Полный текст (435 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الأصلُ، لا محالة، لو شئْتَ أن لا تُفْسِدَ سماحةَ حاتم لم تُفْسِدْها، ثم حُذِفَ ذلك من الأول استغناءً بدلالته في الثاني عليه؛ ثم هو على ما تراهُ وتَعلَمُه من الحُسْن والغَرابة. وهو على ما ذكرتُ لك من أنَّ الواجبَ في حُكْم البلاغة، أن لا يُنْطَقَ بالمحذوف ولا يَظَهَرَ إلى اللفظ؛ فليس يَخفى أنك لو رَجَعْتَ فيه إلى ما هو أصْلُه فقلت: (لو شئتَ أن لا تُفسِدَ سماحةَ حاتم لم تُفْسِدْها)، صِرْتَ إلى كلامٍ غَثٍّ وإلى شيء يَمجُّهُ السمْعُ وتَعافُهُ النفْسُ، وذلك أنَّ في البيانِ إذا ورَدَ بعد الإبهام وبعد التحريك له أبداً، لطفاً ونبلاً لا يكونُ إذا لم يتقدَّمْ ما يُحرِّكُ، وأنتَ إذا قلت: "لو شئتَ": علمَ السامعُ أنكَ قد علَّقْتَ هذه المشيئةَ في المعنى بشيء. فهو يَضَعُ في نفسه أنَّ هاهنا شيئاً تَقْتضي مَشيئتُه له أن يكونَ أو أن لا يكونَ؛ فإذا قلتَ: "لم تُفسِد سماحةَ حاتم"، عرَفَ ذلك الشيءَ. ومَجيءُ المشيئةِ بعد "لو" وبعْدَ حروفِ الجزاءِ هكذا، موقوفةٌ غيرُ مُعدَّاةٍ إلى شيءٍ كثير شائع، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ [الأنعام: ٣٥] ﴿وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] والتقديرُ في ذلك كلِّه على ما ذكرتُ. فالأَصْلُ: "لو شاء اللهُ أنْ يَجمعهم على الهدى لجمَعَهم" "ولو شاء أنْ يَهدِيَكم أجمعينَ لهَداكم". إلا أَنَّ البلاغةَ في أن يُجاءَ به كذلك محذوفاً. وقد يتَّفقُ في بعضه، أن يكون إظهارُ المفعولِ هو الأَحْسَنَ، وذلك نَحْو قولِ الشاعر [من الطويل]:
ولو شِئتُ أَنْ أبكي دماً لبَكَيْتُهُ ... عليهِ ولكنْ ساحةُ الصبرِ أوْسَعُ
فقياس هذا، لو كان على حدِّ "ولو شاءَ اللهُ لَجمعهم على الهُدى"، أن يقول: (لو شئتُ بكيتُ دماً)، ولكنه كأنه تركَ تلك الطريقةَ، وعدَلَ إلى هذه لأنها أحْسَنُ في هذا الكلام خصوصاً. وسببُ حسْنِه أنه كأنهُ بِدْعٌ عجيبٌ أنْ يشاءَ الإِنسانُ أن يَبْكي دماً؛ فلما كان كذلك، كان الأَوْلى أن يُصرِّحَ بذِكْره ليقرِّرَهُ في نفسِ السامع ويُؤنِسَه به.
стр. 177
وإذا استقرَيْتَ وجدْتَ الأمرَ كذلك أبدا؛ متى كان مفعولُ المشيئةِ أمراً عظيماً أو بديعاً غريباً، كان الأَحْسَنَ أنْ يُذكَرَ ولا يُضْمَر. يقول الرجلُ يُخْبِرُ عن عِزَّة نفسِه: (لو شئتُ أن أَردَّ على الأمير ردَدْتُ، ولو شئتُ أن أَلْقى الخليفَةَ كلَّ يومٍ لَقِيتُ). فإذا لم يكن مما يُكْبِرُهُ السامعُ، فالحذفُ. كقولك: لو شئتُ خرجتُ، ولو شئتُ قمتُ، ولو شئتُ أنصفتُ، ولو شئتُ لقلت. وفي التنزيل ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هاذا﴾ [الأنفال: ٣١]. وكذا تقول: لو شئتُ كنتُ كزيد، قال [من البسيط]:
لو شئتُ كنتُ كَكُرْزٍ في عبادتِه ... أو كَابْنِ طارِفَ حولَ البيتِ والحَرَمِ
وكذا الحكُمُ في غيره من حروف المُجَازاة أن تقول: إن شئتُ قلتُ، وإن أَردتُ دفعتُ. قال الله تعالى: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] وقال عزَّ اسْمُه ﴿مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]. ونظائر ذلك من الآي ترَى الحذْفَ فيها المستمرَّ.
وممَّا يُعْلَمُ أَنْ ليس فيه لغيرِ الحذْفِ وجهٌ، قولُ طرفة [من الطويل]:
وإنْ شئتُ لم تُرْقِلْ وإنْ شئتُ أرْقَلَتْ ... مخافَةَ مَلْوِيٍّ مِنْ القِدِّ مُحْصَدِ
وقولُ حميد [من الطويل]:
إذا شئتُ غنَتْني بأجزاعِ بِيشَةٍ ... أو الزُّرْقِ من تَثليثَ أَوْ بيَلَمْلما
مُطَوَّقةٌ ورقاءُ تَسْجَعُ كَلَّما ... دَنا الصيفُ وانجابَ الربيعُ فأَنجَما
وقولُ البحتري [من الطويل]:
إذا شاءَ غادى صِرمةً أو غدا على ... عقائلِ سِرْبٍ أو تَقَنَّصَ رَبْرَبا
وقولُه [من الكامل]:
لو شئتَ عُدْتَ بلادَ نَجْدٍ عَوْدةً ... فحَللْتَ بين عقيقهِ وزَرْودِهِ
معلوم أنكَ لو قلْتَ: (وإن شئتَ أن لا تُرْقِلَ لم تُرْقل. أو قلتَ: إذا شئتُ أن تُغنِّيني بأجزاع بيشة غنَّتْني، وإذا شاء أن يُغادي صرمةً غادى، ولو شئتَ أن تَعودَ بلادَ نجدٍ عودةً عُدْتَها): أذْهَبْتَ الماءَ والرونقَ، وخرجْتَ إلى كلامٍ غَثٍّ، ولفظٍ رَثٍّ، وأما قولُ الجوهري [من الطويل]:
فلم يُبْقِ منِّي الشوقُ غيرَ تَفكُّري ... فلو شئتُ أن أبكي بكَيْتُ تَفَكُّرا
стр. 178
فقد نَحَا به نَحْو قولهِ: ولو شئتُ أن أبكي دماً لبكيتُه، فأظْهَر مفعولَ "شئتُ" ولم يَقُلْ: (فلو شئتُ بكيتُ تفكراً) لأجل أَنَّ له غرَضاً لا يَتمُّ إلاَّ بذكر المفعول؛ وذلك أنه لم يُردِ أَن يقول: (ولو شئتُ أن أبكي تفكُّراً، بكيتُ كذلك)، ولكنه أراد أن يقول: قد أفناني النحولُ، فلم يَبْقَ مني وفيَّ غيرُ خواطرَ تَجول، وعصَرْت عيني، ليسيلَ منها دمعٌ لم أَجدْه، ويَخرُجَ بدلَ الدمع التفكُّرُ. فالبكاءُ الذي أراد إيقاعَ المشيئة عليه، مُطْلَقٌ مُبْهم غيرُ مُعَدَّى إلى التفكر البتةَ، والبكاءُ الثاني مقيَّد معدَّى إلى التفكر. وإذا كان الأمر كذلك، صار الثاني كأنه شيء غيرُ الأول، وجرَى مجرى أن تقول: لوشئتَ أن تُعطي درهماً أعطيتَ درهَمين، في أنَّ الثاني لا يَصْلح أن يكون تفسيراً للأول.
واعلمْ أنَّ هذا الذي ذكَرْنا ليس بصريح "أكرمتُ وأكرمني عبدُ الله" ولكنه شبيه به في أنه إنما حُذِفَ الذي حُذِفَ من مفعول المشيئة والإرادة، لأنَّ الذي يأتي في جوابِ (لو) وأخَواتها، يدلُّ عليه.
وإذا أردتَ ما هو صريحٌ في ذلك، ثم هو نادرٌ لطيف، يَنْطوي على معنى دقيقٍ وفائدةٍ جليلة، فانظر إلى بيت البحتري [من الخفيف]:
قد طَلَبْنا فلم نَجدْ لكَ في السُّؤْ ... دُدِ والمَجْد والمَكَارِم مِثْلا
المعنى قد طَلَبْنا لك (مِثْلاً) ثم حذَفَ، لأنَّ ذكْرَه في الثاني يدلُّ عليه. ثم إنَّ في المجيء به كذلك، مِن الحُسْن والمَزيَّة والروعة ما لا يَخْفى، ولو أنه قال: (طلَبْنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مَثَلاً فلم نَجِدْه، لم تَرَ من هذا الحُسْن الذي تَراه شيئاً. وسببُ ذلك أَنَّ الذي هو الأصْلُ في المدح والغرض بالحقيقة، هو نَفْي الوجودِ عن المثل، فأَمَّا الطلبُ فكالشيء يُذكر ليُبنى عليه الغَرَضُ ويُؤَكَّد به أَمْرُه. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قال: قد طلبَنْا لك في السؤدد والمجد والمكارم مِثْلاً، فلم نَجدْه، لكان يكونُ قد تركَ أن يُوقِعَ نفْيَ الوجود على صريح لفظ "المثل"، وأوْقَعَه على ضميره. ولن تَبلُغَ الكنايةُ مبْلَغَ الصريح أَبداً.
стр. 179
ويُبيِّن هذا كلامٌ ذكَرَه أبو عثمانَ الجاحظُ في كتاب البيان والتبيين وأنا أكتبُ لك الفصلَ حتى يستبينَ الذي هو المُرادُ. قال:
"والسنَّةُ في خطبة النِّكاحِ أنْ يُطيلَ الخاطِبُ ويُقصِّرَ المجِيبُ، ألا تَرى أنَّ قيْسَ بْنَ خارجةَ لمَّا ضرَبَ بسيفه مُؤخَّرةَ راحلةِ الحاملَين في شأن حَمالةِ داحس، وقال: ما لي فيها أيها العَشَمتَانِ، قالا: بل ما عندَك؟ قال: عندي قِرى كلِّ نازلٍ، ورضِى كلِّ ساخِطٍ، وخُطبةٌ مِنْ لَدُنْ تطْلُعُ الشمسُ إلى أن تَغْرُبَ، آمرُ فيها بالتواصل، وأَنْهى فيها عن التقاطع. قالوا: فخطَبَ يوماً إلى الليل، فما أعاد كلمةً ولا معْنى. فقيل لأبي يعقوب: هلاَّ اكْتَفى بالأمر بالتواصلِ، عن النَّهْي عن التقاطع؟ أو ليس الأمرُ بالصلةِ هو النهْيُ عن القطيعة؟ قال: أو ما علمْتَ أنَّ الكنايةَ والتعريضَ، لا يَعْملان في العقولِ عَمَلَ الإِيضاح والتكشيف"؟
انتهى الفصْلُ الذي أَردتُ أن أَكْتبَه؛ فقد بصَّرك هذا أنْ لن يكونَ إيقاعُ نَفْي الوجودِ على صَريحِ لفظِ "المثل" كإيقاعه على ضميره.
وإذْ قد عرَفْتَ هذا، فإنَّ هذا المعنى بعينه، قد أَوْجَبَ في بيتِ ذي الرمة، أنْ يَضعَ اللفظَ على عكس، ما وضَعه البحتريُّ، فيُعملَ الأوَّلَ من الفعلين، وذلك قوله [من الوافر]:
ولم أَمدَحْ لأرضيهِ بشعري ... لئيماً أَنْ يكونَ أصابَ مالا
стр. 180
أعْمَلَ "لم أمدح" الذي هو الأول في صريح لفظ اللئيم، و "أرْضى" الذي هو الثاني في ضميره، وذلك لأنَّ إيقاعَ نَفْي المدحِ على اللئيم صريحاً، والمجيءَ به مكشوفاً ظاهراً، هو الواجب من حيثُ كان أصْلُ الغرضِ، وكان الإرضاءُ تعليلاً له. ولو أنه قال: ولم أمدح لأُرْضِيَ بشعري لئيماً، لكان يكونُ قد أَبْهمَ الأمرَ فيما هو الأصْلُ وأبانَهُ فيما ليس بالأَصْل، فاعرفْه ولهذا الذي ذكَرْنا من أنَّ للتصريح عَمَلاً لا يكون مثلُ ذلك العملِ للكناية، كان لإعادة اللفظ في مِثْلِ قولهِ تعالى: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وقولهِ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] من الحُسْنِ والبَهْجة، ومن الفَخَامة والنُّبل، ما لا يَخْفى موضِعُه على بصيرٍ، وكان لو تُرِكَ فيه الإظهارُ إلى الإضمار، فقيل: (وبالحقِّ أنزلناه وبه نزل). و (قلْ هُوَ الله أَحدٌ هو الصَّمَدُ) لعدمتَ الذي أنتَ واجِدُه الآن.
