ابن المبارك: أخبرنا عمر بن محمد بن زيد، أخبرنا أبي، أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء، فيصلي فيه ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش، فيغفي إغفاءة الطائر، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسة.
قال نافع: كان ابن عمر لا يصوم في السفر، ولا يكاد يفطر في الحضر.
وقال ابن شهاب، عن سالم: ما لعن ابن عمر خادمًا له إلَّا مرة، فأعتقه.
روى أبو الزبير المكي، عن عطاء مولى ابن سباع، قال: أقرضت ابن عمر ألفي درهم، فوفانيها بزائد مائتي درهم.
أبو بكر بن عياش، عن عاصم، أنَّ مروان قال لابن عمر -يعني بعد موت يزيد: هلمَّ يدك نبايعك، فإنك سيد العرب، وابن سيدها، قال: كيف أصنع بأهل المشرق? قال: نضربهم حتى يبايعوا. قال: والله ما أحب أنها دانت لي سبعين سنة، وأنه قتل في سيفي رجل واحد.
قال: يقول مروان:
إني أرى فتنة تغلي مراجلها … والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
أبو ليلى: معاوية بن يزيد بايع له أبوه الناس، فعاش أيامًا.
أبو حازم المديني، عن عبد الله بن دينار، قال: خرجت مع ابن عمر إلى مكة فعرسنا، فانحدر علينا راع من جبل، فقال له ابن عمر: أراع? قال: نعم، قال: بعني شاة من الغنم. قال: إني مملوك، قال: قل لسيدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله ? قال ابن عمر: فأين الله! ثم بكى، ثم اشتراه بعد، فأعتقه!
أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر نحوه.
وفي رواية ابن أبي رواد، عن نافع: فأعتقه، واشترى له الغنم.
عبيد الله، عن نافع قال: ما أعجب ابن عمر شيء من ماله إلَّا قدمه، بينا هو يسير على ناقته إذ أعجبته، فقال: إخ إخ، فأناخها، وقال: يا نافع، حط عنها الرحل، فجللها، وقلدها، وجعلها في بدنه.
عمر بن محمد بن زيد، عن أبيه: إن ابن عمر كاتب غلامًا له بأربعين ألفًا، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حمر له حتى أدَّى خمسة عشر ألفًا، فجاءه إنسان، فقال: أمجنون أنت? أنت ههنا تعذب نفسك، وابن عمر يشتري الرقيق يمينًا وشمالًا، ثم يعتقهم؛ ارجع
стр. 1962
إليه فقل: عجزت. فجاء إليه بصحيفة، فقال: يا أبا عبد الرحمن، قد عجزت، وهذه صحيفتي فامحها، فقال: لا، ولكن امحها أنت إن شئت، فمحاها ففاضت عينا عبد الله، وقال: اذهب فأنت حر، قال: أصلحك الله، أحسِن إلى ابنيّ، قال: هما حران، قال: أصلحك الله، أحسن إلى أميّ ولديّ، قال: هما حرتان. رواه ابن وهب، عنه.
عاصم بن محمد العمري، عن أبيه، قال: أعطى عبد الله بن جعفر ابن عمر بنافع عشرة آلاف، فدخل على صفية امرأته، فحدثها، قالت: فما تنتظر? قال: فهلّا ما هو خير من ذلك، هو حر لوجه الله. فكان يخيل إليَّ أنه كان ينوي قول الله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وقال ابن شهاب: أراد ابن عمر أن يلعن خادمًا، فقال: اللهم الع، فلم يتمَّها، وقال: ما أحب أن أقول هذه الكلمة.
جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن نافع: أتي ابن عمر ببضعة وعشرين ألفًا، فما قام حتى أعطاها.
رواها عيسى بن كثير، عن ميمون، وقال: باثنين وعشرين ألف دينار.
وقال أبو هلال: حدثنا أيوب بن وائل قال: أُتِيَ ابن عمر بعشرة آلاف ففرقها، وأصبح يطلب لراحلته علفًا بدرهم نسيئة.
برد بن سنان، عن نافع، قال: إن كان ابن عمر ليفرق في المجلس ثلاثين ألفًا، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل مزعة لحم.
عمر بن محمد العمري، عن نافع، قال: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان، أو زاد.
إسنادها صحيح.
أيوب، عن نافع، قال: بعث معاوية إلى ابن عمر بمائة ألف، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء.
معمر، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله، قال: لو أنَّ طعامًا كثيرًا كان عند أبي، ما شبع منه بعد أن يجد له آكلًا، فعاده ابن مطيع، فرآه قد نحل جسمه، فكلمه، فقال: إنه ليأتي
стр. 1963
عليَّ ثمان سنين ما أشبع فيها شبعة واحدة. أو قال: إلَّا شبعة، فالآن تريد أن أشبع حين لم يبق من عمري إلَّا ظمء حمار.
إسماعيل بن عياش: حدثني مطعم بن المقدام، قال: كتب الحجاج إلى ابن عمر: بلغني أنك طلبت الخلافة، وإنها لا تصلح لعيي ولا بخيل ولا غيور، فكتب إليه: أمَّا ما ذكرت من الخلافة فما طلبتها، وما هي من بالي، وأمَّا ما ذكرت من العي، فمن جمع كتاب الله فليس بعييّ، ومن أدَّى زكاته فليس ببخيل، وإن أحق ما غرت فيه ولدي أن يشركني فيه غيري.
هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن مجاهد، قال لي ابن عمر: لأن يكون نافع يحفظ حفظك، أحب إليَّ من أن يكون لي درهم زيف، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، ألَا جعلته جيدًا!! قال: هكذا كان في نفسي.
الأعمش وغيره، عن نافع قال: مرض ابن عمر، فاشتهى عنبًا أوَّل ما جاء، فأرسلت امرأته بدرهم، فاشترت به عنقودًا، فاتبع الرسول سائل، فلمَّا دخل قال: السائل السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه، ثم بعثت بدرهم آخر، قال: فاتبعه السائل، فلمَّا دخل، قال: السائل السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه، وأرسلت صفية إلى السائل تقول: والله لئن عدت لا تصيب مني خيرًا، ثم أرسلت بدرهم آخر، فاشترت به.
مالك بن مغول، عن نافع قال: أتي ابن عمر بجوارش، فكرهه، وقال: ما شبعت منذ كذا وكذا.
إسماعيل بن أبي أويس: حدثنا سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن نافع: أنَّ المختار بن أبي عبيد كان يرسل إلى ابن عمر بالمال فيقبله، ويقول: لا أسأل أحدًا شيئًا، ولا أرد ما رزقني الله.
الثوري، عن أبي الوازع، قلت لابن عمر: لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم، فغضب وقال: إني لأحسبك عراقيًّا، وما يدريك ما يغلق عليه ابن أمك بابه.
أبو جعفر الرازي، عن حصين، قال ابن عمر: إني لأخرج وما لي حاجة إلَّا أن أسلّم على الناس، ويسلمون عليّ.
وروى معمر، عن أبي عمرو الندبي قال: خرجت مع ابن عمر، فما لقي صغيرًا ولا كبيرًا إلَّا سلَّم عليه.
قال عثمان بن إبراهيم الحاطبي: رأيت ابن عمر يحفي شاربه، حتى ظننت أنه ينتفه، وما
стр. 1964
رأيته إلَّا محلل الأزرار، وإزاره إلى نصف ساقه، وقيل: كان يتزر على القميص في السفر، ويختم الشيء بخاتمه، ولا يكاد يلبسه، ويأتي السوق فيقول: كيف يباع ذا? ويصفر لحيته.
وروى ابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر، عن نافع، أنَّ ابن عمر كان يقبض على لحيته، ويأخذ ما جاوز القبضة.
قال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر، مكث ستين سنة يفتي الناس.
مالك، عن نافع، كان ابن عمر وابن عباس يجلسان للناس عند مقدم الحاجّ، فكنت أجلس إلى هذا يومًا، وإلى هذا يومًا، فكان ابن عباس يجيب ويفتي في كل ما سئل عنه، وكان ابن عمر يرد أكثر مما يفتي.
قال الليث بن سعد، وغيره: كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إليَّ بالعلم كله، فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كافّ اللسان عن أعراضهم، لازمًا لأمر جماعتهم، فافعل.
منصور بن زاذان: عن ابن سيرين أن رجلًا قال لابن عمر: أعمل لك جوارش? قال: وما هو؟ قال: شيء إذا كظك الطعام، فأصبت منه، سهل. فقال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وما ذاك أن لا أكون له واجدًا، ولكن عهدت قومًا يشبعون مرة، ويجوعون مرة.
وروى الحارث بن أبي أسامة، عن رجل: بعثت أم ولد لعبد الملك بن مروان إلى وكيلها تستهديه غلامًا، وقالت: يكون عالمًا بالسنة، قارئًا لكتاب الله، فصيحًا عفيفًا، كثير الحياء، قليل المراء، فكتب إليها: قد طلبت هذا الغلام، فلم أجد غلامًا بهذه الصفة إلَّا عبد الله بن عمر، وقد ساومت به أهله، فأبوا أن يبيعوه.
روى بقية، عن ابن حذيم، عن وهب بن أبان القرشي، أنَّ ابن عمر خرج، فبينما هو يسير إذا أسد على الطريق قد حبس الناس، فاستخفَّ ابن عمر راحلته، ونزل إلى الأسد، فعرك أذنه وأخره عن الطريق، وقال: سمعت رسول الله ﷺ ، وقال: "لو لم يخف ابن آدم إلَّا الله لم يسلط عليه غيره". لم يصح هذا.
أسامة بن زيد، عن عبد الله بن واقد قال: رأيت ابن عمر يصلي، فلو رأيته مقلوليًا، ورأيته يفت المسك في الدهن يدهن به.
عبد الملك بن أبي جميلة، عن عبد الله بن موهب، أن عثمان قال لابن عمر: اذهب،
стр. 1965
فاقض بين الناس، قال: أَوَتعفيني من ذلك؟ قال: فما تكره من ذلك، وقد كان أبوك يقضي? قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان قاضيًا فقضى بالعدل، فبالحري أن ينفلت كفافًا" فما أرجو بعد ذلك?! (١).
السري بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن مجاهد قال: قال ابن عمر: لقد أعطيت من الجماع شيئًا ما أعلم أحدًا أعطيه إلَّا أن يكون رسول الله ﷺ .
تفرَّد به يحيى بن عباد، عنه.
أبو أسامة: حدَّثنا عمر بن حمزة، أخبرني سالم، عن ابن عمر، قال: إني لأظنّ قسم لي منه ما لم يقسم لأحد إلَّا للنبي ﷺ ، وقيل: كان ابن عمر يفطر أول شيء على الوطء.
