سعد ليمنعه، فتناوله بالدرة، فذهب سعد يدعو على عمر، فناوله الدرة، وقال: اقتص. فعفا عن عمر.
أسد بن موسى: حدثنا يحيى بن زكريا، حدثنا إسماعيل، عن قيس، قال: كان لابن مسعود على سعد مال، قال له ابن مسعود: أد المال. قال: ويحك ما لي ولك؟ قال: أد المال الذي قبلك. فقال سعد: والله إني لأراك لاق مني شرا، هل أنت إلا ابن مسعود، وعبد بني هذيل. قال: أجل والله! وإنك لابن حمة. فقال لهما هاشم بن عتبة: إنكما صاحبا رسول اله ﷺ ينظر إليكما الناس. فطرح سعد عودا كان في يده، ثم رفع يده، فقال: اللهم رب السماوات! فقال له عبد الله: قل قولا ولا تعلن. فسكت، ثم قال سعد: أما والله لولا اتقاء الله لدعوت عليك دعوة لا تخطئك.
رواه ابن المديني، عن سفيان، عن إسماعيل، وكان قد أقرضه شيئا من بيت المال.
ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يد سعد، وهو كان مقدم الجيوش يوم وقعة القادسية، ونصر الله دينه. ونزل سعد بالمدائن، ثم كان أمير الناس يوم جلولاء، فكان النصر على يده، واستأصل الله الأكاسرة.
فروى زياد البكائي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: قال ابن عم لنا يوم القادسية:
ألم تر أن الله أنزل نصره … وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد أمت نساء كثيرة … وسنوه سعد ليس فيهم أيم
فلما بلغ سعدًا قال اللهم اقطع عني لسانه ويده فجاءت نشابة أصابت فاه فخرس ثم قطعت يده في القتال وكان في جسد سعد قروح فأخبر الناس بعذره، عن شهود القتال.
وروى نحوه سيف بن عمر، عن عبد الملك.
هشيم، عن أبي مسلم، عن مصعب بن سعد أن رجلًا نال من علي فنهاه سعد فلم ينته فدعا عليه فما برح حتى جاء بعير ناد فخبطه حتى مات.
ولهذه الواقعة طرق جمة، رواها ابن أبي الدنيا في "مجابي الدعوة". وروى نحوها الزبير بن بكار، عن إبراهيم بن حمزة، عن أبي أسامة، عن ابن عون، عن محمد بن محمد الزهري، عن عامر بن سعد وحدث بها أبو كريب، عن أبي أسامة ورواها ابن حميد، عن ابن المبارك، عن ابن عون، عن محمد بن محمد بن الأسود.
стр. 1087
وقرأتها على عمر بن القواس، عن الكندي، أنبأنا أبو بكر القاضي، أنبأنا أبو إسحاق البرمكي حضورًا، أنبأنا ابن ماسي، أنبأنا أبو مسلم، حدثنا الأنصاري، حدثنا بن عون وحدث بها ابن علية، عن محمد بن محمد.
ورواها ابن جدعان، عن ابن المسيب: أن رجلًا كان يقع في علي وطلحة والزبير فجعل سعد ينهاه ويقول لا تقع في إخواني فأبى فقام سعد وصلى ركعتين ودعا فجاء بختي يشق الناس فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته والبلاط حتى سحقه فأنا رأيت الناس يتبعون سعدًا يقولون هنيئًا لك يا أبا إسحاق! استجيبت دعوتك.
قلت: في هذا كرامة مشتركة بين الداعي والذين نيل منهم.
جرير الضبي، عن مغيرة، عن أمه قالت زرنا آل سعد فرأينا جارية كأن طولها شبر قلت من هذه? قالوا ما تعرفينها? هذه بنت سعد غمست يدها في طهوره فقال قطع الله قرنك فما شبت بعد.
وروى عبد الرزاق، عن أبيه، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف أن امرأة كانت تطلع على سعد فينهاها فلم تنته فاطلعت يومًا وهو يتوضأ فقال شاه وجهك فعاد وجهها في قفاها.
مينا: متروك (١).
حاتم بن إسماعيل:، حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن جده قال دعا سعد بن أبي وقاص فقال يا رب! بني صغار فأخر عني الموت حتى يبلغوا فأخر عنه الموت عشرين سنة.
قال خليفة بن خياط: وفي سنة خمس عشرة وقعة القادسية وعلى المسلمين سعد وفي سنة إحدى وعشرين شكا أهل الكوفة سعدًا أميرهم إلى عمر، فعزله.
وقال الليث بن سعد: كان فتح جلولاء سنة تسع عشرة افتتحها سعد بن أبي وقاص.
قلت: قتل المجوس يوم جلولاء قتلًا ذريعًا فيقال بلغت الغنيمة ثلاثين ألف ألف درهم.
وعن أبي وائل، قال: سميت جلولاء فتح الفتوح.
стр. 1088
قال الزهري: لما استخلف عثمان عزل، عن الكوفة المغيرة وأمر عليها سعدًا.
وروى: حصين، عن عمرو بن ميمون، عن عمر أنه لما أصيب جعل الأمر شورى في الستة وقال من استخلفوه فهو الخليفة بعدي وإن أصابت سعدًا وإلا فليستعن به الخليفة بعدي فإنني لم أنزعه يعني، عن الكوفة من ضعف ولا خيانة.
ابن علية: حدثنا أيوب، عن محمد قال: نبئت أن سعدًا قال ما أزعم أني بقميصي هذا أحق مني بالخلافة جاهدت وأنا أعرف بالجهاد ولا أبخع نفسي إن كان رجلًا خيرًا مني لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان فيقول هذا مؤمن وهذا كافر.
وتابعه معمر، عن أيوب.
أخبرنا أبو الغنائم القيسي وجماعة كتابة قالوا، أنبأنا حنبل، أنبأنا هبة الله، أنبأنا ابن المذهب، أنبأنا القطيعي، حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا كثير بن زيد، عن المطلب، عن عمر بن سعد، عن أبيه أنه جاءه ابنه عامر فقال: أي بني! أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسًا؟ لا والله حتى أعطى سيفًا إن ضربت به مسلمًا نبا عنه وأن ضربت كافرًا قتله سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب الغني الخفي التقي" (١).
الزبير: حدثنا محمد بن الضحاك الحزامي، عن أبيه قال قام علي على منبر الكوفة فقال حين اختلف الحكمان لقد كنت نهيتكم، عن هذه الحكومة فعصيتموني فقام إليه فتى آدم فقال: إنك والله ما نهيتنا بل أمرتنا وذمرتنا (٢)، فلما كان منها ما تكره برأت نفسك ونحلتنا ذنبك فقال علي ﵁ ما أنت وهذا الكلام قبحك الله! والله لقد كانت الجماعة فكنت فيها خاملًا فلما ظهرت الفتنة نجمت فيها نجوم قرن الماعز ثم التفت إلى الناس فقال: لله منزل نزله سعد بن مالك وعبد الله بن عمر والله لئن كان ذنبًا إنه لصغير مغفور ولئن كان حسنًا إنه لعظيم مشكور.
أبو نعيم: حدثنا أبو أحمد الحاكم، حدثنا ابن خزيمة، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن حسين بن خارجة الأشجعي قال: لما قتل عثمان أشكلت علي الفتنة فقلت: "اللهم أرني من الحق
стр. 1089
أمرًا أتمسك به. فرأيت في النوم الدنيا والآخرة بينهما حائط فهبطت الحائط فإذا بنفر فقالوا نحن الملائكة قلت فأين الشهداء? قالوا اصعد الدرجات فصعدت درجةً ثم أخرى فإذا محمد وإبراهيم صلى الله عليهما وإذا محمد يقول لإبراهيم: استغفر لأمتي قال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم اهراقوا دماءهم وقتلوا إمامهم إلَّا فعلوا كما فعل خليلي سعد?
قال: قلت: لقد رأيت رؤيا فأتيت سعدًا فقصصتها عليه فما أكثر فرحًا وقال: قد خاب من لم يكن إبراهيم ﵇ خليله قلت: مع أي الطائفتين أنت? قال: ما أنا مع واحد منهما قلت: فما تأمرني? قال: هل لك من غنم? قلت: لا قال: فاشتر غنمًا فكن فيها حتى تنجلي.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو محمد بن قدامة، أنبأنا هبة الله بن الحسن، أنبأنا عبد الله بن علي الدقاق، أخبرنا علي بن محمد، أنبأنا محمد بن عمرو، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: "مرضت عام الفتح مرضًا أشفيت منه فأتاني رسول الله ﷺ يعودني فقلت يا رسول الله! إن لي مالًا كثيرًا وليس يرثني إلَّا ابنة أفأوصي بمالي كله? قال: "لا" قلت: فالشطر قال: "لا" قلت: فالثلث قال: "والثلث كثير إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس لعلك تؤخر على جميع أصحابك وأنك لن تنفق نفقةً تريد بها وجه الله إلَّا أجرت فيها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك" قلت: يا رسول الله إني أرهب أن أموت بأرض هاجرت منها قال: "لعلك أن تبقى حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة" يرثي له أنه مات بمكة (١).
