← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

رواه الطيالسي في "مسنده"، عن شعبة، عن يزيد بن خمير، فقال مرة: عن عبد الرحمن بن نمير، عن أبيه. قال ابن أبي حاتم في "العلل"، وهذا أصحّ. قال قتادة: قال الحسن للحسين: قد سقيت السمّ غير مرة، ولم أسق مثل هذه، إني لأضع كبدي. فقال من فعله? فأبى أن يخبره. قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن حسن قال: كان الحسن كثير النكاح، وقلَّ من حظيت عنده، وقلَّ من تزوجها إلَّا أحبَّته، وصبت به، فيقال: إنه كان سقي، ثم أفلت، ثم سقي، فأفلت، ثم كانت الآخرة، وحضرته الوفاة، فقال الطبيب: هذا رجل قد قطَّع السم أمعاءه، وقد سمعت بعض من يقول: كان معاوية قد تلطَّف لبعض خدمه أن يسقيه سمًّا. أبو عوانة، عن مغيرة، عن أم موسى، أنَّ جعدة بنت الأشعث بن قيس سقت الحسن السمَّ، فاشتكى، فكان توضع تحته طشت، وترفع أخرى نحوًا من أربعين يومًا. ابن عيينة، عن رقبة بن مصقلة: لما احتضر الحسن بن علي قال: أخرجوا فراشي إلى الصحن، فأخرجوه، فقال: اللهمَّ إني أحتسب نفسي عندك، فإنها أعزّ الأنفس عليّ. الواقدي: حدثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: حضرت موت الحسن، فقلت للحسين: اتق الله ولا تثر فتنة، ولا تسفك الدماء، ادفن أخاك إلى جنب أمه، فإنه قد عهد بذلك إليك. أبو عوانة، عن حصين، عن أبي حازم قال: لما حضر الحسن قال للحسين: ادفني عند أبي -يعني: النبي ﷺ ، إلَّا أن تخافوا الدماء، فادفنِّي في مقابر المسلمين، فلمَّا قبض تسلّح الحسين، وجمع مواليه، فقال له أبو هريرة: أنشدك الله ووصية أخيك، فإن القوم لن يدعوك حتى يكون بينكم دماء، فدفنه بالبقيع، فقال أبو هريرة: أرأيتم لو جيء بابن موسى ليدفن مع أبيه، فمنع، أكانوا قد ظلموه? فقالوا: نعم، قال: فهذا ابن نبي الله ﷺ قد جيء ليدفن مع أبيه. وعن رجل قال: قال أبو هريرة مرة يوم دفن الحسن: قاتل الله مروان، قال: والله ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله ﷺ ، وقد دفن عثمان بالبقيع. الواقدي: حدثنا عبيد الله بن مرداس، عن أبيه، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، قال:

стр. 1997

جعل الحسن يوعز للحسين: يا أخي، إياك أن تسفك دمًا، فإن الناس سراع إلى الفتنة، فلمَّا توفي ارتجَّت المدينة صياحًا، فلا تلقى إلَّا باكيًا. وأبرد مروان إلى معاوية بخبره، وإنهم يريدون دفنه مع النبي ﷺ ، ولا يصلون إلى ذلك أبدًا وأنا حي، فانتهى حسين إلى قبر النبي ﷺ ، فقال: احفروا، فنكب عنه سعيد بن العاص -يعني: أمير المدينة، فاعتزل، وصاح مروان في بني امية، ولبسوا السلاح، فقال له حسين: يا ابن الزرقاء، ما لك ولهذا؟ أوالٍ أنت؟ فقال: لا تخلص لهذا وأنا حيّ، فصاح الحسين بحلف الفضول، فاجتمعت هاشم وتيم وزهرة وأسد في السلاح، وعقد مروان لواء، وكانت بينهم مراماة، وجعل عبد الله بن جعفر يلحّ على الحسين، ويقول: يا ابن عم! ألم تسمع إلى عهد أخيك? أذكرك الله أن تسفك الدماء، وهو يأبى. قال الحسن بن محمد: فسمعت أبي يقول: لقد رأيتني يومئذ، وإني لأريد أن أضرب عنق مروان، ما حال بيني وبين ذلك إلَّا أن أكون أراه مستوجبًا لذلك، ثم رفقت بأخي، وذكرته وصية الحسن، فأطاعني. قال جويرية بن أسماء: لما أخرجوا جنازة الحسن حمل مروان سريره، فقال الحسين: تحمل سريره! أما والله لقد كنت تجرعه الغيظ، قال: كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال. ويروى أنَّ عائشة قالت: لا يكون لهم رابع أبدًا، وإنه لبيتي أعطانيه رسول الله ﷺ ، في حياته. إسناده مظلم. الثوري، عن سالم بن أبي حفصة؛ سمع أبا حازم يقول: إني لشاهد يوم مات الحسن، فرأيت الحسين يقول لسعيد بن العاص، ويطعن في عنقه: تقدَّم، فلولا أنها سنة ما قدمت -يعني: في الصلاة، فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني" (١).

стр. 1998

ابن إسحاق: حدَّثني مساور السعدي قال: رأيت أبا هريرة قائمًا على مسجد رسول الله ﷺ يوم مات الحسن يبكي، وينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس! مات اليوم حِبّ رسول الله ﷺ ، فابكوا. قال جعفر الصادق: عاش الحسن سبعًا وأربعين سنة. قلت: وغلط من نقل عن جعفر أنَّ عمره ثمان وخمسون سنة غلطًا بينًا. قال الواقدي، وسعيد بن عفير، وخليفة: مات سنة تسع وأربعين. وقال المدائني، والغلابي، والزبير، وابن الكلبي، وغيرهم: مات سنة خمسين، وزاد بعضهم: في ربيع الأول. وقال البخاري: سنة إحدى وخمسين، وغلط أبو نعيم الملائي وقال: سنة ثمان وخمسين. ونقل ابن عبد البر أنَّهم لما التمسوا من عائشة أن يدفن الحسن في الحجرة، قالت: نعم، وكرامة، فردَّهم مروان، ولبسوا السلاح، فدفن عند أمه بالبقيع إلى جانبها. ومن "الاستيعاب" لأبي عمر، قال: سار الحسن إلى معاوية، وسار معاوية إليه، وعلم أنه لا تغلب طائفة الأخرى حتى تذهب أكثرها، فبعث إلى معاوية أنه يصير الأمر إليك بشرط أن لا تطلب أحدًا بشيء كان في أيام أبي، فأجابه، وكاد يطير فرحًا، إلَّا أنه قال: أما عشرة أنفس فلا، فراجعه الحسن فيهم، فكتب إليه: إني آليت متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده، فقال: لا أبايعك. فبعث إليه معاوية برق أبيض، وقال: اكتب ما شئت فيه، وأنا ألتزمه، فاصطلحا على ذلك، واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده، فالتزم ذلك كله معاوية، فقال له عمرو: إنه قد انفلّ حدهم، وانكسرت شوكتهم. قال: أما علمت أنه بايع عليًّا أربعون ألفًا على الموت، فوالله لا يقتلون حتى يقتل أعدادهم منا وما والله في العيش خير بعد ذلك. قال أبو عمر: وسلم في نصف جمادى الأول الأمر إلى معاوية، سنة إحدى وأربعين، قال: ومات فيما قيل: سنة تسع وأربعين. وقيل: في ربيع الأول سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين. قال: وروينا من وجوه أنَّ الحسن لما احتضر قال للحسين: يا أخي، إن أباك لما قُبِضَ رسول الله ﷺ استشرف لهذا الأمر، فصرفه الله عنه، فلمَّا احتضر أبو بكر تشرَّف أيضًا لها، فصرفت عنه إلى عمر، فلما احتضر عمر جعلها شورى أبي أحدهم، فلم يشكّ أنها

стр. 1999

لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلمَّا قتل عثمان بويع ثم نوزع حتى جرد السيف وطلبها، فما صفا له شيء منها، وإني -والله- ما أرى أن يجمع الله فينا -أهل البيت- النبوة والخلافة، فلا أعرفنَّ ما استخفك سفهاء أهل الكوفة، فأخرجوك. وقد كنت طلبت إلى عائشة أن أدفن في حجرتها، فقالت: نعم، وإني لا أدري لعلَّ ذلك كان منها حياء، فإذا ما مت فاطلب ذلك إليها، وما أظنَّ القوم إلَّا سيمنعونك، فإن فعلوا فادفنِّي في البقيع، فلمَّا مات قالت عائشة: نعم، وكرامة، فبلغ ذلك مروان، فقال: كذب وكذبت، والله لا يدفن هناك أبدًا، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة، ويريدون دفن حسن في بيت عائشة، فلبس الحسين ومن معه السلاح، واستلأم مروان أيضًا في الحديد، ثم قام في إطفاء الفتنة أبو هريرة. أعاذنا الله من الفتن، ورضي عن جميع الصحابة، فترضّ عنهم يا شيعي تفلح، ولا تدخل بينهم، فالله حكم عدل، يفعل فيهم سابق علمه، ورحمته وسعت كل شيء، وهو القائل: "إن رحمتي سبقت غضبي" (١)، و ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فنسأل الله أن يعفو عنا، وأن يثبتنا بالقول الثابت، آمين. فبنوا الحسن هم: الحسن، وزيد، وطلحة، والقاسم، وأبو بكر، وعبد الله -فقتلوا بكربلاء مع عمهم الشهيد، وعمرو، وعبد الرحمن، والحسين، ومحمد، ويعقوب، وإسماعيل، فهؤلاء الذكور من أولاد السيد الحسن. ولم يعقّب منهم سوى الرجلين الأولين: الحسن وزيد، فلحسن خمسة أولاد أعقبوا، ولزيد ابن، وهو الحسن بن زيد، فلا عقب له إلَّا منه، ولي إمرة المدينة، وهو والد الست نفيسة، والقاسم، وإسماعيل، وعبد الله، وإبراهيم، وزيد، وإسحاق، وعلي ﵃.

стр. 2000

٢٧٠ - الحسين الشهيد (١): " ع" الإمام الشريف، الكامل، سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته من الدنيا، ومحبوبه، أبو عبد الله، الحسين ابن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي، الهاشمي. حدَّث عن جده، وأبويه، وصهره عمر، وطائفة. حدَّث عنه: ولداه؛ علي وفاطمة، وعبيد بن حنين، وهمَّام الفرزدق، وعكرمة، والشعبي، وطلحة العقيلي، وابن أخيه زيد بن الحسن، وحفيده؛ محمد بن علي الباقر -ولم يدركه، وبنته سكينة، وآخرون. قال الزبير: مولده في خامس شعبان سنة أربع من الهجرة. قال جعفر الصادق: بين الحسن والحسين في الحمل طهر واحد. قد مَرَّت في ترجمة الحسن عدة أحاديث متعلقة بالحسين. روى هانئ بن هانئ، عن علي قال: الحسين أشبه برسول الله ﷺ من صدره إلى قدميه (٢) وقال حمَّاد بن زيد، عن هشام، عن محمد، عن أنس قال: شهدت ابن زياد حيث أتى برأس الحسين، فجعل ينكت بقضيب معه، فقلت: أما إنه كان أشبههما بالنبي ﷺ (٣) ورواه جرير بن حازم، عن محمد. وأما النضر بن شميل، فرواه عن هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، حدثني أنس، وقال: ينكت بقضيب في أنفه. ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: رأيت الحسين بن علي أسود الرأس واللحية، إلَّا شعرات في مَقْدِم لحيته. ابن جريج، عن عمر بن عطاء، رأيت الحسين يصبغ بالوسمة (٤)، كان رأسه ولحيته شديدي السواد.