ليث بن أبي سليم، عن نافع قال: لما قُتِلَ عثمان جاء عليّ إلى ابن عمر، فقال: إنك محبوب إلى الناس، فسِرْ إلى الشام، فقال: بقرابتي وصحبتي والرحم التي بيننا، قال: فلم يعاوده (٢).
ابن عيينة، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: بعث إليَّ علي فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنك رجل مطاع في أهل الشام، فسر فقد أمَّرتك عليهم، فقلت: أذكرك الله وقرابتي من رسول الله ﷺ ، وصحبتي إياه، إلَّا ما أعفيتني، فأبى علي، فاستعنت عليه بحفصة، فأبى، فخرجت ليلًا إلى مكة، فقيل له: إنه قد خرج إلى الشام، فبعث في أثري، فجعل الرجل يأتي المربد، فيخطم بعيره بعمامته ليدركني، قال: فأرسلت حفصة: إنه لم يخرج إلى الشام، إنما خرج إلى مكة، فسكن.
الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير قال: هرب موسى بن طلحة من المختار، فقال: رحم الله ابن عمر! إني لأحسبه على العهد الأوّل لم يتغير، والله ما استفزته قريش، فقلت في نفسي: هذا يزري على أبيه في مقتله، وكان علي غدا على ابن عمر فقال: هذه كتبنا، فاركب بها إلى الشام، قال: أنشدك الله والإسلام، قال: والله لتركبنّ، قال: أذكرك الله واليوم الآخر، قال: لتركبن، والله طائعًا أو كارهًا، قال: فهرب إلى مكة.
العوام بن حوشب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال يوم دومة جندل: جاء معاوية على بختي عظيم طويل، فقال: ومن الذي يطمع في هذا الأمر ويمد إليه عنقه? فما
стр. 1966
حدَّثت نفسي بالدنيا إلَّا يومئذ، هممت أن أقول: يطمع فيه من ضربك وأباك عليه، ثم ذكرت الجنة ونعيمها، فأعرضت عنه.
حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، أنَّ معاوية بعث إلى ابن عمر بمائة ألف، فلمَّا أراد أن يبايع ليزيد قال: أرى ذاك، أراد: إن ديني عندي إذًا لرخيص.
وقال محمد بن المنكدر: بويع يزيد، فقال ابن عمر لما بلغه: إن كان خيرًا رضينا، وإن كان بلاء صبرنا.
ابن علية، عن أبي عون، عن نافع قال: حلف معاوية على منبر رسول الله ﷺ ليقتلنَّ ابن عمر، يعني: وكان ابن عمر بمكة، فجاء إليه عبد الله بن صفوان، فدخلا بيتًا وكنت على الباب، فجعل ابن صفوان يقول: أفتتركه حتى يقتلك?! والله لو لم يكن إلَّا أنا وأهل بيتي لقاتلته دونك، فقال: ألَا أصير في حرم الله? وسمعت نحيبه مرتين، فلمَّا دنا معاوية تلقَّاه ابن صفوان فقال: إيهًا، جئت لتقتل ابن عمر. قال: والله لا أقتله.
مسعر، عن أبي حصين، قال معاوية: من أحق بهذا الأمر منَّا? وابن عمر شاهد قال: فأردت أن أقول: أحق به منك من ضربك عليه وأباك، فخفت الفساد.
معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونوساتها تنطف، فقلت: قد كان من الناس ما ترين، ولم يجعل لي من الأمر شيء، قالت: فالحق بهم، فإنهم ينتظرونك، وإني أخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة، فلم يرعه حتى ذهب، قال: فلمَّا تفرق الحكمان خطب معاوية فقال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع إليَّ قرنه، فنحن أحق بذلك منه ومن أبيه -يعرِّض بابن عمر.
قال حبيب بن مسلمة: فهلّا أجبته -فداك أبي وأمي? فقال ابن عمر: حللت حبوتي، فهممت أن أقول: أحق بذلك منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق الجمع، ويسفك فيها الدم، فذكرت ما أعدَّ الله في الجنان (١).
وقال سلام بن مسكين: سمعت الحسن يقول: لما كان من أمر الناس ما كان زمن الفتنة، أتوا ابن عمر، فقالوا: أنت سيد الناس وابن سيدهم، والناس بك راضون، اخرج نبايعك، فقال: لا، والله لا يهراق في محجمة من دم، ولا في سببي ما كان في روح.
стр. 1967
جرير بن حازم، عن يعلى، عن نافع قال: قال أبو موسى يوم التحكيم: لا أرى لهذا الأمر غير عبد الله بن عمر، فقال عمرو بن العاص لابن عمر: إنا نريد أن نبايعك، فهل لك أن تُعْطَى مالًا عظيمًا على أن تدع هذا الأمر لمن هو أحرص عليه منك? فغضب وقام، فأخذ ابن الزبير بطرف ثوبه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنما قال: لتعطي مالًا على أن أبايعك، فقال: والله لا أعطي عليها ولا أُعْطَى، ولا أقبلها إلَّا عن رضىً من المسلمين.
قلت: كاد أن تنعقد البيعة له يومئذ مع وجود مثل الإمام عليّ، وسعد بن أبي وقاص، ولو بويع لما اختلف عليه اثنان، ولكن الله حماه وخار له.
مسعر، عن علي بن الأقمر قال: قال مروان لابن عمر: ألَا تخرج إلى الشام فيبايعوك? قال: فكيف أصنع بأهل العراق? قال: تقاتلهم بأهل الشام. قال: والله ما يسرني أن يبايعني الناس كلهم إلَّا أهل فدك، وأن أقاتلهم، فيقتل منهم رجل، فقال مروان:
إني أرى فتنة تغلي مراجلها … والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
وروى عاصم بن أبي النجود نحوًا منها.
وهذا قاله وقت هلاك يزيد بن معاوية، فلمَّا اطمأنَّ مروان من جهة ابن عمر بادر إلى الشام وحارب، وتملّك الشام ثم مصر.
أبو عوانة، عن مغيرة، عن فطر قال: أتى رجل ابن عمر فقال: ما أحد شر للأمة منك، قال: لم? قال: لو شئت ما اختلف فيك اثنان، قال: ما أحب أنها -يعني: الخلافة- أتتني، ورجل يقول لا، وآخر يقول بلى.
أبو المليح الرقي، عن ميمون بن مهران قال: دسَّ معاوية عمرًا وهو يريد أن يعلم ما في نفس ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن! ما يمنعك أن تخرج تبايعك الناس، أنت صاحب رسول الله ﷺ ، وابن أمير المؤمنين، وأنت أحق الناس بهذا الأمر، فقال: قد اجتمع الناس كلهم على ما تقول? قال: نعم، إلَّا نفر يسير. قال: لو لم يبق إلَّا ثلاثة أعلاج بهجر لم يكن لي فيها حاجة. قال: فعلم أنه لا يريد القتال، فقال: هل لك أن تبايع من قد كاد الناس أن يجتمعوا عليه، ويكتب لك من الأرضين، والأموال? فقال: أفٍّ لك? اخرج من عندي، إن ديني ليس بديناركم ولا درهمكم.
يونس بن عبيد، عن نافع قال: كان ابن عمر يسلِّم على الخشبية والخوارج وهم يقتتلون، وقال: من قال "حيَّ على الصلاة" أجبته، ومن قال: "حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله" فلا.
стр. 1968
قال نافع: أتى رجل ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما يحملك على أن تحج عامًا وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد، فقال: بُنِيَ الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، وصلاة الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألَا تسمع قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٨]. فقال: لأن أعتبر بهذه الآية، فلا أقاتل أحبَّ إلي من أن أعتبر بالآية التي يقول فيها: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٢]. فقال: ألَا ترى أن الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. قال: قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ ؛ إذ كان الإسلام قليلًا، وكان الرجل يفتن في دينه؛ إمَّا أن يقتلوه، وإمَّا أن يسترقوه، حتى كثر الإسلام، فلم تكن فتنة، قال: فلما رأى أنه لا يوافقه قال: فما قولك في عثمان وعلي? قال: أمَّا عثمان: فكان الله عفا عنه، وكرهتم أن يعفو الله عنه، وأمَّا علي: فابن عم رسول الله ﷺ وختنه، وأشار بيده- هذا بيته حيث ترون.
الزهري، عن حمزة بن عبد الله، قال: أقبل ابن عمر علينا، فقال: ما وجدت في نفسي شيئًا من أمر هذه الأمة ما وجدت في نفسي من أن أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله.
قلنا: ومن ترى الفئة الباغية? قال: ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم، فأخرجهم من ديارهم، ونكث عهدهم.
أيوب، عن نافع قال: أصابت ابن عمر عارضة محمل بين أصبعيه عند الجمرة، فمرض، فدخل عليه الحجاج، فلمَّا رآه ابن عمر غمض عينيه، فكلمه الحجاج، فلم يكلمه، فغضب وقال: إن هذا يقول أني على الضرب الأول.
عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو، أخبرنا جدي، أنَّ ابن عمر قدم حاجًّا، فدخل عليه الحجاج وقد أصابه زجّ رمح، فقال: من أصابك? قال: أصابني من أمرتموه بحمل السلاح في مكان لا يحل فيه حمله (١).
أحمد بن يعقوب المسعودي، حدثنا إسحاق بن سعيد بن عمرو الأموي، عن أبيه، عن ابن عمر أنه قام إلى الحجَّاج وهو يخطب، فقال: يا عدو الله! استُحِلَّ حرم الله، وخُرِّبَ بيت الله، فقال: يا شيخًا قد خرف، فلمَّا صدر الناس أمر الحجاج بعض مسوَّدته، فأخذ
стр. 1969
حربة مسمومة، وضرب بها رجل ابن عمر، فمرض ومات منها، ودخل عليه الحجَّاج عائدًا، فسلم فلم يرد عليه، وكلمه فلم يجبه.
هشام، عن ابن سيرين، أنَّ الحجاج خطب فقال: إن ابن الزبير بدَّل كلام الله، فعلم ابن عمر، فقال: كذب، لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدّل كلام الله، ولا أنت، قال: إنك شيخ قد خرفت الغد، قال: أما إنك لو عدت عدت.
قال الأسود بن شيبان: حدثنا خالد بن سمير قال: خطب الحجاج، فقال: إن ابن الزبير حرَّف كتاب الله، فقال ابن عمر: كذبت كذبت، ما يستطيع ذلك، ولا أنت معه، قال: اسكت، فقد خرفت وذهب عقلك، يوشك شيخ أن يضرب عنقه فيخر، قد انتفخت خصيتاه، يطوف به صبيان البقيع (١).
الثوري، عن عبد الله بن دينار قال: لما اجتمعوا على عبد الملك، كتب إليه ابن عمر: أما بعد، فإني قد بايعت لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت، وإن بنيّ قد أقروا بذلك.
شعبة، عن ابن أبي رواد، عن نافع، أنَّ ابن عمر أوصى رجلًا يغسِّله، فجعل يدلكه بالمسك.
