وسهل بن سعد، وأبو إدريس الخولاني وعبد الله بن الحارث بن نوفل وعبد الرحمن بن أبزى وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبيد بن عمير وعتي السعدي وابن الحوتكية وسعيد بن المسيب وكأنه مرسل وآخرون.
فعن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، قال: كان أبي رجلًا دحداحًا يعني ربعةً ليس بالطويل ولا بالقصير.
وعن بن عباس بن سهل، قال: كان أبي أبيض الرأس واللحية وقال أنس قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن" وفي لفظ: "أمرني أن أقرئك القرآن". قال: الله سماني لك? قال: "نعم". قال وذكرت عند رب العالمين? قال: "نعم" فذرفت عيناه (١).
ولما سأل النبي ﷺ أُبيًّا عن: "أي آية في القرآن أعظم"؟ فقال أبي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ضرب النبي ﷺ في صدره وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر" (٢).
قال أنس بن مالك: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد أحد عمومتي (٣).
وقال ابن عباس: قال أبي لعمر بن الخطاب: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه من جبريل ﵇ وهو رطب.
وقال ابن عباس: قال عمر: أقضانا علي وأقرأنا أُبي وإنا لندع من قراءة أُبي وهو يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ وقد قال الله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] (٤).
стр. 1297
وروى أبو قلابة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أقرأ أمتي أُبي".
وعن أبي سعيد قال: قال أُبي: يا رسول الله ﷺ ما جزاء الحمى? قال: "تجري الحسنات على صاحبها". فقال: اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجًا في سبيلك فلم يمس أبي قط إلَّا وبه الحمى.
قلت: ملازمة الحمى له حرفت خلقه يسيرًا ومن ثم يقول زر بن حبيش كان أُبي فيه شراسة.
قال أبو نضرة العبدي: قال رجل منا يقال له جابر أو جويبر: طلبت حاجة إلى عمر وإلى جنبه رجل أبيض الثياب والشعر فقال: إن الدنيا فيها بلاغنا وزادنا إلى الآخرة وفيها أعمالنا التي نجزى بها في الآخرة فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين? قال: هذا سيد المسلمين أُبي بن كعب.
قال مغيرة بن مسلم: عن الربيع، عن أنس، عن أبي العالية قال: قال رجل لأبي بن كعب: أوصني قال: اتخذ كتاب الله إمامًا وارض به قاضيًا وحكمًا فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم شفيع مطاع وشاهد لا يتهم فيه ذكركم وذكر من قبلكم وحكم ما بينكم وخبركم وخبر ما بعدكم.
الثوري: وأبو جعفر الرازي واللفظ له، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال: هن أربع كلهن عذاب وكلهن واقع لا محالة فمضت اثنتان بعد رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة فألبسوا شيعًا وذاق بعضهم بأس بعض وبقي اثنتان واقعتان لا محالة الخسف والرجم.
أخبرنا إسحاق الأسدي، أنبأنا يوسف الحافظ، أنبأنا أحمد بن محمد، أنبأنا أبو علي المقرئ، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب، حدثنا إبراهيم بن سعدان، حدثنا بكر بن بكار، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، حدثني أبي، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: كنت واقفًا مع أُبي بن كعب في ظل أطم حسان والسوق سوق الفاكهة اليوم فقال أُبي: إلَّا ترى الناس مختلفةً أعناقهم في طلب الدنيا? قلت: بلى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يوشك أن يحسر الفرات، عن جبل من ذهب، فإذا سمع به
стр. 1298
الناس ساروا إليه فيقول من عنده لئن تركنا الناس يأخذون منه لا يدعون منه شيئًا فيقتل الناس من كل مئة تسعة وتسعون" (١).
أخرجه مسلم من طريق عبد الحميد وله إسناد آخر وهو الزبيدي، عن الزهري، عن إسحاق مولى المغيرة، عن أُبي.
أبو صالح الكاتب: حدثنا موسى بن علي، عن أبيه أن عمر خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل، عن القرآن فليأت أُبي بن كعب ومن أراد أن يسأل، عن الفرائض فليأت زيدًا ومن أراد أن يسأل، عن الفقه فليأت معاذًا ومن أراد أن يسأل، عن المال فليأتني فإن الله جعلني خازنًا وقاسمًا.
ورواه الواقدي، عن موسى أيضًا.
أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر قال: أتيت المدينة فأتيت أُبيًا فقلت: يرحمك الله اخفض لي جناحك -وكان امرأ فيه شراسة- فسألته، عن ليلة القدر فقال: ليلة سبع وعشرين.
سفيان الثوري: عن أسلم المنقري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: قال أُبي بن كعب: قال لي رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقرأ عليك القرآن" قلت: يا رسول الله! وسميت لك? قال: "نعم" قلت لأبي: فرحت بذلك? قال: وما يمنعني وهو تعالى يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨].
تابعه: الأجلح، عن عبد الله، عن أبيه.
محمد بن عيسى بن الطباع: حدثنا معاذ بن محمد بن محمد بن أبي بن كعب، عن أبيه، عن جده، عن أبي قال رسول الله ﷺ : "يا أبا المنذر إني أمرت أن أعرض عليك القرآن" فقلت: بالله آمنت وعلى يدك أسلمت ومنك تعلمت فرد القول فقلت: يا رسول الله! وذكرت هناك? قال: "نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى" قلت: اقرأ إذن يا رسول الله.
وقد رواه أبو حاتم الرازي، عن بن الطباع فقال، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن أُبي.
стр. 1299
سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود وأبي ومعاذ وسالم مولى أبي حذيفة" (١).
وأخرج أبو داود من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة فلبس عليه فلما انصرف قال لأُبي: "أصليت معنا"؟ قال: نعم قال: "فما منعك"؟.
شعبة: عن أبي جمرة (٢)، حدثنا إياس بن قتادة، عن قيس بن عباد قال: أتيت المدينة للقاء أصحاب محمد ﷺ ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلي من أبي فأقيمت الصلاة وخرج فقمت في الصف الأول فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري فنحاني وقام في مقامي فما عقلت صلاتي فلما صلى قال: يا بني! لا يسوءك الله فإني لم آت الذي أتيت بجهالة ولكن رسول الله ﷺ قال لنا: "كونوا في الصف الذي يليني" وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك وإذا هو أُبي ﵁.
الدارمي: حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا عكرمة بن إبراهيم، أخبرنا يزيد بن شداد، حدثني معاوية بن قرة، حدثني عتبة بن عبد الله بن عمرو بن العاص، حدثني أبي، عن جدي قال: كنت عند رسول الله ﷺ في يوم عيد فقال: "ادعوا لي سيد الأنصار" فدعوا أُبي بن كعب فقال: "يا أُبي! ائت بقيع المصلى فأمر بكنسه" الحديث.
الوليد بن مسلم: حدثنا عبد الله بن العلاء، عن عطية بن قيس، عن أبي إدريس الخولاني أن أبا الدرداء ركب إلى المدينة في نفر من أهل دمشق فقرؤوا يومًا على عمر ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّة﴾ [الفتح: ٢٦]، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام فقال عمر: من أقرأكم هذا? قالوا: أُبي بن كعب فدعا به فلما أتى قال: اقرءوا فقرءوا كذلك فقال أبي: والله يا عمر إنك لتعلم أني كنت أحضر ويغيبون وأدنى ويحجبون ويصنع بي ويصنع بي ووالله لئن أحببت لألزمن بيتي فلا أحدث شيئًا ولا أقرئ أحدًا حتى أموت. فقال عمر: اللهم غفرًا! إنا لنعلم أن الله قد جعل عندك علمًا فعلم الناس ما علمت.
