١٧٥ - عبد الله بن زيد (١): " (٤) "
ابن عبد ربه بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، المدني، البدري، من سادة الصحابة، شهد العقبة وبدرًا، وهو الذي أُرِيَ الأذان (٢)، وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة. له أحاديث يسيرة، وحديثه في السنن الأربعة. وقيل: إن ذكر ثعلبة في نسبه خطأ.
حدَّث عنه: سعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ولم يلقه، ومحمد بن عبد الله ولده.
توفي سنة اثنتين وثلاثين.
إسحاق الفروي، حدثنا عبد الله بن عمر العمري، عن بشر بن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: قدمت على عمر بن عبد العزيز فقلت: يا أمير المؤمنين! أنا ابن صاحب العقبة وبدر، وابن الذي أُرِيَ النداء. فقال عمر: يا أهل الشام:
هذي المكارم لا قعبان من لبن … شيبا بماء، فعادا بعد أبوالا (٣)
الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ : أن عبد الله بن زيد جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني رأيت في المنام كأنَّ رجلًا قام على جذم حائط، فأذَّن مثنىً، وأقام مثنى، وقعد قعدة، وعليه بردان أخضران (٤).
стр. 1682
فأمَّا:
١٧٦ - عبد الله بن زيد المازني النجاري (١): " ع":
صاحب حديث الوضوء (٢)، فمن فضلاء الصحابة. يعرف بابن أم عمارة، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب، أحد بني مازن بن النجار. ذكر ابن مندة فقط أنه بدري (٣).
وقال أبو عمر بن عبد البر وغيره: بل هو أحُديّ، وهو الذي قتل مسيلمة بالسيف مع رمية وحشي له بحربته، وهو عم عباد بن تميم.
قيل: إنه قتل يوم الحرة، سنة ثلاث وستين.
стр. 1683
١٧٧ - حارثة بن النعمان (١):
ابن نفع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الخزرجي، النجاري. ويقال: ابن رافع بدل: ابن نفع.
وله من الولد: عبد الله، وعبد الرحمن، وسودة، وعمرة، وأم كلثوم، يكنَّى أبا عبد الله.
شهد بدرًا والمشاهد، ولا نعلم له رواية، وكان دينًا، خيِّرًا، برًّا بأمه.
وعنه قال: رأيت جبريل من الدهر مرتين: يوم الصورين (٢) حين خرج رسول الله إلى بني قريظة، مَرَّ بنا في صورة دحية، فأمرنا بلبس السلاح، ويوم موضع الجنائز حين رجعنا من حنين، مررت وهو يكلم النبي ﷺ فلم أسلّم، فقال جبريل: من هذا يا محمد? قال: حارثة بن النعمان، فقال: أما إنه من المائة الصابرة يوم حنين، الذين تكفَّل الله بأرزاقهم في الجنة، ولو سلَّم لرددنا عليه.
وروي بإسناد منقطع: أن حارثة كُفَّ، فجعل خيطًا من مصلاه إلى حجرته، ووضع عنده مكتلًا فيه تمر وغيره، فكان إذا سلَّم مسكين أعطاه منه، ثم أخذ على الخيط حتى يأتي إلى باب الحجرة فيناول المسكين. فيقول أهله: نحن نكفيك، فيقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مناولة المسكين تقي ميتة السوء" (٣).
قال الواقدي: كانت له منازل قرب منازل النبي ﷺ ، فكان كلما أحدث رسول الله أهلًا، تحوّل له حارثة عن منزل، حتى قال: "لقد استحييت من حارثة مما يتحوّل لنا عن منازله".
وبقي إلى خلافة معاوية.
ومن ذريته: المحدِّث أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري، ولد عمرة الفقيهة.
وهو -أعني: حارثة- الذي يقول فيه رسول الله ﷺ : "دخلت الجنة فسمعت قراءة، فقلت: من هذا? قيل: حارثة، فقال النبي ﷺ : كذاكم البر" وكان برًّا بأمه ﵁ (٤).
стр. 1684
١٧٨ - أبو موسى الأشعري (١): " ع"
عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب، الإمام الكبير، صاحب رسول الله ﷺ ، أبو موسى الأشعري التميمي الفقيه المقرئ.
حدَّث عنه: بريدة بن الحصيب، وأبو أمامة الباهلي، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وطارق بن شهاب، وسعيد بن المسيب، والأسود بن يزيد، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وزيد بن وهب، وأبو عثمان النهدي، وأبو عبد الرحمن النهدي، ومرة الطيب، وربعي بن حراش، وزهدم بن مضرب، وخلق سواهم.
وهو معدود فيمن قرأ على النبي ﷺ ، أقرأ أهل البصرة وفقَّهَهم في الدين، قرأ عليه حطان بن عبد الله الرقاشي، وأبو رجاء العطاردي.
ففي "الصحيحين": عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا" (٢).
وقد استعمله النبي ﷺ ومعاذًا على زبيد وعدن (٣)، وولي إمرة الكوفة لعمر، وإمرة البصرة، وقدم ليالي فتح خيبر، وغزا وجاهد مع النبي ﷺ ، وحمل عنه علمًا كثيرًا.
стр. 1685
قال سعيد بن عبد العزيز: حدثني أبو يوسف حاجب معاوية: أن أبا موسى الأشعري قدم على معاوية، فنزل في بعض الدور بدمشق، فخرج معاوية من الليل ليستمع قراءته.
قال أبو عبيد: أم أبي موسى هي: ظبية بنت وهب، كانت أسلمت وماتت بالمدينة.
وقال ابن سعد: حدثنا الهيثم بن عدي قال: أسلم أبو موسى بمكة، وهاجر إلى الحبشة، وأول مشاهده خيبر، ومات سنة اثنتين وأربعين.
قال أبو أحمد الحاكم: أسلم بمكة ثم قدم مع أهل السفينتين بعد فتح خيبر بثلاث، فقسم لهم النبي ﷺ ، ولي البصرة لعمر وعثمان، وولي الكوفة وبها مات.
وقال ابن منده: افتتح أصبهان زمن عمر.
وقال العجلي: بعثه عمر أميرًا على البصرة، فأقرأهم وفقههم، وهو فتح تُستَر، ولم يكن في الصحابة أحد أحسن صوتًا منه.
قال حسين المعلم: سمعت ابن بريدة يقول: كان الأشعري قصيرًا، أثط (١)، خفيف الجسم.
وأما الواقدي فقال: حدثنا خالد بن إلياس، عن أبي بكر بن أبي جهم قال: ليس أبو موسى من مهاجرة الحبشة، ولا حلف له في قريش، وقد كان أسلم بمكة، ورجع إلى أرضه حتى قدم هو وأناس من الأشعريين على رسول الله ﷺ .
وذكره موسى بن عقبة فيمن هاجر إلى الحبشة.
وروى أبو بردة، عن أبي موسى قال: خرجنا من اليمن في بضع وخمسين من قومي، ونحن ثلاثة إخوة: أنا وأبو رهم وأبو عامر، فأخرجتنا سفينتنا إلى النجاشي، وعنده جعفر وأصحابه، فأقبلنا حين افتتحت خيبر، فقال رسول الله ﷺ : "لكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي، وهاجرتم إليَّ" (٢).
وفي رواية: أنا وأخواي أبو رهم وأبو بردة، أنا أصغرهم.
أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس، قال:
стр. 1686
قال رسول الله ﷺ : "يقدم عليكم غدًا قوم هم أرقّ قلوبًا للإسلام منكم"، فقدم الأشعريون، فلما دنوا جعلوا يرتجزون:
غدًا نلقى الأحبة … محمدًا وحزبه
فلمَّا أن قدموا تصافحوا، فكانوا أوّل من أحدث المصافحة (١).
شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري، قال: لما نزلت: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]؛ قال رسول الله ﷺ : "هم قومك يا أبا موسى، وأومأ إليه" (٢).
صحَّحه الحاكم، والأظهر: أنَّ لعياض بن عمرو صحبة، ولكن رواه جماعة عن شعبة أيضًا "ح". وعبد الله بن إدريس، عن أبيه، كلاهما عن سماك، عن عياض، عن أبي موسى.
بُرَيْد، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من حُنَيْن، بعث أبا عامر الأشعري على جيش أوطاس، فلقي دريد بن الصمّة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه، فرمى رجل أبا عامر في ركبته بسهم فأثبته، فقلت: يا عم! من رماك؟ فأشار إليه، فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولَّى ذاهبًا، فجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيًّا؟ ألا تثبت؟ قال: فكفَّ، فالتقيت أنا وهو فاختلفنا ضربتين فقتلته، ثم رجعت إلى أبي عامر، فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء، فقال: يا ابن أخي، انطلق إلى رسول الله ﷺ ، فأقرأه منِّي السلام، وقل له: يستغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فلمَّا قدمنا، وأخبرت النبي ﷺ توضأ، ثم رفع يديه، ثم قال: "اللهم اغفر لعبيد أبي عامر" حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم اجعله يوم
стр. 1687
القيامة فوق كثير من خلقك"، فقلت: ولي يا رسول الله، فقال: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا" (١).