وعن سالم بن عبد الله: مات أبي بمكة، ودفن بفخ سنة أربع وسبعين، وهو ابن أربع وثمانين، وأوصاني أن أدفنه خارج الحرم فلم نقدر، فدفناه بفخ في الحرم، في مقبرة المهاجرين.
حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: ما آسى على شيء إلَّا أني لم أقاتل الفئة الباغية. هكذا رواه الثوري، عنه، وقد تقدَّم نحوه مفسرًا.
وأما عبد العزيز بن سياه فرواه عنه ثقتان، عن حبيب بن أبي ثابت، أن ابن عمر قال: ما آسى على شيء فاتني إلَّا أني لم أقاتل مع عليّ الفئة الباغية. فهذا منقطع.
وقال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، قال ابن عمر حين احتضر: ما أجد في نفسي شيئًا إلَّا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع عليّ بن أبي طالب.
стр. 1970
وروى أبو أحمد الزبيري، حدثنا عبد الجبار بن العباس، عن أبي العنبس، عن أبي بكر بن أبي الجهم، عن ابن عمر ........... ، فذكر نحوه.
ولابن عمر أقوال وفتاوى يطول الكتاب بإيرادها، وله قول ثالث في الفئة الباغية.
فقال روح بن عبادة: حدثنا العوام بن حوشب، عن عياش العامري، عن سعيد بن جبير قال: لما احتضر ابن عمر قال: ما آسى على شيء من الدنيا إلَّا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا -يعني: الحجاج.
قال ضمرة بن ربيعة: مات ابن عمر سنة ثلاث وسبعين.
وقال مالك: بلغ ابن عمر سبعًا وثمانين سنة.
وقال أبو نعيم، والهيثم بن عدي، وأبو مسهر، وعدة: مات سنة ثلاث وسبعين.
وقال سعيد بن عفير، وخليفة، وغيرهما: مات سنة أربع وسبعين.
والظاهر أنه توفي في آخر سنة ثلاث.
قال أبو بكر بن البرقي: توفي بمكة، ودفن بذي طوى. وقيل: بفخ مقبرة المهاجرين سنة أربع.
قلت: هو القائل كنت يوم أحد ابن أربع عشرة سنة (١)، فعلى هذا يكون عمره خمسًا وثمانين سنة ﵁ وأرضاه.
أخبرنا أيوب بن طارق، وأحمد بن محمد بقراءتي قالا: أخبرنا أبو القاسم بن رواحة، أخبرنا أبو طاهر السلفي، أخبرنا أحمد بن علي الطريثيثي، وأبو ياسر محمد بن عبد العزيز، وأبو القاسم الربعي، وأبو منصور الخياط، قالوا: أخبرنا عبد الملك بن محمد، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الفاكهي بمكة (٣٥٣)، حدثنا أبو يحيى عبد الله بن أبي مسرة، حدثنا يعقوب بن إسحاق -وهو ابن بنت حميد الطويل- قال: سمعت عبد الله بن أبي عثمان يقول: رأيت ابن عمر يحفي شاربه، ورأيته ينحر البدن قيامًا يجأ في لباتها.
أخبرنا إسحاق الأسدي، أخبرنا ابن خليل، أخبرنا اللبان، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أحمد بن جعفر، أخبرنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبو كامل، حدثنا أبو عوانة، عن هلال بن خباب، عن قزعة قال: رأيت على ابن عمر ثيابًا خشنة -أو
стр. 1971
جشبة، فقلت له: إني قد أتيتك بثوب ليِّن مما يصنع بخراسان، وتقر عيناي أن أراه عليك. قال: أرنيه، فلمسه، وقال: أحرير هذا? قلت: لا، إنه من قطن. قال: إني أخاف أن ألبسه، أخاف أكون مختالًا فخورًا، والله لا يحب كل مختال فخور.
قلت: كل لباس أوجد في المرء خيلاء وفخرًا فتركه متعيّن، ولو كان من غير ذهب ولا حرير، فإنا نرى الشاب يلبس الفرجية الصوف بفروٍ من أثمان أربع مائة درهم ونحوها، والكبر والخيلاء على مشيته ظاهر، فإن نصحته ولمته برفق كابر، وقال: ما في خيلاء ولا فخر، وهذا السيد ابن عمر يخاف ذلك على نفسه، وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فرجية تحت كعبيه، وقيل له: قد قال النبي ﷺ : "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" يقول: إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء، وأنا لا أفعل خيلاء. فتراه يكابر ويبرئ نفسه الحمقاء، ويعمد إلى نصٍّ مستقل عام فيخصه بحديث آخر مستقل بمعنى الخيلاء، ويترخَّص بقول الصديق: إنه يا رسول الله، يسترخي إزاري، فقال: "لست يا أبا بكر ممن يفعله خيلاء"، فقلنا: أبو بكر ﵁ لم يكن يشد إزاره مسدولًا على كعبيه أولًا، بل كان يشده فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخي، وقد قال ﵇: "إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين"، ومثل هذا في النهي لمن فصَّل سراويل مغطيًا لكعابه، ومنه طول الأكمام زائدًا، وتطويل العذبة، وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس، وقد يعذر الواحد منهم بالجهل، والعالم لا عذر له في تركه الإنكار على الجهلة، فإن خلع على رئيس خلعة سيراء من ذهب وحرير وقندس، يحرمه ما ورد في النهي عن جلود السباع، ولبسها الشخص يسحبها، ويختال فيها، ويخطر بيده، ويغضب ممن لا يهنِّيه بهذه المحرمات، ولا سيما إن كانت خلعة وزارة وظلم، ونظر مكس أو ولاية شرطة، فليتهيأ للمقت وللعزل والإهانة والضرب، وفي الآخرة أشد عذابًا وتنكيلًا، فرضي الله عن ابن عمر، وأبيه، وأين مثل ابن عمر في دينه وورعه وعلمه وتألهه، وخوفه من رجل تعرض عليه الخلافة فيأباها، والقضاء من مثل عثمان فيرده، ونيابة الشام لعلي فيهرب منه، فالله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب.
الوليد بن مسلم: عن عمر بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر قال: لولا أن معاوية بالشام لسرني أن آتي بيت المقدس، فأهلُّ منه بعمرة، ولكن أكره أن آتي الشام فلا آتيه، فيجد عليّ أو آتيه، فيراني تعرضت لما في يديه.
روى عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا ليلته.
стр. 1972
الوليد بن مسلم: حدثنا ابن جابر، حدثني سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يحيي الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع أسحرنا? فأقول: لا. فيعاود الصلاة إلى أن أقول: نعم، فيقعد ويستغفر ويدعو حتى يصبح.
قال طاوس: ما رأيت مصليًا مثل ابن عمر أشد استقبالًا للقبلة بوجهه وكفيه وقدميه.
وروى نافع أنَّ ابن عمر كان يحيي بين الظهر إلى العصر.
هشام الدستوائي، عن القاسم بن أبي بزة، أن ابن عمر قرأ فبلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، فبكى حتى خر، وامتنع من قراءة ما بعدها.
معمر، عن أيوب، عن نافع أو غيره، أن رجلًا قال لابن عمر: يا خير الناس -أو ابن خير الناس، فقال: ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكنِّي عبد من عباد الله، أرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه.
عبيد الله بن عمر، عن نافع، كان ابن عمر يزاحم على الركن حتى يرعف.
أخبرنا أحمد بن سلامة، عن أبي المكارم التيمي، أخبرنا أبو علي، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حرملة، حدثني أبو الأسود، سمع عروة يقول: خطبت إلى ابن عمر ابنته ونحن في الطواف، فسكت ولم يجبني بكلمة، فقلت: لو رضي لأجابني، والله لا أراجعه بكلمة، فقدر له أنه صدر إلى المدينة قبلي، ثم قدمت، فدخلت مسجد الرسول ﷺ ، فسلمت عليه، وأديت إليه حقه، فرحَّب بي، وقال: متى قدمت? قلت: الآن. فقال: كنت ذكرت لي سودة ونحن في الطواف نتخايل الله بين أعيننا، وكنت قادرًا أن تلقاني في غير ذلك الموطن، فقلت: كان أمرًا قدر، قال: فما رأيك اليوم? قلت: أحرص ما كنت عليه قط، فدعا ابنيه سالمًا وعبد الله، وزوجني.
وبه إلى بشر: حدثنا خلَّاد بن يحيى، حدثنا هارون بن أبي إبراهيم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عمر قال: إنما مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم يسيرون على جادة يعرفونها، فبينا هم كذلك؛ إذ غشيتهم سحابة وظلمة، فأخذ بعضهم يمينًا وشمالًا فأخطأ الطريق، وأقمنا حيث أدركنا ذلك، حتى جلا الله ذلك عنَّا، فأبصرنا طريقنا الأول، فعرفناه فأخذنا فيه، إنما هؤلاء فتيان قريش يقتتلون على هذا السلطان، وعلى هذه الدنيا، ما أبالي أن لا يكون لي ما يقتل عليه بعضهم بعضًا بنعلي هاتين الجرداوين.
стр. 1973
عبد الله بن نمير، عن عاصم الأحول، عمَّن حدثه، قال: كان ابن عمر إذا رآه أحد ظنَّ به شيئًا مما يتبع آثار النبي ﷺ .
وكيع، عن أبي مودود، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان في طريق مكة يقول برأس راحلته يثنيها، ويقول: لعلَّ خفًّا يقع على خفِّ -يعني: خف راحلة النبي ﷺ .
قال ابن حزم في كتاب "الإحكام" في الباب الثامن والعشرين: المكثرون من الفتيا من الصحابة عمر، وابنه عبد الله، علي، عائشة، ابن مسعود، ابن عباس، زيد بن ثابت، فهم سبعة فقط يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم. وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن بعقوب بن أمير المؤمنين المأمون، فتيا ابن عباس في عشرين كتابًا، وأبو بكر هذا أحد أئمة الإسلام.
عبد الرحمن بن مهدي: حدثنا عثمان بن موسى، عن نافع: إنَّ ابن عمر تقلَّد سيف عمر يوم قتل عثمان، وكان محلَّى، كانت حليته أربع مائة.
أبو حمزة السكري، عن إبراهيم الصائغ، عن نافع، أنَّ ابن عمر كان له كتب ينظر فيها قبل أن يخرج إلى الناس. هذا غريب.
ولابن عمر في "مسند بقي" ألفان وست مائة وثلاثون حديثًا بالمكرَّر، واتفقا له على مائة وثمانية وستين حديثًا، وانفرد له البخاري بأحد وثمانين حديثًا، ومسلم بأحد وثلاثين.
وأولاده من صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي: أبو بكر، وواقد، وعبد الله، وأبو عبيدة، وعمر، وحفصة، وسودة.