ابن عيينة: عن عمرو، عن بجالة -أو غيره- قال: مر عمر بن الخطاب بغلام يقرأ في
стр. 1300
المصحف ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم﴾ [الأحزاب: ٦]، "وهو أب لهم" فقال: يا غلام حكها، قال: هذا مصحف أُبي فذهب إليه فسأله فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق.
عوف: عن الحسن، حدثني عُتَى بن ضمرة قال: رأيت أهل المدينة يموجون في سككهم فقلت: ما شأن هؤلاء? فقال بعضهم: ما أنت من أهل البلد? قلت: لا، قال: فإنه قد مات اليوم سيد المسلمين أُبي بن كعب.
أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن أُبي قال: إنا لنقرؤه في ثمان ليال -يعني القرآن.
سلام بن مسكين، حدثنا عمران بن عبد الله قال أُبي بن كعب لعمر بن الخطاب: ما لك لا تستعملني? قال: أكره أن يدنس دينك.
الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال عمر: اخرجوا بنا إلى أرض قومنا فكنت في مؤخر الناس مع أُبي بن كعب فهاجت سحابة فقال: اللهم اصرف عنا أذاها، قال: فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم فقال عمر: ما أصابكم الذي أصابنا؟ قلت: إن أبا المنذر قال: اللهم اصرف عنا أذاها، قال: فهلا دعوتم لنا معكم.
قال معمر: عامة علم ابن عباس من ثلاثة عمر، وعلي، وأُبي.
قال مسروق: سألت أُبيًّا، عن شيء فقال: أكان بعد? قلت: لا، قال: فاحمنا حتى يكون فإذا كان اجتهدنا لك رأينا.
الجريري: عن أبي نضرة قال: قال رجل منا يقال له: جابر أو جويبر قال: أتيت عمر وقد أعطيت منطقًا فأخذت في الدنيا فصغرتها فتركتها لا تسوى شيئًا وإلى جنبه رجل أبيض الرأس واللحية والثياب فقال: كل قولك مقارب إلَّا وقوعك في الدنيا هل تدري ما الدنيا? فيها بلاغنا -أو قال زادنا- إلى الآخرة وفيها أعمالنا التي نجزى بها قلت: من هذا يا أمير المؤمنين? قال: هذا سيد المسلمين أُبي بن كعب.
أصرم بن حوشب (١)، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان أُبي صاحب عبادة فلما احتاج الناس إليه ترك العبادة وجلس للقوم.
стр. 1301
عوف، عن الحسن، عن عتي بن ضمرة قلت لأُبي بن كعب: ما شأنكم يا أصحاب رسول الله ﷺ نأتيكم من الغربة نرجو عندكم الخير فتهاونون بنا? قال: والله لئن عشت إلى هذه الجمعة لأقولن قولًا لا أبالي استحييتموني أو قتلتموني فلما كان يوم الجمعة خرجت فإذا أهل المدينة يموجون في سككها فقلت: ما الخبر? قالوا: مات سيد المسلمين أُبي بن كعب.
قد ذكرت أخبار أُبي بن كعب في "طبقات القراء" وأن ابن عباس وأبا العالية وعبد الله بن السائب قرءوا عليه وأن عبد الله بن عياش المخزومي قرأ عليه أيضًا وكان عمر يجل أُبيًّا ويتأدب معه ويتحاكم إليه.
قال محمد بن عمر الواقدي: تدل أحاديث على وفاة أُبي بن كعب في خلافة عمر ورأيت أهله وغيرهم يقولون: مات في سنة اثنتين وعشرين بالمدينة وأن عمر قال: اليوم مات سيد المسلمين.
قال: وقد سمعنا من يقول مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، قال: وهو أثبت الأقاويل عندنا وذلك أن عثمان أمره أن يجمع القرآن.
وقال محمد بن سعد: حدثنا عارم، حدثنا حماد، عن أيوب، عن ابن سيرين أن عثمان جمع اثني عشر رجلًا من قريش والأنصار فيهم أُبي بن كعب وزيد بن ثابت في جمع القرآن.
قلت: هذا إسناد قوي لكنه مرسل وما أحسب أن عثمان ندب للمصحف أُبيًّا ولو كان كذلك لاشتهر ولكان الذكر لأُبي لا لزيد والظاهر وفاة أُبي في زمن عمر حتى إن الهيثم بن عدي وغيره ذكرا موته سنة تسع عشرة.
وقال محمد بن عبد الله بن نمير، وأبو عبيد، وأبو عمر الضرير مات سنة اثنتين وعشرين فالنفس إلى هذا أميل وأما خليفة بن خياط وأبو حفص الفلاس فقالا: مات في خلافة عثمان وقال خليفة مرة مات سنة اثنتين وثلاثين.
وفي "سنن أبي داود" يونس بن عبيد، عن الحسن أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أُبي بن كعب في قيام رمضان فكان يصلي بهم عشرين ركعة.
стр. 1302
وقد كان أبي التقط صرةً فيها مئة دينار فعرفها حولًا وتملكها وذلك في "الصحيحين" (١).
وروى عنه ابن عباس قصة موسى والخضر وذلك في "الصحيحين" (٢) أيضًا.
ولأُبي في الكتب الستة نيف وستون حديثًا.
وأنبأني بنسبه الحافظ أبو محمد النوني، وقال: مالك بن النجار: هو أخو عدي، ودينار، ومازن، واسم النجار والدهم تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. قال: وأُبي بن كعب هو ابن عمة أبي طلحة الأنصاري.
وكان أُبي نحيفًا، قصيرًا، أبيض الرأس واللحية.
قال والواقدي: رأيت أهله وغير واحد يقولون مات في سنة اثنتين وعشرين بالمدينة وقد سمعت من يقول مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين وهو أثبت الأقاويل عندنا. قال لأن عثمان أمره أن يجمع القرآن.
روى حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن ابن سيرين أن عثمان جمع اثني عشر رجلًا من قريش والأنصار فيهم أبي وزيد بن ثابت في جمع القرآن.
له عند بقي بن مخلد مئة وأربعة وستون حديثًا منها في البخاري ومسلم ثلاثة أحاديث وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بسبعة.
стр. 1303
٨٨ - النعمان بن مقرن (١):
هو النعمان بن عمرو بن مقرن بن عائذ بن ميجا بن هجير بن نصر بن حبشية بن كعب بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن مزينة.
стр. 1304
أبو عمرو المزني، الأمير. أول مشاهده الأحزاب وشهد بيعة الرضوان ونزل الكوفة ولي كسكر لعمر ثم صرفه وبعثه على المسلمين يوم وقعة نهاوند فكان يومئذ أول شهيد.
أخبرنا سنقر الحلبي بها، أنبأنا عبد اللطيف اللغوي، أنبأنا عبد الحق اليوسفي، أنبأنا علي بن محمد، أنبأنا أبو الحسن الحمامي، أنبأنا ابن قانع، حدثنا الحسن بن علي بن كامل، حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن أبي عمران الجوني، عن علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار، عن النعمان بن مقرن أنه قال: شهدت رسول الله ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس صححه الترمذي وروي نحوه، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن النعمان.
شعبة: أخبرني إياس بن معاوية قال لي ابن المسيب: ممن أنت? قلت: من مزينة قال: إني لاذكر يوم نعى عمر النعمان بن مقرن على المنبر.
قال الواقدي: وكانت نهاوند في سنة إحدى وعشرين.
قلت: حفظ سعيد ذلك وله سبع سنين.
وللنعمان إخوة: سويد أبو عدي وسنان ممن شهد الخندق ومعقل والد عبد الله المحدث وعقيل أبو حكيم وعبد الرحمن.
وروي، عن مجاهد، قال: البكاءون بنو مقرن سبعة.
قال الواقدي: سمعت أنهم شهدوا الخندق.
