وقال ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي مسلم قال: حدثني الحبيب الأمين: "أما هو إليّ فحبيب، وأما هو عندي فأمين" عوف بن مالك قال: كنا عند رسول الله ﷺ سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال: "ألا تبايعون"? … الحديث (١).
قال الواقدي. كانت راية أشجع يوم الفتح مع عوف بن مالك.
بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، حدثني عوف، أتيت رسول الله ﷺ وهو في خيمة من أدم، فتوضأ وضوءًا مكيثًا، قلت: يا رسول الله، أدخل؟ قال: "نعم"، قلت: كلي قال: "كلك" ثم قال: "يا عوف، اعدد ستًا بين يدي الساعة … " وذكر الحديث (٢).
ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن عوف قال: عرَّس بنا رسول الله ﷺ ، فتوسَّد كل إنسان منَّا ذراع راحلته، فانتبهت في بعض الليل، فإذا أنا لا أرى رسول الله ﷺ عند راحلته، فأفزعني ذلك، فانطلقت ألتمسه، فإذا معاذ وأبو موسى يلتمسانه، فبينا نحن على ذلك؛ إذ سمعنا هزيزًا بأعلى الوادي كهزيز الرحى. قال: فأخبرناه بما كان من أمرنا. فقال: "أتاني الليلة آتٍ من ربي، فخيَّرني بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة".
فقلت: أنشدك الله، والصحبة يا نبي الله، لم جعلتنا من أهل شفاعتك؟ قال: "فإنكم من أهل شفاعتي" (٣).
جعفر بن برقان، حدثنا ثابت بن الحجاج الكلابي قال: شتونا في حصن دون القسطنطينية، وعلينا عوف بن مالك، فأدركنا رمضان، فقال عوف: … فذكر حديثًا.
قال الواقدي وخليفة وأبو عبيد: مات عوف سنة ثلاث وسبعين.
стр. 1752
١٩٨ - معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي (١): " ع"
من المهاجرين، ومن حلفاء بني عبد شمس.
وكان أمينًا على خاتم النبي ﷺ ، وقد استعمله أبو بكر على الفيء، وولي بيت المال لعمر.
روى حديثين.
وذكر أبو عبد الله بن منده -وحده: إنه شهد بدرًا. ولا يصح هذا.
روى عنه: حفيده إياس بن الحارث بن معيقيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن.
وله هجرة إلى الحبشة، وقيل: إنه قدم مع جعفر ليالي خيبر، وكان مبتلىً بالجذام.
ابن سعد: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم: حدثنا ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد قال: أمَّرني يحيى بن الحكم على جرش فقدمتها، فحدثوني أن عبد الله بن جعفر حدَّثهم أنَّ رسول الله ﷺ قال لصاحب هذا الوجع -الجذام: "اتقوه كما يتقى السبع إذا هبط واديًا فاهبطوا غيره".
فقدمت المدينة، فسألت عبد الله بن جعفر، فقال: كذبوا، والله ما حدثتهم هذا، ولقد رأيت عمر بن الخطاب يؤتى بالإناء فيه الماء، فيعطيه معيقيبًا، وكان رجلًا قد أسرع فيه ذاك الداء، فيشرب منه ويناوله عمر، فيضع فمه موضع فمه حتى يشرب منه، فعرفت أنه يفعله فرارًا من العدوى.
стр. 1753
وكان يطلب الطب من كل من سمع له بطب، حتى قدم عليه رجلان من أهل اليمن، فقال: هل عندكما من طب لهذا الرجل الصالح؟ فقالا: أمَّا شيء يذهبه فلا نقدر عليه، ولكنَّا سنداويه دواء يوقفه فلا يزيد. فقال عمر: عافية عظيمة، فقالا: هل تنبت أرضك الحنظل، قال: نعم. قالا: فاجمع لنا منه، فأمر فجمع له ملء مكتلين عظيمين، فشَقَّا كل واحدة نصفين، ثم أضجعا معيقيبًا، وأخذ كل واحد منهما برجل، ثم جعلا يدلكان بطون قدميه بالحنظلة، حتى إذا محقت أخذا أخرى، حتى إذا رأيا معيقيبًا يتنخمه أخضر مرًّا أرسلاه.
ثم قالا لعمر: لا يزيد وجعه بعد هذا أبدًا، قال: فوالله، ما زال معيقيب متماسكًا، لا يزيد وجعه حتى مات.
صالح بن كيسان: قال أبو زناد: حدثني خارجة بن زيد أنَّ عمر دعاهم لغدائه فهابوا، وكان فيهم معيقيب -وكان به جذام- فأكل معيقيب معهم، فقال له عمر: كل مما يليك ومن شقك، فلو كان غيرك ما آكلني في صحفة، ولكان بيني وبينه قيد رمح.
وروى الواقدي، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة نحوه.
عاش معيقيب إلى خلافة عثمان.
وقيل: عاش إلى سنة أربعين ﵁.
والفرار من المجذوم وترك مؤاكلته جائز، لكن ليكن ذلك بحيث لا يكاد يشعر المجذوم، فإن ذلك يحزنه. ومن واكله -ثقة بالله وتوكلًا عليه- فهو مؤمن (١).
стр. 1754
١٩٩ - أبو مسعود البدري (١): " ع"
ولم يشهد بدرًا على الصحيح، وإنما نزل ماءً ببدر، فشهر بذلك.
وكان ممن شهد بيعة العقبة، وكان شابًّا من أقران جابر في السنّ.
روى أحاديث كثيرة، وهو معدود في علماء الصحابة، نزل الكوفة.
واسمه: عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بن عسيرة الأنصاري.
وقيل: يسيرة بن عسيرة -بضمهما- بن عطية بن خدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج.
حدَّث عنه ولده بشير، وأوس بن ضمعج، وعلقمة، وأبو وائل، وقيس بن أبي حازم، وربعي بن حراش، وعبد الرحمن بن يزيد، وعمرو بن ميمون، والشعبي، وعدة.
قال الواقدي: شهد العقبة ولم يشهد بدرًا.
وقال الدارقطني: جده نسيرة -بنون- فخولف.
وقال موسى بن عقبة: إنما نزل بموضع يقال له: بدر.
وروى شعبة، عن سعد بن إبراهيم قال: لم يكن بدريًّا، وقال الحكم: كان بدريًّا.
وروى شعيب، عن الزهري قال: أخبرني سليمان عمَّن لا يُتَّهَم، أنَّه سمع أبا مسعود الأنصاري، وكان قد شهد بدرًا.
وقال حبيب، عن ابن سيرين: قال عمر لأبي مسعود: نبئت أنك تفتي الناس ولست بأمير! فولّ حارّها من تولى قارّها (٢). يدل على أن مذهب عمر أن يمنع الإمام من أفتى بلا إذن.
وقال خليفة: استعمل علي -لما حارب معاوية- على الكوفة أبا مسعود.
وكذا نقل مجالد عن الشعبي قال: فكان يقول: ما أود أن تظهر إحدى الطائفتين على الأخرى، قيل: فمه قال: يكون بينهم صلح.
стр. 1755
فلما قدم عليّ أخبر بقوله، فقال: اعتزل عملنا، قال: وممه، قال: إنا وجدناك لا تعقل عقله، قال: أما أنا فقد بقي من عقلي أنَّ الآخر شر.
حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، قال أبو مسعود: كنت رجلًا عزيز النفس، حمي الأنف، لا يستقل مني أحد شيئًا سلطان ولا غيره، فأصبح أمرائي يخيرونني بين أن أقيم على ما أرغم أنفي وقبح وجهي، وبين أن آخذ سيفي فأضرب فأدخل النار.
وقال بشير بن عمرو: قلنا لأبي مسعود: أوصنا، قال: عليكم بالجماعة، فإن الله لن يجمع الأمة على ضلالة حتى يستريح بر، أو يُستراح من فاجر.
قال خليفة: مات أبو مسعود قبل الأربعين، وقال ابن قانع: سنة تسع وثلاثين، وقال المدائني وغيره: سنة أربعين.
وقيل: له وفادة على معاوية.
وعن خيثمة بن عبد الرحمن قال: لما خرج علي استخلف أبا مسعود على الكوفة، وتخبأ رجال لم يخرجوا مع علي، فقال أبو مسعود على المنبر: أيها الناس، من كان تخبأ فليظهر، فلعمري لئن كان إلى الكثرة إن أصحابنا لكثير، وما نعده قبحًا أن يلتقي هذان الجبلان غدًا من المسلمين، فيقتل هؤلاء هؤلاء؛ وهؤلاء هؤلاء، حتى إذا لم يبق إلَّا رجرجة (١) من هؤلاء وهؤلاء؛ ظهرت إحدى الطائفتين، ولكن نعد قبحًا أن يأتي الله بأمر من عنده يحقن به دماءهم ويصلح به ذات بينهم.