ومن أم علقمة المحاربية: عبد الرحمن، وبه يكنَّى.
ومن سرية له: سالم، وعبيد الله، وحمزة.
ومن سرية أخرى: زيد، وعائشة.
ومن أخرى: أبو سلمة، وقلابة.
ومن أخرى: بلال، فالجملة: ستة عشر.
وعن أبي مجلز، عن ابن عمر، قال: إليكم عني، فإني كنت مع من هو أعلم مني، ولو علمت أني أبقى حتى تفتقروا إليّ؛ لتعلمت لكم.
стр. 1974
هشام بن سعد، عن أبي جعفر القارئ: خرجت مع ابن عمر من مكة، وكان له جفنة من ثريد، يجتمع عليها بنوه وأصحابه وكل من جاء، حتى يأكل بعضهم قائمًا، ومعه بعير له عليه مزادتان فيهما نبيذ وماء، فكان لكل رجل قدح من سويق بذلك النبيذ.
وعن ابن عمر أنَّه كان يأكل الدجاج والفراخ والخبيص.
معن، عن مالك، بلغه أنَّ ابن عمر قال: لو اجتمعت عليَّ الأمة إلَّا رجلين ما قاتلتهما.
سلام بن مسكين: سمعت الحسن يحدث قال: لما قُتِلَ عثمان، قالوا لابن عمر: إنك سيد الناس وابن سيدهم، فاخرج يبايع لك الناس، فقال: لئن استطعت لا يهراق فيَّ محجمة. قالوا: لتخرجن أو لتقتلنَّ على فراشك، فأعاد قوله.
قال الحسن: أطمعوه وخوفوه فيما قدروا على شيء منه.
وترجمة هذا الإمام في طبقات ابن سعد مطوّلة في ثمان وثلاثين ورقة.
يحول إلى نظرائه
стр. 1975
ومن صغار الصحابة:
٢٦٨ - الضحاك بن قيس (١): " س"
ابن خالد الأمير، أبو أمية، وقيل: أبو أنيس، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو سعيد الفهري القرشي.
عداده في صغار الصحابة، وله أحاديث.
خرَّج له النسائي، وقد روى عن حبيب بن مسلمة أيضًا.
حدَّث عنه: معاوية بن أبي سفيان -ووصفه بالعدالة، وسعيد بن جبير، والشعبي، ومحمد بن سويد الفهري، وعمير بن سعد، وسماك بن حرب، وأبو إسحاق السبيعي.
قال أبو القاسم ابن عساكر: شهد فتح دمشق وسكنها، وكان على عسكر دمشق يوم صفين.
стр. 1976
حجاج بن محمد، عن ابن جريج، حدثني محمد بن طلحة، عن معاوية، أنه قال على المنبر: حدثني الضحاك بن قيس -وهو عدل على نفسه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يزال والٍ من قريش على الناس".
وقال علي بن جدعان: عن الحسن، أنَّ الضحاك بن قيس كتب إلى قيس بن الهيثم -حين مات يزيد: أما بعد، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الدخان، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه"، وإن يزيد قد مات، وأنتم إخواننا، فلا تسبقونا بشيء حتى نختار لأنفسنا (١).
قال الزبير بن بكار: كان الضحاك بن قيس مع معاوية، فولاه الكوفة، وهو الذي صلى على معاوية، وقام بخلافته حتى قدم يزيد، ثم بعده دعا إلى ابن الزبير، وبايع له، ثم دعا إلى نفسه، وفي بيت أخته فاطمة اجتمع أهل الشورى، وكانت نبيلة.
وذكره مسلم أنه بدريّ، فغلط.
وقال شباب: مات زياد بن أبيه سنة ثلاث وخمسين بالكوفة، فولاها معاوية الضحاك، ثم صرفه، وولاه دمشق، وولَّى الكوفة ابن أم الحكم، فبقي الضحاك على دمشق حتى هلك يزيد.
وقيل: إن الضحاك خطب بالكوفة قاعدًا.
وكان جوادًا، لبس بردًا تساوي ثلاث مائة دينار، فساومه رجل به، فوهبه له، وقال: شحّ بالمرء أن يبيع عطافه.
قال الليث: أظهر الضحاك بيعة ابن الزبير بدمشق، ودعا له، فسار عامَّة بني أمية وحشمهم، فلحقوا بالأردن، وسار مروان وبنو بحدل إلى الضحاك.
ابن سعد: أخبرنا المدائني، عن خالد بن يزيد، عن أبيه، وعن مسلمة بن محارب، عن حرب بن خالد، وغيره، أن معاوية بن يزيد لما مات دعا النعمان بن بشير بحمص إلى ابن الزبير، ودعا زفر بن الحارث أمير قنسرين إلى ابن الزبير، ودعا إليه بدمشق الضحّاك سرًّا لمكان بني أمية وبني كلب. وبلغ حسان بن بحدل وهو بفلسطين، وكان هواه في خالد بن يزيد، فكتب إلى الضحاك يعظم حق بني أمية، ويذم ابن الزبير، وقال للرسول: إن قرأ الكتاب،
стр. 1977
وإلا فاقرأه على الناس. وكتب إلى بني أمية، فلم يقرأ الضحاك كتابه، فكان في ذلك اختلاف، فسكتهم خالد بن يزيد، ودخل الضحاك داره أيامًا، ثم صلى بالناس، وذكر يزيد فشتمه، فقام رجل من كلب فضربه بعصًا، فاقتتل الناس بالسيوف، ودخل الضحاك دار الإمارة فلم يخرج، وتفرَّق الناس، ففرقة زبيرية، وأخرى بحدلية، وفرقة لا يبالون، ثم أرادوا أن يبايعوا الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فأبى، ثم توفِّي، وطلب الضحاك مروان، فأتاه هو وعمه والأشدق، وخالد بن يزيد وأخوه، فاعتذر إليهم، وقال: اكتبوا إلى ابن بحدل حتى ينزل الجابية ونسير إليه، ويستخلف أحدكم، فقدم ابن بحدل، وسار الضحاك وبنو أمية يريدون الجابية، فلما استقلت الرايات موجَّهة قال معن بن ثور، والقيسية للضحاك: دعوت إلى بيعة رجل أحزم الناس رأيًا وفضلًا وبأسًا، فلمَّا أجبناك سرت إلى هذا الأعرابي تبايع لابن أخته! قال: فما العمل? قالوا: تصرف الرايات وتنزل، فتظهر البيعة لابن الزبير، ففعل وتبعه الناس، فكتب ابن الزبير إليه بإمرة الشام، وطرد الأموية من الحجاز.
وخاف مروان فسار إلى ابن الزبير ليبايع، فلقيه بأذرعات عبيد الله بن زياد مقبلًا من العراق، فقال: أنت شيخ بني عبد مناف، سبحان الله! أرضيت أن تبايع أبا خبيب، ولأنت أولى، قال: فما ترى? قال ادع إلى نفسك، وأنا أكفيك قريشًا، ومواليها، فرجع ونزل بباب الفراديس، وبقي يركب إلى الضحاك كل يوم، فيسلم عليه ويرجع إلى منزله، فطعنه رجل بحربة في ظهره، وعليه درع فأثبت الحربة، فردَّ إلى منزله، وعاده الضحاك، وأتاه بالرجل فعفا عنه، ثم قال للضحاك: يا أبا أنيس! العجب لك، وأنت شيخ قريش تدعو لابن الزبير، وأنت أرضى منه! لأنك لم تزل متمسكًا بالطاعة، وهو، ففارق الجماعة. فأصغى إليه، ودعا إلى نفسه ثلاثة أيام، فقالوا: أخذت عهودنا وبيعتنا لرجل، ثم تدعوا إلى خلعه من غير حدث!، وأبوا، فعاود الدعاء لابن الزبير، فأفسده ذلك عند الناس، فقال له ابن زياد: من أراد ما تريد لم ينزل المدائن والحصون، بل يبرز ويجمع إليه الخيل، فاخرج وضم الأجناد، ففعل ونزل المرج، فانضمَّ إلى مروان وابن زياد جمع. وتزوج مروان بوالدة خالد بن يزيد، وهي ابنة هاشم بن عتبة بن ربيعة، وانضمَّ إليهم عباد بن زياد في مواليه، وانضمَّ إلى الضحاك زفر بن الحارث الكلابي أمير قنسرين، وشرحبيل بن ذي الكلاع، فصار في ثلاثين ألفًا، ومروان في ثلاثة عشر ألفًا، أكثرهم رجالة، وقيل: لم يكن مع مروان سوى ثمانين فرسًا، فالتقوا بالمرج أيامًا، فقال ابن زياد: لا تنال من هذا إلَّا بمكيدة، فادع إلى الموادعة، فإذا أمن فكُرْ عليهم، فراسله، فأمسكوا عن الحرب، ثم شدَّ مروان بجمعه على الضحاك، ونادى الناس: يا أبا أنيس! أعجزًا بعد كيس? فقال الضحاك: نعم لعمري، والتحم الحرب، وقتل الضحاك، وصبرت قيس، ثم انهزموا، فنادى منادي مروان: لا تتبعوا موليًا.
قال الواقدي: قتلت قيس بمرج راهط مقتلة لم تقتلها قط، في نصف ذي الحجة سنة أربع وستين.
وقيل: إن مروان لما أُتِيَ برأس الضحاك كره قتله، وقال: الآن حين كبرت سني، واقترب أجلي، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض.
стр. 1978
٢٦٩ - الحسن بن علي بن أبي طالب (١): " ع"
ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الإمام السيد، ريحانة رسول الله ﷺ ، وسبطه، وسيد شباب أهل الجنة، أبو محمد القرشي الهاشمي المدني، الشهيد.
مولده: في شعبان سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: في نصف رمضانها، وعقَّ عنه جده بكبش (٢).
وحفظ عن جده أحاديث، وعن أبيه وأمه.
حدَّث عنه: ابنه الحسن بن الحسن، وسويد بن غفلة، وأبو الحوراء (٣) السعدي، والشعبي، وهبيرة بن يريم، وأصبغ بن نباتة، والمسيب بن نجبة.
стр. 1979
وكان يشبه جده رسول الله ﷺ ، قاله أبو جحيفة (١).
أحمد: حدثنا غندر، حدثنا شعبة، سمعت بريد بن أبي مريم يحدث عن أبي الحوراء، قلت للحسن: ما تذكر من رسول الله ﷺ ؟ قال: أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة، فجعلتها في فيَّ، فنزعها رسول الله ﷺ بلعابها، فجعلها في التمر، فقيل: يا رسول الله! وما كان عليك من هذه التمرة لهذا الصبي? قال: "إنا آل محمد لا تحلّ لنا الصدقة"، قال: وكان يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة"، وكان يعلمنا هذا الدعاء: "اللهم اهدني فيمن هديت … " الحديث (٢).