متفق عليه من طرق، عن الزهري.
стр. 1090
وعن علي بن زيد، عن الحسن قال لما كان الهيج في الناس جعل رجل يسأل، عن أفاضل الصحابة فكان لا يسأل أحدًا إلَّا دله على سعد بن مالك.
وروى: عمر بن الحكم، عن عوانة قال دخل سعد على معاوية فلم يسلم عليه بالإمرة فقال معاوية لو شئت أن تقول غيرها لقلت قال فنحن المؤمنون ولم نؤمرك فإنك معجب بما أنت فيه والله ما يسرني أني على الذي أنت عليه وأني هرقت محجمة دم.
قلت: اعتزل سعد الفتنة فلا حضر الجمل ولا صفين ولا التحكيم ولقد كان أهلًا للإمامة كبير الشأن ﵁.
روى نعيم بن حماد، حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين: أن سعد بن أبي وقاص طاف على تسع جوار في ليلة، ثم استيقظت العاشرة لما أيقظها، فنام هو، فاستحيت أن توقظه.
حماد بن سلمة، عن سماك، عن مصعب بن سعد أنه قال: كان رأس أبي في حجري وهو يقضي فبكيت فرفع رأسه إلي فقال: أي بني ما يبكيك? قلت: لمكانك وما أرى بك قال: لا تبك فإن الله لا يعذبني أبدًا وأني من أهل الجنة.
قلت: صدق والله فهنيئًا له.
الليث: عن عقيل، عن الزهري: أن سعد بن أبي وقاص لما احتضر، دعا بخلق جبة صوف فقال: كفنوني فيها فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر وإنما خبأتها لهذا اليوم.
ابن سعد: أنبأنا محمد بن عمر، حدثنا فروة بن زييد، عن عائشة بنت سعد قالت: أرسل أبي إلى مروان بزكاته خمسة آلاف، وترك يوم مات مائتي ألف وخمسين ألفًا.
قال الزبير بن بكار: كان سعد قد اعتزل في آخر عمره في قصر بناه بطرف حمراء الأسد.
وعن أم سلمة أنها قالت: لما مات سعد، وجيء بسريره فأدخل عليها جعلت تبكي وتقول: بقية أصحاب رسول الله ﷺ .
النعمان بن راشد: عن الزهري، عن عامر بن سعد قال: كان سعد آخر المهاجرين وفاة.
قال المدائني وأبو عبيدة وجماعة: توفي سنة خمس وخمسين.
وروى نوح بن يزيد، عن إبراهيم بن سعد: أن سعدًا مات وهو ابن اثنتين وثمانين سنة في سنة ست وخمسين وقيل: سنة سبع.
قال أبو نعيم الملائي: سنة ثمان وخمسين وتبعه قعنب بن المحرز والأول هو الصحيح.
وقع له في "مسند بقي بن مخلد": مئتان وسبعون حديثًا فمن ذاك في الصحيح ثمانية وثلاثون حديثًا.
стр. 1091
١١ - سعيد بن زيد (١): " ع"
ابن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، أبو الأعور، القرشي، العدوي.
أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن السابقين الأولين البدريين، ومن الذين ﵃ رضوا عنه.
شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ وشهد حصار دمشق، وفتحها فولاه عليها أبو عبيدة بن الجراح، فهو أول من عمل نيابة دمشق من هذه الأمة.
وله أحاديث يسيرة: فله حديثان في "الصحيحين" وانفرد البخاري له بحديث (٢).
روى عنه: ابن عمر وأبو الطفيل وعمرو بن حريث وزر بن حبيش وأبو عثمان النهدي وعروة بن الزبير وعبد الله بن ظالم وأبو سلمة بن عبد الرحمن وطائفة.
قرأت على أحمد بن عبد الحميد، أخبركم الإمام أبو محمد بن قدامة سنة ثمان عشرة وست مائة أخبرتنا شهدة بنت أحمد الكاتبة بقراءتي، أنبأنا طراد بن محمد الزينبي، أنبأنا ابن رزقويه، أنبأنا أبو جعفر محمد بن يحيى الطائي سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، حدثنا علي بن حرب، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين".
стр. 1092
أخرجه البخاري (١) من طريق بن عيينة، فوقع لنا بدلًا عاليًا.
قرأت على علي بن عيسى التغلبي، أخبركم محمد بن إبراهيم الصوفي سنة عشرين وست مائة، أنبأنا أبو طاهر السلفي، أنبأنا عبد الله الثقفي، أنبأنا أحمد بن الحسن، أنبأنا حاجب بن أحمد، حدثنا عبد الرحيم هو ابن منيب، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن طلحة، عن سعيد بن زيد يبلغ به النبي ﷺ قال: "من ظلم من الأرض شبرًا طوقه من سبع أرضين ومن قتل دون ماله فهو شهيد" (٢).
هذا حديث صالح الإسناد، لكنه فيه انقطاع؛ لأن طلحة بن عبد الله بن عوف لم يسمعه من سعيد رواه مالك ويونس وجماعة، عن الزهري فأدخلوا بين طلحة وسعيد عبد الرحمن بن عمرو بن سهل الأنصاري أخرجه البخاري، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري.
كان والده زيد بن عمرو ممن فر إلى الله من عبادة الأصنام، وساح في أرض الشام يتطلب الدين القيم فرأى النصارى واليهود فكره دينهم وقال: اللهم إني على دين إبراهيم ولكن لم يظفر بشريعة إبراهيم ﵇ كما ينبغي ولا رأى من يوقفه عليها، وهو من
стр. 1093
أهل النجاة فقد شهد له النبي ﷺ بأنه "يبعث أمة وحده" (١). وهو ابن عم الإمام عمر بن الخطاب، رأى النبي ﷺ ولم يعش حتى بعث.
فنقل يونس بن بكير، وهو من أوعية العلم بالسير، عن محمد بن إسحاق قال قد كان نفر من قريش زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعثمان بن الحارث بن أسد وعبيد الله بن جحش وأميمة ابنة عبد المطلب حضروا قريشًا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم فلما اجتمعوا خلا أولئك النفر بعضهم إلى بعض وقالوا: تصادقوا وتكاتموا فقال قائلهم تعلمن والله ما قومكم على شيء لقد أخطئوا دين إبراهيم وخالفوه فما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع فابتغوا لأنفسكم قال: فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل كتاب من اليهود والنصارى والملل كلها يتطلبون الحنيفية فأما ورقة فتنصر واستحكم في النصرانية وحصل الكتب وعلم علمًا كثيرًا ولم يكن فيهم أعدل شأنًا من زيد اعتزل الأوثان والملل إلَّا دين إبراهيم يوحد الله تعالى ولا يأكل من ذبائح قومه وكان الخطاب عمه قد آذاه فنزح عنه إلى أعلى مكة فنزل حراء فوكل به الخطاب شبابًا سفهاء لا يدعونه يدخل مكة فكان لا يدخلها إلَّا سرًا وكان الخطاب أخاه أيضًا من أمه فكان يلومه على فراق دينه فسار زيد إلى الشام والجزيرة والموصل يسأل، عن الدين.
أخبرنا يوسف بن أحمد بن أبي بكر الحجار، أنبأنا موسى بن عبد القادر، أنبأنا سعيد بن أحمد بن البنا، وأنبأنا أحمد بن المؤيد، أنبأنا الحسن بن إسحاق، أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الزاغوني وقرأت على عمر بن عبد المنعم في سنة ثلاث وتسعين، عن أبي اليمن الكندي إجازة في سنة ثمان وست مائة، أنبأنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المهتدي بالله قالوا، أنبأنا محمد بن محمد الزينبي، أنبأنا محمد بن عمر الوراق، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا عيسى بن حماد، أنبأنا الليث بن سعد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسندًا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش! والله ما فيكم أحد على دين إبراهيم غيري وكان يحيى المؤودة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: مه! لا تقتلها أنا أكفيك مؤنتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤنتها.
هذا حديث صحيح غريب تفرد به الليث وإنما يرويه، عن هشام كتابة وقد علقه
стр. 1094
البخاري في "صحيحه" فقال: وقال الليث: كتب إلي هشام فذكره وقد سمعه ابن إسحاق من هشام.