стр. 2001

محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن ابن أبي نعم، قال: كنت عند ابن عمر، فسأله رجل عن دم البعوض، فقال: ممن أنت? فقال: من أهل العراق. قال: انظر إلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله ﷺ ، وقد سمعت -رسول الله عليه وسلم- يقول: "هما ريحانتاي من الدنيا" (١). رواه جرير بن حازم، ومهدي بن ميمون، عنه. عن أبي أيوب الأنصاري، قال: دخلت على رسول الله ﷺ والحسن والحسين يلعبان على صدره، فقلت: يا رسول الله! أتحبهما?! قال: "كيف لا أحبهما وهما ريحانتاي من الدنيا". رواه الطبراني في "المعجم" (٢). وعن الحارث، عن علي، مرفوعًا: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" (٣). ويروى عن شريح، عن علي، وفي الباب، عن ابن عمر، وابن عباس، وعمر، وابن مسعود، ومالك بن الحويرث، وأبي سعيد، وحذيفة، وأنس، وجابر من وجوه يقوي بعضها بعضًا. موسى بن عثمان الحضرمي -شيعي واهٍ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كان الحسين عند النبي ﷺ ، وكان يحبه حبًّا شديدًا، فقال: "اذهب إلى أمك"، فقلت: أذهب معه? فقال: "لا"، فجاءت برقة، فمشى في ضوئها حتى بلغ إلى أمه (٤). وكيع: حدثنا ربيع بن سعد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر، أنه قال -وقد دخل

стр. 2002

الحسين المسجد: "من أحب أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا". سمعته من رسول الله ﷺ (١). تابعه عبد الله بن نمير، عن ربيع الجعفي، أخرجه أحمد في "مسنده". وقال شهر، عن أم سلمة: إن النبي ﷺ جلل عليًّا وفاطمة وابنيهما بكساء، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيت بيتي وحامتي، اللهمّ أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا"، فقلت: يا رسول الله! أنا منهم? قال: "إنك إلى خير" (٢). إسناد جيد، روي من وجوه عن شهر، وفي بعضها يقول: دخلت عليها أعزيها على الحسين. وروى نحوه الأعمش، عن جعفر بن عبد الرحمن، عن حكيم بن سعد، عن أم سلمة. وروى شداد أبو عمار، عن واثلة بن الأسقع قصة الكساء. أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن راشد، عن يعلى العامري، قال رسول الله ﷺ : "حسين سبط من الأسباط، من أحبني فليحب حسينًا"، وفي لفظ: "أحب الله من أحب حسينًا" (٣). أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، رأيت رسول الله ﷺ أخذ بيد

стр. 2003

الحسن والحسين، ويقول: "هذان ابناي، فمن أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني" (١). وروى مثله أبو الجحاف، وسالم بن أبي حفصة، وغيرهما، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة مرفوعًا. وفي الباب، عن أسامة، وسليمان الفارسي، وابن عباس، وزيد بن أرقم. عبد العزيز الدراوردي وغيره، عن عليّ بن أبي علي اللَّهبي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قعد رسول الله ﷺ موضع الجنائز، فطلع الحسن والحسين، فاعتركا، فقال النبي ﷺ : "إيهًا حسن"، فقال علي: يا رسول الله! أعلى حسين تواليه? فقال: "هذا حبريل يقول: إيهًا حسين" (٢). ويروى عن أبي هريرة مرفوعًا، نحوه. وفي مراسيل يزيد بن أبي زياد، أنَّ النبي ﷺ سمع حسينًا يبكي، فقال لأمه: "ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني" (٣). حماد بن زيد: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبيد بن حنين، عن الحسين قال: صعدت المنبر إلى عمر، فقلت: انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك، فقال: إن أبي لم يكن له منبر!، فأقعدني معه، فلما نزل قال: أي بني! من علمك هذا? قلت: ما علمنيه أحد، قال: أي بني، وهل أنبت على رءوسنا الشعر إلَّا الله، ثم أنتم، ووضع يده على رأسه، وقال: أي بني، لو جعلت تأتينا وتغشانا. إسناده صحيح. روى جعفر بن محمد، عن أبيه، أنَّ عمر جعل للحسين مثل عطاء علي خمسة آلاف. حماد بن زيد، عن معمر، عن الزهري، أنَّ عمر كسا أبناء الصحابة؛ ولم يكن في ذلك ما يصلح للحسن والحسين؛ فبعث إلى اليمن، فأتي بكسوة لهما، فقال: الآن طابت نفسي.

стр. 2004

الواقدي: حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، أنَّ عمر ألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما؛ لقرابتهما من رسول الله ﷺ ، لكل واحد خمسة الآف. يونس بن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث قال: بينا عمرو بن العاص في ظل الكعبة؛ إذ رأى الحسين، فقال: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم. فقال أبو إسحاق: بلغني أن رجلًا جاء إلى عمرو، فقال: عليّ رقبة من ولد إسماعيل، فقال: ما أعلمها إلَّا الحسن والحسين. قلت: ما فهمته. إبراهيم بن نافع، عن عمرو بن دينار قال: كان الرجل إذا أتى ابن عمر، فقال: إن عليَّ رقبة من بني إسماعيل، قال: عليك بالحسن والحسين. هوذة: حدثنا عوف، عن الأزرق بن قيس قال: قدم على رسول الله ﷺ أسقف نجران والعاقب، فعرض عليهما الإسلام، فقالا: كنَّا مسلمين قبلك، قال: "كذبتما! إنه منع الإسلام منكما ثلاث؛ قولكما: اتخذ الله ولدًا، وأكلكما الخنزير، وسجودكما للصنم"، قالا: فمن أبو عيسى? فما عرف حتى أنزل الله عليه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ ........... ، إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٣] فدعاهما إلى الملاعنة، وأخذ بيد فاطمة والحسن والحسين، وقال: "هؤلاء بنيَّ" قال: فخلا أحدهما بالآخر، فقال: لا تلاعنه، فإن كان نبيًّا فلا بقية، فقالا: لا حاجة لنا في الإسلام، ولا في ملاعنتك، فهل من ثالثة? قال: نعم، الجزية، فأقرّا بها ورجعا. معمر، عن قتاده قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يباهل أهل نجران، أخذ بيد الحسن والحسين، وقال لفاطمة: اتبعينا، فلمَّا رأى ذلك أعداء الله رجعوا (١). أبو عوانة، عن سليمان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي إدريس، عن المسيب بن نجبة، سمع عليًّا يقول: ألَا أحدثكم عني وعن أهل بيتي? أمَّا عبد الله بن جعفر فصاحب لهو، وأما الحسن فصاحب جفنة من فتيان قريش، لو قد التقت حلقتا البطان لم يغن في الحرب عنكم، وأمَّا أنا وحسين، فنحن منكم، وأنتم منَّا. إسناده قويّ.

стр. 2005

وعن سعيد بن عمرو، أن الحسن قال للحسين: وددت أن لي بعض شدة قلبك، فيقول الحسين: وأنا وددت أن لي بعض ما بسط من لسانك. عن أبي المهزم قال: كنا في جنازة، فأقبل أبو هريرة ينفض بثوبه التراب عن قدم الحسين. وقال مصعب الزبيري: حجَّ الحسين خمسًا وعشرين حجة ماشيًا. وكذا روى عبيد الله الوصافي، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، وزاد: ونجائبه تقاد معه، لكن اختلفت الرواية عن الوصافي، فقال يعلى ابن عبيد عنه: الحسن، وروى عنه زهير نحوه، فقال فيه: الحسن. قال أبو عبيدة بن المثنى: كان على الميسرة يوم الجمل الحسين. أحمد في "مسنده": أخبرنا محمد بن عبيد، حدثنا شرحبيل بن مدرك، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، أنه سار مع علي، وكان صاحب مطهرته، فلمَّا حاذى نينوى وهو سائر إلى صفين، ناداه علي: اصبر أبا عبد الله بشط الفرات، قلت، وما ذاك? قال: دخلت على النبي ﷺ ذات يوم وعيناه تفيضان، فقال: "قام من عندي جبريل فحدَّثني أن الحسين يقتل، وقال: هل لك أن أشمّك من تربته? قلت: نعم، فمدَّ يده، فقبض قبضة من تراب، قال: فأعطانيها، فلم أملك عيني". هذا غريب، وله شويهد. يحيى بن أبي زائدة، عن رجل، عن الشعبي، أنَّ عليًّا قال وهو بشط الفرات: صبرًا أبا عبد الله. عمارة بن زاذان: حدثنا ثابت، عن أنس قال: استأذن ملك القطر على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "يا أم سلمة! احفظي علينا الباب"، فجاء الحسين فاقتحم، وجعل يتوثّب على النبي ﷺ ، ورسول الله يقبّله، فقال الملك: أتحبه? قال: "نعم". قال: إن أمتك ستقتله، إن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، قال: "نعم". فجاءه بسهلة أو تراب أحمر. قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء. علي بن الحسين بن واقد: حدثنا أبي، حدثنا أبو غالب، عن أبي أمامة، قال رسول الله ﷺ لنسائه: "لا تبكوا هذا" يعني -حسينًا: فكان يوم أم سلمة، فنزل جبريل، فقال رسول الله لأم سلمة: "لا تدعي أحدًا يدخل" فجاء حسين، فبكى؛ فخلته يدخل، فدخل

стр. 2006

حتى جلس في حجر رسول الله ﷺ ، فقال جبريل: إن أمتك ستقتله، قال: "يقتلونه، وهم مؤمنون"؟ قال: نعم، وأراه تربته. إسناده حسن. خالد بن مخلد: حدثنا موسى بن يعقوب، عن هاشم بن هاشم، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة، أنَّ رسول الله ﷺ اضطجع ذات يوم، فاستيقظ وهو خاثر، ثم رقد، ثم استيقظ خاثرًا، ثم رقد، ثم استيقظ وفي يده تربة حمراء، وهو يقلبها. قلت: ما هذه? قال: "أخبرني جبريل أنَّ هذا يقتل بأرض العراق، للحسين، وهذه تربتها". ورواه إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن هاشم، ولم يذكر: اضطجع. أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن عائشة أو أم سلمة، أن رسول الله ﷺ قال لها: "لقد دخل عليَّ البيت ملك لم يدخل علي قبلها، فقال: إن حسينًا مقتول، وإن شئت أريتك التربة … " الحديث. ورواه عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله مثله، وقال: أم سلمة ولم يشك. ويروى عن أبي وائل، وعن شهر بن حوشب، عن أم سلمة. ورواه ابن سعد من حديث عائشة، وله طرق أخر. وعن حماد بن زيد، عن سعيد بن جمهان، أنَّ النبي ﷺ أتاه جبريل بتراب من التربة التي يقتل بها الحسين. وقيل: اسمها كربلاء، فقال النبي ﷺ : "كرب وبلاء" (١). إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي قال: ليقتلن الحسين قتلًا، وإني لأعرف تراب الأرض التي يقتل بها (٢). أبو نعيم: حدثنا عبد الجبار بن العباس، عن عمَّار الدهني، أن كعبًا مَرَّ على عليّ، فقال: يقتل من ولد هذا رجل في عصابة، لا يجف عرق خيلهم حتى يردوا على محمد ﷺ ، فمَرَّ حسن، فقيل: هذا? قال: لا. فمَرَّ حسين، فقيل: هذا? قال: نعم.

