عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: هلك أسيد وترك عليه أربعة آلاف وكانت أرضه تغل في العام ألفًا فأرادوا بيعها فبعث عمر إلى غرمائه هل لكم أن تقبضوا كل عام ألفًا? قالوا: نعم (١).
قال يحيى بن بكير: مات أسيد سنة عشرين وحمله عمر بين العمودين عمودي السرير حتى وضعه بالبقيع (٢) ثم صلى عليه وفيها أرخ موته الواقدي وأبو عبيد وجماعة.
وندم على تخلفه، عن بدر وقال: ظننت أنها العير ولو ظننت أنه غزو ما تخلفت (٣) وقد جرح يوم أحد سبع جراحات.
стр. 1262
٨٠ - الطفيل بن عمرو الدوسي (١):
صاحب النبي ﷺ كان سيدًا مطاعًا من أشراف العرب ودوس بطن من الأزد وكان الطفيل يلقب ذا النور أسلم قبل الهجرة بمكة.
قال هشام بن الكلبي: سمي الطفيل بن عمرو بن طريف ذا النور؛ لأنه قال: يا رسول الله إن دوسًا قد غلب عليهم الزنى فادع الله عليهم قال: "اللهم اهد دوسًا" ثم قال: يا رسول الله ابعث بي إليهم واجعل لي آية فقال: "اللهم نور له" (٢) وذكر الحديث.
стр. 1263
وفي "مغازي يحيى بن سعيد الأموي": حدثنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن الطفيل الدوسي (١).
وذكره ابن إسحاق، عن عثمان بن الحويرث، عن صالح بن كيسان أن الطفيل بن عمرو قال: كنت رجلًا شاعرًا سيدًا في قومي فقدمت مكة فمشيت إلى رجالات قريش فقالوا: إنك امرؤ شاعر سيد وإنا قد خشينا أن يلقاك هذا الرجل فيصيبك ببعض حديثه فإنما حديثه كالسحر فاحذره أن يدخل عليك وعلى قومك ما أدخل علينا فإنه فرق بين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وابنه فوالله ما زالوا يحدثوني شأنه وينهوني أن أسمع منه حتى قلت: والله لا أدخل المسجد إلَّا وأنا ساد أذني قال: فعمدت إلى أذني فحشوتها كرسفًا ثم غدوت إلى المسجد فإذا برسول الله ﷺ قائمًا في المسجد فقمت قريبًا منه وأبى الله إلَّا أن يسمعني بعض قوله فقلت في نفسي: والله إن هذا للعجز وإني امرؤ ثبت ما تخفى علي الأمور حسنها وقبيحها والله لأتسمعن منه فإن كان أمره رشدًا أخذت منه وإلا اجتنبته فنزعت الكرسفة فلم أسمع قط كلامًا أحسن من كلام يتكلم به فقلت: يا سبحان الله! ما سمعت كاليوم لفظًا أحسن ولا أجمل منه فلما انصرف تبعته فدخلت معه بيته فقلت: يا محمد! إن قومك جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا فأخبرته بما قالوا وقد أبى الله إلَّا أن أسمعني منك ما تقول وقد وقع في نفسي أنه حق فاعرض علي دينك، فعرض علي الإسلام فأسلمت ثم قلت: إني أرجع إلى دوس وأنا فيهم مطاع وأدعوهم إلى الإسلام لعل الله أن يهديهم فادع الله أن يجعل لي آية. قال: "اللهم اجعل له آية تعينه" فخرجت حتى أشرفت على ثنية قومي وأبي هناك شيخ كبير وامرأتي وولدي فلما علوت الثنية وضع الله بين عيني نورًا كالشهاب يتراءاه الحاضر في ظلمة الليل وأنا منهبط من الثنية فقلت: اللهم في غير وجهي فإني أخشى أن يظنوا أنها مثلة لفراق دينهم فتحول فوقع في رأس سوطي فلقد رأيتني أسير على بعيري إليهم وأنه على رأس سوطي كأنه قنديل معلق قال: فأتاني أبي فقلت إليك عني فلست منك ولست مني قال: وما ذاك? قلت: إني أسلمت واتبعت دين محمد فقال: أي بني! ديني دينك وكذلك أمي فأسلما ثم دعوت دوسًا إلى الإسلام فأبت علي وتعاصت ثم قدمت على رسول الله ﷺ فقلت: غلب على دوس الزنى والربا فادع عليهم فقال: "اللهم اهد دوسًا" ثم رجعت إليهم، وهاجر رسول الله ﷺ فأقمت بين ظهرانيهم أدعوهم إلى الإسلام، حتى
стр. 1264
استجاب منهم من استجاب وسبقتني بدر وأحد والخندق ثم قدمت بثمانين أو تسعين أهل بيت من دوس فكنت مع النبي ﷺ حتى فتح مكة فقلت: يا رسول! الله ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه قال: "أجل فاخرج إليه" فأتيت فجعلت أوقد عليه النار ثم قدمت على رسول الله ﷺ فأقمت معه حتى قبض ثم خرجت إلى بعث مسيلمة ومعي ابني عمرو حتى إذا كنت ببعض الطريق رأيت رؤيًا رأيت كأن رأسي حلق وخرج من فمي طائر وكأن امرأة أدخلتني في فرجها وكأن ابني يطلبني طلبًا حثيثًا فحيل بيني وبينه فحدثت بها قومي فقالوا خيرًا فقلت: أما أنا فقد أولتها أما حلق رأسي فقطعه وأما الطائر فروحي والمرأة الأرض أدفن فيها فقد روعت أن أقتل شهيدًا وأما طلب ابني إياي فما أراه إلَّا سيعذر في طلب الشهادة ولا أراه يلحق في سفره هذا. قال: فقتل الطفيل يوم اليمامة وجرح ابنه ثم قتل يوم اليرموك بعد.
قلت: وقد عد ولده عمرو في الصحابة وكذا أبوه ينبغي أن يعد في الصحابة فقد أسلم فيما ذكرنا لكن ما بلغنا أنه هاجر ولا رأى النبي ﷺ .
стр. 1265
٨١ - بلال بن رباح (١) " ع":
مولى أبي بكر الصديق. وأمه: حمامة. وهو مؤذن رسول الله ﷺ من السابقين الأولين الذين عذبوا في الله شهد بدرًا وشهد له النبي ﷺ على التعيين بالجنة وحديثه في الكتب.
حدث عنه: ابن عمر وأبو عثمان النهدي والأسود وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجماعة ومناقبه جمة استوفاها الحافظ ابن عساكر وعاش بضعًا وستين سنة يقال: إنه حبشي وقيل: من مولدي الحجاز.
وفي وفاته أقوال: أحدها بداريًا في سنة عشرين.
عاصم، عن زر، عن عبد الله أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وبلال وصهيب والمقداد. فأما النبي ﷺ وأبو بكر فمنعهما الله بقومهما وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في
стр. 1266
الشمس، فما منهم أحد إلَّا وأتاهم على ما أرادوا إلَّا بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد (١). وله إسناد آخر صحيح.
أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ لبلال عند صلاة الصبح: "حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني قد سمعت الليلة خشفة نعليك بين يدي في الجنة" قال: ما عملت عملًا أرجى من أني لم أتطهر طهورًا تامًّا في ساعة من ليل ولا نهار إلَّا صليت لربي ما كتب لي أن أصلي (٢).
حسين بن واقد، حدثنا ابن بريدة سمعت أبي يقول: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالًا فقال: "بم سبقتني إلى الجنة? ما دخلت الجنة قط إلَّا سمعت خشخشتك أمامي إني دخلت الجنة البارحة فسمعت خشخشتك أمامي وأتيت على قصر من ذهب فقلت لمن هذا? قالوا: لعمر" فقال بلال ما أذنت قط إلَّا صليت ركعتين وما أصابني حدث إلَّا توضأت ورأيت أن لله علي ركعتين أركعهما، فقال: "بها" (٣).
حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا: "دخلت الجنة فسمعت خشفة فقلت ما هذه? قيل: بلال" (٤).
стр. 1267
عمارة بن زاذان: عن ثابت، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: "السباق أربعة: أنا سابق العرب وسلمان سابق الفرس وبلال سابق الحبشة وصهيب سابق الروم" (١).
المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أول من أذن بلال (٢) بن المنكدر، عن جبر قال عمر: أبو بكر سيدنا أعتق بلالًا سيدنا (٣).
عمر بن حمزة، عن سالم أن شاعرًا مدح بلال بن عبد الله بن عمر فقال:
وبلال عبد الله خير بلال
فقال ابن عمر: كذبت بل وبلال رسول الله خير بلال.
وفي حديث عمرو بن عبسة، فقلت: من اتبعك قال: "حر وعبد" فإذا معه أبو بكر وبلال (٤).
وفي كنية بلال ثلاثة أقوال: أبو عبد الكريم وأبو عبد الله وأبو عمرو نقلها الحافظ أبو القاسم.
وقال: حدث عنه أبو بكر وعمر وأسامة بن زيد وابن عمر وكعب بن عجرة والصنابحي والأسود وأبو إدريس الخولاني وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى والحكم بن مينا وأبو عثمان النهدي.
قال أيوب بن سيار أحد التلفى: عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن أبي بكر، عن بلال قال رسول الله ﷺ : "أصبحوا بالصبح، فإنه أعظم للأجر" (٥).
стр. 1268
وقال محمد بن سعد: بلال بن عبد الله من مولدي السراة كانت أمه حمامة لبني جمح.
وقال البخاري: بلال أخو خالد وغفرة مؤذن النبي ﷺ مات بالشام وذكر الكنى الثلاثة.
قال عطاء الخراساني: كنت عند ابن المسيب فذكر بلالًا فقال: كان شحيحًا على دينه وكان يعذب في الله فلقي النبي ﷺ فقال: "لو كان عندنا شيء ابتعنا بلالًا" فلقي أبو بكر العباس فقال اشتر لي بلالًا فاشتراه العباس وبعث به إلى أبي بكر فأعتقه.
محمد بن خالد الطحان: أنبأنا أبي، عن داود، عن الشعبي قال: كان موالي بلال يضجعونه على بطنه ويعصرونه ويقولون: دينك اللات والعزى فيقول: ربي الله أحد أحد ولو أعلم كلمة أحفظ لكم منها لقلتها! فمر أبو بكر بهم فقالوا: اشتر أخاك في دينك فاشتراه بأربعين أوقية فأعتقه فقالوا: لو أبى إلَّا أوقية لبعناه فقال: وأقسم بالله لو أبيتم إلَّا بكذا وكذا -لشيء كثير- لاشتريته.
وفي السيرة: أن أبا بكر اشتراه بعبد أسود مشرك من أمية بن خلف.
هشام بن عروة، عن أبيه قال: مر ورقة بن نوفل ببلال وهو يعذب على الإسلام يلصق ظهره بالرمضاء وهو يقول: أحد أحد فقال: يا بلال صبرًا والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا.
هذا مرسل ولم يعش ورقة إلى ذلك الوقت.
هشام، عن ابن سيرين أن بلالًا لما ظهر مواليه على إسلامه مطوه في الشمس وعذبوه وجعلوا يقولون: إلهك اللات والعزى وهو يقول: أحد أحد فبلغ أبا بكر فأتاهم فقال: علام تقتلونه? فإنه غير مطيعكم قالوا: اشتره فاشتراه بسبع أواق فأعتقه.
وأخبر النبي ﷺ فقال: "الشركة يا أبا بكر" قال: قد أعتقته.
стр. 1269
ابن عيينة:، عن إسماعيل، عن قيس قال: اشترى أبو بكر بلالًا وهو مدفون في الحجارة بخمس أواق ذهبًا فقالوا: لو أبيت إلَّا أوقية لبعناكه قال: لو أبيتم إلَّا مئة أوقية لأخذته. إسناده قوي.
إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد قال: كنا مع رسول الله ﷺ ستة نفر فقال المشركون: اطرد هؤلاء عنك فلا يجترؤون علينا وكنت أنا وابن مسعود وبلال ورجل من هذيل وآخران فأنزل الله ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ [الأنعام: ٥٢] الآية (١).
ابن علية: عن يونس، عن الحسن قال رسول الله ﷺ : "بلال سابق الحبشة" (٢).
قالت عائشة: لما قدم النبي ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال فكان أبو بكر إذا أخذته الحمَّى يقول:
كل امرئٍ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتَنَّ ليلةً … بوادٍ وحولي إذخِر وجليل
وهل أرِدَنْ يومًا مياهَ مَجَنة … وهل يبدون لي شامةٌ وطَفيلُ
اللهم العن عتبة وشيبة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء (٣).
الحسن بن صالح: عن أبي ربيعة، عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "اشتاقت الجنة إلى ثلاثة علي وعمار وبلال" (٤).
стр. 1270
أبو ربيعة عمر بن ربيعة الإيادي ضعيف.
حسام بن مِصَك، عن قتادة، عن القاسم بن ربيعة، عن زيد بن أرقم يرفعه: "نِعْمَ المرءُ بلالٌ سيد المؤذنين يوم القيامة والمؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة" (١).
وله طرق أخَرُ ضعيفة. ويروى بإسناد واهٍ من مراسيل كثير بن مرَّة: "يؤتى بلال بناقة من نوق الجنة فيركبها".
بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال رسول الله ﷺ : "سادة السودان: لقمان والنجاشي وبلال ومهجع" (٢).
стр. 1271
رواه معاوية بن صالح، عن الأوزاعي معضلًا (١).
هشام بن عروة، عن أبيه قال: أمر رسول الله ﷺ بلالًا وقت الفتح فأذن فوق الكعبة (٢).
وقال ابن سعد: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار المؤذن، حدثني ابن عمي عبد الله بن محمد وعمار بن حفص وأخوه عمر، عن آبائهم، عن أجدادهم أن النجاشي بعث بثلاث عنزات إلى رسول الله ﷺ فأعطى عليًّا واحدة وعمر واحدة وأمسك واحدة فكان بلال يمشي بها بين يديه في العيدين حتى يأتي المصلى فيركزها بين يديه فيصلي إليها ثم كان يمشي بها بين يدي أبي بكر ثم كان سعد القرظ يمشي بها بين يدي عمر وعثمان.
قالوا: ولما توفي رسول الله ﷺ جاء بلال يريد الجهاد إلى أبي بكر الصديق فقال له: يا خليفة رسول الله! إني سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: "أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله" فقال أبو بكر: فما تشاء يا بلال? قال: أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت.
стр. 1272
قال أبو بكر: أنشدك بالله يا بلال! وحرمتي وحقي فقد كبرت وضعفت واقترب أجلي فأقام معه حتى توفي ثم أتى عمر فرد عليه فأبى بلال فقال: إلى من ترى أن أجعل النداء? قال: إلى سعد فقد أذَّن لرسول الله ﷺ فجعله عمر إلى سعد وعَقِبِه (١).
حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر لما قعد على المنبر يوم الجمعة قال له بلال: أعتقتني لله أو لنفسك? قال: لله قال: فائذن لي في الغزو. فأَذِنَ له فذهب إلى الشام فمات ثَمَّ (٢).
محمد بن نصر المروزي: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن القرشي، حدثنا الوليد بن مسلم أخبرني سعيد بن عبد العزيز وابن جابر وغيرهما أن بلالًا لم يؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ وأراد الجهاد فأراد أبو بكر منعه فقال: إن كنت أعتقتني لله فخل سبيلي. قال: فكان بالشام حتى قدم عمر الجابية فسأل المسلمون عمر أن يسأل لهم بلالًا يؤذن لهم فسأله فأَذَّن يومًا فلم ير يومًا كان أكثر باكيًا من يومئذٍ ذِكرًا منهم للنبي ﷺ . قال الوليد: فنحن نرى أن أذان أهل الشام، عن أذانه يومئذ.
هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قدمنا الشام مع عمر فأذن بلال فذكر الناس النبي ﷺ فلم أر يومًا أكثر باكيًا منه.
أبو أحمد الحاكم (٣): أنبأنا محمد بن الفيض بدمشق، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن
стр. 1273
محمد بن سليمان بن أبي الدرداء، حدثني أبي، عن جدي سليمان، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: لما دخل عمر الشام سأل بلال أن يُقِرَّه به ففعل قال: وأخي أبو رويحة الذي آخى رسول الله ﷺ بيني وبينه فنزل بداريَّا في خولان فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان فقالوا: أنا قد أتيناكم خاطبين وقد كنا كافرين فهدانا الله ومملوكين فأعتقنا الله وفقيرين فأغنانا الله فإن تزوجونا فالحمد لله وإن تردونا فلا حول ولا قوة إلَّا بالله فزوجوهما.
ثم إن بلالًا رأى النبي ﷺ في منامه وهو يقول: "ما هذه الجفوة يا بلال? أما آن لك أن تزورني"؟ فانتبه حزينًا وركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي ﷺ فجعل يبكي عنده ويُمرِّغ وجهه عليه فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما فقالا له: يا بلال! نشتهي أن نسمع أذانك. ففعل وعلا السطح ووقف فلما أن قال: الله أكبر الله أكبر ارتجت المدينة فلما أن قال: أشهد أن لا إله إلَّا الله ازداد رجَّتُها فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول الله خرجت العواتق من خدورهن وقالوا: بُعِثَ رسول الله فما رؤي يومٌ أكثر باكيًا ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله ﷺ من ذلك اليوم.
إسناده لين وهو منكر.
قتيبة: حدثنا الليث، عن يحيى بن سعيد قال: ذكر عمر فضل أبي بكر فجعل يصف مناقبه ثم قال: وهذا سيدنا بلال حسنةٌ من حسناته.
أبو هشام الرفاعي: حدثنا ابن فضيل، حدثنا إسماعيل، عن قيس قال: بلغ بلالًا أن ناسًا يفضلونه على أبي بكر فقال: كيف يفضلوني عليه وإنما أنا حسنة من حسناته.
الواقدي: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول قال: حدثني من رأى بلالًا رجلًا آدم شديد الأدمة نحيفًا طُوالًا أجنأ له شعر كثير وخفيف العارضين به شمط كثير وكان لا يغير (١).
وقيل: كان بلال تِرْبَ أبي بكر.
قال سعيد بن عبد العزيز: لما احتضر بلال قال:
غدًا نلقي الأحبة … محمدًا وحزبه
стр. 1274
قال: تقول امرأته: واويلاه! فقال: وافرحاه!.
قال محمد بن إبراهيم التيمي، وبن إسحاق وأبو عمر الضرير وجماعة: توفي بلال سنة عشرين بدمشق.
قال الواقدي: ودفن بباب الصغير وهو ابن بضع وستين سنة.
وقال علي بن عبد الله التميمي: دفن بباب كيسان.
وقال ابن زيد: حمل من داريا فدفن بباب كيسان وقيل مات سنة إحدى وعشرين.
وقال مروان بن محمد الطاطري: مات بلال في داريا وحُمِلَ فقبر في باب الصغير.
وقال عبد الجبار بن محمد في "تاريخ داريا": سمعت جماعة من خولان يقولون: إن قبره بداريا بمقبرة خولان.
وأما عثمان بن خرزاذ (١) فقال: حدثنا محمد بن أبي أسامة الحلبي، حدثنا أبو سعد الأنصاري، عن علي بن عبد الرحمن: قال: مات بلال بحلب ودفن بباب الأربعين.
جاء عنه أربعة وأربعون حديثًا منها في "الصحيحين" أربعة المتفق عليها واحد.
وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بحديث موقوف.
стр. 1275
٨٢ - ابن أم مكتوم (١):
مختلف في اسمه فأهل المدينة يقولون: عبد الله بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري.
وأما أهل العراق فسموه عمرًا وأمه أم مكتوم: هي عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم بن يقظة المخزومية. من السابقين المهاجرين.
وكان ضريرًا، مؤذنًا لرسول الله ﷺ مع بلال وسعد القرظ، وأبي محذورة مؤذن
стр. 1276
مكة. هاجر بعد وقعة بدر بيسير قاله ابن سعد وقد كان النبي ﷺ يحترمه ويستخلفه على المدينة فيصلي ببقايا الناس.
قال الشعبي: استخلف النبي ﷺ عمرو بن أم مكتوم يؤم الناس وكان ضريرًا وذلك في غزوة تبوك. كذا قال والمحفوظ أن النبي ﷺ إنما استعمل على المدينة عامئذ علي بن أبي طالب.
وقال قتادة: استخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم مرتين على المدينة وكان أعمى.
وروى: مجالد عن الشعبي أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة في غزوة بدر فهذا يبطل ما تقدم ويبطله أيضًا حديث أبي إسحاق، عن البراء قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير ثم أتانا بعده عمرو بن أم مكتوم فقالوا له: ما فعل من وراءك? قال: هم أولاء على أثري.
شعبة: عن أبي إسحاق سمع البراء يقول: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يُقرئان الناس القرآن.
حماد بن سلمة: حدثنا أبو ظلال قال كنت عند أنس فقال: متى ذهبت عينك? قلت: وأنا صغير. فقال: إن جبريل أتى رسول الله ﷺ وعنده ابن أم مكتوم فقال: "متى ذهب بصرك"؟ قال: وأنا غلام فقال: "قال الله تعالى: "إذا أخذت كريمة عبدي لم أجد له جزاءً إلَّا الجنة" (١).
стр. 1277
قالت عائشة: كان ابن أم مكتوم مؤذنًا لرسول الله ﷺ وهو أعمى.
وروى حجاج بن أرطاة، عن شيخ، عن بعض مؤذني رسول الله ﷺ قال: كان بلال يؤذن ويقيم ابن أم مكتوم وربما أَذَّنَ ابن أم مكتوم وأقام بلال. إسناده واه.
وقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" وكان أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (١).
قال عروة: كان النبي ﷺ مع رجال من قريش منهم عتبة بن ربيعة فجاء ابن أم مكتوم يسأل، عن شيء فأعرض عنه فأنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] (٢).
الواقدي: حدثني عبيد الله بن نوح، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة قال: استخلف رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة فكان يجمع بهم ويخطب إلى جنب المنبر يجعله على يساره (٣).
يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن عبد الله بن معقل قال: نزل ابن أم مكتوم على يهودية بالمدينة كانت ترفقه وتؤذيه في النبي ﷺ فتناولها فضربها فقتلها فرفع ذلك إلى
стр. 1278
النبي ﷺ فقال هو: أما والله إن كانت لتَرْفُقُني ولكن آذتني في الله ورسوله. فقال النبي ﷺ : "أبعدها الله قد أَبْطَلْتُ دمها" (١).
أبو إسحاق:، عن البراء قال: لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُون﴾ دعا النبي ﷺ زيدًا وأمره فجاء بكتفٍ وكتبها فجاء بن أم مكتوم فشكا ضرارته فنزلت ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] (٢).
ثابت البناني:، عن بن أبي ليلى أن بن أم مكتوم قال: أي ربِّ! أنزل عذري. فأنزلت "غير أولي الضرر" فكان بعد يغزو ويقول: ادفعو إلي اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفر وأقيموني بين الصفين (٣).
عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن أبيه قال: كنت إلى جانب النبي ﷺ فغشيته السكينة فوقعت فخذه على فخذي فما وجدت شيئًا أثقل منها ثم سُرِّي عنه فقال لي: "اكتب" فكتبت في كتف "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون". فقام عمرو بن أم مكتوم فقال: فكيف بمن لا يستطيع فما انقضى كلامه حتى غشيت رسول الله ﷺ السكينة ثم سري عنه فقال: "اكتب ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ".
قال زيد: أنزلها الله وحدها، فكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع الكتف (٤).
стр. 1279
ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس أن عبد الله بن أم مكتوم يوم القادسية كانت معه راية سوداء عليه درع له.
أبو هلال: عن قتادة، عن أنس: أن عبد الله بن زائدة وهو ابن أم مكتوم كان يقاتل يوم القادسية وعليه درع له حصينة سابغة.
قال الواقدي: شهد القادسية معه الراية ثم رجع إلى المدينة فمات بها ولم نسمع له بذكر بعد عمر.
قلت: ويقال: استشهد يوم القادسية.
حدث عنه: عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسل وأبو رزين الأسدي وغيرهما.
والقادسية: ملحمة كبرى تمت بالعراق وعلى المسلمين سعد بن أبي وقاص وعلى المشركين رستم وذو الحاجب والجالينوس.
قال أبو وائل: كان المسلمون أزيد من سبعة آلاف وكان العدو أربعين وقيل: ستين ألفًا معهم سبعون فيلًا.
قال المدائني: اقتتلوا ثلاثة أيام في آخر شوال سنة خمس عشرة فقُتِلَ رستم وانهزموا.
стр. 1280
٨٣ - خالد بن الوليد (١) " خ، م، د، س، ق":
ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن كعب: سيف الله تعالى وفارس الإسلام وليث المشاهد السيد الإمام الأمير الكبير قائد المجاهدين أبو سليمان القرشي المخزومي المكي وابن أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.
هاجر مسلمًا في صفر، سنة ثمان، ثم سار غازيًا، فشهد غزوة مؤتة واستشهد أمراء رسول الله ﷺ الثلاثة: مولاه زيد وابن عمه جعفر ذو الجناحين وابن رواحة وبقي الجيش بلا أمير فتأمر عليهم في الحال خالد وأخذ الراية وحمل على العدو فكان النصر وسماه النبي ﷺ سيف الله فقال: "إن خالدًا سيف سله الله على المشركين". وشهد الفتح،
стр. 1281
وحنينًا وتأمر في أيام النبي ﷺ واحتبس أدراعه ولأمته في سبيل الله وحارب أهل الردة ومسيلمة وغزا العراق واستظهر ثم اخترق البرية السماوية بحيث إنه قطع المفازة من حدِّ العراق إلى أول الشام في خمس ليال في عسكر معه وشهد حروب الشام ولم يبق في جسده قيد شبر إلَّا وعليه طابعُ الشهداء.
ومناقبه غزيرة، أمره الصديق على سائر أمراء الاجناد وحاصر دمشق فافتتحها هو وأبو عبيدة.
عاش ستين سنة، وقتل جماعة من الأبطال، ومات على فراشه، فلا قرت أعين الجبناء.
توفي بحمص سنة إحدى وعشرين ومشهده على باب حمص، عليه جلالة.
حدث عنه: ابن خالته عبد الله بن عباس وقيس بن أبي حازم والمقدام بن معدي كرب وجبير بن نفير وشقيق بن سلمة وآخرون: له أحاديث قليلة.
مسلم: من طريق ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل أن ابن عباس أخبره أن خالد بن الوليد الذي كان يقال له: سيف الله أخبره أنه دخل على خالته ميمونة مع رسول الله ﷺ فوجد عندها ضبًا محنوذًا قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد فقدمته لرسول الله- ﷺ فرفع يده فقال خالد: أحرام هو يا رسول الله? قال: "لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" فاجتررته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر ولم ينه (١).
هشام بن حسان: عن حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية: أن خالد بن الوليد قال: يا رسول الله إن كائدًا من الجن يكيدني قال: "قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها ومن شر ما يعرج في السماء وما ينزل منها ومن شر كل طارق إلَّا طارقًا يطرق بخير يا رحمن" ففعلت فأذهبه الله عني.
وعن حيان بن أبي جبلة، عن عمرو بن العاص قال: ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد أحدًا في حربه منذ أسلمنا.
يونس بن أبي إسحاق: عن العيزار بن حريث أن خالد بن الوليد أتى على اللات والعزَّى فقال:
стр. 1282
يا عُزُّ كُفرانَكِ لا سبحانك … إني رأيت الله قد أهانك
وروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن السلمي أن خالدًا قال مثله.
قال قتادة: مشى خالد إلى العُزَّى فكسر أنفها بالفأس.
وروى سفيان بن حسين، عن قتادة أن النبي ﷺ بعث خالدًا إلى العُزَّى وكانت لهوازن وسدنتها بنو سليم فقال: "انطلق فإنه يخرج عليك امرأة شديدة السواد لويلة الشعر عظيمة الثديين قصيرة". فقالوا يحرضونها:
يا عُزَّ شُدِّي شدةً لا سِواكِها … على خالد ألقي الخِمارَ وشمِّري
فإنك إن لا تقتلي المرء خالدًا … تبُوئي بذنب عاجل وتُقصِّري
فشد عليها خالد فقتلها وقال: ذهبت العُزَّى فلا عُزى بعد اليوم.
الزهري: عن عبد الرحمن بن أزهر: رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين يتخلل الناس يسأل عن رحل خالد فدل عليه فنظر إلى جرحه وحسبت أنه نفث فيه (١).
وقال ابن عمر: بعث النبي ﷺ خالدًا إلى بني جذيمة فقتل وأسر فرفع النبي ﷺ يديه وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" (٢) مرتين.
الواقدي، عن رجل، عن إياس بن سلمة، عن أبيه قال: لما قدم خالد بعد صنيعه ببني جذيمة عاب عليه ابن عوف ما صنع وقال: أخذت بأمر الجاهلية قتلتهم بعمِّك الفاكه قاتلك الله.
قال: وأعابه عمر فقال خالد: أخذتهم بقتل أبيك فقال عبد الرحمن: كذبت لقد قتلت قاتل أبي بيدي ولو لم أقتله لكنت تقتل قومًا مسلمين بأبي في الجاهلية قال: ومن أخبرك أنهم أسلموا? فقال: أهل السرية كلهم. قال: جائني رسول الله ﷺ أن أغير
стр. 1283
عليهم فأغرت قال: كذبت على رسول الله وأعرض رسول الله ﷺ عن خالد وغضب وقال: "يا خالد ذروا لي أصحابي متى يُنكأ إلفُ المرء يُنكأ المرء" (١).
الوقدي: حدثنا يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن أهله، عن أبي قتادة قال: لما نادى خالد في السَّحَر: من كان معه أسير فليُدافَّه أرسلت أسيري وقلت لخالد: اتق الله فإنك ميت وإن هؤلاء قوم مسلمون قال: إنه لا علم لك بهؤلاء.
إسناده فيه الواقدي ولخالد اجتهاده ولذلك ما طالبه النبي ﷺ بدياتهم.
الواقدي: حدثنا يوسف بن يعقوب بن عتبة، عن عثمان الاخنسي، عن عبد الملك بن أبي بكر قال: بعث النبي ﷺ خالدًا إلى الحارث بن كعب أميرًا وداعيًا وخرج مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فلما حلق رأسه أعطاه ناصيته فعملت في مقدمة قلنسوة خالد فكان لا يلقى عدوًا إلَّا هزمه.
وأخبرني من غسله بحمص، ونظر إلى ما تحت ثيابه قال: ما فيه مُصحّ ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم.