ابن سعد: أخبرنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء، عن الحسن قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في القنوت: "اللهم اهدني فيمن هديت" (٣).
إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ، عن علي قال: لما وُلِدَ الحسن جاء رسول الله ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه"؟ قلت: حرب، قال: "بل هو حسن … "، وذكر الحديث (٤).
стр. 1980
يحيى بن عيسى التميمي: حدَّثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، قال علي: كنت رجلًا أحب الحرب، فلما ولد الحسن هممت أن أسميه حربًا، فسمَّاه رسول الله ﷺ الحسن، فلمَّا ولد الحسين هممت أن أسميه حربًا، فسمَّاه الحسين، وقال: "إنني سميت ابنيَّ هذين باسم ابني هارون شبر وشبير" (١).
عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، عن أبيه، أنه سمَّى ابنه الأكبر حمزة، وسمَّى حسينًا بعمه جعفر، فدعاه النبي ﷺ ، فقال: "قد غيرت اسم ابنيَّ هذين" فسمَّى حسنًا وحسينًا (٢).
ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال: لما ولدت فاطمة حسنًا، أتت النبي ﷺ ، فسماه حسنًا، فلما ولدت الآخر سماه حسينًا، وقال: "هذا أحسن من هذا" فشقَّ له من اسمه.
ذكر الزبير بن بكار: أنه -أعني: الحسن- ولد في نصف رمضان سنة ثلاث، وفي شعبان أصحّ.
السفيانان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، أن النبي ﷺ أذَّن في أذن الحسن بالصلاة حين ولد (٣).
أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ النبي ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا (٤).
شريك، عن ابن عقيل، عن علي بن الحسين، عن أبي رافع، قال: لما ولدت فاطمة
стр. 1981
حسنًا، قالت: يا رسول الله! ألَا أعق عن ابني بدم? قال: "لا، لكن احلقي رأسه، وتصدَّقي بوزن شعره فضةً على المساكين" ففعلت (١).
جعفر الصادق، عن أبيه قال: وزنت فاطمة شعر حسن وحسين وأم كلثوم، فتصدقت بزنته فضة.
حدثنا أبو عاصم، عن عمر بن سعيد، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث قال: صلى بنا أبو بكر العصر، ثم قام وعلي يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلمان، فأخذه أبو بكر فحمله على عنقه، وقال:
بأبي شبيه النبي … ليس شبيه بعلي
وعليّ يتبسَّم (٢).
علي بن عابس، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن البهيّ قال: دخل علينا ابن الزبير فقال: رأيت الحسن يأتي النبي ﷺ وهو ساجد، يركب على ظهره، ويأتي وهو راكع، فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر (٣).
وقال الزهري: قال أنس: كان أشبههم بالنبي -عليه الصلاة السلام- الحسن بن علي (٤).
إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ، عن علي قال: الحسن أشبه الناس برسول الله ﷺ ، ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه به ما كان أسفل من ذلك (٥).
стр. 1982
عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، أنه شبَّه الحسن بالنبي ﷺ .
قال أسامة: كان النبي ﷺ يأخذني والحسن، ويقول: "اللهمَّ إني أحبهما فأحبهما" (١).
وفي "الجعديات" لفضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن البراء، قال النبي ﷺ للحسن: "اللهم إني أحبه فأحبه، وأحبّ من يحبه" صححه الترمذي (٢).
أحمد، حدثنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير، عن أبي هريرة، أنَّ النبي ﷺ قال للحسن: "اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه" (٣).
ورواه نعيم المجمر، عن أبي هريرة، فزاد: قال: فما رأيت الحسن إلَّا دمعت عيني.
وروى نحوه ابن سيرين عنه، وفي ذلك عدة أحاديث، فهو متواتر.
قال أبو بكرة: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر، والحسن إلى جنبه، وهو يقول: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" (٤).
يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد مرفوعًا: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" (٥). صححه الترمذي.
стр. 1983
وحسَّن الترمذي من حديث أسامة بن زيد قال: خرج رسول الله ﷺ ليلة وهو مشتمل على شيء، قلت: ما هذا? فكشف، فإذا حسن وحسين على وركيه، فقال: "هذان ابناي، وابنا بنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما، وأحب من يحبهما" (١).
تفرَّد به عبد الله بن أبي بكر بن زيد بن المهاجر المدني، عن مسلم بن أبي سهل النبال، عن الحسن بن أسامة، عن أبيه، ولم يروه غير موسى بن يعقوب الزمعيّ، عن عبد الله، فهذا مما ينتقد تحسينه على الترمذي.
وحسن أيضًا ليوسف بن إبراهيم، عن أنس: سئل رسول الله ﷺ : أيّ أهل بيتك أحبّ إليك? قال: "الحسن والحسين"، وكان يشمهما ويضمهما إليه (٢).
ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن حذيفة، سمع النبي ﷺ يقول: "هذا ملك لم ينزل قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلّم عليَّ ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" (٣). حسَّنه الترمذي.
وصحَّح للبراء أنَّ النبي ﷺ أبصر الحسن والحسين فقال: "اللهم إني أحبهما، فأحبهما" (٤).
قال قابوس بن أبي ظبيان: عن أبيه، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ ، فرج بين فخذي الحسن، وقبَّل زبيبه (٥).
وقد كان هذا الإمام سيدًا وسيمًا جميلًا، عاقلًا رزينًا، جوادًا ممدحًا، خيرًا دينًا،
стр. 1984
ورعًا محتشمًا، كبير الشأن، وكان منكاحًا مطلاقًا، تزوَّج نحوًا من سبعين امرأة، وقلَّما كان يفارقه أربع ضرائر.
عن جعفر الصادق أنَّ عليًّا قال: يا أهل الكوفة، لا تزوجوا الحسن، فإنه مطلاق، فقال رجل: والله لنزوجنَّه، فما رضي أمسك، وما كره طلق.
قا ل ابن سيرين: تزوَّج الحسن امرأة، فأرسل إليها بمائة جارية، مع كل جارية ألف درهم.
وكان يعطي الرجل الواحد مائة ألف.
وقيل: إنه حجَّ خمس عشرة مرة، وحجَّ كثيرًا منها ماشيًا من المدينة إلى مكة، ونجائبه تقاد معه.
الحاكم في "مستدركه": من طريق عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأقمر البكري قال: قام الحسن بن علي يخطبهم، فقام رجل من أزد شنوءة فقال: أشهد، لقد رأيت رسول الله ﷺ ، واضعه في حبوته، وهو يقول: "من أحبني فليحبه، وليبلغ الشاهد الغائب".
وفي "جامع الترمذي" من طريق علي بن الحسن بن علي، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ أخذ الحسن والحسين، فقال: "من أحبّ هذين وأباهما وأمهما، كان معي في درجتي يوم القيامة". إسناده ضعيف، والمتن منكر.
"المسند": حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأقمر قال: بينما الحسن يخطب بعد ما قُتِلَ علي؛ إذ قام رجل من الأزد، آدم طوال، فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ واضعه في حبوته يقول: "من أحبني فليحبه، فليبلغ الشاهد الغائب"، ولولا عزمة رسول الله ﷺ ما حدَّثتكم (١).
علي بن صالح، وأبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : "هذان ابناي، من أحبهما فقد أحبني".
стр. 1985
جماعة، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ جلل حسنًا وحسينًا وفاطمة بكساء، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" (١).
إسرائيل، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي، عن حذيفة، قال النبي ﷺ : "يا حذيفة، جاءني جبريل فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة".
وروي نحوه، عن قيس بن أبي حازم، وزر عن حذيفة.
إسماعيل بن عياش: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن راشد، عن يعلى بن مرة قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله ﷺ ، فجاء أحدهما قبل الآخر، فجعل يده في رقبته، ثم ضمَّه إلى إبطه، ثم قبَّل هذا، ثم قبَّل هذا، وقال: "إني أحبهما فأحبهما"، ثم قال: "أيها الناس إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة".
معمر، عن ابن خثيم، عن محمد بن الأسود بن خلف، عن أبيه، أن النبي ﷺ أخذ حسنًا فقبَّله، ثم أقبل عليه فقال: "إن الولد مبخلة مجبنة".
كامل أبو العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كنَّا مع النبي ﷺ في صلاة
стр. 1986
العشاء، فكان إذا سجد ركب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه رفعهما رفعًا رفيقًا، ثم إذا سجد عادا، فلمَّا صلى قلت: ألَا أذهب بهما إلى أمهما? قال: فبرقت برقة، فلم يزالا في ضوئها حتى دخلا على أمهما.
رواه أبو أحمد الزبيري، وأسباط بن محمد عنه.
زيد بن الحباب، عن حسين بن واقد: حدَّثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخطب، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما، فوضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]. رأيت هذين، فلم أصبر" ثم أخذ في خطبته.
أبو شهاب، مسروح، عن الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يمشي على أربع، وعلى ظهره الحسن والحسين، وهو يقول: "نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما". مسروح ليِّن.
جرير بن حازم: حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن عبد الله بن شداد، عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدَّم فوضعه، ثم كبَّر في الصلاة، فسجد سجدة أطالها، فرفعت رأسي، فإذا الصبي على ظهره، فرجعت في سجودي، فلمَّا قضى صلاته قالوا: يا رسول الله، إنك أطلت! قال: "إن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته".
قلت: أين الفقيه المتنطع عن هذا الفعل?
عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ حامل الحسن على عاتقه، فقال رجل: يا غلام! نعم المركب ركبت، فقال النبي ﷺ : "ونعم الراكب هو". رواه أبو يعلى في "مسنده".
أحمد في "مسنده": حدثنا تليد بن سليمان، حدثنا أبو الجحاف، حدثنا أبو حازم، عن أبي هريرة قال: نظر رسول الله ﷺ إلى علي وابنيه وفاطمة، فقال: "أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم".
الطيالسي في "مسنده": حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبي فاختة، قال عليّ: زارنا رسول
стр. 1987
الله ﷺ ، فبات عندنا، والحسن والحسين نائمان، فاستسقى الحسن، فقام رسول الله ﷺ إلى قربة وسقاه، فتناول الحسين ليشرب، فمنعه وبدأ بالحسن، فقالت فاطمة: يا رسول الله! كأنَّه أحبهما إليك، قال: "لا، ولكن هذا استسقى أولًا"، ثم قال: "إني وإياك وهذين يوم القيامة في مكان واحد"، وأحسبه قال: "وعليًّا".
بقية، عن بحير، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : "حسن مني، والحسين من علي".
رواه ثلاثة عنه، وإسناده قوي.
ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: كنت مع الحسن، فلقينا أبو هريرة، فقال: أرني أقبّل منك حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبّل، فقال بقميصه، فقبَّل سرته.
رواه عدة عنه.
حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي، عن معاوية قال: رأيت رسول الله ﷺ يمصّ لسانه أو شفته -يعني: الحسن، وإنه لن يعذب لسان أو شفتان مصهما رسول الله ﷺ . رواه أحمد.
يحيى بن معين: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال للحسن: "إن ابني هذا سيد، يصلح الله به فئتين من المسلمين".
ومثله من حديث الحسن، عن أبي بكرة (١).
رواه يونس، ومنصور بن زاذان، وإسرائيل أبو موسى، وهشام بن حسان، وأشعث بن سوار، ومبارك بن فضالة، وغيرهم، عنه.
الواقدي: حدثني موسى بن محمد التيمي، عن أبيه، أن عمر لما دوَّن الديوان، ألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما؛ لقرابتهما من رسول الله ﷺ ، فرض لكلٍّ منهما خمسة آلاف درهم.
أبو المليح الرقي: حدثنا هاشم الجعفي قال: فاخر يزيد بن معاوية الحسن بن علي،
стр. 1988
فقال له أبوه: فاخرت الحسن? قال: نعم، قال: لعلك تظن أن أمك مثل أمه، أو جدَّك كجده، فأمَّا أبوك وأبوه فقد تحاكما إلى الله، فحكم لأبيك على أبيه.
زهير بن معاوية: حدثنا عبيد الله بن الوليد، حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير، قال ابن عباس: ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلَّا أنِّي لم أحجّ ماشيًا، ولقد حجَّ الحسن بن علي خمسًا وعشرين حجة ماشيًا، وإن النجائب لتقاد معه، ولقد قاسم الله ماله ثلاث مرات، حتى إنه يعطي الخف ويمسك النعل.
روى نحوًا منه محمد بن سعد، حدثنا علي بن محمد، حدثنا خلاد بن عبيد، عن ابن جدعان، لكن قال: خمس عشرة مرة.
روى مغيرة بن مقسم، عن أم موسى، كان الحسن بن علي إذا أوى إلى فراشه قرأ الكهف.
قال سعيد بن عبد العزيز: سمع الحسن بن علي رجلًا إلى جنبه يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف فبعث بها إليه.
رجاء، عن الحسن، أنَّه كان مبادرًا إلى نصرة عثمان، كثير الذبّ عنه، بقي في الخلافة بعد أبيه سبعة أشهر.
إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة، عن علي، أنه خطب وقال: إن الحسن قد جمع مالًا، وهو يريد أن يقسمه بينكم، فحضر الناس، فقام الحسن، فقال: إنما جمعته للفقراء، فقام نصف الناس.
القاسم بن الفضل الحداني: حدثنا أبو هارون قال: انطلقنا حجَّاجًا، فدخلنا المدينة، فدخلنا على الحسن، فحدثناه بمسيرنا وحالنا، فلمَّا خرجنا بعث إلى كلِّ رجل منا بأربع مائة، فرجعنا فأخبرناه بيسارنا، فقال: لا تردوا عليّ معروفي، فلو كنت على غير هذه الحال كان هذا لكم يسيرًا، أما إني مزودكم: إن الله يباهي ملائكته بعباده يوم عرفة.
قال المدائني: أحصن الحسن تسعين امرأة.
الواقدي: حدَّثنا ابن أبي سبرة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرجنا إلى الجمل ست مائة، فأتينا الربذة، فقام الحسن فبكى، فقال علي: تكلّم ودع عنك أن تحنّ حنين الجارية، قال: إني كنت أشرت عليك بالمقام، وأنا أشيره الآن، إن للعرب جولة، ولو قد رجعت إليها عوازب أحلامها قد ضربوا إليك آباط الإبل حتى
стр. 1989
يستخرجوك، ولو كنت في مثل جحر ضب. قال: أتراني -لا أبا لك- كنت منتظرًا كما ينتظر الضبع اللدم؟.
إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، قال: قيل لعلي: هذا الحسن في المسجد يحدّث الناس، فقال: طحن إبل لم تعلَّم طحنًا.
شعبة، عن أبي إسحاق، عن معد يكرب، أن عليًّا مَرَّ على قوم قد اجتمعوا على رجل، فقال: من ذا? قالوا: الحسن، قال: طحن إبل لم تعوّد طحنًا، إن لكل قوم صدادًا، وإن صدادنا الحسن.
جعفر بن محمد، عن أبيه؛ قال علي: يا أهل الكوفة! لا تزوجوا الحسن، فإنه رجل مطلاق، قد خشيت أن يورثنا عداوة في القبائل.
عن سويد بن غفلة، قال: كانت الخثعمية تحت الحسن، فلمَّا قتل علي وبويع الحسن، دخل عليها، فقالت: لتهنك الخلافة، فقال: أظهرت الشماتة بقتل علي، أنت طالق ثلاثًا، فقالت: والله ما أردت هذا، ثم بعث إليها بعشرين ألفًا، فقالت:
متاع قليل من حبيب مفارق
شريك، عن عاصم، عن أبي رزين قال: خطبنا الحسن بن علي يوم جمعة، فقرأ سورة إبراهيم على المنبر حتى ختمها.
منصور بن زاذان، عن ابن سيرين، قال: كان الحسن بن علي لا يدعو أحدًا إلى الطعام، يقول: هو أهون من أن يدعى إليه أحد.
قال المبرد: قيل للحسن بن علي: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتَّكل على حسن اختيار الله له لم يتمَّن شيئًا، وهذا حد الوقوف على الرضى بما تصرف به القضاء.
عن الحرمازي: خطب الحسن بن علي بالكوفة، فقال: إن الحلم زينة، والوقار مروءة، والعجلة سفه، والسفه ضعف، ومجالسة أهل الدناءة شين، ومخالطة الفساق ريبة.
زهير، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن الأصم، قلت للحسن: إن الشيعة تزعم أن عليًّا مبعوث قبل يوم القيامة، قال: كذبوا، والله ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوَّجنا نساءه، ولا اقتسمنا ماله.
قال جرير بن حازم: قتل علي، فبايع أهل الكوفة الحسن، وأحبوه أشد من حب أبيه.
стр. 1990
وقال الكلبي: بويع الحسن، فوليها سبعة أشهر وأحد عشر يومًا، ثم سلّم الأمر إلى معاوية.
وقال عوانة بن الحكم: سار الحسن حتى نزل المدائن، وبعث قيس بن سعد على المقدمات، وهم اثنا عشر ألفًا، فوقع الصائح: قُتِلَ قيس، فانتهب الناس سرادق الحسن، ووثب عليه رجل من الخوارج فطعنه بالخنجر، فوثب الناس على ذلك فقتلوه، فكتب الحسن إلى معاوية في الصلح.
ابن سعد: حدثنا محمد بن عبيد، عن مجالد، عن الشعبي، وعن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه: إنَّ أهل العراق لما بايعوا الحسن قالوا له: سِرْ إلى هؤلاء الذين عصوا الله ورسوله، وارتكبوا العظائم، فسار إلى أهل الشام، وأقبل معاوية حتى نزل جسر منبج، فبينا الحسن بالمدائن؛ إذ نادى منادٍ في عسكره: ألَا إن قيس بن سعد قد قُتِل، فشدَّ الناس على حجرة الحسن، فنهبوها حتى انتهبت بسطه، وأخذوا رداءه، وطعنه رجل من بني أسد في ظهره بخنجر مسموم في أليته، فتحوّل ونزل قصر كسرى الأبيض، وقال: عليكم لعنة الله من أهل قرية، قد علمت أن لا خير فيكم، قتلتم أبي بالأمس، واليوم تفعلون بي هذا، ثم كاتب معاوية في الصلح على أن يسلّم له ثلاث خصال: يسلم له بيت المال، فيقضي منه دينه، ومواعيده ويتحمّل منه هو وآله، ولا يسب علي وهو يسمع، وأن يحمل إليه خراج، فسا ودرابجرد كل سنة إلى المدينة، فأجابه معاوية، وأعطاه ما سأل.
ويقال: بل أرسل عبد الله بن الحارث بن نوفل إلى معاوية حتى أخذ له ما سأل، فكتب إليه الحسن: أن أقبل، فأقبل من جسر منبج إلى مسكن في خمسة أيام، فسلّم إليه الحسن الأمر، وبايعه حتى قدما الكوفة، ووفَّى معاوية للحسن ببيت المال، وكان فيه يومئذ سبعة آلاف ألف درهم، فاحتملها الحسن، وتجهّز هو وأهل بيته إلى المدينة، وكفَّ معاوية عن سب علي والحسن يسمع، وأجرى معاوية على الحسن كل سنة ألف ألف درهم، وعاش الحسن بعد ذلك عشر سنين.
وأخبرنا عبد الله بن بكر، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار، أن معاوية كان يعلم أن الحسن أكره الناس للفتنة، فلمَّا توفي علي بعث إلى الحسن، فأصلح ما بينه وبينه سرًّا، وأعطاه معاوية عهدًا إن حدث به حدث، والحسن حي ليسمينه، وليجعلنَّ الأمر إليه، فلمَّا توثق منه الحسن، قال ابن جعفر: والله إني لجالس عند الحسن؛ إذ أخذت لأقوم، فجذب بثوبي، وقال: يا هناه اجلس! فجلست، فقال: إني قد رأيت رأيًا، وإني أحب أن تتابعني عليه! قلت: ما هو؟ قال: قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها، وأخلي بين معاوية
стр. 1991
وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسفكت الدماء، وقطعت الأرحام والسبل، وعطلت الفروج.
قال ابن جعفر: جزاك الله خيرًا عن أمة محمد، فأنا معك، فقال: ادع لي الحسين! فأتاه فقال: أي أخي! قد رأيت كيت وكيت، فقال: أعيذك بالله أن تكذب عليًّا، وتصدق معاوية، فقال الحسن: والله ما أردت أمرًا قط إلَّا خالفتني، والله لقد هممت أن أقذفك في بيت، فأطينه عليك حتى أقضي أمري، فلمَّا رأى الحسين غضبه قال: أنت أكبر ولد علي، وأنت خليفته، وأمرنا لأمرك تبع، فقام الحسن فقال: أيها الناس! إني كنت أكره الناس لأوّل هذا الأمر، وأنا أصلحت آخره، إلى أن قال: إن الله قد ولاك يا معاوية هذا الحديث لخير يعلمه عندك، أو لشر يعلمه فيك ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١]. ثم نزل.
شريك، عن عاصم، عن أبي رزين قال: خطبنا الحسن بن علي يوم جمعة، فقرأ إبراهيم على المنبر حتى ختمها.
قال أبو جعفر الباقر: كان الحسن والحسين لا يريان أمهات المؤمنين، فقال ابن عباس: إن رؤيتهنّ حلال لهما.
قلت: الحلّ متيقّن.
ابن عون، عن محمد، قال الحسن: الطعام أدق من أن نقسم عليه.