стр. 181
فصل: القول في الحذف - نتيجة
قد بانَ الآنَ واتَّضحَ لِمَنْ نَظَر نظَرَ المتثبِّتِ الحصيفِ الراغبِ في اقتداحِ زِنادِ العَقْل، والازْديادِ من الفضْلِ، وَمْن شأْنُه التوقُ إلى أن يَعْرفَ الأشياءَ على حقائقها، ويَتغلغَلَ إلى دقائقها، ويرْبأَ بِنفْسِهِ عن مرْتَبةِ المُقَلِّد الذي يَجْري مع الظاهر، ولا يَعْدُوا الذي يَقَعُ في أول الخاطرِ، أَنَّ الذي قلتُ في شأن الحَذْف، وفي تفخيم أمره، والتنويه بذِكْره، وأنَّ مأْخَذَه مَأْخذٌ يُشْبِهُ السِّحْر، ويَبْهَرُ الفِكْر، كالذي قلتُ: وهذا فَنٌّ آخرُ من معانيه عجيب وأنا ذاكرٌ لك:
أعَنْ سَفَهٍ يومَ الأُبَيْرَقِ أم حِلْمِ
وهو يذكر مُحاماةَ الممدوحِ عليه وصيانَتَه له ودفْعهَ نوائبَ الزمانِ عنه [من الطويل]:
وكَمْ ذُدْتَ عني مِنْ تَحامُل حادِثٍ ... وسَوْرةِ أَيام حَزَزْنَ إلى العَظْم
الأَصْلُ، لا محالةَ، (حززْنَ اللَّحْمَ إلى العظم)، إلاَّ أن في مجيئه به محذوفاً، وإسقاطِه له من النُّطْق، وتَرْكهِ في الضميرِ، مزَّيةً عجيبةً وفائدةً جليلةً، وذاك أنَّ مِنْ حِذْق الشاعرِ أَنْ يُوقِعَ المعنى في نَفْس السامعِ إيقاعاً يَمنعُه به مِنْ أنْ يتوَهَّم في بدءِ الأمر شيئاً غيرَ المرادِ، ثم ينصرفُ إلى المرادِ؛ ومعلومٌ أنه لو أظْهَر المفعول فقال: وسَوْرة أيامٍ حززن اللَّحَم إلى العظم)، لجاز أن يقعَ في وَهْم السامع، إلى أن يجيء إلى قوله: "إلى العظم"، أنَّ هذا الحزَّ كان في بعض اللحم دُونَ كلِّه، وأنه قطَعَ ما يلي الجِلْدَ ولم يَنْتَهِ إلى ما يلي العظم،؛ فلمَّا كان كذلك، ترَكَ ذِكْر اللحم وأَسْقَطَه من اللفظ ليُبْرِئَ السامعَ مِنْ هذا، ويَجعلَهُ بحيث يَقعُ المعنى منه في أَنْفِ الفَهْمِ، ويَتصوَّرُ في نفسه من أول الأمْر، أنَّ الحزَّ مضى في اللحم حتى لم يَردَّه إلاَّ العْظمُ. أفيكونُ دليلٌ أوضحَ من هذا، وأَبْيَنَ وأجْلى في صحة ما ذكرتُ لك، مِنْ أنك قد تَرى تَرْكَ الذكْرِ أفْصَحَ من الذكْرِ، والامتناعَ من أن يَبْرزَ اللفظُ من الضمير، أحْسَنَ للتصوير؟
стр. 182
فصل: القول على فروق في الخبر
أَولُ ما ينبغي أن يُعْلَم منه أنه يُقْسم إلى خَبرٍ هو جزءٌ من الجملة لا تَتمُّ الفائدةُ دونه، وخَبرٍ ليس بجزءٍ من الجملة، ولكنه زيادةٌ في خَبرٍ آخرَ سابقٍ له. فالأولُ خبرُ المبتدأ: (كمُنْطَلِقٌ) في قولك: (زيدٌ مُنْطلقٌ)، والفعلُ كقولك: (خرجَ زيدٌ). فكلُّ واحدٍ من هذين جزءٌ من الجملة، وهو الأَصْل في الفائدة. والثاني هو الحال. كقولك: (جاءني زيدٌ راكباً). وذاكَ لأنَّ الحالَ خبرٌ في الحقيقة، مِنْ حيثُ إنك تُثْبتُ بها المعنى لذي الحال، كما تُثْبِتُهُ بخبر المبتدأ للمبتدأ، وبالفِعْل للفاعل. ألاَ تَراكَ قد أَثبتَّ الركوبَ، في قولك: "جاءني زيد راكباً" لزيد، إلاَّ أن الفَرْقَ أنك جئْتَ به لتزيد معنًى في إخباركَ عنه بالمجيء، وهو أن تَجْعلَه بهذه الهيئة في مجيئه؛ ولم تُجرِّدْ إثباتَكَ للركوب، ولم تُباشِرْه به، بل ابتدأَتَ فأَثبتَّ المجيءَ، ثم وصلْتَ به الركوبَ، فالتبسَ به الإثباتُ على سبيل التَّبَع للمجيء، وبشَرْط أن يكون في صِلَته. وأمَّا في الخبر المطلق، نحو "زيدٌ منطلقٌ وخرَجَ عمرو" فإنك مُثْبِتٌ للمعنى إثباتاً جرَّدْتَه له، وجعلْتَه يُباشِرُه من غير واسطة، ومن غير أَن يتسبَّبَ بغيره إليه، فاعرفْهُ!
الاسم والفعل في الإثبات
وإذْ قد عرَفْتَ هذا الفرْقَ، فالذي يَليه من فُروق الخَبَر هو الفرْقُ بين الإثبات إذا كان بالاسم، وبيْنَه إذا كان بالفعل؛ وهو فرقٌ لطيفٌ تَمسُّ الحاجةُ في علم البلاغة إليه. وبيانُه أنَّ موضوعَ الاسم، على أن يُثْبَتَ به المعنى للشيء، من غير أن يقتضي تجدُّده شيئاً بعْدَ شيء. وأما الفعلُ فموضوعُه، على أنه يقتضي تَجدُّدَ المعنى المُثْبَت به شيئاً بعْدَ شيء، فإذا قلتَ: (زيدٌ منطلقٌ)، فقد أَثبتَّ الانطلاقَ فعْلاً له، من غير أن تجعله يَتجدَّد ويَحْدُثُ منه شيئاً فشيئاً، بل يكونُ المعنى فيه كالمعنى في قولك: (زيدٌ طويلٌ وعمرو قصيرٌ). فكما لا يُقصَد ههنا إلى أن تَجعل الطولَ أو القِصَر يتجدَّد ويَحدثُ، بل تَوجِبُهما وتُثْبِتُهما فقط، وتَقْضي بوجودهما على الإطلاق، كذلك لا تتعرَّضُ في قولك: (زيدٌ منطلق)، لأكْثَرَ مِن إثباته لِزَيد.
стр. 183
وأمَّا الفعل، فإنهُ يقصد فيه إلى ذلك. فإذا قلت: (زيدٌ ها هو ذا يَنْطلقُ)، فقد زَعمْتَ أنَّ الانطلاقَ يقعُ منه جُزءاً فجزءاً، وجعلْتَهُ يُزاوله ويُزَجِّيه. وإنْ شئت أن تُحِسَّ الفرْقَ بينهما، مِنْ حيثُ يَلْطُفُ، فتأملْ هذا البيت [من البسيط]:
لا يأْلَفُ الدِّرْهمُ المَضروبُ صُرَّتَنَا ... لكنْ يَمرُّ عليها وهُو مُنْطَلِقُ
هذا هو الحُسْنُ اللائقُ بالمعنى، ولو قلتَه بالفعل: (لكنْ يمر عليها وهو ينطلق)، لم يَحْسُنْ. وإذا أردتَ أن تعتبره بحيثُ لا يَخْفى أَنَّ أحدَهما لا يَصْلُح في موضع صاحبه فانظرْ إلى قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾ [الكهف: ١٨] فإن أَحداً لا يَشكُّ في امتناع الفعل ههنا؛ وأنَّ قولَنا: (كلبهم يبسط ذراعيه)، لا يؤدي الغرضَ. وليس ذلك إلاَ لأن الفعل يقتضي مزاولةَ وتجدُّدَ الصفةِ في الوقت، ويَقْتضي الاسمُ ثُبوتَ الصفةِ وحُصولها، من غير أن يكون هناك مُزاولةٌ وتَزْجيةُ فعلٍ ومعنىً يَحْدُث شيئاً فشيئاً. ولا فرْقَ بين "وكلبهم باسِطٌ" وبينَ أن يقول: (وكلْبُهم واحد). مثلاً في أنك لا تُثْبِتُ مُزاولةً ولا تَجعل الكَلْبَ يفعل شيئاً، بل تُثْبتِهُ بصفةٍ هو عليها. فالغرضُ إذن تَأديةُ هيئةِ الكلبِ. ومتى اعتبرْتَ الحالَ في الصفات المشبَّهةِ وجَدْتَ الفرْقَ ظاهراً بيِّناً، ولم يَعترضْك الشكُّ في أنَّ أحدَهما لا يَصْلُح في موضعِ صاحبه. فإذا قلتَ: (زيدٌ طويلٌ وعمرو قصيرٌ). لم يصْلُحْ مكانَه: يَطولُ ويَقْصُرُ، وإنما تقول: (يطول ويَقْصُر) إذا كان الحديث عن شيء يَزيد ويَنمو، كالشجر والنبات والصبيِّ ونحْوِ ذلك مما يتجدد فيه الطولُ أو يَحْدثُ فيه القِصَر. فأمَّا وأنتَ تُحدِّثُ عن هيئةٍ ثابتةٍ وعن شيءٍ قد استقرَّ طولُه، ولم يكن ثمَّ تَزايدٌ وتجدُّدٌ، فلا يَصْلُح فيه إلاَّ الاسْمُ.
стр. 184
وإذا ثبتَ الفرقُ بين الشيئين في مواضعَ كثيرةٍ، وظهرَ الأمرُ بأَنْ تَرى أحدَهما لا يصْلُح في موضعِ صاحبهِ، وجَبَ أن تقضيَ بثُبوتِ الفرقِ، حيثُ تَرى أَحدَهما قد صلُحَ في مكان الآخَرِ، وتَعْلَم أنَّ المعنى مع أحدهما، غَيرُهُ مع الآخر، كما هو العبرةُ في حَمْل الخَفيِّ على الجليِّ؛ وينعكس لك هذا الحكم. أَعني أنك كما وجدْتَ الاسمَ يقَعُ حيثُ لا يَصلُح الفعلُ مكانه، كذلك تَجدُ الفِعْلَ يقع ثُم لا يَصلُحُ الاسمُ مكانَه، ولا يؤدي ما كان يؤديه.
فمن البَيِّنِ في ذلك قولُ الأعشَى [من الطويل]:
لعَمْري لقد لاحتْ عيونٌ كثيرةٌ ... إلى ضوءِ نارٍ في يَفاع تَحَرَّقُ
تُشَبُّ لِمَقْرورَين يَصْطَليانِها ... وباتَ على النارِ النَّدى والمُحَلَّقُ
مَعْلومٌ أنه لو قيل: (إلى ضوء نارٍ مُتَحَرِّقة) لَنَبا عنه الطبْعُ وأنكرَتْه النفسُ، ثم لا يكونُ ذاك النبوُّ وذاك الإنكارُ من أجل القافية، وأنها تُفْسَد به، بل من جهةِ أنه لا يُشْبِهُ الغرَضَ ولا يليقُ بالحال.
وكذلك قولُه [من الكامل]:
أوَ كلما وَرَدَتْ عُكاظَ قبيلةُ ... بَعثُوا إلىَّ عَريفَهُم يَتَوَسَّمَ
وذاك لأنَّ المعنى في بيت الأعشى على أن هناك مُوقِداً يتجدَّدُ منه الإلهابُ والإشعالُ حالاً فحالاً. وإذا قيل (متحرِّقة) كان المعنى أنَّ هناك ناراً قد ثَبُتتْ لها، وفيها هذه الصفة، وجرَى مَجْرى أن يقال: (إلى ضوءِ نارٍ عظيمة)، في أنه لا يفيد فعلاً يفعل. وكذلك الحال في قوله: (بَعثوا إليَّ عريفهم يتوسَّمُ). وذلك لأن المعنى على توسُّم وتأملٍ ونظرٍ يتجدَّد من العَريف هناك، حالاً فحالاً، وتصفُّحٌ منه للوجوه واحداً بعدً واحدٍ. ولو قيل: (بَعثوا إليَّ عريفَهم متوسِّماً)، لم يُفد ذلك حقَّ الإفادة، ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السمآء والأرض﴾ [فاطر: ٣] لو قيل: (هل من خالقٍ غيرُ اللهِ رازقٌ لكم). لكان المعنى غيرَ ما أُريدَ.
стр. 185
ولا ينبغي أن يَغُرَّكَ أنَّا إذْ تكلَّمْنا في مسائل المبتدأ والخبر، قدَّرْنا الفعلَ في هذا النحو تقديرَ الاسمِ كما نقول، في: "زيدٌ يقومُ": إنه في موضع "زيدٌ قائم"؛ فإنَّ ذلك لا يَقْتضي أن يستويَ المعنى فيها استواءً لا يكون من بَعْدِهِ افتراقٌ. فإنهما لو استويا هذا الاستواءَ لم يكن أحدهما فِعْلاً والآخرُ اسماً، بل كان ينبغي أن يكونا جميعاً فعلَيْن أو يكونا اسْمَيْن.
التعريف والتنكير في الإثبات
ومن فروق الإثبات أنك تقول: (زيد منْطَلِقٌ، وزيدٌ المنطلقُ، والمنطَلِقُ زيدٌ). فيكون لك في كل واحدٍ من هذه الأَحْوال، غَرضٌ خاصٌّ وفائدةٌ لا تكون في الباقي. وأَنا أفسر لك ذلك.
إعلمْ أنك إذا قلت: (زيدٌ منطلقٌ)، كان كلامك مع مَنْ لم يعلَمْ أنَّ انطلاقاً كان، لا مِنْ زَيْد ولا مِنْ عَمْرو. فأنتَ تُفيدُه ذلك ابتداءً. وإذا قلتَ: (زيدٌ المنطلقُ)، كان كلامُك مع مَنْ عَرَفَ أنَّ انطلاقاً كان، إمَّا من زَيْد، وإمّا من عَمرو؛ فأنتَ تُعْلِمه أنه كان من زيدٍ دون غيره، والنُكتةُ أنك تُثْبِتُ في الأول الذي هو قولك: (زيدٌ منطلقٌ)، فِعْلاً لم يَعْلم السامعُ من أصْله أنه كان، وتُثبتُ في الثاني الذي هو (زيدٌ المنطلقُ) فعْلاً قد عَلِمَ السامعُ أنه كان، لكنهُ لم يَعْلَمهُ لِزَيْدٍ، فأَفَدْتَهُ ذلك؛ فقد وافقَ الأول في المعنى الذي له كان الخبر خبراً، وهو إثبات المعنى للشيء، وليس يَقْدَح في ذلك أنك كنْتَ قد علمْتَ أنَّ انطلاقاً كان من أحَدِ الرجلين، لأنك إذا لم تَصِلْ إلى القَطْع على أنه كان من زيدٍ دون عمروٍ، كان حالُك في الحاجة إلى مَنْ كان يُثْبته لزيدٍ، كحالك إذا لم تَعْلم أنه كان من أَصْله.