وعندي بالإسناد المذكور إلى الليث، عن هشام نسخة، فمن أنكر ما فيها، عن أبيه عروة أنه قال: مر ورقة بن نوفل على بلال وهو يعذب يلصق ظهره بالرمضاء وهو يقول: أحد أحد فقال ورقة: أحد أحد يا بلال صبرًا يا بلال لم تعذبونه فوالذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا يقول: لأتمسحن به هذا مرسل وورقة لو أدرك هذا لعد من الصحابة وإنما مات الرجل في فترة الوحي بعد النبوة وقبل الرسالة كما في الصحيح.
يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني هشام، عن أبيه، عن أسماء أن ورقة كان يقول: اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم ثم يسجد على راحته.
يونس بن بكير وعدة، عن المسعودي، عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد، عن أبيه، عن جده قال: مر زيد بن عمرو على رسول الله ﷺ وزيد بن حارثة فدعواه إلى سفرة لهما فقال: يابن أخي إني لا آكل مما ذبح على النصب فما رؤي رسول الله ﷺ بعد ذلك اليوم يأكل مما ذبح على النصب المسعودي ليس بحجة.
أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، عن يزيد، عن المسعودي، ثم زاد في آخره قال سعيد: فقلت: يا رسول الله إن أبي كان كما قد رأيت وبلغك ولو أدركك لآمن بك واتبعك فاستغفر له قال: "نعم فأستغفر له فإنه يبعث أمة وحده" (١).
وقد رواه إبراهيم الحربي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد حدثنا أبو قطن، عن المسعودي، عن نفيل، عن أبيه، عن جده قال: مر زيد برسول الله ﷺ وبابن حارثة وهما يأكلان في سفرة فدعواه فقال: إني لا آكل مما ذبح على النصب قال: وما رؤي رسول الله ﷺ آكلًا مما ذبح على النصب (٢).
стр. 1095
فهذا اللفظ مليح يفسر ما قبله، وما زال المصطفى محفوظًا محروسًا قبل الوحي وبعده ولو احتمل جواز ذلك فبالضرورة ندري أنه كان يأكل من ذبائح قريش قبل الوحي وكان ذلك على الإباحة وإنما توصف ذبائحهم بالتحريم بعد نزول الآية كما أن الخمرة كانت على الإباحة إلى أن نزل تحريمها بالمدينة بعد يوم أحد والذي لا ريب فيه أنه كان معصومًا قبل الوحي وبعده وقبل التشريع من الزنى قطعًا ومن الخيانة والغدر والكذب والسكر والسجود لوثن والاستقسام بالأزلام ومن الرذائل والسفه وبذاء اللسان وكشف العورة فلم يكن يطوف عريانًا ولا كان يقف يوم عرفة مع قومه بمزدلفة بل كان يقف بعرفة وبكل حال لو بدا منه شيء من ذلك لما كان عليه تبعة لأنه كان لا يعرف ولكن رتبة الكمال تأبى وقوع ذلك منه ﷺ تسليمًا.
أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قال: رسول الله ﷺ : "دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين".
غريب رواه الباغندي، عن الأشج عنه (١).
عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء قالت: رأيت زيد بن عمرو شيخًا كبيرًا مسندًا ظهره إلى الكعبة وهو يقول: ويحكم يا معشر قريش إياكم والزنى فإنه يورث الفقر.
أبو الحسن المدائني، عن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: قال زيد بن عمرو: شاممت النصرانية واليهودية فكرهتهما فكنت بالشام فأتيت راهبًا فقصصت عليه أمري فقال: أراك تريد دين إبراهيم ﵇ يا أخا أهل مكة! إنك لتطلب دينًا ما يوجد اليوم فالحق ببلدك فإن الله يبعث من قومك من يأتي بدين إبراهيم بالحنيفية وهو أكرم الخلق على الله (٢).
وبإسناد ضعيف، عن حجير بن أبي إهاب قال: رأيت زيد بن عمرو يراقب الشمس
стр. 1096
فإذا زالت استقبل الكعبة فصلى ركعة وسجد سجدتين وأنشد الضحاك بن عثمان الحزامي لزيد:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت … له المزن تحمل عذبًا زلالا
إذا سقيت بلدة من بلاد … سيقت إليها فسحت سجالا
وأسلمت نفسي لمن أسلمت … له الأرض تحمل صخرًا ثقالًا
دحاها فلما استوت شدها … سواءً وأرسى عليها الجبالا
وروى: هشام بن عروة، فيما نقله عنه بن أبي الزناد أنه بلغه أن زيد بن عمرو كان بالشام، فلما بلغه خبر رسول الله ﷺ أقبل يريده فقتله أهل ميفعة بالشام.
وروى الواقدي: أنه مات فدفن بأصل حراء، وقال ابن إسحاق: قتل ببلاد لخم.
عبد العزيز بن المختار: أنبأنا موسى بن عقبة، أخبرني سالم: سمع بن عمر يحدث، عن رسول الله ﷺ أنه لقي زيد بن عمرو أسفل بلدح قبل الوحي فقدم إلى زيد سفرةً فيها لحم فأبى أن يأكل وقال: لا آكل مما تذبحون على أنصابكم أنا لا آكل إلَّا مما ذكر اسم الله عليه.
أخرجه: البخاري، وزاد في آخره: وكان يعيب على قريش ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله? (١)
أبو أسامة وغيره قالا: حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة قال: خرجت مع رسول الله ﷺ وهو مردفي إلى نصب من الأنصاب فذبحنا له ضمير "له" راجع إلى رسول الله ﷺ شاةً ووضعناها في التنور، حتى إذا نضجت جعلناها في سفرتنا ثم أقبل رسول الله ﷺ يسير وهو مردفي في أيام الحر حتى إذا كنا بأعلى الوادي لقي زيد بن عمرو فحيى أحدهما الآخر فقال له النبي ﷺ "ما لي أرى قومك قد شنفوا لك" أي: أبغضوك? قال: أما والله إن ذلك مني لغير نائرة كانت مني إليهم ولكني أراهم على ضلالة فخرجت أبتغي الدين حتى قدمت على أحبار أيلة فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به فدللت على شيخ بالجزيرة فقدمت عليه فأخبرته فقال: إن كل من رأيت في ضلالة إنك لتسأل، عن دين هو دين الله وملائكته وقد خرج في أرضك نبي أو هو خارج ارجع إليه واتبعه فرجعت فلم أحس شيئًا فأناخ رسول الله ﷺ البعير، ثم قدمنا إليه السفرة. فقال: ما هذه? قلنا: شاة
стр. 1097
ذبحناها للنصب، كذا قال. فقال: أني لا آكل مما ذبح لغير الله ثم تفرقا ومات زيد قبل المبعث فقال رسول الله ﷺ "يأتي أمةً وحده".
رواه إبراهيم الحربي في "الغريب"، عن شيخين له، عن أبي أسامة ثم قال: في ذبحها على النصب وجهان إما أن زيدًا فعله، عن غير أمر النبي ﷺ إلَّا أنه كان معه فنسب ذلك إليه لأن زيدًا لم يكن معه من العصمة والتوفيق ما أعطاه الله لنبيه وكيف يجوز ذلك وهو ﵇ قد منع زيدًا أن يمس صنمًا وما مسه هو قبل نبوته فكيف يرضى أن يذبح للصنم هذا محال.
الثاني: أن يكون ذبح لله واتفق ذلك عند صنم كانوا يذبحون عنده.
قلت: هذا حسن فإنما الأعمال بالنية. أما زيد فأخذ بالظاهر وكان الباطن لله وربما سكت النبي ﷺ عن الإفصاح خوف الشر فإنا مع علمنا بكراهيته للأوثان نعلم أيضًا أنه ما كان قبل النبوة مجاهرًا بذمها بين قريش ولا معلنًا بمقتها قبل المبعث والظاهر أن زيدًا ﵀ توفي قبل المبعث فقد نقل ابن إسحاق أن ورقة بن نوفل رثاه بأبيات وهي:
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما … تجنبت تنورًا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله … وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وإدراكك الدين الذي قد طلبته … ولم تك، عن توحيد ربك ساهيا
فأصبحت في دار كريم مقامها … تعلل فيها بالكرامة لاهيا
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه … كان تحت الأرض سبعين واديًا
نعم، وعد عروة سعيد بن زيد في البدريين فقال: قدم من الشام بعد بدرٍ فكلم رسول الله ﷺ فضرب له بسهمه وأجره وكذلك قال موسى بن عقبة وابن إسحاق.
وامرأته: هي ابنة عمه فاطمة أخت عمر بن الخطاب. أسلم سعيد قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم.
وأخرج البخاري من ثلاثة أوجه، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم قال: قال سعيد بن زيد: لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام وأخته ولو أن أحدًا انقض بما صنعتم بعثمان لكان حقيقًا (١).
