٣٠٠ - أبو عِنَبَة الخَوْلاني (١): " ق"
الصحابي، المعمر. شهد اليرموك، وصاحب معاذ بن جبل، وسكن حمص.
حدث عنه: أبو الزاهرية حدير بن كريب، وبكر بن زرعة، وطلب بن سمير، ومحمد بن زياد الألهاني، وآخرون.
روينا في "سنن ابن ماجه": حدثنا هشام بن عمَّار، حدثنا الجراح بن مليح، حدثنا بكر بن زرعة، سمعت أبا عنبة الخولاني -وكان ممن صلَّى القبلتين مع رسول الله ﷺ ، وأكل الدم في الجاهلية- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم بطاعته".
قال يحيى بن معين: قال أهل حمص: هو من كبار التابعين، وأنكروا أن تكون له صحبة.
قلت: هذا يحمل على إنكارهم الصحبة التامَّة لا الصحبة العامَّة.
أحمد في "مسنده": حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا بقية، عن محمد بن زياد، حدثني أبو عنبة -قال سريج: وله صحبة، إن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبد خيرًا عسله". قيل: وما عسله؟ قال: "يفتح له عملًا صالحًا، ثم يقبضه عليه" (٢).
قال محمد بن سعد: له صحبة.
وقال أبو زرعة الدمشقي: أسلم ورسول الله ﷺ حيّ، وصحب معاذًا، أخبرني بذلك حيوة، عن بقية، عن ابن زياد.
وقال الدارقطني: مختلف في صحبته.
وروى إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، قال: قد رأيت أبا عنبة وكان هو وأبو فالج الأنماري قد أكلا الدم في الجاهلية، ولم يصحبا النبي ﷺ .
стр. 2102
٣٠١ - محمد بن حاطب (١): " ت، س، ق"
ابن الحارث بن معمر بن حبيب الجمحي.
مولده بالحبشة، هو وأخوه الحارث، فتوفي أبوهما هناك، وجدهم حبيب من كبار قريش، وهو ابن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب.
وأمه من المهاجرات، وهي أم جميل بنت المجلل.
وله صحبة، وحديث في الدفِّ في العرس. ويروي عن عليٍّ أيضًا.
روى عنه: بنوه؛ الحارث، وعمر، وإبراهيم، ولقمان، وحفيده؛ عثمان بن إبراهيم الجمحي، وسماك بن حرب، وسعد بن إبراهيم، الزهري، وأبو بلج يحيى بن سليم.
وهو أخو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من الرضاعة.
وقيل: هو أوّل من سمى محمدًا في الإسلام.
فأمَّا محمد بن مسلمة الأنصاري فسمِّي محمدًا قبل المبعث.
ويكنَّى محمد بن حاطب أبا إبراهيم.
زكريا بن أبي زائدة، عن سماك بن حرب، عن محمد بن حاطب، قال: تناولت قدرًا فاحترقت يدي، فانطلقت بي أمي إلى رجل جالس، فقالت له: يا رسول الله! وأدنتني منه، فجعل ينفث ويتكلم بكلام لا أدري ما هو، فسألت أمي بعد ذلك: ما كان يقول؟ قالت: كان يقول: "أذهب الباس -رب الناس- واشف أنت الشافي، لا شافي إلّا أنت" (٢).
سمعه منه: محمد بن بشر العبدي، وتابعه: شريك، وشعبة، ومسعر. رواه النسائي.
مات محمد بن خاطب سنة أربع وسبعين.
стр. 2103
٣٠٢ - السائب بن يزيد (١): " ع"
ابن سعيد بن ثمامة، أبو عبد الله، وأبو يزيد الكندي، المدني، ابن أخت نمر، وذلك شيء عرفوا به.
وكان جده سعيد بن ثمامة حليف بني عبد شمس.
قال السائب: حجَّ بي أبي مع النبي ﷺ وأنا ابن سبع سنين (٢).
قلت: له نصيب من صحبة ورواية.
حدث عنه: الزهري، وإبراهيم بن عبد الله بن قارظ، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والجعيد بن عبد الرحمن، وابنه؛ عبد الله بن السائب، وعمر بن عطاء بن أبي الخوار، وعبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وآخرون.
قال أبو معشر السندي: عن يوسف بن يعقوب، عن السائب، قال: رأيت النبي ﷺ قتل عبد الله بن خطل يوم الفتح، أخرجه من تحت الأستار، فضرب عنقه بين زمزم والمقام، ثم قال: "لا يقتل قرشي بعد هذا صبرًا".
عكرمة بن عمار: حدثنا عطاء مولى السائب، قال: كان السائب رأسه أسود من هامته إلى مقدم رأسه، وسائر رأسه -مؤخره، وعارضاه ولحيته أبيض. فقلت له: ما رأيت أعجب شعرًا منك! فقال لي: أَوَتدري مما ذاك يا بني؟ إن رسول الله ﷺ مَرَّ بي وأنا ألعب، فمسح يده على رأسي، وقال: "بارك الله فيك"، فهو لا يشيب أبدًا. يعني: موضع كفه.
يونس، عن الزهري، قال: ما اتخذ رسول الله ﷺ قاضيًا، ولا أبو بكر، ولا عمر، حتى قال عمر للسائب ابن أخت نمر: لو روَّحت عنِّي بعض الأمر، حتَّى كان عثمان.
قال عبد الأعلى الفروي: رأيت على السائب بن يزيد مطرف خز، وجبة خز، وعمامة خز.
يُرْوى عن الجعيد بن عبد الرحمن: وفاة السائب بن يزيد في سنة أربع وتسعين.
وقال الواقدي، وأبو مسهر، وجماعة: توفي سنة إحدى وتسعين. وشذّ الهيثم بن عدي، فقال: مات سنة ثمانين.
стр. 2104
٣٠٣ - جبير بن الحويرث (١):
ابن نقيد بن بُجَير بن عبد بن قصي بن كلاب القرشي. وقيل في نسبه هكذا، لكن بحذف بجير.
صحابي صغير، له رؤية بلا رواية، وحدَّث عن أبي بكر، عمر.
حدَّث عنه: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع.
روى له سفيان بن عيينة: حدثنا عن محمد بن المنكدر، فوَهِمَ، وقال: عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث، قال: رأيت أبا بكر واقفًا على قزح … ، فذكر الحديث.
قال الزبير بن بكار: كان الحويرث أبوه ممن أهدر النبي ﷺ دمه يوم الفتح.
وعن جبير: أنه شهد يوم اليرموك، فسمع أبا سفيان يحرِّضهم على الجهاد.
стр. 2105
٣٠٤ - قُثَم بن العباس (١): " ص"
ابن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي. ابن عمّ النبي ﷺ ، وأخو الفضل وعبد الله وعبيد الله وكثير.
وأمه هي أم الفضل، لبابة بنت الحارث الهلالية، وكانت ثانية امرأة أسلمت، أسلمت بعد خديجة. قاله الكلبي.
لقثم صحبة، وقد أردفه النبي ﷺ خلفه.
وكان أخا الحسين بن علي من الرضاعة.
وكان يشبه بالنبي ﷺ ، وهو قليل الرواية.
وعن ابن عباس، قال: كان آخر من خرج من لحد رسول الله ﷺ قثم.
ولما استخلف عليّ بن أبي طالب، استعمل قثم على مكة، فما زال عليها حتى قُتِلَ علي. قاله: خليفة بن خياط.
وقال الزبير بن بكار: استعمله علي على المدينة، وقيل: إنه لم يعقب.
قال ابن سعد: غزا قثم خراسان وعليها سعيد بن عثمان بن عفان، فقال له: أضرب لك بألف سهم؟ فقال: لا، بل خمس، ثم أعط الناس حقوقهم؛ ثم أعطني بعد ما شئت. وكان قثم ﵁ سيدًا ورعًا فاضلًا.
