجرور في جميع ما ذكرنا، حكْم المنصوبِ. فإذا قلتَ: (ما أمَرْتُك بهذا)، كان المعنى على نفْيِ أن تكونَ قد أمرتَه بذلك، ولم يَجبْ أن تكونَ قد أمرتَه بذلك، ولم يَجبْ أن تكونَ قد أمرتَه بشيءٍ آخر، وإذا قلتَ: (ما بهذا أمرْتُك)، كنتَ قد أمرْتَهُ بشيءٍ غيرهِ.
واعلمْ أَن هذا الذي بان لك في الاستفهام، والنفي من المعنى، في التقديم، قائمٌ مثْلُه في الخبر المُثْبَت. فإذا عمدْتَ إلى الذي أردتَ أن تُحدِّثَ عنه بفعلٍ، فقدَّمْتَ ذِكرَه، ثم بنيتَ الفعلَ عليه، فقلت: (زيدٌ قد فَعل، وأنا فعلتُ، وأنتَ فعلْتَ)، اقتضى ذلك أن يكون القصدُ إلى الفاعل؛ إلاَّ أنَّ المعنى في هذا القصد ينقسم قسمين:
أَحدُهما جليٌّ لا يُشْكِلُ، وهو أن يكون الفعلُ فِعْلاً قد أردتَ أن تَنُصَّ فيه على واحدٍ، فتجعلَه له وتزعم أنه فاعلُه دون واحدٍ آخرَ أو دون كلِّ أحدٍ. ومثال ذلك أن تقولَ: (أنا كتبتُ في معنى فلانٍ، وأنا شفعتُ في بابه)، تُريد أن تَدَّعِيَ الانفرادَ بذلك، والاستبدادَ به، وتُزيلَ الاشتباهَ فيه وتردَّ على من زَعم أنَّ ذلك كان مِنْ غيرك، أو أَنَّ غيرَكَ قد كتَب فيه كما كتبتَ. ومن البيِّن في ذلك قولُهم في المثَل: "أَتُعْلِمُنِي بِضَبٍّ أنا حَرَشتُهُ؟ "
стр. 152
والقسم الثاني أن لا يكون القصْدُ إلى الفاعل، على هذا المعنى، ولكن على أنك أردتَ أن تُحقِّق على السامع أَنه قد فعَلَ، وتمنَعَه من الشك؛ فأنتَ لذلك تبدأ بذِكْره، وتَوَقُّعِه أوّلاً، ومِنْ قَبْلِ أن تَذكر الفعلَ في نفسه، لكي تُباعِدَه بذلك من الشهبة وتَمْنعَه من الإنكار، أَوْ مِنْ أن يُظَنَّ بك الغَلطُ أو التزيُّدُ. ومثالُه قولُك: (هو يُعطي الجزيلَ وهو يُحبُّ الثناء) لا تُريد أن تَزعم أنه ليس هاهنا مَنْ يُعطي الجزيلَ ويُحِبُّ الثناءَ غيرَهُ، ولا أن تُعرِّض بإنسانٍ وتحطَّه عنه، وتجعلَه لا يعطي كما يُعْطي ولا يَرْغَبُ كما يَرغب، ولكنكَ تريد أن تُحقِّق على السامع، أنَّ إعطاءَ الجزيل وحُبَّ الثناءِ دأْبُهُ، وأن تُمكِّن ذلك في نفسه. ومثالُه في الشعر [من الطويل]:
همُ يفْرِشُونَ اللِّبدَ كلَّ طمِرَّةٍ ... وأَجْردَ سَبَّاحٍ يَبُذُّ المُغَالِبَا
لم يُرِدْ أنْ يدَّعي لهم هذه الصفةَ، دَعْوى مَنْ يُفرِدُهم بها ويَنصُّ عليهم فيها، حتى كأنهُ يَعرِّضُ بقومٍ آخرين، فينْفي أن يكونوا أصحابَها. هذا مُحال! وإنما أراد أن يصِفَهم بأنهم فرسانٌ يَمتهِدون صَهَواتِ الخيلِ، وأنهم يَقْتعدون الجِيادَ منها وأنَّ ذلك دأبُهُم، من غير أن يَعْرض لِنفْيه عن غَيرهم؛ إلاَّ أنه بدأَ بذكرهم لِيُنبِّه السامعَ لهم، ويُعْلِمَ بَدِيّاً قصْدَه إليهم، بما في نَفْسه من الصفة، ليمنعه بذلك من الشك، ومِنْ توهُّم أن يكون قد وصفَهم بصفةٍ ليستْ هي لهم، أو أن يكون قد أراد غيرَهم فغَلِط إليهم.
التقديم والتأخير - الخبر
وعلى ذلك قول الآخر [من الطويل]:
هُمُ يضْربون الكَبْشَ بَبْرُق بَيْضُه ... على وَجْهِهِ من الدِّماءِ سَبَائِبُ
لم يُرد أن يدَّعيَ لهم الانفرادَ ويَجْعلَ هذا الضربَ لا يكونُ إلاَّ منهم، ولكنْ أراد الذي ذكرتُ لك، مِنْ تنبيه السامع لِقَصْدهم بالحديث، من قَبْل ذِكْر الحديث، ليُحقِّق الأَمرَ ويؤكِّدَه. ومن البَيِّنِ فيه قولُ عروةَ بنِ أُذَينَةَ [من مجزوء الوافر]:
سُليْمَى أَزمَعَتْ بَيْنا ... فأينَ تقُولُها أَينا
стр. 153
وذلك أنه ظاهرٌ معلومٌ أَنه لم يُرد أن يجعلَ هذا الإزْماعَ لها خاصة، ويجعلَها من جماعةٍ لم يُزْمِع البينَ منهم أحدٌ سواها، هذا محال. ولكنه أراد أن يُحقِّق الأمرَ ويؤكدَه فأَوقَعَ ذِكرَها في سمع الذي كلّم ابتداءً ومِن أَول الأمر، ليعلَم قَبْل هذا الحديث أنه أرادها بالحديث، فيكون ذلك أبعدَ له من الشك.
ومثلهُ في الوضوح قولُه [من الطويل]:
هُمَا يلْبسان المجْدَ أَحْسَن لِبْسةٍ ... شَحيحانِ ما اسْطاعا عليهِ كلاهُما
لا شُبْهة في أنه لم يُرد أن يَقْصُر هذه الصفةَ عليهما، ولكن نَبَّه لهما قبْلَ الحديثِ عنهما. وأَبْيَنُ من الجميع قولُه تعالى: ﴿واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣] وقوله : ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]. وهذا الذي قد ذكرتُ من أنَّ تقديمَ ذكرِ المحدِّث عنه، يفيد التنبيهَ له، قد ذكَرَه صاحبُ "الكتاب" في المفعول، إذا قُدِّم فرُفِع بالابتداء وبُنيَ الفعلُ الناصبُ، كان له عليه، وعُدِّيَ إلى ضميره فشُغِلَ به، كقولنا في "ضربتُ عبدَ الله": (عبدُ الله، ضَرَبتُه)، فقال: وإنما قلتُ (عبدُ الله) فنبَّهْتُه له، ثم بَنيتُ عليه الفعلَ ورفعْتُه بالابتداء.
فإن قلتَ: فمِن أينَ وجَبَ أن يكون تقديمُ ذِكْر المحدِّثِ عنه بالفعل، آكَدَ، لإثبات ذلك الفعلِ له، وأن يكون قولُه "هما يلبسان المجْدَ" أبلغَ في جعلهما يلبسانه، من أين يقال: يلبسان المجد؟ فإنِّ ذلك من أَجْل أنه لا يُؤتى بالاسم مُعَرَّى من العوامل، إلاَّ لحديثٍ قد نُويَ إسنادُه إليه. وإذا كان كذلك، فإذا قلتَ "عبد الله"، فقد أشعرْتَ قلْبَه بذلك أنك قد أردتَ الحديثَ عنه. فإذا جئتَ بالحديث، فقلت مثلاً: قام، أو قلتَ: خرجَ، أو قلتَ: قَدِمَ، فقد عُلم ما جئتَ به، وقد وطَّأْتَ له وقدَّمتَ الإعلام فيه، فدخلَ على القلب دُخولَ المأنوسِ به، وقَبِله قَبولَ المتهيِّئ له المطمئنِ إليه؛ وذلك لا محالةَ، أَشدُّ لِثبُوته وأَنفْى للشبهة، وأَمنعُ للشك، وأَدْخَلُ في التحقيق.
стр. 154
تقديم ذكر المحدَّث عنه بالفعل يفيد تأكيد الخبر
وجملةُ الأمر أنه ليس إعلامُك الشيءَ بغتةً، مثْلَ إعلامك له بعْدَ التنبيهِ عليه والتقدمةِ له، لأن ذلك يَجْري مَجْرى تكريرِ الإعلام، في التأكيد الإحكام. ومِنْ هاهنا قالوا: إن الشيء إذا أُضْمِر ثم فُسِّر، كان ذلك أفخمَ له مِنْ أن يُذكَر، مِنْ غَير تقدُّم إضمار. ويَدلُّ على صحة ما قالوه، أنَّا نعلم ضرورةً في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فخامةً وشرفاً وروعةً، لا نَجد منها شيئاً في قولنا: (فإن الأبصارَ لا تَعْمى). وكذلك السبيلُ أبداً في كل كلام كان فيه ضميرُ قصة. فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ [المؤمنون: ١١٧] يُفيد من القوةً في نفي الفلاح عن الكافرين، ما لو قيل: (إنَّ الكافرين لا يفلحون)، لم يُفِدْ ذلك. ولم يكن ذلك كذلك إلاَّ لأنك تُعلمه إياه مِنْ بعد تقدمةٍ وتنبيهٍ أنتَ به في حكْم مَنْ بدأَ وأعادَ ووطَّد، ثم بيَّنَ ولوَّح ثم صرَّح. ولا يَخفى مكانُ المزيةِ فيما طَريقُه هذا الطريقُ.
