← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وعن يعقوب بن عتبة: أنَّ عمر استخلف زيدًا، وكتب إليه من الشام: إلى زيد بن ثابت من عمر. قال خارجة بن زيد: كان عمر يستخلف أبي، فقلَّمَا رجع إلَّا أقطعه حديقة من نخل. الواقدي: حدَّثنا الضحاك بن عثمان، عن الزهري قال: قال ثعلبة ابن أبي مالك: سمعت عثمان يقول: من يعذرني من ابن مسعود؟ غضب إذ لم أُوَلِّه نسخ المصاحف! هلّا غضب على أبي بكر وعمر؛ إذ عزلاه عن ذلك ووليَّا زيدًا، فاتبعت فعلهما (١). مغيرة عن الشعبي قال: تنازع أبي وعمر في جداد نخل، فبكى أبي ثم قال: أفي سلطانك يا عمر؟ قال: اجعل بيني وبينك رجلًا، قال أبي: زيد. فانطلقا حتى دخلا عليه فتحاكما إليه، فقال: بينتك يا أبي، قال: ما لي بينة، قال: فأعف أمير المؤمنين من اليمين، فقال عمر: لا تعف أمير المؤمنين من اليمين إن رأيتها عليه. وتابعه سيار، عن الشعبي. عبد الواحد بن زياد: حدَّثنا حجاج، عن نافع قال: استعمل عمر زيدًا على القضاء، وفرض له رزقًا. الواقدي: حدَّثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، وآخر قالا: لما حصر عثمان، أتاه زيد بن ثابت، فدخل عليه الدار. فقال له عثمان: أنت خارج الدار أنفع لي منك ههنا، فذُبَّ عنِّي، فخرج فكان يذُبُّ الناس ويقول لهم فيه، حتى رجع أناس من الأنصار، وجعل يقول: يا للأنصار، كونوا أنصار لله مرتين، انصروه، والله إنَّ دمه لحرام. فجاء أبو حية المازني مع ناس من الأنصار، فقال: ما يصلح معك أمر، فكان بينهما كلام وأخذ بتلبيب زيد هو وأناس معه، فمرَّ به ناس من الأنصار، فلمَّا رأوهم أرسلوه، وقال رجل منهم لأبي حية: أتصنع هذا برجل لو مات الليلة، ما دريت ما ميراثك من أبيك (٢). قال الزهري: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمها غيرهما. أخرجه الدارمي.

стр. 1717

وقال جعفر بن برقان: سمعت الزهري يقول: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض؛ لرأيت أنها ستذهب من الناس. وروى سعيد بن عامر، عن حميد بن الأسود، قال: قال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد عمر زيد بن ثابت، وكان إمام الناس عندنا بعد زيد ابن عمر. قال أحمد بن عبد الله العجلي: الناس على قراءة زيد، وعلى فرض زيد. وعن ابن عباس قال: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أنَّ زيد بن ثابت من الراسخين في العلم. الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله، أنه كان يقول في أخوات لأب وأم، وإخوة وأخوات لأب: للأخوات للأب والأم الثلثان، فما بقي فللذكور دون الإناث. فقَدِمَ مسروق المدينة، فسمع قول زيد فيها فأعجبه، فقال له بعض أصحابه: أتترك قول عبد الله فقال: أتيت المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم -يعني: كان زيد يشرك بين الباقين. محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، أنَّ ابن عباس قام إلى زيد بن ثابت، فأخذ له بركابه فقال: تنحَّ يا ابن عمّ رسول الله ﷺ فقال: إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا. قال علي بن المديني: لم يكن من الصحابة أحد له أصحاب حفظوا عنه وقاموا بقوله في الفقه إلَّا ثلاثة: زيد وعبد الله وابن عباس. شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: بلغنا أنَّ زيد بن ثابت كان يقول إذا سُئِلَ عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا نعم، حدَّث فيه بالذي يعلم، وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون. موسى بن علي بن رباح، عن أبيه قال: كان زيد بن ثابت إذا سأله رجل عن شيء قال: آلله كان هذا؟ فإن قال نعم تكلَّم فيه، وإلّا لم يتكلم. الثوري، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، أنَّ مروان دعا زيد بن ثابت وأجلس له قومًا خلف ستر، فأخذ يسأله وهم يكتبون، ففطن زيد فقال: يا مروان! أغدرًا؟ إنما أقول برأيي. رواه إبراهيم بن حميد الرؤاسي، عن ابن أبي خالد نحوه، "وزاد": فمحوه.

стр. 1718

هشام، عن ابن سيرين، قال: حجَّ بنا أبو الوليد، ونحن ولد سيرين سبعة، فمرَّ بنا على المدينة، فأدخلنا على زيد بن ثابت، فقال: هؤلاء بنو سيرين، فقال زيد: هؤلاء لأم، وهذان لأم، وهذان لأم، قال: فما أخطأ، وكان محمد ومعبد ويحيى لأم. وروى الأعمش، عن ثابت بن عبيد، قال: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في أهله، وأزمته عند القوم. هشام، عن ابن سيرين قال: خرج زيد بن ثابت يريد الجمعة، فاستقبل الناس راجعين، فدخل دارًا فقيل له: فقال: إنه من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله. حمَّاد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: لما مات زيد بن ثابت، قال أبو هريرة: مات حبر الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا (١). حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال: لما مات زيد، جلسنا إلى ابن عباس في ظلٍّ فقال: هكذا ذهاب العلماء، دُفِنَ اليوم علم كثير. الواقدي، حدَّثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: لما مات زيد بن ثابت، وصلى عليه مروان، ونزل نساء العوالي، وجاء نساء الأنصار، فجعل خارجة يذكرهنَّ الله: لا تبكين عليه، فقلن: لا نسمع منك، ولنبكينَّ عليه ثلاثًا، وغلبنه. قال الواقدي: وأرسل مروان بجزر فنحرت، وأطعموا الناس. وفيه يقول حسان بن ثابت: فمن للقوافي بعد حسّان وابنه … ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت وقال جرير بن حازم: حدَّثنا قيس به سعد، عن مكحول: أنَّ عبادة ابن الصامت دعا نبطيًّا يمسك دابته عند بيت المقدس فأبى، فضربه فشجَّه، فاستعدى عليه عمر، فقال: ما دعاك إلى ما صنعت بهذا، قال: أمرته فأبى، وأنا في حدة فضربته، فقال: اجلس للقصاص، فقال زيد بن ثابت: أتقيد لعبدك من أخيك? فترك عمر القود، وقضى عليه بالدية. ومن جلالة زيد أنَّ الصديق اعتمد عليه في كتابة القرآن العظيم في صحف، وجمعه من

стр. 1719

أفواه الرجال، ومن الأكتاف والرقاع، واحتفظوا بتلك الصحف مدة، فكانت عند الصديق، ثم تسلَّمها الفاروق، ثم كانت بعد عند أم المؤمنين حفصة، إلى أن ندب عثمان زيد بن ثابت ونفرًا من قريش إلى كتاب هذا المصحف العثمانيّ الذي به الآن في الأرض أزيد من ألفي ألف نسخة، ولم يبق بأيدي الأمة قرآن سواه، ولله الحمد. وقد اختلفوا في وفاة زيد ﵁ على أقوال: فقال الواقدي -وهو إمام المؤرخين: مات سنة خمس وأربعين عن ست وخمسين سنة، وتبعه على وفاته يحيى بن بكير، وشباب، ومحمد بن عبد الله بن نمير. وقال أبو عبيد: مات سنة خمس وأربعين، ثم قال: وسنة ست وخمسين أثبت. وقال أحمد بن حنبل، وعمرو بن علي: سنة إحدى وخمسين. وقال المدائني، والهيثم، ويحيى بن معين: سنة خمس وخمسين. وقال أبو الزناد: سنة خمس وأربعين -فالله أعلم. حفص (١)، عن عاصم، عن أبي عبد الرحمن قال: لم أخالف عليًّا في شيء من قراءته، وكنت أجمع حروف عليّ فألقى بها زيدًا في المواسم بالمدينة، فما اختلفا إلَّا في التابوت، كان زيد يقرأ بالهاء، وعلي بالتاء.