قال الزبير: سار قثم أيام معاوية مع سعيد بن عثمان إلى سمرقند، فاستُشْهِدَ بها.
قلت: لا شيء له في الكتب الستة.
وقد ذكره أبو عبد الله الحاكم في "تاريخ نيسابور"، فقال: كان شبيه النبي ﷺ وآخر الناس به عهدًا، وحديث أم الفضل ناطق بذلك بأسانيد كثيرة.
قال: فأمَّا وفاة قثم وموضع قبره فمختَلَف فيه، فقيل: إنه توفي بسمرقند، وبها قبره، وقيل: إنه توفي بمرو. قال الحاكم: والصحيح أن قبره بسمرقند.
قال: وسعيد بن عثمان بن عفان، أبو عبد الرحمن الأموي غزا خراسان، فورد نيسابور في عسكر؛ منهم جماعة من الصحابة والتابعين، ثم خرج منها إلى مرو، ومنها إلى جيحون، وفتح بُخَارَى وسمرقند.
سمع أباه وطلحة.
روى عنه: هانئ بن هانئ، وعبد الملك بن محمد بن عمرو بن حزم.
أخوه عبيد الله بن عباس سيأتي فيما بعد، إن شاء الله.
стр. 2106
أخوهما:
٣٠٥ - معبد بن عباس (١):
من صغار وَلَد العباس، وهو من أمّ الفضل.
له أولاد؛ عبد الله، وعباس، وميمونة.
وأمهم: أم جميل عامرية، وله بقية وذرية كثيرة.
стр. 2107
أخوهم:
٣٠٦ - كثير بن العباس (١):
أمه أم ولد. تابعي، يروي عن أبيه، وغيره.
وكان فقيهًا جليلًا صالحا ثقة. له عقب. قاله: ابن سعد.
أخوهم:
٣٠٧ - تَمَّام بن العباس (٢):
من أم ولد، وهو شقيق كثير.
قال ابن سعد: كان تَمَّام من أشد أهل زمانه بطشًا.
وله أولاد، وأولاد أولاد، فانقرضوا، وآخرهم: يحيى بن جعفر بن تَمَّام، مات زمن المنصور، وورثه أعمام المنصور، فأطلقوا الميراث كله لعبد الصمد بن عليّ.
أخوهم:
٣٠٨ - الفضل بن العباس (٣):
وأخوهم عبد الله مَرَّ.
стр. 2108
٣٠٩ - سعيد بن العاص (١): " م، س"
ابن أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، والد عمرو بن سعيد الأشدق، ووالد يحيى، القرشي الأموي المدني الأمير، قُتِلَ أبوه يوم بدر مشركًا، وخلف سعيدًا طفلًا.
قال أبو حاتم: له صحبة.
قال: لم يرو عن النبي ﷺ ، وروى عن عمر، وعائشة، وهو مُقِلّ.
حدث عنه: ابناه، وعروة، وسالم بن عبد الله.
وكان أميرًا شريفًا جوادًا ممدحًا، حليمًا، وقورًا، ذا حزم وعقل، يصلح للخلافة.
ولي إمرة المدينة غير مرة لمعاوية، وقد ولي إمرة الكوفة لعثمان بن عفان، وقد اعتزل الفتنة فأحسن، ولم يقاتل مع معاوية. ولما صفا الأمر لمعاوية وفد سعيد إليه فاحترمه، وأجازه بمال جزيل.
ولما كان على الكوفة غزا طبرستان فافتتحها. وفيه يقول الفرزدق:
ترى الغر الجحاجح (٢) من قريش … إذا ما الأمر ذو الحدثان عالا (٣)
قيامًا ينظرون إلى سعيد … كأنهم يرون به هلالًا
قال ابن سعد: توفي النبي ﷺ ولسعيد تسع سنين أو نحوها، ولم يزل في صحابة عثمان لقرابته منه، فولَّاه الكوفة لما عزل عنها الوليد بن عقبة، فقَدِمَها وهو شابّ مترف، فأضرَّ بأهلها، فوليها خمس سنين إلّا أشهرًا، ثم قام عليه أهلها وطردوه، وأمَّروا عليهم أبا موسى، فأبى، وجدَّد البيعة في أعناقهم لعثمان، فولَّاه عثمان عليهم.
стр. 2109
وكان سعيد بن العاص يوم الدار مع المقاتلة عن عثمان. ولما سار طلحة والزبير، فنزلوا بمر الظهران قام سعيد خطيبًا، وقال: أمَّا بعد، فإن عثمان عاش حميدًا، وذهب فقيدًا شهيدًا، وقد زعمتم أنكم خرجتم تطلبون بدمه، فإن كنتم تريدون ذا، فإن قتلته على هذه المطي، فميلوا عليهم. فقال مروان: لا، بل نضرب بعضهم ببعض. فقال المغيرة: الرأي ما رأى سعيد. ومضى إلى الطائف، وانعزل سعيد بن بمن اتبعه بمكة، حتى مضت الجمل وصفين.
قال قبيصة بن جابر: سألوا معاوية: من ترى للأمر بعدك؟ قال: أمَّا كريمة قريش فسعيد بن العاص … ، وذكر جماعة.
ابن سعد: حدثنا علي بن محمد، عن يزيد بن عياض، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: خطب سعيد بن العاص أمَّ كلثوم بنت علي بعد عمر، وبعث إليها بمائة ألف، فدخل عليها أخوها الحسين، وقال: لا تزوجيه. فقال الحسن: أنا أزوّجه، واتَّعدوا لذلك، فحضروا. فقال سعيد: وأين أبو عبد الله؟ فقال الحسن: سأكفيك. قال: فلعلَّ أبا عبد الله كره هذا، قال: نعم. قال: لا أدخل في شيء يكرهه. ورجع ولم يأخذ من المال شيئًا.
قال سعيد بن عبد العزيز الدمشقي: إنَّ عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص؛ لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله ﷺ .
وعن الواقدي: إن سعيدًا أصيب بمأمومة (١) يوم الدار، فكان إذا سمع الرعد غشي عليه.
وقال هشيم: قدم الزبير الكوفة وعليها سعيد بن العاص، فبعث إلى الزبير بسبع مائة ألف، فقبلها.
وقال صالح بن كيسان: كان سعيد بن العاص يخف بعض الخفة من المأمومة التي أصابته، وهو على ذلك من أوفر الرجال وأحلمه.
ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: كان مروان يسب عليًّا ﵁ في الجمع، فعزل بسعيد بن العاص، فكان لا يسبه.
قال ابن عيينة: كان سعيد بن العاص إذا قصده سائل وليس عنده شيء، قال: اكتب عليّ سجلًا بمسألتك الميسرة.
стр. 2110
وذكر عبد الأعلى بن حمَّاد: أنَّ سعيد بن العاص استسقى من بيت فسقوه، واتفق أن صاحب المنزل أراد بيعه لدَيْن عليه، فأدى عنه أربعة آلاف دينار. وقيل: إنه أطعم الناس في قحط حتى نفد ما في بيت المال، وادَّان، فعزله معاوية.
وقيل: مات وعليه ثمانون ألف دينار.
وعن سعيد، قال: القلوب تتغير، فلا ينبغي للمرء أن يكون مادحًا اليوم ذامًّا غدًا.
قال الزبير بن بكار: توفي سعيد بن العاص بقصره بالعرصة، على ثلاثة أميال من المدينة، وحُمِلَ إلى البقيع في سنة تسع وخمسين. كذا أرَّخه خليفة، وغيره.