وبه، عن أبي موسى، قال: كنت عند رسول الله ﷺ بالجعرانة (٢)، فأتى أعرابي، فقال: ألَا تنجز لي ما وعدتني، قال: "أبشر" قال: قد أكثرت من البشرى، فأقبل رسول الله عليَّ وعلى بلال، فقال: "إن هذا قد ردَّ البشرى فاقبلا أنتما" فقالا: قبلنا يا رسول الله، فدعا بقدح فغسل يديه ووجهه فيه، ومجَّ فيه ثم قال: "اشربا منه وأفرغا على رءوسكما ونحوركما"، ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أن فضلًا لأمِّكما، فأفضلا لها منه (٣).
مالك بن مغول، وغيره، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرجت ليلة من المسجد، فإذا النبي ﷺ عند باب المسجد قائم، وإذا رجل يصلي، فقال لي: "يا بريدة، أتراه يرائي"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "بل هو مؤمن منيب، لقد أعطي مزمارًا من مزامير آل داود"، فأتيته فإذا هو أبو موسى فأخبرته (٤).
أنبئونا عن أحمد بن محمد اللبان وغيره: أنَّ أبا علي الحداد أخبرهم، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا ابن فارس، حدَّثنا محمد بن عاصم، حدثنا زيد بن الحباب، عن مالك بن مغول، حدثنا ابن بريدة، عن أبيه قال: جاء رسول الله ﷺ إلى المسجد وأنا على باب المسجد، فأخذ بيدي فأدخلني المسجد، فإذا رجل يصلي يدعو يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك الله لا إله إلَّا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
قال: "والذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب". وإذا رجل يقرأ فقال: "لقد أعطي هذا مزمارًا من مزامير آل داود"، قلت: يا رسول الله، أخبره? قال: "نعم" فأخبرته، فقال لي: لا تزال لي صديقًا، وإذا هو أبو موسى (٥).
стр. 1688
رواه حسين بن واقد، عن ابن بريدة مختصرًا.
وروى أبو سلمة، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لقد أعطي أبو موسى مزمارًا من مزامير آل داود" (١).
خالد بن نافع: حدثنا سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى: أن النبي ﷺ وعائشة مرَّا به وهو يقرأ في بيته، فاستمعا لقراءته، فلما أصبح أخبره النبي ﷺ ، فقال: لو أعلم بمكانك لحبَّرته لك تحبيرًا (٢).
خالد: ضُعِّفَ.
حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن أبا موسى قرأ ليلةً، فقمن أزواج النبي ﷺ يستمعن لقراءته، فلما أصبح أُخْبِرَ بذلك، فقال: لو علمت لحبَّرت تحبيرًا، ولشوقت تشويقًا (٣).
الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: أتينا عليًّا فسألناه عن أصحاب محمد ﷺ ، قال: عن أيهم تسألوني? قلنا: عن ابن مسعود، قال: علم القرآن والسنة، ثم انتهى وكفى به علمًا، قلنا: أبو موسى قال: صبغ في العلم صبغة ثم خرج منه، قلنا:
стр. 1689
حذيفة؟ قال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين. قالوا: سلمان؟ قال: أدرك العلم الأول والعلم الآخر؛ بحر لا يدرك قعره، وهو منَّا أهل البيت. قالوا: أبو ذر؟ قال: وعى علمًا عجز عنه فسئل عن نفسه، قال: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتديت.
أبو إسحاق، سمع الأسود بن يزيد قال: لم أر بالكوفة أعلم من علي وأبي موسى.
وقال مسروق: كان القضاء في الصحابة إلى ستة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي وزيد، وأبي موسى.
وقال الشعبي: يؤخذ العلم عن ستة: عمر، وعبد الله، وزيد، يشبه علمهم بعضه بعضًا، وكان علي وأُبَيّ وأبو موسى يشبه علمهم بعضه بعضًا، يقتبس بعضهم من بعض.
وقال داود عن الشعبي: قضاة الأمة: عمر، وعلي، وزيد، وأبو موسى.
أسامة بن زيد، عن صفوان بن سليم، قال: لم يكن يفتي في المسجد زمن رسول الله ﷺ غير هؤلاء: عمر وعلي ومعاذ وأبي موسى.
قال أبو بردة: قال: إني تعلمت المعجم بعد وفاة النبي ﷺ ، فكانت كتابتي مثل العقارب.
أيوب، عن محمد، قال عمر: بالشام أربعون رجلًا، ما منهم رجل كان يلي أمر الأمة إلَّا أجزأه، فأرسل إليهم، فجاء رهط فيهم أبو موسى، فقال: إني أرسلك إلى قومٍ عَسْكَرَ الشيطان بين أظهرهم، قال: فلا ترسلني. قال: إن بها جهادًا ورباطًا، فأرسله إلى البصرة.
قال الحسن البصري: ما قدمها راكب خير لأهلها من أبي موسى.
قال ابن شوذب: كان أبو موسى إذا صلى الصبح استقبل الصفوف رجلًا رجلًا يقرئهم، ودخل البصرة على جمل أورق، وعليه خرج لما عزل.
قتادة، عن أنس: بعثني الأشعري إلى عمر، فقال لي: كيف تركت الأشعري؟ قلت: تركته يعلم الناس القرآن، فقال أما إنه كيس، ولا تسمعها إياه.
قال أبو بردة: كتبت عن أبي أحاديث، ففطن بي، فمحاها، وقال: خذ كما أخذنا.
أبو هلال، عن قتادة قال: بلغ أبا موسى أن ناسًا يمنعهم من الجمعة أن ليس لهم ثياب، فخرج على الناس في عباءة.
قال الزهري: استخلف عثمان فنزع أبا موسى عن البصرة، وأمَّر عليها عبد الله بن عامر بن كريز.
стр. 1690
قال خليفة: ولي أبو موسى البصرة سنة سبع عشرة بعد المغيرة، فلما افتتح الأهواز استخلف عمران بن حصين بالبصرة -ويقال: افتتحها صلحًا، فوظف عليها عشرة آلاف ألف وأربع مائة ألف.
وقيل: في سنة ثمان عشرة افتتح أبو موسى الرها وسُمَيْسَاط، وما والاها عنوة.
زهير بن معاوية: حدثنا حميد، حدثنا أنس، أن الهرمزان نزل على حكم عمر من تُستَر، فبعث به أبو موسى معي إلى أمير المؤمنين، فقدمت به، فقال له عمر: تكلم لا بأس عليك، فاستحياه، ثم أسلم وفرض له.
قال ابن إسحاق: سار أبو موسى من نهاوند، ففتح أصبهان سنة ثلاث وعشرين.
مجالد، عن الشعبي قال: كتب عمر في وصيته: ألَّا يَقِرَّ لي عامل أكثر من سنة، وأقروا الأشعري أربع سنين.
حميد بن هلال، عن أبي بردة: سمعت أبي يقسم ما خرج حين نزع عن البصرة، إلَّا بست مائة درهم.
الزهري، عن أبي سلمة: كان عمر إذا جلس عنده أبو موسى، ربما قال له: ذكرنا يا أبا موسى، فيقرأ.
وفي رواية تفرَّد بها رشدين بن سعد: فيقرأ ويتلاحن (١).
وقال ثابت، عن أنس: قدمنا البصرة مع أبي موسى، فقام من الليل يتهجّد، فلما أصبح قيل له: أصلح الله الأمير! لو رأيت إلى نسوتك وقرابتك وهم يستمعون لقراءتك، فقال: لو علمت لزيِّنت كتاب الله بصوتي، ولحبَّرته تحبيرًا (٢).
قال أبو عثمان النهدي: ما سمعت مزمارًا ولا طنبورًا ولا صنجًا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري؛ إن كان ليصلي بنا فنَوَدّ أنه قرأ البقرة من حسن صوته.
هشام بن حسان، عن واصل مولى أبي عيينة، عن لقيط، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: غزونا في البحر، فسرنا حتى إذا كنا في لجة البحر سمعنا مناديًا ينادي: يا أهل
стр. 1691
السفينة، قفوا أخبركم، فقمت فنظرت يمينًا وشمالًا فلم أر شيئًا، حتى نادى سبع مرار، فقلت: ألا ترى في أي مكان نحن؟ إنا لا نستطيع أن نقف، فقال: ألَا أخبرك بقضاء قضى الله على نفسه: إنه من عطش نفسه لله في يوم حار كان حقًّا على الله أن يرويه يوم القيامة. قال: وكان أبو موسى لا تكاد تلقاه في يوم حار إلَّا صائمًا.
ورواه ابن المبارك في "الزهد"، حدثنا حماد بن سلمة، عن واصل.
الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: خرجنا مع أبي موسى في غزاة، فجننا الليل في بستان خرب، فقام أبو موسى يصلي وقرأ قراءة حسنة، وقال: اللهم أنت المؤمن تحب المؤمن، وأنت المهيمن تحب المهيمن، وأنت السلام تحب السلام.
وروى صالح بن موسى الطلحي، عن أبيه قال: اجتهد الأشعري قبل موته اجتهادًا شديدًا، فقيل له: لو أمسكت ورفقت بنفسك، قال: إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها، أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقل من ذلك.
حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن أبا موسى كان له سراويل يلبسه مخافة أن يتكشّف.
الأعمش، عن شقيق، قال: كنا مع حذيفة جلوسًا، فدخل عبد الله وأبو موسى المسجد، فقال: أحدهما منافق، ثم قال: إن أشبه الناس هديًا ودلًّا وسمتًا برسول الله ﷺ عبد الله.
قلت: ما أدري ما وجه هذا القول، سمعه عبد الله بن نمير منه، ثم يقول الأعمش: حدثناهم بغضب أصحاب محمد ﷺ ، فاتخذه دينًا.
قال عبد الله بن إدريس: كان الأعمش به ديانة من خشيته.
قلت: رُمِيَ الأعمش بيسير تشيع، فما أدري.
ولا ريب أن غلاة الشيعة يبغضون أبا موسى ﵁؛ لكونه ما قاتل مع علي، ثم لما حكمه علي على نفسه عزله، وعزل معاوية، وأشار بابن عمر، فما انتظم من ذلك حال.
قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا عيسى بن علقمة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: قلت لعلي يوم الحكمين: لا تحكّم الأشعري؛ فإن معه رجلًا
стр. 1692
حذرًا مرسًا قارحًا (١)، فلُزَّنِي (٢) إلى جنبه، فلا يحل عقدة إلَّا عقدتها، ولا يعقد عقدة إلَّا حللتها. قال: يا ابن عباس، ما أصنع؟ إنما أوتَى من أصحابي قد ضعفت نيتهم وكلّوا، هذا الأشعث يقول: لا يكون فيها مضريان أبدًا حتى يكون أحدهما يمان، قال ابن عباس: فعذرته وعرفت أنه مضطهد (٣).
وعن عكرمة قال: حكَّم معاوية عمرًا، فقال الأحنف لعلي: حكّم ابن عباس، فإنه رجل مجرب، قال: أفعل. فأبت اليمانية، وقالوا: حتى يكون منّا رجل، فجاء ابن عباس إلى علي فقال: علام تحكّم أبا موسى، لقد عرفت رأيه فينا، فوالله ما نصرنا، وهو يرجو ما نحن فيه، فتدخله الآن في معاقد أمرنا، مع أنه ليس بصاحب ذلك، فإذا أبيت أن تجعلني مع عمرو فاجعل الأحنف بن قيس؛ فإنه مجرب من العرب، وهو قرن لعمرو، فقال: نعم، فأبت اليمانية أيضًا، فلما غلب جعل أبا موسى (٤).
قال أبو صالح السمان: قال علي: يا أبا موسى، احكم ولو على حز عنقي.
زيد بن الحباب: حدثنا سليمان بن المغيرة البكري، عن أبي بردة، عن أبي موسى: أنَّ معاوية كتب إليه: أمَّا بعد، فإن عمرو بن العاص قد بايعني على ما أريد، وأقسم بالله لئن بايعتني على الذي بايعني لأستعملنَّ أحد ابنيك على الكوفة، والآخر على البصرة؛ ولا يغلق دونك باب، ولا تقضى دونك حاجة، وقد كتبت إليك بخطي، فاكتب إليّ بخط يدك.
فكتب إليه: أمَّا بعد، فإنك كتبت إليَّ في جسيم أمر الأمة، فماذا أقول لربي إذا قدمت عليه، ليس لي فيما عرضت من حاجة، والسلام عليك.
قال أبو بردة: فلما ولي معاوية أتيته، فما أغلق دوني بابًا، ولا كانت لي حاجة إلَّا قُضِيَت.
стр. 1693
قلت: قد كان أبو موسى صوَّامًا قوامًا، ربانيًّا، زاهدًا، عابدًا، ممن جمع العلم والعمل والجهاد وسلامة الصدر، لم تغيره الإمارة، ولا اغترَّ بالدنيا.
ومن عواليه:
أخبرنا الفقيهان: يحيى بن أبي منصور، وعبد الرحمن بن محمد كتابه، قالا: أخبرنا عمر بن محمد، أخبرنا هبة الله بن محمد، أخبرنا محمد بن محمد بن غيلان، أخبرنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إبراهيم بن عبد الله البصري، حدثنا الأنصاري، حدثنا سليمان "ح". وبه إلى الشافعي، حدثنا محمد بن مسلمة -واللفظ له: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري، قال:
كنا مع النبي ﷺ في سفر، وكان القوم يصعدون ثنية أو عقبة، فإذا صعد الرجل قال: لا إله إلَّا الله والله أكبر -أحسبه قال: بأعلى صوته، ورسول الله ﷺ على بغلته يعترضها في الجبل، فقال: "أيها الناس، إنكم لا تنادون أصمّ ولا غائبًا"، ثم قال: "يا عبد الله بن قيس، أو يا أبا موسى، ألَا أدلك على كلمة من كنوز الجنة"، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "قل: لا حول ولا قوة إلَّا بالله" (١).
قد مَرَّ أن أبا موسى توفي سنة اثنتين وأربعين.
وقال أبو أحمد الحاكم: توفي سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث وأربعين.
وقال أبو نعيم، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وقعنب بن المحرر: توفي سنة أربع وأربعين.
وأما الواقدي فقال: مات سنة اثنتين وخمسين، وقال المدائني: سنة ثلاث وخمسين بعد المغيرة.
وقد ذكرت في "طبقات القراء": توفي أبو موسى في ذي الحجة، سنة أربع وأربعين على الصحيح.
ابن سعد: أخبرنا يزيد وعفان، قالا: حدثنا حمّاد، عن ثابت، عن أنس، أن أبا موسى
стр. 1694
كان حلو الصوت، فقام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي ﷺ ، فقمن يستمعن، فلما أصبح قيل له: إن النساء سمعنك، قال: لو علمت لحبرتكنَّ تحبيرًا، ولشوقتكنّ تشويقًا (١).
قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: كان عمر إذا رأى أبا موسى، قال: ذكرنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده.
شعبة، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة، قال عمر لأبي موسى: شوقنا إلى ربنا، فقرأ، فقالوا: الصلاة، فقال: أولسنا في صلاة! (٢).
روى حميد بن هلال، عن أبي بردة قال: حدثتني أمي قالت: خرج أبو موسى حين نزع عن البصرة، ما معه إلَّا ست مائة درهم عطاءً لعياله.
روى الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد قال: ما كنا نشبه كلام أبي موسى إلَّا بالجزار الذي ما يخطى المفصل (٣).
عن بعضهم، أنَّ أبا موسى أتى معاوية، وهو بالنخيلة، وعليه عمامة سوداء، وجبة سوداء، ومعه عصا سوداء.
ثابت، عن أنس قال: كان أبو موسى إذا نام لبس ثبانًا مخافة أن تنكشف عورته.
منصور بن المعتمر، عن أبي عمرو الشيباني، قال: قال أبو موسى: لأن يمتلئ منخري من ريح جيفة، أحب إلي من أن يمتلئ من ريح امرأة.
ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن قزعة، عن عبد الرحمن ابن مولى أم برثن، قال: قدم أبو موسى الأشعري وزياد على عمر ﵁، فرأى في يد زياد خاتمًا من ذهب، فقال: اتخذتم حلق الذهب، فقال أبو موسى: أمَّا أنا فخاتمي من حديد، فقال عمر: ذاك أنتن أو أخبث، من كان متختمًا فليتختم بخاتم من فضة.
قال ابن بريدة: كان أبو موسى أثط قصيرًا خفيف اللحم ﵁.
وله في "مسند بقي" ثلاث مائة وستون حديثًا.
стр. 1695
وقع له في "الصحيحين" تسعة وأربعون حديثًا، وتفرد البخاري بأربعة أحاديث، ومسلم بخمسة عشر حديثًا، وكان إمامًا ربانيًّا.
جوّد ترجمته ابن سعد وابن عساكر.
قال الواقدي وغيره: قدم أبو موسى مكة، وحالف أبا أحيحة الأموي، وأسلم بمكة، وهاجر إلى الحبشة.
وقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي بردة، عن أبيه: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر إلى أرض النجاشي، فبعث قريش عمرًا وعمارة بن الوليد، وجمعوا له هدية.
ولم يذكره ابن عقبة وابن إسحاق وأبو معشر فيمن هاجر إلى الحبشة.
قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، قال لي أبي: لو رأيتنا ونحن نخرج مع نبينا ﷺ ؛ إذ أصابتنا السماء، لوجدت منا ريح الضأن من لباسنا الصوف (١).
قال حميد بن هلال، عن أبي بردة، قال: حدثتني أمي قالت: خرج أبوك حين نزع عن البصرة، وما معه إلَّا ست مائة درهم عطاء عياله.
سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، قال: دخلت على معاوية حين أصابته قرحته، فقال: هلمَّ يا ابن أخي، فنظرت فإذا هو قد سبرت (٢) -يعني: قرحته- فقلت: ليس عليك بأس؛ إذ دخل ابنه يزيد، فقال له معاوية: إن وليت فاستوص بهذا، فإن أباه كان أخًا لي أو خليلًا، غير أني قد رأيت في القتال ما لم ير.