وتمامُ التحقيق أنَّ هذا كلامٌ يكون معك إذا كنت قد بُلِّغْتَ أنه كان مِن إنسانٍ انطلاقٌ مِنْ موضع كذا في وَقْتِ كذا لغرضِ كذا، فجوَّزْتَ أن يكون ذلك كان مِنْ زيد. فإذا قيل لك: (زيدٌ المنطلق): صار الذي كان معلوماً على جهة الجواز معلوماً على جهة الوجوب. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيدَ هذا الوجوبِ، أدْخلوا الضميرَ المسمَّى فصْلاً بين الجزءين فقالو: (زيدٌ هو المنطلقُ).
стр. 186
ومن الفرق بين المسألتين - وهو مما تَمسُّ الحاجةُ إلى معرفتهِ - أنك إذا نكَّرْتَ الخبرَ، جاز أن تأتيَ بمبتدأ ثانٍ على أنْ تُشركه بحرفِ العطفِ في المعنى الذي أخبرْتَ به عن الأول. وإذا عرَّفتَ، لم يَجُزْ ذلك. تفسير هذا أنك تقول: (زيد منطلق وعمرو). تريد: "وعمرو منطلق أيضاً" ولا تقول: (زيد المنطلق وعمرو). ذلك، لأن المعنى مع التعريف على أنك أردْتَ أن تُثبت انطلاقاً مخصوصاً، قد كان من واحدٍ. فإذا أَثْبتَّه لزيدٍ لم يَصِحَّ إثباتُه لعمرو، ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاقُ من اثنينٍ، فإنه ينبغي أن تَجْمَع بينهما في الخبر فتقول: (زيد وعمرو هما المنطلقان). لا أن تُفرِّق فتُثْبِتَه أولاً لزيد، ثم تجيء فتُثْبتَه لعمرو. ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولُنا: هو القائلُ بيتَ كذا: كقولك: جريرٌ هو القائل [من الطويل]:
وليس لسيفي في العظام بقيّةٌ
فأنتَ لو حاولتَ أن تُشْرك في هذا الخبر غيرَه فتقول: جريرٌ هو القائلُ هذا البيتَ وفلان: حاولتَ مُحالاً، لأنه قولُهُ بعينه. فلا يُتصوَّر أن يُشرَكَ جريراً فيه غيرُه.
القصر في التعريف
واعلمْ أنك تَجد الأَلف واللام في الخبر على معنى الجنس، ثم تَرى له في ذلك وجوها:
(أحدها) أن تَقْصُرَ جنْسَ المعنى على المُخْبَر عنه لقَصْدِك المبالغةَ، وذلك قولُك: (زيدٌ هو الجوادُ وعَمرو هو الشجاع) تريد أنه الكاملُ، إلاَّ أنكَ تُخْرجُ الكلامَ في صورة تُوهم أنَّ الجود أو الشجاعةَ لم تُوجَدْ إلا فيه. وذلك لأنك لم تَعْتَدَّ بما كان مِنْ غَيْره لقُصوره عن أن يَبْلغَ الكمالَ؛ فهذا كالأول في امتناع العَطْف عليه للإشراك. فلو قلت: (زيد هو الجواد وعمرو): كان خَلْفاً من القول.
стр. 187
(والوجه الثاني) أن تَقْصُرَ جِنسَ المعنى الذي تُفيدُه بالخبر، على المُخْبرَ عنه، لا على معنى المبالغة وتَرْك الاعتداد بوجوده في غير المخْبَر عنه، بل على دعوى أنه لا يُوجَدُ إلا منه؛ ولا يكون ذلك إلاَّ إذا قيَّدت المعنى بشيءٍ يُخصِّصُه ويجعله في حكم نوع برأسه، وذلك كنحو أن يُقيَّد بالحال والوقْتِ، كقولك: (هو الوَفِيُّ حينَ لا تَظُنَّ نفسٌ بنفسٍ خيراً): وهكذا إذا كان الخبرُ بمعنًى يتعدَّى، ثم اشترطْتَ له مفعولاً مخصوصاً، كقول الأعشى [من المتقارب]:
هو الواهبُ المائةَ المُصْطَفا ... ةَ إمَّا مِخاضاً وإما عِشَاراً
فأنتَ تَجْعلُ الوفاءَ في الوقت الذي لا يَفي فيهِ أحَدٌ نوعاً خاصاً من الوفاء؛ وكذلك تجعلُ هِبَة المائةِ من الإبل نوعاً خاصاً وكذا الباقي. ثم إنك تَجعلُ كلَّ هذا خبراً على معنى الاختصاص، وأنَّه للمذكور دون مَن عَداهُ. ألا تَرى أنَّ المعنى في بيت الأعشى أنه لا يَهَبُ هذه الهبةَ إلا الممدوحُ! وربما ظنَّ الظانُّ أنَّ (اللام) في "هو الواهبُ المائةَ المصطفاة" بمنزلتها في نحو: زيدٌ هو المنطلق" من حيث كان القصد إلى هبةٍ مخصوصةٍ، كما كان القصدُ إلى انطلاقٍ مخصوصٍ، وليس الأمر بذلك. لأنَّ القصدَ ههنا إلى جنس من الهبة مخصوصٍ، لا إلى هبةٍ مخصوصةٍ بعينها. يَدُلُّكَ على ذلك أن المعنى على أنه يتكرَّر منه وعلى أنه يَجعلُه يَهبُ المائةَ مرةً بعد أُخرى. وأما المعنى في قولك: "زيد هو المنطلق": فعلى القصد إلى انطلاقٍ كان مرة واحدة لا إلى جنسٍ من الانطلاق، فالتكرُّر هناك غيرُ مُتصوَّر، كيف وأنتَ تقول: جريرٌ هو القائل [من الطويل]:
وليس لسيفي في العظام بقيةٌ
تُريد أن تُثبتَ له قِيلَ هذا البيت وتأليفَه. فأفْصِلْ بين أن تقْصِد إلى نوع فعلٍ بين أن تقصدَ إلى فعلٍ واحدٍ متعيَّنٍ، حالهُ في المعاني حالُ زَيْد في الرجال، في أنه ذاتٌ بعينها.
(والوجه الثالث) أن لا يَقصد قصْرَ المعنى في جنسه على المذكور لا كما كان في "زيدٌ هو الشجاع" تُريد أن لا تعتدَّ بشجاعة غيره، ولا كما ترى في قوله: (هو الواهب المائة المصطفاة) لكن على وجهٍ ثالثٍ وهو الذي عليه قول الخنساء [من الوافر]:
стр. 188
إذا قَبُحَ البكاءُ على قتيلٍ ... رأَيْتُ بكاءَكَ الحسَنَ الجَميلا
لم تُرِدْ أنَّ ما عدا البكاءَ عليه فليس بحَسَنٍ ولا جَميل، ولم تقيد الحَسَن بشيءٍ فيتُصوَّر أن يُقْصَرَ على البكاء كما قَصَرَ الأعشى هبةَ المائةِ على الممدوح، ولكنها أرادات أن تُقِره في جنسِ ما حُسْنُهُ الحُسْنُ الظاهرُ الذي لا يُنْكرهُ أحدٌ ولا يَشكُّ فيه شاكٌّ. ومثله قوله حسان [من الطويل]:
وإنَّ سَنام المَجْدِ من آلِ هاشمٍ ... بَنُو بنْتِ مَخْزومٍ ووالدُك العَبْدُ
أراد أن يُثْبِتَ العبوديةَ ثم يجعلَه ظاهرَ الأمرِ فيها ومعروفاً بها. ولو قال: (ووالدُك عبدُ)، لم يكنْ قد جعلَ حالَه في العبودية حالةً ظاهرة متعارَفَة. وعلى ذلك قول الآخر [من الطويل]:
أُسُودٌ إذا ما أبدتِ الحربُ نابها ... وفي سائر الدهر الغيوثُ المواطرُ
نكت أخرى
واعلمْ أنَّ للخبر المعُرَّف (بالألف واللام) معنًى غيرَ ما ذكرتُ لك، ولهُ مَسْلكٌ ثَمَّ دقيق ولَمَحَةٌ كالخَلْسِ يكون المتأمِّلُ عنده كما يقال، يُعرَّف وينكَّر ذلك قولك: (هو البطَلُ المحامي وهو المُتَّقى المرتَجَى). وأنتَ لا تقصدُ شيئاً مما تقَدَّم. فلستَ تشيرُ إلى معنى قد عَلمَ المخاطَبُ أنه كان، ولم يَعْلَمْ أنه ممَّن كان، كما مضى في قولك: (زيد هو المنطلقُ). ولا تريد أن تقصُرَ معنى عليه، على معنى أنه لم يَحصُلْ لغيره على الكَمال، كما كان في قولك: (زيد هو الشجاعُ)، ولا أن تقول إنه ظاهر بهذهِ الصفة كما كان في قوله: (ووالدُكَ العبْدُ)، ولكنك تُريد أن تقول لصاحبك: (هل سمعتَ بالبَطل المحامي؟ وهل حصَّلْتَ معنى هذه الصفةِ؟ وكيفَ ينبغي أن يكون الرجلُ حتى يَستحِقَّ أن يُقالَ ذلك له وفيه؟) فإن كنتَ قلتَهُ عِلماً وتصوَّرْتَه حقَّ تصوّره، فعليكَ صاحبَك واشدُدْ به يدَك، فهو ضالَّتُكَ وعندَه بُغْيتُكَ، وطريقُه كطريقِ قولكِ: هل سمعتَ بالأَسَد، وهل تعرفُ ما هو؟ فإِن كنتَ تَعرفُه فَزيدٌ هو هو بعينه.
نكت أخرى في التعريف
* ويزداد هذا المعنى ظهوراً بأن تكون الصفةُ التي تريدُ الإخبار بها عن المبتدأ، مُجْراةً على موصوفٍ كقول ابن الرومي [من الطويل]:
стр. 189
هو الرجُلُ المَشْرُوكُ في جُلِّ مالِهِ ... ولكنَّه بالمَجْد والحَمْد مُفْرَدُ
تقديرُه، كأنه يقول للسامع: فكِّرْ في رجلِ لا يتميزُ عفاتُه وجيرانُه ومعارِفُه عنه في ماله وأَخْذ ما شاؤوا منه، فإذا حصَلتْ صورتُه في نفسك، فاعلمْ أنه ذلكَ الرجلُ. وهذا فنٌّ عجيبُ الشأنِ وله مكانٌ من الفخامة والنُبْل، وهو من سِحْر البيان الذي تَقْصُرُ العبارةُ عن تأدية حقِّه، والمُعَوَّلُ فيه على مراجعة النفس واستقصاءِ التأمُّلِ؛ فإذا علمتَ أنه لا يريد بقوله: "الرجلُ المشروكُ في جل ماله"، أن يقول: هو الذي بَلَغَكَ حديثهُ وعرفْتَ مِنْ حالهِ وقصَّته أنه يُشرَكُ في جُلِّ ماله، على حد قولِكَ: هو الرجلُ الذي بلغَكَ أنه أنفقَ كذا والذي وهَبَ المائة المصطفاة من الإبل، ولا أن يقول: إنه على معنى "هو الكاملُ في هذه الصفةِ حتى كأنَّ ههنا أقواماً يُشركون في جلِّ أمواله إلا أنه في ذلك أكملُ وأتَمُّ" لأنَّ ذلك لا يُتَصوَّر. وذاك أنَّ كوْنَ الرجل بحيثُ يُشْرَك في جُلِّ ماله، ليسَ معنىً يَقعُ فيه تَفاضُلٌ، كما أن بَذْلَ الرجلِ كَلَّ ما يَملكُ كذلك؛ ولو قيل: الذي يُشْرَكُ في ماله، جاز أن يَتفاوَتَ. وإذا كان كذلك علمت أنه معنًى ثالث وليس إلا ما أشرْتَ إليه من أنه يقولُ للمخاطب: ضَعْ في نفسك معنى قولِك "رجلٌ مشروكٌ في جُلِّ مالهِ" ثم تأمل فلاناً فإنك تستملي هذه الصورةَ منه وتَجدهُ يؤدِّيها لك نَصّاً ويأتيكَ بها كَمَلاً. وإن أردْتَ أن تسمع في هذا المعنى ما تَسْكُن النفسُ إليه سكونَ الصادي إلى بَرْد الماء، فاسمعْ قوله [من الطويل]:
أنا الرجلُ المدعوُّ عاشِقَ فقرِهِ ... إذا لَمْ تُكارِمْني صروفُ زماني
وإن أردت أعجب من ذلك فقوله [من الكامل]:
أهدى إليَّ أبو الحُسين يداً ... أَرْجو الثوابَ بها لَدَيْهِ غَدا
وكَذَاك عاداتُ الكَريم إذا ... أولى يداً حُسِبَتْ عليه يدا
إن كان يحْسدُ نفْسَه أحَدٌ ... فلأَزْعُمنَّكَ ذلكَ الأَحدا
стр. 190
فهذا كلُّه على معنى الوْهم والتقدير، وأن يُصَوِّر في خاطره شيئاً لم يَره ولم يَعْلمه، ثم يُجْريه مجرى ما عَهِد وعَلِم. وليس شيءٌ أغلبَ على هذا الضرْبِ المَوْهوم من "الذي"، فإنه يجيء كثيراً على أنك تُقدِّر شيئاً في وَهْمك ثم تُعبِّر عنه "بالذي". ومثال ذلك قولُه [من الطويل]:
أخُوكَ الذي إنْ تَدْعُه لِمُلِمَّةِ ... يُجبْكَ وإن تَغْضَبْ إلى السيفِ يَغْضَبِ
وقولُ الآخر [من الطويل]:
أخُوكَ الذي إنْ رِبْتَهُ قال إِنَّما ... أرَبْتُ وإنْ عاتبْتَهُ لان جانِبُهْ
فهذا ونحْوُه على أنك قدَّرْتَ إنساناً هذه صفتُه وهذا شأْنُه، وأَحلْتَ السامعَ على من يَتعيَّنُ في الوهم، دون أن يكون قد عرفَ رجلاً بهذه الصفة، فأعلمتَه أن المستحِقَّ لاسم الأُخوَّة هو الذي عرفه، حتى كأنك قلتَ: (أخوك زيدٌ الذي عرفتَ أنك إن تدْعُه لِمُلمَّة يُجِبْك). ولكَوْن هذا الجنس معهوداً من طريق الوهم والتخيل، جرى على ما يُوصفُ بالاستحالة، كقولكَ للرجل وقد تَمنَّى: (هذا هو الذي لا يكونُ وهذا ما لا يَدْخُل في الوجود). وقولُه [من الكامل]:
ما لا يَكونُ فلاَ يَكونُ بحيلَةٍ ... أبداً وما هُوَ كائنٌ سَيُكُونُ
ومن لطيف هذا الباب قولُه [من الطويل]:
وإنِّي لمشتاقٌ إلى ظلِّ صاحبِ ... يَروقُ ويَصْفو إنْ كَدِرْتُ عليهِ
قد قدَّر كما تَرى ما لم يعلمْه موجوداً، ولذلك قال المأمون: خذْ منِّي الخِلافةَ وأعطني هذا الصاحب: فهذا التعريف الذي تَراه في الصاحب، لا يَعْرِضُ شكٌّ أنه موهوم.