قال يحيى القطان: مات أبو مسعود أيام قتل علي بالكوفة.
وقال الواقدي: مات بالمدينة في خلافة معاوية.
стр. 1756
٢٠٠ - أسامة بن زيد (١): " ع"
ابن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس، المولى الأمير الكبير.
حب رسول الله ﷺ ومولاه، وابن مولاه.
أبو زيد، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حارثة، وقيل: أبو يزيد.
استعمله النبي ﷺ على جيشٍ لغزو الشام، وفي الجيش عمر والكبار، فلم يسر حتى توفي رسول الله ﷺ ، فبادر الصديق ببعثهم، فأغاروا على أبنى من ناحية البلقاء، وقيل: إنه شهد يوم مؤتة مع والده، وقد سكن الِمزة مدة، ثم رجع إلى المدينة فمات بها، وقيل: مات بوادي القرى.
حدَّث عنه: أبو هريرة، وابن عباس، وأبو وائل، وأبو عثمان النهدي، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة، وأبو سعيد المقبري، وعامر بن سعد، وأبو ظبيان، وعطاء بن أبي رباح، وعدة، وابناه: حسن ومحمد.
ثبت عن أسامة قال: كان النبي ﷺ يأخذني والحسن فيقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما" (٢).
قلت: هو كان أكبر من الحسن بأزيد من عشر سنين.
وكان شديد السواد، خفيف الروح، شاطرًا شجاعًا، رباه النبي ﷺ وأحبه كثيرًا.
وهو ابن حاضنة النبي ﷺ أم أيمن، وكان أبوه أبيض، وقد فرح له رسول الله بقول مجزز المدلجي: إن هذه الأقدام بعضها من بعض (٣).
أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، أخبرني أسامة بن زيد، أنَّ عليًّا قال: يا رسول الله، أيّ أهلك أحبّ إليك؟ قال: "فاطمة" قال: إنما أسألك عن الرجال? قال: "من أنعم الله عليه وأنعمت عليه، أسامة بن زيد"، قال: ثم مَنْ، قال: "ثم أنت" (٤).
стр. 1757
وروى مغيرة، عن الشعبي، أن عائشة قالت: ما ينبغي لأحد أن يبغض أسامة بعد ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان يحب الله ورسوله فليحب أسامة" (١).
وقالت عائشة في شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: من يجترئ على رسول الله يكلمه فيها إلَّا أسامة حبّ رسول الله ﷺ (٢).
موسى بن عقبة وغيره، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أحب الناس إليّ أسامة، ما حاشا فاطمة ولا غيرها" (٣).
قال زيد بن أسلم، عن أبيه قال: فرض عمر لأسامة ثلاثة آلاف وخمس مائة، وفرض لابنه عبد الله ثلاثة آلاف، فقال: لِمَ فَضَّلته عليَّ، فوالله ما سبقني إلى مشهد? قال: لأنَّ أباه كان أحبَّ إلى رسول الله من أبيك، وهو أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فآثرت حب رسول الله على حبي. حسنه الترمذي (٤).
قال ابن عمر: أمَّر رسول الله ﷺ أسامة، فطعنوا في إمارته فقال: "إن يطعنوا في
стр. 1758
إمارته، فقد طعنوا في إمارة أبيه، وايم الله، إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن ابنه هذا لمن أحبّ الناس إليَّ بعده" (١).
قلت: لما أمَّره النبي ﷺ على ذلك الجيش كان عمره ثماني عشرة سنة.
ابن سعد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنَّ النبي ﷺ أخَرَّ الإفاضة من عرفة من أجل أسامة ينتظره، فجاء غلام أسود أفطس. فقال أهل اليمن: إنما جلسنا لهذا، فلذلك ارتدوا -يعني: أيام الردة (٢).
قال وكيع: سلم من الفتنة من المعروفين: سعد وابن عمر وأسامة ابن زيد ومحمد بن مسلمة.
قلت: انتفع أسامة من يوم النبي ﷺ ؛ إذ يقول له: "كيف بلا إله إلَّا الله يا أسامة" فكفَّ يده ولزم منزله فأحسن (٣).
عائشة قالت: أراد رسول الله ﷺ أن يمسح مخاط أسامة، فقلت: دعني حتى أكون أنا التي أفعل، فقال: "يا عائشة، أحبيه فإني أحبه" (٤).
قلت: كان سنّه في سنها.
مجالد، عن الشعبي، عن عائشة: أمرني رسول الله أن أغسل وجه أسامة وهو صبي، قالت: وما ولدت ولا أعرف كيف يغسل الصبيان، فآخذه، فأغسله غسلًا ليس بذاك، قالت: فأخذه فجعل يغسل وجهه ويقول: "لقد أحسن بنا أسامة؛ إذ لم يكن جارية، ولو كنت جارية لحليتك وأعطيتك" (٥).
стр. 1759
وفي "المسند" عن البهي، عن عائشة: قال رسول الله: "لو كان أسامة جارية لكسوته، وحلَّيته حتى أنفقه" (١).
ومن غير وجه عن عمر، أنَّه لم يلق أسامة قط إلَّا قال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله، توفي رسول الله ﷺ وأنت عليَّ أمير.
جرير بن حازم: حدَّثنا ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت أسامة بن زيد مضطجعًا عند باب حجرة عائشة، رافعًا عقيرته يتغنَّى، ورأيته يصلي عند قبر النبي ﷺ ، فمَرَّ به مروان، فقال: أتصلي عند قبر، وقال له قولًا قبيحًا، فقال: يا مروان، إنك فاحش متفحِّش، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يبغض الفاحش المتفحّش" (٢).
وقال قيس بن أبي حازم: إن رسول الله حين بلغه أنَّ الراية صارت إلى خالد قال: "فهلا إلى رجل قُتِلَ أبوه"? يعني: أسامة.
إبراهيم بن طهمان، عن عتبة بن عبد الله، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم، قال: دخلت على فاطمة بنت قيس وقد طلَّقها زوجها … الحديث. فلما حلت، قال رسول الله ﷺ : "هل ذكرك أحد"؟ قالت: نعم، معاوية وأبو الجهم، فقال: "أمَّا أبو الجهم فشديد الخلق، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، ولكن أنكحك أسامة". فقلت: أسامة تهاونًا بأمر أسامة، ثم قلت: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، فزوجينه فكرمني الله بأبي زيد، وشرَّفني الله ورفعني به (٣).
стр. 1760
وروى معناه مالك، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة عنها (١).
قال عروة بن الزبير: قال أبو بكر: والله، لأن تخطفني الطير أحبّ إليَّ من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله ﷺ ، فبعث أسامة واستأذنه في عمر أن يتركه عنده.
قال: فلمَّا بلغوا الشام أصابتهم ضبابة شديدة، فسترتهم حتى أغاروا وأصابوا حاجتهم، فقدم على هرقل موت النبي ﷺ ، وإغارة أسامة على أرضه في آنٍ واحد، فقالت الروم: ما بال هؤلاء يموت صاحبهم وأن أغاروا على أرضنا!
ابن إسحاق، عن سعيد بن عبيد بن السباق، عن محمد بن أسامة، عن أبيه قال: لما ثقل رسول الله ﷺ ، هبطت وهبط الناس المدينة، فدخلت عليه، وقد أصمت فلا يتكلم، فجعل يضع يديه عليَّ ثم يرفعهما، فأعرف أنه يدعو لي (٢).
أحمد في مسنده: حدَّثنا حجاج، أخبرنا شريك، عن العباس بن ذريح، عن البهي، عن عائشة: أن أسامة عثر بأسكفة الباب فشجَّ في جبهته، فجعل النبي ﷺ يمصه ثم يمجه، وقال: "لو كان أسامة جارية لكسوته وحلَّيته حتى أنفقه" (٣).
شريك، عن أبي إسحاق، عن جبلة قال: كان رسول الله ﷺ إذا لم يغز أعطى سلاحه عليًّا أو أسامة (٤).
الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن سلام، عن يزيد بن عياض، قال: أهدى حكيم بن حزام للنبي ﷺ في الهدنة حلة ذي يزن، اشتراها بثلاث مائة دينار، فردَّها وقال: "لا أقبل هدية مشرك"، فباعها حكيم، فأمر النبي ﷺ من اشتراها له، فلبسها رسول الله ﷺ ، فلما رآه حكيم فيها، قال:
стр. 1761
ما ينظر الحكام بالفضل بعدما … بدا سابق ذو غرة وحجول (٢٤٩)
فكساها رسول الله ﷺ أسامة بن زيد.
فرآها عليه حكيم فقال: بخ بخ يا أسامة عليك حلة ذي يزن.
فقال له رسول الله: "قل له: وما يمنعني وأنا خير منه وأبي خير من أبيه". (٢٥٠)
معمر عن الزهري قال: لقي علي أسامة بن زيد فقال: ما كنا نعدك إلا من أنفسنا يا أسامة فلم لا تدخل معنا؟ قال: يا أبا حسن إنك والله لو أخذت بمشفر الأسد لأخذت بمشفره الآخر معك حتى نهلك جميعاً أو نحيا جميعاً فأما هذا الأمر الذي أنت فيه فوالله لا أدخل فيه أبداً.
روى نحوه عمرو بن دينار عن أبي جعفر عن حرملة مولى أسامة قال: بعثني أسامة إلى علي .... فذكر نحوه.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن العدل: أخبرنا عبد الله بن أحمد الفقيه: أخبرنا محمد بن عبد الباقي: أخبرنا علي بن الحسين البزار: أخبرنا أبو علي بن شاذان: أخبرنا أبو سهل بن زياد: حدثنا أحمد بن عبد الجبار: حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة عن أبيه عن جده أسامة بن زيد قال: أدركت رجلاً أنا ورجل من الأنصار فلما شهرنا عليه السيف قال: لا إله إلا الله فلم ننزع عنه حتى قتلناه. فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبرناه خبره. فقال: "يا أسامة من لك بلا إله إلا الله". فقلنا: يا رسول الله إنما قالها تعوذاً من القتل. قال: "من لك يا أسامة بلا إله إلا الله"؟ فما زال يرددها حتى لوددت أن ما مضى من إسلامي لم يكن وأني أسلمت يومئذ ولم أقتله.
стр. 1762
فقلت: إني أعطي الله عهداً ألا أقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله أبداً. فقال النبي ﷺ : "بعدي يا أسامة"؟ قال: بعدك (٢٥١).
رواه شيخ آخر عن أحمد بن عبد الجبار: فزاد فيه: قال: أدركته يعني مرداس بن نهيك أنا ورجل فلما شهرنا عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا الله.
هشام الدستوائي: حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثني عمر بن الحكم ابن ثوبان أن مولى قدامة بن مظعون حدثه: أن مولى أسامة قال: كان أسامة يركب إلى مال له بوادي القرى فيصوم الاثنين والخميس في الطريق. فقلت له: تصوم الاثنين والخميس في السفر وقد كبرت وضعفت أو رققت! فقال: إن رسول الله ﷺ كان يصوم الاثنين والخميس وقال: "إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين والخميس" (٢٥٢).
يونس بن بكير: حدثنا ابن إسحاق عن ابن ابن أسامة بن زيد عن جده أسامة قال: كنت أصوم شهراً من السنة فذكرته للنبي ﷺ فقال: "أين أنت عن شوال"! فكان أسامة إذا أفطر أصبح الغد صائماً من شوال حتى يتم على آخره.
ابن أبي الدنيا: أخبرنا عمرو بن بكير عن أبي عبد الرحمن الطائي قال: قدم أسامة على معاوية فأجلسه معه وألطفه فمد رجله. فقال معاوية: يرحم الله أم أيمن كأني أنظر إلى ظنبوب ساقها بمكة كأنه ظنبوب نعامة خرجاء. فقال: فعل الله بك يا معاوية هي والله خير منك! قال: يقول معاوية: اللهم غفراً.
الظنبوب: هو العظم الظاهر. والخرجاء: فيها بياض وسواد.
له في مسند بقي مئة وثمانية عشر حديثاً منها في البخاري مسلم خمسة عشر وفي البخاري حديث. وفي مسلم حديثان.
стр. 1763
قال الزهري: مات أسامة بالجرف.
وعن المقبري قال: شهدت جنازة أسامة فقال ابن عمر: عجلوا بحب رسول الله قبل أن تطلع الشمس.
قال ابن سعد: مات في آخر خلافة معاوية.
٢٠١ - عمران بن حصين (٢٥٣)
ابن عبيد بن خلف. القدوة الإمام صاحب رسول الله ﷺ . أبو نجيد الخزاعي.
أسلم هو وأبوه وأبو هريرة في وقت سنة سبع. وله عدة أحاديث.
وولي قضاء البصرة وكان عمر بعثه إلى أهل البصرة ليفقههم فكان الحسن يحلف: ما قدم عليهم البصرة خير لهم من عمران بن الحصين.
حدث عنه مطرف بن عبد الله بن الشخير وأبو رجاء العطاردي وزهدم الجرمي. وزرارة بن أوفى والحسن وابن سيرين وعبد الله بن بريدة والشعبي وعطاء مولى عمران بن حصين والحكم بن الأعرج وعدة.
قال زرارة: رأيت عمران بن حصين يلبس الخز.
وقال مطرف بن عبد الله: قال لي عمران بن حصين: أحدثك حديثاً عسى الله أن ينفعك به: إن رسول الله ﷺ جمع بين الحج والعمرة ولم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه وأنه كان يسلم علي يعني الملائكة قال: فلما اكتويت أمسك ذلك فلما تركته عاد إلي (٢٥٤).
وقد غزا عمران مع النبي ﷺ غير مرة وكان ينزل ببلاد قومه ويتردد إلى المدينة.
قال أبو خشينة عن الحكم بن الأعرج عن عمران بن حصين قال: ما مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ (٢٥٥).
стр. 1764
وروى هشام عن محمد قال: ما قدم البصرة أحد يفضل على عمران بن حصين.
قال قتادة: بلغني أن عمران قال: وددت أني رماد تذروني الرياح.
قلت: وكان ممن اعتزل الفتنة ولم يحارب مع علي.
أيوب عن حميد بن هلال عن أبي قتادة: قال لي عمران بن حصين: الزم مسجدك. قلت: فإن دخل علي قال: الزم بيتك قلت: فإن دخل علي؟ قال: لو دخل علي رجل يريد نفسي ومالي لرأيت أن قد حل لي أن أقتله.
ثابت البناني: عن مطرف عن عمران قال: اكتوينا فما أفلحن ولا أنجحن يعني المكاوي.
قتادة عن مطرف: قال لي عمران في مرضه: إنه قد كان يسلم علي فإن عشت فاكتم علي.
حميد بن هلال عن مطرف قلت لعمران: ما يمنعني من عيادتك إلا ما أرى من حالك. قال: فلا تفعل فإن أحبه إلي أحبه إلى الله.
يزيد بن هارون: أخبرنا إبراهيم بن عطاء مولى عمران عن أبيه أن عمران قضى على رجل بقضية فقال: والله قضيت علي بجور وما ألوت. قال: وكيف؟ قال: شهد علي بزور. قال: فهو في مالي ووالله لا أجلس مجلسي هذا أبداً.
وكان نقش خاتم عمران تمثال رجل.
عن أبي رجاء قال: خرج علينا عمران في مطرف خز لم نره قط فقال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن ترى عليه" (٢٥٦).
قال ابن سيرين: سقى بطن عمران بن حصين ثلاثين سنة كل ذلك يعرض عليه الكي فيأبى حتى كان قبل موته بسنتين فاكتوى.
عمران بن حدير عن أبي مجلز قال: كان عمران ينهى عن الكي فابتلى فاكتوى فكان يعج!
стр. 1765
قال مطرف: قال لي عمران: أشعرت أن التسليم عاد إلي؟ قال: ثم لم يلبث إلا يسيراً حتى مات.
ابن علية عن مسلمة بن علقمة عن الحسن: أن عمران بن حصين أوصى لأمهات أولاده بوصايا وقال: من صرخت علي فلا وصية لها.
توفي عمران سنة اثنتين وخمسين. ﵁.
مسنده: مئة وثمانون حديثاً.
اتفق الشيخان له على تسعة أحاديث وانفرد البخاري بأربعة أحاديث ومسلم بتسعة.