стр. 1098
وقد ذكرنا في إسلام عمر فصلًا في المعنى.
وذكر بن سعد في "طبقاته"، عن الواقدي، عن رجاله قالوا: لما تحين رسول الله ﷺ وصول عير قريش من الشام بعث طلحة وسعيد بن زيد قبل خروجه من المدينة بعشر يتحسسان خبر العير، فبلغا الحوراء فلم يزالا مقيمين هناك حتى مرت بهم العير فتساحلت فبلغ نبي الله الخبر قبل مجيئهما فندب أصحابه وخرج يطلب العير فتساحلت وساروا الليل والنهار ورجع طلحة وسعيد ليخبرا فوصلا المدينة يوم الوقعة فخرجا يؤمانه وضرب لهما رسول الله ﷺ بسهمهما وأجورهما وشهد سعيد أحدًا والخندق والحديبية والمشاهد.
وقد تقدمت عدة أحاديث في أنه من أهل الجنة وأنه من الشهداء.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي، عن الشهادة لأبي بكر وعمر أنهما في الجنة فقال: نعم أذهب إلى حديث سعيد بن زيد.
هشام بن عروة: عن أبيه أن أروى بنت أويس ادعت أن سعيد بن زيد أخذ شيئًا من أرضها فخاصمته إلى مروان فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله سمعته يقول: "من أخذ شيئًا من الأرض طوقه إلى سبع أرضين" قال مروان: لا أسألك بينةً بعد هذا فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبةً فأعم بصرها وقتلها في أرضها فما ماتت حتى عميت وبينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت.
أخرجه مسلم (١) وروى عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن نحوه، عن أبيه. وروى المغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر نحوه.
وقال ابن أبي حازم في حديثه: سألت أروى سعيدًا أن يدعو لها، وقالت: قد ظلمتك. فقال: لا أرد على الله شيئًا أعطانيه.
قلت: لم يكن سعيدًا متأخرًا، عن رتبة أهل الشورى في السابقة والجلالة وإنما تركه عمر ﵁ لئلا يبقى له فيه شائبة حظ لأنه ختنه وابن عمه ولو ذكره في أهل الشورى لقال الرافضي: حابى ابن عمه فأخرج منها ولده وعصبته فكذلك فليكن العمل لله.
стр. 1099
خالد الطحان، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار قال: كتب معاوية إلى مروان والي المدينة ليبايع لابنه يزيد فقال رجل من جند الشام: ما يحبسك? قال: حتى يجيء سعيد بن زيد فيبايع فإنه سيد أهل البلد وإذا بايع بايع الناس قال: أفلا أذهب فآتيك به? … وذكر الحديث.
أنبئنا وأخبرنا، عن حنبل -سماعًا- أنبأنا ابن الحصين، أنبأنا ابن المذهب، أنبأنا القطيعي حدثنا عبد الله، حدثني أبي حدثنا وكيع حدثنا سفيان، عن حصين ومنصور، عن هلال بن يساف، عن سعيد بن زيد -وقال حصين: عن ابن ظالم، عن سعيد بن زيد: أن النبي ﷺ قال: "اسكن حراء فما عليك إلَّا نبي أو صديق أو شهيد" وعليه النبي وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن وسعيد بن زيد (١).
ابن سعد: أنبأنا أبو ضمرة، عن يحيى بن سعيد أخبرني نافع، عن ابن عمر أنه استصرخ على سعيد بن زيد يوم الجمعة، بعد ما ارتفع النهار، فأتاه بن عمر بالعقيق، وترك الجمعة. أخرجه البخاري (٢).
وقال إسماعيل بن أمية: عن نافع قال: مات سعيد بن زيد وكان يذرب (٣).
فقالت أم سعيد لعبد الله بن عمر: أتحنطه بالمسك? فقال: وأي طيب أطيب من المسك! فناولته مسكًا.
سليمان بن بلال: حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد قالت: مات سعيد بن زيد بالعقيق فغسله سعد بن أبي وقاص وكفنه وخرج معه.
وروى غير واحد، عن مالك قال: مات سعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص بالعقيق. قال الواقدي: توفي سعيد بن زيد سنة إحدى وخمسين وهو ابن بضع وسبعين سنة وقبر بالمدينة نزل في قبره سعد وابن عمر وكذا قال أبو عبيد ويحيى بن بكير وشهاب قال الواقدي: كان سعيد رجلًا آدم طويلًا أشعر وقد شذ الهيثم بن عدي فقال: مات بالكوفة وقال عبيد الله بن سعد الزهري: مات سنة اثنتين وخمسين ﵁.
стр. 1100
فهذا ما تيسر من سيرة العشرة وهم أفضل قريش وأفضل السابقين المهاجرين وأفضل البدريين وأفضل أصحاب الشجرة وسادة هذه الأمة في الدنيا والآخرة فأبعد الله الرافضة ما أغواهم وأشد هواهم كيف اعترفوا بفضل واحد منهم وبخسوا التسعة حقهم وافتروا عليهم بأنهم كتموا النص في علي أنه الخليفة فوالله ما جرى من ذلك شيء وأنهم زوروا الأمر عنه بزعمهم وخالفوا نبيهم وبادروا إلى بيعة رجل من بني تيم يتجر ويتكسب لا لرغبةٍ في أمواله ولا لرهبة من عشيرته ورجاله ويحك! أيفعل هذا من له مسكة عقل? ولو جاز هذا على واحد لما جاز على جماعة ولو جاز وقوعه من جماعة لاستحال وقوعه والحالة هذه من ألوفٍ من سادة المهاجرين والأنصار وفرسان الأمة وأبطال الإسلام لكن لا حيلة في برء الرفض فإنه داء مزمن والهدى نور يقذفه الله في قلب من يشاء فلا قوة إلَّا بالله.
حديث مشترك، وهو منكر جدًّا. رواه الطبراني في "المعجم الكبير": حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، وقال أبو عمرو بن حمدان: حدثنا الحسن بن سفيان في "مسنده" قالا: حدثنا نصر بن علي، حدثنا عبد المؤمن بن عباد العبدي، حدثنا يزيد بن معن، حدثني عبد الله بن شرحبيل، عن رجل من قريش، عن زيد بن أبي أوفى ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ مسجد المدينة فجعل يقول: "أين فلان أين فلان? " فلم يزل يتفقدهم ويبعث إليهم حتى اجتمعوا فقال: "إني محدثكم بحديث فاحفظوه وعوه إن الله اصطفى من خلقه خلقًا يدخلهم الجنة وإني مصطف منكم ومؤاخ بينكم كما آخى الله بين الملائكة قم يا أبا بكر! " فقام فقال: "إن لك عندي يدًا إن الله يجزيك بها فلو كنت متخذًا خليلًا لاتخذتك فأنت مني بمنزلة قميصي من جسدي ادن يا عمر! " فدنا فقال: "قد كنت شديد الشغب علينا فدعوت الله أن يعز بك الدين أو بأبي جهل ففعل الله بك ذلك وأنت معي في الجنة ثالث ثلاثة" ثم آخى بينه وبين أبي بكر ثم دعا عثمان فلم يزل يدنيه حتى ألصق ركبته بركبته ثم نظر إلى السماء فسبح ثلاثًا ثم قال: "إن لك شأنًا في أهل السماء أنت ممن يرد علي الحوض وأوداجه تشخب فأقول: من فعل بك هذا? فتقول فلان" ثم دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: "ادن يا أمين الله والأمين في السماء يسلطك الله على مالك بالحق أما إن لك عندي دعوةً قد أخرتها" قال: خر لي يا رسول الله! قال: "حملتني أمانة أكثر الله مالك" وآخى بينه وبين عثمان ثم دعا طلحة والزبير فدنوا منه فقال: "أنتما حواري كحواري عيسى" وآخى بينهما ثم دعا سعدًا وعمارًا فقال: "يا عمار! تقتلك الفئة الباغية" ثم آخى بينهما. ثم دعا أبا الدرداء وسلمان،
стр. 1101
فقال: يا سلمان! أنت منا أهل البيت وقد آتاك الله العلم الأول والعلم الآخر يا أبا الدرداء! إن تنقدهم ينقدوك وإن تتركهم يتركوك وإن تهرب منهم يدركوك فأقرضهم عرضك ليوم فقرك ثم آخى بينهما ثم نظر إلى ابن عمر فقال: الحمد لله الذي يهدي من الضلالة فقال علي: يا رسول الله! ذهب روحي وانقطع ظهري حين تركتني قال ما أخرتك إلَّا لنفسي وأنت عندي بمنزلة هارون من موسى ووارثي قال: ما أرث منك? قال: كتاب الله وسنة نبيه وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة. وتلا ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].