وقال مسدد: مات مع أبي هريرة سنة سبع أو ثمان وخمسين. وقال أبو معشر: سنة ثمان.
وقيل: إن عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق سار بعد موت أبيه إلى معاوية، فباعه منزله وبستانه الذي بالعرصة بثلاث مائة ألف درهم. ويقال: بألف ألف درهم. قاله الزبير. وفي ذلك المكان يقول عمرو بن الوليد بن عقبة:
القصر ذو النخل والجمار (١) فوقهما … أشهى إلى النفس من أبواب جيرون
وقد كان سعيد بن العاص أحد من ندبه عثمان لكتابة المصحف؛ لفصاحته، وشبه لهجته بلهجة الرسول ﷺ .
فأمَّا ابنه:
стр. 2111
٣١٠ - عمرو الأشدق (١):
فمن سادة بني أمية، استخلفه عبد الملك بن مروان على دمشق لما سار ليملك العراق، فتوثَّب عمرو على دمشق، وبايعوه. فلمَّا توطدت العراق لعبد الملك، وقُتِلَ مصعب، رجع وحاصر عمرًا بدمشق، وأعطاه أمانًا مؤكدًا، فاغترَّ به عمرو، ثم بعد أيام غدر به وقتله، وخرجت أخته تندبه، وهي زوجة الوليد، فقالت:
أيا عين جودي بالدموع على عمرو … عشية تبتزُّ الخلافة بالغدر
غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل … وكلكم يبنى البيوت على غدر
وما كان عمرو غافلًا غير أنه … أتته المنايا غفلة وهو لا يدري
كأنَّ بنى مروان إذ يقتلونه … خشاش (٢) من الطير اجتمعن على صقر
لحى الله دنيا تعقب النار أهلها … وتهتك ما بين القرابة من ستر
ألا يا لقومى للوفاء وللغدر … وللمغلقين الباب قسرًا على عمرو
فرحنا وراح الشامتون عشية … كأن على أعناقهم فلق الصخر
وقد كان عمرو كتب إلى عبد الملك بهذه الأبيات:
يريد ابن مروان أمورًا أظنها … ستحمله منَّي على مركب صعب
أتنقض عهدًا كان مروان شده … وأكّد فيه بالقطيعة والكذب
فقدمه قبلي وقد كنت قبله … ولولا انقيادي كان كربًا من الكرب
وكان الذي أعطيت مروان هفوة … عنيت بها رأيًا وخطبًا من الخطب
فإن تنفذوا الأمر الذي كان بيننا … فنحن جميعًا في السهول وفي الرحب
وإن تعطها عبد العزيز ظلامة … فأولى بها منَّا ومنه بنو حرب
стр. 2112
٣١١ - الهرماس بن زياد بن مالك (١): " د، ق"
أبو حدير الباهلي.
عداده في صغار الصحابة. رأى النبي ﷺ يخطب بمنى على بعير.
عمَّر دهرًا.
حدَّث عنه: حنبل بن عبد الله، وعكرمة بن عمار. وقع لي حديثه عاليًا.
قال أبو عامر العقدي: حدثنا عكرمة بن عمار، عن الهرماس بن زياد، قال: رأيت النبي ﷺ يوم النحر يخطب على ناقته العضباء.
قلت: أظنّ الهرماس بقي حيًّا إلى حدود سنة تسعين.
стр. 2113
٣١٢ - قدامة بن عبد الله (١): " د، س، ق"
ابن عمار الكلابي العامري، عداده في صغار الصحابة الذين لهم رؤية، رأى النبي ﷺ يرمي الجمار. كنَّاه أبو العباس الدغولي: أبا عمران.
روى سفيان الثورى، وأبو داود الطيالسي، وأبو عاصم، وجماعة، عن أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد الله، قال: رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة على ناقة صهباء، لا ضرب ولا طرد، ولا جلد، ولا إليك إليك (٢).
كان قدامة يكون بنجد، عاش إلى بعد الثمانين.
وما علمت من يروي عنه سوى أيمن الحبشي المكي، والحديث: ففي "سنن النسائي"، و"الترمذي"، و"القزويني"، وفي "مسند الإمام"، ويقع لنا بالإجازة العالية.
стр. 2114
٣١٣ - سفيان بن وهب (١):
الصحابي، المعمر، أبو أيمن الخولاني، المصري.
حدَّث عن النبي ﷺ بحديث "مسند أحمد بن حنبل" و"بقي". وحدَّث عن: عمر، والزبير. وغزا المغرب زمن عثمان.
روى عنه: أبو عُشَّانة المعافري، وبكر بن سوادة، ويزيد بن أبي حبيب، والمغيرة بن زياد، وآخرون.
له أحاديث يسيرة. وقد طلبه صاحب مصر عبد العزيز بن مروان ليحدِّثه، فأتُي به محمولًا من الكبر.
عدَّه في الصحابة أحمد بن البرقي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وابن يونس، وغيرهم.
وأمَّا ابن سعد والبخاري فذكراه في التابعين، فالله أعلم.
وقد شهد حجة الوداع فيما قيل.
أرَّخ المسبحي وفاته: سنة إحدى وتسعين.
стр. 2115
٣١٤ - غضيف بن الحارث (١): " د، س، ق"
ابن زنيم، أبو أسماء السكوني، الكندي، الشامي.
عداده في صغار الصحابة، وله رواية.
وروى أيضًا عن: عمر، وأبي عبيدة، وبلال، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وطائفة.
حدَّث عنه: ولده؛ عبد الرحمن، وحبيب بن عبيد، وعبد الرحمن بن عائذ، ومكحول، وعبادة بن نُسَيّ، وسليم بن عامر، وشرحبيل بن مسلم، وأبو راشد الحبراني، وآخرون.
سكن حمص.
خيثمة: حدثنا سليمان بن عبد الحميد، حدثنا العلاء بن يزيد الثمالي، حدثنا عيسى بن أبي رزين الثمالي، سمعت غضيف بن الحارث، قال: كنت صبيًّا أرمي نخل الأنصار، فأتوا بي النبي ﷺ فمسح برأسي، وقال: "كل ما سقط، ولا ترم نخلهم" (٢).
стр. 2116
معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن غُضَيف بن الحارث الكندي: أنَّه رأى النبي ﷺ واضعًا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة (١).
حمَّاد بن سلمة، عن برد أبي العلاء، عن عبادة بن نُسَيّ، عن غضيف بن الحارث: أنه مَرَّ بعمر، فقال: نعم الفتى غضيف، فلقيت أبا ذر بعد ذلك، فقال: يا أخي! استغفر لي. قلت: أنت صاحب رسول الله ﷺ ، وأنت أحق أن تستغفر لي. قال: إني سمعت عمر يقول: نعم الفتى غضيف، وقد قال رسول الله ﷺ : "إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه" (٢). روى مكحول؛ عن غضيف، نحوه.
قال ابن أبي حاتم: له صحبة، قال أبي، وأبو زرعة: الصحيح أنه غضيف بن الحارث، وله صحبة. وقيل فيه: الحارث بن غضيف.
وقال ابن سعد: غضيف بن الحارث ثقة، في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام.
أبو اليمان، عن صفوان بن عمرو: أن غضيف بن الحارث كان يتولى لهم صلاة الجمعة إذا غاب خالد بن يزيد بن معاوية.
بقية، عن أبي بكر بن عبد الله، عن حبيب بن عبيد، عن غضيف، قال: بعث إلي عبد الملك، [فقال:] يا أبا أسماء! قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر. قال غضيف: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبك إليهما. قال: لِمَ؟ قال: لأنَّ النبي ﷺ قال: "ما أحدث قوم بدعة إلّا رفع مثلها من السنة".