стр. 2007

حصين بن عبد الرحمن، عن العلاء بن أبي عائشة، عن أبيه، عن رأس الجالوت قال: كنا نسمع أنه يقتل بكربلاء ابن نبي. المطلب بن زياد، عن السدي قال: رأيت الحسين وله جمَّة خارجة من تحت عمامته. وقال العيزار بن حريث: رأيت على الحسين مطرفًا من خز. وعن الشعبي قال: رأيت الحسين يتختم في شهر رمضان. وروى جماعة أنَّ الحسين كان يخضِّب بالوسمة، وأن خضابه أسود. بلغنا أنَّ الحسين لم يعجبه ما عمل أخوه الحسن من تسليم الخلافة إلى معاوية، بل كان رأيه القتال، ولكنه كظم وأطاع أخاه وبايع، وكان يقبل جوائز معاوية، ومعاوية يرى له ويحترمه ويجعله، فلما أن فعل معاوية ما فعل بعد وفاة السيد الحسن من العهد بالخلافة إلى ولده يزيد، تألم الحسين، وحقَّ له، وامتنع هو وابن أبي بكر وابن الزبير من المبايعة، حتى قهرهم معاوية، وأخذ بيعتهم مكرهين، وغلبوا وعجزوا عن سلطان الوقت، فلمَّا مات معاوية تسلَّم الخلافة يزيد، وبايعه أكثر الناس، ولم يبايع له ابن الزبير، ولا الحسين، وأنفوا من ذلك، ورام كل واحد منهما الأمر لنفسه، وسارا في الليل من المدينة. سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس قال: استشارني الحسين في الخروج. فقلت: لولا أن يزرى بي وبك لنشبت يدي في رأسك، فقال: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إليَّ من أن أستحلَّ حرمتها -يعني مكة، وكان ذلك الذي سلَّى نفسي عنه. يحيى بن إسماعيل البجلي: حدثنا الشعبي، قال: كان ابن عمر قدم المدينة، فأخبر أنَّ الحسين قد توجَّه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ليلتين، فقال: أين تريد? قال: العراق، ومعه طوامير وكتب، فقال: لا تأتهم. قال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: إن الله خيّر نبيه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنكم بضعة منه لا يليها أحد منكم أبدًا، وما صرفها الله عنكم إلَّا للذي هو خير لكم، فارجعوا، فأبى، فاعتنقه ابن عمر، وقال: أستودعك الله من قتيل. زاد فيه الحسن بن عيينة، عن يحيى بن إسماعيل، عن الشعبي: ناشده، وقال: إن أهل العراق قوم مناكير، قتلوا أباك، وضربوا أخاك، وفعلوا، وفعلوا. ابن المبارك، عن بشر بن غالب، أنَّ الزبير قال للحسين: إلى أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك، فقال: لأن أقتل أحبّ إلي من أن تستحلّ -يعني: مكة.

стр. 2008

أبو سلمة المنقري: حدثنا معاوية بن عبد الكريم، عن مروان الأصفر، حدثني الفرزدق قال: لما خرج الحسين لقيت عبد الله بن عمرو، فقلت: إن هذا قد خرج، فما ترى؟ قال: أرى أن تخرج معه، فإنك إن أردت دنيا أصبتها، وإن أردت آخرة أصبتها، فرحلت نحوه، فلمَّا كنت في بعض الطريق بلغني قتله، فرجعت إلى عبد الله، وقلت: أين ما ذكرت? قال: كان رأيًا رأيته. قلت: هذا يدل على تصويب عبد الله بن عمرو للحسين في مسيره، وهو رأي ابن الزبير، وجماعة من الصحابة شهدوا الحرة. ابن سعد: أخبرنا الواقدي، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثني عبد الله بن عمير "ح" وأخبرنا ابن أبي الزناد، عن أبي وجزة "ح"، ويونس بن أبي إسحاق، عن أبيه -وسمَّى طائفة- ثم قال: فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين، قال: كان أهل الكوفة يكتبون إلى الحسين يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية، كل ذلك يأبى، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية، وطلبوا إليه المسير معهم، فأبى، وجاء إلى الحسين فأخبره، وقال: إن القوم يريدون أن يأكلوا بنا، ويشيطوا دماءنا، فأقام حسين على ما هو عليه متردِّد العزم، فجاءه أبو سعيد الخدري، فقال: يا أبا عبد الله، إني لك ناصح ومشفق، وقد بلغني أنَّه كاتبك قوم من شيعتك، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وما بلوت منهم وفاءً، ولا لهم ثبات ولا عزم، ولا صبر على السيف. قال: وقدم المسيب بن نجبة وعدة إلى الحسين بعد وفاة الحسن، فدعوه إلى خلع معاوية، وقالوا: قد علمنا رأيك ورأي أخيك، فقال: أرجو أن يعطي الله أخي على نيته، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين. وكتب مروان إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون الحسين مرصدًا للفتنة، وأظنّ يومكم منه طويلًا. فكتب معاوية إلى الحسين: إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير أن يفي، وقد أنبئت بأن قومًا من الكوفة دعوك إلى الشقاق، وهم من قد جرَّبت قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله، واذكر الميثاق، فإنك متى تكدني أكدك. فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك، وأنا بغير الذي بلغك جدير، وما أردت لك محاربة ولا خلافًا، وما أظن لي عذرًا عند الله في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك. فقال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد الله إلَّا أسدًا.

стр. 2009

وعن جويرية بن أسماء، عن مسافع بن شيبة قال: لقي الحسين معاوية بمكة عند الردم، فأخذ بخطام راحلته، فأناخ به، ثم ساره طويلًا، وانصرف، فزجر معاوية الراحلة، فقال له ابنه يزيد: لا يزال رجل قد عرض لك، فأناخ بك، قال: دعه، لعله يطلبها من غيري، فلا يسوغه فيقتله. رجع الحديث إلى الأول: قالوا: ولما حضر معاوية دعا يزيد فأوصاه، وقال: انظر حسينًا، فإنه أحبّ الناس إلى الناس، فصل رحمه، وارفق به، فإن يك منه شيء، فسيكفيك الله بمن قتل أباه وخذل أخاه. ومات معاوية في نصف رجب، وبايع الناس يزيد، فكتب إلى والي المدينة؛ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، أن ادع الناس وبايعهم، وابدأ بالوجوه، وارفق بالحسين، فبعث إلى الحسين وابن الزبير في الليل، ودعاهما إلى بيعة يزيد، فقالا: نصبح وننظر فيما يعمل الناس، ووثبا فخرجا، وقد كان الوليد أغلظ للحسين، فشتمه حسين، وأخذ بعمامته فنزعها، فقال الوليد: إن هجنا بهذا إلَّا أسدًا، فقال له مروان -أو غيره: اقتله، قال: إن ذلك لدم مصون. وخرج الحسين، وابن الزبير لوقتهما إلى مكة، ونزل الحسين بمكة دار العباس، ولزم عبد الله الحجر، ولبس المعافري (١)، وجعل يحرض على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين، ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول: هم شيعتكم، وكان ابن عباس ينهاه. وقال له عبد الله بن مطيع: فداك أبي وأمي، متعنا بنفسك ولا تسر، فوالله لئن قتلت ليتخذونا خولًا وعبيدًا. ولقيهما عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة منصرفين من العمرة، فقال لهما: أذكر كما الله إلَّا رجعتما، فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظران، فإن اجتمع عليه الناس لم تشذا، وإن افترق عليه كان الذي تريدان. وقال ابن عمر للحسين: لا تخرج، فإن رسول الله ﷺ خُيِّر بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه، ولا تنالها، ثم اعتنقه وبكى وودَّعه، فكان ابن عمر يقول: غلبنا بخروجه، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك.

стр. 2010

وقال له ابن عباس: أين تريد يا ابن فاطمة? قال: العراق وشيعتي، قال: إني كاره لوجهك هذا، تخرج إلى قوم قتلوا أباك .... إلى أن قال: وقال له أبو سعيد: اتق الله، والزم بيتك. وكلمه جابر، وأبو واقد الليثي، وقال ابن المسيب: لو أنه لم يخرج لكان خيرًا له. قال: وكتبت إليه عمرة تعظم ما يريد أن يصنع، وتخبره أنه إنما يساق إلى مصرعه، وتقول: حدثتني عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقتل حسين بأرض بابل"، فلما قرأ كتابها قال: فلا بُدَّ إذًا من مصرعي. وكتب إليه عبد الله بن جعفر يحذره، ويناشده الله، فكتب إليه: إني رأيت رؤيا؛ رأيت فيها رسول الله ﷺ ، وأمرني بأمر أنا ماضٍ له. وأبى الحسين على كل من أشار عليه إلَّا المسير إلى العراق، وقال له ابن عباس: إني لأظنك ستقتل غدًا بين نسائك وبناتك كما قُتِلَ عثمان، وإني لأخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال: أبا العباس! إنك شيخ قد كبرت. فقال: لولا أن يُزْرَى بي وبك لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم أنك تقيم إذًا لفعلت، ثم بكى وقال: أقررت عين ابن الزبير، ثم قال بعد لابن الزبير: قد أتى ما أحببت، أبو عبد الله يخرج إلى العراق ويتركك والحجاز: يا لك من قنبرة بمعمر … خلا لك البر فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري وقال أبو بكر بن عياش: كتب الأحنف إلى الحسين ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]. عوانة بن الحكم، عن لبطة بن الفرزدق، عن أبيه قال: لقيت الحسين، فقلت: القلوب معك، والسيوف مع بني أمية. ابن عيينة، عن لبطة، عن أبيه، قال: لقيني الحسين وهو خارج من مكة في جماعة عليهم يلامق الديباج، فقال: ما وراءك? قال -وكان في لسانه ثقل من برسام عرض له، وقيل: كان مع الحسين وجماعته اثنان وثلاثون فرسًا.

