← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

الحميدي: حدثنا علي بن يزيد الأسلمي، حدثنا إياس بن سلمة، عن أبيه قال: أردفني رسول الله ﷺ مرارًا، ومسح على وجهي مرارًا، واستغفر لي مرارًا، عدد ما في يدي من الأصابع (١). قال يزيد بن أبي عبيد؛ عن سلمة: أنه استأذن النبي ﷺ ، في البدو، فأذن له (٢). رواه أحمد في "مسنده" عن حماد بن مسعدة، عنه. ابن سعد: حدثنا محمد بن عمر، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن زياد بن ميناء قال: كان ابن عباس، وأبو هريرة، وجابر، ورافع بن خديج، وسلمة بن الأكوع، مع أشباهٍ لهم يفتون بالمدينة، ويحدّثون من لدن توفي عثمان إلى أن تُوفُّوا. وعن عبادة بن الوليد، أنَّ الحسن بن محمد بن الحنفية قال: اذهب بنا إلى سلمة بن الأكوع فلنسأله، فإنه من صالحي أصحاب النبي ﷺ القدم، فخرجنا نريده، فلقيناه يقوده قائده، وكان قد كُفَّ بصره. وعن يزيد بن أبي عبيد قال: لما قتل عثمان خرج سلمة إلى الربذة، وتزوّج هناك امرأة، فولدت له أولادًا، وقبل أن يموت بليالٍ نزل إلى المدينة. قال الواقدي، وجماعة: توفي سنة أربع وسبعين. قلت: كان من أبناء التسعين، وحديثه من عوالي "صحيح البخاري".

стр. 2032

٢٧٣ - عبد الله بن عباس البحر (١): " ع" حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله، ابن عم رسول الله ﷺ العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسمه: عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، القرشي الهاشمي المكي، الأمير ﵁. مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين. صحب النبي ﷺ نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدَّث عنه بجملة صالحة، وعن عمر، وعلي، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سفيان صخر بن حرب، وأبي ذر، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وخلق. وقرأ على أُبَيّ، وزيد. قرأ عليه: مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة. روى عنه: ابنه علي، وابن أخيه عبد الله بن معبد، ومواليه؛ عكرمة ومقسم وكريب، وأبو معبد نافذ، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأبو أمامة بن سهل، وأخوه كثير بن العباس، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله، وطاوس، وأبو الشعثاء جابر، وعليّ بن الحسين، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، والقاسم بن محمد، وأبو صالح السمَّان، وأبو رجاء العطاردي، وأبو العالية، وعبيد بن عمير، وابنه عبد الله، وعطاء بن يسار، وإبراهيم بن عبد الله بن معبد، وأربدة التميمي صاحب التفسير، وأبو صالح باذام، وطليق بن قيس الحنفي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن كعب القرظي، وشهر بن حوشب، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبو جمرة نصر بن عمران الضبعي، والضاحك بن مزاحم، وأبو الزبير المكي، وبكر بن عبد الله المزني، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن أبي الحسن، وإسماعيل السدي، وخلق سواهم. وفي "التهذيب": من الرواة عنه مائتان سوى ثلاثة أنفس. وأمه: هي أمّ الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير الهلالية، من هلال بن عامر. وله جماعة أولاد؛ أكبرهم العباس -وبه كان يكنَّى، وعلي أبو الخلفاء، وهو أصغرهم، والفضل، ومحمد، وعبيد الله، ولبابة، وأسماء. وكان وسيمًا جميلًا، مديد القامة، مهيبًا، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال. وأولاده: الفضل ومحمد وعبيد الله، ماتوا ولا عقب لهم، ولبابة، ولها أولاد،

стр. 2033

وعقب من زوجها علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبنته الأخرى أسماء، وكانت عند ابن عمِّها عبد الله بن عبيد الله بن العباس، فولدت له حسنًا وحسينًا. انتقل ابن عباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فإنه صحَّ عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي من النساء. روى خالد الحذاء عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مسح النبي ﷺ رأسي، ودعا لي بالحكمة (١). شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ المخرج وخرج، فإذا تور مغطى قال: "من صنع هذا"؟، فقلت: أنا. فقال: "اللهم علمه تأويل القرآن" (٢). قال ابن شهاب: عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: أقبلت على أتان، وقد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى (٣). وروى أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفي النبي ﷺ ، وأنا ابن عشر (٤). رواه شعبة له، وغيره عنه.

стр. 2034

وقال هشيم: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد، عنه: جمعت المحكم في عهد رسول الله ﷺ ، وقُبِضَ وأنا ابن عشر حجج (١). وقال شعبة: عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفي رسول الله ﷺ ، وأنا ابن خمس عشرة سنة، وأنا ختين (٢). قال الواقدي: لا خلاف أنه وُلِدَ في الشعب، وبنو هاشم محصورون، فوُلِدَ قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، ألَا تراه يقول: وقد راهقنا الاحتلام، وهذا أثبت مما نقله أبو بشر في سنه. قال أحمد بن حنبل، فيما رواه ابنه عبد الله عنه: حديث أبي بشر عندي واهٍ، قد روى أبو إسحاق، عن سعيد، فقال: خمس عشرة، وهذا يوافق حديث عبيد الله بن عبد الله (٣). قال الزبير بن بكار: توفي رسول الله ﷺ ، ولابن عباس ثلاث عشرة سنة. قال أبو سعيد بن يونس: غزا ابن عباس إفريقية مع ابن أبي سرح، وروى عنه من أهل مصر خمسة عشر نفسًا.

стр. 2035

قال أبو عبد الله بن مندة: أمه هي: أم الفضل، أخت أم المؤمنين ميمونة، وُلِدَ قبل الهجرة بسنتين. وكان أبيض طويلًا، مشربًا صفرة، جسيمًا وسيمًا، صبيح الوجه، له وفرة، يخضب بالحناء، دعا له النبي ﷺ بالحكمة. قلت: وهو ابن خالة خالد بن الوليد المخزومي. سعيد بن سالم: حدَّثنا ابن جريج قال: كنا جلوسًا مع عطاء في المسجد الحرام، فتذاكرنا ابن عباس، فقال عطاء: ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة إلَّا ذكرت وجه ابن عباس. إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا مَرَّ في الطريق قلن النساء على الحيطان: أمَرَّ المسك أم مَرَّ ابن عباس? الزبير: حدثني ساعدة بن عبيد الله المزني، عن داود بن عطاء، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، أن عمر دعا ابن عباس فقرَّبه، وكان يقول: إني رأيت رسول الله ﷺ دعاك يومًا، فمسح رأسك، وتفل في فيك، وقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" (١). داود: مدني ضعيف. حماد بن سلمة، وغيره، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله قال: بت في بيت خالتي ميمونة، فوضعت للنبي ﷺ غسلًا، فقال: "من وضع هذا"? قالوا: عبد الله. فقال: "اللهمَّ علمه التأويل، وفقهه في الدين" (٢). أخبرنا إسحاق الأسدي، أخبرنا ابن خليل، أخبرنا اللبان، أخبرنا الحداد، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن جعفر بن الهيثم، حدثنا ابن أبي العوام، حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار: أن كريبًا أخبره، عن ابن عباس قال: صليت خلف النبي ﷺ من آخر الليل، فجعلني حذاءه، فلمَّا انصرفت قلت: وينبغي لأحد أن يصلي حذاءك، وأنت رسول الله? فدعا الله أن يزيدني فهمًا وعلمًا. حاتم بن أبي صغيرة،. عن عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ دعا له أن يزيده الله فهمًا وعلمًا.

стр. 2036

ورقاء، سمعت عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس: وضعت لرسول الله ﷺ وضوءًا، فقال: "اللهمَّ فقهه في الدين، وعلمه التأويل". وعن ابن عباس: دعا لي رسول الله بالحكمة مرتين. كوثر بن حكيم -واهٍ، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "إن حبر هذه الأمة ابن عباس". تفرَّد به عنه محمد بن يزيد الرهاوي. عبد المؤمن بن خالد، عن ابن بريدة، عن ابن عباس: انتهيت إلى النبي ﷺ وعنده جبريل، فقال له جبريل: إنه كائن هذا حبر الأمة، فاستوصِ به خيرًا. حديث منكر، تفرَّد به سعدان بن جعفر، عن عبد المؤمن. حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: كنت مع أبي عند النبي ﷺ ، وكان كالمعرض عن أبي، فخرجنا من عنده، فقال: ألم تر ابن عمك كالمعرض عني? فقلت: إنه كان عنده رجل يناجيه، قال: أو كان عنده أحد? قلت: نعم، فرجع إليه، فقال: يا رسول الله، هل كان عندك أحد? فقال لي: "هل رأيته يا عبد الله"? قال: نعم. قال: "ذاك جبريل، فهو الذي شغلني عنك". أخرجه أحمد في "مسنده". المنهال بن بحر: حدثنا العلاء بن محمد، عن الفضل بن حبيب، عن فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: مررت برسول الله ﷺ وعليه ثياب بيض نقية، وهو يناجي دحية بن خليفة الكلبي، وهو جبريل، وأنا لا أعلم، فقال: من هذا? فقال: ابن عمي، قال: ما أشد وسخ ثيابه، أما إن ذريته ستسود بعده، ثم قال لي رسول الله ﷺ : "رأيت من يناجيني"؟ قلت: نعم، قال: "أما إنه سيذهب بصرك". إسناده ليّن. ثور بن زيد الديلي، عن موسى بن ميسرة، أن العباس بعث ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ في حاجة، فوجد عنده رجلًا، فرجع ولم يكلمه، فلقي العباس رسول الله ﷺ بعد ذلك، فقال: أرسلت إليك ابني، فوجد عندك رجلًا، فلم يستطع أن يكلمه، فقال: "يا عم! تدري من ذاك الرجل"؟ قال: لا، قال: "ذاك جبريل لقيني، لن يموت ابنك حتى يذهب بصره، ويؤتى علمًا".