وقيل: كنية النعمان أبو حكيم وكان إليه لواء مزينة يوم الفتح.
يروي عنه ولده معاوية ومسلم بن هيصم وجماعة.
قال ابن إسحاق: قتل وهو أمير الناس سنة إحدى وعشرين.
شعبة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان، قال: أتيت عمر بنعي النعمان بن مقرن فوضع يده على وجهه يبكي.
أبو عمران الجوني، عن علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار أن عمر شاور الهرمزان في أصفهان وفارس وأذربيجان فقال: أصبهان الرأس وفارس وأذربيجان الجناحان فإذا قطعت جناحًا فاء الرأس وجناح وإن قطعت الرأس وقع الجناحان فقال عمر للنعمان بن مقرن: إني مستعملك فقال: أما جابيًا فلا وأما غازيًا فنعم قال: فإنك غازٍ
стр. 1305
فسرحه، وبعث إلى أهل الكوفة ليمدوه، وفيهم: حذيفة، والزبير، والمغيرة، والأشعث، وعمرو بن معدي كرب فذكر الحديث بطوله وهو في "مستدرك الحاكم" (١) وفيه: فقال: اللهم ارزق النعمان الشهادة بنصر المسلمين وافتح عليهم فأمنوا وهز لواءه ثلاثًا ثم حمل فكان أول صريع ﵁. ووقع ذو الحاجبين من بغلته الشهباء فانشق بطنه وفتح الله ثم أتيت النعمان وبه رمق فأتيته بماء فصببت على وجهه أغسل التراب فقال: من ذا? قلت: معقل قال: ما فعل الناس? قلت فتح الله. فقال: الحمد لله. اكتبوا إلى عمر بذلك وفاضت نفسه ﵁.
стр. 1306
٨٩ - عمار بن ياسر (١) " ع":
ابن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الوذيم وقيل: بين قيس والوذيم حصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس وعنس هو زيد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وبنو مالك بن أدد من مذحج.
قرأت هذا النسب على شيخنا الدمياطي ونقلته من خطه قال: قرأته على يحيى بن قميرة، عن شهدة، عن ابن طلحة، عن أبي عمر بن مهدي، عن محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة، حدثنا جدي فذكره وفيه قيس بن الحصين بن الوذيم ولم يشك وعنس نقطه بنون.
الإمام الكبير، أبو اليقظان العنسي المكي مولى بني مخزوم أحد السابقين الأولين والأعيان البدريين وأمه هي سمية مولاة بني مخزوم من كبار الصحابيات أيضًا.
له عدة أحاديث ففي "مسند بقي" له اثنان وستون حديثًا ومنها في "الصحيحين" خمسة.
روى عنه علي وابن عباس وأبو موسى الأشعري وأبو أمامة الباهلي وجابر بن عبد الله ومحمد بن الحنفية وعلقمة بن وزر وأبو وائل وهمام بن الحارث ونعيم بن حنظلة،
стр. 1307
وعبد الرحمن بن أبزى وناجية بن كعب وأبو لاس الخزاعي وعبد الله بن سلمة المرادي وابن الحوتكية وثروان بن ملحان ويحيى بن جعدة والسائب والد عطاء وقيس بن عباد وصلة بن زفر ومخارق بن سليم وعامر بن سعد بن أبي وقاص وأبو البختري وعدة.
قال ابن سعد: قدم والد عمار ياسر بن عامر وأخواه الحارث ومالك من اليمن إلى مكة يطلبون أخًا لهم فرجع أخواه وأقام ياسر وحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فزوجه أمة له اسمها سمية بنت خباط فولدت له عمارًا فأعتقه أبو حذيفة ثم مات أبو حذيفة فلما جاء الله بالإسلام أسلم عمار وأبواه وأخوه عبد الله وتزوج بسمية بعد ياسر الأزرق الرومي غلام الحارث بن كلدة الثقفي وله صحبة وهو والد سلمة بن الأزرق.
ويقال: إن لعمار من الرواية بضعة وعشرين حديثًا.
ويروى، عن عمار، قال: كنت تربًا لرسول الله ﷺ لسنه.
وروى عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: رأيت عمارًا يوم صفين شيخًا آدم طوالًا وإن الحربة في يده لترعد فقال: والذي نفسي بيده! لقد قاتلت بها مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات وهذه الرابعة ولو قاتلونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت أننا على الحق وأنهم على الباطل.
وعن الواقدي: عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمار أنها وصفت لهم عمارًا آدم طوالًا مضطربًا أشهل العين بعيد ما بين المنكبين لا يغير شيبه.
وعن كليب بن منفعة، عن أبيه قال: رأيت عمارًا بالكناسة أسود جعدًا وهو يقرأ.
رواه الحكم في المستدرك.
وقال عروة: عمار من حلفاء بني مخزوم.
وروى الواقدي، عن بعض بني عمار أن عمارًا وصهيبًا أسلما معًا بعد بضعة وثلاثين رجلًا وهذا منقطع.
زائدة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد فأما رسول الله ﷺ :
стр. 1308
فمنعه الله بعمه وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وأما سائرهم فألبسهم المشركون أدراع الحديد وصفدوهم في الشمس وما فيهم أحد إلَّا وقد واتاهم على ما أرادوا إلَّا بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأعطوه الولدان يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد (١).
وروى منصور، عن مجاهد: أول من أظهر إسلامه سبعة فذكرهم زاد فجاء أبو جهل يشتم سمية وجعل يطعن بحربته في قبلها حتى قتلها فكانت أول شهيدة في الإسلام.
وعن عمر بن الحكم، قال: كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول وكذا صهيب، وفيهم نزلت ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [النحل: ٤١].
منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عثمان قال رسول الله ﷺ : "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة".
قيل: لم يسلم أبوا أحد من السابقين المهاجرين سوى عمار وأبي بكر.
مسلم بن إبراهيم والتبوذكي، عن القاسم بن الفضل، حدثنا عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد قال: دعا عثمان نفرًا منهم عمار فقال عثمان: أما إني سأحدثكم حديثًا، عن عمار أقبلت أنا والنبي ﷺ في البطحاء حتى أتينا على عمار وأمه وأبيه وهم يعذبون فقال ياسر للنبي ﷺ : الدهر هكذا فقال له النبي ﷺ : "اصبر" ثم قال: "اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت".
هذا مرسل. ورواه: جعثم بن سليمان، عن القاسم الحداني، عن عمرو بن مرة فقال، عن أبي البختري بدل سالم، عن سلمان بدل عثمان وله إسناد آخر لين وآخر غريب.
وروى أبو بلج، عن عمرو بن ميمون قال: عذب المشركون عمارًا بالنار فكان النبي ﷺ يمر به فيمر يده على رأسه ويقول: "يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم، تقتلك الفئة الباغية" (٢).
стр. 1309
ابن عون، عن محمد أن النبي ﷺ لقي عمارًا وهو يبكي فجعل يمسح، عن عينيه ويقول: "أخذك الكفار فغطوك في النار فقلت كذا وكذا، فإن عادوا فقل لهم ذلك".
روى عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمارًا فلم يتركوه حتى نال من رسول الله ﷺ وذكر آلهتهم بخير فلما أتى النبي ﷺ قال: "ما وراءك"؟ قال: شر يا رسول الله! والله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال: "فكيف تجد قلبك"؟ قال: مطمئن بالإيمان قال: "فإن عادوا فعد".
ورواه الجزري مرة، عن أبي عبيدة فقال، عن أبيه.
وعن قتادة ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِه﴾ [النحل: ١٠٦] نزلت في عمار.
المسعودي: عن القاسم بن عبد الرحمن أول من بنى مسجدًا يصلى فيه عمار.