стр. 2011

وروى ابن سعد بأسانيده، قالوا: وأخذ الحسين طريق العُذيب حتى نزل قصر أبي مقاتل، فخفق خفقة ثم استرجع، وقال: رأيت كأنَّ فارسًا يسايرنا، ويقول: القوم يسيرون، والمنايا تسري إليهم، ثم نزل كربلاء، فسار إليه عمر بن سعد كالمكره … ، إلى أن قال: وقتل أصحابه حوله، وكانوا خمسين، وتحوَّل إليه من أولئك عشرون، وبقي عامة نهاره لا يقدم عليه أحد، وأحاطت به الرجالة، وكان يشد عليهم فيهزمهم، وهم يكرهون الإقدام عليه، فصرخ بهم شمر: ثكلتكم أمهاتكم، ماذا تنتظرون به? وطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته، ثم طعنه في صدره فخَرَّ، واحتزَّ رأسه خولى الأصبحي -لا ﵄. ذكر ابن سعد بأسانيد له، قالوا: قدم الحسين مسلمًا، وأمره أن ينزل على هانئ بن عروة، ويكتب إليه بخبر الناس، فقدم الكوفة مستخفيًا، وأتته الشيعة فأخذ بيعتهم، وكتب إلى الحسين: بايعني إلى الآن ثمانية عشر ألفًا، فعجّل، فليس دون الكوفة مانع، فأغذَّ السير حتى انتهى إلى زبالة، فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مائة ألف، وكان على الكوفة النعمان بن بشير، فخاف يزيد أن لا يقدم النعمان على الحسين، فكتب إلى عبيد الله وهو على البصرة، فضَمَّ إليه الكوفة، وقال له: إن كان لك جناحان فطر إلى الكوفة، فبادر متعممًا متنكرًا، ومرَّ في السوق، فلمَّا رآه السفلة اشتدوا بين يديه يظنونه الحسين، وصاحوا: يا ابن رسول الله! الحمد لله الذي أراناك، وقَبَّلوا يده ورجله، فقال: ما أشد ما فسد هؤلاء، ثم دخل المسجد فصلى ركعتين، وصعد المنبر، وكشف لثامه، وظفر برسول الحسين -وهو عبد الله بن بقطر- فقتله، وقدم مع عبيد الله؛ شريك بن الأعور -شيعي، فنزل على هانئ بن عروة، فمرض، فكان عبيد الله يعوده، فهيئوا لعبيد الله ثلاثين رجلًا ليغتالوه، فلم يتم ذلك، وفهم عبيد الله، فوثب وخرج، فنَمَّ عليهم عبد لهانئ، فبعث إلى هانئ -وهو شيخ، فقال: ما حملك على أن تجير عدوي? قال: يا ابن أخي، جاء حق هو أحق من حقك، فوثب إليه عبيد الله بالعنزة حتى غرز رأسه بالحائط. وبلغ الخبر مسلمًا، فخرج في نحو الأربع مائة، فما وصل القصر إلَّا في نحو الستين، وغربت الشمس فاقتتلوا، وكثر عليهم أصحاب عبيد الله، وجاء الليل فهرب مسلم، فاستجار بامرأة من كندة، ثم جيء به إلى عبيد الله فقتله، فقال: دعني أوص. قال: نعم. فقال لعمر بن سعد: يا هذا! إن لي إليك حاجة، وليس هنا قرشي غيرك، وهذا الحسين قد أظلك، فأرسل إليه لينصرف، فإن القوم قد غروه وكذبوه، وعليَّ دين فاقضه عني، ووار جثتي، ففعل ذلك، وبعث رجلًا على ناقة إلى الحسين، فلقيه على أربع مراحل، فقال له ابنه علي الأكبر: ارجع يا أبه، فإنهم أهل العراق وغدرهم، وقلة وفائهم، فقالت بنو عقيل: ليس

стр. 2012

بحين رجوع، وحرَّضوه، فقال حسين لأصحابه: قد ترون ما أتانا، وما أرى القوم إلَّا سيخذلوننا، فمن أحبَّ أن يرجع فليرجع، فانصرف عنه قوم. وأما عبيد الله فجمع المقاتلة، وبذل لهم المال، وجهَّز عمر بن سعد في أربعة آلاف، فأبى وكره قتال الحسين، فقال: لئن لم تسر إليه لأعزلنَّك، ولأهدمنّ دارك، وأضرب عنقك، وكان الحسين في خمسين رجلًا؛ منهم تسعة عشر من أهل بيته، وقال الحسين: يا هؤلاء! دعونا نرجع من حيث جئنا، قالوا: لا. وبلغ ذلك عبيد الله، فهَمَّ أن يخلي عنه، وقال: والله ما عرض لشيء من عملي، وما أراني إلَّا مخل سبيله يذهب حيث يشاء، فقال شمر: إن فعلت وفاتك الرجل لا تستقيلها أبدًا، فكتب إلى عمر: الآن حيث تعلقته حبالنا … يرجو النجاة ولات حين مناص فناهضه، وقال لشمر: سر، فإن قاتل عمر وإلا فاقتله، وأنت على الناس، وضبط عبيد الله الجسر، فمنع من يجوزه لما بلغه أن ناسًا يتسللون إلى الحسين. قال: فركب العسكر وحسين جالس، فراهم مقبلين، فقال لأخيه عباس: القهم، فسلهم ما لهم? فسألهم، قالوا: أتانا كتاب الأمير يأمرنا أن نعرض عليك النزول على حكمه أو نناجزك، قال: انصرفوا عنَّا العشية حتى ننظر الليلة، فانصرفوا. وجمع حسين أصحابه ليلة عاشوراء، فحمد الله وقال: إني لا أحسب القوم إلَّا مقاتليكم غدًا، وقد أذنت لكم جميعًا، فأنتم في حِلٍّ مني، وهذا الليل قد غشيكم، فمن كانت له قوة فليضمَّ إليه رجلًا من أهل بيتي، وتفرقوا في سوادكم، فإنهم إنما يطلبونني، فإذا رأوني لهوا عن طلبكم، فقال أهل بيته: لا أبقانا الله بعدك، والله لا نفارقك، وقال أصحابه كذلك. الثوري، عن أبي الجحاف، عن أبيه، أن رجلًا قال للحسين: إن عليَّ دينًا. قال: لا يقاتل معي من عليه دين. رجع الحديث إلى الأول: فلما أصبحوا قال الحسين: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت فيما نزل بي ثقة، وأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، وقال لعمر وجنده: لا تعجلوا، والله ما أتيتكم حتى أتتني كتب أماثلكم بأن السنة قد أميتت، والنفاق قد نجم، والحدود قد عطلت، فاقدم، لعلَّ الله يصلح بك الأمة، فأتيت، فإذا كرهتم ذلك فأنا راجع، فارجعوا

стр. 2013

إلى أنفسكم؛ هل يصلح لكم قتلي، أو يحل دمي? ألست ابن بنت نبيكم، وابن ابن عمه? أوليس حمزة والعباس وجعفر عمومتي? ألم يبلغكم قول رسول الله ﷺ فيَّ وفي أخي: "هذان سيدا شباب أهل الجنة"? فقال شمر: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول، فقال عمر: لو كان أمرك إليّ لأجبت، وقال الحسين: يا عمر! ليكوننَّ لما ترى يوم يسوؤك، اللهمَّ إن أهل العراق غروني وخدعوني، وصنعوا بأخي ما صنعوا، اللهمَّ شتت عليهم أمرهم، وأحصهم عددًا. فكان أوَّل من قاتل مولى لعبيد الله بن زياد، فبرز له عبد الله بن تميم الكلبي فقتله، والحسين جالس عليه جبة خز دكناء، والنبل يقع حوله، فوقعت نبلة في ولدٍ له ابن ثلاث سنين، فلبس لأمته وقاتل، حوله أصحابه حتى قتلوا جميعًا، وحمل ولده عليّ يرتجز: أنا علي بن الحسين بن علي … نحن وبيت الله أولى بالنبي فجاءته طعنة، وعطش حسين، فجاء رجل بماء فتناوله، فرماه حصين ابن تميم بسهم، فوقع في فيه، فجعل يتلقَّى الدم بيده، ويحمد الله، وتوجَّه نحو المسناة يريد الفرات، فحالوا بينه وبين الماء، ورماه رجل بسهم، فأثبته في حنكه، وبقي عامَّة يومه لا يقدم عليه أحد حتى أحاطت به الرجالة، وهو رابط الجأش، يقاتل قتال الفارس الشجاع، إن كان ليشد عليهم فينكشفون عنه انكشاف المعزى شدّ فيها الأسد، حتى صاح بهم شمر: ثكلتكم أمهاتكم! ماذا تنتظرون به? فانتهى إليه زرعة التميمي فضرب كتفه، وضربه الحسين على عاتقه فصرعه، وبرز سنان النخعي فطعنه في ترقوته وفي صدره فخَرَّ، ثم نزل ليحتزَّ رأسه، ونزل خولي الأصبحي، فاحتزّ رأسه، وأتى به عبيد الله بن زياد، فلم يعطه شيئًا. قال: ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون جراجة، وقتل من جيش عمر بن سعد ثمانية وثمانون نفسًا. قال: ولم يفلت من أهل بيت الحسين سوى ولده عليّ الأصغر -فالحسينية من ذريته- كان مريضًا، وحسن بن حسن بن علي، وله ذرية، وأخوه عمرو، ولا عقب له، والقاسم بن عبد الله بن جعفر، ومحمد بن عقيل، فقدم بهم، وبزينب، وفاطمة بنتَيْ علي، وفاطمة وسكينة بنتي الحسين، وزوجته الرباب الكلبية والدة سكينة، وأمّ محمد بنت الحسن بن علي وعبيد، وإماء لهم. قال: وأخذ ثقل الحسين، وأخذ رجل حليّ فاطمة بنت الحسين، وبكى، فقالت: لم تبكي? فقال: أأسلب بنت رسول الله ﷺ ولا أبكي? قالت: فدعه، قال: أخاف أن يأخذه غيري.

стр. 2014

وأقبل عمر بن سعد فقال: ما رجع رجل إلى أهله بشر مما رجعت به، أطعت ابن زياد وعصيت الله، وقطعت الرحم، وورد البشير على يزيد، فلمَّا أخبره دمعت عيناه، وقال: كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين. وقالت سكينة: يا يزيد، أبنات رسول الله سبايا? قال: يا بنت أخي، هو والله عليّ أشد منه عليك، أقسمت لو أنَّ بين ابن زياد وبين حسين قرابة ما أقدم عليه، ولكن فرقت بينه وبينه سمية، فرحم الله حسينًا، عجل عليه ابن زياد، أما والله لو كنت صاحبه، ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلَّا بنقص بعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه، ولوددت أن أتيت به سلمًا. ثم أقبل على عليّ بن الحسين، فقال: أبوك قطع رحمي، ونازعني سلطاني. فقام رجل فقال: إن سباءهم لنا حلال، قال علي: كذبت، إلَّا أن تخرج من ملتنا، فأطرق يزيد، وأمر بالنساء فأدخلن على نسائه، وأمر نساء آل أبي سفيان فأقمن المأتم على الحسين ثلاثة أيام .... ، إلى أن قال: وبكت أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر، فقال يزيد -وهو زوجها: حق لها أن تعول على كبير قريش وسيدها. جرير بن حازم، عن الزبير بن الخريت، سمع الفرزدق يقول: لقيت الحسين بذات عرق، فقال: ما ترى أهل الكوفة صانعين معي? فإنَّ معي حملًا من كتبهم، قلت: يخذلونك، فلا تذهب. وكتب يزيد إلى ابن عباس يذكر له خروج الحسين، ويقول: نحسب أنه جاءه رجال من المشرق، فمنّوه الخلافة، وعندك منهم خبره، فإن فعل فقد قطع القرابة والرحم، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة. فكتب إليه ابن عباس: إني لأرجو أن لا يكون خروجه لأمر تكره، ولست أدَّع النصيحة له. وبعث حسين إلى المدينة، فلحق به خف من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلًا ونساء وصبيان، وتبعهم أخوه محمد، فأدركه بمكة، وأعلمه أن الخروج يومه هذا ليس برأي، فأبى، فمنع محمد ولده، فوجد عليه الحسين، وقال: ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه. وبعث أهل العراق رسلًا وكتبًا إليه، فسار في آله وفي ستين شيخًا من أهل الكوفة، في عشر ذي الحجة.