وقال أبو بردة: قال أبي: ائتني بكل شيء كتبته، فمحاه، ثم قال: احفظ كما حفظت.
ابن عون، عن الحسن، قال: كان الحكمان أبا موسى وعمرًا؛ وكان أحدهما يبتغي الدنيا، والآخر يبتغي الآخرة.
حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أبي مجلز: أنَّ أبا موسى قال: إني لأغتسل في البيت المظلم، فأحني ظهري حياءً من ربي.
стр. 1696
زهير بن معاوية، عن عبد الملك بن عمير قال: رأيت أبا موسى داخلًا من هذا الباب وعليه مقطع ومطرف حيريّ (١).
عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن أبي موسى: أنَّ النبي ﷺ قال: "اللهم اجعل عبيدًا أبا عامر فوق أكثر الناس يوم القيامة"، فقتل يوم أوطاس، فقتل أبو موسى قاتله.
الجريري، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى قال: أعمقوا لي قبري.
стр. 1697
١٧٩ - أبو أيوب الأنصاري (١): " ع"
الخزرجي، النجاري، البدري، السيد الكبير، الذي خصه النبي ﷺ بالنزول عليه في بني النجار، إلى أن بنيت له حجرة أم المؤمنين سودة، وبُنِيَ المسجد الشريف.
اسمه: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عمرو بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار بن ثعلبة بن الخزرج.
حدَّث عنه: جابر بن سمرة، والبراء بن عازب، والمقدام بن معد يكرب، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وجبير بن نفير، وسعيد بن المسيب، وموسى بن طلحة، وعروة بن الزبير، وعطاء بن يزيد الليثي، وأفلح مولاه، وأبو رهم السماعي (٢)، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وقرثع الضبي، ومحمد بن كعب، والقاسم أبو عبد الرحمن، وآخرون.
وله عدة أحاديث ففي "مسند بقي" له مائة وخمسة وخمسون حديثًا؛ فمنها في "البخاري ومسلم" سبعة. وفي "البخاري" حديث، وفي "مسلم" خمسة أحاديث.
حرملة: حدَّثنا ابن وهب، أخبرنا حيوة، أخبرنا الوليد بن أبي الوليد، حدثنا أيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري، عن أبيه عن جده:
стр. 1698
أن رسول الله ﷺ قال له: "اكتم الخطبة، ثم توضأ، ثم صل ما كتب الله لك، ثم احمد ربك ومجِّده، ثم قل: اللهم تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، فإن رأيت لي في فلانة -تسميها- خيرًا في ديني ودنياي وآخرتي فاقدرها لي، وإن كان غيرها خيرًا لي منها فأمض لي -أو قال: اقدرها لي" (١).
وفي سيرة ابن عباس: أنه كان أميرًا على البصرة لعلي، وأنَّ أبا أيوب الأنصاري وفد عليه، فبالغ في إكرامه، وقال: لأجزينَّك على إنزالك النبي ﷺ عندك، فوصله بكل ما في المنزل، فبلغ ذلك أربعين ألفًا.
الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أشياخه، عن أبي أيوب أنه قال: ادفنوني تحت أقدامكم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" (٢).
ابن علية، عن أيوب، عن محمد قال: شهد أبو أيوب بدرًا، ثم لم يتخلّف عن غزاة إلَّا عامًا استعمل على الجيش شاب، فقعد، ثم جعل يتلهّف ويقول: ما عليّ من استعمل
стр. 1699
عليَّ، فمرض وعلى الجيش يزيد بن معاوية، فأتاه يعوده، فقال: حاجتك؟ قال: نعم، إذا أنا مت فاركب بي، ثم تبيّغ بي في أرض العدو ما وجدت مساغًا، فإذا لم تجد مساغًا فادفنِّي ثم ارجع.
فلمَّا مات ركب بهو ثم سار به، ثم دفنه، وكان يقول: قال الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، لا أجدني إلَّا خفيفًا أو ثقيلًا.
وروى همام، عن عاصم بن بهدلة، عن رجل: أنَّ أبا أيوب قال ليزيد: أقرئ الناس مني السلام؛ ولينطلقوا بي، وليبعدوا ما استطاعوا، قال: ففعلوا.
قال الواقدي: توفي عام غزا يزيد في خلافة أبيه القسطنطينية، فلقد بلغني أنَّ الروم يتعاهدون قبره ويرمونه ويستسقون به، وذكره عروة والجماعة في البدريين.
وقال ابن إسحاق: شهد العقبة الثانية.
قال محمد بن سيرين: النجار، سُمِّيَ بذلك؛ لأنه اختتن بقدوم.
وعن ابن إسحاق: أنَّ النبي ﷺ آخى بين أبي أيوب ومصعب بن عمير.
شهد أبو أيوب المشاهد كلها.
وقال أحمد بن البرقي: جاء له نحو من خمسين حديثًا.
قال ابن يونس: قدم مصر في البحر سنة ست وأربعين.
وقال أبو زرعة النصري: قدم دمشق زمن معاوية.
وقال الخطيب: شهد حرب الخوارج مع علي.
جعفر بن جسر بن فرقد: أخبرنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، قال: قال أهل المدينة لرسول الله ﷺ : ادخل المدينة راشدًا مهديًا، فدخلها وخرج الناس ينظرون إليه، كلما مَرَّ على قوم قالوا: يا رسول الله، ههنا، فقال: "دعوها فإنها مأمورة" -يعني الناقة، حتى بركت على باب أبي أيوب (١).
стр. 1700
يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي رهم، أن أبا أيوب حدثه: أنَّ رسول الله ﷺ نزل في بيتنا الأسفل، وكنت في الغرفة، فأهريق ماء في الغرفة، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا نتتبع الماء، ونزلت فقلت: يا رسول الله، لا ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة، فأمر بمتاعه فنقل ومتاعه قليل، قلت: يا رسول الله، كنت ترسل بالطعام، فأنظر، فإذا رأيت أثر أصابعك وضعت فيه يدي (١).
بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبي أيوب قال: أقرعت الأنصار أيُّهم يؤوي رسول الله ﷺ ، فقرعهم أبو أيوب، فكان إذا أهدي لرسول الله ﷺ طعام أهدي لأبي أيوب، فدخل أبو أيوب يومًا، فإذا قصعة فيها بصل، فلم يأكل منها، وقال: "إنه يغشاني ما لا يغشاكم" (٢).
الصنعاني، حدثنا محمد بن سابق، حدثنا حشرج بن نباتة، عن إسحاق بن إبراهيم، سمع أبا قلابة يقول: حدثني أبو عبد الله الصنابحي، أن عبادة بن الصامت حدَّثه قال: خلوت برسول الله ﷺ فقلت: أيّ أصحابك أحبّ إليك، قال: "اكتم علي حياتي" قلت: نعم، قال: "أبو بكر، ثم عمر، ثم علي"، ثم سكت فقلت: ثم مَن، قال: "مَنْ عسى أن يكون بعد هؤلاء إلَّا الزبير وطلحة وسعد وأبو عبيدة، ومعاذ، وأبو طلحة، وأبو أيوب، وأنت، وأُبَيّ بن كعب، وأبو الدرداء، وابن مسعود، وابن عفان، وابن عوف، ثم هؤلاء الرهط من الموالي: سلمان وصهيب وبلال وسالم مولى أبي حذيفة، هؤلاء خاصَّتي". هذا حديث منكر، رواه الهيثم الشاشي في "مسنده".
стр. 1701
الواقدي: حدثنا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، قال: لما دخل رسول الله ﷺ بصفية، بات أبو أيوب على باب النبي ﷺ ، فلما أصبح فرأى رسول الله كَبَّر، ومع أبي أيوب السيف، فقال: يا رسول الله، كانت جارية حديثة عهد بعرس، وكنت قتلت أباها وأخاها وزوجها، فلم آمنها عليك، فضحك النبي ﷺ وقال له خيرًا.
غريب جدًّا، وله شويهد من حديث عيسى بن المحتار، وابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكر قريبًا منه.
وأبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عمر بن أبي بكر، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن مقسم عن جابر، بنحوه.
وابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، نحوه.
عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم قال: أعرست، فدعا أبي الناس فيهم أبو أيوب، وقد ستروا بيتي بجنادي أخضر، فجاء أبو أيوب فطأطأ رأسه، فنظر فإذا البيت مستر، فقال: يا عبد الله، تسترون الجدر، فقال أبي واستحيى: غلبنا النساء يا أبا أيوب، فقال: من خشيت أن تغلبه النساء، فلم أخش أن يغلبنّك، لا أدخل لكم بيتًا، ولا آكل لكم طعامًا!
غريب، رواه النفيلي عن ابن علية، عنه.
ابن أبي ذئب: عن عبد العزيز بن عباس، عن محمد بن كعب قال: كان أبو أيوب يخالف مروان فقال: ما يحملك على هذا؟ قال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصلي الصلوات، فإن وافقته وافقناك، وإن خالفته خالفناك.
مروان بن معاوية: عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبيه قال: انضمَّ مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصاري في البحر، وكان معنا رجل مزّاح، فكان يقول لصاحب طعامنا: جزاك الله خيرًا وبرًّا، فيغضب، فقلنا لأبي أيوب: هنا من إذا قلنا له: جزاك الله خيرًا يغضب، فقال: اقلبوه له. فكنَّا نتحدث: إنَّ من لم يصلحه الخير أصلحه الشر.