٢٠٢ - حسان بن ثابت (٢٥٧)
ابن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك ابن النجار. سيد الشعراء المؤمنين المؤيد بروح القدس. أبو الوليد ويقال: أبو الحسام. الأنصاري الخزرجي النجاري المدني ابن الفريعة.
شاعر رسول الله ﷺ وصاحبه.
حدث عنه ابنه عبد الرحمن والبراء بن عازب وسعيد بن المسيب وأبو سلمة وآخرون. وحديثه قليل.
قال ابن سعد: عاش ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام.
قال ابن سعد: عن الواقدي: لم يشهد مع النبي ﷺ مشهداً. كان يجبن وأمه الفريعة بنت خنيس.
قال مسلم: كنيته أبو عبد الرحمن وقيل أبو الوليد.
وقال ابن منده: حدث عنه عمر وعائشة وأبو هريرة.
قال ابن إسحاق: سألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: ابن كم كان حسان وقت الهجرة؟ قال: ابن ستين سنة وهاجر رسول الله ابن ثلاث وخمسين.
стр. 1766
الزهري عن ابن المسيب قال: كان حسان في حلقة فيهم أبو هريرة فقال: أنشدك الله يا أبا هريرة هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني أيدك الله بروح القدس"؟ فقال: اللهم نعم (٢٥٨).
وروى عدي بن ثابت عن البراء: أن رسول الله قال لحسان: "اهجهم وهاجهم وجبريل معك" (٢٥٩).
وقال سعيد بن المسيب: مر عمر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظه. فقال حسان: قد كنت أنشد فيه وفيه خير منك. قال: صدقت (٢٦٠).
ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن عائشة قالت: كان حسان يضع له النبي ﷺ منبراً في المسجد يقوم عليه قائماً ينافح عن رسول الله ﷺ ورسول الله يقول: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله ﷺ ".
أخرجه أبو داود والترمذي (٢٦١).
مجالد عن عامر عن جابر قال: لما كان يوم الأحزاب قال النبي ﷺ : "من يحمي أعراض المسلمين"؟ قال كعب بن مالك: أنا. وقال ابن رواحة: أنا وقال حسان: أنا قال: "نعم اهجهم أنت وسيعينك عليهم روح القدس" (٢٦٢).
стр. 1767
وعن عروة قال: سببت ابن فريعة عند عائشة فقالت: يا ابن أخي أقسمت عليك لما كففت عنه فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ (٢٦٣).
عمر بن حوشب عن عطاء بن أبي رباح سمعه يقول: دخل حسان على عائشة بعدما عمي فوضعت له وسادة فدخل أخوها عبد الرحمن فقال: أجلستيه على وسادة وقد قال ما قال؟ يريد: مقالته نوبة الإفك فقالت: إنه تعني أنه كان يجيب عن رسول الله ﷺ ويشفي صدره من أعدائه وقد عمي وإني لأرجو ألا يعذب في الآخرة.
وروي عن عائشة قالت: قدم رسول الله المدينة فهجته قريش وهجوا معه الأنصار. فقال لحسان: "اهجهم وإني أخاف أن تصيبني معهم بهجو بني عمي".
قال: لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين ولي مقول يفري مالا تفريه الحربة. ثم أخرج لسانه فضرب به أنفه كأنه لسان شجاع (٢٦٤) بطرفه شامة سوداء ثم ضرب به ذقنه.
يحيى بن أيوب: حدثنا عمارة بن غزية عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة: أن حسان قال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني هذا. ثم أطلع لسانه كأنه لسان حية.
فقال رسول الله ﷺ : "إن لي فيهم نسباً فائت أبا بكر فإنه أعلم قريش بأنسابها فيخلص لك نسبي". قال: والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم ونسبك سل الشعرة من العجين. فهجاهم. فقال له رسول الله ﷺ : "لقد شفيت واشتفيت" (٢٦٥).
محمد بن السائب بن بركة عن أمه: أنها طافت مع عائشة ومعها نسوة فوقعن في حسان فقالت: لا تسبوه قد أصابه ما قال الله: "أولئك لهم عذاب أليم" وقد عمي والله إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بكلمات قالهن لأبي سفيان بن الحارث:
هجوت محمداً فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء
أتهجوه ولست له بكفء … فشركما لخيركما الفداء
стр. 1768
عمارة بن غزية عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "اهج قريشاً فإنه أشد عليهم من رشق النبل".
وسمعته يقول: "هجاهم حسان فشفى".
قال حسان: هجوت محمداً فذكر أبياته ومنها.
ثكلت بنيتي إن لم تروها … تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأعنة مصعدات … على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادها متمطرات … يلطمهن بالخمر النساء
فإن أعرضتم عنا اعتمرنا … وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لضراب يوم … يعز الله فيه من يشاء
وقال الله قد أرسلت عبداً … يقول الحق ليس به خفاء
وقال الله قد سيرت جنداً … هم الأنصار عرضتها اللقاء
يلاقوا كل يوم من معد … سبابا أو قتالاً أو هجاء
فمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء
وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس له كفاء (٢٦٦)
أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسان بعد ما عمي فقال:
حصان رزان ما تزن بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
стр. 1769
فقالت: لكن أنت لست كذاك. فقلت لها: تأذنين له وقد قال الله: "والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم" النور ١١ فقالت: وأي عذاب أشد من العمى.
وقالت: إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله ﷺ (٢٦٧).
وعن عائشة عن النبي ﷺ في حسان: "لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق".
هذا حديث منكر من مسند الروياني من رواية أبي ثمامة مجهول عن عمر بن إسماعيل إسماعيل مجهول عن هشام بن عروة. وله شويهد رواه الواقدي عن سعيد بن أبي زيد الأنصاري عن رجل عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة سمع حمزة بن عبد الله بن عمر سمع عائشة تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حسان حجاز بين المؤمنين والمنافقين لا يحبه منافق ولا يبغضه مؤمن".
فهذا اللفظ أشبه. ويبقى قسم ثالث وهو حبه سكت عنه.
حديج بن معاوية عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير قال: قيل لابن عباس: قدم حسان اللعين! فقال ابن عباس: ما هو بلعين قد جاهد مع رسول الله ﷺ بنفسه ولسانه.
قلت: هذا دال على أنه غزا.
عبدة بن سليمان عن أبي حيان التيمي عن حبيب بن أبي ثابت قال: أنشد حسان النبي ﷺ .
شهدت بإذن الله أن محمداً … رسول الذي فوق السماوات من عل
وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما … له عمل من ربه متقبل
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم … يقول بذات الله فيهم ويعدل (٢٦٨)
فقال النبي ﷺ : "وأنا". هذا مرسل.
وروى أبو غسان النهدي: حدثنا عمر بن زياد عن عبد الملك بن عمير أن النبي ﷺ أنشده حسان فذكرها وزاد:
стр. 1770
وأن الذي عادى اليهود ابن مريم … نبي أتى من عند ذي العرش مرسل (٢٦٩)
قال ابن إسحاق عن عاصم بن عمر وعبد الله بن حزم: إن حسان لما قال هذه الأبيات:
منع النوم بالعشاء الهموم … وخيال إذا تغور النجوم
من حبيب أصاب قلبك منه … سقم فهو داخل مكتوم
يا لقوم هل يقتل المرء مثلي … واهن البطش والعظام سؤوم
شأنها العطر والفراش ويعلو … ها لجين ولؤلؤ منظوم
لو يدب الحولي من ولد الذ … ر عليها لأندبتها الكلوم
لم تفقها شمس النهار بشيء … غير أن الشباب ليس يدوم
زاد بعضهم:
رب حلم أضاعه عدم الما … ل وجهل غطى عليه النعيم
نادى بأعلى صوته على أطمة فارع: يا بني قيلة فلما اجتمعوا قالوا: مالك ويلك؟ قال: قلت قصيدة لم يقل أحد من العرب مثلها ثم أنشدها لهم فقالوا: ألهذا جمعتنا فقال: وهل يصبر من به وحر الصدر.
الأصمعي وغيره عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد قال: كان الغناء يكون في العريسات ولا يحضره شيء من السفه كاليوم كان في بني نبيط مدعاة كان فيها حسان بن ثابت وابنه وقد عمي وجاريتان تنشدان:
انظر خليلي بباب جلق هل … تؤنس دون البلقاء من أحد
أجمال شعثاء إذ ظعن من ال … محبس بين الكثبان والسند
فجعل حسان يبكي وهذا شعره وابنه يقول للجارية زيدي وفيه:
يحملن حور العيون ترفل في الر … يط حسان الوجوه كالبرد
من دون بصرى وخلفها جبل الثل … ج عليه السحاب كالقدد
стр. 1771
والبدن إذ قربت لمنحرها … حلفة بر اليمين مجتهد
ما حلت عن عهد ما علت ولا … أحببت حبي إياك من أحد
أهوى حديث الندمان في وضح الفج … ر وصوت المسامر الغرد
فطرب حسان وبكى.