زيد: لا يعرف إلَّا في هذا الحديث الموضوع. وقد رواه محمد بن جرير الطبري، عن حسين الدارع، عن عبد المؤمن فأسقط منه، عن رجل.
وقال محمد بن الجهم السمري: حدثنا عبد الرحيم بن واقد، حدثنا شعيب بن يونس، حدثنا موسى بن صهيب، عن يحيى بن زكريا، عن عبد الله بن شرحبيل، عن رجل، عن زيد.
ورواه مطين مختصرًا، حدثنا ثابت بن يعقوب، حدثنا ثابت بن حماد النصري، عن موسى بن صهيب، عن عبادة بن نسي، عن عبد الله بن أبي أوفى.
وقال الحسن بن علي الحلواني، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا أبو عبد الله الباهلي يقال -اسمه جعفر بن مرزوق- عن غياث بن شقير، عن عبد الرحمن بن سابط، عن سعيد بن عامر الجمحي قال رسول الله ﷺ ذات يوم: "يا أبا بكر! تعال ويا عمر! تعال" وذكر حديث المؤاخاة إلَّا أنه خالف في أسماء الإخوان وزاد ونقص منهم.
تفرد به شبابة، ولا يصح.
والمحفوظ أنه آخى بين المهاجرين والأنصار، ليحصل بذلك مؤازرة ومعاونة لهؤلاء بهؤلاء.
لسعيد بن زيد ثمانية وأربعون حديثًا اتفقا له على حديثين، وانفرد البخاري بثالث.
стр. 1102
السابقون الأولون:
هم: خديجة بنت خويلد، وعلي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وزيد بن حارثة النبوي، ثم عثمان، والزبير وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، ثم أبو عبيدة بن الجراح وأبو سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم بن أسد بن عبد الله بن عمر المخزوميان وعثمان بن مظعون الجمحي وعبيدة بن الحارث بن المطلب المطلبي وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي وأسماء بنت الصديق وخباب بن الأرت الخزاعي حليف بني زهرة وعمير بن أبي وقاص أخو سعد وعبد الله بن مسعود الهذلي من حلفاء بني زهرة ومسعود بن ربيعة القارئ من البدريين وسليط بن عمرو بن عبد شمس العامري وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وامرأته أسماء بنت سلامة التميمية وخنيس بن حذافة السهمي وعامر بن ربيعة العنزي حليف آل الخطاب وعبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي حليف بني أمية وجعفر بن أبي طالب الهاشمي وامرأته أسماء بنت عميس وحاطب بن الحارث الجمحي وامرأته فاطمة بنت المجلل العامرية وأخوه خطاب وامرأته فُكيهة بنت يسار وأخوهما معمر بن الحارث والسائب ولد عثمان بن مظعون والمطلب بن أزهر بن عبد عوف الزهري وامرأته رملة بنت أبي عوف السهمية والنحام نعيم بن عبد الله العدوي وعامر بن فهيرة مولى الصديق وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية وامرأته أميمة بنت خلف الخزاعية وحاطب بن عمرو العامري وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة العبشمي وواقد بن عبد الله بن عبد مناف التميمي اليربوعي حليف بني عدي وخالد وعامر وعاقل وإياس بنو البكير بن عبد يا ليل الليثي حلفاء بني عدي وعمار بن ياسر بن عامر العنسي بنون حليف بني مخزوم، وصهيب بن سنان بن مالك النمري الرومي المنشأ وولاؤه لعبد الله بن جدعان، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري وأبو نجيح عمرو بن عبسة السلمي البجلي لكنهما رجعا إلى بلادهما.
فهؤلاء الخمسون من السابقين الأولين. وبعدهم أسلم: أسد الله حمزة بن عبد المطلب، والفاروق عمر بن الخطاب عز الدين، ﵃ أجمعين.
стр. 1103
١٢ - مصعب بن عمير (١):
ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب.
السيد، الشهيد، السابق، البدري، القرشي، العبدري.
قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير فقلنا له ما فعل رسول الله ﷺ ? فقال هو مكانه وأصحابه على أثري ثم أتانا بعده عمرو بن أم مكتوم أخو بني فهر، الأعمى ........... وذكر الحديث (٢).
الأعمش:، عن أبي وائل، عن خباب قال هاجرنا مع رسول الله ﷺ ونحن نبتغي وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من مضى لسبيله لم يأكل من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يترك إلَّا نمرة كنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدا رأسه فقال رسول الله ﷺ : "غطوا رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر" ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها (٣).
شعبة، عن سعد بن إبراهيم سمع أباه يقول: أتي عبد الرحمن بن عوف بطعام فجعل يبكي فقال قتل حمزة فلم يوجد ما يكفن فيه إلَّا ثوبًا واحدًا وقتل مصعب بن عمير فلم يوجد ما يكفن فيه إلَّا ثوبًا واحدًا لقد خشيت أن يكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا وجعل يبكي (٤).
ابن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد، عن القرظي، عمن سمع علي بن أبي طالب يقول:
стр. 1104
إنه استقى لحائط يهودي بملء كفه تمراً، قال فجئت المسجد فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروة وكان أنعم غلام بمكة وأرفه فلما رآه رسول الله ﷺ ذكر ما كان فيه من النعيم ورأى حاله التي هو عليها فذرفت عيناه عليه ثم قال أنتم اليوم خير أم إذا غدي على أحدكم بجفنةٍ من خبز ولحم؟ فقلنا نحن يومئذ خير نكفى المؤنة ونتفرغ للعبادة فقال: بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ (١).
ابن إسحاق حدثني صالح بن كيسان عن سعد بن مالك قال كنا قبل الهجرة يصيبنا ظلف العيش وشدته فلا نصبر عليه فما هو إلا أن هاجرنا فأصابنا الجوع والشدة فاستضلعنا بهما وقوينا عليهما فأما مصعب بن عمير فإنه كان أترف غلام بمكة بين أبويه فيما بيننا فلما أصابه ما أصابنا لم يقو على ذلك فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية ولقد رأيته ينقطع به فما يستطيع أن يمشي فنعرض له القسي ثم نحمله على عواتقنا ولقد رأيتني مرةً قمت أبول من الليل فسمعت تحت بولي شيئاً يجافيه فلمست بيدي فإذا قطعة من جلد بعير فأخذتها فغسلتها حتى أنعمتها ثم أحرقتها بالنار ثم رضضتها فشققت منها ثلاث شقات فاقتويت بها ثلاثاً.
قال بن إسحاق وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حتى قتل قتله بن قمئة الليثي وهو يظنه رسول الله فرجع إلى قريش فقال قتلت محمداً فلما قتل مصعب أعطى رسول الله ﷺ اللواء علي بن أبي طالب ورجالاً من المسلمين.
стр. 1105
ومن شهداء يوم أحد:
حمزة، وعبد الله بن جحش الأسدي بن أخت حمزة فدفنا في قبر وعثمان بن عثمان المخزومي، لقبه شماس لملاحته.
ومن الأنصار: عمرو بن معاذ الأوسي، أخو سعد، وابن أخيه الحارث بن أوس، والحارث بن أنيس، وعمارة بن زياد بن السكن، ورفاعة بن وقش، وابنا أخيه عمرو وسلمة ابنا ثابت بن وقش وصيفي بن قيظي وأخوه جناب وعباد بن سهل وعبيد بن التيهان وحبيب بن زيد وإياس بن أوس الأشهليون واليمان والد حذيفة وزيد بن حاطب الظفري وأبو سفيان بن حارث بن قيس وغسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر ومالك بن أمية وعوف بن عمرو وأبو حية بن عمرو وعبد الله بن جبير بن النعمان وخيثمة والد سعد وحليفه عبد الله وسبيع بن حاطب وحليفه مالك وعمير بن عدي فهؤلاء من الأوس.
ومن الخزرج: عمرو بن قيس، وولده قيس، وثابت بن عمرو، وعامر بن مخلد، وأبو هبيرة بن الحارث وعمرو بن مطرف وإياس بن عدي وأوس بن ثابت والد شداد وأنس بن النضر وقيس بن مخلد النجاريون وكيسان مولى بني النجار وسليم بن الحارث ونعمان بن عبد عمرو.
ومن بني الحارث بن الخزرج خارجة بن زيد بن أبي زهير وأوس بن أرقم ومالك والد أبي سعيد الخدري وسعيد بن سويد وعتبه بن ربيع وثعلبة بن سعد وثقف بن فروة وعبد الله بن عمرو وضمرة الجهني وعمرو بن إياس ونوفل بن عبد الله وعبادة بن الحسحاس وعباس بن عبادة ونعمان بن مالك والمجذر بن زياد البلوي ورفاعة بن عمرو ومالك بن إياس وعبد الله والد جابر وعمرو بن الجموح وابنه خلاد ومولاه أسير وتسليم بن عمرو بن حديدة ومولاه عنترة وسهيل بن قيس وذكوان، وعبيد بن المعلى بن لوذان.