стр. 2037

روى سليمان بن بلال، والدراوردي، عن ثور نحوه، وقد رواه محمد بن زياد الزيادي، عن الدراوردي، فقال: عن أيوب، عن موسى بن ميسرة، عن بعض ولد العباس، فذكره. زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي: دخل العباس على رسول الله ﷺ ، فلم ير عنده أحدًا، فقال له ابنه عبد الله: لقد رأيت عنده رجلًا، فسأل العباس النبي ﷺ ، فقال: "ذاك جبريل". هذا مرسل. حبان بن علي، عن رشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أتيت خالتي ميمونة، فقلت إني أريد أن أبيت الليلة عندكم، فقالت: وكيف تبيت، وإنما الفراش واحد? فقلت: لا حاجة لي به، أفرش إزاري، وأمَّا الوساد فأضع رأسي مع رءوسكما من وراء الوسادة. قال: فجاء النبي ﷺ ، فحدَّثته ميمونة بما قال ابن عباس، فقال: "هذا شيخ قريش". إسناده ضعيف. قرأت على إسحاق بن طارق: أخبركم ابن خليل، أخبرنا اللبان، أخبرنا أبو علي المقرئ، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا حبيب، حدثنا عبد الله البغوي، حدثنا داود بن عمرو، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: سئل ابن عباس: ما بلغ من هم يوسف? قال: جلس يحل هميانه، فصيح به يا يوسف! لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش. صالح بن رستم الخزاز، عن ابن أبي مليكة: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شطر الليل. فسأله أيوب: كيف كانت قراءته? قال قرأ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]، فجعل يرتّل ويكثر في ذلك النشيج. ابن جريج، عن ابن أبي مليكة: قال ابن عباس: ذهب الناس وبقي النسناس، قيل: ما النسناس? قال: الذين يشبهون الناس وليسوا بالناس. ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال لي معاوية: أنت على ملة عليّ? قلت: ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله ﷺ . وعن طاوس قال: ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لحرمات الله من ابن عباس. جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله ﷺ ، قلت لرجل من الأنصار: هلمَّ نسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي

стр. 2038

﵊ من ترى? فترك ذلك، وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل، فأتوسّد ردائي على بابه، فتسفي الريح عليّ التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عمّ رسول الله، ألَا أرسلت إليَّ فآتيك? فأقول: أنا أحق أن آتيك فأسألك. قال: فبقي الرجل حتى رآني، وقد اجتمع الناس عليّ، فقال: هذا الفتى أعقل مني. عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير قال: كان ناس من المهاجرين قد وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس دونهم، قال: وكان يسأله، فقال عمر: أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله، فسألهم عن هذه السورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجًا أن يحمده ويستغفره، فقال عمر: يا ابن عباس تكلّم، فقال: أعلمه متى يموت، أي: فهي آتيك من الموت، فسبح بحمد ربك واستغفره. وروى نحوه أحمد في "مسنده" حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس قال: وجدت عامَّة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لآتي الرجل منهم، فيقال: هو نائم، فلو شئت أن يوقظ لي، فأدعه حتى يخرج لأستطيب بذلك قلبه. يزيد بن إبراهيم، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس قال: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ . إسناده صحيح. ابن عيينة، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن، قال: كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا، فيقرأ البقرة وآل عمران، فيفسرهما آية آية، وكان عمر ﵁ إذا ذكره قال: ذلك فتى الكهول له لسان سؤول، وقلب عقول. إسرائيل: أخبرنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه إلَّا ثلاثًا "الرقيم"، و"غسلين"، و"حنانًا". يحيى بن يمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير قال: قال عمر لابن عباس: لقد علمت علمًا ما علمناه.

стр. 2039

عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: دعاني عمر مع الأكابر، ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا، ثم يسألني، ثم يقبل عليهم، فيقول: ما منعكم أن تأتوني بمثل ما يأتيني به هذا الغلام الذي لم تستو شئون رأسه. معمر، عن الزهري قال: قال المهاجرون لعمر: ألَا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس? قال: ذاكم فتى الكهول، إنَّ له لسانًا سئولًا، وقلبًا عقولًا. موسى بن عبيدة، عن يعقوب بن زيد قال: كان عمر يستشير ابن عباس في الأمر إذا أهمَّه، ويقول: غص غواص. أبو يحيى الحمَّاني: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قال عمر: لا يلومني أحد على حب ابن عباس. وعن مجالد، عن الشعبي قال: قال ابن عباس: قال لي أبي: يا بني! إن عمر يدنيك، فاحفظ عني ثلاثًا: لا تفشينَّ له سرًّا، ولا تغتابنَّ عنده أحدًا، ولا يجربنَّ عليك كذبًا. ابن علية: حدثنا أيوب، عن عكرمة، أن عليًّا حرق ناسًا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لم أكن لأحرقهم أنا بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: "لا تعذبوا بعذاب الله"، وكنت قاتلهم لقوله ﷺ : "من بدَّل دينه فاقتلوه"، فبلغ ذلك عليًّا، فقال: ويح ابن أم الفضل، إنه لغوَّاص على الهنات. الواقدي: حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن موسى بن سعد، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص: سمعت أبي يقول: ما رأيت أحدًا أحضر فهمًا، ولا ألب لبًا، ولا أكثر علمًا، ولا أوسع حلمًا، من ابن عباس، لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، فيقول: قد جاءت معضلة، ثم لا يجاوز قوله، وإن حوله لأهل بدر. الواقدي: حدثنا موسى بن محمد التيمي، عن أبيه، عن مالك بن أبي عامر، سمع طلحة بن عبيد الله يقول: لقد أعطي ابن عباس فهمًا ولقنًا وعلمًا، ما كنت أرى عمر يقدِّم عليه أحدًا. الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد. وفي رواية "ما عاشره". الأعمش: حدثونا أنَّ عبد الله قال: ولنعم ترجمان القرآن ابن عباس.

стр. 2040

الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لو أنَّ هذا الغلام أدرك ما أدركنا ما تعلقنا معه بشيء. الواقدي: حدَّثنا مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن بسر بن سعيد، عن محمد بن أُبَيّ بن كعب، سمع أباه يقول -وكان عنده ابن عباس، فقام فقال: هذا يكون حبر هذه الأمة، أرى عقلًا وفهمًا، وقد دعا له رسول الله ﷺ أن يفقهه في الدين. وعن عكرمة: سمعت معاوية يقول لي: مولاك والله أفقه من مات ومن عاش. ويروى عن عائشة قالت: أعلم من بقي بالحجّ ابن عباس. قلت: وقد كان يرى متعة الحج حتمًا. قرأت على إسماعيل بن عبد الرحمن، أخبركم عبد الله بن أحمد الفقيه سنة سبع عشرة وست مائة، أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أخبرنا علي بن محمد بن محمد الأنباري، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد، أخبرنا أحمد بن منصور، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن علي بن بذيمة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قدم على عمر رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقلت: والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة، قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه، فانطلقت إلى منزلي مكتئبًا حزينًا، فقلت: قد كنت نزلت من هذا بمنزلة، ولا أراني إلَّا قد سقطت من نفسه، فاضطجعت على فراشي حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، فبينا أنا على ذلك قيل لي: أجب أمير المؤمنين، فخرجت، فإذا هو قائم على الباب يتنظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفًا? قلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت فإني أستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت، قال: لتخبرني، قلت: متى ما يسارعوا هذه المسارعة يحتقوا، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما اختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا، قال: لله أبوك! لقد كنت أكتمها الناس حتى جئت بها. ابن سعد: أخبرنا أبو بكر بن محمد بن أبي مرة مكي، حدثنا نافع بن عمر، حدثني عمرو بن دينار، أنَّ أهل المدينة كلموا ابن عباس أن يحجّ بهم، فدخل على عثمان، فأمره فحج ثم رجع، فوجد عثمان قد قُتِلَ، فقال لعلي: إن أنت قمت بهذا الأمر الآن ألزمك الناس دم عثمان إلى يوم القيامة.