стр. 191
وأمَّا قولُنا: (المنطلقُ زيدٌ) والفرْقُ بينه وبين "زيدٌ المنطلق"، فالقولُ في ذلك أنك، وإنْ كنتَ تَرى في الظاهر أنهما سواءٌ من حيثُ كونُ الغرضِ في الحالين إثباتَ انطلاقٍ قد سبق العلمُ به لزيدٍ، فليسَ الأمرُ كذلك؛ بل بين الكلامَيْن فصْلٌ ظاهرٌ؛ وبيانُه أنك إذا قلت: (زيدٌ المنطلقِ)، فأنتَ في حديث انطلاقٍ قد كان، وعرَفَ السامعُ كونَه (إلاَّ أنه لم يَعْلم أَمِنْ زيدٍ كان أمْ مِن عَمرو؟ فإذا قلت: (زيدٌ المنطلقُ)، أزلتَ عنه الشكَّ وجعلْتَه يَقْطعُ بأنه كان مِنْ زيدٍ بعد أن كان يَرى ذلك على سَبيل الجَواز. وليس كذلك إذا قدمت "المنطلقُ"، فقلت: (المنطلقُ زيدٌ). بل يكونُ المعنى حينئذٍ على أنك رأَيْتَ إنساناً ينطلق بالبُعْد منك، فلم يَثْبتْ ولم تعلَمْ أزيدٌ هو أمْ عمروٌ، فقال لك صاحبُك: المنطلقُ زيد. أي هذا الشخصُ الذي تراه من بُعْد هو زيد. وقد تَرى الرجلَ قائِماً بين يديك وعليه ثوبُ ديباجٍ، والرجلُ ممن عرفْتَه قديماً، ثم بَعُدَ عَهْدُك به، فتناسَيْتَه، فيقالُ لك: اللابسُ الديباج صاحبُك الذي كان يكونُ عندك في وقتِ كذا، أمَا تعرِفُه؟ لَشَدَّ ما نَسِيتَ! ولا يكونُ الغَرضُ أن يُثْبَتَ له لبسُ الديباج لاستحالة ذلك من حيثُ إنَّ رؤيتَك الديباجَ عليه تُغْنيك عن إخبار مُخْبر وإثبات مُثْبتٍ لُبسَه له؛ فمتى رأيتَ اسمَ فاعلٍ أو صفةً من الصفات قد بُدئ به فجُعل مبتدأً وجُعل الذي هو صاحبُ الصفة في المعنى، خبراً، فاعلَمْ أن الغرضَ هناك غيرُ الغرض إذا كان اسمُ الفاعل أو الصفة خبراً كقولك: (زيدٌ المنطلقُ).
стр. 192
واعلمْ أنه ربما اشتَبهتْ الصورةُ في بعض المسائل من هذا الباب، حتى يُظنَّ أنَّ المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبراً، يختلف المعنى فيهما بتقديم وتأخير؛ ومما يُوهم ذلك قولُ النحويين في (باب كان): إذا اجتمعَ معرفتانِ، كنتَ بالخِيار في جعْلِ أيهما شئتَ اسماً والآخر خَبراً، كقولك: (كان زيدٌ أخاك وكان أخوك زيداً) فيُظَنُّ مِنْ ههنا أنَّ تكافؤَ الاسمينِ في التعريف، يقتضي أن لا يَختلِف المعنى بأن تَبدأَ بهذا وتُثَنِّي بذاك، وحتى كان الترتيبُ الذي يُدَّعى بين المبتدأ والخبر وما يُوضع لهما من المنزلة في التقدم والتأخر، يسقط ويرتفع إذا كان الجزآن معاً معرفتين.
ومما يُوهم ذلك أنك تقول: (الأميرُ زيد وجئتُك والخليفةُ عبدُ الملك). فيكون المعنى على إثبات الإمارة لزيدٍ، والخلافةِ لعبد الملك، كما يكون إذا قلت: (زيدٌ الأميرُ وعبدُ الملك الخليفة). وتَقولُه لمن يُشَاهِدُ ومَنْ غائبٌ عن حضرة الإمارة ومعْدِن الخلافة. وهكذا مَنْ يتوهَّمُ في نحو قوله [من الطويل]:
أبوك حُبابٌ سارقُ الضيف بُرْدَهُ ... وجَدِّيَ يا حَجَّاجُ فارسُ شَمَّرا
أنه لا فَصْلَ بينه وبين أن يقال: (حبابٌ أبوك وفارس شمَّر جَدِّي). وهو موضع غامض. والذي يُبيِّن وجهَ الصواب ويدلُّ على وجوب الفرق بين المسألتين، أنك إذا تأملْتَ الكلام وجدْتَ ما لا يَحْتَمِلُ التسوية وما تجدُ الفرْقَ قائماً فيه قياماً لا سبيل إلى دَفْعه، هو الأَعَمَّ الأكثر. وإن أردتَ أَنْ تعرف ذلك، فانظرْ إلى ما قدَّمتُ لك من قولك: (اللابسُ الديباجَ زيدُ)؛ وأنتَ تُشير له إلى رجلٍ بين يديه؛ ثم انظرْ إلى قول العَرب: (ليسَ الطِّيبُ إلا المِسْك). وقول جرير [من الوافر]:
ألستُمْ خيرَ مَنْ رَكبَ المطايا
ونحو قول المتنبي [من الوافر]:
ألستَ ابنَ الأولى سَعِدوا وسادوا
وأشباهِ ذلك مما لا يُحصى ولا يُعَدُّ. وأرِدِ المعنى على أن يسلم لك مع قلب طَرَفَيْ الجملة وقل: (ليس المسكُ إلا الطيبَ): و: "أليس خيرُ مَنْ ركب المطايا إياكم) و: (أليس ابنُ الأولى سعِدوا وسادوا إياك؟) تعلمْ أنَّ الأمر على ما عرَّفْتُك من وجوبِ اختلاف المعنى، بحسب التقديم والتأخير.
стр. 193
* وههنا نكتة يجب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبداً، وهي أنَّ المبتدأَ لم يكُنْ مبتدأً لأنه منطوق به أولا، ولا كان الخبرُ خَبراً لأنه مذكورٌ بَعْد المبتدأ، بل كان المبتدأُ مبتدأً لأنه مُسْندٌ إليه، ومُثْبَتٌ له المعنى، والخبَرُ خبراً لأنه مسنَدٌ ومثْبَتٌ به المعنى. تفْسير ذلك أنك إذا قلت: (زيدٌ منطلقٌ) فقد أثبتَّ الانطلاقَ لزيد وأَسندْتَه إليه. (فَزَيدٌ) مثبَتٌ له، و (منطلقٌ) مثْبَتٌ به. وأمَّا تقديمُ المبتدأ على الخبر لفظاً، فحكْمٌ واجبٌ من هذه الجهة، أي من جهة أنْ كان المبتدأ هو الذي يُثْبَتُ له المعنى ويسند إليه، والخبَرُ هو الذي يُثْبَتُ به المعنى ويُسنَد. ولو كان المبتدأ مبتدأً لأنه في اللفظ مقدَّمٌ مبدوءٌ به، لكان ينبغي أن يَخْرج عن كونه مبتدأ بأن يقال: (منطلقٌ زيد). ولوجَبَ أن يكون قولهم: إن الخبر مقدم في اللفظ والنيَّةُ به التأخيرُ: محالاً. وإذا كان هذا كذلك ثم جئتَ بمعرفَتَيْن، فجعلْتَهما مبتدأً وخبراً، فقد وجَبَ وجوباً أن تكون مثبِتاً بالثاني معنًى للأَول، فإذا قلتَ: (زيدٌ أخوك): كنتَ قد أثبتَّ "بأخوك" معنى لزيدٍ، وإذا قدَّمتَ وأخَّرتَ فقلتَ: (أخوك زيد): وجَب أن تكون مُثْبتاً بزيدٍ معنًى لـ "أخوك"، وإلاَّ كان تسميتُكَ له الآن مبتدأً وإذ ذاك، خبراً، تغييراً للاسم عليه مِنْ غيرِ معنًى، ولأَدَّى إلى أن لا يكونَ لقولهم "المبتدأُ والخبر" فائدةٌ غير أن يتقدم اسمٌ في اللفظ على اسمٍ من غير أن ينفرد كلُّ واحدٍ منهما بحكْمٍ لا يكون لصاحبه، وذلك مما لا يُشكُّ في سقوطه.
стр. 194
ومما يدلُّ دلالةً واضحةً على اختلاف المعنى - إذا جئتَ بمعرفتَيْن ثم جعلتَ هذا مبتدأً وذاك خبراً تارةً، وتارةً العكس - قولُهم: (الحبيبُ أنتَ وأنتَ الحبيبُ). وذاك أن معنى "الحبيبُ أنتَ" أنه لا فصْل بينك وبين مَنْ تُحبُّه إذا صدَقَت المحبةُ، وأنَّ مثَل المتحابَّيْنِ مثَلُ نفْسٍ يقتسمها شخصان، كما جاء عن بعض الحكماءِ أنه قال: (الحبيبُ أنتَ إلا أنه غيرُكَ). فهذا كما ترى فَرْقٌ لطيف ونكتةٌ شريفةٌ. ولو حاولتَ أن تُفيدها بقولك: (أنت الحبيب): حاولتَ ما لا يَصِحُّ، لأن الذي يُعْقَل من قولك: أنتَ الحبيب، هو ما عناه المتنبي في قوله [من البسيط]:
أنتَ الحبيبُ ولكنِّي أعوذُ به ... مِنْ أنْ اكونَ مُحِبّاً غيرَ مَحْبوبِ
ولا يَخفى بُعْدُ ما بين الغرضَيْن. فالمعنى في قولك: "أنتَ الحبيبُ" أنَّكَ الذي أخْتَصُّه بالمحبة من بين الناس. وإذا كان كذلك، عرفتَ أنَّ الفرْقَ واجبٌ أبداً، وأنه لا يجوز أن يَكون "أخوك زيدٌ" و "زيدٌ أخوك" بمعنى واحدٍ.
*وههنا شيءٌ يجب النظرُ فيه، وهو أنَّ قولك: (أنتَ الحبيبُ): كقولنا: (أنتَ الشجاعُ) تُريد أنه الذي كملتْ فيه الشجاعةُ. أو كقولنا: (زيدٌ المنطلقُ)، تريد أنه الذي كان منه الانطلاق الذي سمِعَ المخاطَبُ به. وإذا نظرْنا وجدناه لا يَحْتمِل أن يكون كقولنا: أنتَ الشجاع، لأنه يقتضي أن يكون المعنى أنَّه لا مَحبَّة في الدنيا إلا ما هو بهِ حبيبٌ، كما أنَّ المعنى في "هو الشجاعُ" أنه لا شجاعة في الدنيا إلاَّ ما تَجِِدُه عنده، وما هو شجاع به. وذلك مُحال.
стр. 195
* وأمرٌ آخر، وهو أنَّ "الحبيب" (فعيل) بمعنى (مفعول). فالمحبةُ إذْن ليستْ هي له بالحقيقة، وإِنما هي صفةٌ لغيرِه، قد لابَسَتْه وتعلَّقَتْ به تعلُّقَ الفعل بالمفعول. والصفةُ إذا وُصِفَتْ بكمالٍ، وُصِفتْ به على أَنْ يَرجِعَ ذلك الكمالُ إلى مَنْ هي صفةٌ له دون مَن تُلابِسُه ملابسةَ المفعول. وإذا كان كذلك، بَعُدَ أن تَقولَ: (أنتَ المحبوبُ) على معنى: أنتَ الكامل في كونك محبوباً، كما أنَّ بعيداً أن يقال: (هو المضروبُ) على معنى أنه الكامل في كونه مضروباً؛ وإنْ جاء شيءٌ من ذلك، جاء على تعسُّفٍ فيهِ وتأويلٍ لا يُتصوَّر ههنا، وذلك أنْ يقال مثلاً: (زيدٌ هو المظلوم) على معنى أنه لم يُصِبْ أحداً ظلمٌ يَبلغُ في الشدة والشناعة، والظلْمَ الذي لَحِقَه. فصار كلُّ ظلم سِواهُ عَدْلاً في جَنْبهِ؛ ولا يجيءُ هذا التأويل في قولنا: (أنتَ الحبيبُ) لأنَّا نَعْلم أنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا: إن أحداً لم يُحِبَّ أحداً محبَّتي لكَ، وإنَّ ذلك قد أَبْطَلَ المحبَّاتِ كلَّها، حتى صِرْتَ الذي لا يُعْقَلُ للمحبة معنًى إلاَّ فيه. وإنما الذي يريدون: أَنَّ المحبةَ معنى بجملتها، مقصورةٌ عليكَ، وأنه ليس لأحدٍ غيرَكَ حظٌّ في محبةٍ منِّي.