стр. 1106
١٣ - أبو سلمة (١): " ت، ق"
ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب.
السيد الكبير، أخو رسول الله ﷺ من الرضاعة وابن عمته برة بنت عبد المطلب وأحد السابقين الأولين هاجر إلى الحبشة ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا ومات بعدها بأشهر وله أولاد صحابة كعمر وزينب وغيرهما ولما انقضت عدة زوجته أم سلمة تزوج بها النبي ﷺ وروت، عن زوجها أبي سلمة القول عند المصيبة وكانت تقول من خير من أبي سلمة وما ظنت أن الله يخلفها في مصابها به بنظيره فلما فتح عليها بسيد البشر اغتبطت أيما اغتباط.
مات كهلًا، في سنة ثلاث من الهجرة ﵁.
قال بن إسحاق هو أول من هاجر إلى الحبشة ثم قدم مع عثمان بن مظعون حين قدم من الحبشة فأجاره أبو طالب.
قلت: رجعوا حين سمعوا بإسلام أهل مكة عند نزول سورة والنجم.
قال مصعب بن عبد الله: ولدت له أم سلمة بالحبشة: سلمة وعمر ودرة وزينب.
قلت: هؤلاء ما ولدوا بالحبشة إلَّا قبل عام الهجرة.
الأعمش، عن شقيق، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا حضرتم الميت فقولوا خيرًا فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون".
قالت: فلما مات أبو سلمة قلت يا رسول الله! كيف أقول? قال: "قولي اللهم اغفر له وأعقبنا منه عقبى صالحة"، فأعقبني الله خيرًا منه، رسول الله ﷺ (٢).
стр. 1107
حماد بن سلمة، أنبأنا ثابت، عن عمر بن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت قال رسول الله ﷺ : "إذا أصابت أحدكم مصيبة فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني خيرًا منها".
فلما احتضر أبو سلمة، قلت ذلك وأردت أن أقول وأبدلني خيرًا منها فقلت ومن خير من أبي سلمة? فلم أزل حتى قلتها فلما انقضت عدتها خطبها أبو بكر فردته وخطبها عمر فردته فبعث إليها النبي ﷺ فقالت مرحبًا برسول الله ﷺ وبرسوله وذكر الحديث (١).
قال الواقدي: حدثنا عمر بن عثمان اليربوعي، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة وغيره قالوا: شهد أبو سلمة أحدًا وكان نازلًا بالعالية في بني أمية بن زيد فجرح بأحد وأقام شهرًا يداوي جرحه فلما هل المحرم دعاه النبي ﷺ وقال: "اخرج في هذه السرية" وعقد له لواء وقال: "سر حتى تأتي أرض بني أسد فأغر عليهم" وكان معه خمسون ومئة فساروا حتى انتهوا إلى أدنى قطن من مياههم فأخذوا سرحًا لهم ثم رجع إلى المدينة بعد بضع عشرة ليلة.
قال عمر بن عثمان: فحدثني عبد الملك بن عبيد قال لما دخل أبو سلمة المدينة انتقض جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الآخرة يعني سنة أربع وقيل: مات أبو سلمة سنة ثلاث.
стр. 1108
١٤ - عثمان بن مظعون (١):
بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب الجمحي أبو السائب.
من سادة المهاجرين، ومن أولياء الله المتقين الذين فازوا بوفاتهم في حياة نبيهم فصلى عليهم وكان أبو السائب ﵁ أول من دفن بالبقيع.
стр. 1109
روى كثير بن زيد المدني:، عن المطلب بن عبد الله قال: لما دفن النبي ﷺ عثمان بن مظعون قال لرجل: "هلم تلك الصخرة فاجعلها عند قبر أخي أعرفه بها أدفن إليه من دفنت من أهلي" فقام الرجل فلم يُطقها فقال -يعني الذي حدثه: فلكأني أنظر إلى بياض ساعدي رسول الله ﷺ حين احتملها حتى وضعها عند قبره (١). هذا مرسل.
قال سعيد بن المسيب: سمعت سعدًا يقول رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا (٢).
قال أبو عمر النمري: أسلم أبو السائب بعد ثلاثة عشر رجلًا وهاجر الهجرتين وتوفي بعد بدر وكان عابدًا مجتهدًا وكان هو وعلي وأبو ذر هموا أن يختصوا.
وروى من مراسيل عبيد الله بن أبي رافع قال: أول من دفن ببقيع الغرقد عثمان بن مظعون فوضع رسول الله ﷺ عند رأسه حجرًا وقال: "هذا قبر فرطنا" (٣).
وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية.
ابن المبارك: عن عمر بن سعيد، عن ابن سابط: قال عثمان بن مظعون لا أشرب شرابا يُذهب عقلي ويُضحك بي من هو أدنى مني ويحملني على أن أنكح كريمتي فلما حُرِّمت الخمر قال: تبًا لها قد كان بصري فيها ثاقبًا.
هذا خبر منقطع لا يثبت وإنما حرمت الخمر بعد موته.
سفيان بن وكيع، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، حدثني أبو النضر، عن زياد،
стр. 1110
عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل على عثمان بن مظعون حين مات فأكب عليه فرفع رأسه فكأنهم رأوا أثر البكاء ثم جثا الثانية ثم رفع رأسه فرأوه يبكي ثم جثا الثالثة فرفع رأسه وله شهيق فعرفوا أنه يبكي فبكى القوم فقال: "مه هذا من الشيطان" ثم قال: "أستغفر الله أبا السائب! لقد خرجت منها ولم تَلَبَّس منها بشيء" (١).
حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال لما مات ابن مظعون قالت امرأته: هنيئًا لك الجنة فنظر إليها رسول الله ﷺ نظر غضب وقال ما يدريك? قالت فارسك وصاحبك. قال: "إني رسول الله وما أدري ما يفعل بي ولا به" فأشفق الناس على عثمان بن مظعون فبكى النساء فجعل عمر يسكتهن فقال: مهلًا يا عمر! ثم قال: "إياكن ونعيق الشيطان مهما كان من العين فمن الله ومن الرحمة وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" (٢).
يعلى بن عبيد، حدثنا الإفريقي، عن سعد بن مسعود أن عثمان بن مظعون قال: يا رسول الله! لا أحب أن ترى امرأتي عورتي. قال: ولِمَ? قال: أستحيي من ذلك. قال: "إن الله قد جعلها لك لباسًا وجعلك لباسًا لها" (٣). هذا منقطع.
ابن أبي ذئب، عن الزهري أن عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الأرض.
стр. 1111
فقال له النبي ﷺ : "أليس لك فيَّ أسوة حسنة وليس من أمتي من اختصى أو خصى" (١).
أبو إسحاق السبيعي، عن أبي بردة: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي ﷺ فرأينها سيئة الهيئة فقلن لها: مالك? فما في قريش أغنى من بعلك! قالت أما ليله فقائم وأما نهاره فصائم فلقيه النبي ﷺ فقال: "أما لك بي أسوة … " الحديث (٢).
قال: فأتتهن بعد ذلك عطرة كأنها عروس.
حماد بن زيد، حدثنا معاوية بن عياش، عن أبي قلابة أن عثمان بن مظعون قعد يتعبد فأتاه النبي ﷺ فقال: "يا عثمان إن الله لم يبعثني بالرهبانية وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة" (٣).
عن عائشة بنت قدامة قالت: نزل عثمان وقدامة وعبد الله بنو مظعون ومعمر بن الحارث حين هاجروا على عبد الله بن سلمة العجلاني قال الواقدي: آل مظعون ممن أوعب في الخروج إلى الهجرة وغلقت بيوتهم بمكة (٤).
وعن عبيد الله بن عتبة قال: خط رسول الله ﷺ لآل مظعون موضع دارهم اليوم بالمدينة (٥). ومات في شعبان سنة ثلاث.
стр. 1112
الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قبَّل عثمان بن مظعون (١) وهو ميت ودموعه تسيل على خد عثمان بن مظعون. صححه الترمذي.
مالك، عن أبي النضر قال: لما مر بجنازة عثمان بن مظعون قال رسول الله "ذهبت ولم تلبس منها بشيء" (٢).