أبو إسحاق: عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: اشتركت أنا وعمار وسعد يوم بدر فيما نأتي به فلم أجيئ أنا ولا عمار بشيء وجاء سعد برجلين.
جرير بن حازم: عن الحسن، عن عمار، قال: قاتلت مع رسول الله ﷺ الجن والإنس قيل: وكيف? قال: كنا مع النبي ﷺ فنزلنا منزلًا فأخذت قربتي ودلوي لأستقي فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه سيأتيك على الماء آت يمنعك منه". فلما كنت على رأس البئر إذا برجل أسود كأنه مرس فقال: والله لا تستقي اليوم منها فأخذني وأخذته فصرعته ثم أخذت حجرًا فكسرت وجهه وأنفه ثم ملأت قربتي وأتيت رسول الله ﷺ فقال: "هل أتاك على الماء أحد"؟ قلت: نعم فقصصت عليه القصة فقال: "أتدري من هو"؟ قلت: لا، قال: "ذاك الشيطان".
فطر بن خليفة، عن كثير النواء سمعت عبد الله بن مليل سمعت عليًّا يقول: قال رسول الله ﷺ : "لم يكن نبي قط إلَّا وقد أعطي سبعة رفقاء نجباء وزراء وإني أعطيت
стр. 1310
أربعة عشر: حمزة وأبو بكر وعمر وعلي وجعفر وحسن وحسين وابن مسعود وأبو ذر والمقداد وحذيفة وعمار وبلال وسلمان".
تابعه جعفر الأحمر، عن كثير.
الحسن بن صالح، عن أبي ربيعة، عن الحسن، عن أنس مرفوعًا قال: "ثلاثة تشتاق إليهم الجنة علي وسلمان وعمار" (١).
أبو إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي قال: استأذن عمار على النبي ﷺ فقال: "من هذا"؟ قال: عمار، قال: "مرحبًا بالطيب المطيب" أخرجه الترمذي (٢).
وروى عثام بن علي، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ قال: كنا جلوسًا عند علي فدخل عمار فقال: مرحبًا بالطيب المطيب سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن عمارًا ملئ إيمانًا إلى مشاشه" (٣).
سفيان، عن الأعمش، عن أبي عمار الهمداني، عن عمرو بن شرحبيل قال رسول الله ﷺ : "عمار ملئ إيمانًا إلى مشاشه" (٤).
стр. 1311
عمرو بن مرة، عن أبي البختري سئل علي، عن عمار فقال: نسي وإن ذكرته ذكر قد دخل الإيمان في سمعه وبصره وذكر ما شاء الله من جسده.
جماعة، عن الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن مولى لربعي، عن ربعي، عن حذيفة مرفوعًا: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" (١).
رواه طائفة، عن الثوري بإسقاط مولى ربعي وكذا رواه زائدة وغيره، عن عبد الملك وروي، عن عمرو بن هرم، عن ربعي، عن حذيفة.
بن عون، عن الحسن قال عمرو بن العاص إني لأرجو أن لا يكون رسول الله ﷺ مات يوم مات وهو يحب رجلًا فيدخله الله النار قالوا قد كنا نراه يحبك ويستعملك فقال الله أعلم أحبني أو تألفني ولكنا كنا نراه يحب رجلًا عمار بن ياسر قالوا: فذلك قتيلكم يوم صفين قال: قد -والله- قتلناه.
стр. 1312
العوام بن حوشب، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة، عن خالد بن الوليد، قال: كان بيني وبين عمار كلام، فأغلظت له. فشكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: "من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله". فخرجت. فما شيء أحب إلى من رضي عمار، فلقيته، فرضى (١).
أخرجه أحمد، والنسائي.
شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن الأسود قال: كان بين خالد وعمار كلام فشكاه خالد إلى النبي ﷺ فقال رسول الله: "من يعاد عمارًا يعاده الله ومن يبغض عمارًا يبغضه الله" (٢).
عطاء بن مسلم الخفاف، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أوس بن أوس قال: كنت عند علي فسمعته يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "دم عمار ولحمه حرام على النار" هذا غريب (٣).
سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد قال النبي ﷺ : "ما لهم ومالعمار! يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار وذلك دأب الأشقياء الفجار" (٤).
عمار بن رزيق، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إن الله قد أمننا من أن يظلمنا ولم يؤمنا من أن يفتننا أرأيت إن أدركت فتنة? قال: عليك بكتاب الله قال: أرأيت إن كان كلهم يدعو إلى كتاب الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق". إسناده منقطع.
стр. 1313
قال عمار الدهني: عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن مسعود سمعت النبي ﷺ يقول: "ما خُيَّر ابن سمية بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما" (١).
رواه الثوري وغيره عنه وبعضهم رواه، عن الدهني، عن سالم، عن علي بن علقمة، عن ابن مسعود.
عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن يسار، عن عائشة سمعت النبي ﷺ يقول: "عمار ما عرض عليه أمران إلَّا اختار الأرشد منهما" (٢).
رواه عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه قال: قالت عائشة.
стр. 1314
وقد كان عمار ينكر على عثمان أمورًا لو كف عنها لأحسن فرضي الله عنهما.
أبو نعيم، حدثنا سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى أن حذيفة أتي وهو ثقيل بالموت فقيل له: قتل عثمان فما تأمرنا فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أبو اليقظان على الفطرة" ثلاث مرات "لن يدعها حتى يموت أو يلبسه الهرم" (١).
البغوي، حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون بن المغيرة، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، عن عائشة قالت: انظروا عمارًا فإنه يموت على الفطرة إلَّا أن تدركه هفوة من كبر (٢).
فيه من تضعف ويروى، عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا نحوه.
قال علقمة: قال لي أبو الدرداء: أليس فيكم الذي أعاذه الله على لسان نبيه من الشيطان? -يعني عمارًا … الحديث (٣).
حماد بن سلمة، أنبأنا أبو جمرة، عن إبراهيم، عن خيثمة بن عبد الرحمن قلت لأبي هريرة: حدثني فقال: تسألني وفيكم علماء أصحاب محمد والمجار من الشيطان عمار بن ياسر?.
داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المسجد فجعلنا ننقل لبنة لبنة وعمار ينقل لبنتين لبنتين فترب رأسه فحدثني أصحابي ولم أسمعه من رسول الله أنه جعل ينفض رأسه ويقول: "ويحك يابن سمية! تقتلك الفئة الباغية".
خالد الحذاء، عن عكرمة سمع أبا سعيد بهذا ولفظه "ويح ابن سمية، تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" فجعل يقول: أعوذ بالله من الفتن (٤).
стр. 1315
ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن زياد مولى عمرو بن العاص، عن عمرو سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقتل عمارًا الفئة الباغية" (١).
رواه شعبة، عن عمرو فقال: عن رجل من أهل مصر، عن عمرو.
بن عون، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة مرفوعًا: "تقتل عمارًا الفئة الباغية" (٢).
معمر، عن ابن طاوس، عن أبي بكر بن حزم، عن أبيه قال: لما قتل عمار دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قتل عمار وقد قال رسول الله ﷺ : "تقتله الفئة الباغية" فدخل عمرو على معاوية فقال: قتل عمار فقال: قتل عمار فماذا? قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقتله الفئة الباغية" قال دحضت في بولك أو نحن قتلناه? إنما قتله علي وأصحابه الذين ألقوه بين رماحنا أو قال: بين سيوفنا (٣).
شعبة، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" (٤).
أبو عوانة في مسنده وأبو يعلى من حديث أحمد بن محمد الباهلي، حدثنا يحيى بن
стр. 1316
عيسى، حدثنا الأعمش، حدثنا زيد بن وهب أن عمارًا قال لعثمان: حملت قريشًا على رقاب الناس عدوا عليَّ فضربوني فغضب عثمان ثم قال: ما لي ولقريش? عدوا على رجل من أصحاب محمد ﷺ فضربوه سمعت النبي ﷺ يقول لعمار: "تقتلك الفئة الباغية وقاتله في النار" (١).