وإذا كان كذلك، بانَ أَنه لا يكونُ بمنزلةِ "أنت الشجاع"، تريد الذي تكاملَ الوصفُ فيه. إلا أنه ينبغي من بَعْدُ أن تعْلم أَنَّ بينَ "أنتَ الحبيبُ" وبينَ "زيدٌ المنطلقٌ" فرقاً، وهو أنَّ لكَ في المحبة التي أَثْبَتَّها، طرفاً من الجنسية من حيث كان المعنى أنَّ المحبة مني بجملتها مقصورةٌ عليك، ولم تَعمدْ إلى محبةٍ واحدةٍ من مَحَبَّاتك. ألا تَرى أنك قد أَعطَيْتَ بقولك: "أنتَ الحبيبُ" أنك لا تُحِبُّ غيرَه وأن لا محبةَ لأحدٍ سواه عندَك؛ ولا يُتَصوَّر هذا في "زيدٌ المنطلق"، لأنه لا وجْهَ هناك للجنسية، إذْ ليس ثَمَّ إلا انطلاقٌ واحدٌ قد عَرفَ المخاطبُ أنه كان، واحتاج أن يُعيَّن له الذي كان منه ويُنَصَّ له عليه، فإن قلتَ: زيدٌ المنطلقُ في حاجتك، تريد الذي من شأنه أن يَسْعى في حاجتك، عرَضَ فيه معنى الجنسيةِ حينئذٍ على حدها في "أنتَ الحبيب".
стр. 196
وههنا أصْلٌ يجب أن تُحْكِمَهُ، وهو أنَّ من شأن أسماءِ الأجناسِ كلِّها، إذا وُصِفَتْ، أن تَتنوَّعَ بالصفة، فيصيرَ الرجلُ الذي هو جنسٌ واحدٌ إذا وصفْتَه فقلتَ "رجلٌ ظريفٌ ورجل طويلٌ ورجلٌ قصيرٌ ورجل شاعرٌ ورجل كاتبٌ"، أنواعاً مختلفةً يُعَدُّ كلُّ نوعٍ منها شيئاً على حِدَة، ويُسْتأْنَف في اسم الرجل بكل صفةٍ تَقْرِنها إليه جنسية. وهكذا القولُ في المصادر تقول: (العلمُ والجهلُ والضربُ والقتلُ والسيرُ والقيامُ والقعودُ)، فتجدُ كلَ واحدٍ من هذه المعاني جنساً، كالرجل والفرس والحمار؛ فإذا وصفتَ فقلت: "عِلمُ كذا وعلمُ كذا، كقولك: علمٌ ضروريٌّ، وعلْمٌ مكتَسَبٌ، وعلمٌ جليٌّ، وعلمٌ خَفيٌّ، وضرْبٌ شديدٌ، وضربٌ خفيفٌ، وسَيرٌ سريعٌ، وسيرٌ بطيءٌ" وما شاكَلَ ذلك، انقسم الجِنْسُ منها أقساماً، وصار أنواعاً وكان مَثَلُها مثَلَ الشيءِ المجموعِ المؤلفِ تَفْرُقُه فِرَقاً وتَشْعَبُه شُعبَا. وهذا مذهبٌ معروف عندهم وأصْلٌ متعارف في كل جيل وأُمَّة.
* ثم إن ههنا أصلاً، هو كالمتفرِّع على هذا الأصل، أو كالنظيرِ له، وهو أن من شأن المصدر أن يفرَّقَ بالصَّلات، كما يُفرَّقُ بالصِّفات. ومعنى هذا الكلام أنَّك تقولُ: "الضربُ"، فتراه جنساً واحداً؛ فإذا قلتَ: "الضربُ بالسيف" صار تعْدِيتُكَ له إلى السيف نوعاً مخصوصاً. ألا تراكَ تَقولُ: (الضربُ بالسيف غيرُ الضربِ بالعصا). تُريدُ أنهما نوعانِ مختلفانِ، وأنَّ اجتماعَهما في اسم الضَّرْب، لا يُوجب اتفاقَهما، لأن الصلة قد فصلَتْ بينهما وفرَّقَتْهما. ومن المثالَ البيِّن في ذلك قولُ المتنبي [من الكامل]:
وتوهَّمُوا اللعِبَ الوَغى والطعنُ في الـ ... ـهيجاءِ غيرُ الطَّعْنِ في الْمَيْدَانِ
стр. 197
لولا أنَّ اختلافَ صلةِ المصدرِ تَقْتضي اختلافه في نفسِه، وأن يَحْدُثَ فيه انقسامٌ وتَنوُّعٌ، لَمَا كان لهذا الكلامِ معنًى، ولَكانَ في الاستحالة، كقولكِ: "والطعنُ غير الطعن": فقد بان إذْن أنه إنما كان كلُّ واحدٍ من الطَّعْنَيْن جِنْساً بَرأْسِهِ غيرَ الآخَر، بأَنْ كان هذا في الهيجاء وذاك في الميدانِ. وهكذا الحُكْم في كل شيء تعدَّى إليه المصْدَرُ وتعلَّقَ به. فاختلاف مفعولَيْ المصدر يقتضي اختلافَه، وأن يكونَ المتعدِّي إلى هذا المفعولِ غيرَ المتعدِّي إلى ذاك. وعلى ذلك تقولُ: (ليسَ إعطاؤكَ مُعْسِراً كإعطائك مُوسِراً). و (ليس بذْلُكَ وأنتَ مُقِلٌّ كبَذْلِكَ وأنتَ مُكْثِرٌ). وإذْ قد عرفْتَ هذا مِن حُكْم المصدر فاعتبرْ به حكْمَ الاسمِ المشتقِّ منه.
وإذا اعتبرْت ذلك، علمْتَ أَنَّ قولك: (هو الوفيُّ حين لا يَفي أحدٌ وهو الواهبُ المائةَ المصطفاة) وقوله [من الخفيف]:
وَهُوَ الضارِبُ الكتيبةَ والطَّعْـ ... ـنَةُ تَغْلُو والضَّرْبُ أَغْلى وأَعْلى
وأشباه ذلك، كلُّها أخبارٌ فيها معنى الجنسية وأنها في نوعها الخاصِّ بمنزلة الجنس المُطْلَق إذا جعلْتَه خبَراً فقلتَ: (أنت الشجاع). وكما أنكَ لا تَقْصِد بقولك: (أنتَ الشجاعُ) إلى شجاعةٍ بعينها قد كانتْ وعُرِفَتْ من إنسانٍ وأَردْتَ أن تَعرفَ ممَّنْ كانت، بل تُريد أن تَقْصُرَ جنْسَ الشجاعةِ عليه، ولا تَجعلُ لأحدٍ غيرهِ فيه حظَّاً، كذلك لا تَقصدُ بقولك: "أنتَ الوفيُّ حين لا يَفي أحدٌ" إلى وفاءٍ واحد، كيفَ وأنتَ تقول "حين لا يفي أحد" وهكذا مُحالٌ أن يَقصِدَ في قوله: "هو الواهبُ المائة المصطفاةَ" إلى هبةٍ واحدةٍ، لأنه يقتضي أَن يقصِدَ إلى المائة من الإبل قد وَهَبها مرةً ثم لم يَعُدْ لِمِثْلها، ومعلومٌ أنه خلافُ الغرضِ، لأنَّ المعنى أنه الذي مِنْ شأنه أن يَهَبَ المائةَ أبداً والذي يبلغ عَطاؤه هذا المبلغَ كما تقول: هو الذي يعطي مادِحَه الألفَ والألْفَين، وكقوله [من الزجر]:
وحاتمُ الطائيُّ وهَّابُ المِئي
وذلك أوضَحُ من أنْ يَخْفى.
стр. 198
* (وأصْلٌ آخر) وهو أن مِنْ حَقِّنا أن نعْلم أنَّ مَذْهَب الجنسية في الاسم، وهو خَبرٌ، غيرُ مذهبها وهو مُبتدأ. تفسير هذا أنَّا وإن قلْنا: إنَّ (اللام) في قولك: "أنت الشجاع" للجنس، هو له في قولهم: "الشجاعُ موقَّى والجبان مُلقَّى". فإنَّ الفرق بينهما عظيم. وذلك أنَّ المعنى في قولك: الشجاعُ مُوَقَّى، أنك تُثْبِتُ الوقايةَ لكلِّ ذاتٍ مِنْ صفتها الشجاعةُ؛ فهو في معنى قولك: الشجعانُ كلُّهم مُوَقَّوْنَ. ولستُ أقولُ إن (الشجاع) كالشجعان على الإطلاق، وإنْ كان ذلك ظنَّ كثيرٍ من الناس، ولكني أريد أنك تَجعلُ الوقايةَ تستغرِقُ الجنْسَ وتَشْمَلهُ وتَشِيعُ فيه. وأمَّا في قولك: (أنت الشجاعُ)، فلا مَعنى فيهِ للاستغراقِ؛ إذ لسْتَ تُريد أن تَقولَ: (أنتَ الشجعانُ كلُّهم) حتى كأنكَ تَذْهَبُ به مذْهَب قولِهِمْ: (أنتَ الخَلْقُ كلُّهم، وأنتَ العالَمُ) كما قال [من السريع]:
ليسَ على الله بِمُسْتَنْكَرٍ ... أنْ يَجْمَع العالَمَ في واحدِ
стр. 199
ولكنَّ لِحَديث الجنسيةِ ههنا مَأْخذاً آخرَ غيرَ ذلك، وهو أنك تَعْمدُ بها إلى المصدر المشتقِّ منه الصفةُ، وتُوجِّهُها إليه لا إلى نفس الصِّفَة، ثُم لكَ في تَوْجيهها إليه مَسْلَكٌ دقيقٌ؛ وذلك أنه ليس القصْدُ أَنْ تأتيَ إلى شَجاعاتٍ كثيرةٍ فَتجمَعَها له وتُوجِدَها فيه، ولا أنْ تَقول: إنَّ الشجاعاتِ التي يُتوهَّمُ وجودُها في الموصوفين بالشجاعة، هي موجودةٌ فيه لا فيهم، هذا كلُّه محالٌ. بل المعنى على أنك تقول: كنَّا قد عقَلْنا الشجاعةَ وعرَفْنا حقِيقَتَها، وما هي، وكيف يَنبغي أن يكون الإنسانُ في إقدامه وبَطْشه، حتى يَعلم أَنه شجاعٌ على الكمال، واستَقْرَيْنا الناسَ، فلم نجد في واحدٍ منهم حقيقةَ ما عرَفْناه، حتى إِذا صِرْنا إلى المخاطَبِ وَجدْناه قد استكمَلَ هذه الصفةَ واستجمعَ شرائِطَها، وأخلصَ جوهرَهَا ورسَخَ فيهِ سِنخُها. ويُبيِّن لك أنَّ الأمرَ كذلك: اتفاقُ الجميعِ على تفسيرهم له بمعنى الكامل، ولو كان المعنى على أنهُ اسْتغْرق الشجاعاتِ التي يُتوهَّمُ كونُها في الموصوفين بالشجاعة، لَمَا قالوا إنه بمعنى الكامل في الشجاعة، لأن الكمالَ هو أن تكون الصفةُ على ما ينبغي أَن تكون عليه، وأنْ لا يخالِطَها ما يَقْدحُ فيها؛ وليس الكمالُ أن تجتمع آحادُ الجنس وينضمَّ بعضُها إلى بعضٍ؛ فالغَرضُ إِذن بقولنا: (أنتَ الشجاع) هو الغرَضُ بقولهم: هذه هي الشجاعةُ على الحقيقة، وما عَداها جُبْنٌ، وهكذا يكونُ العِلْمُ وما عَداه تَخُّيلٌ، وهذا هو الشعرُ وما سواه فليس بشيء. وذلك أَظَهرُ من أَنْ يَخفى.
стр. 200
* (وضربٌ آخر) من الاستدلال في إبطال أن يكون: (أنت الشجاع): بمعنى أنكَ كأنكَ جميعُ الشجعان على حد "أنتَ الخلْقُ كلُّهم" وهو أنك في قولك: (أنتَ الخلقُ، وأنتَ الناسُ كلُّهم، وقد جُمِعَ العالَم منك في واحدٍ): تدَّعي له جميعَ المعاني الشريفةِ المتفرقةِ في الناسِ، من غير أن تُبْطِل تلك المعاني وتَنْفيها عن الناس، بل على أن تَدَّعي له أمْثالَها، ألا ترى أنك إذا قلتَ في الرجل: إنه مَعْدودٌ بألف رجل، فلستَ تَعْني أنه معدودٌ بألف رجلٍ لا مَعْنى فيهم ولا فضيلةَ لهم بوجْهٍ! بل تُريد أن تُعطِيَه من معاني الشجاعةِ أو العِلْمِ أو كذا أو كذا، مجموعاً مَّا لا تَجِدُ مقدارَه مفرَّقاً إلا في ألفِ رجل. وأمَّا في نحو "أنتَ الشجاعُ" فإنك تدَّعي له أنه قد انفردَ بحقيقةِ الشجاعةِ، وأنه قد أُوتي فيها مزيَّةً وخاصيَّةً لم يُؤْتَها أَحدٌ، حتى صار الذي كان يَعدُّه الناسُ شجاعةً غير شجاعة، وحتى كأَنَّ كلَّ إقدام إحجامٌ، وكلَّ قوةٍ عُرِفَتْ في الحرب ضَعْفٌ، وعلى ذلك قالوا: (جادَ حتى بَخَلَ كلَّ جواد، وحتى منَعَ أن يَسْتحِقَّ اسمَ الجوادِ أحَدٌ). كما قال [من الوافر]:
وإنَّكَ لا تَجود عَلَى جوادٍ ... هِباتُكَ أنْ يُلَقَّبَ بالجوادِ
وكما يقال: جادَ حتى كأن لم يُعْرَف لأحدٍ جودٌ وحتى كأن قد كَذَّبَ الواصفون الغيثَ بالجود. كما قال [من البسيط]:
أعطيتَ حتى تَركْتَ الريحَ حاسِرةً ... وَجُدْتَ حتى كأنَّ الغَيْثَ لم يَجُدِ
стр. 201
فصل: في الذي خصوصاً
إعْلَمْ أنَّ لك في "الذي" عِلماً كثيراً وأسراراً جمة وخفايا، إذا بحثْتَ عنها وتصوَّرْتَها، أطَّلَعْتَ على فوائدَ تُؤنِسُ النفسَ، وتُثلِجُ الصدرَ، بما يُفْضي بكَ إليه من اليقين، ويُؤدِّيه إليك من حُسْن التبيين؛ والوجْهُ في ذلك أن نتأمل عباراتٍ لهمْ فيه: لِمَ وُضِعَ، ولأيِّ غرَضٍ اجْتُلِبَ، وأشياءَ وصَفُوه بها.