رواه أحمد في "المسند" (٣).
قال أبو الحسن بن سميع: غضيف بن الحارث الثمالي من الأزد، حمصيّ.
قلت: توفي في حدود سنة ثمانين.
стр. 2117
٣١٥ - عبد الله بن جعفر (١): " ع"
ابن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم. السيد، العالم، أبو جعفر القرشي، الهاشمي، الحبشي المولد، المدني الدار، الجواد ابن الجواد ذي الجناحين.
له صحبة، ورواية، عداده في صغار الصحابة.
استشهد أبوه يوم مؤتة، فكفله النبي ﷺ ، ونشأ في حجره.
وروى أيضًا عن عمه عليّ، وعن أمه؛ أسماء بنت عميس.
حدَّث عنه: أولاده؛ إسماعيل، وإسحاق، ومعاوية، وأبو جعفر الباقر، وسعد بن إبراهيم، والقاسم بن محمد، وابن أبي مليكة، والشعبي، وعروة، وعباس بن سهل بن سعد، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وآخرون.
وهو آخر من رأى النبي ﷺ وصحبه من بني هاشم.
وله وفادة على معاوية، وعلى عبد الملك، وكان كبير الشأن، كريمًا جوادًا، يصلح للإمامة.
مهدي بن ميمون: حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر، قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه، فأسَرَّ إليَّ حديثا لا أحدِّث به أحدًا، فدخل حائطًا، فإذا جمل، فلمَّا رأى النبي ﷺ حنَّ وذرفت عيناه (٢)
стр. 2118
ضمرة بن ربيعة، عن علي بن أبي حملة، قال: وفد عبد الله بن جعفر على يزيد، فأمر له بألفي ألف.
قلت: ما ذاك بكثير، جائزة ملك الدنيا لمن هو أَوْلَى بالخلافة منه.
قال مصعب الزبيري: هاجر جعفر إلى الحبشة؛ فولدت له أسماء: عبد الله، وعونًا، ومحمدًا.
إسماعيل بن عياش، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنَّ عبد الله بن جعفر وابن الزبير بايعا النبي ﷺ وهما ابنا سبع سنين، فلمَّا رآهما النبي ﷺ تبسَّم وبسط يده وبايعهما.
محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر: أنَّ النبي ﷺ أتاهم بعد ما أخبرهم بقتل جعفر بعد ثالثة، فقال: "لا تبكوا أخي بعد اليوم". ثم قال: "ائتوني بيني أخي". فجيء بنا كأننا أفرخ، فقال: "ادعوا لي الحلاق". فأمره فحلق رءوسنا، ثم قال: "أما محمد؛ فشبه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله؛ فشبه خَلْقِي وخُلُقي"، ثم أخذ بيدي فأشالها، ثم قال: "اللهم اخلف جعفرًا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقته". قال: فجاءت أمنا، فذكرت يتمنا، فقال: "العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة"؟ رواه أحمد في "مسنده" (١).
وروى أيضًا لعاصم الأحول، عن مورق العجلي، عن عبد الله بن جعفر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقَّى بالصبيان من أهل بيته، وإنه قدم مرة من سفر، فسبق بي إليه، فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة، فأردفه خلفه، فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة (٢).
стр. 2119
فطر بن خليفة، عن أبيه، عن عمرو بن حريث، قال: مَرَّ النبي ﷺ بعبد الله بن جعفر وهو يلعب بالتراب، فقال: "اللهم بارك له في تجارته" (١).
قال الشعبي: كان ابن عمر إذا سلَّم على عبد الله بن جعفر، قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين (٢).
عن أبان بن تغلب، قال: ذكر لنا أنَّ عبد الله بن جعفر قَدِم على معاوية، وكانت له منه وفادة في كل سنة، يعطيه ألف ألف درهم، ويقضي له مائة حاجة.
قيل: إن أعرابيًّا قصد مروان، فقال: ما عندنا شيء، فعليك بعبد الله بن جعفر، فأتى الأعرابي عبد الله، فأنشأ يقول:
أبو جعفر من أهل بيت نبوة … صلاتهم للمسلمين طهور
أبا جعفر! ضن الأمير بماله … وأنت على ما في يدك أمير
أبا جعفر! يا ابن الشهيد الذي له … جناحان في أعلى الجنان يطير
أبا جعفر! ما مثلك اليوم أرتجي … فلا تتركني بالفلاوة أدور
فقال: يا أعرابي! سار الثقل، فعليك يالراحلة بما عليها، وإياك أن تخدع عن السيف، فإنى أخذته بألف دينار.
ويروى أن شاعرًا جاء إلى عبد الله بن جعفر، فأنشده:
رأيت أبا جعفر في المنام … كساني من الخز دراعه
شكوت إلى صاحبي أمرها … فقال: ستوتى بها الساعة
سيكسوكها الماجد الجعفري … ومن كفه الدهر نفاعه
ومن قال للجود: لا تعدني … فقال له: السمع والطاعة
فقال عبد الله لغلامه: أعطه جبتي الخز، ثم قال له: ويحك! كيف لم تر جبتى الوشى؟ اشتريتها بثلاث مائة دينار منسوجة بالذهب. فقال: أنام، فلعلي أراها. فضحك عبد الله، وقال: ادفعوها إليه.
قال أبو عبيدة: كان على قريش وأسد وكنانة يوم صفين عبد الله بن جعفر.
стр. 2120
حماد بن يزيد: أخبرنا هشام، عن محمد، قال: مَرَّ عثمان بسبخة، فقال: لمن هذه؟ فقيل: اشتراها عبد الله بن جعفر بستين ألفًا، فقال: ما يسرني أنها لي بنعل. فجزَّأها عبد الله ثمانية أجزاء؛ وألقى فيها العمال، ثم قال عثمان لعلي: ألا تأخذ على يدي ابن أخيك، وتحجر عليه؟ اشترى سبخة بستين ألفًا. قال: فأقبلت. فركب عثمان يومًا فرآها، فبعث إليه، فقال: وَلِّنى جزأين منها. قال: أما والله دون أن ترسل إلى من سفَّهتني عندهم، فيطلبون إلي ذلك، فلا أفعل. ثم أرسل إليه: إنى قد فعلت. قال: والله لا أنقصك جزأين من مائة ألف وعشرين ألفًا. قال: قد أخذتها.
وعن العُمَريّ: أنَّ ابن جعفر أسلف الزبير ألف ألف، فلمَّا توفى الزبير، قال ابن الزبير لابن جعفر: إني وجدت في كتب الزبير أنَّ له عليك ألف ألف. قال: هو صادق، ثم لقيه بعد، فقال: يا أبا جعفر! وَهِمت؛ المال لك عليه. قال: فهو له. قال: لا أريد ذلك.
عن الأصمعي: أنَّ امرأة أتت بدجاجة مسموطة، فقالت لابن جعفر: بأبي أنت! هذه الدجاجة كانت مثل بنتي، فآليت أن لا أدفنها إلّا في أكرم موضع أقدر عليه؛ ولا والله ما في الأرض أكرم من بطنك. قال: خذوها منها، واحملوا إليها. فذكر أنواعًا من العطاء، حتى قالت: بأبي أنت! إن الله لا يحب المسرفين.
هشام، عن ابن سيرين: أن رجلًا جلب سكرًا إلى المدينة فكسد، فبلغ عبد الله بن جعفر، فأمر قهرمانه أن يشتريه وأن ينهبه الناس.