إبراهيم بن سعد:، عن بن شهاب، عن خارجة بن زيد، عن أم العلاء من المبايعات فذكرت أن عثمان بن مظعون اشتكى عندهم فمرَّضناه حتى توفي فأتى رسول الله ﷺ فقلت: شهادتي عليك أبا السائب لقد أكرمك الله! فقال رسول الله "وما يدريك? " قلت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله فمن? قال: "أما هو فقد جاءه اليقين والله إني لأرجو له الخير وإني لرسول الله وما أدري ما يفعل بي". قالت: فوالله لا أزكِّي بعده أحدًا. قالت: فأحزنني ذلك فنمت فرأيت لعثمان عينًا تجري فأخبرت رسول الله ﷺ فقال: "ذاك عمله" (٣).
حماد بن سلمة: حدثنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس بنحوه
стр. 1113
وزاد: فلما ماتت بنت رسول الله ﷺ قال: "الحقي بسلفنا الخيِّر عثمان بن مظعون" (١).
الواقدي: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله أن عمر قال: لما توفي عثمان بن مظعون ولم يقتل هبط من نفسي حتى توفي رسول الله ﷺ فقلت: ويك إن خيارنا يموتون ثم توفي أبو بكر قال فرجع عثمان في نفسي إلى المنزلة (٢).
وعن عائشة بنت قدامة قالت: كان بنو مظعون متقاربين في الشبه. كان عثمان شديد الأدمة كبير اللحية. ﵁ (٣).
стр. 1114
١٥ - قدامة بن مظعون (١):
أبو عمرو الجمحي.
من السابقين البدريين ولي إمرة البحرين لعمر وهو من أخوال أم المؤمنين حفصة وابن عمر وزوج عمتهما صفية بنت الخطاب، إحدى المهاجرات.
ولقدامة هجرة إلى الحبشة، وقد شرب مرة الخمرة متأوِّلًا مستدلًا بقوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية، فحدَّه عمر، وعزله من البحرين.
قال أيوب السختياني: لم يُحدَّ بدريٌ في الخمر سواه.
قلت: بلى، ونعيمان بن عمرو الأنصاري النجاري، صاحب المزاح.
قال بن سعد لقدامة من الولد: عمر وفاطمة وعائشة وهاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة وشهد بدرًا وأحدًا.
وعن عائشة بنت قدامة: أن أباها توفي سنة ست وثلاثين وله ثمان وستون سنة وكان لا يغير شيبه وكان طويلًا أسمر ﵁.
стр. 1115
١٦ - عبد الله بن مظعون الجمحي (١):
أبو محمد من السابقين شهد بدرًا هو وإخوته: عثمان وقدامة والسائب ولد أخيه وهاجر عبد الله إلى الحبشة الهجرة الثانية.
قال بن سعد شهد بدرًا وأحدًا والخندق وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سهل بن عبيد بن المعلى الأنصاري قال: ومات في خلافة عثمان سنة ثلاثين وهو بن ستين سنة.
стр. 1116
١٧ - السائب بن عثمان (١):
ابن مظعون الجمحي وأمه خولة بنت حكيم السلمية وأمها ضعيفة بنت العاص بن أمية بن عبد شمس.
هاجر إلى الحبشة وكان من الرماة المذكورين وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين حارثة بن سراقة الأنصاري المقتول ببدر الذي أصاب الفردوس (٢).
قال ابن سعد: وشهد السائب بن عثمان بدرًا في رواية ابن إسحاق وأبي معشر والواقدي. ولم يذكره ابن عقبة وكان هشام بن الكلبي يقول: الذي شهدها هو السائب بن مظعون أخو عثمان لأبويه.
قال ابن سعد: هذا وهم إلى أن قال: وأصابه سهم يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة قال: ومات منه.
стр. 1117
١٨ - أبو حذيفة (١):
السيد الكبير الشهيد أبو حذيفة بن شيخ الجاهلية عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي العبشمي، البدري.
أحد السابقين واسمه مهشم فيما قيل: أسلم قبل دخولهم دار الأرقم وهاجر إلى الحبشة مرتين. وولد له بها محمد بن أبي حذيفة ذاك الثائر على عثمان بن عفان ولدته له سهلة بنت سهيل بن عمرو وهي المستحاضة وقد تزوج بها عبد الرحمن بن عوف وهي التي أرضعت سالمًا وهو كبير لتظهر عليه وخُصَّا بذاك الحكم عند جمهور العلماء.
وعن أبي الزناد أن أبا حذيفة بن عتبة دعا يوم بدر أباه إلى البراز فقالت أخته أم معاوية هند بنت عتبة:
الأحول الأثعل المذموم طائره … أبو حذيفة شر الناس في الدين
أما شكرت أبَارباك من صِغَرٍ … حتى شببت شبابًا غير محجون (٢)
قال: وكان أبو حذيفة طويلًا، حسن الوجه، مرادف الأسنان، وهو الأثعل.
استشهد أبو حذيفة ﵁ يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة هو ومولاه سالم.
وتأخر إسلام أخيه أبي هاشم بن عتبة فأسلم يوم الفتح وحسن إسلامه وجاهد وسكن الشام وكان صالحًا دينًا له رواية، عن النبي ﷺ في "الترمذي" "والنسائي" "وابن ماجه". مات في خلافة عثمان وهو أخو الشهيد مصعب بن عمير لأمه وخال الخليفة معاوية.
روى منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، حدثنا سمرة بن سهم قال: قدمت على أبي هاشم بن عتبة وهو طعين فدخل عليه معاوية يعوده فبكى فقال: ما يبكيك يا خال? أوجعٌ أو حرصٌ على الدنيا? قال: كلا لا ولكن عهد إلي رسول الله ﷺ عهدًا لم آخذ به. قال لي: "يا أبا هاشم لعلك أن تدرك أموالًا تقسم بين أقوام وإنما يكفيك من جمع الدنيا خادم ومركب في سبيل الله" وقد وجدت وجمعت (٣).
وفي رواية مرسلة: "فيا ليتها بَعرًا محيلًا".
قيل عاش أبو حذيفة ثلاثًا وخمسين سنة.
стр. 1118
١٩ - سالم مولى أبي حذيفة (١):
من السابقين الأولين، البدريين، المقربين، العالمين.
قال موسى بن عقبة: هو سالم بن معقل أصله من إصطخر. والى أبا حذيفة وإنما الذي أعتقه هي ثبيتة بنت يعار الأنصارية زوجة أبي حذيفة بن عتبة وتبناه أبو حذيفة كذا قال. بن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد أن سهلة بنت سهيل أتت رسول الله ﷺ وهي امرأة أبي حذيفة فقالت: يا رسول الله إن سالمًا معي وقد أدرك ما يدرك الرجال فقال: "أرضعيه فإذا أرضعته فقد حرم عليك ما يحرم من ذي المحرم". قالت أم سلمة: أبى أزواج رسول الله ﷺ أن يدخل أحدٌ عليهن بهذا الرضاع وقلن: إنما هي رخصةٌ لسالم خاصة (٢).
وعن بن عمر قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الذين قدموا من مكة حين قدم المدينة لأنه كان أقرأهم.
الواقدي: حدثنا أفلح بن سعيد، عن محمد بن كعب القرظي قال: كان سالم يؤم المهاجرين بقباء فيهم عمر قبل أن يقدم رسول الله ﷺ (٣).
حنظلة بن أبي سفيان: عن عبد الرحمن بن سابط، عن عائشة قالت: استبطأني رسول الله ذات ليلة فقال: "ما حبسك? " قلت إن في المسجد لأحسن من سمعت صوتًا
стр. 1119
بالقرآن فأخذ رداءه وخرج يسمعه فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة فقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك" إسناده جيد (١).
عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن بن عمر أن المهاجرين نزلوا بالعصبة إلى جنب قباء فأمَّهم سالم مولى أبي حذيفة لأنه كان أكثرهم قرآنًا فيهم عمر وأبو سلمة بن عبد الأسد (٢).
ورواه أسامة بن حفص، عن عبيد الله ولفظه: لما قدم المهاجرين الأولون العصبة قبل مقدم رسول الله ﷺ كان سالم يؤمهم.
وروي، عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: وآخى النبي ﷺ بين سالم مولى أبي حذيفة وبين أبي عبيدة بن الجراح. هذا منقطع.
وجاء من رواية الواقدي: أن محمد بن ثابت بن قيس قال: لما انكشف المسلمون يوم اليمامة قال سالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ فحفر لنفسه حفرة فقام فيها ومعه راية المهاجرين يومئذ ثم قاتل حتى قتل (٣).
وروى عبيد بن أبي الجعد، عن عبد الله بن الهاد أن سالمًا باع ميراثه عمر بن الخطاب فبلغ مائتي درهم فأعطاها أمه فقال: كليها.
وقيل: إن سالمًا وجد هو ومولاه أبو حذيفة رأس أحدهما عند رجلي الآخر صريعين ﵄.