فقال له المزاح: جزاك الله شرًّا وعرًا، فضحك وقال: ما تدع مزاحك! (١).
ذكر خليفة أن عليًّا استعمل أبا أيوب على المدينة.
стр. 1702
وقال الحاكم: لم يشهد أبو أيوب مع عليٍّ صفين.
الأعمش عن أبي ظبيان: أنَّ أبا أيوب غزا زمن معاوية، فلما احتضر قال: إذا صاففتم العدوّ فادفنوني تحت أقدامكم.
ابن فضيل: حدثنا إبراهيم الهجَري، عن أبي صادق قال: قدم أبو أيوب الأنصاري العراق، فأهدت له الأزد جزرًا معي، فسلّمت وقلت: يا أبا أيوب، قد أكرمك الله بصحبة نبيه، وبنزوله عليك، فمالي أراك تستقبل الناس تقاتلهم بسيفك؟ قال: إن رسول الله عهد إلينا أن نقاتل مع عليٍّ الناكثين، فقد قاتلناهم، والقاسطين، فهذا وجهنا إليهم، -يعني: معاوية والمارقين- فلم أرهم بعد. هذا خبر واهٍ (١).
إسحاق بن سليمان الرازي: حدثنا أبو سنان، عن حبيب بن أبي ثابت: أنَّ أبا أيوب قدم على ابن عباس البصرة، ففرغ له بيته، وقال: لأصنعنَّ بك كما صنعت برسول الله ﷺ ، كم عليك? قال: عشرون ألفًا، فأعطاه أربعين ألفًا، وعشرين مملوكًا، ومتاع البيت.
ابن عون: حدثنا محمد، وحدثنا عمر بن كثير بن أفلح، وهذا حديثه قال: قدم أبو أيوب على معاوية فأجلسه معه على السرير، وحادثه وقال: يا أبا أيوب، من قتل صاحب الفرس البلقاء التي جعلت تجول يوم كذا وكذا? قال: أنا؛ إذ أنت وأبوك على الجمل الأحمر، معكما لواء الكفر، فنكس معاوية، وتنمر أهل الشام وتكلموا، فقال معاوية: مَهْ، وقال: ما نحن عن هذا سألناك.
أبو إسحاق الفزاري، عن إبراهيم بن كثير: سمعت عمارة بن غزية قال: دخل أبو أيوب على معاوية فقال: صدق رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: "يا معشر الأنصار، إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا" (٢). فبلغت معاوية فصدَّقه فقال: ما أجرأه، لا أكلمه أبدًا، ولا يئويني وإياه سقف. وخرج من فوره إلى الغزو، فمرض فعاده يزيد بن معاوية،
стр. 1703
وهو على الجيش، فقال: هل لك من حاجة? قال: ما ازددت عنك وعن أبيك إلَّا غنًى، إن شئت أن تجعل قبري مما يلي العدو … الحديث. الأعمش، عن أبي ظبيان قال: غزا أبو أيوب، فمرض فقال: إذا مت فاحملوني، فإذا صاففتم العدو فارموني تحت أقدامكم، أما إني سأحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" (١). إسناده قوي.
جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه قال: أتيت مصر، فرأيت الناس قد قفلوا من غزوهم، فأخبروني أنهم لما كانوا عند انقضاء مغزاهم؛ حيث يراهم العدو، حضر أبا أيوب الموت، فدعا الصحابة والناس فقال: إذا قبضت فلتركب الخيل ثم سيروا حتى تلقوا العدو فيردوكم، فاحفروا لي وادفنوني، ثم سووه، فلتطأ الخيل والرجال عليه حتى لا يعرف، فإذا رجعتم فأخبروا الناس أن رسول الله ﷺ أخبرني: "أنه لا يدخل النار أحد يقول: لا إله إلَّا الله" (٢).
قال الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز: أغزى معاوية ابنه في سنة خمس وخمسين في البر والبحر حتى أجاز بهم الخليج وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل.
وعن الأصمعي عن أبيه: أن أبا أيوب قبر مع سور القسطنطينية، وبني عليه فلما أصبحوا، قالت الروم: يا معشر العرب، قد كان لكم الليلة شأن. قالوا: مات رجل من أكابر أصحاب نبينا والله لئن نبش لا ضرب بناقوس في بلاد العرب. فكانوا إذا قحطوا، كشفوا عن قبره فأمطروا.
قال الواقدي: مات أبو أيوب سنة اثنتين وخمسين، وصلى عليه يزيد ودفن بأصل حصن القسطنطينية. فلقد بلغني أن الروم يتعاهدون قبره ويستسقون به (٣).
وقال خليفة: مات سنة خمسين. وقال يحيى بن بكير: سنة اثنتين وخمسين.
стр. 1704
١٨٠ - عبد الله بن سلام (١): " ع"
ابن الحارث، الإمام الحبر، المشهود له بالجنة، أبو الحارث الإسرائيلي، حليف الأنصار، من خواصِّ أصحاب النبي ﷺ .
حدَّث عنه: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن معقل، وعبد الله بن حنظلة بن الغسيل، وابناه: يوسف ومحمد، وبشر بن شغاف، وأبو سعيد المقرئ، وأبو بردة بن أبي موسى، وقيس بن عباد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وزرارة بن أوفى، وآخرون.
وكان فيما بلغنا ممن شهد فتح بيت المقدس. نقله الواقدي.
قال محمد بن سعد: اسمه الحصين، فغيِّره النبي ﷺ بعبد الله.
وروى قيس بن الربيع -وهو ضعيف- عن عاصم، عن الشعبي قال: أسلم عبد الله بن سلام قبل وفاة رسول الله ﷺ بعامين. فهذا قول شاذّ مردود بما في "الصحيح" من أنه أسلم وقت هجرة النبي ﷺ وقدومه.
قال ابن سعد: هو من ولد يوسف بن يعقوب ﵉، وهو حليف القواقلة.
قال: وله إسلام قديم بعد أن قدم النبي ﷺ المدينة، وهو من أحبار اليهود.
قال عوف الأعرابي: حدَّثنا زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، انجفل الناس عليه، وكنت فيمن انجفل، فلمَّا رأيته عرفت أنَّ وجهه ليس بوجه كذاب. فكان أول شيء سمعته يقول: "يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنَّة بسلام" (٢).
وروى حميد، عن أنس: أنَّ عبد الله بن سلام أتى رسول الله ﷺ مقدمه إلى المدينة، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمها إلَّا نبي، ما أوّل أشراط الساعة? وما أوّل ما يأكل أهل الجنة? ومن أين يشبه الولد أباه وأمه?
стр. 1705
فقال: "أخبرني بهنَّ جبريل آنفًا" قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: "أما أوّل أشراط الساعة فنار تخرج من المشرق، فتحشر الناس إلى المغرب، وأمَّا أول ما يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه: فإذا سبق ماء الرجل نزع إليه الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزع إليها" قال: أشهد أنك رسول الله.
وقال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي بهتوني، فأرسل إليهم فسلهم عنِّي.
فأرسل إليهم فقال: "أيّ رجل ابن سلام فيكم"؟ قالوا: حبرنا وابن حبرنا وعالمنا وابن عالمنا. قال: "أرأيتم إن أسلم تسلمون"؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. قال: فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، فقالوا: شرّنا وابن شرِّنا؛ وجاهلنا وابن جاهلنا، فقال: يا رسول الله، ألم أخبرك أنَّهم قوم بهت (١).
عبد الوارث: حدَّثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: أقبل نبيّ الله إلى المدينة، فقالوا: جاء نبي الله. فاستشرفوا ينظرون، وسمع ابن سلام -وهو في نخل يخترف- فعجل قبل أن يضع التي يخترف فيها، فسمع من النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله.
فلما خلا نبي الله، جاء فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، ولقد علمت اليهود أني سيدهم، وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فسلهم عنِّي قبل أن يعلموا أنِّي قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيَّ ما ليس فيّ، فأرسل إليهم فجاءوا فقال: "يا معشر اليهود، ويلكم! اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنِّي رسول الله حقًّا، وأني جئتكم بحق فأسلموا". قالوا: ما نعلمه. قال: "فأي رجل فيكم ابن سلام"؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: "أفرأيتم إن أسلم"؟ قالوا: حاشى لله، ما كان ليسلم، فقال: "اخرج عليهم". فخرج عليهم وقال: ويلكم، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله حقًّا. قالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ (٢).
ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، عن ابن
стр. 1706
عباس: إنَّ هذه الآية نزلت في ابن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن عبيد: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ (١) [آل عمران: ١١٣ - ١١٤].
مالك، عن سالم أبي النضر، عن عامر بن سعد، عن أبيه: قال: ما سمعت رسول الله يقول لأحد: إنه من أهل الجنة إلَّا لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] (٢).
حماد: حدثنا عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل من هذا الفجّ رجل من أهل الجنة"، فجاء ابن سلام (٣).