стр. 2015

فكتب مروان إلى عبيد الله بن زياد بن أبيه: أما بعد، فإن الحسين قد توجَّه إليك، وتالله ما أحد يسلمه الله أحبّ إلينا من الحسين، فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء. وكتب إليه عمرو بن سعيد الأشدق: أما بعد، فقد توجّه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تسترق. الزبير، حدثنا محمد بن الضحاك، عن أبيه قال: خرج الحسين، فكتب يزيد إلى ابن زياد نائبه: إن حسينًا صائر إلى الكوفة، وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وأنت من بين العمّال، وعندها تعتق أو تعود عبدًا، فقتله ابن زياد، وبعث برأسه إليه. ابن عيينة: حدثني أعرابي يقال له: بجير، من أهل الثعلبية، له مائة وست عشرة سنة، قال: مَرَّ الحسين وأنا غلام، وكان في قلة من الناس، فقال له أخي: يا ابن بنت رسول الله، أراك في قلة من الناس، فقال: بالسوط -وأشار إلى حقيبة الرحل: هذه خلفي مملوءة كتبًا. ابن عيينة: حدثنا شهاب بن خراش، عن رجل من قومه قال: كنت في الجيش الذين جهَّزهم عبيد الله بن زياد إلى الحسين، وكانوا أربعة آلاف، يريدون الديلم، فصرفهم عبيد الله إلى الحسين، فلقيته، فقلت: السلام عليك يا أبا عبد الله، قال: وعليك السلام، وكانت فيه غنة. قال شهاب: فحدثت به زيد بن علي، فأعجبه؛ وكانت فيه غنة. جعفر بن سليمان، عن يزيد الرِّشك، قال: حدثني من شافه الحسين قال: رأيت أبنية مضروبة للحسين، فأتيت، فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيل على خديه، فقلت: بأبي وأمي يا ابن رسول الله! ما أنزلك هذه البلاد والفلاة؟ قال: هذه كتب أهل الكوفة إليّ، ولا أراهم إلَّا قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلَّا انتهكوها، فيسلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الأمة -يعني: مقنعتها. المدائني، عن الحسن بن دينار، عن معاوية بن قرة قال: قال الحسين: والله ليعتدينَّ عليَّ كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت. أحمد بن جناب المصيصي: حدثنا خالد بن يزيد القسري، حدثنا عمار الدهني، قلت لأبي جعفر الباقر: حدثني بقتل الحسين، فقال: مات معاوية، فأرسل الوليد بن عتبة والي المدينة إلى الحسين ليبايع، فقال: أخِّرني، ورفق به فأخَّره، فخرج إلى مكة، فأتاه رسل أهل

стр. 2016

الكوفة، وعليها النعمان بن بشير، فبعث الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل: أن سر فانظر ما كتبوا به، فأخذ مسلم دليلين، وسار، فعطشوا في البرية، فمات أحدهما، وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه، فكتب إليه: امض إلى الكوفة، ولم يعفه، فقدمها، فنزل على عوسجة، فدبَّ إليه أهل الكوفة، فبايعه اثنا عشر ألفًا، فقام عبيد الله بن مسلم فقال للنعمان: إنك لضعيف! قال: لأن أكون ضعيفًا أحبّ إلي من أن أكون قويًّا في معصية الله، وما كنت لأهتك سترًا ستره الله، وكتب بقوله إلى يزيد، وكان يزيد ساخطًا على عبيد الله بن زياد، فكتب إليه برضاه عنه، وأنَّه ولاه الكوفة مضافًا إلى البصرة، وكتب إليه أن يقتل مسلمًا، فأسرع عبيد الله في وجوه أهل البصرة إلى الكوفة متلثمًا، فلا يمر بمجلس فيسلِّم عليهم إلَّا قالوا: وعليك السلام يا ابن رسول الله ﷺ يظنونه الحسين، فنزل القصر، ثم دعا مولى له، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وقال: اذهب حتى تسأل عن الذي يبايع أهل الكوفة، فقل: أنا غريب جئت بهذا المال يتقوَّى به، فخرج وتلطَّف حتى دخل على شيخ يلي البيعة، فأدخله على مسلم، وأعطاه الدراهم، وبايعه ورجع، فأخبر عبيد الله. وتحوّل مسلم إلى دار هانئ بن عروة المرادي، فقال عبيد الله: ما بال هانئ لم يأتنا? فخرج إليه محمد بن الأشعث وغيره، فقالوا: إن الأمير قد ذكرك، فركب معهم وأتاه، وعنده شريح القاضي، فقال عبيد الله: "أتتك بحائن رجلاه" (١)، فلما سلَّم، قال: يا هانئ، أين مسلم؟ قال: ما أدري، فخرج إليه صاحب الدراهم، فلمَّا رآه قطع به، وقال: أيها الأمير، والله ما دعوته إلى منزلي، ولكنه جاء فرمى نفسه عليَّ، قال: ائتني به، قال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، فضربه بعصًا، فشجَّه، فأهوى هانئ إلى سيف شرطي يستله، فمنعه، وقال: قد حلّ دمك، وسجنه، فطار الخبر إلى مذحج، فإذا على باب القصر جلبة، وبلغ مسلمًا الخبر، فنادى بشعاره، فاجتمع إليه أربعون ألفًا، فعبأهم، وقصد القصر، فبعث عبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة، فجمعهم عنده، وأمرهم فأشرفوا من القصر على عشائرهم، فجعلوا يكلمونهم، فجعلوا يتسللون حتى بقي مسلم في خمس مائة، وقد كان كتب إلى الحسين ليسرع، فلمَّا دخل الليل ذهب أولئك حتى بقي مسلم وحده يتردد في الطرق، فأتى بيتًا، فخرجت إليه امرأة، فقال: اسقني، فسقته، ثم دخلت ومكثت ما شاء الله، ثم خرجت، فإذا به على الباب، فقالت: يا هذا، إن مجلسك مجلس ريبة، فقم، فقال: أنا مسلم بن عقيل، فهل مأوىً؟ قالت: نعم. فأدخلته، وكان ابنها مولى لمحمد بن

стр. 2017

الأشعث، فانطلق إلى مولاه، فأعلمه، فبعث عبيد الله الشرط إلى مسلم، فخرج وسلَّ سيفه وقاتل، فأعطاه ابن الأشعث أمانًا، فسلَّم نفسه، فجاء به إلى عبيد الله فضرب عنقه، وألقاه إلى الناس، وقتل هانئًا، فقال الشاعر: فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري … إلى هانئ في السوق وابن عقيل أصابهما أمر الأمير فأصبحا … أحاديث من يسعى بكل سبيل أيركب أسماء الهماليج آمنًا … وقد طلبته مذحج بقتيل يعني: أسماء بن خارجة. قال: وأقبل حسين على كتاب مسلم، حتى إذا كان على ساعة من القادسية لقيه رجل؛ فقال للحسين: ارجع، لم أدع لك ورائي خيرًا، فهَمَّ أن يرجع، فقال إخوة مسلم: والله لا نرجع حتى نأخذ بالثأر أو نقتل، فقال: لا خير في الحياة بعدكم، وسار فلقيته خيل عبيد الله، فعدل إلى كربلاء، وأسند ظهره إلى قصميًا حتى لا يقاتل إلَّا من وجه واحد، وكان معه خمسة وأربعون فارسًا، ونحو من مائة راجل. وجاء عمر بن سعد بن أبي وقاص -وقد ولاه عبيد الله بن زياد على العسكر، وطلب من عبيد الله أن يعفيه من ذلك فأبى، فقال الحسين: اختاروا واحدة من ثلاث؛ إمَّا أن تدعوني فألحق بالثغور، وإمَّا أن أذهب إلى يزيد، أو أرد إلى المدينة. فقبل عمر ذلك، وكتب به إلى عبيد الله، فكتب إليه: لا، ولا كرامة حتى يضع يده في يدي. فقال الحسين: لا والله، وقاتل فقتل أصحابه منهم بضعة عشر شابًّا من أهل بيته. قال: ويجيء سهم فيقع بابن له صغير، فجعل يمسح الدم عنه، ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قومنا، دعونا لينصرونا ثم يقتلوننا، ثم قاتل حتى قُتِل، قتله رجل مذحجي، وجزَّ رأسه، ومضى به إلى عبيد الله، فقال: أوقر ركابي ذهبا … فقد قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أمًا وأبا فوفده إلى يزيد ومعه الرأس، فوضع بين يديه، وعنده أبو برزة الأسلمي؛ فجعل يزيد ينكت بالقضيب على فيه، ويقول: نفلِّق هامًا من الناس أعزة … علينا، وهم كانوا أعقَّ وأظلما

стр. 2018

كذا قال أبو برزة، وإنما المحفوظ أنَّ ذلك كان عند عبيد الله. قال: فقال أبو برزة: ارفع قضيبك، لقد رأيت رسول الله ﷺ ، فاه على فيه. قال: وسرح عمر بن سعد بحريمه وعياله إلى عبيد الله، ولم يكن بقي منهم إلَّا غلام كان مريضًا مع النساء، فأمر به عبيد الله ليقتل، فطرحت عمته زينب نفسها عليه، وقالت: لا يقتل حتى تقتلوني، فرقَّ لها، وجهَّزهم إلى الشام، فلمَّا قدموا على يزيد جمع من كان بحضرته، وهنئوه، فقام رجل أحمر أزرق، ونظر إلى صبية منهم، فقال: هبها لي يا أمير المؤمنين، فقالت زينب: لا، ولا كرامة لك، إلَّا أن تخرج من دين الله، فقال له يزيد: كف، ثم أدخلهم إلى عياله، فجهزهم وحملهم إلى المدينة. إلى هنا عن أحمد بن جناب. الزبير: حدثنا محمد بن حسن: لما نزل عمر بن سعد بالحسين خطب أصحابه، وقال: قد نزل بنا ما ترون، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها، واستمرئت حتى لم يبق منها إلَّا كصبابة الإناء، وإلّا خسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألَا ترون الحق لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه? ليرغب المؤمن في لقاء الله. إنِّي لا أرى الموت إلَّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلَّا ندمًا. خالد بن عبد الله، عن الجريجي، عن رجل، أنَّ الحسين لما أرهقه السلاح قال: ألَا تقبلون مني ما كان رسول الله ﷺ يقبل من المشركين? كان إذا جنح أحدهم قبل منه، قالوا: لا، قال: فدعوني أرجع، قالوا: لا، قال: فدعوني آتي أمير المؤمنين، فأخذ له رجل السلاح، فقال له: أبشر بالنار، فقال: بل إن شاء الله برحمة ربي وشفاعة نبيي، فقتل وجيء برأسه، فوضع في طست بين يدي ابن زياد، فنكته بقضيبه، وقال: لقد كان غلامًا صبيحًا، ثم قال: أيكم قاتله? فقام الرجل فقال: وما قال لك? .... ، فأعاد الحديث … قال: فاسودَّ وجهه. أبو معشر، عن رجاله قال: قال الحسين حين نزلوا كربلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء، قال: كرب وبلاء، وبعث عبيد الله لحربه عمر بن سعد، فقال: يا عمر! اختر مني إحدى ثلاث، إمَّا أن تتركني أرجع، أو فسيِّرني إلى يزيد فأضع يدي في يده، فإن أبيت فسيرني إلى الترك فأجاهد حتى الموت، فبعث بذلك إلى عبيد الله، فهمَّ أن يسيره إلى يزيد، فقال له شمر بن ذي الجوشن: لا، إلَّا أن ينزل على حكمك، فأرسل إليه بذلك، فقال