стр. 2041

وعن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال لعلي لما قال: سر، فقد وليتك الشام، فقال: ما هذا برأي، ولكن اكتب إلى معاوية، فمَنِّه وعِدْه، قال: لا كان هذا أبدًا. وعن عكرمة: سمعت عبد الله يقول: قلت لعلي: لا تحكم أبا موسى، فإن معه رجلًا حذرًا مرسًا قارحًا من الرجال، فلزَّني إلى جنبه، فإنه لا يحل عقدة إلَّا عقدتها، ولا يعقد عقدة إلَّا حللتها، قال يا ابن عباس! فما أصنع? إنما أوتى من أصحابي قد ضعفت نيتهم، وكلوا هذا الأشعث يقول: لا يكون فيها مضريان أبدًا، فعذرت عليًّا. الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله قال: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال بعلم ما سبق، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب، ونائل، وما رأيت أحدًا أعلم بما سبقه من حديث رسول الله ﷺ ، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أعلم بما مضى، ولا أثقب رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كنَّا نحضر عنده، فيحدثنا العشية كلها في المغازي، والعشية كلها في النسب، والعشية كلها في الشعر. ابن جريج، عن طاوس قال: ما رأيت أروع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس. وقال مجاهد: ما رأيت أحدًا قط مثل ابن عباس، لقد مات يوم مات، وأنه لحبر هذه الأمة. الأعمش، عن مجاهد قال: كان ابن عباس يسمَّى البحر؛ لكثرة علمه. ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس، إلَّا أن يقول قائل: قال رسول الله ﷺ . وعن طاوس قال: أدركت نحوًا من خمس مائة من الصحابة، إذا ذاكروا ابن عباس فخالفوه، فلم يزل يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله. قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجًّا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم. الأعمش: حدثنا أبو وائل قال: خطبنا ابن عباس وهو أمير على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثل هذا، لو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت. وروى عاصم بن بهدلة، عن أبي، وائل مثله. روى جويبر، عن الضحاك قال: ما رأيت بيتًا أكثر خبزًا ولحمًا من بيت ابن عباس.

стр. 2042

سليم بن أخضر، عن سليمان التيمي، قال: أنبأني من أرسله الحكم بن أيوب إلى الحسن، فسأله: من أول من جمع الناس في هذا المسجد يوم عرفة? فقال: إن أوّل من جمع ابن عباس. وعن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا نطق قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس. قال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلًا قط. قال سفيان بن عيينة: لم يدرك مثل ابن عباس في زمانه، ولا مثل الشعبي في زمانه، ولا مثل الثوري في زمانه. أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان يصلي ركعتين، فإذا نزل قام شطر الليل، ويرتل القرآن حرفًا حرفًا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب. معتمر بن سليمان، عن شعيب بن درهم، عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس، وأسفل من عينيه مثل الشراك البالي من البكاء. عبد الوهاب الخفَّاف، عن أبي أمية بن يعلى، عن سعيد بن أبي سعيد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس! كيف صومك? قال: أصوم الاثنين والخميس. قال: ولِمَ? قال: لأنَّ الأعمال ترفع فيهما، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم (١). إسحاق بن سليمان الرازي: سمعت أبا سنان، عن حبيب بن أبي ثابت، أن أبا أيوب الأنصاري أتى معاوية، فشكا دَيْنًا، فلم ير منه ما يحب، فقدم البصرة، فنزل على ابن عباس، ففرغ له بيته، وقال: لأصنعنَّ بك كما صنعت برسول الله ﷺ ، ثم قال: كم دَيْنك? قال: عشرون ألفًا، فأعطاه أربعين ألفًا وعشرين مملوكًا، وكل ما في البيت.

стр. 2043

وعن الشعبي، وغيره: أنَّ عليًّا ﵁ أقام بعد وقعة الجمل بالبصرة خمسين ليلة، ثم سار إلى الكوفة، واستخلف ابن عباس على البصرة، ووجَّه الأشتر على مقدمته إلى الكوفة، فلحقه رجل، فقال: من استخلف أمير المؤمنين على البصرة? قال: ابن عمه، قال: ففيم قتلنا الشيخ أمس بالمدينة? قال: فلم يزل ابن عباس على البصرة حتى سار إلى صفين، فاستخلف أبا الأسود بالبصرة على الصلاة، وزيادًا على بيت المال. قلت: وقد كان علي لما بويع قال لابن عباس: اذهب على إمرة الشام، فقال: كلّا، أقلّ ما يصنع بي معاوية إن لم يقتلني الحبس، ولكن استعمله، وبين يديك عزله بعد، فلم يقبل منه، وكذلك أشار على علي أن لا يولي أبا موسى يوم الحكمين، وقال: ولني أو، فول الأحنف، فأراد علي ذلك، فغلبوه على رأيه. قال أبو عبيدة في تسمية أمراء عليّ يوم صفين: فكان على الميسرة ابن عباس، ثم رد بعد إلى ولاية البصرة. ومما قال حسان ﵁ فيما بلغنا: إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه … رأيت له في كل أقواله فضلا إذا قال لم يترك مقالًا لقائل … بمنتظمات لا ترى بينها فصلا كفى، وشفى ما في النفوس فلم يدع … لذي أرب في القول جدًا ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقة … فنلت ذراها لا دنيًا ولا وغلا خلفت حليفًا للمروءة والندى … بليجًا، ولم تخلق كهامًا ولا خبلا (١) روى العتبي، عن أبيه قال: لما سار الحسين إلى الكوفة اجتمع ابن عباس وابن الزبير بمكة، فضرب ابن عباس على جيب ابن الزبير، وتمثل: يا لك من قنبرة بمعمر … خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري خلا لك والله يا ابن الزبير الحجاز، وذهب الحسين. فقال ابن الزبير: والله ما ترون إلَّا أنكم أحق بهذا الأمر من سائر الناس. فقال: إنما يرى من كان في شك، ونحن فعلى يقين. لكن أخبرني عن نفسك: لِمَ زعمت أنك أحق بهذا الأمر من سائر العرب? فقال ابن

стр. 2044

الزبير: لشرفي عليهم، قال: أيما أشرف، أنت أم من شرفت به? قال: الذي شرفت به زادني شرفًا، قال: وعلت أصواتهما حتى اعترض بينهما رجال من قريش، فسكتوهما. وعن عكرمة قال: كان ابن عباس في العلم بحرًا ينشق له الأمر من الأمور، وكان النبي ﷺ قال: "اللهم ألهمه الحكمة وعلمه التأويل"، فلمَّا عمي أتاه الناس من أهل الطائف، ومعهم علم من علمه -أو قال: كتب من كتبه، فجعلوا يستقرءونه، وجعل يقدِّم ويؤخِّر، فلمَّا رأى ذلك قال: إني قد تلهت من مصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي فليقرأ علي، فإن إقراري له كقراءتي عليه. قال: فقرءوا عليه. تلهت: تحيرت، والأصل: ولهت كما قيل في وجاه: تجاه. أبو عوانة، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّه لم يكن يدخل الحمام إلَّا وحده، وعليه ثوب صفيق يقول: إني أستحي الله أن يراني في الحمام متجردًا. أبو عوانة، عن أبي الجويرية قال: رأيت إزار ابن عباس إلى نصف ساقه أو فوق ذلك، وعليه قطيفة رومية وهو يصلي. رشدين بن كريب، عن أبيه قال: رأيت ابن عباس يعتمّ بعمامة سوداء، فيرخي شبرًا بين كتفيه، ومن بين يديه. ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، أنَّ ابن عباس كان يتَّخذ الرداء بألف. أبو نعيم: حدثنا سلمة بن شابور، قال رجل لعطية: ما أضيق كمك! قال: كذا كان كم ابن عباس وابن عمر. مالك بن دينار، عن عكرمة: كان ابن عباس يلبس الخز، ويكره المصمت. عن عطية العوفي قال: لما وقعت الفتنة بين ابن الزبير وعبد الملك ارتحل ابن عباس ومحمد ابن الحنفية بأهلهما حتى نزلوا مكة، فبعث ابن الزبير إليهما: أن بايعا، فأبيا، وقالا: أنت وشأنك، لا نعرض لك ولا لغيرك، فأبى، وألحَّ عليهما، وقال: والله لتبايعنّ أو لأحرقنَّكم بالنار، فبعثا أبا الطفيل عامر بن واثلة إلى شيعتهم بالكوفة، فانتدب أربعة آلاف، فحملوا السلاح حتى دخلوا مكة، ثم كبَّروا تكبيرة سمعها أهل مكة، وانطلق ابن الزبير من المسجد هاربًا حتى دخل دار الندوة، وقيل: بل تعلّق بأستار الكعبة، وقال: أنا عائذ ببيت الله.

стр. 2045

قال: ثم ملنا إلى ابن عباس وابن الحنفية، قد عمل حول دورهم الحطب ليحرقها، فخرجنا بهم حتى نزلنا بهم الطائف. ولأبي الطفيل الكناني حين منع ابن الزبير عبد الله بن عباس من الاجتماع بالناس كان يخافه، وإنما أخّر الناس عن بيعة ابن عباس -أن لو شاء الخلافة- ذهاب بصره: لا دَرَّ در الليالي كيف تضحكنا … منها خطوب أعاجيب، وتبكينا ومثل ما تحدث الأيام من غِيَر … في ابن الزبير عن الدنيا تسلينا كنا نجيء ابن عباس فيقبسنا … فقهًا، ويكسبنا أجرًا ويهدينا ولا يزال عبيد الله مترعة … جفانه مطعمًا ضيفًا ومسكينًا فالبر والدين والدنيا بدارهما … ننال منها الذي نبغي إذا شينا إن الرسول هو النور الذي كشفت … به عمايات ماضينا وباقينا ورهطه عصمة في ديننا ولهم … فضل علينا وحق واجب فينا ففيم تمنعهم منا وتمنعنا … منهم وتؤذيهم فينا وتؤذينا لن يؤتي الله إنسانًا ببغضهم … في الدين عزًّا ولا في الأرض تمكينا قال ابن عبد البر في ترجمة ابن عباس: هو القائل: ما روي عنه من وجوه: إن يأخذ الله من عيني نورهما … ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي وعقلي غير ذي دخل … وفي فمي صارم كالسيف مأثور قال سالم بن أبي حفصة: عن أبي كلثوم، أن ابن الحنفية لما دفن ابن عباس قال: اليوم مات رباني هذه الأمة. ورواه بعضهم، فقال: عن "منذر الثوري" بدل "أبي كلثوم". قال حسين بن واقد المروزي: حدثنا أبو الزبير قال: لما مات ابن عباس، جاء طائر أبيض فدخل في أكفانه. رواها الأجلح، عن أبي الزبير، فزاد: فكانوا يرون أنه علمه. وروى عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير نحوه، وزاد: فما رئي بعد -يعني: الطائر.