стр. 155
ويَشْهد لما قلنا، مِنْ أنَّ تقديمَ المحدَّثِ عنه يَقْتضي تأكيدَ الخبر وتحقيقَه له، أنَّا إذا تأَملْنا وجَدْنا هذا الضَّرْبَ من الكلام، يجيءُ فيما سبقَ فيه إنكارٌ من مُنْكِرٍ، نحو أنْ يقول الرجلُ: (ليس لي علمٌ بالذي تقول). فتقولُ له: (أنتَ تَعْلم أنَّ الأمرَ على ما أَقولُ ولكنك تَميل إلى خصمي). وكقول الناس: هو يَعلمُ ذاك وإنْ أَنْكَرَ، وهو يَعلمُ الكَذِبَ فيما قالَ، وإن حلفَ عليه. وكقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. فهذا من أَبْيَنِ شيءٍ؛ وذاكَ أنَّ الكاذبَ لا سيَّما في الدِّين، لا يَعْترف بأنه كاذبٌ، وإذا لم يعترفْ بأنه كاذبٌ، كان أبْعَدَ مِن ذلك أنْ يعترِفَ بالعِلْم بأنه كاذبٌ. أوْ يَجيء فيما اعترضَ فيه شكٌّ، نحو أَنْ يقول الرجلُ: (كأنَّك لا تعلم ما صَنعَ فلانٌ ولم يُبْلِغْك): فيقول: (أنا أعلمُ ولكني أُداريه). أوْ في تكذيبِ مُدَّعٍ، كقوله : ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]. وذلك أنَّ قولَهم "آمنَّا": دعْوى منهم أَنَّهم لم يَخْرجوا بالكُفْر كما دخلوا به؛ فالمَوضعُ موضعُ تكذيب. أو فيما القياسُ في مِثْله أنْ لا يكونَ، كقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣] وذلك أنَّ عبادتَهم لها، تَقْتضي أنْ لا تكون مَخْلوقةً، وذلك في كل شيءٍ كان خبَراً على خلاف العادة، وعما يُسْتَغرب من الأمر، نحو أن نقول: (ألا تَعْجَبُ من فلان يَدَّعي العظيمَ، وهو يَعْيى باليسير، ويَزْعمُ أنه شُجاعٌ، وهو يَفْزَع من أدنى شيء؟).
إفادة تقديم المسند إليه التأكيد والقوة
стр. 156
ومما يَحْسنُ ذلك فيه ويَكْثُر: الوعدُ والضمانُ، كقول الرجل: (أنا أُعطيك، أنا أَكفيك، أنا أَقومُ بهذا الأمر). وذلك أنَّ مِن شأنِ مَنْ تَعِدُهُ وتَضْمَنُ له أن يَعْترضَه الشكُّ: في تمام الوعدِ وفي الوفاء به. فهو مِنْ أَحْوج شيءٍ إلى التأكيد. وكذلك يَكْثُر في المدح، كقولك: (أنت تُعطي الجزيلَ، أنتَ تَقْري في المَحْلِ، أنتَ تَجودُ حين لا يَجودُ أَحدٌ). وكما قال [من الكامل]:
ولأَنْتَ تَفْري ما خلَقْتَ وبَعْـ ... ـضُ القَومِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يفْري
وكقول الآخر:
نحْنُ في المَشتاة تَدْعو الجفَلى
стр. 157
وذلك أنَّ مِن شأنِ المادِح، أنْ يَمْنعَ السامعين من الشك فيما يَمدح به يُباعِدُهم مِن الشُّبهة، وكذلك المفتخِرُ: ويَزيدُكَ بَياناً أَنه، إذا كان الفعلُ مما لا شَكٌّ فيه ولا يُنْكَر بحالٍ، لم يَكَدْ يجيءُ على هذا الوجه، ولكنْ يُؤتى به غيرَ مبنيٍّ على اسمٍ. فإذا أَخبرْتَ بالخروج مثلاً، عن رَجلٍ من عادته أَنْ يَخْرج في كل غداة قلتَ: (قد خرجَ). ولم تَحتَجْ إلى أن تقول: هو قد خرَجَ، ذاك لأنه ليس بشيء يَشُكُّ فيه السامعُ فتحتاجُ أن تُحقِّقه، وإلى أن تُقدِّم فيه ذكْرَ المحدَّثِ عنه. وكذلك إذا علمَ السامعُ من حالِ رجلٍ، أنه على نيَّة الركوبِ والمضيِّ إلى موضع، ولم يكن شَكٌّ وتردُّدٌ أنه يَرْكَب أو لا يَركَبُ، كان خَبَّركَ فيه أن تقول: (قد رَكِبَ). ولا تقول: هو قد ركبَ. فإن جئتَ بمثل هذا في صلة كلامٍ ووضعْتَه بَعْدَ (واو الحال) حسُنَ حينئذٍ. وذلك قولُك: (جئتُه وهو قد ركبَ). وذاك أنَّ الحكْم يتغيرُ إذا صارتِ الجملةُ في مثْل هذا المَوْضع، ويصيرُ الأمرُ بمعرضِ الشكِّ، وذاك أنه إنما يَقولُ هذا، مَنْ ظَنَّ أنه يصادِفُه في منزله، وأن يَصل إليه مِنْ قَبْل أنْ يَرْكَب. فإن قُلْتَ، فإنكَ قد تقولُ: (جئتُه وقد رَكبَ)، بهذا المعنى ومع هذا الشكِّ، فإنَّ الشكَّ لا يَقْوى حينئذٍ قوَّتَه في الوجه الأول. أَفلا تَرى أَنكَ إذا استبطأْتَ إنساناً فقلْتَ: (أتانا والشمسُ قد طلعَتْ)، كان ذلك أبلغَ، في استبطائكَ له، من أن تقول: (أتانا وقد طلعتِ الشمسُ). وعكسُ هذا أَنكَ إذا قلتَ: (أتَى والشمسُ لم تَطْلعْ). كان أقوى، في وصفك له بالعَجَلة والمَجيء، قَبْل الوقتِ الذي ظُنَّ أنه يَجيءُ فيه، من أن تقول: (أَتى ولم تَطْلع الشمسُ بعدُ). هذا وهو كلامٌ لا يكاد يَجيءُ إلاَّ نابياً؛ وإنما الكلامُ البليغُ هو أن تبدأ بالاسم وتَبْنيَ الفعلَ عليه، كقوله:
قد أعْتدي والطيرُ لم تَكَلَّمِ
فإذا كان الفعلُ، فيما بعْدَ هذهِ "الواوِ" التي يُراد بها الحالُ مضارِعاً، لم يَصْلحُ إلا مبنياً على اسم، كقولك: (رأيتُه وهو يكْتُبُ)، و (دخلْتُ عليه وهو يُمْلي الحديثَ)، وكقوله [من الطويل]:
стр. 158
تمزّزْتُهَا والديكْ يدعو صَبَاحَهُ ... إذا ما بَنُو نَعْشٍ دَنَوْا تصَوَّبوا
ليس يَصلحُ شيء من ذلك إلاَّ على ما تَراه، لو قلتَ: (رأيتُه ويكتب، ودخلتُ عليه ويُملي الحديث، وتمزَّزْتها ويدْعو الديكُ صباحه)، لم يكن شيئاً.
ومما هو بهذه المنزلة في أنك تَجِدُ المعنى لا يستقيم، إلاَّ على ما جاء عليه من بناء الفعلِ على الاسم، قولُه تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦] وقولُه تعالى: ﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان: ٥] وقولُه تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]. فإنه لا يَخْفى على مَنْ له ذوقٌ، أَنه لو جيءَ في ذلك بالفعل غيْرَ مَبْنيِّ على الاسم، فقيل: (إن وَلِيِّيَ اللهُ الذي نزَّلَ الكتابَ ويَتَولَّى الصالحينَ، واكْتَتَبها فتُمْلى عليه وحشَر لسليمانَ جُنودَه من الجنِّ والإنسِ والطيرِ فَيُوزعونَ)، لوَجِدَ اللفظُ قد نَبَا عن المعنى، والمعنى قد زالَ عن صورته والحال التي ينبغي أن يكون عليها.
واعلمْ أَنَّ هذا الصنيعَ يقتضي في الفعل المنفيِّ، ما اقتضاهُ في المُثْبَت. فإذا قلت: أنتَ لا تُحْسِن هذا: كان أشَدَّ لنَفْي إحسانِ ذلك عنه، من أن تقول: لا تُحْسِنُ هذا: ويكونُ الكلامُ في الأول مع مَن هو أَشدُّ إعجاباً بنفسه وأَعرَضُ دَعْوى في أنه يُحْسنُ، حتى إنك لو أتيتَ بـ "أنْتَ" فيما بعد "تُحسِن" فقلتَ: (لا تُحسِنُ أنتَ)، لم يكن له تلك القوة. وكذلك قولُه تعالى: ﴿والذين هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩]، يُفيدُ من التأكيد من نَفْي الإشراك عنهم، ما لو قيل: (والذين لا يُشْركون بربهم أو بربهم لا يشركون)، لم يُفِدْ ذلك. وكذا قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ﴾ [يس: ٧]. وقولُه تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبآء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] و ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٥٥].