وجاء من غير وجه: أنه رأى رؤيا، فقصَّها على النبي ﷺ ، فقال له: "تموت وأنت مستمسك بالعروة الوثقى" (٤) إسنادها قوي.
قال ابن سعد: أخبرنا حماد بن عمرو، حدثنا زيد بن رفيع، عن معبد الجهني، عن يزيد بن عميرة، أنه لما احتضر معاذ قعد يزيد عند رأسه يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: أبكي لما فاتني من العلم، قال: إن العلم كما هو لم يذهب، فاطلبه عند أربعة، فسمَّاهم، وفيهم: عبد الله بن سلام، الذي قال رسول الله ﷺ فيه: "هو عاشر عشرة في الجنة" (٥).
стр. 1707
البخاري في "تاريخه": حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن يزيد بن عميرة الزبيدي، قال: لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له: أوصنا يا أبا عبد الرحمن، قال: التمسوا العلم عند أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، الذي أسلم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة" (١).
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] قال مجاهد: هو عبد الله بن سلام.
قال إبراهيم بن أبي يحيى: حدثنا معاذ بن عبد الرحمن، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه: أنه جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: إني قد قرأت القرآن والتوراة، فقال: "اقرأ بهذا ليلة، وبهذا ليلة". إسناده ضعيف (٢).
فإن صحَّ ففيه رخصة في التكرار على التوراة التي لم تبدل، فأمَّا اليوم فلا رخصة في ذلك؛ لجواز التبديل على جميع نسخ التوراة الموجودة، ونحن نعظّم التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇ ونؤمن بها، فأمَّا هذه الصحف التي بأيدي هؤلاء الضلّال، فما ندري ما هي أصلًا. ونقف فلا نعاملها بتعظيم ولا بإهانة، بل نقول: آمنَّا بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويكفينا في ذلك الإيمان المجمل، ولله الحمد.
عكرمة بن عمار، عن محمد بن القاسم، قال: زعم عبد الله بن حنظلة أنَّ عبد الله بن سلام مَرَّ في السوق عليه حزمة من حطب، فقيل له: أليس أغناك الله? قال: بلى، ولكن أردت أن أقمع الكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر" (٣).
اتفقوا على أن ابن سلام توفي سنة ثلاث وأربعين.
стр. 1708
وقد ساق الحافظ ابن عساكر ترجمته في بضع عشرة ورقة.
الواقدي، عن أبي معشر، عن المقبري، وآخر: أنَّ ابن سلام كان اسمه: الحصين، فغيِّره النبي ﷺ بعبد الله.
يزيد بن هارون، وجماعة قالوا: حدثنا حميد، عن أنس، أنَّ عبد الله بن سلام أتى النبي ﷺ لما قدم المدينة .... الحديث، وفيه قالوا: شرنا وابن شرنا ........... ، ونحو ذلك.
قال: يقول عبد الله: يا رسول الله، هذا الذي كنت أخاف (١).
حمَّاد بن سلمة، عن ثابت وحميد، عن أنس قال: قدم النبي ﷺ ، فأتاه ابن سلام، فقال: سائلك عن أشياء لا يعلمها إلَّا نبي، فإن أخبرتني بها آمنت بك … الحديث (٢).
هوذة: حدثنا عوف، عن الحسن قال: عبد الله بن سلام قال: أشهد أن اليهود يجدونك عندهم في التوراة، ثم أرسل إلى فلان وفلان نفر سمَّاهم، فقال: "ما عبد الله بن سلام فيكم وما أبوه"؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وعالمنا وابن عالمنا. قال: "أرأيتم إن أسلم أتسلمون"؟. قالوا: إنه لا يسلم، فدعاه فخرج عليهم وتشهَّد، فقالوا: يا عبد الله، ما كنَّا نخشاك على هذا، وخرجوا.
وأنزل الله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠].
إسحاق الأزرق: حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن قيس بن عباد قال: كنت في مسجد المدينة، فجاء رجل بوجهه أثر من خشوع، فقال القوم: هذا من أهل الجنة، فصلى ركعتين فأوجز فيهما، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله، فدخلت معه، فحدثته، فلما
стр. 1709
استأنس، قلت: إنهم قالوا لما دخلت المسجد: كذا، وكذا. قال: سبحان الله، ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك: إني رأيت رؤيا فقصصتها على النبي ﷺ ، رأيت كأنِّي في روضة خضراء، وسطها عمود حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه، فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقيل: استمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي، فلمَّا أصبحت أتيت رسول الله ﷺ ، فقصصتها عليه، فقال: "أما الروضة فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام حتى تموت". قال: وهو عبد الله بن سلام (١).
حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن المسيب بن رافع، عن خرشة بن الحر، قال: قدمت المدينة فجلست إلى شيخة في المسجد، فجاء شيخ يتوكأ على عصا له، فقال رجل: هذا رجل من أهل الجنة، فقام خلف سارية فصلَّى ركعتين، فقمت إليه، فقلت: زعم هؤلاء أنك من أهل الجنة، فقال: الجنة لله يدخلها من يشاء، إني رأيت على عهد رسول الله رؤيا؛ رأيت كأنَّ رجلًا أتاني فقال: انطلق، فسلك بي في منهج عظيم، فبينا أنا أمشي؛ إذ عرض لي طريق عن شمالي، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها، ثم عرضت لي طريق عن يميني، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق، فأخذ بيدي، فرحل بي، فإذا أنا على ذروته، فلم أتقارّ ولم أتماسك، وإذا عمود من حديد، في أعلاه عروة من ذهب، فأخذ بيدي، فرحل بي حتى أخذت بالعروة، فقال لي: استمسك بالعروة. فقصصتها على رسول الله ﷺ ، فقال: "رأيت خيرًا، أما المنهج العظيم فالمحشر، وأما الطريق التي عرضت عن شمالك فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأما التي عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء، وأما العروة فعروة الإسلام، فاستمسك بها حتى تموت" وهو عبد الله بن سلام (٢).
جرير، عن الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة، قال: كنت جالسًا في حلقة فيهم ابن سلام يحدثهم؛ فلمَّا قام قالوا: من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، فتبعته فسألته … فذكر الحديث بطوله (٣). وهو صحيح.
стр. 1710
وروى بشر بن شغاف، عن عبد الله بن سلام: أنه شهد فتح نهاوند.
قال أيوب، عن ابن سيرين، قال: نُبِّئتُ أن عبد الله بن سلام قال: إن أدركني، وليس لي ركوب فاحملوني، حتى تضعوني بين الصفين -يعني: قبال الأعماق.
محمد بن مصعب: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: كان عبد الله بن سلام إذا دخل المسجد سلَّم على النبي ﷺ ، وقال: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وإذا خرج سلّم على النبي ﷺ وتعوّذ من الشيطان (١).
حفص بن غياث: عن أشعث، عن أبي بردة بن أبي موسى قال: أتيت المدينة، فإذا عبد الله بن سلام جالس في حلقة متخشعًا، عليه سيماء الخير، فقال: يا أخي، جئت ونحن نريد القيام، فأذنت له، أو قلت: إذا شئت، فقام فاتبعته، فقال: من أنت? قلت: أنا ابن أخيك، أنا أبو بردة ابن أبي موسى، فرحَّب بي وسألني وسقاني سويقًا، ثم قال: إنكم بأرض الريف، وإنكم تسالفون الدهاقين، فيهدون لكم حملان القت والدواخل، فلا تقربوها، فإنها نار.
قد مَرَّ موت عبد الله في سنة ثلاث وأربعين بالمدينة، وأرَّخه جماعة.
أخبرنا عمر بن محمد العمريّ، وجماعة قالوا: أخبرنا عبد الله بن عمر، أخبرنا أبو الوقت السجزي، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أبو محمد بن حموية، أخبرنا عيسى بن عمر، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي، أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أيّ الأعمال أحبّ إلى الله لعملنا، فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ١ - ٢]. حتى ختمها، قال: فقرأها علينا رسول الله ﷺ حتى ختمها، قال أبو سلمة: فقرأها علينا عبد الله بن سلام، قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة،
стр. 1711
فقرأها علينا يحيى، فقرأها علينا الأوزاعي، فقرأها علينا محمد، فقرأها علينا الدارمي، فقرأها علينا عيسى، فقرأها علينا ابن حموية، فقرأها علينا الداودي، فقرأها علينا أبو الوقت، فقرأها علينا عبد الله بن عمر.
قلت: فقرأها علينا شيوخنا.
صفوان بن عمرو الحمصي: حدثنا عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف بن مالك قال: انطلق نبي الله وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود، فقال: "أروني يا معشر يهود اثني عشر رجلًا يشهدون أن محمدًا رسول الله، يحط الله عنكم الغضب" فأسكتوا، ثم أعاد عليهم فلم يجبه أحد.
قال: "فوالله، لأنا الحاشر، وأنا العاقب (١)، وأنا المصطفى، آمنتم أو كذَّبتم"، فلمَّا كاد يخرج، قال رجل: كما أنت يا محمد، أيّ رجل تعلمونني فيكم? قالوا: ما فينا أعلم منك، قال: فإني أشهد بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة، فقالوا: كذبت. فقال رسول الله ﷺ : "كذبتم".