فمن ذلك قولهم: إن "الذي"، اجْتُلِبَ ليكون وصْلَةً إلى وصْفِ المعارف بالجُمل، كما اجتُلِب "ذو" ليُتَوصَّل به إلى الوصْف بأسماء الأجناس: يعنون بذلك أنك تقول: (مررتُ بزيد الذي أبوه منطلقٌ، وبالرجل الذي كان عندنا أمسِ). فتَجُدك قد توصَّلْتَ بالذي إلى أن أَبَنْتَ زيداً مِنْ غَيره بالجملة التي هي قولك "أبوه منطلق" ولولا "الذي" لم تَصِلْ إلى ذلك. كما أنك تقول: (مررتُ برجل ذي مالٍ: فَيتَوصلُ بـ "ذي"، إلى أن يُبَيَّن الرجلُ من غيره بالمال. ولولا "ذو" لم يتأتَّ لك ذلك، إذ لا تستطيع أن تقول: (برجلٍ مالٍ) فهذه جملة مفهومة إلا أنَّ تحتها خبايا تحتاج إلى الكشف عنها؛ فمِنْ ذلك أنْ تَعلم من أين امتنَعَ أن توصَفَ المعرفةُ بالجلمة، ولِمَ لمْ يكُن حالُها في ذلك حالَ النكرة التي تصفها بها في قولك: (مررتُ برجل أبوه مُنطلِقٌ ورأيت إنساناً تُقادُ الجنائبُ بينَ يديه). وقالوا: إن السببَ في امتناع ذلكَ، أنَّ الجمل نكراتٌ كلُّها بدَلالةِ أنها تُستفادُ، وإنما يستفاد المجهولُ دون المعلوم. (قالوا)، فلما كانت كذلك كانت وَفقاً للنكرة، فجاز وصْفُها بها ولم يَجُزْ أن توصَفَ بها المعرفةُ إذ لم تكن وَفْقاً لها.
стр. 202
والقول المبينُ في ذلك أن يقال: إنه إنما اجتُلِبَ حتى إذا كان قد عُرِفَ رَجلٌ بقصةٍ وأمْرٍ جرى له، فتخصَّص بتلك القصة وبذلك الأمر عند السامع، ثم أُريدَ القصْدُ إليه، ذُكِرَ "الذي". تفسيرُ هذا أنك لا تَصِلُ "الذي" إلا بجملةٍ من الكلام قد سَبق مِن السامع عِلمٌ بها وأَمرٌ قد عرَفَه له، نحْوَ أن تَرى عنده رجلاً يُنشِدُه شعراً، فتقول له من غَدٍ: (ما فعلَ الرجلُ الذي كان عندَك بالأمسِ يُنْشِدُك الشعر؟) هذا حُكْم الجملة بعد "الذي" إذا أنتَ وصفْتَ به شيئاً؛ فكان معنى قولهم: إنه اجتُلب ليتوَصَّل به إلى وصْف المعارف بالجمل: أنه جيء به لِيَفْصل بين أن يُراد ذِكْرُ الشيء بجملةٍ قد عرَفها السامعُ له، وبين أن لا يكون الأمرُ كذلك. فإن قلت: قد يؤتى بعد "الذي" بالجملة غير المعلولة للسامع، وذلك حيث يكون "الذي" خبراً كقولك "هذا الذي كان عندَك بالأَمس، وهذا الذي قَدِمَ رسولاً من الحضرة" أنتَ في هذا وشَبَهه تُعْلِم المخاطَبَ أمراً لم يَسْبق له به علمٌ، وتُفِيده من المشار إليه شيئاً لم يكن عنده، ولو لم يكن كذلك، لم يكن "الذي" خبراً، إذْ كان لا يكون الشيءُ خبراً ح تى يُفاد به. فالقول في ذلك إنَّ الجملةَ في هذا النحو، وإن كان المخاطَبُ لا يَعْلَمها لعينِ مَنْ أشرتَ إليه، فإنه لا بدَّ مِن أن يكون قد عَلِمها على الجملة، وحُدِّثَ بها، فإنك على كل حال لا تقول: (هذا الذي قدِمَ رسولاً)، لمن لم يَعْلم أن رسولاً قَدِم، ولم يبلغه ذلك في جملة ولا تفصيل. وكذا لا تقول: (هذا الذين كان عند أمسِ)، لمن قد نسيَ أنه كان عنده إنسانٌ وذهَبَ عن وَهْمه، وإِنما تَقولُه لمن ذاك على ذكرٍ منه، إلاَّ أنه رأى رجلاً يُقْبل مِن بعيد، فلا يعلم أنه ذاكَ، ويظنُّه إنساناً غيَرهُ.
стр. 203
وعلى الجملة فكلُّ عاقلٍ يَعلم بَوْنَ ما بين الخبرِ بالجملة مع "الذي"، وبينَها مع غيرِ "الذي". فليس مِنْ أَحَدٍ به طِرْقٌ إلاَّ وهو لا يَشكُّ أنْ ليس المعنى في قولك: (هذا الذي قَدِمَ رسولاً من الحَضْرة) كالمعنى إذا قلتَ: (هذا قدِمَ رسولا مِن الحَضْرة)؛ ولا: (هذا الذي يَسْكُن في محلَّةِ كذا). كقولك: (هذا يَسكنُ محلةَ كذا)، وليس ذاك، إلاَّ أنك في قولك "هذا قدم رسولاً من الحضرة" مبتدىءٌ خبَراً بأَمرٍ لم يَبْلْغِ السامعَ ولم يبلَّغْهُ، ولم يَعلَمْه أصلاً، وفي قولك: (هذا الذي قدِم رسولا) مُعْلِمٌ في أمرٍ قد بلَغَه أنَّ هذا صاحبُه، فلَم يَخْلُ إذن من الذي بدأنا به في أمْر الجملة مع "الذي"، مِنْ ينبغي أن تكون جملةً قد سبَقَ مِن السامع عِلْمٌ بها، فاعرْفه! فإِنَّه من المسائل التي مَن جَهلهَا، جَهِلَ كثيراً من المعاني ودخلَ عليه الغَلَظْ في كثيرٍ من الأمور، والله الموفِّق للصواب.
стр. 204
فروق في الحال لها فضل تعلّقٍ بالبلاغة
الجملة الحالية بالواو وغيره
إِعْلَمْ أنَّ أوَّل فرْقٍ في الحال، أنها تَجيءُ مفرداً وجملةً، والقصْدُ ههنا إلى الجملة، وأوَّلُ ما ينبغي أن يُضْبَطَ مِن أمرها أنها تجيء تارةً مع (الواو) وأُخْرى بغير (الواو).
فمثالُ مَجيئها مع (الواو) قولك: (أتاني وعليهِ ثوبٌ ديباجٍ، ورأيتُه وعلى كَتِفهِ سيفٌ، ولقيِتُ الأميرَ والجُنْدُ حوالَيْه، وجاءني زيدٌ وهو متقلِّدٌ سيفَه).
ومثالُ مَجيئها بغير (واو) "جاءني زيدٌ يَسعى غلامُه بين يَدَيْه، وأتاني عمرو يَقودُ فرسه". وفي تمييز ما يقتضي "الواو" ممَّا لا يقتضيه، صعوبةٌ، والقولُ في ذلك: إن الجملة إذا كانت من مُبتدإ وخبَرٍ، فالغالب عليها أن تَجيءَ مع "الواو" كقولك: (جاءني زيدٌ وعمرو أَمامه، وأتاني وسيفُه على كتفه)؛ فإن كان المبتدأ من الجملة ضميرَ ذي الحال، لم يَصْلح بغير "الواو" البتة، وذلك كقولك: (جاءني زيدٌ وهو راكبٌ، ورأيتُ زيداً وهو جالسٌ، ودخلتُ عليه وهو يُمْلِي الحديثَ، وانتهيتُ إلى الأمير وهو يُعَبِّىءُ الجيشَ). فلو تركتَ (الواو) في شيء من ذلك لم يصْلُح؛ فلو قلتَ: (جاءني زيدٌ هو راكبٌ، ودخلتُ عليه هو يُملي الحديثَ)، لم يكن كلاماً. فإنْ كان الخبرُ في الجملة من المبتدإ والخبر، ظرفاً، ثم كان قد قُدِّم على المبتدإ كقولنا: (عليه سيفٌ، وفي يده سَوْطٌ)، كثير فيها أن تجيء بغير (واو). فمِمَّا جاء منه كذلك قول بشار [من الطويل]:
إذا أنْكَرَتْني بَلدةٌ أو نَكِرْتُها ... خرجْتُ مع البازي عليَّ سَوادُ
يعني عليَّ بقيةٌ من الليل. وقول أُميَّة [من البسيط]:
فاشْرَبْ هنيئاً عليكَ التاجُ مُرْتَفِقاً ... في رأس غُمْدانَ داراً منكَ مِخلالا
وقول الآخر [من الطويل]:
لَقَدْ صَبَرَتْ لِلذُّلِّ أعوادُ مِنْبَرٍ ... تقوُم عليها في يديكَ قضيبُ
كل ذلك في موضع الحال وليس فيه "واو" كما ترى، ولا هو محتمِل لها إذا نظرتَ.
وقد يجيءُ تَرْك (الواو) فيما ليس الخبرُ فيه كذلك، ولكنه لا يَكثُر. فمن ذلك قولهم: (كلَّمتُهُ فُوهُ إلى فيَّ، ورجَعَ عَوْدُهُ على بَدْئهِ)، في قول من رفع، ومنه بيت الإصلاح [من الكامل]:
نَصَفَ النهارُ الماءُ غامِرُهُ ... ورَفيقُه بالغَيْبِ لا يَدْري
ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو علي في الإغفال [من الطويل]:
ولولا جَنَانُ الليلِ ما آبَ عامرٌ ... إلى جَعْفرٍ سِرْبالُه لم يُمَزَّقِ
ومما ظاهرُه أنه منه قوله [من البسيط]:
إذا أتيت أبا مروان تسأله ... وجَدْتَه حاضِراهُ الجودُ والكَرمُ
стр. 205
فقوله: "حاضِراهُ الجودُ". جملةٌ من المبتدأ والخبر كما ترى، وليس فيها "واو" والمَوضِعُ موضعُ حال؛ ألا تراك تقول (أتيتُه فوجدتُه جالساً) فيكون "جالساً" حالاً، ذاك لأن "وجدتُ" في مثل هذا مِن الكلام، لا تكون المتعدية إلى المفعولين، ولكن المتعديةَ إلى مفعولٍ واحدٍ، كقولك: (وجدْتُ الضالَّة). إلاَّ أنه ينبغي أن تَعْلم أنَّ لتقديمه الخبرَ الذي هو "حاضراه" تأثيراً في معنى الغِنى عن (الواو) وأنه لو قال: (وجدتُه الجودُ والكرَمُ حاضراه)، لم يَحسُنْ حسْنَه الآن، وكان السبب في حسْنه مع التقديم أنَّه يَقْرُبُ في المعنى من قولك: وجدته حاضرُه الجودُ والكرمُ، أو حاضراً عنده الجوُد والكرمُ.
وإن كانت الجملةُ من فعل وفاعل، والفعلُ مضارعٌ مُثْبَتٌ غيرُ منفيِّ، لم يكد يَجيء (بالواو) بل تَرى الكلامَ على مجيئها عاريةً من "الواو" كقولك: (جاءني زيدٌ يَسْعى غلامُه بين يديه). وكقوله [من البسيط]:
وقد علوتُ قُتودَ الرَّحْل يَسْفَعُني ... يومٌ قُدَ يْدِيمةَ الجوزاءِ مَسْمومُ
وقوله [من الخفيف]:
ولقد أغتدي يُدافِعُ رُكْني ... أَحْوَذِيٌّ ذو مَيْعَةٍ إضريجُ
وكذلك قولك: (جاءني زيدٌ يُسْرعُ). لا فصل بين أن يكون الفعلُ لذي الحال، وبين أن يكون لمن هو مِنْ سَبَبِه؛ فإنَّ ذلك كلَّه يستمرُّ على الغنى عن "الواو" وعليه التنزيلُ والكلامُ. ومثاله في التنزيل قولُه : ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى * الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ [الليل: ١٧ـ١٨] وكقوله عزَّ اسمه: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].