وأخرج أبو عوانة أيضًا مثله من حديث القاسم الحداني، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن محمد بن الحنفية، عن أبيه، عن عثمان.
وأخرج أبو عوانة من طريق حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن عمار قال لي رسول الله ﷺ : "تقتلك الفئة الباغية" (١).
وفي الباب، عن عدة من الصحابة فهو متواتر.
قال يعقوب بن شيبة: سمعت أحمد بن حنبل سئل، عن هذا فقال: فيه غير حديث صحيح، عن النبي ﷺ وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا.
الثوري: عن أبي إسحاق، عن أبي ليلى الكندي قال: جاء خباب إلى عمر فقال: ادن فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلَّا عمار.
الثوري، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: قرئ علينا كتاب عمر أما بعد فإني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا وابن مسعود معلمًا ووزيرًا وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر فاسمعوا لهما وأطيعوا واقتدوا بهما وقد آثرتكم بابن أم عبد على نفسي رواه شريك فقال: آثرتكم بهما على نفسي.
ويروى: أن عمر جعل عطاء عمار ستة آلاف.
مغيرة، عن إبراهيم أن عمارًا كان يقرأ يوم الجمعة على المنبر بياسين.
وقال زر: رأيت عمارًا قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] وهو على المنبر فنزل فسجد.
شعبة، عن قيس سمع طارق بن شهاب يقول: إن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم
стр. 1317
أهل الكوفة وعليهم عمار فظفروا فأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة شيئًا فقال رجل تميمي: أيها الأجدع! تريد أن تشاركنا في غنائمنا? فقال عمار: خير أذني سببت فإنها أصيبت مع رسول الله ﷺ قال فكتب في ذلك إلى عمر فكتب عمر إن الغنيمة لمن شهد الوقعة.
قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: رأيت عمارًا يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح يا معشر المسلمين أمن الجنة تفرون? أنا عمار بن ياسر هلموا إلي وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب وهو يقاتل أشد القتال.
قال الشعبي: سئل عمار، عن مسألة فقال: هل كان هذا بعد? قالوا: لا، قال فدعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناه لكم.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: رأيت عمارًا اشترى قتًا بدرهم وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة.
الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد أن رجلًا من الكوفة وشى بعمار إلى عمر فقال له عمار: إن كنت كاذبًا فأكثر الله مالك وولدك وجعلك موطأ العقبين.
ويقال: سعوا بعمار إلى عمر في أشياء كرهها له فعزله ولم يؤنبه.
وقيل: إن جريرًا سأله عمر، عن عمار فقال: هو غير كاف ولا عالم بالسياسة.
الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت قال: سألهم عمر، عن عمار فأثنوا عليه وقالوا: والله ما أنت أمرته علينا ولكن الله أمره فقال عمر: اتقوا الله وقولوا كما يقال فوالله لأنا أمرته عليكم فإن كان صوابًا فمن قبل الله وإن كان خطأ إنه من قبلي.
داود بن أبي هند، عن الشعبي قال عمر لعمار: أساءك عزلنا إياك? قال: لئن قلت ذاك لقد ساءني حين استعملتني وساءني حين عزلتني.
روى البهي، عن ابن عمر قال: ما أعلم أحدًا خرج في الفتنة يريد الله إلَّا عمارًا وما أدري ما صنع.
الأسود بن شيبان: حدثنا أبو نوفل بن أبي عقرب قال: كان عمار بن ياسر قليل الكلام طويل السكوت وكان عامة قوله عائذ بالرحمن من فتنة عائذ بالرحمن من فتنة فعرضت له فتنة عظيمة.
стр. 1318
الأعمش، عن عبد الله بن زياد قال عمار: إن أمنا يعني عائشة قد مضت لسبيلها وإنها لزوجته في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها (١).
وأخرج نحوه: البخاري من حديث أبي وائل.
قال أبو إسحاق السبيعي: قال عمار لعلي: ما تقول في أبناء من قتلنا? قال: لا سبيل عليهم قال: لو قلت غير ذا خالفناك.
الأعمش، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن حميد قال عمار لعلي يوم الجمل: ما تريد أن تصنع بهؤلاء? فقال له علي: حتى ننظر لمن تصير عائشة فقال عمار: ونقسم عائشة? قال: فكيف نقسم هؤلاء? قال: لو قلت غير ذا ما بايعناك.
الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري قال: قال عمار يوم صفين: ائتوني بشربة لبن، قال: فشرب ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن" ثم تقدم فقتل (٢).
سعد بن إبراهيم الزهري، عن أبيه عمن حدثه سمع عمارًا بصفين يقول: أزفت الجنان وزوجت الحور العين اليوم نلقى حبيبنا محمدًا ﷺ (٣).
стр. 1319
مسلم بن إبراهيم: حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثنا أبي قال: كنت بواسط فجاء أبو الغادية عليه مقطعات وهو طوال فلما قعد قال: كنا نعد عمارًا من خيارنا فإني لفي مسجد قباء إذ هو يقول -وذكر كلمة: لو وجدت عليه أعوانًا لوطئته فلما كان يوم صفين أقبل يمشي أول الكتيبة فطعنه رجل فانكشف المغفر عنه فأضربه فإذا رأس عمار قال يقول مولى لنا لم أر أبين ضلالة منه.
عفان، حدثنا حماد، حدثنا كلثوم بن جبر، عن أبي الغادية قال: سمعت عمارًا يقع في عثمان يشتمه فتوعدته بالقتل فلما كان يوم صفين جعل عمار يحمل على الناس فقيل هذا عمار فطعنته في ركبته فوقع فقتلته فقيل: قتل عمار وأخبر عمرو بن العاص فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن قاتله وسالبه في النار" (١).
ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا "قاتل عمار وسالبه في النار" (٢).
قال ابن أبي خالد: عن قيس أو غيره قال عمار: ادفنوني في ثيابي فإني رجل مخاصم.
وعن عاصم بن ضمرة: أن عليًّا صلى على عمار، ولم يغسله.
قال أبو عاصم: عاش عمار ثلاثًا وتسعين سنة وكان لا يركب على سرج ويركب راحلته.
عبد الله بن طاووس، عن أبي بكر بن حزم قال: لما قتل عمار دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قتل عمار وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقتله الفئة الباغية" فقام عمرو فزعًا إلى معاوية فقال: ما شأنك? قال: قتل عمار. قال: قتل عمار،
стр. 1320
فكان ماذا? قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقتله الفئة الباغية" قال: أنحن قتلناه? وإنما قتله علي وأصحابه جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا أو قال: بين سيوفنا.
قلت: كانت صفين في صفر وبعض ربيع الأول سنة سبع وثلاثين.
قرأت على الحافظ عبد المؤمن بن خلف: أخبركم يحيى بن أبي السعود أخبرتنا شهدة، أنبأنا ابن طلحة، أخبرنا أبو عمر الفارسي، حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب، حدثنا جدي، حدثنا خلف بن سالم، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا جويرية، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عمه قال: لما كان اليوم الذي أصيب فيه عمار إذا رجل قد برز بين الصفين جسيم على فرس جسيم ضخم على ضخم ينادي يا عباد الله بصوت موجع روحوا إلى الجنة ثلاث مرار الجنة تحت ظلال الأسل فثار الناس فإذا هو عمار فلم يلبث أن قتل.