الوليد بن مسلم: حدثنا وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جده وحشي: أن أبا بكر عقد لخالد على قتال أهل الردة وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين" (٢).
رواه أحمد في "مسنده".
стр. 1284
هشام بن عروة: عن أبيه قال: كان في بني سليم ردَّة فبعث أبو بكر إليهم خالد بن الوليد فجمع رجالًا منهم في الحظائر ثم أحرقهم فقال عمر لأبي بكر: أتدع رجلًا يعذِّب بعذاب الله? قال: والله لا أشيم (١) سيفًا سلَّه الله على عدوه ثم أمره فمضى إلى مسيلمة (٢).
ضمرة بن ربيعة: أخبرني السيباني (٣)، عن أبي العجماء -وإنما هو أبو العجفاء- السلمي قال: قيل لعمر: لو عهدت يا أمير المؤمنين قال: لو أدركت أبا عبيدة ثم وليته ثم قدمت على ربي فقال لي: لم استخلفته? لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول: "لكل أمة أمين وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة" ولو أدركت خالد بن الوليد ثم وليته فقدمت على
стр. 1285
ربي، لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول: "خالد سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين" (١). ورواه الشاشي (٢) في مسنده.
أحمد في "المسند": حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير قال: استعمل عمر أبا عبيدة على الشام وعزل خالدًا فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خالد سيف من سيوف الله نعم فتى العشيرة" (٣).
حميد بن هلال، عن أنس: نعى النبي ﷺ أمراء يوم مؤتة فقال: "أصيبوا جميعًا ثم أخذ الراية بعد سيفٌ من سيوف الله خالد" وجعل يحدث الناس وعيناه تذرفان (٤).
إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال رسول الله ﷺ : "إنما خالد سيف من سيوف الله صبه على الكفار" (٥).
أبو إسماعيل المؤدب: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن ابن أبي أوفى مرفوعًا بمعناه (٦). وجاء من طرق، عن أبي هريرة نحوه.
أبو المسكين الطائي: حدثنا عمران بن زحر، حدثني حميد بن منيب قال: جدي أوس لم يكن أحد أعدى للعرب من هرمز فلما فرغنا من مسيلمة أتينا ناحية البصرة فلقينا هرمز
стр. 1286
بكاظمة فبارزه خالد فقتله فنفله الصِّديق سَلَبَه فبلغت قلنسوته مئة ألف درهم وكانت الفرس من عَظُمَ فيهم جعلت قلنسوته بمئة ألف.
قال أبو وائل: كتب خالد إلى الفرس: إن معي جندًا يحبون القتل كما تُحِبُّ فارس الخمر.
هشيم: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه أن خالد بن الوليد فقد قلنسوةً له يوم اليرموك فقال: اطلبوها. فلم يجدوها. ثم وجدت فإذا هي قلنسوة خلقة. فقال خالد: اعتمر رسول الله ﷺ فحلق رأسه فابتدر الناس شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالًا وهي معي إلَّا رزقت النصر.
ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث: أخبرني الثقة أن الناس يوم حلق رسول الله ﷺ ابتدروا شعره فبدرهم خالد إلى ناصيته فجعلها في قلنسوته.
ابن أبي خالد، عن قيس سمعت خالدًا يقول: لقد رأيتني يوم مؤتة اندق في يدي تسعة أسياف فصبرت في يدي صفيحةٌ يمانية.
ابن عيينة، عن ابن أبي خالد، عن مولى لآل خالد بن الوليد أن خالدًا قال: ما من ليلة يُهدى إليَّ فيها عروس أنا لها محبٌّ أحبّ إلي من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد في سرية أصبح فيها العدو.
يونس بن أبي إسحاق: عن العيزار بن حُريث قال: قال خالد: ما أدري من أَيِّ يوميَّ أَفِرُّ: يوم أراد الله أن يهدي لي فيه شهادةً أو يوم أراد الله أن يُهدي لي فيه كرامة.
قال قيس بن أبي حازم: سمعت خالدًا يقول منعني الجهاد كثيرًا من القراءة ورأيته أُتي بِسُمٍ فقالوا: ما هذا? قالوا: سُمٌّ قال: باسم الله وشربه. قلت: هذه والله الكرامة وهذه الشجاعة.
يونس بن أبي إسحاق: عن أبي السفر قال: نزل خالد بن الوليد الحيرة على أم بني المرازبة فقالوا: احذر السُّم لا تسقك الأعاجم فقال: ائتوني به فأتي به فاقتحمه وقال: باسم الله فلم يَضُرَّه.
أبو بكر بن عياش: عن الأعمش، عن خيثمة قال أُتي خالد بن الوليد برجل معه زقُّ خمر فقال: اللهم اجعله عسلًا فصار عسلًا.
стр. 1287
رواه يحيى بن آدم، عن أبي بكر وقال: خلا بدل العسل وهذا أشبه ويرويه عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار مرسلًا.
ابن أبي خالد: عن قيس قال: طلَّق خالد بن الوليد امرأة فكلموه فقال: لم يُصبها عندي مصيبة ولا بلاء ولا مرض فرابني ذلك منها.
المدائني: عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: قدم أبو قتادة على أبي بكر فأخبره بقتل مالك بن نويرة وأصحابه فجزع وكتب إلى خالد فقدم عليه فقال أبو بكر: هل تزيدون على أن يكون تأوَّل فأخطأ? ثم رده وودى مالكًا وردَّ السبي والمال.
وعن ابن إسحاق قال: دخل خالد على أبي بكر فأخبره واعتذر فعذره.
قال سيف في "الردة": عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: شهد قوم من السرية أنهم أَذَّنوا وأقاموا وصلوا ففعلوا مثل ذلك وشهد آخرون بنفي ذلك فقتلوا. وقدم أخوه مُتَّمم بن نويرة ينشد الصديق دمه ويطلب السبي فكتب إليه برد السبي وألح عليه عمر في أن يعزل خالدًا وقال: إن في سيفه رهقًا فقال: لا يا عمر لم أكن لأشيم سيفًا سلَّه الله على الكافرين.
سيف، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير وغيره أن خالدًا بث السرايا فأُتي بمالك. فاختلف قول الناس فيهم وفي إسلامهم وجاءت أم تميم كاشفة وجهها فأكبت على مالك وكانت أجمل الناس فقال لها: إليك عني فقد والله قتلتني. فأمر بهم خالد فضُرِبَتْ أعناقهم. فقام أبو قتادة فناشده فيهم فلم يلتفت إليه فركب أبو قتادة فرسه ولحق بأبي بكر وحلف: لا أسير في جيش وهو تحت لواء خالد. وقال: ترك قولي وأخذ بشهادة الاعراب الذين فتنتهم الغنائم.
ابن سعد: أنبأنا محمد بن عمر، حدثني عتبة بن جبيرة، عن عاصم بن عمر بن قتادة. قال: وحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، وحدثنا أسامة بن زيد، عن الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي في حديث الردة: فأوقع بهم خالد وقتل مالكًا ثم أوقع بأهل بزاخة وحرقهم لكونه بلغه عنهم مقالة سيئة شتموا النبي ﷺ ومضى إلى اليمامة فقتل مسيلمة إلى أن قال: وقدم خالد المدينة بالسبي ومعه سبعة عشر من وفد بني حنيفة فدخل المسجد وعليه قباء عليه صدأ الحديد متقلدًا السيف في عمامته أسهم. فمر بعمر فلم يكلمه ودخل على أبي بكر فرأى منه كل ما يحب وعلم عمر فأمسك. وإنما وجد عمر عليه لقتله مالك بن نويرة وتزوج بامرأته.
стр. 1288
جويرية بنت أسماء: قال: كان خالد بن الوليد من أمدّ الناس بصرًا فرأى راكبًا وإذا هو قد قدم بموت الصديق وبعزل خالد.