стр. 2046

حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن بجير بن أبي عبيد قال: مات ابن عباس بالطائف، فلما خرجوا بنعشه جاء طير عظيم أبيض من قِبَل وج، حتى خالط أكفانه، ثم لم يروه، فكانوا يرون أنه علمه. قال ابن حزم، في كتاب "الإحكام": جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون -أحد أئمة الإسلام- فتاوى ابن عباس في عشرين كتابًا. أخبرنا أحمد بن سلامة في كتابه، عن ابن كليب، أخبرنا ابن بيان، أخبرنا ابن مخلد، أخبرنا الصفار، حدثنا ابن عرفة، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر لم ير على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجًا منه، فلمَّا دفن تليت هذه الآية على شفير القبر، لا يدرى من تلاها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]. رواه بسام الصيرفي، عن عبد الله بن يامين، وسَمَّى الطائر غرنوقًا. رواه فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران: شهدت جنازة ابن عباس … بنحو من حديث سالم الأفطس. فهذه قضية متواترة. قال علي بن المديني: توفي ابن عباس سنة ثمان أو سبع وستين. وقال الواقدي والهيثم وأبو نعيم: سنة ثمان، وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة. ومسنده ألف وست مائة وستون حديثًا، وله من ذلك في "الصحيحين" خمسة وسبعون، وتفرَّد البخاري له بمائة وعشرين حديثًا، وتفرَّد مسلم بتسعة أحاديث.

стр. 2047

٢٧٤ - أبو أمامة الباهلي (١): " ع" صاحب رسول الله ﷺ ، ونزيل حمص. روى علمًا كثيرًا، وحدَّث عن عمر، ومعاذ، وأبي عبيدة. روى عنه: خالد بن معدان، والقاسم أبو عبد الرحمن، وسالم بن أبي الجعد، وشرحبيل بن مسلم، وسليمان بن حبيب المحاربي، ومحمد بن زياد الألهاني، وسليم بن عامر، وأبو غالب حزور، ورجاء بن حيوة، وآخرون. قال خليفة: ومن قيس عيلان، ثم من بني أعصر: صدي بن عجلان بن وهب بن عريب بن وهب بن رياح بن الحارث بن معنّ بن مالك بن أعصر. قال سليم بن عامر: سمعت أبا أمامة، سمعت النبي ﷺ يقول في حجة الوداع، قلت: لأبي أمامة مثل من أنت يومئذ? قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة. وروي أنه بايع تحت الشجرة. رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة قلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة، فقال: "اللهمَّ سلمهم\ وغنّمهم"، فغزونا فسلمنا وغنمنا. وقلت: يا رسول الله، مرني بعمل، قال: "عليك بالصوم، فإنه لا مثل له"، فكان أبو أمامة، وامرأته، وخادمه لا يلفون إلَّا صيامًا (٢). الحسين بن واقد، وصدقة بن هرمز -بمعناه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة: أرسلني النبي ﷺ إلى باهلة، فأتيتهم فرحَّبوا بي، فقلت: جئت لأنهاكم عن هذا الطعام، وأنا رسول رسول الله لتؤمنوا به، فكذبوني وردّوني، فانطلقت وأنا جائع ظمآن، فنمت فأتيت في منامي بشربة من لبن، فشربت فشبعت، فعظم بطني، فقال القوم: أتاكم رجل من أشرافكم وخياركم فرددتموه? قال: فأتوني بطعام وشراب، فقلت: لا حاجة لي فيه، إن الله قد أطعمني وسقاني، فنظروا إلى حالي، فآمنوا. مسعر، عن أبي العنبس، عن أبي العدبَّس، عن أبي مرزوق، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، وهو متوكِئٌ على عصًا، فقمنا إليه، فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظّم بعضها بعضًا" (٣).

стр. 2048

ابن المبارك: حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا محمد بن زياد: رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي ويدعو، فقال: أنت أنت! لو كان هذا في بيتك. صفوان بن عمرو: حدثني سليم بن عامر قال: كنا نجلس إلى أبي أمامة فيحدثنا حديثًا كثيرًا عن رسول الله ﷺ ، ثم يقول: اعقلوا وبلغوا عنَّا ما تسمعون. لأبي أمامة كرامة باهرة، جزع هو منها، وهي في كرامات الداكالي، وأنَّه تصدق بثلاثة دنانير فلقي تحت كراجته ثلاث مائة دينار. إسماعيل بن عياش: حدثنا عبد الله بن محمد، عن يحيى بن أبي كثير، عن سعيد الأزدي قال: شهدت أبا أمامة وهو في النزع، فقال لي: يا سعيد! إذا أنا مت فافعلوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ ، قال لنا: "إذا مات أحدكم فنثرتم عليه التراب، فليقم رجل منكم عند رأسه، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمع، ولكنه لا يجيب، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي جالسًا، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ثم ليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا؛ شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًّا، وبمحمد نبيًّا، وبالإسلام دينًا، فإنه إذا فعل ذلك قال منكر ونكير: اخرج بنا من عند هذا، ما نصنع به، وقد لقن حجته"؟ قيل: يا رسول الله، فإن لم أعرف أمه قال: "انسبه إلى حواء". ويروى بإسناد آخر إلى سعيد هذا. قال المدائني، وجماعة: توفي أبو أمامة سنة ست وثمانين. وقال إسماعيل بن عياش: مات سنة إحدى وثمانين.

стр. 2049

٢٧٥ - عبد الله بن الزبير (١): " ع" ابن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة، أمير المؤمنين، أبو بكر، وأبو خبيب القرشي الأسدي المكي، ثم المدني، أحد الأعلام، ولد الحواري الإمام أبي عبد الله ابن عمة رسول الله ﷺ ، وحواريه. مسنده نحو من ثلاثة وثلاثين حديثًا، اتفقا له على حديث واحد، وانفرد البخاري بستة أحاديث، ومسلم بحديثين. كان عبد الله أوّل مولود للمهاجرين بالمدينة، ولد سنة اثنتين، وقيل: سنة إحدى. وله صحبة، ورواية أحاديث. عداده في صغار الصحابة، وإن كان كبيرًا في العلم والشرف والجهاد والعبادة. وقد روى أيضًا عن أبيه وجده لأمه الصديق، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وعن عمر، وعثمان، وغيرهم. حدث عنه: أخوه عروة الفقيه، وابناه؛ عامر وعباد، وابن أخيه؛ محمد بن عروة، وعبيدة السلماني، وطاوس، وعطاء، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وثابت البناني، وأبو الزبير المكي، وأبو إسحاق السبيعي، ووهب بن كيسان، وسعيد بن ميناء، وحفيداه: مصعب بن ثابت بن عبد الله، ويحيى بن عباد بن عبد الله، وهشام بن عروة، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير، وآخرون.

стр. 2050

وكان فارس قريش في زمانه، وله مواقف مشهودة. قيل: إنه شهد اليرموك وهو مراهق، وفتح المغرب، وغزو القسطنطينية، ويوم الجمل مع خالته. وبويع بالخلافة عند موت يزيد سنة أربع وستين، وحكم على الحجاز واليمن ومصر والعراق وخراسان، وبعض الشام، ولم يستوسق له الأمر، ومن ثَمَّ لم يعده بعض العلماء في أمراء المؤمنين، وعد دولته زمن فرقة، فإن مروان غلب على الشام ثم مصر، وقام عند مصرعه ابنه عبد الملك بن مروان، وحارب ابن الزبير، وقتل ابن الزبير ﵀، فاستقلَّ بالخلافة عبد الملك وآله، واستوسق لهم الأمر إلى أن قهرهم بنو العباس بعد ملك ستين عامًا. قيل: إن ابن الزبير أدرك من حياة رسول الله ﷺ ثمانية أعوام وأربعة أشهر، وكان ملازمًا للولوج على رسول الله؛ لكونه من آله، فكان يتردَّد إلى بيت خالته عائشة. شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وزوجته فاطمة قالا: خرجت أسماء حين هاجرت حبلى، فنَفِسَت بعبد الله بقباء، قالت أسماء: فجاء عبد الله بعد سبع سنين؛ ليبايع النبي ﷺ بذلك أبوه الزبير، فتبسَّم النبي ﷺ حين رآه مقبلًا، ثم بايعه. حديث غريب، وإسناده قوي (١). قال الواقدي: عن مصعب بن ثابت، عن يتيم عروة أبي الأسود قال: لما قدم المهاجرون أقاموا لا يولد لهم، فقالوا: سحرتنا يهود، حتى كثرت القالة في ذلك، فكان أول مولود ابن الزبير، فكبَّر المسلمون تكبيرة واحدة حتى ارتجت المدينة، وأمر النبي ﷺ أبا بكر فأذَّن في أذنيه بالصلاة (٢). وقال مصعب بن عبد الله؛ عن أبيه، قال: كان عارضا ابن الزبير خفيفين، فما اتصلت لحيته حتى بلغ الستين. وفي البخاري، عن عروة أنَّ الزبير أركب ولده عبد الله يوم اليرموك فرسًا وهو ابن عشر سنين، ووكَّل به رجلًا (٣). التبوذكي: حدثنا هنيد بن القاسم، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير: سمعت أبي

стр. 2051

يقول: أتى رسول الله ﷺ وهو يحتجم، فلمَّا فرغ قال: "يا عبد الله! اذهب بهذا الدم، فأهرقه حيث لا يراك أحد"، فلما برز عن رسول الله ﷺ ، عمد إلى الدم فشربه، فلمَّا رجع قال: "ما صنعت بالدم"؟ قال: عمدت إلى أخفى موضع علمت، فجعلته فيه، قال: "لعلك شربته"؟ قال: نعم. قال: "ولِمَ شربت الدم? "، ويل للناس منك، وويل لك من الناس" (١). قال موسى التبوذكي: فحدثت به أبا عاصم، فقال: كانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم. رواه أبو يعلى في "مسنده"، وما علمت في هنيد جرحة. خالد الحذاء، عن يوسف أبي يعقوب، عن محمد بن حاطب، والحارث قالا: طالما حرص ابن الزبير على الإمارة، قلت: وما ذلك? قالا: أتى رسول الله ﷺ بلص، فأمر بقتله. فقيل: إنه سرق، فقال: اقطعوه، ثم جيء به في إمرة أبي بكر وقد سرق، وقد قطعت قوائمه، فقال أبو بكر: ما أجد لك شيئًا إلَّا ما قضى فيك رسول الله ﷺ يوم أمر بقتلك، فأمر بقتله أغيلمة من أبناء المهاجرين؛ أنا فيهم، فقال ابن الزبير: أمِّروني عليكم، فأمَّرناه، فانطلقنا به إلى البقيع فقتلناه. هذا خبر منكر، فالله أعلم. قال الحارث بن عبيد: حدثنا أبو عمران الجوني، أنَّ نوفًا البكالي (٢) قال: إني لأجد في كتاب الله المنَزَّل أنَّ ابن الزبير فارس الخلفاء. مهدي بن ميمون: حدثنا محمد بن أبي يعقوب، أن معاوية كان يلقى ابن الزبير فيقول: مرحبًا بابن عمة رسول الله ﷺ ، وابن حواري رسول الله، ويأمر له بمائة ألف.

стр. 2052

ابن جريج، عن ابن أبي مليكة قال: ذُكِر ابن الزبير عند ابن عباس، فقال: قارئ لكتاب الله، عفيف في الإسلام، أبوه الزبير، وأمه أسماء، وجده أبو بكر، وعمته خديجة، وخالته عائشة، وجدته صفية، والله إني لأحاسب له نفسي محاسبة لم أحاسب بها لأبي بكر وعمر (١). مسلم الزنجي: سمعت عمرو بن دينار يقول: ما رأيت مصليًا قط أحسن صلاة من عبد الله بن الزبير. عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثتنا ماطرة المهرية، حدثتني خالتي أم جعفر بنت النعمان، أنها سلمت على أسماء بنت أبي بكر، وعندها ابن الزبير، فقالت: قوَّام الليل صوام النهار، وكان يسمى حمامة المسجد. قال ابن أبي مليكة: قال لي عمر بن عبد العزيز: إن في قلبك من ابن الزبير، قلت: لو رأيته ما رأيت مناجيًا ولا مصليًا مثله. وروى حبيب بن الشهيد، عن ابن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام، ويصبح في اليوم السابع وهو أليثنا. قلت: لعله ما بلغه النهي عن الوصال، ونبيك ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، وكل من واصل وبالغ في تجويع نفسه انحرف مزاجه، وضاق خلقه، فاتباع السنة أَوْلى، ولقد كان ابن الزبير مع ملكه صنفًا في العبادة. أخبرنا إسحاق بن طارق، أخبرنا ابن خليل، أخبرنا أحمد بن محمد، أخبرنا الحداد، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا أبو حامد بن جبلة، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، حدثنا أبو عاصم، عن عمر بن قيس قال: كان لابن الزبير مائة غلام، يكلّم كل غلام منهم بلغة أخرى، فكنت إذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين، وإذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد الله طرفة عين. وقال مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة كأنه عود، وحُدِّثَ أن أبا بكر ﵁ كان كذلك. قال ثابت البناني: كنت أمُرُّ بابن الزبير وهو خلف المقام يصلي كأنه خشبة منصوبة لا تتحرك.

стр. 2053

روى يوسف بن الماجشون، عن الثقة يسنده قال: قسم ابن الزبير الدهر على ثلاث ليال، فليلة هو قائم حتى الصباح، وليلة هو راكع حتى الصباح، وليلة هو ساجد حتى الصباح. يزيد بن إبراهيم التستري، عن عبد الله بن سعيد، عن مسلم بن ينَّاق قال: ركع ابن الزبير يومًا ركعة، فقرأنا بالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة، وما رفع رأسه. قلت: وهذا ما بلغ ابن الزبير فيه حديث النهي. قال يزيد بن إبراهيم، عن عمرو بن دينار قال: كان ابن الزبير يصلي في الحجر، والمنجنيق يصب توبه، فما يلتفت -يعني لما حاصروه. وروى هشام بن عروة، عن ابن المنكدر قال: لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن تصفقه الريح، وحجر المنجنيق يقع ههنا. أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق قال: ما رأيت أحدًا أعظم سجدة بين عينيه من ابن الزبير. مصعب بن عبد الله: حدثنا أبي، عن عمر بن قيس، عن أمه، أنها دخلت على ابن الزبير بيته، فإذا هو يصلي، فسقطت حية على ابنه هاشم، فصاحوا: الحية الحية، ثم رموها، فما قطع صلاته. قال ميمون بن مهران: رأيت ابن الزبير يواصل من الجمعة إلى الجمعة، فإذا أفطر استعان بالسمن حتى يلين. ليث، عن مجاهد: ما كان باب من العبادة يعجز عنه الناس إلَّا تكفَّله ابن الزبير، ولقد جاء سيل طبق البيت، فطاف سباحة. وعن عثمان بن طلحة قال: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة: شجاعة، ولا عبادة، ولا بلاغة. إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن أنس، أن عثمان أمر زيدًا وابن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوا المصاحف، وقال: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم (١).

стр. 2054

قال أبو نعيم: حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال: رأيت على ابن الزبير رداء عدنيًّا يصلي فيه، وكان صيتًا إذا خطب تجاوب الجبلان، وكانت له جمة إلى العنق، ولحية صفراء. مصعب بن عبد الله: حدثنا أبي والزبير بن خبيب قالا: قال ابن الزبير: هجم علينا جرجير في عشرين ومائة ألف، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفًا -يعني: نوبة إفريقية. قال: واختلف الناس على ابن أبي سرح، فدخل فسطاطه، فرأيت غرة من جرجير، بصرت به خلف عساكره على برذون أشهب، معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس، بينه وبين جيشه أرض بيضاء، فأتيت أميرنا ابن أبي سرح، فندب لي الناس، فاخترت ثلاثين فارسًا، وقلت لسائرهم: البثوا على مصافّكم، وحملت، وقلت لهم: احموا ظهري، فخرقت الصفَّ إلى جرجير، وخرجت صامدًا وما يحسب هو ولا أصحابه إلَّا أني رسول إليه، حتى دنوت منه، فعرف الشر، فثابر برذونه موليًا، فأدركته فطعنته، فسقط، ثم احتززت رأسه، فنصبته على رمحي وكبَّرت، وحمل المسلمون، فارفضّ العدو، ومنح الله أكتافهم. معمر، عن هشام بن عروة قال: أخذ ابن الزبير من وسط القتلى يوم الجمل، وبه بضع وأربعون ضربة وطعنة. وقيل: إن عائشة أعطت يومئذ لمن بشَّرها بسلامته عشرة آلاف. وعن عروة قال: لم يكن أحد أحبَّ إلى عائشة بعد رسول الله من أبي بكر، وبعده ابن الزبير. قال الواقدي: حدثنا ربيعة بن عثمان، وابن أبي سبرة، وغيرهما قالوا: جاء نعي يزيد في ربيع الآخر سنة أربع وستين، فقام ابن الزبير فدعا إلى نفسه، وبايعه الناس، فدعا ابن عباس وابن الحنفية إلى بيعته، فامتنعا، وقالا: حتى يجتمع لك الناس، فداراهما سنتين، ثم إنه أغلظ لهما، ودعاهما فأبيا. قال مصعب بن عبد الله، وغيره: كان يقال لابن الزبير: عائذ بيت الله. وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عمَّته أم بكر قال: وحدثني شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، وحدثنا ابن أبي الزناد، وغيرهم قالوا: لما نزل ابن الزبير بالمدينة في خلافة معاوية … ، إلى أن قالوا: فخرج ابن الزبير إلى مكة، ولزم الحجر، ولبس المعافري، وجعل يحرِّض على بني أمية، ومشى إلى يحيى بن حكيم الجمحي

стр. 2055

والي مكة، فبايعه ليزيد، فلم يرض يزيد حتى يؤتى به في جامعة ووثاق، فقال له ولده معاوية بن يزيد: ادفع عنك الشر ما اندفع، فإن ابن الزبير لجوج لا يطيع لهذا أبدًا، فكفِّر عن يمينك، فغضب وقال: إن في أمرك لعجبًا! قال: فادع عبد الله بن جعفر فاسأله عمَّا أقول، فدعاه فقال له: أصاب ابنك أبو ليلى، فأبى أن يقبل، وامتنع ابن الزبير أن يذِلّ نفسه، وقال: اللهمَّ إني عائذ بيتك. فقيل له: عائذ البيت، وبقي لا يعرض له أحد، فكتب يزيد إلى عمرو الأشدق والي المدينة، أن يجهز إلى ابن الزبير جندًا، فندب لقتاله أخاه عمرو بن الزبير في ألف، فظفر ابن الزبير بأخيه بعد قتال، فعاقبه وأخر عن الصلاة بمكة الحارث بن يزيد، وقرر مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وكان لا يقطع أمرًا دون المسور بن مخرمة، ومصعب بن عبد الرحمن، وجبير بن شيبة، وعبد الله بن صفوان بن أمية، فكان يشاورهم في أمره كله، ويريهم أن الأمر شورى بينهم، لا يستبد بشيء منه دونهم، ويصلي بهم الجمعة، ويحجّ بهم بلا إمرة، وكانت الخوارج وأهل الفتن قد أتوه، وقالوا: عائذ بيت الله، ثم دعا إلى نفسه، وبايعوه، وفارقته الخوارج، فولَّى على المدينة أخاه مصعبًا، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى الكوفة عبد الله بن مطيع، وعلى مصر عبد الرحمن بن جحدم الفهري، وعلى اليمن وعلى خراسان، وأمَّر على الشام الضحاك بن قيس، فبايع له عامَّة أهل الشام، وأبت طائفة، والتفَّت على مروان بن الحكم، وجرت أمور طويلة، وحروب مزعجة، وجرت وقعة مرج راهط، وقُتِلَ ألوف من العرب، وقُتِلَ الضحاك، واستفحل أمر مروان، إلى أن غلب على الشام، وسار في جيش عرمرم، فأخذ مصر، واستعمل عليها ولده عبد العزيز، ثم دهمه الموت، فقام بعده ولده الخليفة عبد الملك، فلم يزل يحارب ابن الزبير حتى ظفر به، بعد أن سار إلى العراق، وقتل مصعب بن الزبير. قال شعيب بن إسحاق: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، أن يزيد كتب إلى ابن الزبير: إني قد بعثت إليك بسلسلة فضة، وقيدًا من ذهب، وجامعة من فضة، وحلفت لتأتيني في ذلك، فألقى الكتاب وأنشد: ولا ألين لغير الحق أسأله … حتى يلين لضرس الماضغ الحجر قلت: ثم جهَّز يزيد جيشًا ستة آلاف؛ إذ بلغه أنَّ أهل المدينة خلعوه، فجرت وقعة الحرة، وقُتِلَ نحو ألف من أهل المدينة، ثم سار الجيش عليهم حصين بن نمير، فحاصروا الكعبة وبها ابن الزبير، وجرت أمور عظيمة، فقلع الله يزيد، وبايع حصين وعسكره ابن الزبير بالخلافة، ورجعوا إلى الشام.

стр. 2056

قال شباب: حضر ابن الزبير الموسم سنة ثنتين وسبعين، فحج بالناس، وحج بأهل الشام الحجاج، ولم يطوفوا بالبيت. قال هشام بن عروة: أوّل من كسا الكعبة الديباج ابن الزبير، وكان يطيبها، حتى يوجد ريحها من طرف الحرم، وكانت كسوتها قَبله الأنطاع. قال عبد الله بن شعيب الحجبي: إن المهدي لما جرَّد الكعبة، كان فيما نزع عنها كسوة الزبير من ديباج مكتوب عليها: "لعبد الله أبي بكر أمير المؤمنين". وقال الأعمش: عن أبي الضحى: رأيت على رأس ابن الزبير مسكًا يساوي مالًا. قلت: عيب ابن الزبير ﵁ بشح، فروى الثوري، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عبد الله بن مساور، سمع ابن عباس يعاتب ابن الزبير في البخل، ويقول: قال رسول الله ﷺ : "ليس المؤمن الذي يبيت شبعان وجاره جائع" (١). وروى عبيد الله بن عمر، عن ليث قال: كان ابن عباس يكثر أن يعنِّف ابن الزبير بالبخل، فقال: كم تعيرني. يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى، عن عثمان، أنَّ ابن الزبير قال له حيث حصر: إن عندي نجائب، فهل لك أن تتحول إلى مكة، فيأتيك من أراد أن يأتيك? قال: لا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يلحد بمكة كبش من قريش، اسمه عبد الله، عليه مثل نصف أوزار الناس".

стр. 2057

رواه أحمد في "مسنده" (١)، وفي إسناده مقال. عباس الترقفي: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يلحد بمكة رجل من قريش يقال له: عبد الله، عليه نصف عذاب العالم"، فوالله لا أكونه، فتحوَّل منها، وسكن الطائف. قلت: محمد هو المصيصي ليّن، واحتجَّ به أبو داود، والنسائي. أبو النضر: حدثنا إسحاق بن سعيد، أخبرنا سعيد بن عمرو قال: أتى عبد الله بن عمرو عبد الله بن الزبير، فقال: إياك والإلحاد في حرم الله، فأشهد؛ لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحلها -وتحل به- رجل من قريش، لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها". قال: فانظر يا ابن عمرو لا تكونه، وذكر الحديث. شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، قال: قلت لأبي: من هم? قال: ابن الزبير بغَى على أهل الشام. ورواه يونس، عن الزهري، وفيه: بغى على هؤلاء، ونكث عهدهم. الزبير بن بكار: حدثني خالد بن وضَّاح، حدثني أبو الخصيب نافع مولى آل الزبير، عن هشام بن عروة قال: رأيت الحجر من المنجنيق يهوي حتى أقول: لقد كاد أن يأخذ لحية ابن الزبير، وسمعته يقول: والله إن أبالي إذا وجدت ثلاث مائة يصبرون صبري لو أجلب عليَّ أهل الأرض. قلت: قد كان يضرب بشجاعته المثل.

стр. 2058

وعن المنذر بن جهم قال: رأيت ابن الزبير يوم قُتِلَ، وقد خذله من كان معه خذلانًا شديدًا، وجعلوا يتسللون إلى الحجاج، وجعل الحجَّاج يصيح: أيها الناس، علام تقتلون أنفسكم? من خرج إلينا فهو آمن، لكم عهد الله وميثاقه، ورب هذه البنية لا أغدر بكم، ولا حاجة في دمائكم. قال: فتسلل إليه نحو من عشرة آلاف، فلقد رأيت ابن الزبير وما معه أحد. وعن إسحاق بن أبي إسحاق قال: حضرت قَتْل ابن الزبير، جعلت الجيوش تدخل عليه من أبواب المسجد، فكلما دخل قوم من باب حمل عليهم وحده حتى يخرجهم، فبينا هو على تلك الحال؛ إذ وقعت شرفة من شرفات المسجد على رأسه فصرعته، وهو يتمثَّل: أسماء يا أسماء لا تبكيني … لم يبق إلَّا حسبي وديني وصارم لاثت به يميني قلت: ما إخال أولئك العسكر إلَّا لو شاءوا لأتلفوه بسهامهم، ولكن حرصوا على أن يمسكوه عنوة، فما تهيأ لهم، فليته كفَّ عن القتال لما رأى الغلبة، بل ليته لا التجأ إلى البيت، ولا أحوج أولئك الظلمة والحجَّاج -لا بارك الله فيه- إلى انتهاك حرمة بيت الله وأمنه، فنعوذ بالله من الفتنة الصماء. الواقدي: حدثنا فروة بن زبيد، عن عباس بن سهل، سمعت ابن الزبير يقول: ما أراني اليوم إلَّا مقتولًا، لقد رأيت في ليلتي كأنَّ السماء فرجت لي فدخلتها، فقد والله مللت الحياة وما فيها، ولقد قرأ يومئذ في الصبح ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١] حرفًا حرفًا، وإن سيفه لمسلول إلى جنبه. الواقدي: حدثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه قال: سمع ابن عمر التكبير، فيما بين المسجد إلى الحجون حين قُتِلَ ابن الزبير، فقال: لمن كبر حين وُلِدَ أكثر وخير ممن كَبَّر لقتله. معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: قال ابن الزبير: ما شيء كان يحدثنا كعب إلَّا قد أتى على ما قال، إلَّا قوله: فتى ثقيف يقتلني، وهذا رأسه بين يدي -يعني: المختار الكذاب. زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد، أنَّ ابن عمر قال لغلامه: لا تمر بي على ابن الزبير -يعني: وهو مصلوب، قال: فغفل الغلام، فمَرّ به، فرفع رأسه فرآه، فقال:

стр. 2059

رحمك الله أبا خبيب، ما علمتك إلَّا صوَّامًا قوامًا، وصولًا لرحمك، أما والله إني لأرجو مع مساوئ ما قد علمت أن لا يعذبك الله، ثم قال: حدثني أبو بكر الصديق، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا" (١). قال ابن أبي الدنيا في كتاب "الخلفاء": صلبوا ابن الزبير منكَّسًا، وكان آدم نحيفًا، ليس بالطويل، بين عينيه أثر السجود، بعث عماله إلى المشرق كله، والحجاز. قال جويرية ابن أسماء، عن جدته: إنَّ أسماء بنت أبي بكر غسَّلت ابن الزبير بعد ما تقطعت أوصاله، وجاء الإذن من عبد الملك بن مروان عندما أبى الحجَّاج أن يأذن لها، فحنَّطته وكفَّنته، وصلَّت عليه، وجعلت فيه شيئًا حين رأته يتفسَّخ إذا مسته. وقال مصعب بن عبد الله: حملته أمه فدفنته بالمدينة في دار صفية أم المؤمنين، ثم زيدت دار صفية في المسجد، فهو مدفون مع النبي ﷺ ، يعني: بقربه. قال ابن إسحاق، وعدة: قُتِلَ في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين. ووهم ضمرة وأبو نعيم، فقالا: قُتِل سنة اثنتين. عاش نيفًا وسبعين سنة ﵁. وماتت أمه بعده بشهرين أو نحو ذلك، ولها قريب من مائة عام. هي آخر من ماتت من المهاجرات الأُوَل ﵂، ويقال لها: ذات النطاقين، كانت أسنّ من عائشة بسنوات. روت عدة أحاديث.

стр. 2060

حدَّث عنها: أولادها؛ عبد الله وعروة، وابن العباس، وفاطمة بنت المنذر، وابن أبي مليكة، ووهب بن كيسان، وابن المنكدر، والمطلب بن عبد الله، وخلق. وهي وابنها عبد الله، وأبوها أبو بكر، وجدّها أبو قحافة صحابيون، أضرَّت بأخرة. قال ابن أبي الزناد: كانت أكبر من عائشة بعشر سنين. قلت: فعلى هذا يكون عمرها إحدى وتسعين سنة. وأمَّا هشام بن عروة، فقال: عاشت مائة سنة، ولم يسقط لها سنّ، وقد طلقها الزبير قبل موته زمن عثمان. وقال القاسم بن محمد: كانت أسماء لا تدَّخر شيئًا لغد. وقيل: أعتقت عدة مماليك، وقد استوفيت ترجمتها في "تاريخ الإسلام" ﵂. ومن أولادها: عروة بن الزبير الفقيه.

стр. 2061

ومنهم: ٢٧٦ - المنذر بن الزبير (١): الأمير، أبو عثمان، أحد الأبطال، وُلِدَ زمن عمر، وكان مِمَّن غزا القسطنطينية مع يزيد، ووفد بعد عليه. قال الزبير: فحدثني مصعب بن عثمان، أنَّ المنذر غاضب أخاه عبد الله، فسار إلى الكوفة، ثم وفد على معاوية، فأكرمه وأجازه بألف ألف درهم، لكن مات معاوية قبل أن يقبض المنذر الجائزة، ووصَّى معاوية أن ينزل المنذر في قبره، وكان بالكوفة لما بلغه خلاف أخيه على يزيد، فأسرع إلى أخيه بمكة في ثمان ليالٍ، فلمَّا حاصر الشاميون ابن الزبير سنة أربع وستين قُتِلَ تلك الأيام المنذر ﵀. وبنته فاطمة بنت المنذر لها رواية عالية، وهي زوجة هشام بن عروة. عاش المنذر أربعين سنة.

стр. 2062

٢٧٧ - عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب (١): الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ . وأمه عاتكة بنت أبي وهب المخزومية، من مسلمة الفتح. لا نعلم له رواية، كان موصوفًا بالشجاعة والفروسية. ولما تُوفِّي رسول الله ﷺ كان لهذا نحو من ثلاثين سنة. قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني هشام بن عمارة، عن أبي الحويرث قال: أوَّل من قتل يوم أجنادين بطريقٌ، برز يدعو إلى البراز، فبرز إليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، فاختلفا ضربات، ثم قتله عبد الله، ثم برز آخر، فضربه عبد الله على عاتقه، وقال: خذها وأنا ابن عبد المطلب، فأثبته وقطع سيفه الدرع، وأشرع في منكبه، ثم ولَّى الروميّ منهزمًا. وعزم عليه عمرو بن العاص أن لا يبارز، فقال: لا أصبر، فلمَّا اختلطت السيوف وجد في ربضة من الروم عشرة مقتولًا وهم حوله، وقائم السيف في يده قد غري، وإن في وجهه لثلاثين ضربة. قال الواقدي: فحدثت بهذا الزبير بن سعيد النوفلي، فقال: سمعت شيوخنا يقولون: لما انهزمت الروم يومئذ انطلق الفضل بن عباس في مائة نحوًا من ميل، فيجد عبد الله مقتولًا في عشرة من الروم قد قتلهم، فقبروه. قال الواقدي: وأجنادين (٢) كانت يوم الاثنين، لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة. وإنما ضممت هذا البطل إلى البطل الذي قبله لاشتراكهما في الاسم والشجاعة. فأمَّا:

стр. 2063

٢٧٨ - عبد الله بن الزبير (١): بفتح الزاي، فهو الأسدي، أسد خزيمة، كوفي شاعر مشهور، له نظم بديع. وهو الذي امتدح معاوية، ثم قدم على ابن الزبير، فلم يعطه شيئًا، فقال: لعن الله ناقةً حملتني إليك، فقال: إنَّ وراكبها. وقدم العراق على مصعب، وله أخبار. ذكرته للتمييز.

стр. 2064

٢٧٩ - واثلة بن الأسقع (١): " ع" ابن كعب بن عامر، وقيل: واثلة بن الأسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل بن ناشب الليثي، من أصحاب الصُّفَّة. أسلم سنة تسع، وشهد غزوة تبوك، وكان من فقراء المسلمين ﵁، طال عمره. وفي كنيته أقوال: أبو الخطاب، وأبو الأسقع، وقيل: أبو قرصافة، وقيل: أبو شداد. له عدة أحاديث. روى عنه: أبو إدريس الخولاني، وشداد أبو عمَّار، وبسر بن عبيد الله، وعبد الواحد النصري، ومكحول، ويونس بن ميسرة بن حلبس، وإبراهيم بن أبي عبلة، وربيعة بن يزيد القصير، ويحيى بن الحارث الذماري، وخلق، آخرهم: مولاه؛ معروف الخياط، الباقي إلى سنة ثمانين ومائة. وله رواية أيضًا، عن أبي مرثد الغنوي، وأبي هريرة. وله مسجد مشهور بدمشق، وسكن قرية البلاط مدة، وله دار عند دار ابن البقال بدرب … صدقة بن خالد: حدثنا زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة قال: كنا

стр. 2065

أصحاب الصفة ما منَّا رجل له ثوب تام، ولقد اتخذ العرق في جلودنا طرقًا من الغبار؛ إذ أقبل علينا النبي ﷺ ، فقال: "ليبشر الفقراء المهاجرين". الأوزاعي: حدثنا أبو عمار -رجل منَّا، حدثني واثلة بن الأسقع، أن النبي ﷺ أخذ حسنًا وحسينًا وفاطمة، ولفَّ عليهم ثوبه، وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، "اللهم هؤلاء أهلي". قال واثلة: فقلت يا رسول الله، وأنا من أهلك? قال: "وأنت من أهلي" قال: فإنها لمن أرجى ما أرجو. هذا حديث حسن غريب. قال مكحول: عن واثلة قال: إذا حدثتكم بالحديث على معناه، فحسبكم. هشام بن عمار: حدثنا معروف الخياط قال: رأيت واثلة بن الأسقع يملي عليهم الأحاديث. روى إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن خالد: توفي واثلة في سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وخمس سنين. اعتمده البخاري وغيره. وقال أبو مسهر وعدة: مات سنة خمس وثمانين، وله ثمان وتسعون سنة. قال قتادة: آخر من مات من الصحابة بدمشق واثلة بن الأسقع. الوليد بن مسلم: أخبرنا سعيد بن عبد العزيز، وغيره، أنَّ واثلة [قال]: وقفت في ظلمة قنطرة قينية ليخفى على الخارجين من باب الجابية موقفي. وعن بسر بن عبيد الله، عن واثلة قال: فأسمع صرير باب الجابية، فمكثت، فإذا بخيل عظيمة فأمهلتها، ثم حملت عليهم وكَبَّرت، فظنوا أنهم أحيط بهم، فانهزموا إلى البلد، وأسلموا عظيمهم، فدعسته بالرمح ألقيته عن برذونه، وضربت يدي على عنان البرذون، وركضت، والتفتوا، فلمَّا رأوني وحدي تبعوني، فدعست فارسًا بالرمح فقتلته، ثم دنا آخر فقتلته، ثم جئت خالد بن الوليد فأخبرته، وإذا عنده عظيم من الروم يلتمس الأمان لأهل دمشق.

стр. 2066

٢٨٠ - عبد الله بن الحارث بن جزء (١): " د، ت، ق" الصحابي العالم المعمّر، شيخ المصريين، أبو الحارث الزبيدي المصري. شهد فتح مصر وسكنها، فكان آخر الصحابة بها موتًا. له جماعة أحاديث، روى عنه أئمة. حدَّث عنه: يزيد بن أبي حبيب، وعقبة بن مسلم، وعبيد الله بن المغيرة، وسليمان بن زياد الحضرمي، وعمرو بن جابر الحضرمي، وآخرون. وزعم من لا معرفة له أنَّ الإمام أبا حنيفة لقيه وسمع منه، وهذا جاء من رواية رجل متَّهم بالكذب، ولعلَّ أبا حنيفة أخذ عن عبد الله بن الحارث الزبيدي الكوفي، أحد التابعين، فهذا محتمل، وأمَّا الصحابي، فلم يره أبدًا، ويزعم الواضع أنَّ الإمام ارتحل به أبوه، ودار على سبعة من الصحابة المتأخرين، وشافههم، وإنما المحفوظ أنه رأى أنس بن مالك لما قَدِمَ عليهم الكوفة. نعم، وصاحب الترجمة؛ هو ابن أخي الصحابي محمية بن جزء الزبيدي. وقد طال عمره وعمَّر، ومات بقرية سفط القدور من أسفل مصر، في سنة ست وثمانين، وقيل: توفي سنة سبع، وقيل: سنة خمس وثمانين، والأوّل أصح وأشهر. له رواية في "سنن أبي داود"، و"جامع أبي عيسى"، و"سنن القزويني"، والله أعلم.

стр. 2067

٢٨١ - عبد الله بن السائب (١): " بخ، م، (٤) " ابن أبي السائب صيفي بن عابد بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة، أبو عبد الرحمن، وأبو السائب، القرشي المخزومي المكي. مقرئ مكة، وله صحبة، ورواية. عداده في صغار الصحابة. وكان أبوه شريك النبي ﷺ قبل المبعث. قرأ عبد الله القرآن على أُبَيّ بن كعب، وحدَّث عنه أيضًا، وعن عمر. عرض عليه القرآن مجاهد، ويقال: إنَّ عبد الله بن كثير تلا عليه، فالله أعلم. وحدَّث عنه: ابن أبي مليكة، وعطاء، وابن بنته؛ محمد بن عباد بن جعفر، وولده؛ محمد بن عبد الله، ومحمد بن عبد الرحمن المخزومي، وغيرهم. وصلّى خلف النبي ﷺ بمكة، فقرأ بسورة المؤمنين (٢). قال مسلم وغيره: له صحبة. وروى أنس بن عياض، عن رجل، عن عبد الله بن السائب قال: اكتنيت بكنية جدي أبي السائب، وكان خليطًا للنبي ﷺ ، في الجاهلية، فقال النبي ﷺ : "نعم الخليط كان لا يشاري ولا يماري" (٣). ابن عيينة، عن داود بن شابور، عن مجاهد قال: كنَّا نفخر على الناس بقارئنا عبد الله بن السائب، وبفقيهنا عبد الله بن عباس، وبمؤذننا أبي محذورة، وبقاضينا عبيد بن عمير. قيل: مات ابن السائب في إمارة ابن الزبير. وقال ابن أبي مليكة: رأيت ابن عباس قام على قبر عبد الله بن السائب، فدعا له.

стр. 2068

٢٨٢ - المسور بن مخرمة (١): " ع" ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن قصي بن كلاب، الإمام الجليل، أبو عبد الرحمن، وأبو عثمان، القرشي الزهري. وأمه عاتكة؛ أخت عبد الرحمن بن عوف، زهرية أيضًا. له صحبة ورواية. وعداده في صغار الصحابة، كالنعمان بن بشير، وابن الزبير. وحدَّث أيضًا عن خاله، وأبي بكر، وعمر، وعثمان. حدّث عنه: علي بن الحسين، وعروة، وسليمان بن يسار، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وولداه؛ عبد الرحمن، وأم بكر، وطائفة. قدِمَ دمشق بريدًا من عثمان يستصرخ بمعاوية. وكان ممن يلزم عمر، ويحفظ عنه. وقد انحاز إلى مكة مع ابن الزبير، وسخط إمرة يزيد، وقد أصابه حجر منجنيق في الحصار. قال الزبير بن بكار: كانت تغشاه، وينتحلونه. قال يحيى بن معين: مسور ثقة. عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، أنَّ المسور أخبره أنه قدم على معاوية، فقال: يا مسور! ما فعل طعنك على الأئمة? قال: دعنا من هذا وأحسن فيما جئنا له. قال: لتكلمنِّي بذات نفسك بما تعيب عليّ? قال: فلم أترك شيئًا إلَّا بينته، فقال: لا أبرأ من الذنب، فهل تعد لنا مما نلي من الإصلاح في أمر العامَّة، أم تعد الذنوب وتترك الإحسان? قلت: نعم. قال: فإنا نعترف لله بكل ذنب، فهل لك ذنوب في خاصَّتك تخشاها? قال: نعم، قال: فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولا أُخَيِّر بين الله وبين غيره إلَّا اخترت الله على سواه، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل، ويجزى فيه بالحسنات، قال: فعرفت أنه قد خصمني، قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلَّا صلى عليه. عن أم بكر، أنَّ أباها كان يصوم الدهر، وكان إذا قدم مكة طاف لكلِّ يوم غاب عنها سبعًا، وصلى ركعتين. الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عمته أم بكر بنت المسور، عن أبيها أنه، وجد يوم القادسية إبريق ذهب بالياقوت، والزبرجد فنفله سعد إياه، فباعه بمائة ألف. وفي "مسند أحمد"، ورواه مسلم عنه؛ حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن الوليد بن كثير، حدثني محمد بن عمرو بن حلحلة، أن ابن شهاب حدثه، أن علي بن الحسين حدثه، أنَّهم قدموا المدينة من عند يزيد مقتل الحسين، فلقيه المِسْوَر بن مخرمة، فقال: هل لك إليَّ من حاجة تأمرني بها? قلت: لا. قال: هل أنت معطي سيف رسول الله ﷺ ? فإني

стр. 2069

أخاف أن يغلبك القوم عليه، وايم الله، لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدًا حتى تبلغ نفسي، إنَّ علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل، فسمعت رسول الله ﷺ ، وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ محتلم، فقال: "إن فاطمة بضعة مني، وأنا أتخوّف أن تفتن في دينها"، ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إياه، فأحسن، قال: "حدثني فصدَّقني، ووعدني فوفَّى لي، وإني لست أحرِّم حلالًا، ولا أحلّ حرامًا، ولكن والله لا تجتمع ابنة رسول الله ﷺ وابنة عدو الله مكانًا واحدًا أبدًا" (١). ففيه أنَّ المسور كان كبيرًا محتلمًا إذ ذاك. وعن عطاء بن يزيد قال: كان ابن الزبير لا يقطع أمرًا دون المسور بمكة. وعن أبي عون قال: لما دنا الحصين بن نمير لحصار مكة، أخرج المسور سلاحًا قد حمله من المدينة، ودروعًا، ففرقها في موالٍ له فُرس جُلْد، فلمَّا كان القتال أحدقوا به، ثم انكشفوا عنه، والمسور يضري بسيفه، وابن الزبير في الرعيل الأوّل. وقتل موالي مسور من الشاميين نفرًا، وقيل: أصابه حجر المنجنيق، فانفلقت منه قطعة أصابت خدّ المسور وهو يصلي، فمرض ومات في اليوم الذي جاء فيه نعي يزيد. فعن أم بكر قالت: كنت أرى العظام تنزع من خده، بقي خمسة أيام ومات. وقيل: أصابه الحجر، فحمل مغشيًّا عليه، وبقي يومًا لا يتكلم، ثم أفاق، وجعل عبيد بن عمير يقول: يا أبا عبد الرحمن، كيف ترى في قتال هؤلاء؟ فقال: على ذلك قتلنا. قال: وولي ابن الزبير غسله، وحمله إلى الحجون، وإنا لنطأ به القتلى، ونمشي بين أهل الشام، فصلوا معنا عليه. قلت: كانوا قد علموا بموت يزيد، وبايعوا ابن الزبير. وعن أم بكر قالت: وُلِدَ المسور بمكة بعد الهجرة بعامين، وبها توفِّي لهلال ربيع الآخر سنة أربع وستين، وكذا أرَّخه فيها جماعة. وغلط المدائني فقال: مات في سنة ثلاث وسبعين من حجر المنجنيق.

стр. 2070

٢٨٣ - سليمان بن صُرد (١): " ع" الأمير، أبو مطرف، الخزاعي الكوفي، الصحابي. له رواية يسيرة. وعن أُبَيّ، وجبير بن مطعم. وعنه: يحيى بن يعمر، وعدي بن ثابت، وأبو إسحاق، وآخرون. قال ابن عبد البر: كان ممن كاتب الحسين ليبايعه، فلما عجز عن نصره ندم وحارب. قلت: كان ديِّنًا عابدًا، خرج في جيش تابوا إلى الله من خذلانهم الحسين الشهيد، وساروا للطلب بدمه، وسموا جيش التوَّابين. وكان هو الذي بارز يوم صفين حوشبًا ذا ظُلَيم، فقتله. حضَّ سليمان على الجهاد؛ وسار في ألوفٍ لحرب عبيد الله بن زياد، وقال: إن قتلت فأميركم المسيب بن نجبة. والتقى الجمعان، وكان عبيد الله في جيش عظيم، فالتحم القتال ثلاثة أيام، وقُتِلَ خلق من الفريقين، واستحر القتل بالتوَّابين شيعة الحسين، وقُتِلَ أمراؤهم الأربعة؛ سليمان، والمسيب، وعبد الله بن سعد، وعبد الله بن والي، وذلك بعين الوردة التي تُدْعَى رأس العين، سنة خمس وستين، وتحيِّز بمن بقي منهم رفاعة بن شداد إلى الكوفة.
следующие страницы →