فأما قولُ ابنِ همَّام السَّلوليّ [من المتقارب]:
فلمَّا خَشِيتُ أَظافِرَهُمْ ... نجوتُ وأَرْهنُهُمْ مالِكا
وفي روايةِ مَنْ روى "وأرهنهم" وما شبَّهوه به من قولهم: (قمتُ وأَصُكُّ وجْهَهُ). فليست "الواو" فيها للحال. وليس المعنى (نجوتُ راهناً مالِكاً وقمتُ صاكَّا وجْهَه) ولكن (أرهَنُ وأصكُّ) حكايةُ حالٍ مثلُ قولهِ [من الكامل]:
ولقد أَمرُّ عَلَى اللئيمِ يَسُبُّني ... فَمضَيْتُ ثُمَّتَ قلْتُ لا يَعْنيني
стр. 206
فكما أن "أمُرُّ" ههنا في معنى "مررتُ"، كذلك يكون "أَرْهَنُ وأصُكُّ" هناك، في معنى "رهنتُ وصكَكْتُ". ويُبيِّن ذلك أنك ترَى (الفاء) تَجيء مكان (الواو) في مثل هذا، وذلك كنَحْو ما في الخَبرَ في حديث عبد الله بنِ عَتيك حين دخَلَ على أبي رافع اليهودي حصنَه قال: "فانتهيتُ إليه فإذا هو بيت مُظْلم لا أدري أنَّى هو من البيت، فقلتُ: أبا رافع. فقال: منْ هذا؟ فأهويتُ نحو الصوت فأضربُه بالسيف وأنا دَهِشٌ" فكما أن "أَضرِبُه" مضارع قد عطَفه (بالفاء) على ماضٍ، لأنه في المعنى ماضٍ، كذلك يكون "أرهنُهم" معطوفاً على الماضي قبله. وكما لا يُشَكُّ في أنَّ المعنى في الخبر "فأهويتُ فضربْتُ" كذلك يكونُ المعنى في البيت "نجوتُ ورهَنْتُ". إلا أنَّ الغرض في إخراجه على لفظِ الحال أن يحكي الحالَ في أحد الخبرَيْن ويدَعَ الآخر على ظاهره، كما كان ذلك في: "ولقد أمرُّ عَلَى اللئيم يَسبُّني فمضيتُ"، إلا أن الماضي في هذا البيت مؤخَّر معطوفٌ، وفي بيت ابن همَّام، وما ذكرناه معه، مقدَّمٌ معطوف عليه، فاعرفْه!
فإنْ دخَلَ حرفُ نَفْي على المضارع، تغيَّر الحكْمُ فجاء (بالواو) وبِتَرْكِها كثيراً، وذلك مثلُ قولهم: (كنتُ ولا أُخَشَّى بالذئبِ).
وقولِ مسكين الدارمي [من الرمل]:
أكْسَبَتْه الوَرِقُ البيضُ أباً ... ولقدْ كان ولا يُدعَى لأَِبْ
وقولِ مالك بن رفيع وكان جنى جنايةً فطلَبَه مُصْعَبُ بنُ الزبير [من الوافر]:
أتاني مُصعَبٌ وبنوا أبيهِ ... فأَينَ أَحِيدُ عنهمْ لا أَحيدُ
أقادُوا مِنْ دَمِي وتَوَعَّدوني ... وكنتُ وما يُنَهْنِهُنِي الوعيدُ
"كان" في هذا كلِّهِ تامةٌ، والجملة الداخل عليها (الواو) في موضع الحالِ؛ ألا ترى أن المعنى: "وُجدْتُ غير خاشٍ للذئب. ولقد وُجِد غَيرَ مدعوٍّ لأبٍ. وَوُجدتُ غيرَ منَهْنَه بالوعيد وغير مبالٍ به". ولا معنى لجعلها ناقصة وجعل (الواو) مزيدة. وليس مجيءُ الفعل المضارعِ حالاً على هذا الوجه، بعزيز في الكلام؛ ألا تَراك تقولُ: (جعلتُ أَمشي وما أَدري أين أَضعُ رجلي، وجعَل يقول ولا يَدري)؟ وقال أبو الأسود "يصيب وما يدري" وهو شائع كثير.
стр. 207
فأما مجيءُ المضارع مَنْفياً حالاً مِنْ غَير (الواو) فيَكْثُر أيضاً ويَحْسُن. فمن ذلك قوله: [من الطويل]:
مضَوْا لا يُريدون الرواحَ وغالَهُمْ ... من الدهر أسبابٌ جَرَيْنَ عَلَى قَدْرٍ
وقال أَرْطأةُ ابن سُهَيّة وهو لطيف جداً [من البسيط]:
إنْ تَلقَني لا تَرى غَيري بناظِرةٍ ... تنْسَ السِّلاحَ وتعْرِفْ جَبْهةَ الأَسدِ
فقوله: "لا ترى". في موضع حالٍ. ومثلُه في اللطف والحُسْن، قولُ أعشى هَمْدان، وصَحِبَ عبَّاد بنَ ورقاءَ إلى أصبهان فلم يَحْمَدْه، فقال [من الوافر]:
أتَيْنَا أصبهانَ فهزَّلَتْنا ... وكنَّا قَبْل ذلك في نَعيم
وكان سَفاهةً منِّي وَجهلاً ... مَسِيري لا أَسِيرُ إلى حَميمِ
قوله: (لا أسيرُ إلى حميم) حالٌ من ضمير المتكلمِ الذي هو (الياء) في "مسيري" وهو فاعلٌ في المعنى، فكأنه قال: (وكان سفاهةً مني وجهلاً أَنْ سرتُ غيرَ سائرٍ إلى حميم، وأنْ ذهبتُ غير متوجِّهٍ إلى قَريب). وقال خالد بن يزيد بن معاوية [من الكامل]:
لو أَنَّ قوماً لاِرتفاعِ قَبيلةٍ ... دَخَلُوا السماءَ دخلتُهَا لا أُحْجَبُ
وهو كثيرٌ إلا أنه لا يَهْتَدي إلى وضعه بالموضع المَرْضِيِّ إلاَّ مَنْ كان صحيحَ الطبعِ.
ومما يجيء (بالواو) وغير (الواو) الماضي، وهو لا يقع حالاً إلا مع "قد" مُظْهَرةً أو مقدَّرَةً؛ أما مجيئها (بالواو) فالكثيرُ الشائع كقولك: (أتاني وقد جَهِدَهُ السيرُ). وأما بغير (الواو) فكقوله [من البسيط]:
متى أَرى الصبْحَ قد لاحَتْ مَخَايلُه ... والليلَ قد مُزِقَتْ عنهُ السَّرابيلُ
وقول الآخر [من الوافر]:
فآبُوا بالرماحِ مُكَسَّراتٍ ... وأُبْنَا بالسيوفِ قد انحنينا
وقال آخر وهو لطيف جداً [من الكامل]:
يمْشُون قدْ كَسَروا الجُفُونَ إلى الوغَى ... مُتَبَسِّمينَ وفيهمِ اسْتِبْشارُ
ومما يجيء (بالواو) في الأكثر الأَشْيع، ثم يأتي في مواضع بغير (الواو)، فَيْلطُفُ مكانُه ويَدلُّ على البلاغة: الجملةُ قد دَخلَها "ليس"؛ تقول: (أتاني وليس عليه ثوبٌ ورأيتُه وليس معه غيره). فهذا هو المعروف المُسْتعمَل. ثم قد جاء بغير (الواو) فكان من الحُسْن على ما ترى، وهو قول الأعرابي [من الزاجر]:
стр. 208
لنا فتى وحبَّذَا الافْتَاءُ ... تَعْرِفُهُ الأَرسانُ، والدِّلاءُ
إذا جرى في كفِّه الرِّشاءُ ... خُلَّى القَلِيبَ ليس فيهِ ماءً
ومما ينبغي أنْ يُراعِى في هذا الباب أنك ترَى الجملةَ قد جاءت حالاً بغير (واو) ويَحْسُن ذلك، ثم تَنظرُ فترَى ذلك، إنما حَسُنَ من أجْلِ حرفٍ دخلَ عليها مثالُه قول الفرزدق [من الطويل]:
فَقُلْتُ عَسى أنْ تُبْصريني كأنما ... بنِيَّ حَواليَّ الأسودُ الْحَوَارِدُ
قوله "كأنما بَنيَّ" إلى آخره، في موضع الحال، من غير شُبْهة. ولو أنك تركت "كأن" فقلت: (عسى أن تُبصريني بَنِيَّ حَواليَّ كالأسود)، رأيْتَهُ لا يَحْسُنُ حُسْنَه الأولَ، ورأيتَ الكلام يقتضي (الواو) كقولك: (عسى أن تُبْصريني وبنيَّ حواليَّ كالأسود الحوارِد). وشَبيهٌ بهذا أنك تَرى الجملةَ قد جاءت حالاً بِعَقِب مفردٍ فلَطُفَ مكانُها. ولو أنك أَردْتَ أن تَجْعلها حالاً من غير أنْ يَتقدَّمها ذلك المفردُ، لم يحْسُن. مثال ذلك قولُ ابن الرومي [من السريع]:
والله يُبْقيكَ لنا سالماً ... بُرْدَاكَ تَبْجِيلٌ وتعظيمُ
فقولُه: (بُراد تبجبل) في موضع حال ثانية. ولوْ أَنك أسقَطْتَ "سالماً" من البيت فقلت: (والله يبقيك بُرْداك تبجيل) لم يكن شيئاً.
وإذْ قد رأيتَ الجملَ الواقعةَ حالاً قد اختلفَ بها الحالُ هذا الاختلافَ الظاهرَ، فلا بدّ من أن يكون ذلك إنما كان مِن أجْل عِلَل تُوجِبهُ وأسبابٍ تقْتضيه. فمُحالٌ أن يكون؛ ههنا جملةٌ لا تَصْلحُ إلا مع (الواو) وأخرى لا تَصْلحُ فيها (الواو) وثالثةٌ تصلح أن تجيء فيهأ (بالواو) وأنْ تَدَعَها فلا تجيء بها، ثم لا يكونُ لذلك سبَبٌ وعلَّة. وفي الوقوف على العلَّة في ذلك إشكالٌ وغُموضٌ، ذاك لأنَّ الطريقَ إليه غيرُ مسْلوكٍ والجهةَ التي منها تُعْرفُ غيرُ مَعْروفة. وأنا أكتبُ لك أصْلاً في الخبر إذا عرَفْتَه انْفَتَح لك وَجْهُ العلَّةِ في ذلك.
стр. 209
واعلمْ أنَّ الخبرَ يَنقسمُ إلى خَبرٍ هو جُزءٌ من الجملة لا تَتمُّ الفائدةُ دونه، وخَبرٍ ليس بجُزءٍ من الجملة، ولكنَّه زيادة في خَبرٍ آخر سابقٍ له. فالأولُ خبرُ المبتدأ "كمنطلِقٌ" في قولك: (زيدٌ منطلِقٌ) والفعلُ: كقولك خرجَ زيدٌ)، وكلُّ واحدٍ من هذين جزءٌ من الجملة وهو الأَصْلُ في الفائدة.
والثاني هو الحال، كقولك: (جاءني زيدٌ راكباً). وذاك لأنَّ الحال خَبرٌ في الحقيقة مِنْ حيثُ إِنك تُثْبِتُ بها المعنى لذي الحال كما تُثْبِتُه بالخبر للمبتدأ، وبالفعلِ للفاعل؛ ألا تَراك قد أَثْبتَّ الركوبَ في قولك: (جاءني زيد راكباً)، لزيدٍ، إلاَّ أنَّ الفرْقَ أنك جئتَ به لِتَزيدَ معنىً في إخبارك عنه بالمجيء، وهو أنْ تَجْعله بهذه الهيئةِ في مجيئة، ولم تُجرِّد إثباتَك للركوب ولم تُبْاشِرْه به ابتداءً، بل بدأْتَ فأَثبتَّ المجيءَ، ثم وَصلْت به الركوب، فالتبسَ به الإثباتُ على سَبيل التَّبَعِ لغيره، وبِشَرْط أنْ يكونَ في صلته، وأمَّا في الخبر المُطْلقِ نحو "زيدٌ منطلقٌ وخرَجَ عمرو" فإنك أثبتَّ المعنى إثباتاً جرَّدْتَه له، وجَعْلتَه مباشرةً من غَيْرِ واسطةٍ ومن غير أن تَتسبَّب بغيره إليه.
وإذْ قد عَرفْتَ هذا، فاعلمْ أنَّ كلَّ جملة وقعَتْ حالاً، ثم امتنعَتْ من (الواو) فذاك لأَجْل أنك عمَدْتَ إلى الفعل الواقع في صدرها، فضَمَمْتَه إلى الفعلِ الأول في إثباتٍ واحدٍ، وكلُّ جملةٍ جاءتْ حالاً ثم اقتضتْ (الواو) فذاكَ لأنك مستأنِفٌ بها خَبَراً وغيرُ قاصدٍ إلى أنْ تَضُمَّها إلى الفعل الأولِ في الإثبات.
تفسيرُ هذا أنك إذا قلْتَ: (جاءني زيدٌ يُسْرعُ) كان بمنزلة قَوْلِك: (جاءني زيدٌ مُسرعاً)، في أنك تُثْبِتُ مجيئاً في إسْراعٌ، وتَصِلُ أَحَد المعنَييْنِ بالآخر، وتجعلُ الكلامَ خبراً واحداً، وتريد أن تقول: جاءني كذلك، وجاءني بهذه الهيئة. وهكذا قوله [من البسيط]:
وقد علوت قُتُودَ الرحْل يَسْفَعُني ... يومٌ قُدَيَدِيمَة الجوزاءِ مسْمُومُ
كأنه قال: وقد عَلَوْتُ قُتُودَ الرحل بارزاً لِلشمسِ ضاحياً.
وكذلك قوله [من البسيط]:
متى أَرى الصبحَ قد لاحَتْ مَخايِلهُ
стр. 210
لأنه في معنى "مَتى أَرى الصبحَ بادياً لائحاً بيِّناً متجلياً"! وعلى هذا القياس أبداً.
وإذا قلتَ: (جاءني وغلامُه يَسْعى بين يديه، ورأيتُ زيداً وسَيفُه على كتفه)، كان المعنى على أنك بدأَتَ فأثبتَّ المجيءَ والرؤْيةَ، ثم استأنَفْتَ خبراً وابتدأْتَ إثباتاً ثانياً لِسَعْي بِين يديه، ولكونِ السيفِ على كَتِفه. ولمَّا كان المعنى على استئناف الإثباتِ، احْتِيجَ إلى ما يَربِطُ الجملة الثانيةَ بالأولى، فجيءَ (بالواو) كما جيء بها في قولك: (زيدٌ منطلقٌ وعَمرو ذاهبٌ والعْلمُ حَسَنٌ والجهلُ قَبيحٌ). وتَسْميتُنا لها "واو حال" لا يُخْرجها عن أن تكون مجْتَلَبةً لِضَمِّ جملةٍ إلى جملةٍ. ونَظيرُها في هذا، (الفاءُ) في جواب الشرط نحو "إنْ تأتِني فأَنْتَ مُكْرَمٌ" فإنها وإن لم تكون عاطفةً، فإِن ذلك لا يُخْرجُها من أن تكونَ بمنزلة العاطفةِ في أنها جاءت لتَرْبِطَ جملةً ليس من شأْنها أن تُرْبَطَ بنفسها، فاعرفْ ذلك، ونزَّل الجملة في نحو "جاءني زيدٌ يُسرع، وقد علَوتُ قُتُودَ الرحلِ يسفعني يومٌ" مَنْزِلةَ الجزاء الذي يَسْتغني عن (الفاء) لأن مِن شأنه أن يرتبط بالشرط مِن غير رابطٍ وهو قولك: (إن تُعْطِني أَشكُرْك) ونزَّل الجملة في "جاءني زيدٌ وهو راكبٌ" منزلةَ الجزاءِ الذي ليس من شأنه أنْ يَرتَبطَ بنفسه، ويحتاجُ إلى (الفاء) كالجملة في نحو "إن تأتني فأنتَ مُكْرَمٌ" قياساً سويّاً وموازنة صحيحةً.
стр. 211
فإنْ قلتَ: قد عَلِمْنا أنَّ علَّة دخولِ (الواو) على الجملة أن تَسْتأنِفَ الإثباتَ ولا تَصلَ المعنى الثاني بالأول في إثباتٍ واحدٍ، ولا تُنَزِّلَ الجملةَ منزلةَ المفردِ. ولكنْ بقي أن تعلَمَ لِمَ كان بعضُ الجمل، بأنْ يكون تَقديرُها تقديرَ المفرد في أن لا يُستأْنَفَ بها الإثبات، أوْلى مِنْ بعض؟ وما الذي منَعَ في قولكَ: (جاءني زيدٌ وهو يسرع أو وهو مسرع)، أن يَدخُلَ الإسراعُ في صلةِ المجيء ويُضَامَّه في الإثبات، كما كان ذلك حين قلتَ: (جاءني زيد يُسرع)؟ فالجوابُ أن السببَ في ذلك أَنَّ المعنى في قولك: (جاءني زيدٌ وهو يُسرعُ) على استئناف إثباتٍ للسرعة ولم يكن ذلك في "جاءني زيد يسرع"، وذلك أنكَ إذا أَعدْتَ ذكْر زَيدٍ، فجئْتَ بضميرِه المنفصل المرفوع، كان بمنزلة أنْ تُعيدَ اسْمَه صريحاً فتقول "جاءني زيدٌ وزَيدٌ يسرع" في أنك لا تَجد سبيلاً إلى أن تُدخِلَ "يسرعُ في صلة المَجيء وتَضُمَّه إليه في الإثبات، وذلك أن إعادتك ذكْرَ زيدٍ لا يكون، حتى تَقْصدَ استئنافَ الخبر عنه، بأنه يُسرعُ، وحتى تَبتدئَ إثباتاً للسرعة، لأنك إن لم تفعل ذلك تركْتَ المبتدأ الذي هو ضميرُ زيدٍ أو اسْمُه الظاهرُ بمَضِيعةٍ وجعَلْتَه لَغُواً في البَيْن، وجرى مجْرى أن تقول: (جاءني زيدٌ وعمرو يُسرع أمامه) ثم تزعُمُ أنك لم تستأنِفْ كلاماً ولم تبتدئ للسرعة إثباتاً وأنَّ حالَ "يُسْرعُ" ههنا حالُه إذا قلتَ: (جاءني زيد يسرع). فجعلْتَ السرعة له ولم تذكُرْ عَمراً، وذلك مُحال.
стр. 212
فإن قلتَ إنما استحال في قولك: (جاءني زيدٌ وعمرو يُسرعُ أمامَه)، أن تَرُدَّ "يُسرع" إلى زيد وتُنْزِله منزلةَ قولك: (جاءني زيدٌ يُسرع) من حيث كان في "يُسرع" ضميرٌ لعمرو، وَتَضَمُّنُهُ ضميرَ "عمرو" يَمْنع أن يكون لزيدٍ وأن يقدَّرَ حالاً له؛ وليس كذلك "جاءني زيد وهو يسرع" لأنَّ السرعة هناك لزيدٍ لا محالة؛ فكيف ساغ أن تَقيس إحدى المسألتين على الأخرى؟ قيل: ليس المانعُ أن يكون "يُسرع" في قولك: (جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه). حالاً من زيد أنه فعل لعمرو، فإنك لو أخَّرْتَ عمراً فرفَعْتَه (بيُسرع) وأولَيْتَ "يُسرع" زيداً فقلتَ: (جاءني زيدٌ يُسرع عمروا أَمامَه) وجدتَه قد صلُح حالاً لزيدٍ مع أنه فعْلٌ لعمرو، وإنما المانعُ ما عرَّفْتُكَ مِنْ أنك تدَعُ عَمراً بمَضِيعةٍ، وتجيءُ به مبتدأً ثم لا تُعطيه خبراً. ومما يدل على فساد ذلك أنه يؤدِّي إلى أن يكون "يُسرع" قد اجتمعَ في موضعه النصْبُ والرفعُ، وذلك أنَّ جعْلَه حالاً من زيد، يَقتضي أن يكون في موضع نَصْبٍ، وجَعْلَه خبراً عن عمروٍ المرفوعِ بالابتداء، يقتضي أن يكون في موضع رفعٍ، وذلك بيِّنُ التدافعِ؛ ولا يجب هذا التدافعُ إذا أخَّرْتَ عمراً فقلْتَ: (جاءني زيدٌ يسرعُ عمرو أمامَه). لأنك ترفعُه بـ "يسرع" على أنه فاعل له، وإذا ارتفع به لم يوجب في موضعه إعراباً؛ فيقى مُفْرَغاً لأن يُقدَّرَ فيه النصْبُ على أنه حالٌ من زيدٍ، وجرى مجْرى أن تقول: (جاءني زيدٌ مسْرِعاً عمروٌ أَمامَه).
стр. 213
فإن قلتَ: فقد يَنبغي على هذا الأصل ألاَّ تجيءَ جملةٌ مِن مبتدأٍ وخبرٍ حالاً إلاَّ مع (الواو)، وقد ذكرتُ قبْلُ أنَّ ذلك قد جاء في مواضعَ من كلامهم، فالجواب: أنَّ القياسَ والأصْلَ أن لا تَجيءَ جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ حالاً إلاَّ مع (الواو) وأمَّا الذي جاء في ذلك فَسَبيلهُ سبيلُ الشيء يَخرجُ عن أَصْله وقياسِه والظاهرِ فيه بضربٍ من التأويل ونوعٍ من التشبيه. فقَولُهم "كلَّمتُهُ فوهُ إلى فيَّ" إنما حَسُن بغير (واو) من أجْل أنَّ المعنى: كلَّمْتُهُ مشافِهاً له. وكذلك قولهم "رجعَ عَوْدُه على بَدْئه" إنما جاء الرفعُ فيه والابتداءُ من غير (واو) لأن المعنى رجَعَ ذاهباً في طريقه الذي جاء فيه. وأما قوله:
وجدتُه حاضراهُ الجودُ والكرمُ
فلأن تقديم الخَبر الذي هو "حاضراهُ" يَجعلُه كأنه قال: وجدته حاضراً عندَهُ الجودُ والكرمُ. وليس الحَمْلُ على المعنى وتَنزيلُ الشيء منزلةَ غيرِه، بعَزيزٍ في كلامهم، وقد قالوا: (زيدٌ أضرِبْه). فأجازوا أن يكون مثالُ الأمر، في موضع الخَبر، لأنَّ المعنى على النصب، نحو "اضربْ زيداً" ووضَعوا الجملةَ من المبتدأ والخبر موضعِ الفعل والفاعل، في نحو قوله تعالى: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ٩٣]. لأنَّ الأصْلَ في المعادلة أن تكون الثانية كالأُولى نحو "أدعَوْتموهم أم صَمَتُّمْ". ويدل على أن ليس مجيءُ الجملة من المبتدإ والخبر حالاً بغير (الواو) أصلاً قلَّتُهُ، وأنه لا يَجيءُ إلاَّ في الشيءِ بعد الشيءِ. هذا ويجوز أن يكونَ ما جاء مِن ذلك إنما جاء على إرادة (الواو) كما جاء الماضي على إرادة "قد".
واعلمْ أنَّ الوجْهَ فيما كان مثلَ قولِ بشار:
خرجْتُ مع البازي عَلَيَّ سوادُ
стр. 214
أنْ يُؤخذَ فيه بمذهبِ أبي الحَسنِ الأَخْفش فيُرفَعَ "سوادُ" بالظرف دون الابتداءِ، ويجري الظرفُ ههنا مجرْاه إذا جرَتِ الجملةُ صفةً على النكرة نحو "مررت برجل معه صقر صائداً به غداً"، وذلك أن صاحب الكتاب يُوافق أبا الحسن في هذا الموضع فيرفع "صقر" بما في "معه" من معنى الفعل، فلذلك يجوز أن يُجْرِيَ الحالَ مَجْرى الصفةِ فيَرفعَ الظاهرَ بالظْرف، إذا هو جاء حالاً، فيكونَ ارتفاع "سَوادُ" بما في "عَلَيَّ" من معنى الفعل، لا بالإبتداءِ؛ ثم ينبغي أن يُقدَّر ههنا خصوصاً أن الظرفَ في تقدير اسم فاعلٍ، لا فعل، أعني أن يكونَ المعنى "خرجتُ كائناً عَلَيَّ سوادٌ وباقياً عَلَيَّ سواد" ولا يقدَّر: "يكونُ عَلَيَّ سوادٌ ويبقى عَلَيَّ سَوادُ"، اللهم إلا أنْ تُقدِّر فيه فعْلاً ماضياً مع "قد" كقولك: (خرجتُ مع البازي قدْ بقيَ عَلَيَّ سوادُ). والأولُ أظهر. وإذا تأملتَ الكلامَ وجدتَ الظرفَ وقَدْ وقَعَ مواقِعَ لا يستقيم فيها إلا أن يُقدَّر تقديرَ اسم فاعل؛ ولذلك قال أبو بكر بنُ السرَّاج في قولنا: (زيدٌ في الدار). إنك مُخيَّرٌ بَيْنَ أن تُقدِّرَ فيه فعلاً فتقولَ: (استقرَّ في الدار) وبين أَن تقدِّرَ اسمَ فاعلٍ فتقولَ: (مستقرٌّ في الدار). وإذا عاد الأمر إلى هذا، كان الحال في ترك (الواو) ظاهرةً وكان "سوادُ" في قوله: (خرجتُ مع البازي عَلَيَّ سوادُ)، بمنزلة ضاء الله في قوله [من الطويل]:
سأَغْسِلُ عني العارَ بالسيفِ جالباً ... عَلَيَّ قضاءَ الله ما كان جالبا
في كونِهِ اسماً ظاهراً قد ارتفع باسم فاعلٍ قد اعتمَدَ على ذي حالٍ، فعَمِلَ عَملَ الفِعْل. ويدلُّكَ على أن التقدير فيه ما ذكرتُ، وأنه من أجْل ذلك حَسُنَ، أنَّكَ تَقول: (جاءني زيد والسيف على كتفه وخرجَ والتاجُ عليه). فتَجِدُه لا يَحْسُن إلا (بالواو). وتعَلم أنَّكَ لو قلتَ: (جاءني زيدٌ السيفُ على كَتفه، وخرجَ التاجُ عليه). كان كلاماً نافراً لا يكاد يقع في الاستعمال، وذلك لأنه بمنزلةِ قولِك: (جاءني وهو مُتقلِّدٌ سيفَه، وخرجَ وهو لابسٌ التاجَ، في أن المعنى على أنك استأنفْتَ كلاماً وابتدأْتَ إثباتاً، وأنك لم تُرِدْ: (جاءني كذلك)، ولكن "جاءني وهو كذلك" فاعرْفه!
стр. 215
القول في الفصل والوصل
فصل: الجمل في العطف وعدمه: ثلاثة
وإذْ قد عَرْفت هذه الأصولَ والقوانينَ في شأن فَصْل الجمل ووَصْلها، فاعلمْ أنَّا قد حصَلْنا من ذلك على أنَّ الجُمَل على ثلاثة أضرب:
١ - جملةٌ حالُها مع التي قبلَها، حالُ الصفةِ مع الموصوفِ، والتأكيدِ مع المؤكَّدِ، فلا يكون فيها العطفُ البتَّةَ، لِشبْهِ العَطْفِ فيها لو عُطِفَتْ، بعَطْفِ الشيء على نَفْسِه.
٢ - وجملة حالها مع التي قبْلها، حالُ الاسم يكونُ غيرَ الذي قَبْله، إلاَّ أَنه يُشارِكُهُ في حكْم، ويدخلُ معه في معنًى مثْلَ أن يكون كلا الاسْمَيْن فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً إليه، فيكون حقُّها العطفَ.
٣ - وجملةٌ ليستْ في شيء من الحالين، بل سبيلها مع التي قبْلَها سبيلُ الاسم مع الاسم لا يكون منه في شيء، فلا يكونُ إيَّاه ولا مشارِكاً له في معنى بل هو شيءٌ إِنْ ذُكِرَ لم يُذْكَر إلا بأمرٍ يَنفردُ به، ويكونُ ذكْرُ الذي قبلَه وتَرْكُ الذكْر سواءً في حاله، لعدم التعلُّق بينَهُ وبينَهُ رأساً. وحقُّ هذا تَرْكُ العطفِ البتة، فَتْركُ العطفِ يكونُ إمَّا للاتصالِ إلى الغاية، أو الانفصال إلى الغاية؛ والعطفُ لما هو واسطةٌ بين الأمرينِ، وكان له حالٌ بين حاليَنْ، فاعرفْه!
следующие страницы →