стр. 159
نكتة تقديم "مثل" و "غير" مسند إليهما
ومما يُرى تقديمُ الاسم فيه كاللازم (مثْل) و (غيْر) في نَحْوِ قَولِهِ [من السريع]:
مِثْلُكَ يَثْني الْمُزْنَ عن صَوْبِه ... ويَسْتَرِدُّ الدَّمعَ عَنْ غَرْبِهِ
وقول الناس: (مِثْلُكَ رَعى الحقَّ والحُرْمَةَ. وكقول الذي قال له الحَجَّاجُ: (لأَحْمِلَنَّكَ على الأَدْهمِ). يريد القَيْد، فقال على سبيل المغالَطةِ: (ومِثْلُ الأميرِ يَحْمِلُ على الأَدهم والأشْهب)، وما أشبه ذلك، مما لا يُقْصَدُ فيه بـ "مثْل" إلى إنسانٍ سِوَى الذي أُضيفَ إليه، ولكنهم يَعْنون أَنَّ كلَّ مَنْ كان مِثْلَه في الحال والصفةِ، كان مِن مُقْتَضى القياس ومُوجِب العُرْفِ والعادة؛ أنْ يَفْعلَ ما ذكر أوْ أن لا يفعلَ. ومن أجْل أَنَّ المعنى كذلك، قال [من السريع]:
ولم أَقُلْ "مثْلُكَ" أَعني به ... سِوَاك يا فرداً بلا مُشْبِهِ
وكذلك حكم (غَيْر) إذا سُلِكَ به هذا المسْلَكَ فقيل: (غَيْري يفعل ذاك)، على معنى أني لا أفعلُه، لا أن يومئَ "بغير" إلى إنسانٍ فيُخبر عنه بأن يفعل، كما قال [من البسيط]:
غيري بأَكْثَرِ هذا الناسِ يَنْخَدِعُ
وذاك أنه معلومٌ أنه لم يُرد أن يُعرِّضَ بواحدٍ كان هناك، فيستنقصُه ويصفه بأنه مَضعوفٌ يُغَرُّ ويُخْدَع، بل لم يُردْ إلاَّ أن يقول: إني لَستُ ممن يَنْخَدِعُ وَيَغْتَرُّ.
وكذلك لم يُرِد أبو تمام بقوله [من الوافر]:
وغيري يَأكُلُ المعروف سُحْتاً ... وتَشْحُبُ عنده بِيضُ الأَيادي
أَنْ يُعَرِّضَ مثلاً، بشاعرٍ سِواه، فَيزعُم أنَّ الذي قرِفَ به عند الممدوح، من أنه هجاه، كان من ذلك الشاعر لا منه، هذا محال؛ بل ليس إلاَّ أَنه نَفى عن نفسه أن يكونَ ممن يَكْفُر النعمةَ ويَلْؤمُ.
стр. 160
واستعمال "مثل" و "غير" على هذا السبيل، شيءٌ مركوزٌ في الطباع، وهو جارٍ في عادة كلِّ قوم؛ فأنتَ الآن إذا تصفَّحْتَ الكلامَ، وجدْتَ هذين الاسمين يُقدِّمان أبداً على الفعل، إذا نُحِيَ بهما هذا النحوُ الذي ذكرتُ لك، وترى هذا المعنى لا يَسْتقيم فيهما إذا لم يُقدَّما. أفلا تَرى أَنك لو قُلْتَ "يَثْني المزنَ عن صَوْبه مثلُك، ورعَى الحقَّ والحُرْمَة، مثْلُكَ، ويَحْمِلُ على الأدهم والأَشْهب مثْلُ الأميرِ، وينخدع غَيْري بأكثر هذا الناس، ويأكل غيري المعروف سُحْتاً"، رأيتَ كلاماً مقلوباً عن جهته، ومُغيَّراً عن صورته، ورأيتَ اللفظَ قد نَبَا عن معناه، ورأيتَ الطبْعَ يأبى أن يرضاه.
التقديم والتأخير في الخبر والاستفهام سواء
واعلمْ أنَّ معَكَ دستوراً لك فيه، إنْ تأمَّلْتَ غِنًى عن كلِّ ما سِواهُ؛ وهو أَنه لا يَجوز أن يكون لِنَظْم الكلام وتَرتيبِ أَجزائه في الاستفهام معنًى، لا يكونُ له ذلكَ المعنى في الخبر؛ وذاكَ أنَّ الاستفهامَ استخبارٌ، والاستخبارَ هوُ طَلبٌ من المُخاطَب أن يُخْبرك؛ فإذا كان كذلك، كان مُحالاً أن يَفْترِقَ الحالُ بين تقديمِ الاسمِ وتأخيره في الاستفهام. فيكونُ المعنى إذا قلتَ: (أزيد قام)، غيرَهُ إذا قلتَ: (أقام زيد؟) ثم لا يكون هذا الافتراقُ في الخَبر ويكونُ قولُك "زيدٌ قام" و "قامَ زيدٌ" سواءً؛ ذاكَ لأنه يؤدِّي إلى أَنْ تَسْتعلِمَهُ أمراً لا سبيل فيه إلى جوابٍ، وأن تَسْتَثْبِتَه المعنى على وجهٍ، ليس عنده عبارةٌ يُثْبِتُهُ لكَ بها على ذلك الوجه.
وجملةُ الأَمر أنَّ المعنى في إدخالِكَ حرْفَ الاستفهام على الجملة من الكلام، هو أنك تَطْلُبُ أن يَقِفَكَ في معنى تلك الجملة ومؤداها على إثباتِ أو نَفْي. فإذا قلت: (أزيد منطلق)؟ فأنتَ تطلب أن يقول لك: (نَعمْ هو مُنطلِقٌ). أو يقول: (لا ما هو مُنْطَلِقٌ). وإذا كان ذلك كذلك، كان محالاً أن تكون الجملة إذا دخلَتْها همزةُ الاستفهام استخباراً عن المعنى، على وجهٍ لا تكون هي، إذا نُزِعَتْ منها الهمزةُ إخباراً به على ذلك الوجه، فاعرفْه!.
стр. 161
فصل: تقديم النكرة على الفعل وعكسه
هذا كلام في النَّكِرة، إذا قُدِّمتْ على الفعل أو قُدِّم الفعلُ عليها.
إذا قلتَ: (أجاءك رجل؟) فأنتَ تُريد أن تَسأَله: هل كان مجيٌ مِنْ أَحدٍ من الرجالِ إليه؟ فإنْ قدّمتَ الاسمَ، فقلتَ: (أرجلٌ جاءك؟) فأنتَ تسألُه عن جنسِ مَنْ جاءه: أرجلٌ هو أم امرأةٌ؟ ويكون هذا منكَ إذا كنتَ عَلمتَ أنه قد أتاه آتٍ، ولكنَّكَ لم تعلمْ جنْسَ ذلك الآتي. فسَبيلُكَ في ذلك: سَبيلُك إذا أردتَ أن تَعْرفَ عينَ الآتي، فقلتَ: أزيدٌ جاءك أم عمرو؟ ولا يجوز تقديمُ الاسم فِي المسألة الأولى، لأنَّ تقديمَ الاسمِ يكون إذا كان السؤال عن الفاعل، والسؤالُ عن الفاعل يكونُ: إمَّا عن عَيْنه أو عَن جِنْسه ولا ثالثَ؛ وإذا كان كذلك، كان مُحالاً أن تُقَدِّم الاسمَ النكرةَ وأنتَ لا تُريد السؤالَ عن الجنس، لأنه لا يكونُ لسؤالك حينئذٍ مُتَعلَّقٌ من حيثُ لا يَبقى بَعْد الجنسِ إلا العَيْنُ. والنكرةُ لا تدلُّ على عين شيءٍ فيُسْأَل بها عنه. فإنْ قلتَ: (أَرجلٌ طويلٌ جاءك أم قصيرٌ)؟ كان السؤالُ عن أن الجائي مِنْ جنس طِوالِ الرجالِ أم قِصارِهم؟ فإن وصفْتَ النكرةَ بالجملة، فقلتَ: (أرجلٌ كنتَ عرفتَه من قَبْلُ، أعطاك هذا، أم رجلٌ لم تَعرفْه)؟ كان السؤال عن المُعْطي: أكان ممن عرَفَه قبلُ، أم كان إنساناً لم تتقدَّمْ منه معرفةٌ.
стр. 162
وإذْ قد عرفتَ الحكْم في الابتداء بالنكرة في الاستفهام، فابْنِ الخَبرَ عليه. فإذا قلتَ: (رجلٌ جاءني)، لم يَصْلُح حتى تُريدَ أن تُعلِمَه أنَّ الذي جاءك: رجلٌ لا امرأة؛ ويكونُ كلامُكَ مع مَنْ عَرَف أنْ قد أتاكَ آتٍ. فإن لم تُرد ذاك، كان الواجبُ أن تقول: (جاءَني رجلٌ) فَتقَدِّمَ الفعلَ. وكذلك إن قلتَ: (رجلٌ طويلٌ جاءَني)، لم يستقم حتى يكونَ السامعُ قد ظَنَّ أنه قد أتاك قَصيرٌ، أن نزَّلْتَه منزلةَ منَ ظَنَّ ذلك. وقولُهم: (شرٌّ أهرَّ ذا نابٍ)، إنما قُدِّمَ فيه (شرٌّ) لأن المراد أن يُعلم أنَّ الذي أَهرَّ ذا النابِ، هو مِن جنس الشرِّ لا جنس الخير، فجَرى مَجرْى أن يقول: (رجل جاءَني) تُريد أن رجلٌ لا امرأة. وقولُ العلماءِ إنه إنما يَصْلُح، لأنه معنى "ما أهَرَّ ذا ناب إلا شرٌّ"، بَيانٌ لذلك. ألا تَرى أنك لا تَقول: (ما أتاني إلا رجل) إلا حيثُ يَتَوهَّمُ السامعُ أَن قد أتتْكَ امرأةٌ. ذاك لأن الخَبر بنَقْض النفي، يكونُ حيث يُراد أن يُقْصَر الفعلُ على شيءٍ ويُنْفى عمَّا عدَاهُ. فإذا قلتَ: (ما جاءني إلاَّ زيد) كان المعنى أنكَ قد قَصَرْتَ المجيءَ على زيدٍ، ونفَيْتَه عن كُلِّ مَنْ عَدَاهُ وإنما يُتَصَّورُ قَصْرُ الفعلِ على معلومِ. ومتى لم يُرَدْ بالنكرةِ الجنسُ، لم يَقفْ منها السامعُ على معلومٍ حتى يزعم أَنِّي أقصُر له الفعل عليه، وأُخبِرُه أنه كان منه دونَ غيرهِ.