وبه، حدثنا جدي يعقوب، حدثنا علي بن عاصم، حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي البختري الطائي قال: قاول عمار رجلًا فاستطال الرجل عليه فقال عمار: أنا إذًا كمن لا يغتسل يوم الجمعة فعاد الرجل فاستطال عليه فقال له عمار: إن كنت كاذبًا فأكثر الله مالك وولدك وجعلك يوطأ عقبك.
وبه، حدثنا جدي، حدثنا وهيب بن جرير، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن عمار أنه قال: ثلاثة من كن فيه فقد استكمل الإيمان أو قال: من كمال الإيمان الإنفاق من الإقتار والإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم (١).
стр. 1321
قرأت على أحمد بن إسحاق، أنبأنا أحمد بن أبي الفتح والفتح بن عبد الله قالا: أنبأنا محمد بن عمر الأرموي، أنبأنا أحمد بن محمد، أنبأنا علي بن عمر السكري، حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن بيان، عن وبرة، عن همام قال: قال عمار: رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلَّا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر (١).
أخرجه البخاري، عن عبد الله شيخ له يقال: هو ابن حماد الآملي وقيل: عبد الله بن أبي الخوارزمي، عن يحيى بن معين وهو فرد غريب ما أعلم رواه، عن بيان بن بشر سوى إسماعيل ولم يخرجه سوى البخاري.
الأعمش، وغيره: عن أبي وائل قال: رأى أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل ذا الكلاع وعمارًا في قباب بيض بفناء الجنة فقال: ألم يقتل بعضكم بعضًا? قال: بلى ولكن وجدنا الله واسع المغفرة آخر الترجمة والحمد لله.
стр. 1322
٩٠ - أخبار النجاشي (١):
واسمه أصحمة ملك الحبشة معدود في الصحابة ﵃ وكان ممن حسن إسلامه ولم يهاجر ولا له رؤية فهو تابعي من وجه صاحب من وجه وقد توفي في حياة النبي ﷺ فصلى عليه بالناس صلاة الغائب (٢)، ولم يثبت أنه صلى ﷺ على غائب
стр. 1323
سواه وسبب ذلك: أنه مات بين قوم نصارى ولم يكن عنده من يصلي عليه لأن الصحابة الذين كانوا مهاجرين عنده خرجوا من عنده مهاجرين إلى المدينة عام خيبر.
ابن إسحاق، عن الزهري، قال: حدثت عروة بن الزبير بحديث أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة بقصة النجاشي وقوله لعمرو بن العاص: فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه فقال عروة: أتدري ما معناه? قلت: لا قال: إن عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه ولم يكن له ولد إلَّا النجاشي وكان للنجاشي عم له من صلبه اثنا عشر رجلًا وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام وإن لأخيه اثني عشرة ولدًا فتوارثوا ملكه من بعده فبقيت الحبشة بعده دهرًا. فعدوا على أبي النجاشي فقتلوه وملكوا أخاه فمكثوا على ذلك ونشأ النجاشي مع عمه وكان لبيبًا حازمًا من الرجال فغلب على أمر عمه ونزل منه بكل منزلة فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها: والله إنا لنتخوف أن يملكه ولئن ملكه علينا ليقتلنا أجمعين لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه فمشوا إلى عمه فقالوا له: إما أن تقتل هذا الفتى وإما أن تخرجه من بين أظهرنا فإنا قد خفنا على أنفسنا منه قال: ويلكم! قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم بل أخرجوه من بلادكم فخرجوا به فباعوه من رجل تاجر بست مئة درهم ثم قذفه في سفينة فانطلق به حتى إذا المساء من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحاب الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته.
ففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هم حمقى ليس في ولده خير فمرج على الحبشة أمرهم فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك قال بعضهم لبعض: تعلمون والله أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره الذي بعتموه غدوةً فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قال: فخرجوا في طلبه حتى أدركوه فأخذوه من التاجر ثم جاءوا به فعقدوا عليه التاج وأقعدوه على سرير الملك وملكوه فجائهم التاجر فقال: إما أن تعطوني مالي وإما أن أكلمه في ذلك فقالوا لا نعطيك شيئًا قال: إذن والله لأكلمنه قالوا: فدونك فجاءه فجلس بين يديه فقال: أيها الملك ابتعت غلامًا من قوم بالسوق بست مائة درهم فأسلموه إلي وأخذوا دراهمي حتى إذا سرت بغلامي أدركوني فأخذوا غلامي ومنعوني دراهمي فقال لهم النجاشي: لتعطنه دراهمه أو ليسلمن غلامه في يديه فليذهبن به حيث يشاء قالوا: بل نعطيه دراهمه قالت: فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه. وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه وعدله في حكمه ثم قالت: لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.
стр. 1324
"المسند" لأحمد بن حنبل، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم فجمعوا له أدمًا كثيرًا ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلَّا أهدوا إليه هديةً ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص السهمي وأمروهما أمرهم وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا له هداياه ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم قالت: فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار عند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلَّا دفعا إليه هديته وقالا له إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهم: نعم ثم إنهما قربا هدايا النجاشي فقبلها منهم ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليه فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو من أن تسمع النجاشي كلامهم فقالت بطارقته حوله صدقوا أيها الملك فأسلمهم إليهما فغضب النجاشي ثم قال لا ها الله إذًا لا أسلمهم إليهما ولا أكاد (١) قومًا جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه? قالوا: نقول -والله- ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ كائنًا في ذلك ما كان فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم?
стр. 1325
قالت: وكان الذي يكلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك! إنا كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف، عن المحارم والدماء ونهانا، عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قالت: فعدد له أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به واتبعناه فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا، عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان وأن نستحيل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال: هل معك مما جاء به، عن الله من شيء? قال نعم قال فاقرأه عليّ فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم ثم قال النجاشي إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أكاد.
فلما خرجا قال عمرو: والله لأنبئنه غدًا عيبهم ثم أستأصل خضراءهم.
فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا لا تفعل فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد.
ثم غدا عليه فقال أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل يسألهم.
قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم ثم قالوا: نقول والله فيه ما قال الله تعالى كائنًا ما كان فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى? فقال له جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ عودًا ثم قال: ما عدا عيسى ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته حوله فقال وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي -والسيوم: الآمنون- من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ما أحب أن لي دبرى ذهبًا وأني آذيت رجلًا منكم - والدبر بلسانهم الجبل - ردوا عليهما هداياهما فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه. فخرجا
стр. 1326
مقبوحين، مردودًا عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار فوالله إنا على ذلك إذ نزل به يعني من ينازعه في ملكه فوالله ما علمنا حربًا قط كان أشد من حرب حربناه تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه وسار النجاشي وبينهما عرض النيل. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر? فقال الزبير: أنا وكان من أحدث القوم سنًا. فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى مكان الملتقى وحضر فدعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده واستوسق له أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة (١).
سليمان بن بنت شرحبيل، عن عبد الرحمن بن بشير وعبد الملك بن هشام، عن زياد البكالي وأحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد جميعًا، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، عن جعفر بن أبي طالب أن النجاشي سأله ما دينكم? قال: بعث الله فينا رسولًا وذكر بعض ما تقدم.
تفرد بوصله ابن إسحاق وأما عقيل ويونس وغيرهما فأرسلوه.
ورواه ابن إدريس، عن ابن إسحاق فقال: عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن وعروة وعبيد الله، عن أم سلمة.
ويروى هذا الخبر، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه.
وعن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن أبيه.
ورواه ابن شابور، عن عثمان بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس بطوله.