قال ابن عون: ولي عمر فقال: لأنزعنَّ خالدًا حتى يعلم أن الله إنما ينصر دينه يعني بغير خالد.
وقال هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما استخلف عمر كتب إلى أبي عبيدة إني قد استعملتك وعزلت خالدًا.
وقال خليفة: ولَّى عمر أبا عبيدة على الشام فاستعمل يزيد على فلسطين وشُرحبيل بن حسنة على الاردن وخالد بن الوليد على دمشق وحبيب بن مسلمة على حمص.
الزبير بن بكار: حدثني محمد بن مسلمة، عن مالك قال: قال عمر لأبي بكر: اكتب إلى خالد: إلَّا يعطي شاةً ولا بعيرًا إلَّا بأمرك فكتب أبو بكر بذلك قال: فكتب إليه خالد إما أن تدعني وعملي وإلا فشأنك بعملك فأشار عمر بعزله فقال: ومن يُجزئ عنه? قال عمر: أنا، قال: فأنت.
قال مالك: قال زيد بن أسلم: فتجهز عمر حتى أُنيخت الظَّهرُ في الدار. وحضر الخروج فمشى جماعة إلى أبي بكر فقالوا: ما شأنك تُخرِجُ عمر من المدينة وأنت إليه محتاج وعزلت خالدًا وقد كفاك? قال: فما أصنعُ قالوا: تَعزِمُ على عمر ليجلس وتكتب إلى خالد فيقيم على عمله ففعل.
هشام بن سعد: عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال عمر لأبي بكر: تدع خالدًا بالشام ينفق مال الله? قال: فلما توفي أبو بكر قال أسلم: سمعت عمر يقول: كذبتُ الله إن كنت أمرت أبا بكر بشيء لا أفعله فكتب إلى خالد فكتب خالد إليه: لا حاجة لي بعملك. فولى أبا عبيدة.
الحارث بن يزيد: عن علي بن رباح، عن ناشرة اليزني: سمعت عمر بالجابية واعتذر من عزل خالد قال: وأمرت أبا عبيدة فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: والله ما أعذرت نزعت عاملًا استعمله رسول الله ﷺ ووضعت لواءً رفعه رسول الله ﷺ قال: إنك قريبُ القرابةِ حديث السن مغضبٌ في ابن عمك.
ومن كتاب سيف، عن رجاله قال: كان عمر لا يخفى عليه شيء من عمله وإن خالدًا أجاز الأشعث بعشرة آلاف فدعا البريد وكتب إلى أبي عبيدة أن تقيم خالدًا وتعقله
стр. 1289
بعمامته وتنزع قلنسوته حتى يُعلِمَكم من أين أجاز الأشعث? أَمِنْ مال الله أم من ماله? فإن زعم أنه من إصابة أصابها فقد أقر بخيانة وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف واعزله على كل حال واضمم إليك عمله. ففعل ذلك فقدم خالد على عمر فشكاه وقال: لقد شكوتك إلى المسلمين وبالله يا عمر إنك في أمري غير مُجمل فقال عمر: من أين هذا الثراء? قال: من الانفال والسُّهمان ما زاد على الستين ألفًا فلك تقوِّم عروضه قال: فخرجت عليه عشرون ألفًا فأدخلها بيت المال. ثم قال: يا خالد والله إنك لكريم عليَّ وإنك لحبيب إليَّ ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء.
وعن زيد بن أسلم، عن أبيه: عزل عمر خالدًا فلم يعلمه أبو عبيدة حتى علم من الغير. فقال: يرحمك الله ما دعاك إلى أن لا تعلمني? قال: كرهت أن أروعك.
جويرية بن أسماء: عن نافع قال: قدم خالد من الشام وفي عمامته أسهمٌ ملطخةٌ بالدم فنهاه عمر.
الأصمعي: عن ابن عون، عن ابن سيرين أن خالد بن الوليد دخل وعليه قميص حرير فقال عمر: ما هذا? قال: وما بأسه! قد لبسه ابن عوف.
قال: وأنت مثله?! عزمت على من في البيت إلَّا أخذ كل واحد منه قطعة فمزقوه.
روى عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل أظن قال: لما حضرت خالدًا الوفاة قال: لقد طلبت القتل مظانَّه فلم يقدر لي إلَّا أن أموت على فراشي. وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتُّها وأنا متترس والسماء تهلني ننتظر الصبح حتى نُغير على الكفار. ثم قال: إذا متُّ فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله. فلما توفي خرج عمر على جنازته فذكر قوله: ما على آل الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقعًا أو لقلقةً.
النقع: التراب على الرءوس واللقلقة: الصراخ.
ويروى بإسناد ساقط أن عمر خرج في جنازة خالد بالمدينة وإذا امه تندبه وتقول:
أنت خير من ألفَ ألفٍ من القو … م إذا ما كُبَّتْ وجوه الرجال
فقال عمر: صدقت إن كان لكذلك.
الواقدي: حدثنا عمرو بن عبد الله بن عنبسة سمعت محمد بن عبد الله الديباج يقول: لم يزل خالد مع أبي عبيدة حتى توفي أبو عبيدة واستخلف عياض بن غنم. فلم يزل خالد
стр. 1290
مع عياض حتى مات. فانعزل خالد إلى حمص فكان ثمَّ وحبَّس خيلًا وسلاحًا فلم يزل مرابطًا بحمص حتى نزل به فعاده أبو الدرداء فذكر له أن خيله التي حُبست بالثغر تُعلف من مالي وداري بالمدينة صدقة وقد كنتُ أشهدتُ عليها عمر. والله يا أبا الدرداء لئن مات عمر لترين أمورًا تنكرها.
وروى إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمِّه موسى قال: خرجت مع أبي طلحة إلى مكة مع عمر فبينا نحن نحطُّ، عن رواحلنا إذ أتى الخبرُ بوفاة خالد فصاح عمر: يا أبا محمد يا طلحة هلك أبو سليمان هلك خالد بن الوليد. فقال طلحة:
لا أعرفنَّكَ بعد الموت تندبني … وفي حياتى ما زودتني زادا
وعن أبي الزناد: أن خالد بن الوليد لما احتضر بكى وقال: لقيت كذا وكذا زحفًا وما في جسدي شبر إلَّا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير فلا نامت أعينُ الجبناء.
قال مصعب بن عبد الله: لم يزل خالد بالشام حتى عزله عمر. وهلك بالشام وولي عمر وصيته.
وقال ابن أبي الزناد: مات بحمص سنة إحدى وعشرين وكان قدم قبل ذلك معتمرًا ورجع.
الواقدي: حدثنا عمر بن عبد الله بن رياح، عن خالد بن رياح سمع ثعلبة بن أبي مالك يقول: رأيت عمر بقباء وإذا حجاج من الشام قال: من القوم قالوا: من اليمن ممن نزل حمص ويوم رحلنا منها مات خالد بن الوليد فاسترجع عمر مرارًا ونكس وأكثر الترحم عليه وقال: كان والله سدادًا لنحر العدو ميمون النقيبة. فقال له علي: فلم عزلته قال: عزلته لبذله المال لأهل الشرف وذوي اللسان قال: فكنت عزلته، عن المال وتتركه على الجند قال: لم يكن ليرضى قال: فهلَّا بلوته.
وروى جويرية:، عن نافع قال: لما مات خالد لم يدع إلَّا فرسه وسلاحه وغلامه فقال عمر: رحم الله أبا سليمان كان على ما ظنناه به.
الأعمش، عن أبي وائل قال: اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكينه فقال عمر: ما عليهن أن يرقن من دموعهن ما لم يكن نقعًا أو لقلقة.
قال محمد بن عبد الله بن نمير وإبراهيم بن المنذر وأبو عبيد:
مات خالد بحمص سنة إحدى وعشرين.
وقال دُحَيْم: مات بالمدينة.