стр. 2019

الحسين: والله لا أفعل، وأبطأ عمر عن قتاله، فبعث إليه عبيد الله شمر بن ذي الجوشن، فقال: إن قاتل وإلا فاقتله، وكن مكانه. وكان من جند عمر ثلاثون من أهل الكوفة، فقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله ﷺ ثلاث خصال، فلا تقبلون واحدة!، وتحوَّلوا إلى الحسين فقاتلوا. عباد بن العوام، عن حصين قال: أدركت مقتل الحسين، فحدثني سعد بن عبيدة قال: رأيت الحسين وعليه جبة برود، رماه رجل يقال له: عمرو بن خالد الطهوي بسهم، فنظرت إلى السهم في جنبه. هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: رمى زرعة الحسين بسهم فأصاب حنكه، فجعل يتلقَّى الدم، ثم يقول: هكذا إلى السماء، ودعا بماء ليشرب، فلمَّا رماه حال بينه وبين الماء، فقال: اللهم ظمِّه، قال: فحدَّثني من شهده وهو يموت، وهو يصيح من الحر في بطنه، والبرد في ظهره، وبين يديه المراوح والثلج، وهو يقول: اسقوني، أهلكني العطش، فانقدَّ بطنه. الكلبي رافضي متَّهم. قال الحسن البصري: أقبل مع الحسين ستة عشر رجلًا من أهل بيته. وعن ابن سيرين: لم تبك السماء على أحد بعد يحيى ﵇ إلَّا على الحسين. عثمان بن أبي شيبة: حدثنا أبي، عن جدي، عن عيسى بن الحارث الكندي قال: لما قتل الحسين مكثنا أيامًا سبعة، إذا صلينا العصر فنظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان كأنها الملاحف المعصفرة، ونظرنا إلى الكواكب يضرب بعضها بعضًا. المدائني، عن علي بن مدرك، عن جده الأسود بن قيس قال: احمرَّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر تُرَى كالدم. هشام بن حسان، عن محمد قال: تعلم هذه الحمرة في الأفق مِمّ? هو من يوم قتل الحسين. الفسوي: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثتنا أم سوق العبدية قالت: حدثتني نضرة الأزدية قالت: لما أن قتل الحسين مطرت السماء ماء، فأصبحت وكل شيء لنا ملآن دمًا. جعفر بن سليمان الضبعي: حدثتني خالتي قالت: لما قتل الحسين مطرنا مطرًا كالدم. يحيى بن معين: حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد قال: قتل الحسين ولي أربع عشرة

стр. 2020

سنة، وصار الورس الذي كان في عسكرهم رمادًا، واحمرَّت آفاق السماء، ونحروا ناقة في عسكرهم، فكانوا يرون في لحمها النيران. ابن عيينة: حدثتني جدتي قالت: لقد رأيت الورس عاد رمادًا، ولقد رأيت اللحم كأنَّ فيه النار حين قتل الحسين. حماد بن زيد: حدثني جميل بن مرة قال: أصابوا إبلًا في عسكر الحسين يوم قتل، فطبخوا منها، فصارت كالعلقم. قرة بن خالد: سمعت أبا رجاء العطاردي قال: كان لنا جار من بلهجيم، فقدم الكوفة فقال: ما ترون هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله -يعني الحسين ﵁، فرماه الله بكوكبين من السماء، فطمس بصره. قال عطاء بن مسلم الحلبي: قال السدي: أتيت كربلاء تاجرًا، فعمل لنا شيخ من طي طعامًا، فتعشينا عنده، فذكرنا قتل الحسين، فقلت: ما شارك أحد في قتله إلَّا مات ميتة سوء، فقال: ما أكذبكم، أنا ممن شرك في ذلك، فلم نبرح حتى دنا من السراج وهو يتَّقد بنفط، فذهب يخرج الفتيلة بأصبعه، فأخذت النار فيها، فذهب يطفئها بريقه، فعلقت النار في لحيته، فعدا فألقى نفسه في الماء، فرأيته كأنه حُمَمَة. ابن عيينة: حدثتني جدتي أم أبي قالت: أدركت رجلين ممن شهد قتل الحسين، فأمَّا أحدهما فطال ذكره حتى كان يلفه، وأما الآخر فكان يستقبل الراوية فيشربها كلها. حماد بن زيد، عن معمر قال: أول ما عرف الزهري أنه تكلم في مجلس الوليد، فقال الوليد: أيكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين، فقال الزهري: بلغني أنه لم يقلب حجر إلَّا وجد تحته دم عبيط. حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس قال: لما قُتِلَ الحسين جيء برأسه إلى ابن زياد، فجعل ينكت بقضيب على ثناياه، وقال: إن كان لحسن الثغر، فقلت: أما -والله- لأسوءنّك، فقلت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يقبّل موضع قضيبك من فيه (١). الحاكم في "الكنى": حدثنا أبو بكر بن أبي داود، حدثنا أحمد بن محمد بن عمر الحنفي، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا سليمان بن أبي سليمان الزهري، حدثنا يحيى بن أبي كثير،

стр. 2021

حدثنا عبد الرحمن بن عمرو، حدَّثني شداد بن عبد الله، سمعت واثلة بن الأسقع، وقد جيء برأس الحسين، فلعنه رجل من أهل الشام، فغضب واثلة وقام، وقال: والله لا أزال أحب عليًّا وولديه، بعد أن سمعت رسول الله ﷺ في منزل أم سلمة، وألقى علي فاطمة وابنيها وزوجها كساءً خيبريًّا، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. سليمان: ضعَّفوه، والحنفي متَّهم. ويروى عن أبي داود السبيعي، عن زيد بن أرقم قال: كنت عند عبيد الله، فأُتِيَ برأس الحسين، فأخذ قضيبًا فجعل يفتر به عن شفتيه، فلم أر ثغرًا كان أحسن منه، كأنه الدر، فلم أملك أن رفعت صوتي بالبكاء، فقال: ما يبكيك أيها الشيخ؟ قلت: يبكيني ما رأيت من رسول الله ﷺ ، رأيته يمص موضع هذا القضيب ويلثمه، ويقول: "اللهم إني أحبه فأحبه". حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس: رأيت رسول الله ﷺ في النوم نصف النهار أشعث أغبر، وبيده قارورة فيها دم، قلت: يا رسول الله، ما هذا? قال: "هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل منذ اليوم ألتقطه". فأحص ذلك اليوم، فوجدوه قتل يومئذ. ابن سعد، عن الواقدي، والمدائني، عن رجالهما، أنَّ محفز بن ثعلبة العائذي قَدِمَ برأس الحسين على يزيد، فقال: أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم. فقال يزيد: ما ولدت أم محفز أحمق وألأم، لكن الرجل لم يتدبَّر كلام الله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]. ثم بعث يزيد برأس الحسين إلى متولي المدينة، فدُفِنَ بالبقيع عند أمه. وقال عبد الصمد بن سعيد القاضي: حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهرائي، سمعت أبا أمية الكلاعي قال: سمعت أبا كرب قال: كنت فيمن توثَّب على الوليد بن يزيد بدمشق، فأخذت سفطًا، وقلت: فيه غنائي، فركبت فرسي، وخرجت به من باب توما، قال: ففتحته، فإذا فيه رأس مكتوب عليه: هذا رأس الحسين بن علي، فحفرت له بسيفي، فدفنته. أبو خالد الأحمر: حدثنا رزين، حدثتني سلمى قالت: دخلت على أمِّ سلمة وهي تبكي، قلت: ما يبكيك? قالت: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله? قال: "شهدت قتل الحسين آنفًا".

стр. 2022

رزين هو ابن حبيب، وثَّقه ابن معين. حماد بن سلمة، عن عمَّار بن أبي عمار؛ سمعت أم سلمة تقول: سمعت الجن يبكين على الحسين، وتنوح عليه. سويد بن سعيد: حدثنا عمرو بن ثابت، حدثنا حبيب بن أبي ثابت، أنَّ أم سلمة سمعت نَوْح الجن على الحسين. عبيد بن جناد: حدثنا عطاء بن مسلم، عن أبي جناب الكلبي قال: أتيت كربلاء، فقلت لرجل من أشراف العرب: بلغني أنَّكم تسمعون نَوْح الجن، قال: ما تلقى حرًّا ولا عبدًا إلَّا أخبرك أنه سمع ذلك. قلت: فما سمعت أنت? قال: سمعتهم يقولون: مسح الرسول جبينه … فله بريق في الخدود أبواه من عُلْيَا قري … ش، وجده خير الجدود محمد بن جرير: حدثث عن أبي عبيدة، حدثنا يونس بن حبيب قال: لما قتل عبيد الله الحسين وأهله، بعث برءوسهم إلى يزيد، فسُرَّ بقتلهم أولًا، ثم لم يلبث حتى ندم على قتلهم، فكان يقول: وما علي لو احتملت الأذى، وأنزلت الحسين معي، وحكمته فيما يريد، وإن كان علي في ذلك وهن، حفظًا لرسول الله ﷺ ، ورعاية لحقه، لعن الله ابن مرجانة -يعني عبيد الله، فإنه أحرجه واضطره، وقد كان سأل أن يخلي سبيله أن يرجع من حيث أقبل، أو يأتيني فيضع يده في يدي، أو يلحق بثغر من الثغور، فأبى ذلك عليه وقتله، فأبغضني بقتله المسلمون، وزرع لي في قلوبهم العداوة. جرير، عن الأعمش قال: تغوّط رجل من بني أسد على قبر الحسين، فأصاب أهل ذلك البيت خبل، وجنون، وبرص، وفقر، وجذام. قال هشام بن الكلبي: لما أجري الماء على قبر الحسين انمحى أثر القبر، فجاء أعرابي فتتبعه، حتى وقع على أثر القبر، فبكى، وقال: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه … فطيب تراب القبر دلَّ على القبر سفيان بن عيينة: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قتل علي وهو ابن ثمان وخمسين. ومات لها حسن، وقتل لها حسين. قلت: قوله: مات لها حسن: خطأ، بل عاش سبعًا وأربعين سنة.

стр. 2023

قال الجماعة: مات يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين، زاد بعضهم يوم السبت، وقيل: يوم الجمعة، وقيل: يوم الاثنين. ومولده: في شعبان، سنة أربع من الهجرة. عبد الحميد بن بهرام، وآخر ثقة، عن شهر بن حوشب، قال: كنت عند أم سلمة زوج النبي ﷺ حين أتاها قتل الحسين، فقالت: قد فعلوها?! ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، ووقعت مغشية عليها، فقمنا. ونقل الزبير لسليمان بن قتة يرثي الحسين: وإن قتيل الطف من آل هاشم … أذل رقابًا من قريش فذلت فإن يتبعوه عائذ البيت يصبحوا … كعاد تعمَّت عن هداها فضلت مررت على أبيات آل محمد … فألفيتها أمثالها حين حلت وكانوا لنا غنمًا فعادوا رزية … لقد عظمت تلك الرزايا وجَلَّت فلا يبعد الله الديار وأهلها … وإن أصبحت منهم برغمي تخلَّت ألم تر أن الأرض أضحت مريضة … لفقد حسين والبلاد اقشعرت قوله: أذلّ رقابًا، أي: لا يرعون عن قتل قرشي بعده. أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة: حدثني أبي، عن أبيه قال: أخبرني أبي حمزة بن يزيد الحضرمي قال: رأيت امرأة من أجمل النساء وأعقلهنَّ، يقال لها: ريا؛ حاضنة يزيد، يقال: بلغت مائة سنة، قالت: دخل رجل على يزيد، فقال: أبشر، فقد أمكنك الله من الحسين، وجيء برأسه، قال: فوضع في طست، فأمر الغلام فكشف، فحين رآه خمر وجهه كأنه شمَّ منه، فقلت لها: أقرع ثناياه بقضيب? قالت: إي والله. ثم قال حمزة: وقد حدثني بعض أهلنا أنه رأى رأس الحسين مصلوبًا بدمشق ثلاثة أيام. وحدثتني ريا أنَّ الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان، فبعث فجيء به، وقد بقي عظمًا أبيض، فجعله، في سفط وطيبه، وكفَّنه ودفنه في مقابر المسلمين، فلما دخلت المسوَّدة سألوا عن موضع الرأس، فنبشوه وأخذوه، فالله أعلم ما صنع به. وذكر باقي الحكاية، وهي قوية الإسناد.