أعلى بهم عينًا أبصر بهم لاها الله قسم وأهل العربية يقولون: لاها الله ذا. والهاء بدل من واو القسم أي لا والله لا يكون ذا وقيل: بل حذفت واو القسم وفصلت ها من هذا فتوسطت الجلالة ونصبت لأجل حذف واو القسم.
وتناخرت: فالنخير: صوت من الأنف. وقيل: النخير ضرب من الكلام وجاء في رواية من حزنٍ حزناه.
стр. 1327
وقولها: حتى قدمنا على رسول الله ﷺ بمكة: عنت نفسها وزوجها.
وكذا قدم الزبير، وابن مسعود، وطائفة من مهاجرة الحبشة مكة وملوا من سكنى الحبشة ثم قدم طائفة على رسول الله ﷺ لما عرفوا بأنه هاجر إلى المدينة ثم قدم جعفر بمن بقي ليالي خيبر.
قال أبو موسى الأصبهاني الحافظ اسم النجاشي أصحمة وقيل: أصحم بن بجرى كان له ولد يسمى أرمى فبعثه إلى رسول الله ﷺ فمات في الطريق.
وقيل: إن الذي كان رفيق عمرو بن العاص عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي.
فقال أبو كريب ومحمد بن آدم المصيصي، حدثنا أسد بن عمرو، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي فقالوا له ونحن عنده قد جاء إليك ناس من سفلتنا وسفهائنا فادفعهم إلينا قال: لا حتى أسمع كلامهم وذكر نحوه إلى أن قال: فأمر مناديًا فنادى من آذى أحدًا منهم فأغرموه أربعة دراهم ثم قال: يكفيكم? قلنا: لا فأضعفها فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وظهر بها قلنا له: إن صاحبنا قد خرج إلى المدينة وهاجر وقتل الذي كنا حدثناك عنهم وقد أردنا الرحيل إليه فزودنا قال: نعم فحملنا وزودنا وأعطانا ثم قال: أخبر صاحبك بما صنعت إليكم وهذا رسولي معك وأنا أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنه رسول الله فقل له يستغفر لي.
قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة فتلقاني رسول الله ﷺ فاعتنقني فقال: "ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح أو بقدوم جعفر" ثم جلس فقام رسول النجاشي فقال: هو ذا جعفر فسله ما صنع به صاحبنا فقلت نعم يعني ذكرته له فقام رسول الله فتوضأ ثم دعا ثلاث مرات "اللهم اغفر للنجاشي" فقال المسلمون آمين فقلت للرسول انطلق فأخبر صاحبك ما رأيت (١).
ابن أبي عدي ومعاذ، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق أن جعفرًا قال: يا رسول الله ائذن لي حتى أصير إلى أرض أعبد الله فيها. فأذن له، فأتى النجاشي. حدثنا عمرو بن العاص قال: لما رأيت جعفرًا آمنا بها هو وأصحابه حسدته فأتيت النجاشي فقلت: إن بأرضك رجلًا ابن عمه بأرضنا يزعم أنه ليس للناس إلَّا إله واحد وإنك إن لم تقتله وأصحابه
стр. 1328
لا أقطع إليك هذه النطفة أبدًا ولا أحد من أصحابي قال: اذهب إليه فادعه قلت: إنه لا يجيء معي فأرسل معي رسولًا فأتيناه وهو بين ظهري أصحابه يحدثهم قال له: أجب فلما أتينا الباب ناديت ائذن لعمرو بن العاص ونادى جعفر ائذن لحزب الله فسمع صوته فأذن له قبلي … الحديث.
إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر إلى أرض النجاشي فبلغ ذلك قريشًا فبعثوا عمرًا وعمارة بن الوليد وجمعوا للنجاشي هدية فقدما عليه وأتياه بالهدية فقبلها وسجدا له ثم قال عمرو: إن ناسًا من أرضنا رغبوا، عن ديننا وهم في أرضك قال: في أرضي? قال: نعم.
فبعث إلينا فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلس عظيم وعمرو، عن يمينه وعمارة، عن يساره والقسيسون والرهبان جلوس سماطين وقد قال له عمرو إنهم لا يسجدون لك فلما انتهينا بدرنا من عنده أن اسجدوا قلنا: لا نسجد إلَّا لله فلما انتهينا إلى النجاشي قال: ما منعك أن تسجد? قال: لا نسجد إلَّا لله. قال: وما ذاك? قال: إن الله بعث فينا رسولًا وهو الذي بشر به عيسى فقال: ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهانا، عن المنكر.
فأعجب النجاشي قوله. فلما رأى ذلك عمرو، قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في ابن مريم.
فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم?
قال: يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر ولم يفرضها ولد.
فتناول عودًا، فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان! ما يزيد على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه. مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده فأنا أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى ولولا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أقبل نعله امكثوا في أرضي ما شئتم وأمر لنا بطعام وكسوة وقال: ردوا على هذين هديتهما.
وكان عمرو رجلًا قصيرًا، وكان عمارة رجلًا جميلًا وكانا أقبلا في البحر إلى النجاشي فشرب مع عمرو وامرأته فلما شربوا من الخمر قال عمارة لعمرو: مر امرأتك فلتقبلني. قال: إلَّا تستحيي? فأخذ عمارة عمرًا يرمي به في البحر فجعل عمرو يناشده حتى
стр. 1329
تركه. فحقد عليه عمرو، فقال للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك. فدعا بعمارة، فنفخ في إحليله، فطار مع الوحش.
وعن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: مكر عمرو بعمارة فقال: يا عمارة إنك رجل جميل فاذهب إلى امرأة النجاشي فتحدث عندها إذا خرج زوجها فإن ذلك عون لنا في حاجتنا فراسلها عمارة حتى دخل عليها فانطلق عمرو إلى النجاشي فقال: إن صاحبي صاحب نساء وإنه يريد أهلك فبعث النجاشي إلى بيته فإذا هو عند أهله فأمر به فنفخ في إحليله سحره ثم ألقاه في جزيرة من جزائر البحر فجن واستوحش مع الوحش.
ابن إسحاق: عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة قالت: لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.
فأما عمارة فإنه بقي إلى خلافة عمر مع الوحوش، فدل عليه أخوه فسار إليه وتحين وقت وروده الماء فلما رأى أخاه فر فوثب وأمسكه فبقي يصيح أرسلني يا أخي! فلم يرسله فخارت قوته من الخوف ومات في الحال فعداده في المجانين الذين يبعثون على ما كانوا عليه قبل ذهاب العقل فيبعث هذا المعثر على الكفر والعداوة لرسول الله ﷺ نسأل الله المغفرة.
وحدثني جعفر بن محمد، عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: فارقت ديننا وخرجوا عليه فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنًا وقال: اركبوا فإن هزمت فامضوا وإن ظفرت فاثبتوا ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه هو يشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم ثم جعله في قبائه وخرج إلى الحبشة وصفوا له فقال: يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم? قالوا: بلى قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم? قالوا: خير سيرة قال: فما بالكم? قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد، قال: فما تقولون فيه قالوا: هو ابن الله فقال -ووضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى لم يزد على هذا شيئًا وإنما عنى على ما كتب فرضوا وانصرفوا.
فبلغ ذلك النبي ﷺ فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له.
ومن محاسن النجاشي: أن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية أم المؤمنين أسلمت مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي قديمًا فهاجر بها زوجها فانملس بها إلى أرض الحبشة، فولدت له حبيبة ربيبة النبي ﷺ ثم إنه أدركه الشقاء فأعجبه دين النصرانية،
стр. 1330
فتنصر فلم ينشب أن مات بالحبشة فلما وفت العدة بعث رسول الله ﷺ يخطبها فأجابت فنهض في ذلك النجاشي وشهد زواجها بالنبي ﷺ وأعطاها الصداق، عن النبي ﷺ من عنده أربع مئة دينار فحصل لها شيء لم يحصل لغيرها من أمهات المؤمنين ثم جهزها النجاشي.