ذكر الزبير بن بكار، أنَّ عبيد الله بن أبي مليكة، عن أبيه، عن جده، قال: دخل ابن أبي عمار وهوم يومئذ فقيه أهل الحجاز على نخَّاس، فعرض عليه جارية، فعلق بها، وأخذه أمر عظيم، ولم يكن معه مقدار ثمنها، فمشى إليه عطاء، وطاوس، ومجاهد، يعذلونه، وبلغ خبره عبد الله، فاشتراها بأربعين ألفًا، وزيِّنَها، وحلَّاها، ثم طلب ابن أبي عمَّار، فقال: ما فعل حبك فلانة؟ قال: هي التي هام قلبي بذكرها، والنفس مشغولة بها. فقال: يا جارية، أخرجيها. فأخرجتها ترفل في الحليّ والحلل، فقال: شأنك بها، بارك الله لك فيها. فقال: لقد تفضلت بشيء ما يتفضل به إلّا الله. فلمَّا ولَّى بها قال: يا غلام! احمل معه مائة ألف درهم. فقال: لئن -والله- وعدنا نعيم الآخرة فقد عجَّلت نعيم الدنيا.
ولعبد الله بن جعفر أخبار في الجود والبذل.
وكان وافر الحشمة، كثير التنعم، وممن يستمع الغناء.
قال الواقدي ومصعب الزبيري: مات في سنة ثمانين.
وقال المدائني: توفي سنة أربع أو خمس وثمانين.
وقال أبو عبيد: سنة أربع وثمانين، ويقال: سنة تسعين.
стр. 2121
٣١٦ - قَيْسُ بنُ عَائِذ (١): " س، ق":
أبو كاهل الأحمسي.
عداده في صغار الصحابة، نزل الكوفة، وهو بكنيته أشهر.
رأى النبي ﷺ يخطب على ناقته (٢).
حدَّث عنه: إسماعيل بن أبي خالد، وأبو معاذ رجل تابعي.
روى له أحمد، والنسائي، وابن ماجه.
بقي إلى حدود سنة ثمانين.
стр. 2122
٣١٧ - حُجْرُ بنُ عَدِيّ (١):
ابن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية الكندي، وهو جُحْر الخير، وأبوه عدي الأدبر. وكان قد طعن موليًا، فسُمِّيَ الأدبر، الكوفي، أبو عبد الرحمن الشهيد. له صحبة ووفادة.
قال غير واحد: وفد مع أخيه هانئ بن الأدبر، ولا رواية له عن النبي ﷺ ، وسمع من: عليّ، وعمَّار.
روى عنه: مولاه؛ أبو ليلى، وأبو البختري الطائي، وغيرهما.
وكان شريفًا، أميرًا مطاعًا، أمَّارًا بالمعروف، مقدمًا على الإنكار، من شيعة علي ﵄، شهد صفين أميرًا، وكان ذا صلاح وتعبد.
قيل: كذَّب زياد بن أبيه متولي العراق وهو يخطب، وحصبه مرة أخرى، فكتب فيه إلى
стр. 2123
معاوية. فعسكر حُجْر في ثلاثة آلاف بالسلاح، وخرج عن الكوفة، ثم بدا له وقعد، فخاف زياد من ثورته ثانيًا، فبعث به في جماعة إلى معاوية.
قال ابن سعد: كان حُجْر جاهليًّا إسلاميًّا، شهد القادسية، وهو الذي افتتح مرج عذراء، وكان عطاؤه في ألفين وخمس مائة. ولما قدم زياد واليًا دعا به، فقال: تعلم أني أعرفك، وقد كنت أنا وأنت على ما علمت من حب عليّ، وإنه قد جاء غير ذلك، فأنشدك الله أن يقطر لي من دمك قطرة، فأستفرغه كله، أملك عليك لسانك، وليسعك منزلك، وهذا سريري فهو مجلسك، وحوائجك مقضية لدي، فاكفني نفسك، فإني أعرف عجلتك، فأنشدك الله يا أبا عبد الرحمن في نفسك، وإياك وهذه السفلة أن يستزلوك عن رأيك، فإنك لو هنت عليَّ، أو استخففت بحقك، لم أخصك بهذا. فقال: قد فهمت، وانصرف.
فأتته الشيعة، فقالوا: ما قال لك؟ فأخبرهم. قالوا: ما نصح، فأقام وفيه بعض الاعتراض، والشيعة تختلف إليه، ويقولون: إنك شيخنا وأحقّ من أنكر، وإذا أتى المسجد مشوا معه. فأرسل إليه خليفة زياد على الكوفة عمرو بن حريث -وزياد بالبصرة: ما هذه الجماعة؟ فقال للرسول: تنكرون ما أنتم فيه؟ إليك وراءك أوسع لك، فكتب عمرو إلى زياد: إن كانت له حاجة بالكوفة فعجِّل. فبادر، ونفذ إلى حُجْر عدي بن حاتم، وجرير بن عبد الله، وخالد بن عرفطة، ليعذروا إليه، وأن يكفَّ لسانه، فلم يجبهم، وجعل يقول: يا غلام! أعلف البكر. فقال عدي: أمجنون أنت؟ أكلمك بما أكلمك، وأنت تقول هذا؟! وقال لأصحابه: ما كنت أظن بلغ به الضعف إلى كل ما أرى. ونهضوا فأخبروا زيادًا، [فأخبروه ببعض، وخزَّنوا بعضًا]، وحسَّنوا أمره، وسألوا زيادًا الرفق به، فقال: لست إذًا لأبي سفيان، فأرسل إليه الشرط والبخارية، فقاتلهم بمن معه، ثم انفضّوا عنه، وأُتِيَ به إلى زياد وبأصحابه، فقال: ويلك! ما لك؟ قال: إني على بيعتي لمعاوية، فجمع زياد سبعين، فقال: اكتبوا شهادتكم على حُجْر وأصحابه، ثم أوفدهم على معاوية، وبعث بِحُجْر وأصحابه إليه، فبلغ عائشة الخبر، فبعثت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية تسأله أن يخلي سبيلهم. فقال معاوية: لا أحب أن أراهم، هاتوا كتاب زياد، فقرئ عليه، وجاء الشهود. فقال معاوية: اقتلوهم عند عذراء. فقال حُجْر: ما هذه القرية؟ قالوا: عذراء (١). قال: أما -والله- إني لأوّل مسلم نَبَّحَ كلابها في سبيل الله، ثم أحضروا مصفودين (٢)، ودفع
стр. 2124
كل رجل منهم إلى رجل فقتله. فقال حُجْر: يا قوم، دعوني أصلي ركعتين. فتركوه فتوضأ وصلى ركعتين، فطوَّل. فقيل له: طوّلت، أجزعت؟ فقال: ما صليت صلاة أخفَّ منها، ولئن جزعت لقد رأيت سيفًا مشهورًا، وكفنًا منشورًا، وقبرًا محفورًا، وكانت عشائرهم قد جاءوهم بالأكفان، وحفروا لهم القبور. ويقال: بل معاوية الذي فعل ذلك، وقال حُجْر: اللهمَّ إنا نستعديك على أمتنا، فإنَّ أهل العراق شهدوا علينا، وإن أهل الشام قلتونا. فقيل له: مُدّ عنقك. فقال: إنَّ ذلك لدم ما كنت لأعين عليه.
وقيل: بعث معاوية هدبة بن فَيَّاض فقتلهم، وكان أعور، فنظر إليه رجل منهم من خثعم، فقال: إن صدقت الطير قتل نصفنا، ونجا نصفنا. فلمَّا قتل سبعة، بعث معاوية برسول بإطلاقهم، فإذا قد قتل سبعة، ونجا ستة، وكانوا ثلاثة عشر.
وقدم ابن هشام برسالة عائشة، وقد قتلوا، فقال: يا أمير المؤمنين! أين عزب عنك حلم أبي سفيان؟ قال: غيبة مثلك عني -يعني: أنه ندم.
وقالت هند الأنصارية -وكانت شيعية؛ إذ بعث بحجر إلى معاوية:
ترفَّع أيها القمر المنير … ترفَّع هل ترى حجرًا يسير؟
يسير إلى معاوية بن حرب … ليقتله كما زعم الخبير
تجبَّرت الجبابر بعد حجر … فطاب لها الخَوَرْنق والسدير (١)
وأصبحت البلاد له محولًا … كأن لم يحيها يومًا مطير
ألا يا حجر -حجر بني عدي- … تلقتك السلامة والسرور
أخاف عليك ما أردى عديًّا … وشيخًا في دمشق له زئير
فإن تهلك فكل عميد قوم … إلى هلك من الدنيا يصير
قال ابن عون، عن محمد، قال: لما أتي بحُجْر، قال: ادفنوني في ثيابي، فإني أبعث مخاصمًا.
وروى ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر في السوق، فنعي إليه حُجْر، فأطلق حبوته، وقام وقد غلب عليه النحيب.
هشام بن حسان، عن محمد، قال: لما أُتِيَ معاوية بحجر، قال: السلام عليك يا أمير
стр. 2125
المؤمنين! قال: أَوَأمير المؤمنين أنا؟ اضربوا عنقه، فصلى ركعتين، وقال لأهله: لا تطلقوا عني حديدًا، ولا تغسلوا عني دمًا، فإني ملاقٍ معاوية على الجادَّة.
وقيل: إن رسول معاوية عرض عليهم البراءة من رجل والتوبة، فأبى ذلك عشرة، وتبرَّأ عشرة، فلما انتهى القتل إلى حُجْر جعل يُرْعد.
وقيل: لما حج معاوية استأذن على عائشة، فقالت: أقتلت حُجْرًا؟ قال: وجدت في قتله صلاح الناس، وخفت من فسادهم.
وكان قتلهم في سنة إحدى وخمسين، ومشهدهم ظاهر بعذراء يزار.
وخلَّف حُجْر وَلَدَيْن: عبيد الله، وعبد الرحمن، قتلهما مصعب بن الزبير الأمير، وكانا يتشيّعان.
стр. 2126
أما:
٣١٨ - حُجْرُ الشَّرِّ (١):
فهو ابن عم لحجر الخير، وهو حُجْر بن يزيد بن سلمة بن مرة بن حجر بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين الكندي.
وفد إلى النبي ﷺ ، ثم كان من شيعة علي، وشهد يوم الحكمين، ثم صار من أمراء معاوية، فولَّاه أرمينية. قاله: ابن سعد. ولا رواية لهذا أيضًا.
стр. 2127
٣١٩ - أبو الطفيل (١): " ع"
خاتم مَنْ رأى رسول الله ﷺ في الدنيا، واستمرَّ الحال على ذلك في عصر التابعين وتابعيهم وهلمَّ جرا، لا يقول آدمي: إني رأيت رسول الله ﷺ حتى نبغ بالهند بعد خمس مائة عام باب رتن، فادَّعى الصحبة، وآذى نفسه، وكذَّبه العلماء، فمن صدَّقه في دعواه، فبارك الله في عقله، ونحن نحمد الله على العافية.
واسم أبي الطفيل: عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو الليثي، الكناني، الحجازي، الشيعي.
стр. 2128
كان من شيعة الإمام عليّ. مولده: بعد الهجرة.
رأى النبي ﷺ وهو في حجة الوداع، وهو يستلم الركن بمحجنه، ثم يقبل المحجن (١).
وروى عن: أبي بكر، وعمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وابن مسعود، وعلي.
حدث عنه: حبيب بن أبي ثابت، والزهري، وأبو الزبير المكيّ، وعلي بن زيد بن جدعان، وعبد الله بن خثيم، ومعروف بن خربوذ، وسعيد الجريري، وفطر بن خليفة، وخلق سواهم.
قال معروف: سمعت أبا الطفيل يقول: رأيت رسول الله ﷺ وأنا غلام شاب، يطوف بالبيت على راحلته يستلم الحجر بمحجنه.
وقال محمد بن سلام الجمحي، عن عبد الرحمن الهمداني، قال: دخل أبو الطفيل على معاوية، فقال: ما أبقى لك الدهر من ثكلك عليًّا؟ قال: ثكل العجوز المقلات (٢) والشيخ الرقوب. قال: فكيف حبك له؟ قال: حب أم موسى لموسى، وإلى الله أشكو التقصير.
وروي عن أبي الطفيل، قال: أدركت من حياة رسول الله ﷺ ثمان سنين.
وقيل: إنه كان ينشد:
وخلَّفت سهمًا في الكنانة واحدًا … سيُرْمَى به أو يكسر السهم كاسره
وقيل: إن الطفيل كان حامل راية المختار لما ظهر بالعراق، وحارب قتلة الحسين.
وكان أبو الطفيل ثقة فيما ينقله، صادقًا عالمًا، شاعرًا فارسًا، عمَّر دهرًا طويلًا، وشهد مع علي حروبه.
قال خليفة: وأقام بمكة حتى مات سنة مائة، أو نحوها -كذا قال. ثم قال: ويقال: سنة سبع ومائة.
وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مبارك، عن كثير بن أعين، قال: أخبرني أبو الطفيل بمكة سنة سبع ومائة.
وقال وهب بن جرير: سمعت أبي يقول: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جنازة، فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الطفيل.
قلت: هذا هو الصحيح من وفاته لثبوته، ويعضده ما قبله، ولو عمَّر أحد بعده كما عمَّر هو بعد النبي ﷺ لعاش إلى سنة بضع ومائتين.
стр. 2129
٣٢٠ - أمُّ خَالِدٍ بنتُ خَالِد (١): " خ، د، س"
ابن أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشية، الأموية، المكية، الحبشية المولد. اسمها: أمَة.
لها صحبة، وروت حديثين.
وتزوجها الزبير بن العوام، فولدت له عمرًا وخالدًا.
حدَّث عنها: سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، وموسى بن عقبة، وغيرهما.
وأظنَّها آخر الصحابيات وفاةً، بقيت إلى أيام سهل بن سعد.
الواقدي: حدَّثَني جعفر بن محمد بن خالد، عن أبي الأسود، عن أمّ خالد بنت خالد، قالت: سمعت النجاشيّ يقول يوم خرجنا لأصحاب السفينتين: أقرئوا جميعًا رسول الله ﷺ مني السلام. قالت: فكنت فيمن أقرأ رسول الله ﷺ من النجاشي السلام (٢).
الطيالسي: حدثنا إسحاق بن سعيد، حدثني أبي، قال: حدثتني أم خالد بنت خالد، قالت: أتى رسول الله ﷺ بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة، فقال: "مَن ترون أكسو هذه"؟. فسكتوا، فقال: "ائتوني بأم خالد". فأتي بي أحمل، فألبسنيها بيده، وقال: "أبلي وأخلقي". يقولها مرتين، وجعل ينظر إلى علم الخميصة أصفر وأحمر، فقال: "هذا سنا يا أم خالد، هذا سنا". ويشير بإصبعه إلى العلم. وسنا بالحبشية: حسن.
قال إسحاق: فحدثني امرأة من أهلي: أنها رأت الخميصة عند أم خالد.
стр. 2130
٣٢١ - عمرو بن الزبير (١):
يروي عن أبيه.
وفد على معاوية، وكان بينه وبين أخيه عبد الله بن الزبير شر وتقاطع.
وكان بديع الجمال، شديد العارضة، جريئًا، منيعًا.
كان يجلس، فيلقي عصاه بالبلاط، فلا يتخطَّاها أحد إلّا بإذنه، وله من الرقيق نحو المائتين.
قيل: كتب يزيد إلى نائبه عمرو بن سعيد: وجِّه جندًا لابن الزبير، فسأل: من أعدى الناس له؟ فقيل: أخوه. فتوجَّه عمرو في ألفٍ من الشاميين لقتال أخيه، فقال له جبير ابن شيبة: كان غيرك أَوْلَى بهذا؛ تسيِّر إلى حرم الله وأمنه، وإلى أخيك في سنِّه وفضله تجعله في جامعة، ما أرى الناس يدعونك وما تريد. قال: أقاتل من حال دون ذلك، ثم نزل داره عند الصفا، وراسل أخاه، فلَانَ ابنُ الزبير، وقال: إني لسامع مطيع، أنت عامل يزيد، وأنا أصلي خلفك، ما عندي خلاف، فأمَّا أن يجعل في عنقي جامعة وأقاد، فكلَّا، فراجع صاحبك، فبرز عبد الله بن صفوان عن عسكر، فالتقوا، فخذل الشاميون، وجيء بعمرو أسيرًا وقد جُرِح. فقال أخوه عبيدة بن الزبير: قد أجرته، قال عبد الله: أمَّا حقي فنعم، وأمَّا حق الناس فقصاص. ونصبه للناس، فجعل الرجل يأتي فيقول: نَتَفَ لحيتي، فيقول: انتف لحيته. وقال مصعب بن عبد الرحمن بن عوف: جلدني مائة جلدة، فجُلِدَ مائة فمات، فصلبه أخوه.
وقيل: بل مات من سحبهم إياه إلى السجن وصلب، فصلب الحجاج ابن الزبير في ذلك المكان.
стр. 2131
٣٢٢ - عَمْرو بنُ أَخْطَب (١): " م، (٤) "
أبو زيد الأنصاري الخزرجي، المدني، الأعرج.
من مشاهير الصحابة الذين نزلوا البصرة.
روي أن رسول الله ﷺ مسح رأسه، وقال: "اللهم جَمِّله"، فبلغ مائة سنة وما ابيضَّ من شعره إلّا اليسير (٢).
وله بالبصرة مسجد يعرف به.
روى عن النبي ﷺ أحاديث، وغزا معه ثلاث عشرة غزوة.
حدث عنه: ابنه؛ بشير، ويزيد الرشك، وعلباء بن أحمر، وأبو قلابة الجرمي، وأنس بن سيرين، وجماعة.
حديثه في الكتب سوى "صحيح البخاري".
توفي في خلافة عبد الملك بن مروان.
стр. 2132
٣٢٣ - أبو عَسِيب:
مولى النبي ﷺ ، مِمَّن نزل البصرة وطال عمره.
خرَّج له الإمام أحمد في "مسنده".
يقال: اسمه أحمر، وكان من الصلحاء العبَّاد.
حدَّث عنه: خازم بن القاسم، وأبو نصيرة مسلم بن عبيد، وميمونة بنت أبي عسيب، وقالت: كان أبي يواصل بين ثلاث في الصيام، ويصلي الضحى قائمًا، فعجز، فكان يصلي قاعدًا، ويصوم البيض. قالت: وكان في سريره جُلْجُل، فيعجز صوته، حتى يناديها به، فإذا حركه جاءت.
روى ذلك التبوذكي، عن مسلمة بنت زبان، سمعت ميمونة بذلك.
وقال خازم بن القاسم -فيما سمعه منه التبوذكي: رأيت أبا عسيب يصفِّر رأسه ولحيته.
وقال يزيد: أخبرنا أبو نصيرة: سمعت أبا عسب يقول: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل بالحمَّى والطاعون، فأمسكت الحمَّى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام" (١).
стр. 2133
كبار التابعين:
٣٢٤ - مروان بن الحكم (١): " خ"
ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، الملك، أبو عبد الملك القرشي، الأموي.
وقيل: يكنَّى أبا القاسم، وأبا الحكم.
مولده بمكة، وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر، وقيل: له رؤية، وذلك محتمل.
روى عن: عمر، وعثمان، وعلي، وزيد.
وعنه: سهل بن سعد -وهو أكبر منه، وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين، وعروة، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، ومجاهد بن جبر، وابنه؛ عبد الملك.
وكان كاتب ابن عمه عثمان، وإليه الخاتم، فخانه، وأجلبوا بسببه على عثمان، ثم نجا هو، وسار مع طلحة والزبير للطلب بدم عثمان، فقتل طلحة يوم الجمل، ونجا -لا نُجِّيَ، ثم ولي المدينة غير مرة لمعاوية.
وكان أبوه قد طرده النبي ﷺ إلى الطائف، ثم أقدمه عثمان إلى المدينة؛ لأنه عمه. ولما هلك ولد يزيد؛ أقبل مروان وانضمَّ إليه بنو أمية وغيرهم، وحارب الضحاك الفهري فقتله، وأخذ دمشق، ثم مصر، ودعا بالخلافة.
وكان ذا شهامة، وشجاعة، ومكر، ودهاء، أحمر الوجه، قصيرًا؛ أوقص (٢)، دقيق العنق، كبير الرأس واللحية، يلقَّب: خيط باطل.
قال الشافعي: لما انهزموا يوم الجمل، سأل علي عن مروان، وقال: يعطفني عليه رحم ماسّة، وهو مع ذلك سيد من شباب قريش.
стр. 2134
وقال قبيصة بن جابر: قلت لمعاوية: من ترى للأمر بعدك؟ فسمَّى رجالًا، ثم قال: وأما القارئ الفقيه الشديد في حدود الله، مروان.
قال أحمد: كان مروان يتتبَّع قضاء عمر.
وروى ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: كان مروان أميرًا علينا، فكان يسب رجلًا كل جمعة، ثم عزل بسعيد بن العاص، وكان سعيد لا يسبه، ثم أعيد مروان، فكان يسب، فقيل للحسن: ألا تسمع ما يقول؟ فجعل لا يرد شيئًا … ، وساق حكاية.
قال عطاء بن السائب، عن أبي يحبى، قال: كنت بين الحسن والحسين ومروان، والحسين يُسَابُّ مروان، فهناه الحسن. فقال مروان: أنتم أهل بيت ملعونون، فقال الحسن: ويلك، قلت هذا! والله لقد لعن الله أباك على لسان نبيه، وأنت في صلبه -يعني: قبل أن يسلم.
وأبو يحيى هذا: نخعيّ، لا أعرفه.
جعفر بن محمد، عن أبيه: كان الحسن والحسين يصليّان خلف مروان، ولا يعيدان.
العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلًا، اتخذوا مال الله دولًا، ودين الله دغلًا، وعباد الله خولًا.
جاء هذا مرفوعًا، لكن فيه عطية العوفي.
قلت: استولى مروان على الشام ومصر تسعة أشهر، ومات خنقًا من أول رمضان سنة خمس وستين.
قال مالك: تذكَّر مروان، فقال: قرأت كتاب الله من أربعين سنة، ثم أصبحت فيما أنا فيه من هرق الدماء وهذا الشأن؟!
قال ابن سعد: كانوا ينقمون على عثمان تقريب مروان وتصرفه. وقاتل يوم الجمل أشدَّ قتال، فلما رأى الهزيمة رمى طلحة بسهمٍ فقتله، وجُرِحَ يومئذ، فحُمِلَ إلى بيت امرأة، فداووه، واختفى، فأمَّنه علي، فبايعه، وردّ إلى المدينة. وكان يوم الحرة مع مسرف بن عقبة يحرِّضه على قتال أهل المدينة.