стр. 163
واعلمْ أنَّا لم نُرد بما قلناه. مِن أَنه إنما حسُنَ الابتداءُ بالنكرةِ في قولهم "شرٌّ أهرَّ ذا ناب"، لأنه أُريدَ به الجنسُ أنَّ معنى "شرٌّ" و "الشرُّ" سواءٌ، وإنما أردنا أَنَّ الغرض من الكلام، أن نُبيِّنَ أنَّ الذي أَهرَّ ذا النابِ هو مِن جنسِ الشرِّ لا جنسِ الخير؛ كما أنَّا إذا قلنا في قولهم: (أرجل أتاك أم امرأة)، إنَّ السؤالَ عن الجنس، لم نُرد بذلك أنه بمنزلةِ أنْ يقال: (الرجلُ أم المرأةُ أتاك)، ولكنَّا نعني أنَّ المعنى عَلَى أنك سألْتَ عن الآتي: أهو مِنْ جنس الرجال أم جنس النساء؟ فالنكرةُ إذنْ على أصلها مِنْ كَونها لواحدٍ من الجنسِ، إلاَّ أنَّ القصْدَ منكَ لم يقعْ إلى كونه واحداً، وإنما وقعَ إلى كونه من جنسِ الرجالِ. وعكْسُ هذا أنك إذا قلتَ: (أرَجلُ أتاك أم رجلان)، كان القصدُ منك إلى كونه واحداً، دونَ كونه رجلاً؛ فاعرِفْ ذلك أصْلاً: وهو أنه قد يكونُ في اللفظ دليلٌ على أمرين، ثم يَقعُ القصْدُ إلى أَحدِهما دُون الآخرِ، فيصيرُ ذلك الآخَرُ بأنْ لم يَدْخلْ في القصد، كأنه لم يَدْخُل في دلالة اللفظ. وإذا اعتبرتَ ما قدَّمتُهُ من قول صاحب الكتاب: إنَّكَ قلتَ "عبدُ الله" فنبهْتَه له، ثم بَنيْتَ عليه الفعل، وجدْتَه يطابق هذا. وذاكَ أَنَّ التنبيه لا يكون إلاَّ على معلوم، كما أنَّ قَصْرَ الفعل لا يكونُ إلاَّ على معلوم. فإذا بدأتَ بالنكرة فقلتَ: رجلٌ، وأنت لا تقَصدُ بها الجنسَ، وأن تُعْلم السامعَ أنَّ الذي أردتَ بالحديث: رَجلٌ، لا امرأة، كان مُحالاً أن تقول: إني قدَّمتُه لأُنَبِّهَ المخاطَبَ له: لأنه يَخرجُ بك إلى أن تقول: إني أردتُ أن أُنبه السامع لِشيءٍ لا يَعْلمه في جملةٍ ولا تفصيلٍ: وذلك ما لا يُشَكُّ في استحالته، فاعرفْه!
стр. 164
باب الحذف ونكته
فصل: القول في الحذف - المبتدأ
هو باب دقيقُ المَسْلك، لطيفُ المأخذ، عجيبُ الأَمر، شبيهٌ بالسِّحْر؛ فإنكَ ترى به تَرْكَ الذكر، أَفْصَحَ من الذكْرِ، والصمتَ عن الإفادةِ، أَزْيَدَ للإفادة؛ وتَجدُكَ أَنْطَقَ ما تكونُ إذا لم تَنْطِقْ، وأَتمَّ ما تكونُ بياناً إذا لم تُبِنْ؛ وهذه جملةٌ قد تُنْكِرُها حتى تَخْبُرَ، وتَدْفعهُا حتى تَنْظُرَ.
وأنا أَكتبُ لك بَديئاً أمثلةً مما عَرَضَ فيه الحذفُ، ثم أُنبهُكَ على صحة ما أشرتُ إليه، وأُقيمُ الحجَّةَ من ذلك عليه، صاحب الكتاب [من البسيط]:
اعتاد قلبَكَ مِنْ لَيلى عَوائدُه ... وهاجَ أهواءَكَ المكنونةَ الطَّللُ
رَبْعٌ قَواءٌ أذاعَ المُعْصِراتُ به ... وكلُّ حيرانَ سارٍ ماؤهُ خَضِلُ
قال: أراد: ذاكَ رَبْعُ قَواء، أو هو رَبْعٌ: قال، ومثْلُه قولُ الآخر [من البسيط]:
هل تَعرفُ اليومَ رسْمَ الدارِ والطَّلَلا ... كما عرَفْتَ بجَفْن الصَّنيقَلِ الخِلَلاِ
دارٌ لِمَرْوةَ إذْ أهلي وأَهلُهُمُ ... بالكانسيةِ نرْعى اللَّهْو والغَزَلا
كأنه قال: تلك دارٌ: قال شيخُنا ﵀: ولم يَحمل البيتُ الأولُ على أنَّ (الربع) بَدَلٌ من (الطلل) لأنَّ الرَّبْع أكثرُ من الطلل؛ والشيء يُبدَلُ مما هو مِثلُه أو أكثرُ منه، فأما الشيء مِنْ أَقلَّ منه، ففاسدٌ لا يُتَصور. وهذه طريقةٌ مستمرة لهم، إذا ذكَروا الديارَ والمنازل. وكما يُضْمِرون المبتدأَ فيرفعون، فقد يُضْمرون الفِعْل، فيَنْصبونَ، كبيت الكتاب أيضاً [من البسيط]:
ديارَ ميَّة إذْ ميٌّ تُسَاعِفُنَا ... ولا يَرى مثْلَها عُجْمٌ ولا عَرَبُ
أَنْشَدهُ بنَصْبِ "ديار" على إضمار فعل، كأنه قال: أذكرُ ديارَ مية.
ومن المواضع التي يَطَّردُ فيه حذفُ المبتدإ: القطعُ والاستئنافُ؛ يبدأون بذكْرِ الرَّجل ويُقدِّمون بعضَ أَمْره، ثم يدَعون الكلامَ الأولَ ويَستأنفون كلاماً آخر. وإذا فعَلوا ذلك أتوْا في أكثر الأمر، بخبَرٍ من غَير مبتدإ. مثال ذلك قوله [من مجزوء الكامل]:
وعلمتُ أني يوم ذا ... كَ مُنازلٌ كعباً ونهدا
قَومٌ إذا لبسوا الحديـ ... ـدَ تَنمَّرُوا حَلَقاً وقِدَّا
وقوله من [الوافر]:
همُ حَلُّوا من الشَّرفِ المُعَلَّى ... ومِنْ حَسَب العَشيرةِ حيث شاؤوا
стр. 165
بُناةُ مكارمٍ وأُسَاةُ كلْمٍ ... دماؤهُمُ من الكَلَبِ الشِّفاءُ
وقوله [من الطويل]:
رآني على ما بي عُمَيْلةُ فاشْتكى ... إلى مالِهِ حالي أسرَّ كما جَهَرْ
غلامٌ رماه اللهُ بالخير مُقْبِلاً ... لهُ سيمياءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرْ
وقوله [من الطويل]:
إذا ذُكِرَ ابْنا العَنْبريَّةِ لم تَضِقْ ... ذراعي وألقَى باسْتهِ مَنْ أُفاخِرُ
هلالان حمّالانِ في كلِّ شَتْوةٍ ... من الثِّقْلِ ما لا تَسْتطيعُ الأباعِرُ
حمالان: خبر ثان وليس بصفة كما يكون لو قلت مثلاً: رجلان حمالان:
ومما اعتيد فيه أن يجيء خبراً قد بُني على مبتدأ محذوف، قولُهم بعد أن يذكروا الرجل: فتى من صفته كذا، وأغرُّ من صفته كيت وكيت كقوله [من الطويل]:
ألا لا فتىً بعْدَ ابنِ ناشرةَ الفتى ... ولا عرْف إلا قد تولّى وأدبرا
فتى حنظليٌّ ما تزال ركابُه ... تجودُ بمعروفٍ وتُنْكِرُ منْكَرا
وقوله [من الطويل]:
سأَشْكُرُ عَمْراً إنْ تراخَتْ منيَّتي ... أياديَ لم تُمْنَنْ وإنْ هي جلَّتِ
فتىً غيرُ محجوبِ الغِنى عن صديقِهِ ... ولا مُظْهِرُ الشكوى إذا النعل زَلَّتِ
ومن ذلك قولُ جميل [من البسيط]:
وهل بثينةُ ياللناس قاضِيَتي ... دَيْني وفاعِلةٌ خَيْراً فأَجزِيها
تَرْنُو بعينيْ مهاةٍ أَقْصَدتْ بهما ... قلْبي عشيةَ تَرْميني وأَرْميها
هيفاءُ مُقْبِلةً عجزاءُ مُدِبرةً ... رَيَّ العظامِ بِلينِ العَيْش غاذيها
وقوله [من الكامل]:
إني، عشيةَ رحْتُ وهي حزينةٌ ... تشكو إليَّ صبابةً، لَصَبُورُ
وتقولُ بتْ عندي - فديتُكَ - ليلةً ... أَشْكو إليكَ فإنَّ ذاكَ يسيرُ
غرَّاءُ مبْسَامٌ كأنَّ حديثَها ... دُرٍّ تحدَّرَ نَظْمهُ مَنْثُورُ
محطوطَةُ المتْنينِ مُضْمَرةُ الحَشا ... ريَّ الرَّوادِفِ خَلْقُها ممكُورُ
وقول الأُقيْشر في ابْنِ عَمِّ له موسرٍ، سألَهُ فمنعَه وقال: (كم أعطيكَ مالي وأَنت تُنْفقه فيما لا يَعْنيك واللهِ لا أُعْطِيكَ!) فتركَه حتى اجتمعَ القومُ في ناديهم وهو فيهم، فشَكاهُ إلى القوم وذمَّه، فوثب إليه ابنُ عمه، فلَطَمَه. فأنشأ يقول [من الطويل]:
سَريعٌ إلى ابْنِ العَمِّ يلْطِمُ وَجهَهُ ... وليسَ إلى داعي النَّدى بِسَريعِ
стр. 166
حَريصٌ على الدنيا مُضِيعٌ لدِينِهِ ... وليس لِمَا في بيته بمُضِيعِ
فتأمَّل الآنَ هذه الأبياتَ كلها، واسْتَقْرِها واحداً واحداً، وانظرْ إلى موقعها في نفسك، وإلى ما تَجدُه من اللطفِ والظَّرْفِ، إذا أنتَ مررْتَ بموضع الحَذْفِ منها، ثم قلَبْتَ النفسَ عما تَجدُ وأَلْطفْتَ النظَرَ فيما تُحِسُّ به. ثُمَّ تَكلَّفْ أَن تَرُدَّ ما حذَفَ الشاعرُ، وأن تُخرجَه إلى لفظك، وتُوقِعَه في سمعكَ، فإنك تَعلمُ أنَّ الذي قلتُ كما قلتُ، وأنْ رُبَّ حَذْفٍ هو قِلادَةُ الجِيد، وقاعدةُ التجويد؛ وإنْ أردتَ ما هو أَصْدقُ في ذلك شهادةً، وأدلُّ دلالةً، فانظرْ إلى قول عبد الله بن الزبير يذكُر غريماً له قد أَلَحَّ عليه [من الطويل]:
عرَضْتُ على زيدٍ ليأخذَ بعضَ ما ... يُحاوِلُه قَبْلَ اعتراضِ الشَّواغِلِ
فدَبَّ دبيبَ البغْلِ يأْلَمُ ظَهْرُهُ ... وقال تَعلَّمْ أَنني غيرُ فاعلِ
تثاءَبَ حتى قلْتُ: داسِعُ نفْسِه ... وأَخْرَجَ أنياباً له كالمَعَاوِلِ
الأَصلُ: حتى قلتُ: هو داسِعُ نفْسِه) أي حسبْتُه من شدة التثاؤب، وممَّا به من الجهْدِ، يقذف نفْسَه من جوفه، ويُخرجُها من صدره، كما يدْسَعُ البعيرُ جِرَّته. ثم إنك تَرى نصْبةَ الكلام وهيئتَه، تَرومُ منك أن تَنْسى هذا المبتدأ، أو تُباعِدَه عن وَهْمك، وتَجتهدُ أن لا يدورَ في خَلَدِكَ، ولا يَعْرِضَ لخاطرك؛ وتَراكَ كأنك تَتوقَّاه تَوقِّيَ الشيءِ يُكْرَهُ مكانُه، والثقيلِ يُخشَى هجُومُه.
ومن لطيف الحَذْف، قولُ بكْر بن النَّطَّاح [من السريع]:
العَينُ تُبْدي الحبَّ والبُغْضا ... وتُظْهِرُ الإبرامَ والنَّقْضا
دُرَّةُ ما أَنصفْتِنِي في الهوى ... ولا رَحِمْتَ الجَسَدَ المُنْضَى
غَضْبَى ولا واللهِ يا أَهلَها ... لا أَطْعمُ البارِدَ أو تَرْضى
يقول في جاريةٍ كان يُحبُّها وسُعِيَ به إلى أهلها، فمنعوها منه. والمقصود قوله (غضبى)، وذلك أن التقدير "هي غضبى" أو "غضبى هي" لا محالة. إلاَّ أَنك ترى النفسَ كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوفِ، وكيف تأنَسُ إلى إضماره، وتَرى الملاحةَ كيف تَذهبُ إن أنتَ رُمْتَ التكلم به.
стр. 167
ومن جيِّد الأمثلة في هذا الباب، قولُ الآخر يخاطبُ امرأتَه وقد لامَتْه على الجود [من الكامل]:
قالت سُمَيَّةُ قد غَوَيْتَ بأنْ رأَتْ ... حقاً تناوَبَ ما لَنا ووُفودا
غَيٌّ لعَمْرِكِ لا أزالُ أَعودُه ... ما دامَ مالٌ عندَنا موجودا
المعنى "ذاك غيٌّ لا أزال أعودُ إليه فدَعي عنكِ لَوْمي".
وإذْ قد عرفْتَ هذه الجملةَ من حالِ الحذْفِ في المبتدأ، فاعلمْ أنَّ ذلك سبيلُه في كل شيء؛ فما مِن اسْمٍ أو فعلٍ تَجدُه قد حُذِفَ، ثم أُصيبَ به موضعُه، وحُذِفَ في الحال ينبغي أن يُحذَفَ فيها، إلا وأنت تَجدُ حذْفَه هناك أَحْسَنَ من ذكره، وترى إضمارَهُ في النفس أَوْلى وآنسَ من النُّطْقِ به.
القول في الحذف - المفعول به
стр. 168
وإذْ قد بدأْنا في الحذف، بذكر المبتدأ، وهو حذف اسم - إذْ لا يَكونُ المبتدأُ إلاَّ اسماً - فإنِّي أُتْبعُ ذلكَ ذكْرَ المفعولِ بهِ إذا حُذِفَ خُصوصاً؛ فإن الحاجة إليه أمسُّ، وهو بما نحنُ بصدده أَخصُّ، واللطائفُ كأنها فيه أَكثرُ، وما يَظْهر بسببه من الحُسْن والرونق أَعجبُ وأَظْهَرُ. وهاهنا أصْلٌ يَجبُ ضبطُه: وهو أَنَّ حالَ الفعلِ مع المفعولِ الذي يَتعدَّى إليه، حالُهُ مع الفاعل. وكما أَنك إذا قلتَ: (ضربَ زيدٌ)، فأَسندْتَ الفعل إلى الفاعل، كان غرَضُكَ من ذلك أن تُثْبتَ الضرْبَ فعْلاً له، لا أن تُفيدَ وجودَ الضرب في نفسه، وعلى الإطلاق. كذلك إذا عدَّيْتَ الفعلَ إلى المفعول، فقلتَ: (ضربَ زيدٌ عَمرا)، كان غرَضُكَ أن تُفيد التباسَ الضربِ الواقعِ من الأول بالثاني ووقوعَه عليه؛ فقد اجتمع الفاعلُ والمفعولُ، في أنَّ عمَلَ الفعلَ فيهما إنما كان مِنْ أَجْل أن يُعْلَم التباسُ المعنى الذي اشتُقَّ منه بهما. فعَمِلَ الرفعُ في الفاعل، ليُعلَم التباسُ الضربِ به من جهة وقوعه منه، والنصْبُ في المفعول، ليُعْلَم التباسُه به من جهة وقوعه عليه؛ ولم يكن ذلك ليُعلم وقوعُ الضربِ في نفسه؛ بل إذا أُريد الإخبارُ بوقوعِ الضرْبِ ووجودِه في الجملة، من غير أن يُنْسَب إلى فاعلٍ أو مفعولٍ، أو يتعرَّضَ لبيان ذلك، فالعبارةُ فيه أن يقال: (كان ضربٌ، أو وَقَع ضربٌ أو وُجد ضرب)، وما شاكل ذلك من ألفاظ تُفيد الوجودَ المجرَّد في الشيء.
стр. 169
وإذْ قد عرفتَ هذه الجملةَ، فاعلمْ أَنَّ أغراضَ الناس تختلف في ذكْر الأفعال المتعدية. فهم يذكرونها تارةً ومرادُهم أن يَقْتصِروا على إثبات المعاني التي اشتُقَّتْ منها للفاعلين، من غير أنْ يتعرَّضوا لذكْر المفعولين؛ فإذا كان الأمرُ كذلك، كان الفعل المتعدي كغَير المتعدي، مثلاً في أنك لا تَرى له مفعولاً لا لفظاً ولا تقديراً. ومثالُ ذلك قولُ الناس: (فلان يحُلُّ ويَعْقِدُ، ويأمرُ وَينهى، ويَضُرُّ ويَنْفع)، وكقولهم: (هو يُعْطي ويُجْزِلُ، ويَقْري ويُضيفُ)؛ المعنى في جميع ذلك، على إثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاقِ وعلى الجملة، من غير أن يتعرَّضَ لحديثِ المفعولِ، حتى كأنك قلتَ: صار إليه الحَلُّ والعَقْدُ، وصار بحيثُ يكون منه: حَلٌّ وعقْدٌ وأمرٌ ونَهْيٌ وضَرٌّ ونَفْعٌ، وعلى هذا القياس؛ وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
المعنى: هل يستوي مَنْ له عِلْم ومَنْ لا علمَ له، من غير أن يقصدَ النصُ على معلوم. وكذلك قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٣ - ٤٤] وقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى﴾ [النجم: ٤٨]. المعنى: هو الذي منه الإحياءُ والإِماتةُ، والإِغناءُ والإقناءُ. وهكذا كلُّ موضعٍ كان القصدُ فيه أن يُثْبتَ المعنى في نفسه فعلاً للشيء، وأن يُخْبر بأنَّ مِن شأنه أن يكون منه، أو لا يكونُ إلاَّ منه، أو لا يكون منه. فإنَّ الفعلَ لا يُعدَّى هناك، لأن تعديته تَنْقُضُ الغرضَ وتُغيِّر المعنى. ألا ترى أنكَ إذا قلتَ: (هو يعطي الدنانير)، كان المعنى على أنك قصدْتَ أن تُعْلمَ السامعَ أنَّ الدنانير تَدْخلُ في عطائه، أو أنه يُعْطيها خصوصاً دونَ غيرها، وكان غرَضُك على الجملة، بيانَ جنسِ ما تناولَه الإعطاءُ، لا الإعطاءُ في نفسه، ولم يكن كلامُك معَ مَنْ نَفَى أن يكون كان منه إعطاءٌ بوجهٍ من الوجوه، بل مع من أَثْبَتَ له إعطاءً إلا أنه لم يُثبت إعطاءَ الدنانير؛ فاعرفْ ذلك! فإنه أصْلٌ كبير عظيمُ النفع.
فهذا قسمٌ من خُلوِّ الفعلِ عن المفعول، وهو أن لا يكون له مفعولٌ يُمكن النصُّ عليه.
стр. 170
وقسم ثان، وهو أن يكون له مفعولٌ مقْصودٌ قَصْدُه معلومٌ، إلا أنه يُحْذَفُ من اللفظ لدليل الحال عليه؛ وينقسم إلى جَليِّ صنعةَ فيه، وخَفِيٍّ تَدخلُه الصنعةُ.
فمثال الجليِّ قولهم: (أصغَيْتُ إليه). وهم يُريدون: أذني، و: (أغضبتُ عليه)، والمعنى: جَفْني.
وأما الخَفيُّ الذي تدخلُه الصنعةُ، فيتفنَّنُ ويتنوَّعُ. فنوع منه، أنْ تَذكُر الفعلَ، وفي نفسِك له مفعولٌ مخصوصٌ قد عُلمَ مكانُه إما لِجَزْي ذكْر أو دليل حالٍ، إلاَّ أنك تُنْسيه نفْسَكَ وتُخْفيهِ، وتُوهِمُ أنك لم تَذْكُر ذلكَ الفعلَ، إلاَّ لأن تُثْبِتَ نفْسَ معناه، مِنْ غير أن تُعدِّيَهُ إلى شيء، أو تَعْرضَ فيه لمفعولٍ. ومثاله قول البحتري [من الخفيف]:
شَجْوُ حسَّادِهِ وغَيْظُ عِداهُ ... أن يَرى مُبْصِرٌ ويسْمَعَ واعِ
المعنى، لا محالة، أن يَرى مُبصرٌ مَحاسِنَه ويَسْمعَ واع أخبارَه وأوصافَه؛ ولكنك تَعْلُم على ذلك، أنه كان يَسْرِقُ علْمَ ذلك مِنْ نفْسِه، ويدْفَع صورتَه عن وَهْمه، ليَحْصُل له معنى شريفٌ وغرَضٌ خاصٌّ؛ وقال إنَّه يَمْدح خليفةً هو المعتزُّ، ويُعرِّضُ بخليفةٍ وهو المستعين، فأرادَ أن يقول: (إنَّ محاسنَ المعتزِّ وفضائلَه المحاسنُ والفضائلُ، يَكفي فيها أنْ يَقع عليها بَصرٌ ويَعيَها سمْعٌ، حتى يَعْلَم أنه المُستحِقُّ للخلافة، والفردُ الوحيدُ الذي ليس لأحدٍ أن يُنازِعَه مَرْتبتَها، فأنتَ ترَى حسَّادَه وليس شيءٌ أشْجى لهم وأغْيَظُ من عِلْمهم بأنَّ هاهنا مُبْصراً يرَى وسامعاً يَعي، حتى لَيتَمنَّوْنَ أنْ لا يكونَ في الدنيا مَنْ له عينٌ يُبصر بها، وأُذُنٌ يَعي معها، كي يَخْفى مكنُ استحقاقِه لِشَرف الإمامةِ، فيجدوا بذلك سَبيلاً إلى منازعَتهِ إياها.
(وهذا نوعٌ آخر منه) وهو أن يكون معك مفعولٌ معلومٌ مقصودٌ، قَصْدُهُ قد عُلِمَ أنه ليس للفعل الذي ذكرتَ مفعولٌ سواه، بدَليلِ الحالِ، أو ما سَبَق من الكلام، إلاَّ أنك تَطْرحُه وتَتَناساهُ، وتدَعُه يَلزَمُ ضميرَ النفسِ لِغَرضٍ غير الذي مَضى، وذلك الغرضُ أن تتوفرَ العنايةُ على إثبات الفعلِ للفاعلِ وتخلصَ له وتَنصرف بجملتها وكما هي إليه. ومثاله قول عمرو بن معدي كرب [من الطويل]:
стр. 171
فلو أنَّ قومي أَنطَقَتْني رماحُهُمْ ... نَطَقْتُ ولكنَ الرماحَ أَجرَّتِ
"أَجرَّتْ" فعلٌ مُتَعدِّ، ومعلومٌ أنه لو عدَّاه لَمَا عدَّاهُ إلاَّ إلى ضمير المتكلم، نحو "ولكن الرماح أجرتني" وأنه لا يُتَصوَّر أنْ يكون هاهنا شيءٌ آخرُ يَتعدَّى إليه، لاستحالة أن يقول: (فلو أن قومي أنطقتني رماحُهم، ثم يقول: ولكنَّ الرماح أجرَّتْ غيري). إلا أنك تَجدُ المعنى يُلزمُك أنْ لا تنطقَ بهذا المفعول، ولا تُخرِجَه إلى لفظك؛ والسببُ في ذلك أَنَّ تَعْديتَكَ له، تُوهِمُ ما هو خِلافُ الغَرَضِ؛ وذلك أنَّ الغرَضَ هو أن يثْبتَ أنه كان من الرماح إجْرارٌ وحبْسُ الألسنِ عن النطق، وأن يصحَّح وجودُ ذلك. ولو قال: "أجرَّتْني" جاز أن يُتوهَّم أنه لم يَعْن بأن يُثبِتَ للرماح إجراراً، بل الذي عناه أنْ يتَبيَّن أنها أجرَّتْه؛ فقد يُذَكرُ الفعلُ كثيراً والغرَضُ منه ذكْرُ المفعول. مثالُه أنك تقول: (أضَربْتَ زيداً؟) وأنتَ لا تُنكِرُ أن يكون كان من المخاطب ضَرْبٌ، وإنما تُنكِرُ أن يكونَ وقع الضربُ منه على زيد، وأن يستجيزَ ذلك أو يستطيعَه. فلما كان في تعديةِ "أجرَّت" ما يُوهِمُ ذلك، وقَفَ، فلم يُعدِّ البتَّةَ، ولم يَنْطِق بالمفعول، لتَخْلُصَ العنايةُ لإثبات الإجرار للرماح، ويصحَّح أنه كان منها، وتَسْلَم بكلِّيتها لذلك.
ومثله قول جرير [من الوافر]:
أمنَّيْتِ المُنى وخَلَبْتِ حتى ... تركْتِ ضميرَ قلبي مُسْتهاما
الغرضُ أن يُثبت أنه كان منها تَمْنِيَةٌ وخَلاَبة، وأن يقول لها: أهكذا تَصْنعين وهذه حيلتُك في فتنة الناس؟
ومِنْ بارعِ ذلك ونادِرِه، ما تجدُه في هذه الأبيات: روَى المرزُباني في "كتاب الشعر" بإسنادٍ قال: لما تشاغَلَ أبو بكر الصدِّيق ﵁، بأهل الرِّدَّةِ، استبطأتْه الأَنصارُ، فقال: إما كلَّفْتموني أخلاقَ رسول الله صلى الله عليه سلم. فوَاللهِ ما ذاكَ عندي ولا عِنْد أحدٍ من الناس. ولكنِّي واللهِ ما أُوتيِ مِنْ مودَّةٍ لكُمْ ولا حسْنِ رأْي فيكم؛ وكيف لا نُحِبُّكم! فواللهِ ما وجدْتُ مثَلاً لنا ولَكُم إلا ما قال طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب [من الطويل]:
стр. 172
جزى الله عنا جعفراً حين أُزِلقَتْ ... بنا نَعْلُنا في الواطئين فزَلَّتِ
أَبَوْا أن يَمَلُّونا ولَوْ أن أُمَّنا ... تُلاقي الذي لاَقوْهُ منَّا لَمَلَّتِ
همُ خَلَطونا بالنفوسِ وألْجَأُوا ... إلى حُجُراتِ أدْفأَتْ وأَظَلَّتِ
فيها حَذْفُ مفعولٍ مقصودٍ قصْدُه في أربعة مواضع قولُه [لملَّتِ وألجأُوا وأدفأَتْ وأظلَّتْ)، لأن الأصل "لَملَّتْنا وألْجأُونا إلى حجرات أدفأَتْنا وأظلَّتْنا" إلاَّ أنَّ الحالَ على ما ذكرتُ لكَ من أَنه في حَدِّ المتناهي، حتى كأَنْ لا قَصْدَ إلى مفعولٍ، وكأَنَّ الفعل قد أُبهِمَ أَمرُه، فلم يُقْصَدْ به قصْدُ شيءٍ يقع عليه، كما يكونُ إذا قلت: (قد ملَّ فلانٌ)، تريد أن تقول: قد دَخَلَهُ المَلالُ: من غير أن تَخُصَّ شيئاً، بل لا تَزيد على أن تَجْعلَ المَلالَ مِنْ صفتهِ. وكما تقول: (هذا بيتٌ يُدفئ ويظلُّ). تُريد أنه بهذه الصفة.
стр. 173
واعلمْ أنَّ لكَ في قوله: (أَجرَّت وَلَمَلَّتْ): فائدةً أُخرى زائدةً على ما ذكْرتُ، من توفير العناية على إثبات الفعل، وهي أن تقول: كان مِن سُوءِ بَلاءِ القوم ومِنْ تَكْذيبهم عن القتالِ، ما يُجِرُّ مثْلَه، وما القضيةُ فيه أنه لا يُتَّفَق على قوم إلا خَرَس شاعرُهم فلم يستطع نطْقاً: وتَعْديتُك الفعلَ تَمنُع مِن هذا المعنى، لأنكَ إذا قلتَ: (ولكنَّ الرماحَ أَجرَّتْني): لم يُمكن أن يتأَوَّل، على معنى أَنه كان منها ما شأنُ مِثْلِه أن يُجِرَّ قضيةً مستمرةً في كل شاعرِ قومٍ؛ بل قد يجوزُ أن يُوجَدَ مثلُه في قومٍ آخرين فلا يُجَرُّ شاعرُهم. ونظيرُهُ أنك تقولُ: (قد كان منكَ ما يُؤلم): تُريد ما الشرْطُ في مثله أن يُؤلم كلَّ أحدٍ وكلَّ إنسانٍ. ولو قلت: (ما يؤلمني):، لم يُفد ذلك، لأنه قد يجوز أن يؤلمكَ الشيءُ لا يؤلِمُ غيرَكَ وهكذا قوله: (ولو أن أُمَّنا تُلاقي الذي لاقَوْهُ منَّا لَمَلَّتِ: يتضمن أَنَّ مَنْ حُكمَ مثلُه في كل أُمِّ أنْ تملَّ وتسْأَمَ، وأنَّ المشقةَ في ذلك إلى حدٍ يُعلم أنَّ الأُمَّ تملُّ له الابْنَ، وتتَبرَّمُ به، مع ما في طباع الأمهاتِ من الصبرِ على المكارهٍِ في مَصالح الأولادِ؛ وذلك أنه وإن قال (أمُّنا) فإن المعنى على أنَّ ذلك حُكْمُ كلِّ أمّ مع أولادها. ولو قلتَ (لَمَلَّتْنا) لم يحتملْ ذلك، لأنه يجري مجْرى أن تقولُ: (لو لَقيتْ أُمُّنا ذلك، لَدَخلَها ما يُملُّها منَّا). وإذا قلتَ: (ما يُمِلُّها منَّا؟) فقيَّدْتَ، لم يَصْلح لأَن يُرادَ به معنى العموم، وأنه بحيثُ يَمَلُّ كلَّ أم من كل ابن. وكذلك قوله: (إلى حُجُراتٍ أدفأتْ وأظلتِ): لأنَّ فيه معنى قولِك "حُجُراتٍ" من شأنِ مثْلها أن تُدَفئَ وتُظِلَّ؛ أي هي بالصفة التي إذا كان البيتُ عليها أَدْفأَ وأَظَلَّ؛ ولا يجَيءُ هذا المعنى مع إظهار المفعول.