стр. 1720

١٨٢ - تميم الداري (١): " م، (٤) " صاحب رسول الله ﷺ ، أبو رقية تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة اللخمي، الفلسطيني. والدار: بطن من لخم، ولخم فخذ من يعرب بن قحطان. وَفَدَ تميم الداري سنة تسع، فأسلم، فحدَّث عنه النبي ﷺ على المنبر بقصة الجساسة في أمر الدجال (٢). ولتميم عدة أحاديث، وكان عابدًا، تلَّاءً لكتاب الله. حدَّث عنه: ابن عباس، وابن موهب عبد الله، وأنس بن مالك، وكثير ابن مرة، وعطاء بن يزيد الليثي، وزرارة بن أوفى، وشهر بن حوشب، وآخرون. قال ابن سعد: لم يزل بالمدينة حتى تحوّل بعد قتل عثمان إلى الشام. قال البخاري: هو أخو أبي هند الداري، قال ابن سعد: كان وفد الداريين عشرة، فيهم تميم. قال ابن جريج: قال عكرمة: لما أسلم تميم قال: يا رسول الله، إن الله مظهرك على الأرض كلها، فهب لي قريتي من بيت لحم، قال: "هي لك" وكتب له بها. قال: فجاء تميم بالكتاب إلى عمر، فقال: أنا شاهد ذلك فأمضاه، وذكر الليث أنَّ النبي ﷺ قال له: "ليس لك أن تبيع". قال: فهي في أيدي أهله إلى اليوم. قال الواقدي: ليس للنبي ﷺ قطيعة سوى: حبرى، وبيت عينون، أقطعهما تميمًا وأخاه نعيمًا. وفي "الصحيح" من حديث ابن عباس قال: خرج سهمي مع تميم الداري، وعدي بن بداء، فمات بأرض كفر، فقدما بتركته، ففقدوا جامًا من فضة، فأحلفهما رسول الله ﷺ ، ثم وجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأنَّ الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت آية: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١١٠] (٣). قال قتادة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٥] قال: سلمان، وابن سلّام، وتميم الداري.

стр. 1721

وروى قرة، عن ابن سيرين، قال: جمع القرآن على عهد رسول الله: أُبَيّ وعثمان وزيد وتميم الداري. وروى أبو قلابة، عن أبي المهلب: كان تميم يختم القرآن في سبع. وروى عاصم الأحول، عن ابن سيرين: إن تميمًا الداري كان يقرأ القرآن في ركعة. وروى أبو الضحى، عن مسروق: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، صلى ليلة حتى أصبح، أو كاد يقرأ آية يرددها ويبكي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢٠]. أبو نباتة يونس بن يحيى، عن المنكدر بن محمد، عن أبيه: إن تميمًا الداري نام ليلة لم يقم يتهجَّد، فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع. سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن رجل قال: أتيت تميمًا الداري فحدَّثنا، فقلت: كم جزؤك؟ قال: لعلك من الذين يقرأ أحدهم القرآن ثم يصبح فيقول: قد قرأت القرآن في هذه الليلة، فوالذي نفسي بيده، لأن أصلي ثلاث ركعات نافلة أحبَّ إليَّ من أن أقرأ القرآن في ليلة، ثم أصبح فأخبر به، فلما أغضبني، قلت: والله إنكم -معاشر صحابة رسول الله ﷺ ، من بقي منكم- لجدير أن تسكتوا فلا تعلموا، وأن تعنفوا من سألكم. فلما رآني قد غضبت لان وقال: ألَا أحدثك يا ابن أخي? أرأيت إن كنت أنا مؤمنًا قويًّا وأنت مؤمن ضعيف، فتحمل قوتي على ضعفك، فلا تستطيع، فتنبت، أو رأيت إن كنت أنت مؤمنًا قويًّا، وأنا مؤمن ضعيف، حين أحمل قوتك على ضعفي، فلا أستطيع، فأنبت، ولكن خذ من نفسك لدينك، ومن دينك لنفسك، حتى يستقيم لك الأمر على عبادة تطيقها. حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن معاوية بن حرمل، قال: قدمت المدينة، فلبثت في المسجد ثلاثًا لا أطعم، فأتيت عمر فقلت: تائب من قبل أن تقدر عليه، قال: من أنت؟ قلت: معاوية بن حرمل، قال: اذهب إلى خير المؤمنين فانزل عليه. قال: وكان تميم الداري إذا صلَّى ضرب بيديه على يمينه وشماله، فذهب برجلين، فصليت إلى جنبه، فأخذني، فأتينا بطعام، فبينا نحن ذات ليلة؛ إذ خرجت نار بالحرة، فجاء عمر إلى تميم فقال: قم إلى هذه النار، فقال: يا أمير المؤمنين! ومن أنا، وما أنا.

стр. 1722

فلم يزل به حتى قام معه، وتبعتهما، فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها بيده حتى دخلت الشعب، ودخل تميم خلفها، فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير -قالها ثلاثًا. سمعها عفان من حماد، وابن حرمل: لا يعرف. قتادة عن ابن سيرين، وقتادة أيضًا عن أنس: أنَّ تميمًا الداري اشترى رداء بألف درهم، يخرج فيه إلى الصلاة. وروى حماد، عن ثابت أنَّ تميمًا أخذ حُلَّة بألف، يلبسها في الليلة التى ترجى فيها ليلة القدر. وروى الزهري، عن السائب بن يزيد قال: أوّل من قصَّ تميم الداري، استأذن عمر فأذن له، فقصَّ قائمًا. أسامة بن زيد، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن: إنَّ تميمًا استأذن عمر في القصص سنين، ويأبى عليه، فلمَّا أكثر عليه قال: ما تقول؟ قال: أقرأ عليهم القرآن، وآمرهم بالخير، وأنهاهم عن الشر. قال عمر: ذاك الربح. ثم قال: عظ قبل أن أخرج للجمعة. فكان يفعل ذلك، فلما كان عثمان استزاده، فزاده يومًا آخر. خالد بن عبد الله، عن بيان، عن وبرة، قال: رأى عمر تميمًا الداري يصلي بعد العصر، فضربه بدرته على رأسه، فقال له تميم: يا عمر، تضربني على صلاة صليتها مع رسول الله ﷺ ، قال: يا تميم، ليس كل الناس يعلم ما تعلم (١). وأخرج ابن ماجه بإسناد ضعيف، عن أبي سعيد، قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري (٢). يقال: وجد على بلاطة قبر تميم الداري: مات سنة أربعين، وحديثه يبلغ ثمانية عشر حديثًا. منها في "صحيح مسلم" حديث واحد.

стр. 1723

١٨٣ - أبو قتادة الأنصاري السلمي (١): " ع" فارس رسول الله ﷺ ، شهد أحدًا والحديبية، وله عدة أحاديث. اسمه: الحارث بن ربعي على الصحيح، وقيل: اسمه النعمان. وقيل: عمرو. حدَّث عنه: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يسار، وعلي بن رباح، وعبد الله بن رباح الأنصاري، وعبد الله بن معبد الزماني، وعمرو بن سليم الزرقي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومعبد بن كعب بن مالك، وابنه عبد الله بن أبي قتادة، ومولاه نافع، وآخرون. روى إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع" (٢). الواقدي: حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن أمه، عن أبيه، قال: قال أبو قتادة: إني لأغسل رأسي، قد غسلت أحد شقيه؛ إذ سمعت فرسي جروة تصهل وتبحث بحافرها، فقلت: هذه حرب قد حضرت. فقمت ولم أغسل شق رأسي الآخر، فركبت وعليَّ بردة، فإذا رسول الله ﷺ يصيح: الفزع الفزع! قال: فأدرك المقداد، فسايرته ساعة، ثم تقدمه فرسي، وكان أجود من فرسه، وأخبرني

стр. 1724

المقداد بقتل مسعدة محرزًا -يعني: ابن نضلة- فقلت للمقداد: إما أن أموت، أو أقتل قاتل محرز. فضرب فرسه فلحقه أبو قتادة، فوقف له مسعدة، فنزل أبو قتادة فقتله، وجنب فرسه معه. قال: فلما مَرَّ الناس، تلاحقوا ونظروا إلى بردي فعرفوها، وقالوا: أبو قتادة قتل، فقال رسول الله ﷺ : "لا، ولكنه قتيل أبي قتادة، عليه برده، فخلوا بينه وبين سلبه وفرسه". قال: فلما أدركني قال: "اللهم بارك له في شعره وبشره، أفلح وجهك، قتلت مسعدة"؟ قلت: نعم قال: "فما هذا الذي بوجهك" قلت: سهم رميت به، قال: "فادن منِّي" فبصق عليه، فما ضرب عليّ قط، ولا قاح. فمات أبو قتادة وهو ابن سبعين سنة، وكأنَّه ابن خمس عشرة سنة. قال: وأعطاني فرس مسعدة وسلاحه. مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا رأيت رجلًا قد علا المسلمين، فاستدرت له من ورائه، فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربةً قطعت منها الدرع، فأقبل عليّ وضمَّني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أرسلني ومات. إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلًا له بينة فله سلبه". فقمت، فقلت: من يشهد لي، وقصصت عليه، فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي، فأرضه منه. فقال أبو بكر: لا ها الله، إذًا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه! فقال النبي ﷺ : "صدق"، فأعطانيه، فبعث الدرع وابتعت به مخرفًا في بني سلمة، فإنه لأوّل مال تأثلته في الإسلام (١). قال ابن سعد: كانت سرية أبي قتادة إلى حضرة، وهي بنجد، سنة ثمان وكان في خمسة عشر رجلًا، فغنموا مائتي بعير، وألفيّ شاة، وسبوا سبيًا، ثم سرية أبي قتادة إلى بطن إضم بعد شهر.

стр. 1725

الدراوردي، عن أسيد بن أبي أسيد، عن أبيه: قلت لأبي قتادة: مالك لا تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث عنه الناس? فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كذب عليَّ فليشهد لجنبه مضجعًا من النار" (١). وجعل رسول الله ﷺ يقول ذلك ويمسح الأرض بيده. سمعه قتيبة منه. شعبة، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أخبرني من هو خير منِّي أبو قتادة: أنَّ رسول الله ﷺ قال لعمَّار: "تقتلك الفئة الباغية" (٢). ابن سعد، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني عبد الله ابن عبيد بن عمير: أنَّ عمر بعث أبا قتادة فقتل ملك فارس بيده وعليه منطقة قيمتها خمسة عشر ألفًا، فنفلها إياه عمر. قال خليفة: استعمل عليٌّ على مكة أبا قتادة الأنصاري، ثم عزله بقثم ابن العباس. معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل: أنَّ معاوية قدم المدينة، فلقيه أبو قتادة فقال: تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار، فما منعكم? قالوا: لم يكن لنا دوابّ، قال: فأين النواضح? (٣) قال أبو قتادة: عقرناها في طلب أبيك يوم بدر، إن رسول الله ﷺ قال

стр. 1726

لنا: "إنكم ستلقون بعدي أثرة". قال معاوية: فما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر، قال: فاصبروا (١). وروي أن عليًّا كبَّر على أبي قتادة سبعًا. فقال أبو بكر البيهقي: هذا غلط، فإن أبا قتادة تأخَّر عن علي. وقال الواقدي: لم أر بين ولد أبي قتادة وأهل البلد عندنا اختلاف أنه توفي بالمدينة. قال: وروى أهل الكوفة أنه توفي بها، وأن عليًّا صلى عليه. قال يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة والمدائني، وسعيد بن عفير، وابن بكير، وشباب، وابن نمير: مات أبو قتادة سنة أربع وخمسين. معمر عن قتادة، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره؛ إذ تأخَّر عن الراحلة، فدعمته بيدي حتى استيقظ، فقال: "اللهم احفظ أبا قتادة كما حفظني منذ الليلة، ما أرانا إلَّا قد شققنا عليك" (٢). قال ابن سعد: أبو قتادة بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة. قال: وقد اختلف علينا في اسمه، فقال ابن إسحاق: الحارث، وقال ابن عمارة والواقدي: النعمان، وقيل: عمرو.

стр. 1727

وله أولاد وهم: عبد الله، وعبد الرحمن، وثابت، وعبيد، وأم البنين، وأم أبان. شهد أحدًا والخندق. أيوب، عن محمد، أنَّ النبي ﷺ أرسل إلى أبي قتادة، فقيل: يترجّل، ثم أرسل إليه فقيل: يترجل، ثم أرسل إليه فقيل: يترجل، فقال: "احلقوا رأسه". فجاء فقال: يا رسول الله، دعني هذه المرة، فوالله لأعتبنَّك (١)، فكان أوَّل ما لقي قتل رأس المشركين مسعدة (٢). معن القزاز: حدثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن سيرين، أن رسول الله ﷺ رأى أبا قتادة يصلي ويتقي شعره، فأراد أن يجزه، فقال: يا رسول الله، إن تركته لأرضينك، فتركه، فأغار مسعدة الفزاري على سرح أهل المدينة، فركب أبو قتادة فقتله وغشَّاه ببردته (٣). حماد بن سلمة: أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، أنَّ النبي ﷺ قال: "من قتل كافرًا فله سلبه"، فقال أبو قتادة: يا رسول الله، إني ضربت رجلًا على حبل عاتقه، وعليه درع له، فأجهضت عنه، فقال رجل: أنا أخذتها، فأرضه منها وأعطنيها، وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئًا إلَّا أعطاه، أو سكت فسكت. فقال عمر: لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها، فضحك رسول الله ﷺ وقال: "صدق عمر" (٤). وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، أنّ أبا قتادة قال: خرجنا مع النبي ﷺ عام حنين .... الحديث بنحو منه. وفيه: فقال أبو بكر: لا ها الله! إذًا لا يعمد إلى أسد من أسد الله فيعطيك سلبه، فأعطاني الدرع فبعته. قال: فابتعت به مخرفًا، فإنه لأول مال تأثلته (٥). الواقدي: حدثنا أسامة بن زيد الليثي، عن الأعرج، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: لما كان يوم حنين، قتلت رجلًا، فجاء رجل فنزع عنه درعه، فخاصمته إلى رسول الله ﷺ ، فقضى لي بها، فبعتها بسبع أواقي من حاطب بن أبي بلتعة. قال قتادة: كان أبو قتادة يلبس الخز. قال الواقدي: لم أر بين ولد أبي قتادة وأهل بلدنا اختلافًا أنَّ أبا قتادة توفي بالمدينة. ابن نمير: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي، قال: صلى عليٌّ على أبي قتادة، فكبَّر عليه سبعًا.

стр. 1728

١٨٤ - عمرو بن عبسة (١): " م. (٤) " ابن خالد بن حذيفة، الإمام الأمير، أبو نجيح السلمي البجلي، أحد السابقين، ومن كان يقال: هو ربع الإسلام. روى أحاديث. روى عنه: أبو أمامة الباهلي، وسهل بن سعد، وجبير بن نفير، وكثير ابن مرة، وضمرة بن حبيب، والصنابحي، وعديّ بن أرطاة، وحبيب بن عبيد، وعدة. وقيل: إنَّ ابن مسعود روى عنه. وكان من أمراء الجيش يوم وقعة اليرموك. قال عمرو بن أبي سلمة التِّنِّيسي: حدَّثنا صدقة بن عبد الله، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن ابن عائذ، عن جبير بن نفير، قال: كان أبو ذر الغفاري، وعمرو بن عبسة، كلاهما يقول: لقد رأيتني ربع الإسلام مع رسول الله، لم يسلم قبلي إلَّا النبي ﷺ وأبو بكر، وبلال، كلاهما حتى لا يدرى متى أسلم الآخر (٢).

стр. 1729

نزل عمرو حمص باتفاق، ويقال: شهد بدرًا، وما تابع أحد عبد الصمد بن سعيد، وأحمد بن محمد بن عيسى على ذا. وبنو بجيلة: رهط من سليم. عكرمة بن عمار: حدثنا شداد أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة -وقد لقي شداد أبا أمامة- قال: قال عمرو بن عبسة: قدمت مكة، فإذا رسول الله ﷺ حراء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه، فقلت: ما أنت? قال: "نبي"، قلت: وما نبي؟ قال: "أرسلني الله"، قلت: بِمَ أرسلك؟ قال: "بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحّد الله". قلت: من معك على هذا؟ قال: "حر وعبد". قال: ومعه أبو بكر وبلال، فقلت: إني متبعك، قال: "إنك لا تستطيع ذاك يومك هذا، ألَا ترى حالي، فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني". فذهبت إلى أهلي، وجعلت أتخبر الأخبار، حتى قدم على أهل يثرب، فقدمت المدينة فأتيته … وذكر الحديث (١). أبو صالح: حدثني معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر وضمرة بن حبيب وآخر: سمعوا أبا أمامة، سمع عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو نازل بعكاظ، فقلت: من معك؟ قال: "أبو بكر وبلال" فأسلمت، فلقد رأيتني ربع الإسلام. لم يؤرخوا موته. حريز: حدثنا سليم بن عامر، عن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ بعكاظ، فقلت: من تبعك؟ قال: "حر وعبد، انطلق حتى يمكّن الله لرسوله" (٢). معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن عمرو بن عبسة، قال: أسلمت، فقال لي النبي ﷺ : "الحق بقومك" ثم أتيته قبل الفتح (٣). الواقدي: حدثنا حجّاج بن صفوان، عن ابن أبي حسين، عن شهر، عن عمرو بن عبسة، قال: رغبت عن آلهة قومي، فلقيت يهوديًّا من أهل تيماء، فقلت: إني ممن يعبد الحجارة، فيترك الحي، فينزل الرجل فيأتي بأربعة حجارة فينصب ثلاثة لقِدْرِه، ويجعل أحسنها إلهًا يعبده. فقال: يخرج من مكة رجل يرغب عن الأصنام، فإذا رأيته فاتبعه، فإنه يأتي بأفضل دين. إلى أن قال: فأتيت مكة فوجدته مستخفيًا، ووجدت قريشًا عليه أشداء … وذكر الحديث بطوله. لعله مات بعد سنة ستين -فالله أعلم.

стр. 1730

١٨٥ - شداد بن أوس (١): " ع" ابن ثابت بن المنذر بن حرام، أبو يعلى، وأبو عبد الرحمن الأنصاري، النجاري، الخزرجي، أحد بني مغالة، وهم بنو عمرو بن مالك بن النجار. وشداد: هو ابن أخي حسان بن ثابت، شاعر رسول الله ﷺ . من فضلاء الصحابة وعلمائهم، نزل بيت المقدس. حدَّث عنه: ابنه يعلى، وأبو إدريس الخولاني، وأبو أسماء الرحبي، وأبو الأشعث الصنعاني، وعبد الرحمن بن غنم، وجبير بن نفير، وكثير بن مرة، وبشير بن كعب، وآخرون. قال عبد الحميد بن بهرام، عن شهر: سمع عبد الرحمن بن غنم يقول: لما دخلنا مسجد الجابية (٢) أنا وأبو الدرداء، لقينا عبادة بن الصامت، فأخذ بشماله يميني، وبيمينه شمال أبي الدرداء، فقال: إن طال بكما عمر أحدكما أو كلاكما، فيوشك أن تريا الرجل من ثبج (٣) المسلمين قد قرأ القرآن أعاده وأبداه، وأحلّ حلاله، وحرَّم حرامه، ونزل عند منازله، أو قرأ به على لسان أحد لا يحور فيكم إلَّا كما يحور رأس الحمار الميت (٤). فبينا نحن كذلك؛ إذ طلع علينا شداد بن أوس، وعوف بن مالك، فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس، لما سمعت من رسول الله ﷺ ، يقول في الشهوة

стр. 1731

الخفية والشرك. فقال عبادة وأبو الدرداء: اللهم غفرًا، أو لم يكن رسول الله ﷺ قد حدَّثنا أنَّ الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب، فأمَّا الشهوة الخفية فقد عرفناها، فهي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ قال: أرأيتكم لو رأيتم أحدًا يصلي لرجل، أو يصوم له، أو يتصدق له، أترون أنه قد أشرك? قالوا: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدَّق يرائي فقد أشرك". فقال عوف: أَوَلَا يعمد الله إلى ما ابتُغِيَ فيه وجهه من ذلك العمل كله، فيقبل منه ما خلص له، ويدع ما أشرك به فيه؟ قال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول عن الله، قال: "أنا خير قسيم فمن أشرك بي شيئًا، فإن جسده وعمله، قليله وكثيره، لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني" (١). شداد، كنَّاه مسلم، وأحمد، والنسائي: أبا يعلى. ابن جوصاء (٢)، حدثني محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عمرو بن محمد بن شداد بن أوس الأنصاري، حدثنا أبي، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، قال: كنية شداد بن أوس أبو يعلى. وكان له خمسة أولاد، منهم: بنته خزرج، وتزوجت في الأزد، وكان أكبرهم يعلى، ثم محمد، ثم عبد الوهاب، والمنذر. فمات شداد، وخلّف عبد الوهاب، والمنذر صغيرين، وأعقبوا سوى يعلى. ونسأ لابنته نسل إلى سنة ثلاثين ومائة. وكانت الرجفة التي كانت بالشام في هذه السنة، وكان أشدها ببيت المقدس، ففني كثير ممن كان فيها من الأنصار وغيرهم، ووقع منزل شداد عليهم، وسلم محمد، وقد ذهبت رجله تحت الردم.

стр. 1732

وكانت النعل زوجًا، خلفها شداد عند ولده، فصارت إلى محمد بن شداد، فلمَّا أن رأت أخته خزرج ما نزل به وبأهله جاءت، فأخذت فرد النعلين، وقالت: يا أخي، ليس لك نسل، وقد رزقت ولدًا، وهذه مكرمة رسول الله ﷺ ، أحب أن تشرك فيها ولدي، فأخذتها منه. وكان ذلك في أول أوان الرجفة، فمكثت النعل عندها حتى أدرك أولادها، فلمَّا جاء المهدي إلى بيت المقدس، أتوه بها وعرَّفوه نسبها من شداد، فعرف ذلك وقبله، وأجاز كل واحد منهما بألف دينار، وأمر لكل واحد منهما بضيعة، وبعث إلى محمد بن شداد فأُتِيَ به يحمل لزمانته (١)، فسأله عن خبر النعل فصدق مقالة الرجلين، فقال له المهدي: ائتني بالأخرى، فبكى، وناشده الله، فرَقَّ له، وخلاها عنده. معان بن رفاعة، عن أبي يزيد الغوثي، عمَّن حدثه، عن أبي الدرداء، قال: إن لكل أمة فقيهًا، وإن فقيه هذه الأمة شداد بن أوس. لم يصح. وقال سفيان بن عيينة: قال أبو الدرداء: إن شداد بن أوس أوتي علمًا وحلمًا. وقال سعيد بن عبد العزيز: فَضُلَ شداد بن أوس الأنصار بخصلتين: ببيان إذا نطق، وبكظم إذا غضب. عن شداد أبي عمار، عن شداد بن أوس، وكان بدريًّا، ........... فذكر حديثًا. وقال البخاري: شداد له صحبة، قال: وقال بعضهم: شهد بدرًا. ولم يصح. وقال ابن سعد: نزل فلسطين وله عقب. مات سنة ثمان وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة، وكانت له عبادة واجتهاد. وقال أحمد بن البرقي: كان أبوه أوس بن ثابت بدريًّا، واستشهد يوم أحد. ابن سعد: أخبرني من سمع ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان قال: لم يبق بالشام أحد كان أوثق ولا أفقه ولا أرضى من عبادة بن الصامت وشداد بن أوس. قال المفضل الغلابي: زهَّاد الأنصار ثلاثة: أبو الدرداء، وعمير بن سعد، وشداد بن أوس.

стр. 1733

علي بن المديني: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن رجل، عن مطرف بن الشخير، عن رجل -أحسبه من بني مجاشع- قال: انطلقنا نؤمّ البيت، فإذا نحن بأخبية بينها فسطاط، فقلت لصاحبي: عليك بصاحب الفسطاط فإنَّه سيد القوم، فلما انتهينا إلى باب الفسطاط سلَّمنا فرَدَّ السلام، ثم خرج إلينا شيخ، فلما رأيناه هبناه مهابة لم نهبها والدًا قط ولا سلطانًا، فقال: ما أنتما؟ قلنا: فتية نؤمّ البيت، قال: وأنا قد حدثتني نفسي بذلك، وسأصحبكم، ثم نادى، فخرج إليه من تلك الأخبية شباب، فجمعهم ثم خطبهم، وقال: إني ذكرت بيت ربي، ولا أراني إلَّا زائره. فجعلوا ينتحبون عليه بكاءً، فالتفت إلى شاب منهم، فقلت: من هذا الشيخ؟ قال: شداد بن أوس، كان أميرًا، فلمَّا أن قتل عثمان اعتزلهم. قال: ثم دعا لنا بسويق، فجعل يبس (١) لنا ويطعمنا ويسقينا. ثم خرجنا معه، فلمَّا علونا في الأرض، قال لغلام له: اصنع لنا طعامًا يقطع عنا الجوع -يصغره، كلمة قالها فضحكنا، فقال: ما أراني إلَّا مفارقكما، قلنا: رحمك الله، إنك كنت لا تكاد تتكلم بكلمة، فلما تكلمت لم نتمالك أن ضحكنا، فقال: أزودكما حديثًا، كان رسول الله يعلمنا في السفر والحضر، فأملى علينا وكتبناه: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك يقينًا صادقًا، وقلبًا سليمًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب" (٢). وروي الدعاء بإسناد آخر. قتيبة: حدثنا فرج بن فضالة، عن أسد بن وداعة، عن شداد بن أوس، أنه كان إذا دخل

стр. 1734

الفراش يتقلّب على فراشه، لا يأتيه النوم، فيقول: اللهم إن النار أذهبت مني النوم، فيقوم فيصلي حتى يصبح (١). رواه جماعة، عن فرج، عن أسد. قال سلام بن مسكين: حدثنا قتادة أنَّ شداد بن أوس خطب فقال: أيها الناس! إن الدنيا أجل حاضر، يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة أجل مستأخر، يحكم فيها ملك قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، وإن الشر كله بحذافيره في النار. اتفقوا على موته كما قلنا في سنة ثمان وخمسين، إلَّا ما يروى عن بعض أهل بيته، أنه في سنة أربع وستين. خرجوا له في الكتب الستة. وعدد أحاديثه في "مسند بقيّ" خمسون حديثًا، أعني: بالمكرر.

стр. 1735

١٨٦ - عقبة بن عامر الجهني (١): " ع" الإمام المقرئ، أبو عبس -ويقال: أبو حماد، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو عامر، ويقال: أبو الأسد- المصري، صاحب النبي ﷺ . حدَّث عنه: أبو الخير مرثد اليزني، وجبير بن نفير، وسعيد بن المسيب، وأبو إدريس الخولاني، وعلي بن رباح، وأبو عمران أسلم التجيبي، وعبد الرحمن بن شماسة، ومشرح بن هاعان، وأبو عشانة حي بن يؤمن، وأبو قبيل المعافري، وسعيد المقبري، وبعجة الجُهَنيّ، وخلق سواهم. وكان عالمًا مقرئًا، فصيحًا فقيهًا، فرضيًا شاعرًا، كبير الشأن، وهو كان البريد إلى عمر بفتح دمشق. وله دار بخط باب توما (٢).

стр. 1736

علي بن رباح، عن عقبة، قال: خرجت من الشام يوم الجمعة، ودخلت المدينة يوم الجمعة، فقال لي عمر: هل نزعت خفيك؟ قلت: لا، قال: أصبت السنة. قال ابن سعد: شهد صفين مع معاوية. وقال ابن يونس: شهد فتح مصر واختط بها، وولي الجند بمصر لمعاوية، ثم عزله بعد ثلاث سنين، وأغزاه البحر، وكان يخضب بالسواد. وقبره بالمقطم، مات سنة ثمان وخمسين. وعن عقبة قال: بايعت رسول الله على الهجرة، وأقمت معه. وقال عقبة: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في الصفة (١)، وكنت من أصحاب الصُّفَّة، وكان عقبة من الرماة المذكورين. وعن أبي عبد الرحمن الحبلي: أن عقبة كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، فقال له عمر: اعرض علي، فقرأ فبكى عمر. ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن عامر: وكان من رفعاء أصحاب محمد. قلت: ولي إمرة مصر، وكان يخضب بالسواد. مات سنة ثمان وخمسين. له في "مسند بقيّ" خمسة وخمسون حديثًا.

стр. 1737

١٨٧ - بريدة بن الحصيب (١): " ع" ابن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد، أبو عبد الله -وقيل: أبو سهل، وأبو ساسان، وأبو الحصيب- الأسلمي. قيل: إنه أسلم عام الهجرة؛ إذ مَرَّ به النبي ﷺ مهاجرًا، وشهد غزوة خيبر والفتح، وكان معه اللواء، واستعمله النبي ﷺ على صدقة قومه. وكان يحمل لواء الأمير أسامة حين غزا أرض البلقاء، إثر وفاة رسول الله ﷺ . له جملة أحاديث، نزل مرو ونشر العلم بها. حدث عنه: ابناه سليمان وعبد الله، وأبو نضرة العبدي، وعبد الله بن مولة، والشعبي، وأبو المليح الهذلي، وطائفة. وسكن البصرة مدَّة. ثم غزا خراسان زمن عثمان، فحكى عنه من سمعه يقول وراء نهر جيحون: لا عيش إلَّا طراد الخيل بالخيل قال عاصم الأحول: قال مورق: أوصى بريدة أن يوضع في قبره جريدتان، وكان مات بخراسان، فلم توجدا إلَّا في جوالق حمار. وروى مقاتل بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: شهدت خيبر، وكنت فيمن صعد الثلمة، فقاتلت حتى رئي مكاني، وعليَّ ثوب أحمر، فما أعلم أني ركبت في الإسلام ذنبًا أعظم عليّ منه -أي: الشهرة. قلت: بلى، جهال زماننا يعدون اليوم مثل هذا الفعل من أعظم الجهاد، وبكل حال فالأعمال بالنيات، ولعل بريدة ﵁ بإزرائه على نفسه يصير له عمله ذلك طاعة وجهادًا، وكذلك يقع في العمل الصالح، ربما افتخر به الغر، ونوه به، فيتحول إلى ديوان الرياء، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وكان بريدة من أمراء عمر بن الخطاب في نوبة سرغ. وقال ابن سعد وأبو عبيد: مات بريدة سنة ثلاث وستين. وقال آخر: توفي سنة اثنتين وستين، وهذا أقوى. روي لبريدة نحو من مائة وخمسين حديثًا.

стр. 1738

١٨٨ - عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (١): " ع" شقيق أم المؤمنين عائشة. حضر بدرًا مع المشركين؛ ثم إنه أسلم وهاجر قبيل الفتح، وأما جده أبو قحافة فتأخَّر إسلامه إلى يوم الفتح (٢). وكان هذا أسنّ أولاد الصديق، وكان من الرماة المذكورين، والشجعان، قَتَل يوم اليمامة سبعةً من كبارهم. له أحاديث نحو الثمانية، اتفق الشيخان على ثلاثة منها. روى عنه ابناه: عبد الله وحفصة، وابن أخيه القاسم بن محمد، وأبو عثمان النهدي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن أوس الثقفي، وابن أبي مليكة، وآخرون. وهو الذي أمره النبي ﷺ في حجة الوداع أن يُعْمِرَ أخته عائشة من التنعيم (٣). له ترجمة في "تاريخ دمشق". توفي في سنة ثلاث وخمسين. هكذا ورَّخوه، ولا يستقيم؛ فإن في "صحيح مسلم" أنه دخل على عائشة يوم موت سعد فتوضأ، فقالت له: أسبغ الوضوء، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل للأعقاب من النار" (٤).

стр. 1739

وقد هوي ابنة الجودي، وتغَزَّل فيها بقوله: تذكرت ليلى والسماوة دونها … فما لابنة الجودي ليلى وماليا وأنَّى تعاطى قلبه حارثية … تدمن بُصرى أو تحل الجوابيا وأنَّى تلاقيها بلى ولعلها … إن الناس حجوا قابلًا أن توافيا فقال عمر لأمير عسكره: إن ظفرت بهذه عنوةً فادفعها إلى ابن أبي بكر، فظفر بها، فدفعها إليه، فأعجب بها، وآثرها على نسائه حتَّى شكونه إلى عائشة، فقالت له: لقد أفرطت، فقال: والله إني لأرشف من ثناياها حب الرمان، فأصابها وجع فسقطت أسنانها، فجفاها حتى شكته إلى عائشة، فكلمته، قال: فجهزها إلى أهلها، وكانت من بنات الملوك. قال ابن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بالصفاح، وحمل، فدفن بمكة. وقد صحَّ في "مسلم" في الوضوء، أنَّ عبد الرحمن خرج إلى جنازة سعد ابن أبي وقاص، فهذا يدل على أنه عاش بعد سعد.

стр. 1740

١٨٩ - الحكم بن عمرو الغفاري (١): " خ. (٤) " الأمير، أخو رافع بن عمرو، وهما من بني ثعيلة، وثعيلة أخو غفار. نزل الحكم البصرة، وله صحبة ورواية، وفضل وصلاح، ورأي وإقدام. حدَّث عنه: أبو الشعثاء جابر بن زيد، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسوادة بن عاصم؛ وآخرون. روايته في الكتب سوى "صحيح البخاري" (٢). روى هشام، عن الحسن، أنَّ زياد بن أبيه بعث الحكم بن عمرو على خراسان، فغنموا، فكتب إليه: أمَّا بعد: فإنَّ أمير المؤمنين كتب إليَّ أن أصطفي له الصفراء والبيضاء، لا تقسم

стр. 1741

بين الناس ذهبًا ولا فضة، فكتب إليه الحكم: أقسم بالله، لو كانت السماوات والأرض رتقًا على عبد، فاتقى الله، يجعل له من بينهما مخرجًا، والسلام. ثم قال للناس: اغدوا على فيئكم فاقسموه. ويروى أنَّ عمر نظر إلى الحكم بن عمرو وقد خضَّب بصفرة، فقال: هذا خضاب الإيمان. معتمر بن سليمان: حدثنا أبي، عن أبي حاجب قال: كنت عند الحكم الغفاري؛ إذ جاءه رسول علي ﵁ فقال: إن أمير المؤمنين يقول: إنك أحق من أعاننا، قال: إني سمعت خليلي ﷺ يقول: "إذا كان الأمر هكذا اتخذ سيفًا من خشب" (١). أبو إسحاق الفزاري، عن هشام، عن الحسن قال: بعث زياد الحكم، فأصابوا غنائم كثيرة، فكتب زياد: إن أمير المؤمنين أمر أن تصطفي له الصفراء والبيضاء. فكتب إليه: إني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين. وأمر مناديًا فنادى: أن اغدوا على فيئكم، فقسَمَه بينهم. فوجَّه معاوية من قيده وحبسه، فمات فدفن في قيوده، وقال: إني مخاصم. حمَّاد بن سلمة: حدثنا حميد ويونس، عن الحسن أنَّ زيادًا استعمل الحكم بن عمرو، فلقيه عمران بن حصين، فقال: أما تذكر أنَّ رسول الله ﷺ ، لما بلغه الذي قال له أميره: قع في النار، فقام ليقع فيها، فأدركه فأمسكه، فقال النبي ﷺ : "لو وقع فيها لدخل النار، لا طاعة لمخلوق في معصية الله". قال الحكم: بلى قال: إنما أردت أن أذكرك هذا الحديث (٢).

стр. 1742

جميل بن عبيد الطائي: حدثنا أبو المعلى، عن الحسن قال: قال الحكم بن عمرو: يا طاعون خذني إليك، فقيل له: لم تقول هذا? وقد قال النبي ﷺ : "لا يتمنينَّ أحدكم الموت" قال: أبادر ستًا: بيع الحكم، وكثرة الشرط، وإمارة الصبيان، وسفك الدماء، وقطيعة الرحم، ونشأً يكونون في آخر الزمان يتخذون القرآن مزامير (١). قال أحمد بن سيار: كان سبب موت والي خراسان الحكم، أنَّه دعا على نفسه وهو بمرو، لكتاب ورد إليه من زياد، ومات قبله بريدة الأسلمي، فدفِنَا جميعًا. قال خليفة: مات بخراسان واليًا سنة إحدى وخمسين. وقال الواقدي: سنة خمسين ﵁.

стр. 1743

أخوه: ١٩٠ - رافع بن عمرو الغفاري (١): " م، د، ت، ق" الكناني: له صحبة وحديثان. نزل البصرة. حدث عنه: عبد الله بن الصامت؛ وغيره. خرَّج له مسلم وأبو داود، وأبو عيسى، وابن ماجه. له حديث في نعت الخوارج. وقال معتمر بن سليمان: حدثني ابن أبي الحكم، عن عمه رافع قال: كنت أرمي نخلًا للأنصار وأنا غلام، فرآني النبي ﷺ فقال: "يا غلام، لم ترمي النخل"؟ قلت: آكل، قال: "كل ما يسقط" ثم مسح رأسي وقال: "اللهم أشبع بطنه" (٢). ويروى نحوه عن رافع بإسناد آخر، ذكره الحاكم في "مستدركه". وقال خليفة: مات بالبصرة سنة خمسين.

стр. 1744

١٩١ - رافع بن عمرو المزني البصري (١): " د، س" أخو عائذ، فآخر، ولهما صحبة. روى لهذا أبو داود، والنسائي. يروي عنه: عمرو بن سليم المزني. ذكرته للتمييز.

стр. 1745

١٩٢ - الأرقم بن أبي الأرقم (١): ابن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة المخزومي. صاحب النبي ﷺ ، من السابقين الأولين، اسم أبيه: عبد مناف. كان الأرقم أحد من شهد بدرًا، وقد استخفى النبي ﷺ في داره، وهي عند الصفا. وكان من عقلاء قريش، عاش إلى دولة معاوية. أبو مصعب الزهري: حدَّثنا يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم، عن عمه عبد الله وأهل بيته، عن جده، عن الأرقم، أنَّه تجهَّز يريد بيت المقدس؛ فلما فرغ من جهازه، جاء إلى النبي ﷺ يودّعه فقال: "ما يخرجك؟ حاجة أو تجارة" قال: لا والله يا نبي الله، ولكن أردت الصلاة في بيت المقدس، فقال النبي ﷺ : "الصلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه إلَّا المسجد الحرام" فجلس الأرقم، ولم يخرج. وقد أعطى النبي ﷺ الأرقم يوم بدر سيفًا (٢)، واستعمله على الصدقة. وقد وهم أحمد بن زهير في قوله: إن أباه أبا الأرقم أسلم. وغلط أبو حاتم إذ قال: إن عبد الله بن الأرقم هو ابن هذا، ذاك زهري، ولي بيت المال لعثمان، وهذا مخزومي. قيل: الأرقم عاش بضعًا وثمانين سنة. توفي بالمدينة، وصلى عليه سعد بن أبي وقاص بوصيته إليه. وقال عثمان بن الأرقم: توفي أبي سنة ثلاث وخمسين، وله ثلاث وثمانون سنة. له رواية في "مسند أحمد بن حنبل".

стр. 1746

١٩٣ - أبو حميد الساعدي (١): " ع" الأنصاري، المدني، قيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن سعد. من فقهاء أصحاب النبي ﷺ . روى عنه: جابر بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وعمرو بن سليم الزرقي، وعباس بن سهل بن سعد، وخارجة بن زيد، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وغيرهم. توفي سنة ستين، وقيل: توفي سنة بضع وخمسين. وله حديث في وصفه هيئة صلاة رسول الله ﷺ (٢). وقع له في "مسند بقي" ستة وعشرون حديثًا.

стр. 1747

١٩٤ - عبد الله بن الأرقم (١): " (٤) " ابن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري، الكاتب. من مسلمة الفتح، وكان ممن حَسُنَ إسلامه، وكتب للنبي ﷺ ، ثم كتب لأبي بكر، ولعمر. وولَّاه عمر بيت المال، وولي بيت المال أيضًا لعثمان مدة، وكان من جلة الصحابة وصلحائهم. قال مالك: إنه أجازه عثمان ﵁ وهو على بيت المال بثلاثين ألفًا، فأبى أن يقبلها. وروي عن عمرو بن دينار أنها كانت ثلاث مائة ألف درهم، فلم يقبلها، وقال: إنما عملت لله تعالى، وإنما أجري على الله. وروي عن عمر أنه قال لعبد الله بن الأرقم: لو كانت لك سابقة ما قدمت عليك أحدًا، وكان يقول: ما رأيت أخشى لله من عبد الله بن الأرقم. وروى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، قال: والله ما رأيت رجلًا قط كان أخشى لله من عبد الله بن الأرقم. قلت: له حديث في "السنن". روى عنه عروة وغيره.

стр. 1748

١٩٥ - عبد الله بن مغفل (١): " ئ" ابن عبد نهم بن عفيف المزنيّ، صحابي جليل، من أهل بيعة الرضوان (٢)، تأخَّر. وكان يقول: إني لممَّنْ رفع عن رسول الله ﷺ من أغصان الشجرة يومئذ (٣). سكن المدينة ثم البصرة، وله عدة أحاديث. حدَّث عنه: الحسن البصري، ومطرف بن الشخير، وابن بريدة، وسعيد بن جبير، ومعاوية بن قرة، وحميد بن هلال، وثابت البناني؛ وغيرهم. وقال أبو داود: لم يسمع منه سعيد بن جبير. قال الحسن البصري: كان عبد الله بن مغفل أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر بن الخطاب يفقِّهون الناس. قلت: توفي سنة ستين، وكان أبوه من الصحابة، فتوفِّي عام الفتح في الطريق. وقيل: كان عبد الله من البكَّائين. قال عوف الأعرابي، عن خزاعي بن زياد المزني، قال: أُرِيَ عبد الله بن مغفل ﵁ أنَّ الساعة قد قامت، وأن الناس حشروا، وثَمَّ مكان مَنْ جازه فقد نجا، وعليه عارض، فقال لي قائل: أتريد أن تنجو وعندك ما عندك؟ فاستيقظت فزعًا. قال: فأيقظ أهله، وعنده عيبة مملوءة دنانير، ففرقها كلها. كنيته: أبو سعيد، وقيل: أبو زياد.

стр. 1749

١٩٦ - خزيمة بن ثابت (١): " م، (٤) " ابن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة الفقيه، أبو عمارة الأنصاري الخطمي المدني، ذو الشهادتين. قيل: إنه بدري، والصواب: أنه شهد أحدًا وما بعدها. وله أحاديث. وكان من كبار جيش علي فاستُشْهِدَ معه يوم صفين. حدَّث عنه: ابنه عمارة، وأبو عبد الله الجدلي، وعمرو بن ميمون الأودي، وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص؛ وجماعة. قُتِلَ ﵁ سنة سبع وثلاثين، وكان حامل راية بني خطمة، وشهد مؤتة. فقال الواقدي: حدَّثنا بكير بن مسمار، عن عمارة بن خزيمة، عن أبيه قال: حضرت مؤتة، فبارزت رجلًا فأصبته، وعليه بيضة فيها ياقوتة، فلم يكن همي إلَّا الياقوتة، فأخذتها، فلمَّا انكشفنا وانهزمنا رجعت بها إلى المدينة، فأتيت بها النبي ﷺ فنفلنيها، فبعتها زمن عمر بمائة دينار. وقال خارجة بن زيد، عن أبيه، قال: لما كتبنا المصاحف فقدت آية كنت سمعتها من رسول الله ﷺ ، فوجدتها عند خزيمة بن ثابت: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، قال: وكان خزيمة يدعى: ذا الشهادتين، أجاز رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين (٢). قال قتادة، عن أنس، قال: افتخر الحيان من الأنصار، فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة: حنظلة بن الراهب؛ ومنَّا من اهتزَّ له العرش: سعد، ومنَّا من حمته الدبر: عاصم بن أبي الأقلح، ومنا من أجيزت شهادته بشهادتين: خزيمة بن ثابت. وروى أبو معشر، عن محمد بن عمارة بن خزيمة، قال: ما زال جدي كافًّا سلاحه حتى قُتِلَ عمَّار، فسَلَّ سيفه، وقاتل حتى قتل.

стр. 1750

١٩٧ - عوف بن مالك الأشجعي الغطفاني (١): " ع" ممن شهد فتح مكة، وله جماعة أحاديث. في كنيته أقوال: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عبد الله، وأبو محمد، وأبو عمرو، وأبو حماد. وكان من نبلاء الصحابة. حدَّث عنه: أبو هريرة، وأبو مسلم الخولاني -وماتا قبله بمدة، وجبير ابن نفير، وأبو إدريس الخولاني، وراشد بن سعد، ويزيد بن الأصم، وشريح بن عبيد، والشعبي، وسالم أبو النضر، وسليم بن عامر. وشداد أبو عمار. وشهد غزوة مؤتة، وقال: رافقني مددي من أهل اليمن، ليس معه غير سيفه .... ، الحديث بطوله، وفيه قوله ﷺ : "هل أنتم تاركو لي أمرائي" (٢).

стр. 1751

وقال ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي مسلم قال: حدثني الحبيب الأمين: "أما هو إليّ فحبيب، وأما هو عندي فأمين" عوف بن مالك قال: كنا عند رسول الله ﷺ سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال: "ألا تبايعون"? … الحديث (١). قال الواقدي. كانت راية أشجع يوم الفتح مع عوف بن مالك. بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، حدثني عوف، أتيت رسول الله ﷺ وهو في خيمة من أدم، فتوضأ وضوءًا مكيثًا، قلت: يا رسول الله، أدخل؟ قال: "نعم"، قلت: كلي قال: "كلك" ثم قال: "يا عوف، اعدد ستًا بين يدي الساعة … " وذكر الحديث (٢). ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن عوف قال: عرَّس بنا رسول الله ﷺ ، فتوسَّد كل إنسان منَّا ذراع راحلته، فانتبهت في بعض الليل، فإذا أنا لا أرى رسول الله ﷺ عند راحلته، فأفزعني ذلك، فانطلقت ألتمسه، فإذا معاذ وأبو موسى يلتمسانه، فبينا نحن على ذلك؛ إذ سمعنا هزيزًا بأعلى الوادي كهزيز الرحى. قال: فأخبرناه بما كان من أمرنا. فقال: "أتاني الليلة آتٍ من ربي، فخيَّرني بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة". فقلت: أنشدك الله، والصحبة يا نبي الله، لم جعلتنا من أهل شفاعتك؟ قال: "فإنكم من أهل شفاعتي" (٣). جعفر بن برقان، حدثنا ثابت بن الحجاج الكلابي قال: شتونا في حصن دون القسطنطينية، وعلينا عوف بن مالك، فأدركنا رمضان، فقال عوف: … فذكر حديثًا. قال الواقدي وخليفة وأبو عبيد: مات عوف سنة ثلاث وسبعين.

стр. 1752

١٩٨ - معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي (١): " ع" من المهاجرين، ومن حلفاء بني عبد شمس. وكان أمينًا على خاتم النبي ﷺ ، وقد استعمله أبو بكر على الفيء، وولي بيت المال لعمر. روى حديثين. وذكر أبو عبد الله بن منده -وحده: إنه شهد بدرًا. ولا يصح هذا. روى عنه: حفيده إياس بن الحارث بن معيقيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. وله هجرة إلى الحبشة، وقيل: إنه قدم مع جعفر ليالي خيبر، وكان مبتلىً بالجذام. ابن سعد: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم: حدثنا ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد قال: أمَّرني يحيى بن الحكم على جرش فقدمتها، فحدثوني أن عبد الله بن جعفر حدَّثهم أنَّ رسول الله ﷺ قال لصاحب هذا الوجع -الجذام: "اتقوه كما يتقى السبع إذا هبط واديًا فاهبطوا غيره". فقدمت المدينة، فسألت عبد الله بن جعفر، فقال: كذبوا، والله ما حدثتهم هذا، ولقد رأيت عمر بن الخطاب يؤتى بالإناء فيه الماء، فيعطيه معيقيبًا، وكان رجلًا قد أسرع فيه ذاك الداء، فيشرب منه ويناوله عمر، فيضع فمه موضع فمه حتى يشرب منه، فعرفت أنه يفعله فرارًا من العدوى.

стр. 1753

وكان يطلب الطب من كل من سمع له بطب، حتى قدم عليه رجلان من أهل اليمن، فقال: هل عندكما من طب لهذا الرجل الصالح؟ فقالا: أمَّا شيء يذهبه فلا نقدر عليه، ولكنَّا سنداويه دواء يوقفه فلا يزيد. فقال عمر: عافية عظيمة، فقالا: هل تنبت أرضك الحنظل، قال: نعم. قالا: فاجمع لنا منه، فأمر فجمع له ملء مكتلين عظيمين، فشَقَّا كل واحدة نصفين، ثم أضجعا معيقيبًا، وأخذ كل واحد منهما برجل، ثم جعلا يدلكان بطون قدميه بالحنظلة، حتى إذا محقت أخذا أخرى، حتى إذا رأيا معيقيبًا يتنخمه أخضر مرًّا أرسلاه. ثم قالا لعمر: لا يزيد وجعه بعد هذا أبدًا، قال: فوالله، ما زال معيقيب متماسكًا، لا يزيد وجعه حتى مات. صالح بن كيسان: قال أبو زناد: حدثني خارجة بن زيد أنَّ عمر دعاهم لغدائه فهابوا، وكان فيهم معيقيب -وكان به جذام- فأكل معيقيب معهم، فقال له عمر: كل مما يليك ومن شقك، فلو كان غيرك ما آكلني في صحفة، ولكان بيني وبينه قيد رمح. وروى الواقدي، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة نحوه. عاش معيقيب إلى خلافة عثمان. وقيل: عاش إلى سنة أربعين ﵁. والفرار من المجذوم وترك مؤاكلته جائز، لكن ليكن ذلك بحيث لا يكاد يشعر المجذوم، فإن ذلك يحزنه. ومن واكله -ثقة بالله وتوكلًا عليه- فهو مؤمن (١).

стр. 1754

١٩٩ - أبو مسعود البدري (١): " ع" ولم يشهد بدرًا على الصحيح، وإنما نزل ماءً ببدر، فشهر بذلك. وكان ممن شهد بيعة العقبة، وكان شابًّا من أقران جابر في السنّ. روى أحاديث كثيرة، وهو معدود في علماء الصحابة، نزل الكوفة. واسمه: عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بن عسيرة الأنصاري. وقيل: يسيرة بن عسيرة -بضمهما- بن عطية بن خدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج. حدَّث عنه ولده بشير، وأوس بن ضمعج، وعلقمة، وأبو وائل، وقيس بن أبي حازم، وربعي بن حراش، وعبد الرحمن بن يزيد، وعمرو بن ميمون، والشعبي، وعدة. قال الواقدي: شهد العقبة ولم يشهد بدرًا. وقال الدارقطني: جده نسيرة -بنون- فخولف. وقال موسى بن عقبة: إنما نزل بموضع يقال له: بدر. وروى شعبة، عن سعد بن إبراهيم قال: لم يكن بدريًّا، وقال الحكم: كان بدريًّا. وروى شعيب، عن الزهري قال: أخبرني سليمان عمَّن لا يُتَّهَم، أنَّه سمع أبا مسعود الأنصاري، وكان قد شهد بدرًا. وقال حبيب، عن ابن سيرين: قال عمر لأبي مسعود: نبئت أنك تفتي الناس ولست بأمير! فولّ حارّها من تولى قارّها (٢). يدل على أن مذهب عمر أن يمنع الإمام من أفتى بلا إذن. وقال خليفة: استعمل علي -لما حارب معاوية- على الكوفة أبا مسعود. وكذا نقل مجالد عن الشعبي قال: فكان يقول: ما أود أن تظهر إحدى الطائفتين على الأخرى، قيل: فمه قال: يكون بينهم صلح.

стр. 1755

فلما قدم عليّ أخبر بقوله، فقال: اعتزل عملنا، قال: وممه، قال: إنا وجدناك لا تعقل عقله، قال: أما أنا فقد بقي من عقلي أنَّ الآخر شر. حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، قال أبو مسعود: كنت رجلًا عزيز النفس، حمي الأنف، لا يستقل مني أحد شيئًا سلطان ولا غيره، فأصبح أمرائي يخيرونني بين أن أقيم على ما أرغم أنفي وقبح وجهي، وبين أن آخذ سيفي فأضرب فأدخل النار. وقال بشير بن عمرو: قلنا لأبي مسعود: أوصنا، قال: عليكم بالجماعة، فإن الله لن يجمع الأمة على ضلالة حتى يستريح بر، أو يُستراح من فاجر. قال خليفة: مات أبو مسعود قبل الأربعين، وقال ابن قانع: سنة تسع وثلاثين، وقال المدائني وغيره: سنة أربعين. وقيل: له وفادة على معاوية. وعن خيثمة بن عبد الرحمن قال: لما خرج علي استخلف أبا مسعود على الكوفة، وتخبأ رجال لم يخرجوا مع علي، فقال أبو مسعود على المنبر: أيها الناس، من كان تخبأ فليظهر، فلعمري لئن كان إلى الكثرة إن أصحابنا لكثير، وما نعده قبحًا أن يلتقي هذان الجبلان غدًا من المسلمين، فيقتل هؤلاء هؤلاء؛ وهؤلاء هؤلاء، حتى إذا لم يبق إلَّا رجرجة (١) من هؤلاء وهؤلاء؛ ظهرت إحدى الطائفتين، ولكن نعد قبحًا أن يأتي الله بأمر من عنده يحقن به دماءهم ويصلح به ذات بينهم. قال يحيى القطان: مات أبو مسعود أيام قتل علي بالكوفة. وقال الواقدي: مات بالمدينة في خلافة معاوية.
следующие страницы →