قال: وعقد لولديه؛ عبد الملك، وعبد العزيز بعده، وزهَّد الناس في خالد بن يزيد بن معاوية، ووضع منه، وسبَّه يومًا، وكان متزوجًا بأمه، فأضمرت له الشر، فنام فوثبت في جواريها، وغمَّته بوسادة، قعدن على جوانبها، فتلف وصرخن، وظنَّ أنه مات فجاءة.
وقيل: مات بالطاعون.
стр. 2135
٣٢٥ - مُحَمَّدٌ بنُ أبي حُذَيْفَة (١):
هو الأمير، أبو القاسم العبشمي، أحد الأشراف، وُلِدَ لأبيه لما هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة، وله رؤية. ولما توفي النبي ﷺ كان هذا ابن إحدى عشرة سنة، أو أكثر.
وكان أبوه من السابقين الأولين البدريين، وكان جده عتبة بن ربيعة سيد المشركين وكبيرهم، فقُتِلَ يوم بدر، واستُشْهِدَ أبو حذيفة يوم اليمامة، فنشأ محمد في حِجْر عثمان.
وأمه: هي سهلة بنت سهيل العامرية، وتربَّى في حشمة وبأوٍ، ثم كان ممن قام على عثمان، واستولى على إمرة مصر.
روى عنه: عبد الملك بن مليل البلوي.
قال ابن يونس: وانبرى بمصر محمد بن أبي حذيفة على متوليها عقبة بن مالك، استعمله عبد الله بن أبي سرح لما وفد إلى عثمان، فأخرج عقبة عن الفسطاط، وخلع عثمان.
وكان يسمَّى: مشئوم قريش.
وذكره شباب في تسمية عمَّال علي ﵁ على مصر، فقال: ولَّى محمدًا، ثم عزله بقيس بن سعد.
ابن المبارك: حدثنا حرملة بن عمران، حدثني عبد العزيز بن عبد الملك بن مليل، حدثني أبي، قال: كنت مع عقبة بن عامر جالسًا بقرب المنبر يوم الجمعة، فخرج محمد بن أبي حذيفة، فاستوى على المنبر، فخطب، وقرأ سورة -وكان من أقرأ الناس، فقال عقبة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليقرأنَّ القرآن رجال لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية"، فسمعها محمد بن أبي حذيفة، فقال: والله لئن كنت صادقًا -وإنك ما علمت لكذوب- إنك لمنهم (٢).
قال ابن المبارك: حمل هذا الحديث أنهم يُجَمَّعون معهم، ويقولون لهم هذه المقالة.
стр. 2136
ابن عون، عن ابن سيرين: أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة وكعبًا رَكِبَا سفينة، فقال محمد: يا كعب! أما تجد سفينتنا هذه في التوراة كيف تجري؟ قال: لا، ولكن أجد فيها رجلًا أشقى الفتية من قريش، ينزو في الفتنة نزو الحمار، لا تكون أنت هو.
ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: انطلق ابن أبي حذيفة مع معاوية، حتى دخل بهم الشام، ففرقهم نصفين، فسجن ابن أبي حذيفة وجماعة دمشق، وسجن ابن عديس وجماعة ببعلبك.
وقال ابن يونس: قتل ابن أبي حذيفة بفلسطين، سنة ست وثلاثين، وكان ممن أخرجه معاوية من مصر.
قلت: عامَّة من سعى في دم عثمان قتلوا، وعسى القتل خيرًا لهم وتمحيصًا.
стр. 2137
٣٢٦ - محمد بن أبي بكر الصديق (١):
ولدته أسماء بنت عميس في حَجَّة الوداع، وقت الإحرام.
وكان قد ولَّاه عثمان إمرة مصر، كما هو مبيَّن في سيرة عثمان، ثم سار لحصار عثمان، وفعل أمرًا كبيرًا، فكان أحد من توثَّب على عثمان حتى قُتِلَ، ثم انضمَّ إلى علي، فكان من أمرائه، فسيّره على إمرة مصر، سنة سبع وثلاثين في رمضانها، فالتقى هو وعسكر معاوية، فانهزم جمع محمد، واختفى هو في بيت مصرية، فدلّت عليه. فقال: احفظوني في أبي بكر. فقال معاوية بن حديج: قتلت ثمانين من قومي في دم الشهيد عثمان، وأتركك وأنت صاحبه! فقتله ودسَّه في بطن حمار ميت، وأحرقه.
وقال عمرو بن دينار: أُتِيَ بمحمد أسيرًا إلى عمرو بن العاص، فقلته -يعني: بعثمان.
قلت: أرسل عنه: ابنه؛ القاسم بن محمد الفقيه.
стр. 2138
٣٢٧ - عبد الله بن أبي طلحة (١):
زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري، أخو أنس بن مالك لأمه.
وُلِدَ في حياة رسول الله ﷺ فحنَّكه (٢).
وهو الذي حملت به أم سليم ليلة مات ولدها، فكتمت أبا طلحة موته حتى تعشَّى، وتصنَّعت له ﵄ حتى أتاها، وحملت بهذا، فأصبح أبو طلحة غاديًا على رسول الله ﷺ فقال له: "أعرستم الليلة؟ بارك الله لكم في ليلتكم" (٣).
ويقال: ذاك الصبي الميت هو أبو عمير صاحب النغير (٤).
فنشأ عبد الله، وقرأ العلم، وجاءه عشرة أولاد قرءوا القرآن، وروى أكثرهم العلم، منهم: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة -شيخ مالك، وعبد الله بن عبد الله.
حدَّث عنه: ابناه هذان، وأبو طوالة، وسليمان مولى الحسن بن علي، وغيرهم.
وهو قليل الحديث، يروي عن أبيه، وعن أخيه؛ أنس بن مالك.
ومات قبل أنس بمدَّة ليست بكثيرة.
روى له مسلم، والنسائي.
стр. 2139
٣٢٨ - عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (١): " خ، (٤) "
ابن المغيرة بن عبد الله، أبو محمد، من أشراف بني مخزوم.
كان أبوه من الطلقاء، وممن حسن إسلامه، ولا صحبه لعبد الرحمن، بل له رؤية، وتلك صحبة مقيدة.
وروى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وعلي، وأم المؤمنين حفصة، وطائفة.
وعنه: ابنه؛ الإمام أبو بكر بن عبد الرحمن -أحد الفقهاء السبعة، والشعبي، وأبو قلابة، وهشام بن عمرو الفزاري، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، وآخرون.
وقد أرسلته عائشة إلى معاوية يكلمه في حُجْر بن الأدبر، فوجده قد قتله، وفرط الأمر.
قال ابن سعد: كانت عائشة تقول: لأن أكون قعدت عن مسيري إلى البصرة أحبّ إليَّ من أن يكون لي عشرة أولاد من رسول الله ﷺ مثل عبد الرحمن بن الحارث.
قلت: هو ابن أخت أبي جهل، وكان من نبلاء الرجال.
توفي قبل معاوية، ومات أبوه زمن عمر.
стр. 2140
٣٢٩ - محمود بن لبيد (١): " م، (٤) "
ابن عقبة بن رافع، أبو نعيم الأنصاري، الأوسي، الأشهلي، المدني.
ولد بالمدينة في حياة رسول الله ﷺ ، وروى عنه أحاديث يرسلها.
وروى عن: عمر، وعثمان، وقتادة بن النعمان، ورافع بن خديج.
حدَّث عنه: بكير بن الأشج، ومحمد بن إبراهيم التيمي، والزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وآخرون.
وفي أبيه نزلت آية الرخصة، فيمَن لا يستطيع الصوم.
قال البخاري: له صحبة.
وقال ابن عبد البر: هو أسنّ من محمود بن الربيع.
قلت: توفي ابن لبيد في سنة سبع وتسعين. ويقال: في سنة ست.