стр. 174
إذْ لا تقول: (حجراتٍ من شَأْنِ مِثْلِها أن تُدفئنا وتُظلَّنا): هذا لَغُوٌ من الكلام، وفاعْرِفْ هذه النكْتَةَ، فإنك تَجدُها في كثير من هذا الفن، مضمومةً إلى المعنى الآخر الذي هو توفيرُ العناية على إثباتِ الفعلِ والدلالةِ على أنَّ القصْدَ من ذكْر الفعلِ، أن تُثْبتَه لفاعلهِ، لا أن تُعلِمَ التباسَهُ بمفعوله.
وإن أردتَ أنْ تزدادَ تَبييناً لهذا الأصل، أعني وُجوبَ أنْ تُسْقِط المفعولَ لتتوفَّر العنايةُ على إثبات الفعل لفاعله، ولا يَدخلَها شَوْبٌ، فانظرْ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ الناس يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امرأتين تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فسقى لَهُمَا ثُمَّ تولى إِلَى الظل﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٤] ففيها حَذْفُ مفعولٍ في أربعةِ مواضعَ: إذ المعنى: وجدَ عليه أمةً من الناس يَسْقون أغنامَهم، أو مواشيَهم، وامرأتينِ تَذُودان غَنَمهما، وقالتا لا نَسْقِي غنمَنَا، فسقى لهما غنمَهَما. ثم إنَّه لا يَخْفى على ذي بَصَرٍ، أنه ليس في ذلك كلِّه إلاَّ أن يُتْرَكَ ذِكْرُه ويُؤْتى بالفعل مطْلقاً، وما ذاك إلاَّ أنَّ الغرضَ في أن يُعلَم أنه كان من الناس في تلك الحال سَقْيٌ ومن المرأتينِ ذَوْدٌ وأنهما قالتا: لا يكونُ منَّا سقْيٌ حتى يُصْدِرَ الرعاءُ؛ وأنه كان مِنْ موسى ﵇، مِنْ بَعْدِ ذلك سَقْي. فأمَّا ما كان المَسْقيُّ أغَنماً أم إبلاً أم غيرَ ذلك، فخارجٌ عن الغرَض ومُوْهِمٌ خِلافَه؛ وذاكَ أنه لو قيل: وجَد مِنْ دونِهمْ امرأتينِ تَذُودانِ غنَمَهما: جاز أن يكونَ لم يُنْكر الذودَ من حيث هو ذَوْدٌ بل مِنْ حيثُ هو ذَوْدُ غَنم، حتى لو كان مكانَ الغنمِ إبلٌ لم يُنكر الذودَ؛ كما أنك إذا قلتَ: مالكَ تمنعُ أخاك؟ كُنْتَ مُنْكِراً المنعَ لا من حيثُ هو مَنعٌ بل مِنْ حيثُ هو منعُ أخٍ، فاعرْفه تَعْلمْ أَنكَ لم تَجِدْ لِحَذْف المفعولِ في هذا النحو مِن الرَّوعة والحُسْن ما وجَدْتَ، إلاَّ لأنَّ في حَذْفه وتَرْكِ ذِكْرِه فائدةً جليلةً، وأن الغرَضَ لا يصِحُّ إلا على تَرْكهِ.
стр. 175
ومما هو كأنه نَوعٌ آخرُ غيرُ ما مضى، قول البحتري [من الطويل]:
إذا بَعُدَتْ أَبلَتْ وإن قَرُبَتْ شَفَتْ ... فهِجْرانُها يُبْلي ولُقيانُها يَشْفي
قد عُلِمَ أنَّ المعنى "إذا بَعُدَتْ عني أَبْلَتني وإن قَرُبَتْ مني شفَتْني" إلاَّ أَنك تَجِدُ الشعرَ يأبى ذِكْرَ ذلك ويُوجِبُ أطِّراحَه، وذاك لأَنَّه أرادَ أن يَجْعلَ البِلى كأنه واجِبٌ في بِعادها أن يُوجِبَه ويَجْلبه وكأنه كالطبيعة فِيه، وكذلك حالُ الشفاءِ مع القُرب حتى كأنه قال: أتدري ما بِعادُها؟ هو الداءُ المُضْني. وما قُرْبُها؟ هو الشفاءُ والبُرْءُ مِنْ كل داءٍ. ولا سبيلَ لك إلى هذه اللطيفةِ وهذه النكْتة إلا بحذْف المفعول البتةَ، فاعْرِفْهُ! وليس لِنَتائجِ هذا الحذفِ، أعني حَذْفَ المفعولِ، نهايةٌ. فإنه طريقٌ إلى ضروبٍ من الصَّنْعة وإلى لطائفَ لا تُحْصى.
(وهذا نوع منه آخر). إعْلمْ أنَّ هاهنا باباً من الإضمار والحذف، يُسمَّى:
الإضمار على شريطة التفسير
وذلك مثْلُ قولهم: (أكْرَمني وأَكْرَمْتُ عبدَ اللهِ)، أردتُ "أكرمني عبدُ الله وأكرمتُ عبدَ الله" ثم تركتُ ذِكْرَه في الأولِ استغناءً بذِكْرهِ في الثاني. فهذا طريقٌ معروفٌ ومذْهَبٌ ظاهر وشيءٌ لا يُعْبَأُ به ويُظَنُّ أنه ليس فيه أَكثرُ مما تُريكَ الأمثلةُ المذكورةُ منه. وفيه إذا أنتَ طلبتَ الشيءَ من مَعْدِنِه، منْ دقَيقِ الصنعةِ ومن جَليلِ الفائدةِ، ما لا تَجدُه إلاَّ في كلام الفحول.
فمن لطيف ذلك ونادرِهِ، قول البحتري [من الكامل]:
لوْ شِئْتَ لم تُفْسِدْ سَماحَة "حاتِمٍ" ... كَرَماً، ولم تَهْدِمْ مآثِرَ "خالدِ"
стр. 176
الأصلُ، لا محالة، لو شئْتَ أن لا تُفْسِدَ سماحةَ حاتم لم تُفْسِدْها، ثم حُذِفَ ذلك من الأول استغناءً بدلالته في الثاني عليه؛ ثم هو على ما تراهُ وتَعلَمُه من الحُسْن والغَرابة. وهو على ما ذكرتُ لك من أنَّ الواجبَ في حُكْم البلاغة، أن لا يُنْطَقَ بالمحذوف ولا يَظَهَرَ إلى اللفظ؛ فليس يَخفى أنك لو رَجَعْتَ فيه إلى ما هو أصْلُه فقلت: (لو شئتَ أن لا تُفسِدَ سماحةَ حاتم لم تُفْسِدْها)، صِرْتَ إلى كلامٍ غَثٍّ وإلى شيء يَمجُّهُ السمْعُ وتَعافُهُ النفْسُ، وذلك أنَّ في البيانِ إذا ورَدَ بعد الإبهام وبعد التحريك له أبداً، لطفاً ونبلاً لا يكونُ إذا لم يتقدَّمْ ما يُحرِّكُ، وأنتَ إذا قلت: "لو شئتَ": علمَ السامعُ أنكَ قد علَّقْتَ هذه المشيئةَ في المعنى بشيء. فهو يَضَعُ في نفسه أنَّ هاهنا شيئاً تَقْتضي مَشيئتُه له أن يكونَ أو أن لا يكونَ؛ فإذا قلتَ: "لم تُفسِد سماحةَ حاتم"، عرَفَ ذلك الشيءَ. ومَجيءُ المشيئةِ بعد "لو" وبعْدَ حروفِ الجزاءِ هكذا، موقوفةٌ غيرُ مُعدَّاةٍ إلى شيءٍ كثير شائع، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ [الأنعام: ٣٥] ﴿وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] والتقديرُ في ذلك كلِّه على ما ذكرتُ. فالأَصْلُ: "لو شاء اللهُ أنْ يَجمعهم على الهدى لجمَعَهم" "ولو شاء أنْ يَهدِيَكم أجمعينَ لهَداكم". إلا أَنَّ البلاغةَ في أن يُجاءَ به كذلك محذوفاً. وقد يتَّفقُ في بعضه، أن يكون إظهارُ المفعولِ هو الأَحْسَنَ، وذلك نَحْو قولِ الشاعر [من الطويل]:
ولو شِئتُ أَنْ أبكي دماً لبَكَيْتُهُ ... عليهِ ولكنْ ساحةُ الصبرِ أوْسَعُ
فقياس هذا، لو كان على حدِّ "ولو شاءَ اللهُ لَجمعهم على الهُدى"، أن يقول: (لو شئتُ بكيتُ دماً)، ولكنه كأنه تركَ تلك الطريقةَ، وعدَلَ إلى هذه لأنها أحْسَنُ في هذا الكلام خصوصاً. وسببُ حسْنِه أنه كأنهُ بِدْعٌ عجيبٌ أنْ يشاءَ الإِنسانُ أن يَبْكي دماً؛ فلما كان كذلك، كان الأَوْلى أن يُصرِّحَ بذِكْره ليقرِّرَهُ في نفسِ السامع ويُؤنِسَه به.