стр. 2024

يحيى بن بكير: حدثني الليث، قال: أبى الحسين أن يستأسر حتى قتل بالطف، وانطلقوا ببنيه علي وفاطمة وسكينة إلى يزيد، فجعل سكينة خلف سريره لئلَّا ترى رأس أبيها، وعليّ في غل، فضرب على ثنيتي الحسين، وتمثَّل بذاك البيت، فقال علي: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢٢]، الآية، فثقل على يزيد أن تمثَّل ببيت، وتلا عليّ آية، فقال بل: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم﴾ [الشورى: ٣٠]. فقال: أما -والله- لو رآنا رسول الله ﷺ لأحبَّ أن يخلينا، قال: صدقت، فخلوهم، قال: ولو وقفنا بين يديه لأحبَّ أن يقربنا، قال: صدقت، قربوهم، فجعلت سكينة وفاطمة تتطاولان لتريا الرأس، وبقي يزيد يتطاول في مجلسه ليستره عنهما، ثم أمر لهم بجهاز، وأصلح آلتهم، وخرجوا إلى المدينة. كثير بن هشام: حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما أُتِيَ يزيد برأس الحسين جعل ينكت سنّه ويقول: ما كنت أظن أبا عبد الله بلغ هذا السن، وإذا لحيته ورأسه قد نصل من الخضاب. وممن قتل مع الحسين إخوته الأربعة: جعفر، وعتيق، ومحمد، والعباس الأكبر، وابنه الكبير علي، وابنه عبد الله، وكان ابنه علي زين العابدين مريضًا فسلم، وكان يزيد يكرمه ويرعاه. وقتل مع الحسين ابن أخيه القاسم بن الحسن، وعبد الله وعبد الرحمن ابنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب، ومحمد وعون ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. المدائني، عن إبراهيم بن محمد، عن عمرو بن دينار، حدثنا محمد بن علي، عن أبيه قال: قتل الحسين، وأدخلنا الكوفة، فلقينا رجل، فأدخلنا منزله، فألحفنا، فنمت، فلم أستيقظ إلَّا بحسّ الخيل في الأزقة، فحملنا إلى يزيد، فدمعت عينه حين رآنا، وأعطانا ما شئنا، وقال: إنه سيكون في قومك أمور، فلا تدخل معهم، فلمَّا كان يوم الحرة ما كان، كتب مع مسلم بن عقبة بأماني، فلما فرغ من القتال مسلم بعث إليّ فجئته، فرمى إلي بالكتاب، وإذا فيه: استوص بعلي بن الحسين خيرًا، وإن دخل معهم في أمرهم، فأمَّنه واعف عنه، وإن لم يكن معهم فقد أصاب وأحسن. فأولاد الحسين هم: علي الأكبر الذي قتل مع أبيه، وعلي زين العابدين، وذريته عدد كثير، وجعفر، وعبد الله، ولم يعقبا. فولد لزين العابدين الحسن، والحسين -ماتا صغيرين، ومحمد الباقر، وعبد الله، وزيد، وعمر، وعلي، ومحمد الأوسط -ولم يعقب، وعبد الرحمن، وحسين الصغير، والقاسم -ولم يعقب.

стр. 2025

٢٧١ - عبد الله بن حنظلة (١): " د" الغسيل بن أبي عامر الراهب، عبد عمرو بن صيفي بن النعمان، أبو عبد الرحمن الأنصاري، الأوسي، المدني، من صغار الصحابة. استشهد أبوه يوم أحد، فغسَّلته الملائكة لكونه جنبًا (٢)، فلو غسل الشهيد الذي يكون جنبًا استدلالًا بهذا لكان حسنًا. حدَّث عن عبد الله: عبد الله بن يزيد الخطمي -رفيقه، وابن أبي مليكة، وضمضم بن جوس، وأسماء بنت زيد العدوية. قد روى أيضًا عن عمر، وعن كعب الأحبار. وكان رأس الثائرين على يزيد نوبة الحرة (٣). وقد رأى النبي ﷺ يطوف بالبيت على ناقة. إسناده حسن. وهو ابن جميلة بنت عبد الله بن أُبَيّ بن سلول.

стр. 2026

وفد في بنيه الثمانية على يزيد، فأعطاهم مائتي ألف وخلعًا، فلمَّا رجع قال له كبراء المدينة: ما وراءك? قال: جئت من عند رجل لو لم أجد إلَّا بني لجاهدته بهم، قالوا: إنه أكرمك وأعطاك، قال: وما قبلت إلَّا لأتقوَّى به عليه، وحضَّ الناس فبايعوه، وأمَّر على الأنصار، وأمَّر على قريش عبد الله بن مطيع العدوي، وعلى باقي المهاجرين معقل بن سنان الأشجعي، ونفوا بني أمية. فجهز يزيد لهم جيشًا، عليهم مسلم بن عقبة -ويدعى مسرفًا المري- في اثني عشر ألفًا، فكلمه عبد الله بن جعفر في أهل المدينة، فقال: دعني أشتفي، لكني آمر مسلم بن عقبة أن يتخذ المدينة طريقه إلى مكة، فإن هم لم يحاربوه وتركوه فيمضي لحرب ابن الزبير، وإن حاربوه قاتلهم، فإن نصر قتل وأنهب المدينة ثلاثًا، ثم يمضي إلى ابن الزبير. وكتب عبد الله بن جعفر إليهم ليكفوا، فقدم مسلم فحاربوه، ونالوا من يزيد، فأوقع بهم وأنهبها ثلاثًا، وسار، فمات بالشلل، وعهد إلى حصين بن نمير في أول سنة أربع وستين، وذمَّهم ابن عمر على شق العصا. قال زيد بن أسلم: دخل ابن مطيع على ابن عمر ليالي الحرة، فقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزع يدًا من طاعة لم يكن له حجة يوم القيامة" (١). قال المدائني: توجه إليهم مسلم بن عقبة في اثني عشر ألفًا، وأنفق فيهم يزيد، في الرجل أربعين دينارًا، فقال له النعمان بن بشير: وجهني أكفك. قال: لا. ليس لهم إلَّا هذا الغشمة، والله لا أقيلهم بعد إحساني إليهم، وعفوي عنهم مرة بعد مرة، فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين في عشيرتك، وأنصار رسول الله ﷺ ، وكلمه عبد الله بن جعفر، فقال: إن رجعوا فلا سبيل عليهم، فادعهم يا مسلم ثلاثًا، وامض إلى الملحد ابن الزبير، قال: واستوص بعلي بن الحسين خيرًا. جرير، عن الحسن قال: والله ما كاد ينجو منهم أحد، لقد قتل ولدا زينب بنت أم سلمة. قال مغيرة بن مقسم: أنهب مسرف بن عقبة المدينة ثلاثًا، وافتُضَّ بها ألف عذراء.

стр. 2027

قال السائب بن خلاد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله" (١). رواه مسلم بن أبي مريم، وجماعة، عن عطاء بن يسار، عنه. وروى جويرية بن أسماء، عن أشياخه قالوا: خرج أهل المدينة يوم الحرة بجموع وهيئة لم ير مثلها، فلما رآهم عسكر الشام كرهوا قتالهم، فأمر مسرف بسريره فوضع بين الصفين، ونادى مناديه: قاتلوا عني أو دعوا، فشدوا، فسمعوا التكبير خلفهم من المدينة، وأقحم عليهم بنو حارثة، فانهزم الناس، وعبد الله بن الغسيل متساند إلى ابنه نائم، فنبهه، فلمَّا رأى ما جرى أمر أكبر بنيه فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقدِّمهم واحدًا واحدًا حتى قتلوا، وكسر جفن سيفه، وقاتل حتى قُتِل. وروى الواقدي بإسناد قال: لما وثب أهل الحرة، وأخرجوا بني أمية من المدينة، بايعوا ابن الغسيل على الموت، فقال: يا قوم، والله ما خرجنا حتى خفنا أن نرجم من السماء، رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة. قال: وكان يبيت تلك الليالي في المسجد، وما يزيد في إفطاره على شربة سويق، ويصوم الدهر ولا يرفع رأسه إلى السماء، فخطب وحرَّض على القتال، وقال: اللهم إنا بك واثقون، فقاتلوا أشد قتال، وكبَّر أهل الشام، ودخلت المدينة من النواحي كلها، وقتل الناس، وبقي لواء ابن الغسيل ما حوله خمسة، فلمَّا رأى ذلك رمى درعه، وقاتلهم حاسرًا حتى قتل، فوقف عليه مروان وهو مادّ إصبعه السبابة، فقال: أما والله لئن نصبتها ميتًا لطالما نصبتها حيًّا. قال أبو هارون العبدي: رأيت أبا سعيد الخدري ممعط اللحية، فقال: هذا ما لقيت من ظلمة أهل الشام، أخذوا ما في البيت، ثم دخلت طائفة فلم يجدوا شيئًا، فأسفوا، وأضجعوني، فجعل كل واحد منهم يأخد من لحيتي خصلة. قال خليفة: أصيب من قريش، والأنصار يومئذ ثلاث مائة وستة رجال، ثم سماهم. وعن أبي جعفر الباقر قال: ما خرج فيها أحد من بني عبد المطلب، لزموا بيوتهم، وسأل مسرف، عن أبي، فجاءه ومعه ابنا محمد بن الحنفية، فرحَّب بأبي، وأوسع له، وقال: إن أمير المؤمنين أوصاني بك. كانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وأصيب يومئذ عبد الله بن زيد بن عاصم حاكي وضوء النبي ﷺ ، ومعقل بن سنان، ومحمد بن أُبَيّ بن كعب، وعدة من أولاد كبراء الصحابة، وقتل جماعة صبرًا. وعن مالك بن أنس قال: قتل يوم الحرة من حملة القرآن سبع مائة. قلت: فلما جرت هذه الكائنة اشتدَّ بغض الناس ليزيد مع فعله بالحسين وآله، ومع قلة دينه، فخرج عليه أبو بلال مرداس به أدية الحنظلي، وخرج نافع بن الأزرق، وخرج طواف السدوسي، فما أمهله الله، وهلك بعد نيف وسبعين يومًا.

стр. 2028

٢٧٢ - سلمة بن الأكوع (١): " ع" هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله أبو عامر، وأبو مسلم، ويقال: أبو إياس الأسلمي الحجازي المدني. قيل: شهد مؤتة، وهو من أهل بيعة الرضوان. روى عدة أحاديث. حدَّث عنه: ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والحسن بن محمد بن الحنفية، ويزيد بن خصيفة. قال مولاه يزيد: رأيت سلمة يصفّر لحيته، وسمعته يقول: بايعت رسول الله ﷺ على الموت، وغزوت معه سبع غزوات (٢).

стр. 2029

ابن مهدي: حدثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: بيَّتَنا هوازن مع أبي بكر الصديق، فقتلت بيدي ليلتئذ سبعة أهل أبيات. عكرمة بن عمار: حدثنا إياس، عن أبيه، قال: خرجت أنا ورباح غلام النبي ﷺ بظهر النبي ﷺ ، وخرجت بفرس لطلحة، فأغار عبد الرحمن بن عيينة على الإبل، فقتل راعيها، وطرد الإبل هو وأناس معه في خيل، فقلت: يا رباح! اقعد على هذا الفرس، فألحقه بطلحة، وأعلم رسول الله ﷺ ، وقمت على تلٍّ، ثم ناديت ثلاثًا: يا صباحاه! واتبعت القوم، فجعلت أرميهم وأعقر بهم، وذلك حين يكثر الشجر، فإذا رجع إلي فارس قعدت له في أصل شجرة، ثم رميته، وجعلت أرميهم، وأقول: أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضّع وأصبت رجلًا بين كتفيه، وكنت إذا تضايقت الثنايا، علوت الجبل، فردأتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم، حتى ما بقي شيء من ظهر النبي ﷺ إلَّا خلفته وراء ظهري، واستنقذته، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحًا، وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها، ولا يلقون شيئًا إلَّا جعلت عليه حجارة، وجمعته على طريق رسول الله ﷺ ، حتى إذا امتدَّ الضحى أتاهم عيينة بن بدر مددًا لهم، وهم في ثنية ضيقة، ثم علوت الجبل، فقال عيينة: ما هذا? قالوا: لقينا من هذا البرح ما فارقنا بسحر إلى الآن، وأخذ كل شيء كان في أيدينا، فقال عيينة: لو لا أنه يرى أن وراءه طلبًا، لقد ترككم ليقم إليه نفر منكم، فصعد إليّ أربعة، فلمَّا أسمعتهم الصوت قلت: أتعرفوني? قالوا: ومن أنت? قلت: أنا ابن الأكوع، والذي أكرم وجه محمد ﷺ لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني، فقال رجل منهم: إني أظن، فما برحت ثَمَّ، حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي وأبو قتادة، والمقداد، فولَّى المشركون، فأنزل فأخذت بعنان فرس الأخرم لا آمن أن يقتطعوك، فاتئد حتى يلحقك المسلمون، فقال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أنَّ الجنة حق، والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة، فخليت عنان فرسه، ولحق بعبد الرحمن بن عيينة، فاختلفا طعنتين، فعقر الأخرم بعبد الرحمن فرسه، ثم قتله عبد الرحمن، وتحوَّل عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن، فاختلفا طعنتين، [فعقر بأبي قتادة]، فقتله أبو قتادة، وتحوّل على فرسه. وخرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار أصحابنا شيئًا، ويعرضون قبيل المغيب

стр. 2030

إلى شعب فيه ماء، يقال له: "ذو قرد" (١)، فأبصروني أعدو وراءهم، فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية، وغربت الشمس، فألحق رجلًا فأرميه؛ فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضَّع فقال: يا ثكل أمي، أكوعي بكرة? قلت: نعم يا عدو نفسه، وكان الذي رميته بكرة، فأتبعته سهمًا آخر، فعلق به سهمان. ويخلفون فرسين، فسقتهما إلى رسول الله ﷺ ، وهو على الماء الذي حليتهم عنه "ذو قرد"، وهو في خمس مائة، وإذا بلال نحر جزورًا مما خلفت، فهو يشوي لرسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! خلني، فأنتخب من أصحابك مائة، فآخذ عليهم بالعشوة، فلا يبقى منهم مخبر، قال: "أكنت فاعلًا يا سلمة"؟ قلت: نعم. فضحك حتى رأيت نواجذه في ضوء النار، ثم قال: "إنهم يقرون الآن بأرض غطفان". قال: فجاء رجل فأخبر أنهم مروا على فلان الغطفاني، فنحر لهم جزورًا، فلمَّا أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة، فهربوا، فلمَّا أصبحنا، قال رسول الله ﷺ : "خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة"، وأعطاني سهم الراجل والفارس جميعًا، ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة. فلما كان بيننا وبينها قريبًا من ضحوة، وفي القوم رجل كان لا يسبق، جعل ينادي: ألَا رجل يسابق إلى المدينة? فأعاد ذلك مرارًا. فقلت: ما تكرم كريمًا، ولا تهاب شريفًا? قال: لا، إلَّا رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، بأبي وأمي، خلني أسابقه، قال: إن شئت، وقلت: امض، وصبرت عليه شرفًا أو شرفين حتى استبقيت نفسي، ثم إني عدوت حتى ألحقه، فأصك بين كتفيه، وقلت: سبقتك والله، أو كلمة نحوها، فضحك وقال: إن أظنّ حتى قدمنا المدينة. أخرجه مسلم مطوَّلًا (٢). العطاف بن خالد، عن عبد الرحمن بن رزين قال: أتينا سلمة بن الأكوع بالربذة، فأخرج إلينا يدًا ضخمة كأنها خف البعير، فقال: بايعت بيدي هذه رسول الله ﷺ ، قال: فأخذنا يده، فقبَّلناها (٣).

стр. 2031

الحميدي: حدثنا علي بن يزيد الأسلمي، حدثنا إياس بن سلمة، عن أبيه قال: أردفني رسول الله ﷺ مرارًا، ومسح على وجهي مرارًا، واستغفر لي مرارًا، عدد ما في يدي من الأصابع (١). قال يزيد بن أبي عبيد؛ عن سلمة: أنه استأذن النبي ﷺ ، في البدو، فأذن له (٢). رواه أحمد في "مسنده" عن حماد بن مسعدة، عنه. ابن سعد: حدثنا محمد بن عمر، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن زياد بن ميناء قال: كان ابن عباس، وأبو هريرة، وجابر، ورافع بن خديج، وسلمة بن الأكوع، مع أشباهٍ لهم يفتون بالمدينة، ويحدّثون من لدن توفي عثمان إلى أن تُوفُّوا. وعن عبادة بن الوليد، أنَّ الحسن بن محمد بن الحنفية قال: اذهب بنا إلى سلمة بن الأكوع فلنسأله، فإنه من صالحي أصحاب النبي ﷺ القدم، فخرجنا نريده، فلقيناه يقوده قائده، وكان قد كُفَّ بصره. وعن يزيد بن أبي عبيد قال: لما قتل عثمان خرج سلمة إلى الربذة، وتزوّج هناك امرأة، فولدت له أولادًا، وقبل أن يموت بليالٍ نزل إلى المدينة. قال الواقدي، وجماعة: توفي سنة أربع وسبعين. قلت: كان من أبناء التسعين، وحديثه من عوالي "صحيح البخاري".

стр. 2032

٢٧٣ - عبد الله بن عباس البحر (١): " ع" حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله، ابن عم رسول الله ﷺ العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسمه: عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، القرشي الهاشمي المكي، الأمير ﵁. مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين. صحب النبي ﷺ نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدَّث عنه بجملة صالحة، وعن عمر، وعلي، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سفيان صخر بن حرب، وأبي ذر، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وخلق. وقرأ على أُبَيّ، وزيد. قرأ عليه: مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة. روى عنه: ابنه علي، وابن أخيه عبد الله بن معبد، ومواليه؛ عكرمة ومقسم وكريب، وأبو معبد نافذ، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأبو أمامة بن سهل، وأخوه كثير بن العباس، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله، وطاوس، وأبو الشعثاء جابر، وعليّ بن الحسين، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، والقاسم بن محمد، وأبو صالح السمَّان، وأبو رجاء العطاردي، وأبو العالية، وعبيد بن عمير، وابنه عبد الله، وعطاء بن يسار، وإبراهيم بن عبد الله بن معبد، وأربدة التميمي صاحب التفسير، وأبو صالح باذام، وطليق بن قيس الحنفي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن كعب القرظي، وشهر بن حوشب، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبو جمرة نصر بن عمران الضبعي، والضاحك بن مزاحم، وأبو الزبير المكي، وبكر بن عبد الله المزني، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن أبي الحسن، وإسماعيل السدي، وخلق سواهم. وفي "التهذيب": من الرواة عنه مائتان سوى ثلاثة أنفس. وأمه: هي أمّ الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير الهلالية، من هلال بن عامر. وله جماعة أولاد؛ أكبرهم العباس -وبه كان يكنَّى، وعلي أبو الخلفاء، وهو أصغرهم، والفضل، ومحمد، وعبيد الله، ولبابة، وأسماء. وكان وسيمًا جميلًا، مديد القامة، مهيبًا، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال. وأولاده: الفضل ومحمد وعبيد الله، ماتوا ولا عقب لهم، ولبابة، ولها أولاد،

стр. 2033

وعقب من زوجها علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبنته الأخرى أسماء، وكانت عند ابن عمِّها عبد الله بن عبيد الله بن العباس، فولدت له حسنًا وحسينًا. انتقل ابن عباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فإنه صحَّ عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي من النساء. روى خالد الحذاء عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مسح النبي ﷺ رأسي، ودعا لي بالحكمة (١). شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ المخرج وخرج، فإذا تور مغطى قال: "من صنع هذا"؟، فقلت: أنا. فقال: "اللهم علمه تأويل القرآن" (٢). قال ابن شهاب: عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: أقبلت على أتان، وقد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى (٣). وروى أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفي النبي ﷺ ، وأنا ابن عشر (٤). رواه شعبة له، وغيره عنه.

стр. 2034

وقال هشيم: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد، عنه: جمعت المحكم في عهد رسول الله ﷺ ، وقُبِضَ وأنا ابن عشر حجج (١). وقال شعبة: عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفي رسول الله ﷺ ، وأنا ابن خمس عشرة سنة، وأنا ختين (٢). قال الواقدي: لا خلاف أنه وُلِدَ في الشعب، وبنو هاشم محصورون، فوُلِدَ قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، ألَا تراه يقول: وقد راهقنا الاحتلام، وهذا أثبت مما نقله أبو بشر في سنه. قال أحمد بن حنبل، فيما رواه ابنه عبد الله عنه: حديث أبي بشر عندي واهٍ، قد روى أبو إسحاق، عن سعيد، فقال: خمس عشرة، وهذا يوافق حديث عبيد الله بن عبد الله (٣). قال الزبير بن بكار: توفي رسول الله ﷺ ، ولابن عباس ثلاث عشرة سنة. قال أبو سعيد بن يونس: غزا ابن عباس إفريقية مع ابن أبي سرح، وروى عنه من أهل مصر خمسة عشر نفسًا.

стр. 2035

قال أبو عبد الله بن مندة: أمه هي: أم الفضل، أخت أم المؤمنين ميمونة، وُلِدَ قبل الهجرة بسنتين. وكان أبيض طويلًا، مشربًا صفرة، جسيمًا وسيمًا، صبيح الوجه، له وفرة، يخضب بالحناء، دعا له النبي ﷺ بالحكمة. قلت: وهو ابن خالة خالد بن الوليد المخزومي. سعيد بن سالم: حدَّثنا ابن جريج قال: كنا جلوسًا مع عطاء في المسجد الحرام، فتذاكرنا ابن عباس، فقال عطاء: ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة إلَّا ذكرت وجه ابن عباس. إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا مَرَّ في الطريق قلن النساء على الحيطان: أمَرَّ المسك أم مَرَّ ابن عباس? الزبير: حدثني ساعدة بن عبيد الله المزني، عن داود بن عطاء، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، أن عمر دعا ابن عباس فقرَّبه، وكان يقول: إني رأيت رسول الله ﷺ دعاك يومًا، فمسح رأسك، وتفل في فيك، وقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" (١). داود: مدني ضعيف. حماد بن سلمة، وغيره، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله قال: بت في بيت خالتي ميمونة، فوضعت للنبي ﷺ غسلًا، فقال: "من وضع هذا"? قالوا: عبد الله. فقال: "اللهمَّ علمه التأويل، وفقهه في الدين" (٢). أخبرنا إسحاق الأسدي، أخبرنا ابن خليل، أخبرنا اللبان، أخبرنا الحداد، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن جعفر بن الهيثم، حدثنا ابن أبي العوام، حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار: أن كريبًا أخبره، عن ابن عباس قال: صليت خلف النبي ﷺ من آخر الليل، فجعلني حذاءه، فلمَّا انصرفت قلت: وينبغي لأحد أن يصلي حذاءك، وأنت رسول الله? فدعا الله أن يزيدني فهمًا وعلمًا. حاتم بن أبي صغيرة،. عن عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ دعا له أن يزيده الله فهمًا وعلمًا.
следующие страницы →