وقال قرة: أكلت في بيت ابن سيرين، فلمَّا رفعت يدي قال: قال الحسن بن علي: إن الطعام أهون من أن يقسم عليه.
روى جعفر بن محمد، عن أبيه: إن الحسن والحسين كانا يقبلان جوائز معاوية.
أبو نعيم: حدثنا مسافر الجصاص، عن رزيق بن سوار قال: كان بين الحسن ومروان كلام، فأغلظ مروان له، والحسن ساكت، فامتخط مروان بيمينه، فقال الحسن: ويحك، أما علمت أن اليمين للوجه، والشمال للفرج? أفٍّ لك! فسكت مروان.
وعن محمد بن إبراهيم التيمي، أنَّ عمر ألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما مع أهل بدر؛ لقرابتهما برسول الله ﷺ .
ابن سعد: أخبرنا علي بن محمد، عن حمَّاد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن
стр. 1992
عباس، قال: اتحد الحسن والحسين عند رسول الله ﷺ ، فجعل يقول: "هي يا حسن خذ يا حسن"، فقالت عائشة: تعين الكبير? قال: "إن جبريل يقول: خذ يا حسين".
شيبان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، سمع الحسن يقول: والله لا أبايعكم إلَّا على ما أقول لكم.
قالوا: ما هو? قال: تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت.
قال علي بن محمد المدائني: عن خلاد بن عبيدة، عن علي بن جدعان قال: حجَّ الحسن بن علي خمس عشرة حجة ماشيًا، وإن النجائب لتقاد معه، وخرج من ماله مرتين، وقاسم الله ماله ثلاث مرات.
الواقدي: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال علي: ما زال حسن يتزوج ويطلق حتى خشيت أن يكون يورثنا عداوة في القبائل، يا أهل الكوفة! لا تزوجوه، فإنه مطلاق، فقال رجل من همدان: والله لنزوجنَّه، فما رضي أمسك، وما كره طلق.
قال المدائني: أحصن الحسن تسعين امرأة.
شريك: عن عاصم، عن أبي رزين، قال: خطبنا الحسن بن علي وعليه ثياب سود، وعمامة سوداء.
زهير بن معاوية: حدثنا مخول، عن أبي سعيد، أن أبا رافع أتى الحسن بن علي وهو يصلي عاقصًا رأسه، فحله، فأرسله، فقال الحسن: ما حملك على هذا? قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يصلي الرجل عاقصًا رأسه".
وروى نحوه ابن جريج، عن عمران بن موسى، أخبرني سعيد المقبري، أن أبا رافع مَرَّ بحسن وقد غرز ضفيرته في قفاه، فحلها، فالتفت مغضبًا. قال: أقبل على صلاتك ولا تغضب، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ذلك كفل الشيطان". يعني: مقعد الشيطان.
حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن الحسن والحسين كانا يتختَّمان في اليسار.
الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن قيس مولى خباب، رأيت الحسن يخضّب بالسواد.
حجاج بن نصير: حدثنا يمان بن المغيرة، حدثني مسلم بن أبي مريم، قال: رأيت الحسن بن علي يخضب بالسواد.
стр. 1993
أبو الربيع السمان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: رأيت الحسن بن علي قد خضَّب بالسواد.
مجالد، عن الشعبي، وعن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، وعن غيرهما قالوا: بايع أهل العراق الحسن، وقالوا له: سر إلى هؤلاء، فسار إلى أهل الشام، وعلى مقدمته قيس بن سعد، في اثني عشر ألفًا.
وقال غيره: فنزل المدائن، وأقبل معاوية؛ إذ نادى منادٍ في عسكر الحسن: قُتِلَ قيس، فشدَّ الناس على حجرة الحسن، فانتهبوها حتى انتهبوا جواريه، وسلبوا رداءه، وطعنه ابن أقيصر بخنجر مسموم في أليته، فتحوّل، ونزل قصر كسرى، وقال: عليكم اللعنة، فلا خير فيكم.
ابن أبي شيبة: حدثنا زيد بن الحباب، عن حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة، أن الحسن دخل على معاوية، فقال: لأجيزنَّك بجائزة لم أجز بها أحدًا، فأجازه بأربع مائة ألف، أو أربع مائة ألف ألف، فقبلها.
وفي "مجتنى" ابن دريد: قام الحسن بعد موت أبيه، فقال: والله ما ثنانا عن أهل الشام شكّ ولا ندم، وإنما كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم إلى صفين، دينكم أمام دنياكم، فأصبحتم ودنياكم أمام دينكم، ألَا وإنا لكم كما كنا، ولستم لنا كما كنتم، ألَا وقد أصبحتم بين قتيلين؛ قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، فأمَّا الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر، ألَا وإنَّ معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددنا عليه، وإن أردتم الحياة قبلناه. قال: فناداه القوم من كل جانب: التقية التقية، فلمَّا أفردوه أمضى الصلح.
يزيد: أخبرنا العوام بن حوشب، عن هلال بن يساف، سمعت الحسن يخطب ويقول: يا أهل الكوفة! اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم، وإنا أضيافكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قال: فما رأيت قط باكيًا أكثر من يومئذ.
أبو عوانة، عن حصين [بن عبد الرحمن]، عن أبي جميلة [ميسرة بن يعقوب]، أنَّ الحسن بينما هو يصلي؛ إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر، قال حصين: وعمِّي أدرك ذاك، فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه، فمرض منها أشهرًا، فقعد على المنبر فقال: اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وأضيافكم الذي قال الله فينا. قال: فما أرى في المسجد إلَّا من يحنّ بكاءً.
стр. 1994
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن أبي موسى، سمع الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب مثل الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خير رجلين- أي: عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور المسلمين، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم?! فبعث إليهم برجلين من قريش؛ عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنا نعرض عليك كذا وكذا، ونطلب إليك، ونسألك، قال: فمن لي بهذا? قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئًا إلَّا قالا: نحن لك به، فصالحه، قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ يقول: "إن ابني هذا سيد … "، وذكر الحديث (١).
ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن أنس بن سيرين قال: قال الحسن بن علي: ما بين جابرس، وجابلق رجل جده نبي، غيري وغير أخي، وإني رأيت أن أصلح بين الأمة، ألَا وإنا قد بايعنا معاوية، ولا أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
قال معمر: جابلق وجابرس: المشرق والمغرب.
هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، أن الحسن خطب فقال: إن أكيس الكيس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، ألَا وإنَّ هذه الأمور التي اختلفت فيها أنا ومعاوية، تركت لمعاوية إرادة إصلاح المسلمين، وحقن دمائهم.
هوذة، عن عوف عن محمد، قال: لما ورد معاوية الكوفة، واجتمع عليه الناس، قال له عمرو بن العاص: إن الحسن مرتفع في الأنفس؛ لقرابته من رسول الله ﷺ ، وإنه حديث السنّ، عيي، فمره فليخطب، فإنه سيعيى، فيسقط من أنفس الناس، فأبى، فلم يزالوا به حتى أمره، فقام على المنبر دون معاوية: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لو ابتغيتم بين جابلق وجابرس رجلًا جده نبي غيري وغير أخي لم تجدوه، وإنَّا قد أعطينا معاوية بيعتنا، ورأينا أن حقن الدماء خير: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١]. وأشار بيده إلى معاوية، فغضب معاوية، فخطب بعده خطبة عيية فاحشة، ثم نزل، وقال: ما أردت بقولك: فتنة لكم، ومتاع? قال: أردت بها ما أراد الله بها.
стр. 1995
القاسم بن الفضل الحداني، عن يوسف بن مازن قال: عرض للحسن رجل، فقال: يا مسود وجوه المؤمنين! قال: لا تعذلني، فإن رسول الله ﷺ أريهم يثبون على منبره رجلًا رجلًا، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. قال: ألف شهر يملكونه بعدي -يعني: بني أمية.
سمعه منه أبو سلمة التبوذكي، وفيه انقطاع.
وعن فضيل بن مرزوق قال: أتى مالك بن ضمرة الحسن، فقال: السلام عليك يا مسخِّم وجوه المؤمنين، فقال: لا تقل هذا، وذكر كلامًا يعتذر به ﵁، وقال له آخر: يا مذل المؤمنين! فقال: لا، ولكن كرهت أن أقتلكم على الملك.
عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين، قال: خطبنا الحسن بن علي، وعليه ثياب سود، وعمامة سوداء.
محمد بن ربيعة الكلابي، عن مستقيم بن عبد الملك، قال: رأيت الحسن والحسين شابا ولم يخضِّبا، ورأيتهما يركبان البراذين بالسروج المنمرة.
جعفر بن محمد، عن أبيه، أنَّ الحسن والحسين كانا يتختَّمان في يسارهما، وفي الخاتم ذكر الله.
وعن قيس مولى خباب، قال: رأيت الحسن يخضّب بالسواد.
شعبة، عن أبي إسحاق، عن العيزار: إنَّ الحسن كان يخضِّب بالسواد.
وعن عبيد الله بن أبي يزيد: رأيت الحسن خضب بالسواد.
ابن علية، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: دخلنا على الحسن بن علي نعوده، فقال لصاحبي: يا فلان، سلني، ثم قام من عندنا، فدخل كنيفًا، ثم خرج، فقال: إني والله قد لفظت طائفة من كبدي قلبتها بعود، وإني قد سقيت السمّ مرارًا، فلم أسق مثل هذا، فلمَّا كان الغد أتيته وهو يسوق، فجاء الحسين، فقال: أي أخي! أنبئني من سقاك? قال: لِمَ! لتقتله? قال: نعم، قال: ما أنا محدثك شيئًا إن يكن صاحبي الذي أظنّ، فالله أشد نقمة، وإلّا -فوالله- لا يقتل بي بريء.
عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، قلت للحسن: يقولون: إنك تريد الخلافة، فقال: كانت جماجم العرب في يدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها لله، ثم أبتزها بأتياس الحجاز.
стр. 1996
رواه الطيالسي في "مسنده"، عن شعبة، عن يزيد بن خمير، فقال مرة: عن عبد الرحمن بن نمير، عن أبيه.
قال ابن أبي حاتم في "العلل"، وهذا أصحّ.
قال قتادة: قال الحسن للحسين: قد سقيت السمّ غير مرة، ولم أسق مثل هذه، إني لأضع كبدي. فقال من فعله? فأبى أن يخبره.
قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن حسن قال: كان الحسن كثير النكاح، وقلَّ من حظيت عنده، وقلَّ من تزوجها إلَّا أحبَّته، وصبت به، فيقال: إنه كان سقي، ثم أفلت، ثم سقي، فأفلت، ثم كانت الآخرة، وحضرته الوفاة، فقال الطبيب: هذا رجل قد قطَّع السم أمعاءه، وقد سمعت بعض من يقول: كان معاوية قد تلطَّف لبعض خدمه أن يسقيه سمًّا.