стр. 1120
ومن مناقب سالم:
أخبرنا الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن محمد في كتابه وجماعة قالوا:، أخبرنا حنبل بن عبد الله، أنبأنا هبة الله بن محمد، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا أحمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب قال: من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو من مال الله. فقال سعيد بن زيد: أما إنك لو أشرت برجل من المسلمين لائتمنك الناس وقد فعل ذلك أبو بكر الصديق وائتمنه الناس فقال: قد رأيت من أصحابي حرصًا سيئًا وإني جاعل هذا الأمر إلى هؤلاء النفر الستة. ثم قال: لو أدركني أحد رجلين ثم جعلت إليه الأمر لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح (١).
علي بن زيد ليِّن فإن صح هذا فهو دال على جلالة هذين في نفس عمر وذلك على أنه يجوز الإمامة في غير القرشي والله أعلم.
стр. 1121
شهداء بدر:
عبيدة بن الحارث المطلبي، وعمير بن أبي وقاص الزهري أخو سعد وصفوان بن بيضاء واسم أبيه وهب بن ربيعة الفهري وذو الشمالين عمير بن عبد عمرو الخزاعي وعمير بن الحمام بن الجموح الأنصاري الذي رمى التمرات وقاتل حتى قتل ومعاذ بن عمرو بن الجموح السلمي ومعاذ بن عفراء وأخوه عوف واسم أبيهما الحارث بن رفاعة من بني غنم بن عوف وحارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي الأنصاري جاءه سهم غرب وهو غلام حدث وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "يا أم حارثة! إن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" ويزيد بن الحارث بن قيس الخزرجي وأمه هي فُسحم ويقال له هو فسحم ورافع بن المعلى الزرقي وسعد بن خيثمة الأوسي ومبشر بن عبد المنذر أخو أبي لبابة وعاقل بن البكير بن عبد ياليل الكناني الليثي أحد الأخوة الأربعة البدريين فعدتهم أربعة عشر شهيدًا.
وقتل من المشركين: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وأخوه شيبة، ولهما مئة وأربعون سنة. وأبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، وأمية بن خلف الجمحي، وابنه علي. وعقبة بن أبي معيط ذبح صبرًا وأبو البختري العاص بن هشام الأسدي، والعاص أخو أبي جهل وحنظلة بن أبي سفيان أخو معاوية، وعبيد والعاص ابنا أبي أحيحة والحارث بن عامر النوفلي وطعيمة عم جبير بن مطعم وحارث بن زمعة بن الأسود وأبوه وعمه عقيل ونوفل بن خويلد الأسدي أخو خديجة والنضر بن الحارث قتل صبرًا وعمير بن عثمان عم طلحة بن عبيد الله ومسعود المخزومي أخو أم سلمة وأبو قيس أخو خالد بن الوليد وقيس بن العاد بن المغيرة المخزومي ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر السهمي وولدا منبه حارثة والعاص.
стр. 1122
٢٠ - حمزة بن عبد المطلب (١):
ابن هاشم بن عبد مناف، ابن قصي بن كلاب …
الإمام، البطل، الضرغام، أسد الله أبو عمارة، وأبو يعلى القرشي الهاشمي المكي ثم المدني البدري الشهيد عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة.
قال بن إسحاق: لما أسلم حمزة علمت قريش أن رسول الله ﷺ قد امتنع وأن حمزة سيمنعه فكفوا، عن بعض ما كانوا ينالون منه.
قال أبو إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال لي رسول الله ﷺ : "ناد حمزة" فقلت من هو صاحب الجمل الأحمر? فقال حمزة هو عتبة بن ربيعة فبارز يومئذ حمزة عتبة فقتله.
وروى أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر قال سمع رسول الله ﷺ نساء الأنصار يبكين على هلكاهن، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فجئن فبكين على حمزة عنده، إلى أن قال: "مروهن لا يبكين على هالكٍ بعد اليوم" (٢).
стр. 1123
وفي كتاب "المستدرك" للحاكم: عن جابر مرفوعًا: "سيد الشهداء: حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره، ونهاه، فقتله" (١).
قلت: سنده ضعيف.
الدغولي (٢)، حدثنا أحمد بن سيار، حدثنا رافع بن أشرس، حدثنا خليد الصفار، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب" (٣). هذا غريب.
أسامة بن زيد، عن نافع، عن بن عمر قال رجع رسول الله ﷺ يوم أحد فسمع نساء بني عبد الأشهل يبكين على هلكاهن فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فجئن نساء الأنصار فبكين على حمزة عنده فرقد فاستيقظ وهن يبكين فقال: "يا ويحهن! أهن ههنا حتى الآن مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم" (٤).
ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن الخيار في زمن معاوية غازيين فمررنا بحمص وكان وحشي بها فقال بن عدي هل لك أن نسأل وحشيًا كيف قتل حمزة. فخرجنا نريده فسألنا عنه، فقيل لنا: إنكما ستجدانه بفناء داره، على
стр. 1124
طنفسة له وهو رجل قد غلب عليه الخمر فإن تجداه صاحيًا تجدا رجلًا عربيًا فأتيناه فإذا نحن بشيخ كبير أسود مثل البغاث (١) على طنفسة له وهو صاح فسلمنا عليه فرفع رأسه إلى عبيد الله بن عديٍّ فقال: بن لعدي والله ابن الخيار أنت? قال: نعم …
فقال: والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى وهي على بعيرها فلمعت لي قدماك قلنا إنا أتينا لتحدثنا كيف قتلت حمزة؟ قال سأحدثكما بما حدثت به رسول الله ﷺ كنت عبد جبير بن مطعم وكان عمه طعيمة بن عدي قتل يوم بدر فقال لي إن قتلت حمزة فأنت حر وكنت صاحب حربة أرمي قلما أخطئ بها فخرجت مع الناس فلما التقوا أخذت حربتي وخرجت أنظر حمزة حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق (٢) يهد الناس بسيفه هدًا ما يليق شيئًا فوالله إني لأتهيأ له إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى الخزاعي فلما رآه حمزة قال هلم إلي يابن مقطعة البظور (٣) ثم ضربه حمزة فوالله لكأن ما أخطأ رأسه ما رأيت شيئًا قط كان أسرع من سقوط رأسه فهززت حربتي حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه فوقعت في ثنته (٤) حتى خرجت بين رجليه فوقع فذهب لينوء (٥) فغلب فتركته وإياها حتى إذا مات قمت إليه فأخذت حربتي ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي حاجة بغيره فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة هربت إلى الطائف فلما خرج وفد الطائف ليسلموا ضاقت علي الأرض بما رحبت وقلت ألحق بالشام أو اليمن أو بعض البلاد فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال رجل والله إن يقتل محمد أحدًا دخل في دينه فخرجت حتى قدمت المدينة على رسول الله ﷺ فقال: "وحشي"؟ قلت: نعم قال: "اجلس فحدثني كيف قتلت حمزة" فحدثته كما أحدثكما فقال: "ويحك! غيب عني وجهك فلا أرينك" فكنت أتنكب (٦) رسول الله ﷺ حيث كان حتى قبض.
стр. 1125
فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة، خرجت معهم بحربتي التي قتلت بها حمزة فلما التقى الناس نظرت إلى مسيلمة وفي يده السيف فوالله ما أعرفه وإذا رجل من الأنصار يريده من ناحية أخرى فكلانا يتهيأ له حتى إذا أمكنني دفعت عليه حربتي فوقعت فيه وشد الأنصاري عليه فضربه بالسيف فربك أعلم أينا قتله فإن أنا قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله ﷺ وقتلت شر الناس (١).
وبه، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رجلًا يقول قتله العبد الأسود يعني مسيلمة (٢).
أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس قال: لما كان يوم أحد وقف رسول الله ﷺ على حمزة وقد جدع ومثل به فقال: "لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى يحشره الله من بطون السباع والطير". وكفن في نمرة إذا خمر رأسه بدت رجلاه وإذا خمرت رجلاه بدا رأسه ولم يصل على أحد من الشهداء وقال: "أنا شهيد عليكم" وكان يجمع الثلاثة في قبر والاثنين فيسأل أيهما أكثر قرآنًا فيقدمه في اللحد وكفن الرجلين والثلاثة في ثوب (٣).
ابن عون، عن عمير بن إسحاق، عن سعد بن أبي وقاص قال كان حمزة يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله ﷺ بسيفين ويقول أنا أسد الله (٤).
رواه يونس بن بكير، عن بن عون، عن عمير مرسلًا وزاد فعثر فصرع مستلقيًا وانكشفت الدرع، عن بطنه فزرقه (٥) العبد الحبشي فبقره.