وكان الذي وفد على النجاشي بخطبتها: عمرو بن أمية الضمري فيما نقله الواقدي بإسناد مرسل ثم قال: وحدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة وحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر قالا: كان الذي زوجها وخطب إليه النجاشي خالد بن سعيد بن العاص الأموي وكان عمرها لما قدمت المدينة بضعًا وثلاثين سنة.
معمر، عن الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش وكان رحل إلى النجاشي وأن رسول الله ﷺ تزوجها بالحبشة زوجه إياها النجاشي ومهرها أربعة آلاف درهم من عنده وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وجهازها كله من عند النجاشي (١).
وأما ابن لهيعة: فنقل عن أبي الأسود، عن عروة قال: أنكحه إياها بالحبشة عثمان ﵁ وهذا خطأ فإن عثمان كان بالمدينة مع النبي ﷺ ولم يغب عنه إلَّا يوم بدر أمره النبي ﷺ أن يقيم فيمرض زوجته بنت رسول الله ﷺ .
قال ابن سعد: أنبأنا محمد بن عمر، أنبأنا عبد الله بن عمرو بن زهير، عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة وأشوهه ففزعت فإذا هو يقول حين أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر دينًا خيرًا من النصرانية وكنت قد دنت بها ثم دخلت في دين محمد فقد رجعت إليها فأخبرته بالرؤيا فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات فأرى في النوم كأن آتيًا يقول لي: يا أم المؤمنين! ففزعت فأولتها أن رسول الله ﷺ يتزوجني فما هو إلَّا أن انقضت عدتي فما شعرت إلَّا ورسول النجاشي على بابي يستأذن! فإذا جارية له يقال لها: أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله كتب إلي أن أزوجكه فقلت: بشرك الله بخير، قالت: يقول الملك وكلي من يزوجك فأرسلت إلى خالد بن سعيد فوكلته وأعطت أبرهة سوارين من فضة وخواتيم كانت في
стр. 1331
أصابع رجليها، وخدمتين كانتا في رجليها فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأنه الذي بشر به عيسى ﷺ ثم خطب خالد بن سعيد وزوجها وقبض أربع مائة دينار ثم دعا بطعام فأكلوا. قالت: فلما وصل إلي المال عزلت خمسين دينارًا لأبرهة فأبت وأخرجت حقًا فيه كل ما أعطيتها فردته، وقالت: عزم علي الملك أن لا أرزأك شيئًا وقد أسلمت لله وحاجتي إليك أن تقرئي رسول الله ﷺ مني السلام ثم جاءتني من عند نساء الملك بعود وعنبر وزباد كثير (١).
فقيل: بنى بها رسول الله ﷺ سنة ست وقال خليفة: دخل بها سنة سبع من الهجرة.
وأصحمة بالعربي: عطية ولما توفي قال النبي ﷺ للناس: "إن أخًا لكم قد مات بأرض الحبشة" فخرج بهم إلى الصحراء وصفهم صفوفًا ثم صلى عليه (٢) فنقل بعض العلماء أن ذلك كان في شهر رجب سنة تسع من الهجرة.
стр. 1332
٩١ - معاذ بن جبل (١):
ابن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدي بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج.
السيد الإمام، أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي المدني البدري شهد العقبة شابًّا أمرد وله عدة أحاديث.
روى عنه ابن عمر وابن عباس وجابر وأنس وأبو أمامة وأبو ثعلبة الخشني ومالك بن يخامر وأبو مسلم الخولاني وعبد الرحمن بن غنم وجنادة بن أبي أمية وأبو بحرية عبد الله بن قيس ويزيد بن عميرة وأبو الأسود الديلي وكثير بن مرة وأبو وائل،
стр. 1333
وابن أبي ليلى وعمرو بن ميمون الأودي والأسود بن هلال ومسروق وأبو ظبية الكلاعي وآخرون.
روى أبو إسحاق السبعي، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ بن جبل قال: كنت رديف رسول الله ﷺ على حمار يقال له: عفير (١).
قال شباب: أمه هي هند بنت سهل من بني رفاعة ثم من جهينة ولأمه ولد من الجد ابن قيس.
وروى الواقدي، عن رجاله أن معاذًا شهد بدرًا وله عشرون سنة أو إحدى وعشرون قال ابن سعد: شهد العقبة في روايتهم جميعًا مع السبعين.
وقال عبد الصمد بن سعيد: نزل حمص وكان طويلًا حسنًا جميلًا.
وقال الجماعة: كنيته أبو عبد الرحمن إلَّا أبا أحمد الحاكم فقال: كنيته أبو عبد الله.
قال علي بن محمد المدائني: معاذ لم يولد له قط طوال حسن الثغر عظيم العينين أبيض جعد قطط.
وأما ابن سعد فقال: له ابنان عبد الرحمن وآخر.
قال عطاء: أسلم معاذ وله ثمان عشرة سنة.
وقال ابن إسحاق: ومن السبعين من بني جشم بن الخزرج: معاذ بن جبل.
وروى قتادة، عن أنس قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب وزيد ومعاذ بن جبل وأبو زيد أحد عمومتي.
قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأُبي، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة" (٢).
تابعه إبراهيم النخعي، عن مسروق.
стр. 1334
الثوري، عن خالد وعاصم، عن أبي قلابة، عن أنس مرفوعًا "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدها في دين الله عمر وأصدقها حياء عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ وأفرضهم زيد ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة" (١).
ورواه وهيب، عن خالد الحداء.
وفي "فوائد سمويه": حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا سلام بن سليمان، حدثنا زيد العمي، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "معاذ بن جبل أعلم الناس بحرام الله وحلاله" (٢) إسناده واه.
روى ضمرة، عن يحيى السيباني، عن أبي العجفاء قال: قال عمر: لو أدركت معاذًا ثم وليته ثم لقيت ربي فقال: من استخلفت على أمة محمد? لقلت: سمعت نبيك وعبدك يقول: "يأتي معاذ بن جبل بين يدي العلماء برتوة" (٣).
وروى ابن أبي عروبة، عن شهر بن حوشب قال: قال عمر: فذكر نحوه وذكر معه أبا عبيدة وسالمًا مولى أبي حذيفة.
وروى أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي قال رسول الله ﷺ : "يجيء معاذ يوم القيامة أمام العلماء بين يدي العلماء" (٤). وله إسناد آخر ضعيف.
стр. 1335
هشام: عن الحسن مرفوعًا معاذ له نبذه بين يدي العلماء يوم القيامة".
تابعه: ثابت، عن الحسن.
ابن سعد، أنبأنا محمد بن عمر، حدثنا إسحاق بن يحيى، عن مجاهد قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة استخلف عليها عتاب بن أسيد يصلي بهم وخلف معاذًا يقرئهم ويفقههم (١).
أبو أسامة: عن داود بن يزيد، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، عن معاذ بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فلما سرت أرسل في إثري فرددت فقال: "أتدري لم بعثت إليك? لا تصيبن شيئًا بغير علم فإنه غلول ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، لقد أذعرت فامض لعملك" (٢). رواه الروياني في "مسنده".
شعبة، عن محمد بن عبيد الله، عن الحارث بن عمرو الثقفي قال: أخبرنا أصحابنا، عن معاذ قال: لما بعثني النبي ﷺ إلى اليمن قال لي: "كيف تقضي إن عرض قضاء? " قال: قلت: أقضي بما في كتاب الله فإن لم يكن فبما قضى به رسول الله ﷺ قال: "فإن لم يكن فيما قضى به الرسول" قال: أجتهد رأيي ولا آلو فضرب صدري وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله (٣).