أبو عوانة، عن مغيرة، عن أم موسى، أنَّ جعدة بنت الأشعث بن قيس سقت الحسن السمَّ، فاشتكى، فكان توضع تحته طشت، وترفع أخرى نحوًا من أربعين يومًا.
ابن عيينة، عن رقبة بن مصقلة: لما احتضر الحسن بن علي قال: أخرجوا فراشي إلى الصحن، فأخرجوه، فقال: اللهمَّ إني أحتسب نفسي عندك، فإنها أعزّ الأنفس عليّ.
الواقدي: حدثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: حضرت موت الحسن، فقلت للحسين: اتق الله ولا تثر فتنة، ولا تسفك الدماء، ادفن أخاك إلى جنب أمه، فإنه قد عهد بذلك إليك.
أبو عوانة، عن حصين، عن أبي حازم قال: لما حضر الحسن قال للحسين: ادفني عند أبي -يعني: النبي ﷺ ، إلَّا أن تخافوا الدماء، فادفنِّي في مقابر المسلمين، فلمَّا قبض تسلّح الحسين، وجمع مواليه، فقال له أبو هريرة: أنشدك الله ووصية أخيك، فإن القوم لن يدعوك حتى يكون بينكم دماء، فدفنه بالبقيع، فقال أبو هريرة: أرأيتم لو جيء بابن موسى ليدفن مع أبيه، فمنع، أكانوا قد ظلموه? فقالوا: نعم، قال: فهذا ابن نبي الله ﷺ قد جيء ليدفن مع أبيه.
وعن رجل قال: قال أبو هريرة مرة يوم دفن الحسن: قاتل الله مروان، قال: والله ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله ﷺ ، وقد دفن عثمان بالبقيع.
الواقدي: حدثنا عبيد الله بن مرداس، عن أبيه، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، قال:
стр. 1997
جعل الحسن يوعز للحسين: يا أخي، إياك أن تسفك دمًا، فإن الناس سراع إلى الفتنة، فلمَّا توفي ارتجَّت المدينة صياحًا، فلا تلقى إلَّا باكيًا. وأبرد مروان إلى معاوية بخبره، وإنهم يريدون دفنه مع النبي ﷺ ، ولا يصلون إلى ذلك أبدًا وأنا حي، فانتهى حسين إلى قبر النبي ﷺ ، فقال: احفروا، فنكب عنه سعيد بن العاص -يعني: أمير المدينة، فاعتزل، وصاح مروان في بني امية، ولبسوا السلاح، فقال له حسين: يا ابن الزرقاء، ما لك ولهذا؟ أوالٍ أنت؟ فقال: لا تخلص لهذا وأنا حيّ، فصاح الحسين بحلف الفضول، فاجتمعت هاشم وتيم وزهرة وأسد في السلاح، وعقد مروان لواء، وكانت بينهم مراماة، وجعل عبد الله بن جعفر يلحّ على الحسين، ويقول: يا ابن عم! ألم تسمع إلى عهد أخيك? أذكرك الله أن تسفك الدماء، وهو يأبى.
قال الحسن بن محمد: فسمعت أبي يقول: لقد رأيتني يومئذ، وإني لأريد أن أضرب عنق مروان، ما حال بيني وبين ذلك إلَّا أن أكون أراه مستوجبًا لذلك، ثم رفقت بأخي، وذكرته وصية الحسن، فأطاعني.
قال جويرية بن أسماء: لما أخرجوا جنازة الحسن حمل مروان سريره، فقال الحسين: تحمل سريره! أما والله لقد كنت تجرعه الغيظ، قال: كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال.
ويروى أنَّ عائشة قالت: لا يكون لهم رابع أبدًا، وإنه لبيتي أعطانيه رسول الله ﷺ ، في حياته. إسناده مظلم.
الثوري، عن سالم بن أبي حفصة؛ سمع أبا حازم يقول: إني لشاهد يوم مات الحسن، فرأيت الحسين يقول لسعيد بن العاص، ويطعن في عنقه: تقدَّم، فلولا أنها سنة ما قدمت -يعني: في الصلاة، فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني" (١).
стр. 1998
ابن إسحاق: حدَّثني مساور السعدي قال: رأيت أبا هريرة قائمًا على مسجد رسول الله ﷺ يوم مات الحسن يبكي، وينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس! مات اليوم حِبّ رسول الله ﷺ ، فابكوا.
قال جعفر الصادق: عاش الحسن سبعًا وأربعين سنة.
قلت: وغلط من نقل عن جعفر أنَّ عمره ثمان وخمسون سنة غلطًا بينًا.
قال الواقدي، وسعيد بن عفير، وخليفة: مات سنة تسع وأربعين.
وقال المدائني، والغلابي، والزبير، وابن الكلبي، وغيرهم: مات سنة خمسين، وزاد بعضهم: في ربيع الأول. وقال البخاري: سنة إحدى وخمسين، وغلط أبو نعيم الملائي وقال: سنة ثمان وخمسين.
ونقل ابن عبد البر أنَّهم لما التمسوا من عائشة أن يدفن الحسن في الحجرة، قالت: نعم، وكرامة، فردَّهم مروان، ولبسوا السلاح، فدفن عند أمه بالبقيع إلى جانبها.
ومن "الاستيعاب" لأبي عمر، قال: سار الحسن إلى معاوية، وسار معاوية إليه، وعلم أنه لا تغلب طائفة الأخرى حتى تذهب أكثرها، فبعث إلى معاوية أنه يصير الأمر إليك بشرط أن لا تطلب أحدًا بشيء كان في أيام أبي، فأجابه، وكاد يطير فرحًا، إلَّا أنه قال: أما عشرة أنفس فلا، فراجعه الحسن فيهم، فكتب إليه: إني آليت متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده، فقال: لا أبايعك. فبعث إليه معاوية برق أبيض، وقال: اكتب ما شئت فيه، وأنا ألتزمه، فاصطلحا على ذلك، واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده، فالتزم ذلك كله معاوية، فقال له عمرو: إنه قد انفلّ حدهم، وانكسرت شوكتهم. قال: أما علمت أنه بايع عليًّا أربعون ألفًا على الموت، فوالله لا يقتلون حتى يقتل أعدادهم منا وما والله في العيش خير بعد ذلك.
قال أبو عمر: وسلم في نصف جمادى الأول الأمر إلى معاوية، سنة إحدى وأربعين، قال: ومات فيما قيل: سنة تسع وأربعين. وقيل: في ربيع الأول سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين.
قال: وروينا من وجوه أنَّ الحسن لما احتضر قال للحسين: يا أخي، إن أباك لما قُبِضَ رسول الله ﷺ استشرف لهذا الأمر، فصرفه الله عنه، فلمَّا احتضر أبو بكر تشرَّف أيضًا لها، فصرفت عنه إلى عمر، فلما احتضر عمر جعلها شورى أبي أحدهم، فلم يشكّ أنها
стр. 1999
لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلمَّا قتل عثمان بويع ثم نوزع حتى جرد السيف وطلبها، فما صفا له شيء منها، وإني -والله- ما أرى أن يجمع الله فينا -أهل البيت- النبوة والخلافة، فلا أعرفنَّ ما استخفك سفهاء أهل الكوفة، فأخرجوك. وقد كنت طلبت إلى عائشة أن أدفن في حجرتها، فقالت: نعم، وإني لا أدري لعلَّ ذلك كان منها حياء، فإذا ما مت فاطلب ذلك إليها، وما أظنَّ القوم إلَّا سيمنعونك، فإن فعلوا فادفنِّي في البقيع، فلمَّا مات قالت عائشة: نعم، وكرامة، فبلغ ذلك مروان، فقال: كذب وكذبت، والله لا يدفن هناك أبدًا، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة، ويريدون دفن حسن في بيت عائشة، فلبس الحسين ومن معه السلاح، واستلأم مروان أيضًا في الحديد، ثم قام في إطفاء الفتنة أبو هريرة.
أعاذنا الله من الفتن، ورضي عن جميع الصحابة، فترضّ عنهم يا شيعي تفلح، ولا تدخل بينهم، فالله حكم عدل، يفعل فيهم سابق علمه، ورحمته وسعت كل شيء، وهو القائل: "إن رحمتي سبقت غضبي" (١)، و ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فنسأل الله أن يعفو عنا، وأن يثبتنا بالقول الثابت، آمين.
فبنوا الحسن هم: الحسن، وزيد، وطلحة، والقاسم، وأبو بكر، وعبد الله -فقتلوا بكربلاء مع عمهم الشهيد، وعمرو، وعبد الرحمن، والحسين، ومحمد، ويعقوب، وإسماعيل، فهؤلاء الذكور من أولاد السيد الحسن. ولم يعقّب منهم سوى الرجلين الأولين: الحسن وزيد، فلحسن خمسة أولاد أعقبوا، ولزيد ابن، وهو الحسن بن زيد، فلا عقب له إلَّا منه، ولي إمرة المدينة، وهو والد الست نفيسة، والقاسم، وإسماعيل، وعبد الله، وإبراهيم، وزيد، وإسحاق، وعلي ﵃.
стр. 2000
٢٧٠ - الحسين الشهيد (١): " ع"
الإمام الشريف، الكامل، سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته من الدنيا، ومحبوبه، أبو عبد الله، الحسين ابن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي، الهاشمي.
حدَّث عن جده، وأبويه، وصهره عمر، وطائفة.
حدَّث عنه: ولداه؛ علي وفاطمة، وعبيد بن حنين، وهمَّام الفرزدق، وعكرمة، والشعبي، وطلحة العقيلي، وابن أخيه زيد بن الحسن، وحفيده؛ محمد بن علي الباقر -ولم يدركه، وبنته سكينة، وآخرون.
قال الزبير: مولده في خامس شعبان سنة أربع من الهجرة.
قال جعفر الصادق: بين الحسن والحسين في الحمل طهر واحد.
قد مَرَّت في ترجمة الحسن عدة أحاديث متعلقة بالحسين.
روى هانئ بن هانئ، عن علي قال: الحسين أشبه برسول الله ﷺ من صدره إلى قدميه (٢)
وقال حمَّاد بن زيد، عن هشام، عن محمد، عن أنس قال: شهدت ابن زياد حيث أتى برأس الحسين، فجعل ينكت بقضيب معه، فقلت: أما إنه كان أشبههما بالنبي ﷺ (٣)
ورواه جرير بن حازم، عن محمد.
وأما النضر بن شميل، فرواه عن هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، حدثني أنس، وقال: ينكت بقضيب في أنفه.
ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: رأيت الحسين بن علي أسود الرأس واللحية، إلَّا شعرات في مَقْدِم لحيته.
ابن جريج، عن عمر بن عطاء، رأيت الحسين يصبغ بالوسمة (٤)، كان رأسه ولحيته شديدي السواد.