قال ابن الكلبي: كان حسان لسناً شجاعاً فأصابته علة أحدثت فيه الجبن.
قال سليمان بن يسار: رأيت حسان له ناصية قد سدلها بين عينيه.
إسحاق الفروي وآخر عن أم عروة بنت جعفر بن الزبير بن العوام عن أبيها عن جدها قال: لما خلف رسول الله ﷺ نساءه يوم أحد خلفهن في فارع (٢٧٠) وفيهن صفية بنت عبد المطلب وخلف فيهن حسان فأقبل رجل من المشركين ليدخل عليهن. فقالت صفية لحسان: عليك الرجل فجبن وأبى عليها فتناولت السيف فضربت به المشرك حتى قتلته. فأخبر بذلك فضرب لها بسهم.
وزاد الفروي فيه: أنه قال لو كان ذاك في لكنت مع رسول الله.
قالت: فقطعت رأسه وقلت لحسان: قم فاطرحه على اليهود وهم تحت الحصن. قال: والله ما ذاك في. فأخذت رأسه فرميت به عليهم فقالوا: قد علمنا والله إن هذا لم يكن ليترك أهله خلوفاً ليس معهم أحد فتفرقوا.
فقوله: يوم أحد وهم.
وروى نحوه ابن إسحاق: حدثنا يحيى بن عباد عن أبيه وفيه: فقالت لحسان: قم فاسلبه فإني امرأة وهو رجل. فقال: ما لي بسلبه يا بنت عبد المطلب من حاجة.
وروى يونس بن بكير عن هشام عن أبيه عن صفية مثله.
قال ابن إسحاق: توفي حسان سنة أربع وخمسين.
وأما الهيثم بن عدي والمدائني فقالا: توفي سنة أربعين.
قلت: له وفادة على جبلة بن الأيهم وعلى معاوية.
قال ابن سعد: توفي زمن معاوية.
стр. 1772
٢٠٣ - كعب بن مالك (٢٧١)
ابن أبي كعب عمرو بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب ابن سلمة الأنصاري الخزرجي العقبي الأحدي.
شاعر رسول الله ﷺ وصاحبه وأحد الثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم.
شهد العقبة وله عدة أحاديث تبلغ الثلاثين اتفقا على ثلاثة منها وانفرد البخاري بحديث ومسلم بحديثين.
روى عنه بنوه: عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن ومحمد ومعبد بنو كعب وجابر وابن عباس وأبو أمامة وعمر بن الحكم وعمر بن كثير بن أفلح وآخرون وحفيده عبد الرحمن بن عبد الله.
وقيل: كانت كنيته في الجاهلية أبا بشير.
وقال ابن أبي حاتم: كان كعب من أهل الصفة وذهب بصره في خلافة معاوية.
وقد ذكره عروة في السبعين الذين شهدوا العقبة.
وروى صدقة بن سابق عن ابن إسحاق قال: آخى رسول الله ﷺ بين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك.
وقيل: بل آخى بين كعب والزبير.
حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه: أن رسول الله ﷺ آخى بين الزبير وكعب بن مالك فارتث (٢٧٢) كعب يوم أحد فجاء به الزبير يقوده ولو مات يومئذ لورثه الزبير فأنزل الله: "وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله" الأنفال ٧٥.
وعن كعب: لما انكشفنا يوم أحد كنت أول من عرف رسول الله ﷺ وبشرت به المؤمنين حياً سوياً وأنا في الشعب. فدعا رسول الله ﷺ كعباً بلأمته وكانت صفراء فلبسها كعب وقاتل يومئذ قتالاً شديداً حتى جرح سبعة عشر جرحاً.
стр. 1773
قال ابن سيرين: كان شعراء أصحاب رسول الله ﷺ : حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك.
قال عبد الرحمن بن كعب عن أبيه: أنه قال: يا رسول الله قد أنزل الله في الشعراء ما أنزل قال: "إن المجاهد مجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل" (٢٧٣).
قال ابن سيرين: أما كعب فكان يذكر الحرب يقول: فعلنا ونفعل ويتهددهم وأما حسان فكان يذكر عيوبهم وأيامهم. وأما ابن رواحة فكان يعيرهم بالكفر.
وقد أسلمت دوس فرقاً من بيت قاله كعب:
نخيرها ولو نطقت لقالت … قواطعهن دوساً أو ثقيفاً
عن ابن المنكدر عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال لكعب بن مالك: "ما نسي ربك لك وما كان ربك نسياً بيتاً قلته". قال: ما هو قال: "أنشده يا أبا بكر" فقال:
زعمت سخينة (٢٧٤) أن ستغلب ربها … وليغلبن مغالب الغلاب
عن الهيثم والمدائني: أن كعباً مات سنة أربعين.
وروى الواقدي: أنه مات سنة خمسين.
وعن الهيثم بن عدي أيضاً: أنه توفي سنة إحدى وخمسين.
وقصة توبة الثلاثة في الصحيح (٢٧٥) وشعره منه في السيرة.
стр. 1774
الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: آخى رسول الله ﷺ بين الزبير وبين كعب بن مالك (٢٧٦).
قال الزبير: فلقد رأيت كعباً أصابته الجراحة بأحد فقلت: لو مات فانقلع عن الدنيا لورثته حتى نزلت: "وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله" الأنفال ٧٥. فصارت المواريث بعد للأرحام والقرابات وانقطعت حين نزلت: "وأولو الأرحام" تلك المواريث بالمواخاة.
وفي رواية ابن إسحاق: آخى النبي ﷺ بين كعب وطلحة.
وقد أنشد كعب علياً قوله في عثمان ﵃:
فكف يديه ثم أغلق بابه … وأيقن أن الله ليس بغافل
وقال لمن في داره لا تقاتلوا … عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل
فكيف رأيت الله صب عليهم ال … عداوة والبغضاء بعد التواصل
وكيف رأيت الخير أدبر عنهم … وولى كإدبار النعام الجوافل
فقال علي: استأثر عثمان فأساء الأثرة وجزعتم أنتم فأسأتم الجزع.
الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه: سمعت كعباً يقول: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة حتى كانت تبوك إلا بدراً وما أحب أني شهدتها وفاتتني بيعتي ليلة العقبة وقلما أراد رسول الله ﷺ غزوة إلا ورى بغيرها. فأراد في غزوة تبوك أن يتأهب الناس أهبة وكنت أيسر ما كنت وأنا في ذلك أصغو إلى الظلال وطيب الثمار فلم أزل كذلك حتى خرج. فقلت: أنطلق غداً فأشتري جهازي ثم ألحق بهم. فانطلقت إلى السوق فعسر علي فرجعت فقلت: أرجع غداً فلم أزل حتى التبس بي الذنب وتخليت فجعلت أمشي في أسواق المدينة فيحزنني أني لا أرى إلا مغموصاً عليه في النفاق أو ضعيفاً. وكان جميع من تخلف عن رسول الله بضعة وثمانين رجلاً.
ولما بلغ النبي ﷺ تبوك ذكرني وقال: "ما فعل كعب"؟ فقال رجل من قومي: خلفه يا نبي الله برداه والنظر في عطفيه. فقال معاذ: بئس ما قلت! والله ما نعلم إلا خيراً.
إلى أن قال: فلما رآني ﷺ تبسم تبسم المغضب وقال: "ألم تكن ابتعت ظهرك"
стр. 1775
قلت: بلى قال: "فما خلفك"؟ قلت: والله لو بين يدي أحد غيرك جلست لخرجت من سخطه علي بعذر لقد أوتيت جدلاً ولكن قد علمت يا نبي الله أني أخبرك اليوم بقول تجد علي فيه وهو حق فإني أرجو فيه عقبى الله.
إلى أن قال: والله ما كنت قط أيسر ولا أخف حاذاً مني حين تخلفت عنك فقال: "أما هذا فقد صدقكم قم حتى يقضي الله فيك" فقمت.
إلى أن قال: ونهى رسول الله ﷺ الناس عن كلامنا أيها الثلاثة.
فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد وتنكر لنا الناس حتى ما هم بالذين نعرف وتنكرت لنا الحيطان والأرض. وكنت أطوف وآتي المسجد فأدخل وآتي النبي ﷺ فأسلم عليه فأقول: هل حرك شفتيه بالسلام! واستكان صاحباي فجعلا يبكيان الليل والنهار لا يطلعان رؤوسهما! فبينا أنا أطوف في السوق إذا بنصراني جاء بطعام يقول: من يدل على كعب فدلوه علي! فأتاني بصحيفة من ملك غسان فإذا فيها: أما بعد فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك ولست بدار مضيعة ولا هوان فالحق بنا نواسك. فسجرت لها التنور وأحرقتها.
إلى أن قال: إذ سمعت نداء من ذروة سلع: أبشر يا كعب بن مالك. فخررت ساجداً. ثم جاء رجل على فرس يبشرني فكان الصوت أسرع من فرسه فأعطيته ثوبي بشارة ولبست غيرهما.
ونزلت توبتنا على النبي ﷺ ثلث الليل فقالت أم سلمة: يا نبي الله ألا نبشر كعباً؟ قال: "إذاً يحطمكم الناس ويمنعونكم النوم".
قال: فانطلقت إلى النبي ﷺ فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون وهو يستنير كاستنارة القمر فقال: أبشر يا كعب بخير يوم أتى عليك ثم تلا عليهم: "لقد تاب الله على النبي". التوبة ١١٧. الآيات.
وفينا نزلت أيضاً: "اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" التوبة ١١٩.
فقلت: يا نبي الله إن من توبتي ألا أحدث إلا صادقاً وأن أنخلع من مالي كله صدقة. فقال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ..... الحديث".
стр. 1776
وفي لفظ: فقام إلي طلحة يهرول حتى صافحني وهنأني. فكان لا ينساها لطلحة (٢٧٧).
٢٠٤ - جرير بن عبد الله (٢٧٨)
ابن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن حشم بن عوف الأمير النبيل الجميل أبو عمرو وقيل: أبو عبد الله البجلي القسري وقسر من قحطان.
من أعيان الصحابة.
حدث عنه: أنس وقيس بن أبي حازم وأبو وائل والشعبي وهمام ابن حارث وأولاده الأربعة: المنذر وعبيد الله وإبراهيم لم يدركه وأيوب وشهر بن حوشب وزياد بن علاقة وحفيده أبو زرعة بن عمرو بن جرير وأبو إسحاق السبيعي وجماعة.
وبايع النبي ﷺ على النصح لكل مسلم.
أحمد: حدثنا إسحاق الأزرق: حدثنا يونس عن المغيرة بن شبل قال: قال جرير: لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي وحللت عيبتي ولبست حلتي ثم دخلت المسجد فإذا برسول الله ﷺ يخطب فرماني الناس بالحدق. فقلت لجليسي: يا عبد الله هل ذكر رسول الله من أمري شيئاً؟ قال: نعم ذكرك بأحسن الذكر بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته فقال: "إنه سيدخل عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن ألا وإن على وجهه مسحة ملك". قال: فحمدت الله (٢٧٩).
قلت: كان بديع الحسن كامل الجمال.
ابن عيينة: حدثنا إسماعيل عن قيس: سمعت جرير بن عبد الله يقول: ما رآني رسول الله ﷺ
стр. 1777
إلا تبسم في وجهي وقال: "يطلع عليكم من هذا الباب رجل من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك" (٢٨٠).
سوار بن مصعب عن مجالد عن الشعبي. عن عدي بن حاتم قال: لما دخل يعني جريراً على النبي ﷺ ألقى له وسادة فجلس على الأرض. فقال النبي ﷺ : "أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فساداً" فأسلم. ثم قال النبي ﷺ : "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" (٢٨١).
الواقدي: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال: قدم جرير البجلي المدينة في رمضان سنة عشر ومعه من قومه خمسون ومئة. فقال رسول الله: "يطلع عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن". فطلع جرير على راحلته ومعه قومه فأسلموا (٢٨٢).
أبو العباس السراج: حدثنا أبو بكر بن خلف: حدثنا يزيد بن نصر بصري ثقة: حدثنا حفص بن غياث عن معبد بن خالد بن أنس بن مالك عن أبيه عن جده: كنا عند النبي ﷺ فأقبل جرير بن عبد الله فضن الناس بمجالسهم فلم يوسع له أحد فرمى إليه رسول الله ﷺ ببردة كانت معه حباه بها وقال: دونكها يا أبا عمرو فاجلس عليها. فتلقاها بصدره ونحره وقال: أكرمك الله يا رسول الله كما أكرمتني. فقال النبي ﷺ : "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" (٢٨٣).
ورواه جعفر بن أحمد بن بسام عن أبي صفوان المدني عن حفص بهذا.
وروى نحوه مسلم بن إبراهيم عن عون بن عمرو عن الجريري عن ابن بريدة عن يحيى بن معمر عن جرير.
وروى إبراهيم النخعي عن همام أنه رأى جريراً بال ثم توضأ ومسح على خفيه فسألته فقال: رأيت النبي ﷺ يفعله.
стр. 1778
ثم قال إبراهيم فكان يعجبهم هذا لأن جريراً من آخر من أسلم (٢٨٤).
ابن أبي خالد عن قيس عن جرير: أن النبي ﷺ قال له: "ألا تريحني من ذي الخلصة بيت خثعم". وكان يسمى الكعبة اليمانية.
قال: فخربناه أو حرقناه حتى تركناه كالجمل الأجرب. وبعث إلى النبي ﷺ يبشره فبرك على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.
قال: وقلت: يا رسول الله إني رجل لا أثبت على الخيل. فوضع يده على وجهي وفي لفظ يحيى القطان: فوضع يده في صدري وقال: "اللهم اجعله هادياً مهدياً".
وفيه: فانطلقت في خمسين ومئة فارس من أحمس (٢٨٥).
أبو غسان النهدي: حدثنا سليمان بن إبراهيم بن جرير عن أبان بن عبد الله البجلي عن أبي بكر بن حفص عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "جرير منا أهل البيت ظهراً لبطن قالها ثلاثاً" (٢٨٦).
هذا منكر وصوابه من قول علي.
الزيادي وغيره قالا: حدثنا خالد بن عمرو الأموي: حدثنا مالك بن مغول عن أبي زرعة عن جرير قال: كان رسول الله ﷺ تأتيه وفود العرب فيبعث إلي فألبس حلتي ثم أجيء فيباهي بي (٢٨٧).
وروي عن جرير: قال لي رسول الله ﷺ : "إنك امرؤ قد حسن الله خلقك فحسن خلقك".
وعن عيسى بن يزيد: كان النبي ﷺ يعجب من عقل جرير وجماله.
стр. 1779
خالد بن عبد الله عن بيان عن قيس عن جرير قال: رآني عمر بن الخطاب متجرداً فناداني: خذ رداءك خذ رداءك فأخذت ردائي ثم أقبلت إلى القوم فقلت: ماله قالوا: لما رآك متجرداً قال: ما أرى أحداً من الناس صور صورة هذا إلا ما ذكر من يوسف ﵇.
عمر بن إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن بيان عن قيس عن جرير: أنه مشى في إزار بين يدي عمر فقال: خذ رداءك وقال للقوم ما رأيت رجلاً أحسن من هذا إلا ما بلغنا من صورة يوسف (٢٨٨).
أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير: حدثني إبراهيم بن جرير: أن عمر قال: جرير يوسف هذه الأمة (٢٨٩).
مغيرة عن الشعبي عن جرير قال: كنت عند عمر فتنفس رجل يعني: أحدث فقال عمر: عزمت على صاحب هذه لما قام فتوضأ. فقال جرير: اعزم علينا جميعاً فقال: عزمت علي وعليكم لما قمنا فتوضأنا ثم صلينا.
ورواه يحيى القطان عن مجالد عن الشعبي وله طرق وزاد بعضهم فقال عمر: يرحمك الله نعم السيد كنت في الجاهلية ونعم السيد كنت في الإسلام.
مجالد عن الشعبي: كان على ميمنة سعد بن أبي وقاص يوم القادسية جرير بن عبد الله.
قال ابن عساكر: سكن جرير الكوفة ثم سكن قرقيسياء وقدم رسولاً من علي إلى معاوية.