قال: فخرجنا ونحن ثلاثة، وأنزلت: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ [الأحقاف: ١٠].
وفي الصحيح نحوه من حديث أنس بن مالك، وهو عبد الله -يعني: ابن سلام.
стр. 1712
١٨١ - زيد بن ثابت (١): " ع"
ابن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار بن ثعلبة.
الإمام الكبير، شيخ المقرئين والفرضيين (٢)، مفتي المدينة، أبو سعيد، وأبو خارجة الخزرجي، النجاري الأنصاري، كاتب الوحي ﵁.
حدَّث عن النبي ﷺ ، وعن صاحبيه، وقرأ عليه القرآن بعضه أو كله، ومناقبه جمة.
حدَّث عنه: أبو هريرة، وابن عباس -وقرآ عليه، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبو أمامة بن سهل، وعبد الله بن يزيد الخطمي، ومروان بن الحكم، وسعيد بن المسيب، وقبيصة بن ذؤيب، وابناه: الفقيه خارجة وسليمان، وأبان بن عثمان، وعطاء بن يسار وأخوه سليمان بن يسار، وعبيد بن السباق، والقاسم بن محمد، وعروة، وحجر المدري، وطاوس، وبسر بن سعيد، وخلق كثير.
وتلا عليه ابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، وغير واحد.
وكان من حملة الحجة، وكان عمر بن الخطاب يستخلفه -إذا حج- على المدينة.
وهو الذي تولَّى قسمة الغنائم يوم اليرموك، وقد قُتِلَ أبوه قبل الهجرة يوم بعاث، فربِّيَ زيد يتيمًا، وكان أحد الأذكياء، فلما هاجر النبي ﷺ أسلم زيد وهو ابن إحدى عشرة سنة، فأمره النبي ﷺ أن يتعلَّم خط اليهود ليقرأ له كتبهم، قال: "فإني لا آمنهم".
قال ابن سعد: ولد زيد بن ثابت سعيدًا، وبه كان يكنَّى، وأمه أم جميل.
وولد لزيد: خارجة، وسليمان، ويحيى، وعمارة، وإسماعيل، وأسعد، وعبادة، وإسحاق، وحسنة، وعمرة، وأم إسحاق، وأم كلثوم، وأمَّ هؤلاء أم سعد ابنة سعد بن الربيع أحد البدريين.
وولد له: إبراهيم، ومحمد، وعبد الرحمن، وأمّ حسن، من عمرة بنت معاذ بن أنس، وولد له: زيد، وعبد الرحمن، وعبيد الله، وأم كلثوم، لأم ولد. وسليط، وعمران، والحارث، وثابت، وصفية، وقريبة، وأم محمد لأمّ ولد.
قال البخاري ومسلم والنسائي: زيد يكنَّى أبا سعيد، ويقال: أبو خارجة.
وقال محمد بن أحمد المقدمي: له كنيتان.
روى خارجة عن أبيه، قال: قدم النبي -عليه الصلاة السلام- المدينة وأنا ابن إحدى عشرة سنة، وأمره النبي ﷺ أن يتعلّم كتابة يهود، قال: وكنت أكتب فأقرأ إذا كتبوا إليه.
ابن أبي الزناد: عن أبيه، عن خارجة، عن أبيه قال: أتي بي النبي ﷺ مقدمه المدينة، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أنزل عليك سبع عشرة سورة، فقرأت على رسول الله ﷺ ، فأعجبه ذلك، وقال: "يا زيد، تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمنهم على كتابي".
стр. 1713
قال: فتعلمته، فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، وكنت أكتب لرسول الله ﷺ إذا كتب إليهم (١).
الأعمش، عن ثابت بن عبيد، قال زيد: قال لي رسول الله: "أتحسن السريانية". قلت: لا، قال: "فتعلمها" فتعلمتها في سبعة عشر يومًا (٢).
الوليد بن أبي الوليد: حدثنا سليمان بن خارجة بن زيد، عن أبيه، عن جده، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته (٣).
يرويه الليث، عنه.
أبو إسحاق، عن البراء، قال لي رسول الله ﷺ : "ادع لي زيدًا، وقل له يجيء بالكتف والدواة" قال: فقال: "اكتب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: ٨٤] ........... ، وذكر الحديث (٤).
أخبرنا محمد بن عبد السلام، عن زينب بنت عبد الرحمن الشعرية، أخبرنا أحمد بن هبة الله، عن زينب وعبد المعز الهروي قالا: أخبرنا زاهر بن طاهر، أخبرنا أبو سعد الكنجروذي، أخبرنا أبو أحمد الحاكم، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي -هو ابن الجعد، أخبرنا ابن أبي ذئب، عن شرحبيل -يعني: ابن سعد- قال: كنت مع زيد بن ثابت بالأسواف، فأخذ طيرًا، فدخل زيد قال: فدفعوا في يدي وفروا، فأخذ الطير فأرسله، ثم ضرب في قفاي وقال: لا أمَّ لك، ألم تعلم أن رسول الله ﷺ حرَّم ما بين لابتيها (٥).
شرحبيل: فيه لين ما.
стр. 1714
وقال عبيد بن السباق: حدثني زيد أن أبا بكر قال له: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه.
فقلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ !.
قال: هو -والله- خير.
فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فكنت أتتبع القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال (١).
قال أنس: جَمعَ القرآن على عهد رسول الله أربعة كلهم من الأنصار: أُبَيّ، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (٢).
خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي ﷺ : "أفرض أمتي زيد بن ثابت" (٣).
وجاء نحوه من حديث ابن عمر.
مندل بن علي، عن ابن جريج، عن محمد بن كعب: قال رسول الله ﷺ : "أفرض أمتي زيد بن ثابت".
وقال الترمذي: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن داود العطار، عن معمر، عن قتادة، عن أنس: قال رسول الله ﷺ : "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر"، الحديث وفيه: "وأفرضهم زيد بن ثابت".
هذا غريب، وحديث الحذاء صحَّحه الترمذي (٤).
стр. 1715
قلت: بتقدير صحة: "أفرضهم زيد وأقرأهم أبيّ" لا يدل على تحتّم تقليده في الفرائض، كما لا يتعين تقليد أُبَيّ في قراءته، وما انفرد به.
روى عاصم عن الشعبي قال: غلب زيد الناس على اثنتين: الفرائض، والقرآن.
ويروى عن زيد قال: أجازني رسول الله ﷺ يوم الخندق، وكساني قبطية (١).
وعنه قال: أجزت في الخندق، وكانت وقعة بعاث وأنا ابن ست سنين.
داود بن أبي هند: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: لما توفي رسول الله قام خطباء الأنصار، فتكلموا، وقالوا: رجل منَّا ورجل منكم، فقام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله كان من المهاجرين، ونحن أنصاره، وإنما يكون الإمام من المهاجرين، ونحن أنصاره.
فقال أبو بكر: جزاكم الله خيرًا يا معشر الأنصار، وثبت قائلكم، لو قلتم غير هذا ما صالحناكم.
هذا إسناد صحيح. رواه الطيالسي في "مسنده". عن وهيب عنه.
روى الشعبي، عن مسروق، قال: كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ : عمر، وعلي، وابن مسعود وزيد، وأُبَيّ، وأبو موسى.
مجالد عن الشعبي، قال: القضاة أربعة: عمر، وعلي، وزيد، وابن مسعود.
وعن القاسم بن محمد: كان عمر يستخلف زيدًا في كل سفر.
وعن سالم: كنا مع ابن عمر يوم مات زيد بن ثابت، فقلت: مات عالم الناس اليوم، فقال ابن عمر: يرحمه الله، فقد كان عالم الناس في خلافة عمر وحبرها، فرقهم عمر في البلدان، ونهاهم أن يفتوا برأيهم، وحبس زيد بن ثابت بالمدينة يفتي أهلها.
وعن سليمان بن يسار، قال: ما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدًا في الفرائض والفتوى والقراءة والقضاء.
стр. 1716
وعن يعقوب بن عتبة: أنَّ عمر استخلف زيدًا، وكتب إليه من الشام: إلى زيد بن ثابت من عمر.
قال خارجة بن زيد: كان عمر يستخلف أبي، فقلَّمَا رجع إلَّا أقطعه حديقة من نخل.
الواقدي: حدَّثنا الضحاك بن عثمان، عن الزهري قال: قال ثعلبة ابن أبي مالك: سمعت عثمان يقول: من يعذرني من ابن مسعود؟ غضب إذ لم أُوَلِّه نسخ المصاحف! هلّا غضب على أبي بكر وعمر؛ إذ عزلاه عن ذلك ووليَّا زيدًا، فاتبعت فعلهما (١).
مغيرة عن الشعبي قال: تنازع أبي وعمر في جداد نخل، فبكى أبي ثم قال: أفي سلطانك يا عمر؟ قال: اجعل بيني وبينك رجلًا، قال أبي: زيد. فانطلقا حتى دخلا عليه فتحاكما إليه، فقال: بينتك يا أبي، قال: ما لي بينة، قال: فأعف أمير المؤمنين من اليمين، فقال عمر: لا تعف أمير المؤمنين من اليمين إن رأيتها عليه.
وتابعه سيار، عن الشعبي.
عبد الواحد بن زياد: حدَّثنا حجاج، عن نافع قال: استعمل عمر زيدًا على القضاء، وفرض له رزقًا.
الواقدي: حدَّثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، وآخر قالا: لما حصر عثمان، أتاه زيد بن ثابت، فدخل عليه الدار. فقال له عثمان: أنت خارج الدار أنفع لي منك ههنا، فذُبَّ عنِّي، فخرج فكان يذُبُّ الناس ويقول لهم فيه، حتى رجع أناس من الأنصار، وجعل يقول: يا للأنصار، كونوا أنصار لله مرتين، انصروه، والله إنَّ دمه لحرام.
فجاء أبو حية المازني مع ناس من الأنصار، فقال: ما يصلح معك أمر، فكان بينهما كلام وأخذ بتلبيب زيد هو وأناس معه، فمرَّ به ناس من الأنصار، فلمَّا رأوهم أرسلوه، وقال رجل منهم لأبي حية: أتصنع هذا برجل لو مات الليلة، ما دريت ما ميراثك من أبيك (٢).
قال الزهري: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمها غيرهما.
أخرجه الدارمي.
стр. 1717
وقال جعفر بن برقان: سمعت الزهري يقول: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض؛ لرأيت أنها ستذهب من الناس.
وروى سعيد بن عامر، عن حميد بن الأسود، قال: قال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد عمر زيد بن ثابت، وكان إمام الناس عندنا بعد زيد ابن عمر.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: الناس على قراءة زيد، وعلى فرض زيد.
وعن ابن عباس قال: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أنَّ زيد بن ثابت من الراسخين في العلم.
الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله، أنه كان يقول في أخوات لأب وأم، وإخوة وأخوات لأب: للأخوات للأب والأم الثلثان، فما بقي فللذكور دون الإناث.
فقَدِمَ مسروق المدينة، فسمع قول زيد فيها فأعجبه، فقال له بعض أصحابه: أتترك قول عبد الله فقال: أتيت المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم -يعني: كان زيد يشرك بين الباقين.
محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، أنَّ ابن عباس قام إلى زيد بن ثابت، فأخذ له بركابه فقال: تنحَّ يا ابن عمّ رسول الله ﷺ فقال: إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا.
قال علي بن المديني: لم يكن من الصحابة أحد له أصحاب حفظوا عنه وقاموا بقوله في الفقه إلَّا ثلاثة: زيد وعبد الله وابن عباس.
شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: بلغنا أنَّ زيد بن ثابت كان يقول إذا سُئِلَ عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا نعم، حدَّث فيه بالذي يعلم، وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون.
موسى بن علي بن رباح، عن أبيه قال: كان زيد بن ثابت إذا سأله رجل عن شيء قال: آلله كان هذا؟ فإن قال نعم تكلَّم فيه، وإلّا لم يتكلم.
الثوري، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، أنَّ مروان دعا زيد بن ثابت وأجلس له قومًا خلف ستر، فأخذ يسأله وهم يكتبون، ففطن زيد فقال: يا مروان! أغدرًا؟ إنما أقول برأيي.
رواه إبراهيم بن حميد الرؤاسي، عن ابن أبي خالد نحوه، "وزاد": فمحوه.
стр. 1718
هشام، عن ابن سيرين، قال: حجَّ بنا أبو الوليد، ونحن ولد سيرين سبعة، فمرَّ بنا على المدينة، فأدخلنا على زيد بن ثابت، فقال: هؤلاء بنو سيرين، فقال زيد: هؤلاء لأم، وهذان لأم، وهذان لأم، قال: فما أخطأ، وكان محمد ومعبد ويحيى لأم.
وروى الأعمش، عن ثابت بن عبيد، قال: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في أهله، وأزمته عند القوم.
هشام، عن ابن سيرين قال: خرج زيد بن ثابت يريد الجمعة، فاستقبل الناس راجعين، فدخل دارًا فقيل له: فقال: إنه من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله.
حمَّاد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: لما مات زيد بن ثابت، قال أبو هريرة: مات حبر الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا (١).
حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال: لما مات زيد، جلسنا إلى ابن عباس في ظلٍّ فقال: هكذا ذهاب العلماء، دُفِنَ اليوم علم كثير.
الواقدي، حدَّثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: لما مات زيد بن ثابت، وصلى عليه مروان، ونزل نساء العوالي، وجاء نساء الأنصار، فجعل خارجة يذكرهنَّ الله: لا تبكين عليه، فقلن: لا نسمع منك، ولنبكينَّ عليه ثلاثًا، وغلبنه.
قال الواقدي: وأرسل مروان بجزر فنحرت، وأطعموا الناس.
وفيه يقول حسان بن ثابت:
فمن للقوافي بعد حسّان وابنه … ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت
وقال جرير بن حازم: حدَّثنا قيس به سعد، عن مكحول: أنَّ عبادة ابن الصامت دعا نبطيًّا يمسك دابته عند بيت المقدس فأبى، فضربه فشجَّه، فاستعدى عليه عمر، فقال: ما دعاك إلى ما صنعت بهذا، قال: أمرته فأبى، وأنا في حدة فضربته، فقال: اجلس للقصاص، فقال زيد بن ثابت: أتقيد لعبدك من أخيك? فترك عمر القود، وقضى عليه بالدية.
ومن جلالة زيد أنَّ الصديق اعتمد عليه في كتابة القرآن العظيم في صحف، وجمعه من
стр. 1719
أفواه الرجال، ومن الأكتاف والرقاع، واحتفظوا بتلك الصحف مدة، فكانت عند الصديق، ثم تسلَّمها الفاروق، ثم كانت بعد عند أم المؤمنين حفصة، إلى أن ندب عثمان زيد بن ثابت ونفرًا من قريش إلى كتاب هذا المصحف العثمانيّ الذي به الآن في الأرض أزيد من ألفي ألف نسخة، ولم يبق بأيدي الأمة قرآن سواه، ولله الحمد.
وقد اختلفوا في وفاة زيد ﵁ على أقوال: فقال الواقدي -وهو إمام المؤرخين: مات سنة خمس وأربعين عن ست وخمسين سنة، وتبعه على وفاته يحيى بن بكير، وشباب، ومحمد بن عبد الله بن نمير.
وقال أبو عبيد: مات سنة خمس وأربعين، ثم قال: وسنة ست وخمسين أثبت.
وقال أحمد بن حنبل، وعمرو بن علي: سنة إحدى وخمسين.
وقال المدائني، والهيثم، ويحيى بن معين: سنة خمس وخمسين.
وقال أبو الزناد: سنة خمس وأربعين -فالله أعلم.
حفص (١)، عن عاصم، عن أبي عبد الرحمن قال: لم أخالف عليًّا في شيء من قراءته، وكنت أجمع حروف عليّ فألقى بها زيدًا في المواسم بالمدينة، فما اختلفا إلَّا في التابوت، كان زيد يقرأ بالهاء، وعلي بالتاء.
стр. 1720
١٨٢ - تميم الداري (١): " م، (٤) "
صاحب رسول الله ﷺ ، أبو رقية تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة اللخمي، الفلسطيني.
والدار: بطن من لخم، ولخم فخذ من يعرب بن قحطان.
وَفَدَ تميم الداري سنة تسع، فأسلم، فحدَّث عنه النبي ﷺ على المنبر بقصة الجساسة في أمر الدجال (٢).
ولتميم عدة أحاديث، وكان عابدًا، تلَّاءً لكتاب الله.
حدَّث عنه: ابن عباس، وابن موهب عبد الله، وأنس بن مالك، وكثير ابن مرة، وعطاء بن يزيد الليثي، وزرارة بن أوفى، وشهر بن حوشب، وآخرون.
قال ابن سعد: لم يزل بالمدينة حتى تحوّل بعد قتل عثمان إلى الشام.
قال البخاري: هو أخو أبي هند الداري، قال ابن سعد: كان وفد الداريين عشرة، فيهم تميم.
قال ابن جريج: قال عكرمة: لما أسلم تميم قال: يا رسول الله، إن الله مظهرك على الأرض كلها، فهب لي قريتي من بيت لحم، قال: "هي لك" وكتب له بها.
قال: فجاء تميم بالكتاب إلى عمر، فقال: أنا شاهد ذلك فأمضاه، وذكر الليث أنَّ النبي ﷺ قال له: "ليس لك أن تبيع".
قال: فهي في أيدي أهله إلى اليوم.
قال الواقدي: ليس للنبي ﷺ قطيعة سوى: حبرى، وبيت عينون، أقطعهما تميمًا وأخاه نعيمًا.
وفي "الصحيح" من حديث ابن عباس قال: خرج سهمي مع تميم الداري، وعدي بن بداء، فمات بأرض كفر، فقدما بتركته، ففقدوا جامًا من فضة، فأحلفهما رسول الله ﷺ ، ثم وجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي.
فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأنَّ الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت آية: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١١٠] (٣).
قال قتادة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٥] قال: سلمان، وابن سلّام، وتميم الداري.