قلت: الصحيح موته بحمص وله مشهد يزار. وله في الصحيحين حديثان وفي مسند بقي واحد وسبعون.
стр. 1291
٨٤ - صفوان ابن بيضاء (١):
وهي أمه اسمها دعد بنت جحدم الفهرية وأبوه هو وهب بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك.
أبو عمرو القرشي من المهاجرين شهد بدرًا.
فروى الواقدي، عن محرز بن جعفر، عن جعفر بن عمرو قال: قتل صفوان بن بيضاء طعيمة بن عدي ثم قال الواقدي: هذه رواية وقد روي لنا أن صفوان بن بيضاء لم يقتل يوم بدر وأنه شهد المشاهد وتوفي في رمضان سنة ثمان وثلاثين ولم يعقب.
стр. 1292
٨٥ - أخوه سهيل ابن بيضاء الفهري (١):
من المهاجرين يكنى: أبا موسى هاجر الهجرتين إلى الحبشة في رواية ابن إسحاق والواقدي.
وعن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: لما هاجر سهيل وصفوان ابنا بيضاء من مكة نزلا على كلثوم بن الهدم.
قال ابن سعد: قالوا وشهد سهيل بدرًا وهو ابن أربع وثلاثين سنة وشهد أحدًا إلى أن قال ومات بعد رجوع رسول الله ﷺ من تبوك بالمدينة سنة تسع ولم يعقب.
قلت: وهو الذي صلى عليه النبي ﷺ في المسجد ولهما أخ اسمه سهل بن بيضاء الفهري، وشهد بدرًا، وشهد أحدًا.
стр. 1293
٨٦ - المقداد بن عمرو (١):
صاحب رسول الله ﷺ وأحد السابقين الأولين. وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة القضاعي الكندي البهراني.
ويقال له: المقداد بن الأسود؛ لأنه ربي في حجر الأسود بن عبد يغوث الزهري فتبناه وقيل بل كان عبدًا له أسود اللون فتبناه ويقال: بل أصاب دمًا في كندة فهرب إلى مكة وحالف الأسود.
شهد بدرًا والمشاهد، وثبت أنه كان يوم بدر فارسًا واختلف يومئذ في الزبير.
له جماعة أحاديث.
حدث عنه: علي، وابن مسعود وابن عباس وجبير بن نفير وابن أبي ليلى وهمام بن الحارث وعبيد الله بن عدي بن الخيار وجماعة.
وقيل: كان آدم طوالًا ذا بطن أشعر الرأس أعين مقرون الحاجبين مهيبًا عاش نحوًا من سبعين سنة مات في سنة ثلاث وثلاثين وصلى عليه عثمان بن عفان وقبره بالبقيع ﵁.
حديثه في "الستة" له حديث في الصحيحين وانفرد له مسلم بأربعة أحاديث.
أخبرنا إسحاق الأسدي، أنبأنا ابن خليل، أنبأنا اللبان، أنبأنا أبو علي الحداد، أنبأنا أبو نعيم، أنبأنا أحمد بن المسندي، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا عباس بن الوليد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا بن عون، عن عمير بن إسحاق، عن المقداد بن الأسود قال استعملني رسول الله ﷺ على عمل فلما رجعت قال: "كيف وجدت الإمارة"؟ قلت: يا رسول الله! ما ظننت إلَّا أن الناس كلهم خول لي والله لا ألي على عمل ما دمت حيًّا.
بقية: حدثنا حريز بن عثمان، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، حدثني أبو راشد الحبراني قال: وافيت المقداد فارس رسول الله ﷺ بحمص على تابوت من توابيت الصيارفة قد أفضل عليها من عظمه يريد الغزو فقلت له: قد أعذر الله إليك. فقال: أبت علينا سورة البحوث ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١].
стр. 1294
يحيى الحماني: حدثنا ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد يومًا فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت فاستمعت فجعلت أعجب ما قال إلَّا خيرًا ثم أقبل عليه فقال: ما يحمل أحدكم على أن يتمنى محضرًا غيبه الله عنه لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقوام كبهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه أولا تحمدون الله لا تعرفون إلَّا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم وقد كفيتم البلاء بغيركم? والله لقد بعث النبي ﷺ على أشد حال بعث عليه نبي في فترة وجاهلية ما يرون دينًا أفضل من عبادة الأوثان فجاء بفرقان حتى إن الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافرًا وقد فتح الله قفل قبله للإيمان ليعلم أنه قد هلك من دخل النار فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه في النار وأنها للتي قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن﴾ [الفرقان: ٧٤].
وفي "مسند أحمد" لبريدة: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بحب أربعةٍ: علي وأبي ذر وسلمان والمقداد".
وعن كريمة بنت المقداد أن المقداد أوصى للحسن والحسين بستة وثلاثين ألفًا ولأمهات المؤمنين لكل واحدة بسبعة آلاف درهم وقيل: إنه شرب دهن الخروع فمات.
стр. 1295
٨٧ - أُبُّي بن كعب (١): " ع"
ابن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار.
سيد القراء أبو منذر الأنصاري النجاري المدني المقرئ البدري ويكنى أيضًا أبا الطفيل.
شهد العقبة وبدرًا وجمع القرآن في حياة النبي ﷺ وعرض على النبي ﵇ وحفظ عنه علمًا مباركًا وكان رأسًا في العلم والعمل ﵁.
حدث عنه: بنوه محمد، والطفيل، وعبد الله، وأنس بن مالك، وابن عباس، وسويد بن غفلة، وزر بن حبيش، وأبو العالية الرياحي، وأبو عثمان النهدي، وسليمان بن صرد،
стр. 1296
وسهل بن سعد، وأبو إدريس الخولاني وعبد الله بن الحارث بن نوفل وعبد الرحمن بن أبزى وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبيد بن عمير وعتي السعدي وابن الحوتكية وسعيد بن المسيب وكأنه مرسل وآخرون.
فعن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، قال: كان أبي رجلًا دحداحًا يعني ربعةً ليس بالطويل ولا بالقصير.
وعن بن عباس بن سهل، قال: كان أبي أبيض الرأس واللحية وقال أنس قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن" وفي لفظ: "أمرني أن أقرئك القرآن". قال: الله سماني لك? قال: "نعم". قال وذكرت عند رب العالمين? قال: "نعم" فذرفت عيناه (١).
ولما سأل النبي ﷺ أُبيًّا عن: "أي آية في القرآن أعظم"؟ فقال أبي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ضرب النبي ﷺ في صدره وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر" (٢).
قال أنس بن مالك: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد أحد عمومتي (٣).
وقال ابن عباس: قال أبي لعمر بن الخطاب: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه من جبريل ﵇ وهو رطب.
وقال ابن عباس: قال عمر: أقضانا علي وأقرأنا أُبي وإنا لندع من قراءة أُبي وهو يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ وقد قال الله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] (٤).
стр. 1297
وروى أبو قلابة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أقرأ أمتي أُبي".
وعن أبي سعيد قال: قال أُبي: يا رسول الله ﷺ ما جزاء الحمى? قال: "تجري الحسنات على صاحبها". فقال: اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجًا في سبيلك فلم يمس أبي قط إلَّا وبه الحمى.
قلت: ملازمة الحمى له حرفت خلقه يسيرًا ومن ثم يقول زر بن حبيش كان أُبي فيه شراسة.
قال أبو نضرة العبدي: قال رجل منا يقال له جابر أو جويبر: طلبت حاجة إلى عمر وإلى جنبه رجل أبيض الثياب والشعر فقال: إن الدنيا فيها بلاغنا وزادنا إلى الآخرة وفيها أعمالنا التي نجزى بها في الآخرة فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين? قال: هذا سيد المسلمين أُبي بن كعب.
قال مغيرة بن مسلم: عن الربيع، عن أنس، عن أبي العالية قال: قال رجل لأبي بن كعب: أوصني قال: اتخذ كتاب الله إمامًا وارض به قاضيًا وحكمًا فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم شفيع مطاع وشاهد لا يتهم فيه ذكركم وذكر من قبلكم وحكم ما بينكم وخبركم وخبر ما بعدكم.
الثوري: وأبو جعفر الرازي واللفظ له، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال: هن أربع كلهن عذاب وكلهن واقع لا محالة فمضت اثنتان بعد رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة فألبسوا شيعًا وذاق بعضهم بأس بعض وبقي اثنتان واقعتان لا محالة الخسف والرجم.
أخبرنا إسحاق الأسدي، أنبأنا يوسف الحافظ، أنبأنا أحمد بن محمد، أنبأنا أبو علي المقرئ، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب، حدثنا إبراهيم بن سعدان، حدثنا بكر بن بكار، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، حدثني أبي، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: كنت واقفًا مع أُبي بن كعب في ظل أطم حسان والسوق سوق الفاكهة اليوم فقال أُبي: إلَّا ترى الناس مختلفةً أعناقهم في طلب الدنيا? قلت: بلى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يوشك أن يحسر الفرات، عن جبل من ذهب، فإذا سمع به
стр. 1298
الناس ساروا إليه فيقول من عنده لئن تركنا الناس يأخذون منه لا يدعون منه شيئًا فيقتل الناس من كل مئة تسعة وتسعون" (١).
أخرجه مسلم من طريق عبد الحميد وله إسناد آخر وهو الزبيدي، عن الزهري، عن إسحاق مولى المغيرة، عن أُبي.
أبو صالح الكاتب: حدثنا موسى بن علي، عن أبيه أن عمر خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل، عن القرآن فليأت أُبي بن كعب ومن أراد أن يسأل، عن الفرائض فليأت زيدًا ومن أراد أن يسأل، عن الفقه فليأت معاذًا ومن أراد أن يسأل، عن المال فليأتني فإن الله جعلني خازنًا وقاسمًا.
ورواه الواقدي، عن موسى أيضًا.
أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر قال: أتيت المدينة فأتيت أُبيًا فقلت: يرحمك الله اخفض لي جناحك -وكان امرأ فيه شراسة- فسألته، عن ليلة القدر فقال: ليلة سبع وعشرين.
سفيان الثوري: عن أسلم المنقري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: قال أُبي بن كعب: قال لي رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقرأ عليك القرآن" قلت: يا رسول الله! وسميت لك? قال: "نعم" قلت لأبي: فرحت بذلك? قال: وما يمنعني وهو تعالى يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨].
تابعه: الأجلح، عن عبد الله، عن أبيه.
محمد بن عيسى بن الطباع: حدثنا معاذ بن محمد بن محمد بن أبي بن كعب، عن أبيه، عن جده، عن أبي قال رسول الله ﷺ : "يا أبا المنذر إني أمرت أن أعرض عليك القرآن" فقلت: بالله آمنت وعلى يدك أسلمت ومنك تعلمت فرد القول فقلت: يا رسول الله! وذكرت هناك? قال: "نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى" قلت: اقرأ إذن يا رسول الله.
وقد رواه أبو حاتم الرازي، عن بن الطباع فقال، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن أُبي.
стр. 1299
سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود وأبي ومعاذ وسالم مولى أبي حذيفة" (١).
وأخرج أبو داود من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة فلبس عليه فلما انصرف قال لأُبي: "أصليت معنا"؟ قال: نعم قال: "فما منعك"؟.
شعبة: عن أبي جمرة (٢)، حدثنا إياس بن قتادة، عن قيس بن عباد قال: أتيت المدينة للقاء أصحاب محمد ﷺ ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلي من أبي فأقيمت الصلاة وخرج فقمت في الصف الأول فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري فنحاني وقام في مقامي فما عقلت صلاتي فلما صلى قال: يا بني! لا يسوءك الله فإني لم آت الذي أتيت بجهالة ولكن رسول الله ﷺ قال لنا: "كونوا في الصف الذي يليني" وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك وإذا هو أُبي ﵁.
الدارمي: حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا عكرمة بن إبراهيم، أخبرنا يزيد بن شداد، حدثني معاوية بن قرة، حدثني عتبة بن عبد الله بن عمرو بن العاص، حدثني أبي، عن جدي قال: كنت عند رسول الله ﷺ في يوم عيد فقال: "ادعوا لي سيد الأنصار" فدعوا أُبي بن كعب فقال: "يا أُبي! ائت بقيع المصلى فأمر بكنسه" الحديث.
الوليد بن مسلم: حدثنا عبد الله بن العلاء، عن عطية بن قيس، عن أبي إدريس الخولاني أن أبا الدرداء ركب إلى المدينة في نفر من أهل دمشق فقرؤوا يومًا على عمر ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّة﴾ [الفتح: ٢٦]، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام فقال عمر: من أقرأكم هذا? قالوا: أُبي بن كعب فدعا به فلما أتى قال: اقرءوا فقرءوا كذلك فقال أبي: والله يا عمر إنك لتعلم أني كنت أحضر ويغيبون وأدنى ويحجبون ويصنع بي ويصنع بي ووالله لئن أحببت لألزمن بيتي فلا أحدث شيئًا ولا أقرئ أحدًا حتى أموت. فقال عمر: اللهم غفرًا! إنا لنعلم أن الله قد جعل عندك علمًا فعلم الناس ما علمت.
ابن عيينة: عن عمرو، عن بجالة -أو غيره- قال: مر عمر بن الخطاب بغلام يقرأ في
стр. 1300
المصحف ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم﴾ [الأحزاب: ٦]، "وهو أب لهم" فقال: يا غلام حكها، قال: هذا مصحف أُبي فذهب إليه فسأله فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق.
عوف: عن الحسن، حدثني عُتَى بن ضمرة قال: رأيت أهل المدينة يموجون في سككهم فقلت: ما شأن هؤلاء? فقال بعضهم: ما أنت من أهل البلد? قلت: لا، قال: فإنه قد مات اليوم سيد المسلمين أُبي بن كعب.
أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن أُبي قال: إنا لنقرؤه في ثمان ليال -يعني القرآن.
سلام بن مسكين، حدثنا عمران بن عبد الله قال أُبي بن كعب لعمر بن الخطاب: ما لك لا تستعملني? قال: أكره أن يدنس دينك.
الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال عمر: اخرجوا بنا إلى أرض قومنا فكنت في مؤخر الناس مع أُبي بن كعب فهاجت سحابة فقال: اللهم اصرف عنا أذاها، قال: فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم فقال عمر: ما أصابكم الذي أصابنا؟ قلت: إن أبا المنذر قال: اللهم اصرف عنا أذاها، قال: فهلا دعوتم لنا معكم.
قال معمر: عامة علم ابن عباس من ثلاثة عمر، وعلي، وأُبي.
قال مسروق: سألت أُبيًّا، عن شيء فقال: أكان بعد? قلت: لا، قال: فاحمنا حتى يكون فإذا كان اجتهدنا لك رأينا.
الجريري: عن أبي نضرة قال: قال رجل منا يقال له: جابر أو جويبر قال: أتيت عمر وقد أعطيت منطقًا فأخذت في الدنيا فصغرتها فتركتها لا تسوى شيئًا وإلى جنبه رجل أبيض الرأس واللحية والثياب فقال: كل قولك مقارب إلَّا وقوعك في الدنيا هل تدري ما الدنيا? فيها بلاغنا -أو قال زادنا- إلى الآخرة وفيها أعمالنا التي نجزى بها قلت: من هذا يا أمير المؤمنين? قال: هذا سيد المسلمين أُبي بن كعب.
أصرم بن حوشب (١)، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان أُبي صاحب عبادة فلما احتاج الناس إليه ترك العبادة وجلس للقوم.