الزبير بن بكار: حدثني محمد بن يحيى حدثني عمران بن عبد العزيز الزهري قال: بلغني أن جريراً قال: بعثني علي إلى معاوية يأمره بالمبايعة فخرجت لا أرى أحداً سبقني إليه فإذا هو يخطب والناس يبكون حول قميص عثمان وهو معلق في رمح (٢٩٠).
стр. 1780
قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: لم يزل جرير معتزلاً لعلي ومعاوية بالجزيرة ونواحيها حتى توفي بالشراة في ولاية الضحاك بن قيس على الكوفة.
أبو نعيم والفريابي: حدثنا أبان بن عبد الله البجلي: حدثني إبراهيم ابن جرير عن أبيه قال: بعث علي إلي ابن عباس والأشعث وأنا بقرقيسياء فقالا: أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول: نعم ما رأيت من مفارقتك معاوية وإني أنزلك بمنزلة رسول الله ﷺ التي أنزلكها. فقال جرير: إن رسول الله ﷺ بعثني إلى اليمن أقاتلهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوا حرمت دماؤهم وأموالهم. فلا أقاتل من يقول: لا إله إلا الله (٢٩١).
قال الهيثم بن عدي: ذهبت عين جرير بهمدان إذ وليها لعثمان.
قال الهيثم وخليفة ومحمد بن مثنى: توفي جرير سنة إحدى وخمسين.
وقال ابن الكلبي: مات سنة أربع وخمسين.
ومسند جرير نحو من مئة حديث بالمكرر. اتفق له الشيخان على ثمانية أحاديث وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بستة.
٢٠٥ - أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري (٢٩٢)
السلمي المدني البدري العقبي الذي أسر العباس ﵄ يوم بدر.
شهد العقبة وله عشرون سنة.
وهو الذي انتزع راية المشركين يوم بدر ومناقبه كثيرة.
حدث عنه: صيفي مولى أبي أيوب وعبادة بن الوليد الصامتي وموسى بن طلحة وحنظلة بن قيس وغيرهم. له أحاديث قليلة.
стр. 1781
وقيل كان دحداحاً قصيراً مدملكاً (٢٩٣) ذا بطن.
وقد شهد صفين مع علي وكان من بقايا البدريين.
مات بالمدينة في سنة خمس وخمسين.
وبعضهم يقول: هو آخر من مات ممن شهد بدراً. فالله أعلم.
خرج له مسلم دون البخاري.
٢٠٦ - أبو أسيد الساعدي (٢٩٤)
من كبراء الأنصار شهد بدراً والمشاهد.
واسمه: مالك بن ربيعة بن البدن له أحاديث.
وقد ذهب بصره في أواخر عمره.
حدث عنه بنوه: المنذر وحمزة والزبير وعباس بن سهل بن سعد وعبد الملك بن سعيد وأنس بن مالك وأبو سلمة بن عبد الرحمن ومولاه علي بن عبيد الساعدي وطائفة.
مات سنة أربعين وهو قول ابن سعد وخليفة.
وقال المدائني: توفي سنة ستين وهذا بعيد وأشذ منه قول أبي القاسم ابن مندة سنة خمس وستين وقال أبو حفص الفلاس: مات سنة ثلاثين.
قال ابن سعد: وكانت مع أبي أسيد راية بني ساعدة يوم الفتح (٢٩٥).
وعن عباس بن سهل بن سعد قال رأيت أبا أسيد بعد أن ذهب بصره قصيراً دحداحاً أبيض الرأس واللحية كثير الشعر. مات سنة ستين.
وروى ابن عجلان عن عبيد الله بن أبي رافع قال: رأيت أبا أسيد يحفي شاربه كأخي الحلق.
стр. 1782
وقال ابن أبي ذئب عن عثمان بن عبد الله قال: رأيت أبا هريرة وأبا أسيد وأبا قتادة وابن عمر يمرون بنا ونحن في الكتاب فنجد منهم ريح العبير. وهو الخلوق يصفرون به لحاهم.
وقد كان أبو أسيد له خاتم من ذهب فكأنه لم يبلغه التحريم.
وقيل إنه عاش ثمانياً وسبعين سنة ﵀ وله عقب بالمدينة وبغداد.
وقع له في مسند بقي ثمانية وعشرون حديثاً.
وشهد بدراً ابن عمه مالك بن مسعود بن البدن.
حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار: أصيب أبو أسيد ببصره قبل قتل عثمان فقال: الحمد لله الذي لما أراد الفتنة في عباده كف بصري عنها.
٢٠٧ - حويطب بن عبد العزى القرشي (٢٩٦)
العامري المعمر. من الصحابة الذين أسلموا يوم الفتح.
يروي عن عبد الله بن السعدي عن عمر حديث العمالة (٢٩٧).
رواه عنه السائب بن يزيد الصحابي ولا نعلم حويطباً يروي سواه.
وهو أحد الذين أمرهم عمر بتجديد أنصاب حدود حرم الله وأحد من دفن عثمان ليلاً.
وقد باع من معاوية داراً له بالمدينة بأربعين ألف دينار فيما بلغنا.
وكان حميد الإسلام.
стр. 1783
عاش مئة وعشرين سنة. مات سنة أربع وخمسين وقيل: سنة اثنتين وخمسين.
وله ترجمة في تاريخ ابن عساكر.
وسار إلى الشام مجاهداً وقد حضر بدراً فقال: رأيت الملائكة تقتل وتأسر فقلت: هذا رجل ممنوع.
واستقرض مني النبي ﷺ يوم حنين أربعين ألفاً وأعطاني من غنائم حنين مئة من الإبل (٢٩٨). رواه الواقدي.
٢٠٨ - سعيد بن يربوع القرشي (٢٩٩)
شيخ بني مخزوم. من مسلمة الفتح.
عاش أيضاً مئة وعشرين سنة. وكذلك حكيم بن حزام وحسان بن ثابت.
عند سعيد حديث أخرجه أبو داود (٣٠٠) رواه عنه ابنه عبد الرحمن.
وقد تألفه النبي ﷺ بخمسين بعيراً من غنائم حنين.
وكان ممن يجدد أنصاب الحرم.
أضر بأخرة وتوفي سنة أربع وخمسين.
стр. 1784
٢٠٩ - مخرمة بن نوفل (٣٠١)
ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. أبو المسور القرشي الزهري الصحابي من الطلقاء وكان كبير بني زهرة.
كساه النبي ﷺ حلة فاخرة (٣٠٢) باعها بأربعين أوقية. وكان من المؤلفة قلوبهم.
أبو عامر الخزاز عن أبي يزيد المدني عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل فلما سمع النبي ﷺ به قال: "بئس أخو العشيرة". فلما دخل بش به. قالت: فلما خرج كلمته في ذلك فقال: "يا عائشة أعهدتني فحاشاً إن شر الناس من يتقى شره" (٣٠٣).
بقي مخرمة إلى بعد الخمسين فمات في سنة أربع وخمسين وله مئة عام وخمسة عشر عاماً.
وكان والده نوفل ابن عم آمنة بنت وهب بن عبد مناف الزهرية والدة النبي ﷺ . فلهذا أكرمه النبي ﷺ وبش به وخلع عليه حلة مثمنة.
وكان ولده المسور بن مخرمة من صغار الصحابة ومن أشراف قريش وعلمائهم.
٢١٠ - أبو الغادية الصحابي (٣٠٤)
من مزينة وقيل: من جهينة.
من وجوه العرب وفرسان أهل الشام يقال شهد الحديبية.
стр. 1785
وله أحاديث مسندة. وروى له الإمام أحمد في المسند.
حدث عنه: ابنه سعد وكلثوم بن جبر وحيان بن حجر وخالد بن معدان والقاسم أبو عبد الرحمن. قال البخاري وغيره له صحبة.
روى حماد بن سلمة عن كلثوم بن جبر عن أبي غادية قال: سمعت عماراً يشتم عثمان فتوعدته بالقتل فرأيته يوم صفين يحمل على الناس فطعنته فقتلته وأخبر عمرو بن العاص فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قاتل عمار وسالبه في النار" (٣٠٥).
إسناده فيه انقطاع.
قال عثمان بن أبي العاتكة: رمى العدو الناس بالنفط فقال معاوية: أما إذ فعلوها فافعلوا فكانوا يترامون بها. فتهيأ رومي لرمي سفينة أبي الغادية في طنجير (٣٠٦). فرماه أبو الغادية بسهم فقتله. وخر الطنحير في سفينتهم فاحترقت بأهلها. كانوا ثلاث مئة. فكان يقال: رمية سهم أبي الغادية قتلت ثلاث مئة نفس.