стр. 177
وإذا استقرَيْتَ وجدْتَ الأمرَ كذلك أبدا؛ متى كان مفعولُ المشيئةِ أمراً عظيماً أو بديعاً غريباً، كان الأَحْسَنَ أنْ يُذكَرَ ولا يُضْمَر. يقول الرجلُ يُخْبِرُ عن عِزَّة نفسِه: (لو شئتُ أن أَردَّ على الأمير ردَدْتُ، ولو شئتُ أن أَلْقى الخليفَةَ كلَّ يومٍ لَقِيتُ). فإذا لم يكن مما يُكْبِرُهُ السامعُ، فالحذفُ. كقولك: لو شئتُ خرجتُ، ولو شئتُ قمتُ، ولو شئتُ أنصفتُ، ولو شئتُ لقلت. وفي التنزيل ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هاذا﴾ [الأنفال: ٣١]. وكذا تقول: لو شئتُ كنتُ كزيد، قال [من البسيط]:
لو شئتُ كنتُ كَكُرْزٍ في عبادتِه ... أو كَابْنِ طارِفَ حولَ البيتِ والحَرَمِ
وكذا الحكُمُ في غيره من حروف المُجَازاة أن تقول: إن شئتُ قلتُ، وإن أَردتُ دفعتُ. قال الله تعالى: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] وقال عزَّ اسْمُه ﴿مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]. ونظائر ذلك من الآي ترَى الحذْفَ فيها المستمرَّ.
وممَّا يُعْلَمُ أَنْ ليس فيه لغيرِ الحذْفِ وجهٌ، قولُ طرفة [من الطويل]:
وإنْ شئتُ لم تُرْقِلْ وإنْ شئتُ أرْقَلَتْ ... مخافَةَ مَلْوِيٍّ مِنْ القِدِّ مُحْصَدِ
وقولُ حميد [من الطويل]:
إذا شئتُ غنَتْني بأجزاعِ بِيشَةٍ ... أو الزُّرْقِ من تَثليثَ أَوْ بيَلَمْلما
مُطَوَّقةٌ ورقاءُ تَسْجَعُ كَلَّما ... دَنا الصيفُ وانجابَ الربيعُ فأَنجَما
وقولُ البحتري [من الطويل]:
إذا شاءَ غادى صِرمةً أو غدا على ... عقائلِ سِرْبٍ أو تَقَنَّصَ رَبْرَبا
وقولُه [من الكامل]:
لو شئتَ عُدْتَ بلادَ نَجْدٍ عَوْدةً ... فحَللْتَ بين عقيقهِ وزَرْودِهِ
معلوم أنكَ لو قلْتَ: (وإن شئتَ أن لا تُرْقِلَ لم تُرْقل. أو قلتَ: إذا شئتُ أن تُغنِّيني بأجزاع بيشة غنَّتْني، وإذا شاء أن يُغادي صرمةً غادى، ولو شئتَ أن تَعودَ بلادَ نجدٍ عودةً عُدْتَها): أذْهَبْتَ الماءَ والرونقَ، وخرجْتَ إلى كلامٍ غَثٍّ، ولفظٍ رَثٍّ، وأما قولُ الجوهري [من الطويل]:
فلم يُبْقِ منِّي الشوقُ غيرَ تَفكُّري ... فلو شئتُ أن أبكي بكَيْتُ تَفَكُّرا
стр. 178
فقد نَحَا به نَحْو قولهِ: ولو شئتُ أن أبكي دماً لبكيتُه، فأظْهَر مفعولَ "شئتُ" ولم يَقُلْ: (فلو شئتُ بكيتُ تفكراً) لأجل أَنَّ له غرَضاً لا يَتمُّ إلاَّ بذكر المفعول؛ وذلك أنه لم يُردِ أَن يقول: (ولو شئتُ أن أبكي تفكُّراً، بكيتُ كذلك)، ولكنه أراد أن يقول: قد أفناني النحولُ، فلم يَبْقَ مني وفيَّ غيرُ خواطرَ تَجول، وعصَرْت عيني، ليسيلَ منها دمعٌ لم أَجدْه، ويَخرُجَ بدلَ الدمع التفكُّرُ. فالبكاءُ الذي أراد إيقاعَ المشيئة عليه، مُطْلَقٌ مُبْهم غيرُ مُعَدَّى إلى التفكر البتةَ، والبكاءُ الثاني مقيَّد معدَّى إلى التفكر. وإذا كان الأمر كذلك، صار الثاني كأنه شيء غيرُ الأول، وجرَى مجرى أن تقول: لوشئتَ أن تُعطي درهماً أعطيتَ درهَمين، في أنَّ الثاني لا يَصْلح أن يكون تفسيراً للأول.
واعلمْ أنَّ هذا الذي ذكَرْنا ليس بصريح "أكرمتُ وأكرمني عبدُ الله" ولكنه شبيه به في أنه إنما حُذِفَ الذي حُذِفَ من مفعول المشيئة والإرادة، لأنَّ الذي يأتي في جوابِ (لو) وأخَواتها، يدلُّ عليه.
وإذا أردتَ ما هو صريحٌ في ذلك، ثم هو نادرٌ لطيف، يَنْطوي على معنى دقيقٍ وفائدةٍ جليلة، فانظر إلى بيت البحتري [من الخفيف]:
قد طَلَبْنا فلم نَجدْ لكَ في السُّؤْ ... دُدِ والمَجْد والمَكَارِم مِثْلا
المعنى قد طَلَبْنا لك (مِثْلاً) ثم حذَفَ، لأنَّ ذكْرَه في الثاني يدلُّ عليه. ثم إنَّ في المجيء به كذلك، مِن الحُسْن والمَزيَّة والروعة ما لا يَخْفى، ولو أنه قال: (طلَبْنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مَثَلاً فلم نَجِدْه، لم تَرَ من هذا الحُسْن الذي تَراه شيئاً. وسببُ ذلك أَنَّ الذي هو الأصْلُ في المدح والغرض بالحقيقة، هو نَفْي الوجودِ عن المثل، فأَمَّا الطلبُ فكالشيء يُذكر ليُبنى عليه الغَرَضُ ويُؤَكَّد به أَمْرُه. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قال: قد طلبَنْا لك في السؤدد والمجد والمكارم مِثْلاً، فلم نَجدْه، لكان يكونُ قد تركَ أن يُوقِعَ نفْيَ الوجود على صريح لفظ "المثل"، وأوْقَعَه على ضميره. ولن تَبلُغَ الكنايةُ مبْلَغَ الصريح أَبداً.
стр. 179
ويُبيِّن هذا كلامٌ ذكَرَه أبو عثمانَ الجاحظُ في كتاب البيان والتبيين وأنا أكتبُ لك الفصلَ حتى يستبينَ الذي هو المُرادُ. قال:
"والسنَّةُ في خطبة النِّكاحِ أنْ يُطيلَ الخاطِبُ ويُقصِّرَ المجِيبُ، ألا تَرى أنَّ قيْسَ بْنَ خارجةَ لمَّا ضرَبَ بسيفه مُؤخَّرةَ راحلةِ الحاملَين في شأن حَمالةِ داحس، وقال: ما لي فيها أيها العَشَمتَانِ، قالا: بل ما عندَك؟ قال: عندي قِرى كلِّ نازلٍ، ورضِى كلِّ ساخِطٍ، وخُطبةٌ مِنْ لَدُنْ تطْلُعُ الشمسُ إلى أن تَغْرُبَ، آمرُ فيها بالتواصل، وأَنْهى فيها عن التقاطع. قالوا: فخطَبَ يوماً إلى الليل، فما أعاد كلمةً ولا معْنى. فقيل لأبي يعقوب: هلاَّ اكْتَفى بالأمر بالتواصلِ، عن النَّهْي عن التقاطع؟ أو ليس الأمرُ بالصلةِ هو النهْيُ عن القطيعة؟ قال: أو ما علمْتَ أنَّ الكنايةَ والتعريضَ، لا يَعْملان في العقولِ عَمَلَ الإِيضاح والتكشيف"؟
انتهى الفصْلُ الذي أَردتُ أن أَكْتبَه؛ فقد بصَّرك هذا أنْ لن يكونَ إيقاعُ نَفْي الوجودِ على صَريحِ لفظِ "المثل" كإيقاعه على ضميره.
وإذْ قد عرَفْتَ هذا، فإنَّ هذا المعنى بعينه، قد أَوْجَبَ في بيتِ ذي الرمة، أنْ يَضعَ اللفظَ على عكس، ما وضَعه البحتريُّ، فيُعملَ الأوَّلَ من الفعلين، وذلك قوله [من الوافر]:
ولم أَمدَحْ لأرضيهِ بشعري ... لئيماً أَنْ يكونَ أصابَ مالا
стр. 180
أعْمَلَ "لم أمدح" الذي هو الأول في صريح لفظ اللئيم، و "أرْضى" الذي هو الثاني في ضميره، وذلك لأنَّ إيقاعَ نَفْي المدحِ على اللئيم صريحاً، والمجيءَ به مكشوفاً ظاهراً، هو الواجب من حيثُ كان أصْلُ الغرضِ، وكان الإرضاءُ تعليلاً له. ولو أنه قال: ولم أمدح لأُرْضِيَ بشعري لئيماً، لكان يكونُ قد أَبْهمَ الأمرَ فيما هو الأصْلُ وأبانَهُ فيما ليس بالأَصْل، فاعرفْه ولهذا الذي ذكَرْنا من أنَّ للتصريح عَمَلاً لا يكون مثلُ ذلك العملِ للكناية، كان لإعادة اللفظ في مِثْلِ قولهِ تعالى: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وقولهِ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] من الحُسْنِ والبَهْجة، ومن الفَخَامة والنُّبل، ما لا يَخْفى موضِعُه على بصيرٍ، وكان لو تُرِكَ فيه الإظهارُ إلى الإضمار، فقيل: (وبالحقِّ أنزلناه وبه نزل). و (قلْ هُوَ الله أَحدٌ هو الصَّمَدُ) لعدمتَ الذي أنتَ واجِدُه الآن.
следующие страницы →