لم أجد لأبي الغادية وفاة.
٢١١ - صفوان بن المعطل (٣٠٧)
ابن رحضة بن المؤمل. أبو عمرو السلمي ثم الذكواني المذكور بالبراءة من الإفك.
وفي قصة الإفك قال فيه النبي ﷺ : "ما علمت إلا خيراً".
وكان يسير في ساقة الجيش فمر فرأى سواد إنسان فقرب فإذا هو بأم المؤمنين عائشة قد ذهبت لحاجتها فانقطع لها عقد فردت تفتش عليه وحمل الناس فحملوا هودجها يظنونها فيه وكانت صغيرة لها اثنا عشر عاماً وساروا فردت إلى المنزلة فلم
стр. 1786
تلق أحداً فقعدت وقالت: سوف يفقدونني. فلما جاء صفوان رآها وكان يراها قبل الحجاب وكان الحجاب قد نزل من نحو سنة. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون لم ينطق بغيرها وأناخ بعيره وركبها وسار يقود بها حتى لحق الناس نازلين في المضحى فتكلم أهل الإفك وجهلوا حتى أنزل الله الآيات في براءتها (٣٠٨). ولله الحمد.
وقال صفوان: إن كشفت كنف أنثى قط. وقد روي له حديثان.
حدث عنه: سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وسعيد المقبري وسلام أبو عيسى. وروايتهم عنه مرسلة لم يلحقوه فيما أرى إن كان مات سنة تسع عشرة.
قال ابن سعد: أسلم صفوان بن المعطل قبل المريسيع (٣٠٩) وكان على ساقة النبي ﷺ إلى أن قال: مات بسميساط (٣١٠) في آخر خلافة معاوية حدثني بذلك محمد بن عمر.
وقال خليفة: مات بناحية سميساط من الجزيرة وقبره هناك.
القواريري وعلي بن حجر حدثنا عبد الله بن جعفر المديني: أخبرنا محمد بن يوسف عن عبد الله بن الفضل عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن صفوان بن المعطل السلمي قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فرمقت صلاته ليلة فصلى العشاء الآخرة ثم نام فلما كان نصف الليل استنبه فتلا العشر من آخر آل عمران ثم نام ثم قام ثم تسوك ثم توضأ وصلى ركعتين فلا أدري: أقيامه أم ركوعه أم سجوده كان أطول ثم انصرف فنام ثم استيقظ فتلا ذلك العشر ثم تسوك وتوضأ وصلى ركعتين.
قال: فلم يزل يفعل كما فعل أول مرة حتى صلى إحدى عشرة ركعة (٣١١).
стр. 1787
وبإسناد غير متصل في تاريخ دمشق أن صفوان بن المعطل حمل بداريا (٣١٢) على رجل من الروم عليه حلية الأعاجم فطعنه فصرعه فصاحت امرأته وأقبلت نحوه فقال صفوان:
ولقد شهدت الخيل يسطع نقعها … ما بين داريا دمشق إلى نوى
فطعنت ذا حلي فصاحت عرسه … يا ابن المعطل ما تريد بما أرى
فأجبتها أني سأترك بعلها … بالدير منعفر المضاحك بالثرى
وإذا عليه حلية فشهرتها … إني كذلك مولع بذوي الحلى
وفي مسند الهيثم بن كليب من طريق عامر بن صالح بن رستم عن أبيه عن الحسن عن سعد مولى رسول الله ﷺ قال: شكي صفوان بن المعطل إلى رسول الله قال: وكان يقول هذا الشعر.
فقال: "دعوا صفوان فإنه خبيث اللسان طيب القلب" (٣١٣).
وفيه عن سعد قال وكنا في مسير لنا ومعنا تمر فجاءني صفوان ابن المعطل فقال أطعمني من ذلك التمر قلت إنما هو تمر قليل ولست آمن أن يدعو به أظنه: أراد النبي ﷺ فإذا نزلوا فأكلوا أكلت معهم قال أطعمني فقد أصابني الجهد فلم يزل بي حتى أخذ السيف فعقر الراحلة فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "قولوا لصفوان: فليذهب".
فلما نزلوا لم يبت تلك الليلة يطوف في أصحاب النبي ﷺ حتى أتى علياً فقال: أين أذهب أذهب إلى الكفر فدخل علي على رسول الله فقال: إن هذا لم يدعنا نبيت هذه الليلة قال: أين يذهب؟ إلى الكفر قال: "قولوا لصفوان فليحلق".
روى نحوه القواريري عن سليم بن أخضر عن ابن عون عن الحسن عن صاحب زاد النبي ﷺ نحوه.
عروة عن عائشة: أن النبي ﷺ في قصة الإفك حمد الله ثم قال: "أما بعد: أشيروا
стр. 1788
علي في أناس أبنوا أهلي وايم الله إن علمت على أهلي من سوء قط وأبنوهم بمن والله إن علمت عليه سوءاً قط" (٣١٤).
ابن يونس: أخبرنا يونس عن الزهري عن ابن المسيب عن صفوان ابن المعطل قال: ضرب حسان بن ثابت بالسيف في هجاء هجاه به فأتى حسان النبي ﷺ فاستعداه عليه فلم يقده منه وعقل له جرحه وقال: "إنك قلت قولاً سيئاً".
رواه معمر فلم يذكر ابن المسيب.
قلت الذي قاله حسان.
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا … وابن الفريعة أمسى بيضة البلد (٣١٥)
فغضب صفوان وقال: يعرض بي ووقف له ليلة حتى مر حسان فيضربه بالسيف ضربة كشط جلدة رأسه. فكلم النبي ﷺ حسان ورفق به حتى عفا فأعطاه ﷺ سيرين أخت مارية لعفوه فولدت له ابنه عبد الرحمن.
وقد روي: أن صفوان شكته زوجته أنه ينام حتى تطلع الشمس فسأله النبي ﷺ عن ذلك. فقال: إنا أهل بيت معروفون بذلك (٣١٦).
فهذا بعيد من حال صفوان أن يكون كذلك وقد جعله النبي ﷺ على ساقة الجيش فلعله آخر باسمه.
стр. 1789
قال الواقدي: مات صفوان بن المعطل سنة ستين بسميساط.
وقال خليفة: مات بالجزيرة وكان على ساقة النبي ﷺ وكان شاعراً.
وقال ابن إسحاق: قتل في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة قال: وكان أحد الأمراء يومئذ.
قلت: فهذا تباين كثير في تاريخ موته فالظاهر أنهما اثنان. والله أعلم.
٢١٢ - دحية الكلبي (٣١٧)
ابن خليفة بن فروة بن فضالة: الكلبي القضاعي صاحب النبي ﷺ ورسوله بكتابه إلى عظيم بصرى ليوصله إلى هرقل.
روى أحاديث.
حدث عنه: منصور بن سعيد الكلبي ومحمد بن كعب القرظي وعبد الله بن شداد بن الهاد وعامر الشعبي وخالد بن يزيد بن معاوية.
وقد شهد اليرموك وكان على كردوس (٣١٨) وسكن المزة (٣١٩).
أحمد: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا عمر من آل حذيفة عن الشعبي عن دحية الكلبي: قلت: يا رسول الله ألا أحمل لك حماراً على فرس فينتج لك بغلة تركبها؟ قال: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون" (٣٢٠).
стр. 1790
رواه عيسى بن يونس عن عمر عن الشعبي مرسلاً: أن حذيفة قال ذلك.
قال ابن سعد: أسلم دحية قبل بدر ولم يشهدها. وكان يشبه بجبريل. بقي إلى زمن معاوية.
وقال دحيم: ذريته بالبقاع.
وقيد ابن ماكولا في أجداده الخرج وهو العظيم البطن.
الهيثم بن عدي عن الكلبي عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه عن دحية: قدمت من الشام فأهديت إلى النبي ﷺ فاكهة يابسة من فستق ولوز وكعك الحديث (٣٢١).
إسناده واه.
وعن جابر الجعفي عن الشعبي عن دحية الكلبي قال: أهديت لرسول الله جبة صوف وخفين. فلبسهما حتى تخرقا (٣٢٢). جابر واه.
وعن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن شداد عن دحية قال: بعث رسول الله ﷺ معي بكتاب إلى قيصر فقمت بالباب فقلت: أنا رسول رسول الله ففزعوا لذلك. فدخل عليه الآذن فأدخلت وأعطيته الكتاب. "من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم".