جعفر بن سليمان: سمعت مالك بن دينار، وسأل هشام بن زياد العدوي، فقال: تجهز رجل من أهل الشام للحج، فأتاه آت في منامه: ائت البصرة، فائت العلاء بن زياد، فإنه رجل ربعة، أقصم الثنية، بسام، فبشره بالجنة. فقال: رؤيا ليست بشيء. فأتاه في الليلة الثانية، ثم في الثالثة، وجاءه بوعيد، فأصبح، وتجهز إلى العراق، فلما خرج من البيوت، إذا الذي أتاه في منامة يسير بين يديه، فإذا نزل فقده. قال: فجاء، فوقف على باب العلاء، فخرجت إليه، فقال: أنت العلاء؟ قلت: لا، انزل -رحمك الله- فضع رحلك. قال: لا، أين العلاء؟ قلت: في المسجد. فجاء العلاء، فلما رأى الرجل تبسم فبدت ثنيته، فقال: هذا والله هو فقال العلاء: هلا حططت رحل الرجل إلَّا أنزلته قال: قلت له: فأبى قال العلاء: انزل رحمك الله قال: أخلني فدخل العلاء منزله وقال: يا أسماء تحولي فدخل الرجل فبشره برؤياه ثم خرج فركب وأغلق العلاء بابه وبكى ثلاثة أيام أو قال: سبعة لا يذوق فيها طعامًا ولا شرابًا فسمعته يقول في خلال بكائه: أنا أنا وكنا نهابه أن نفتح بابه وخشيت أن يموت فأتيت الحسن فذكرت له ذلك فجاء فدق عليه ففتح وبه من الضر شيء الله به علم ثم كلم الحسن فقال ومن أهل الجنة إن شاء الله أفقاتل نفسك أنت قال هشام فحدثنا العلاء لي وللحسن بالرؤيا وقال: لا تحدثوا بها ما كنت حيًا.
قتادة، عن العلاء بن زياد، قال: ما يضرك شهدت على مسلم بكفر، أو قتلته.
وقال هشام بن حسان: كان العلاء يصوم حتى يخضر، ويصلي حتى يسقط، فدخل عليه أنس والحسن، فقالا: إن الله لم يأمرك بهذا كله.
قال أحمد بن حنبل: أخبرت عن مبارك بن فضالة، عن حميد بن هلال، قال: دخلت مع الحسن على العلاء بن زياد، وقد أسله الحزن، وكانت له أخت تندف عليه القطن غدوة وعشية، فقال: كيف أنت يا علاء؟ قال: واحزناه على الحزن.
حميد بن هلال، عن العلاء بن زياد، قال: رأيت الناس في النوم، يتبعون شيئًا، فتبعته، فإذا عجوز كبيرة هتماء عوراء، عليها من كل حلية وزينة، فقلت: ما أنت؟ قالت: أنا الدنيا. قلت: أسأل الله أن يبغضك إلي. قالت: نعم، إن أبغضت الدراهم.
روى الحارث بن نبهان، عن هارون بن رئاب، عن العلاء، بنحوه.
جعفر بن سليمان الضبعي: حدثنا هشام بن زياد أخو العلاء: أن العلاء كان يحيى ليلة
стр. 2347
الجمعة، فنام ليلة جمعة، فأتاه من أخذ بناصيته، فقال: قم يا ابن زياد، فاذكر الله يذكرك. فقام، فما زالت تلك الشعرات التي أخذها منه قائمة حتى مات.
قال البخاري في تفسير "حم، المؤمن" في: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه﴾ [الزمر: ٥٣]، روى حميد بن هلال، عن العلاء بن زياد، قال: رأيت في النوم دنيا عجوزًا شوهاء هتماء، عليها من كل زينة وحلية، والناس يتبعونها، قلت ما أنت؟ قالت: الدنيا وذكر الحكاية (١).
ذكر أبو حاتم بن حبان: أن العلاء بن زياد توفي في أخرة ولاية الحجاج، سنة أربع وتسعين.
قرأت على إسحاق الأسدي: أخبركم يوسف بن خليل، أنبأنا أبو المكارم التيمي، أنبأنا أبو علي الحداد، أنبأنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا فاروق وحبيب بن الحسن في جماعة، قالوا: أنبأنا أبو مسلم الكشي، حدثنا عمرو بن مرزوق، أنبانا عمران القطان، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة" رواه مطر الوراق، عن العلاء، مثله إسناده قوي (٢).
فأما "العلاء بن زياد": فشيخ آخر، بصري، يروي عن: الحسين، روى عنه: حماد بن زيد، روى له: النسائي. وقد جعل شيخنا أبو الحجاج الحافظ الترجمتين واحدة، ولا يستقيم ذلك.
стр. 2348
٤٥١ - عبد الله بن معقل (١): " خ، م، د، س"
ابن مقرن، الإمام، أبو الوليد المزني، الكوفي. لأبيه صحبة.
حدث عن: أبيه. وعن: علي، وابن مسعود، وكعب بن عجرة، وجماعة.
وعنه: أبو إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، ويزيد بن أبي زياد، وأبو إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني، وآخرون.
ذكره أحمد بن عبد الله العجلي، فقال: ثقة، من خيار التابعين.
توفي سنة ثمان وثمانين.
٤٥٢ - عبد الله بن معبد (٢): " م، (٤) "
الزماني، بصري، ثقة، جليل.
روى عن: ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي قتادة.
حدث عنه: ثابت البناني، وقتادة، وغيلان بن جرير، وآخرون. مات: قبل المائة.
٤٥٣ - أبو العالية (٣): " ع"
رفيع بن مهران، الإمام، المقرئ، الحافظ، المفسر، أبو العالية الرياحي، البصري، أحد الأعلام. كان مولى لامرأة بني رياح بن يربوع، ثم من بني تميم.
أدرك زمان النبي ﷺ وهو شاب، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، ودخل عليه.
وسمع من عمر، وعلي، وأبي، وأبي ذر، وابن مسعود، وعائشة، وأبي موسى، وأبي أيوب، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعدة.
وحفظ القرآن، وقرأه على: أبي بن كعب، وتصدر لإفادة العلم، وبعد صيته. قرأ عليه: أبو عمرو بن العلاء -فيما قيل- وما ذاك ببعيد فإنه تميمي، وكان معه ببلدة، وأدرك من حياة أبي العالية نيفًا وعشرين سنة.
стр. 2349
قال أبو عمرو الداني: أخذ أبو العالية القراءة عرضًا عن: أبي، وزيد، وابن عباس. ويقال: قرأ على عمر.
روى عنه القراءة عرضًا شعيب بن الحبحاب، وآخرون.
قال قتادة: قال أبو العالية: قرأت القرآن بعد وفاة نبيكم ﷺ بعشر سنين.
وروى معتمر بن سليمان، وغيره، عن هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، قالت: قال لي أبو العالية: قرأت القرآن على عمر ﵁ ثلاث مرار.
وعن أبي خلدة، عن أبي العالية، قال: كان ابن عباس يرفعني على السرير، وقريش أسفل من السرير، فتغامزت بي قريش فقال ابن عباس: هكذا العلم يزيد الشريف شرفًا، ويجلس المملوك على الأسرة.
قلت: هذا كان سرير دار الإمرة، لما كان ابن عباس متوليها لعلي، ﵄.
قال أبو بكر بن أبي داود: وليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية، وبعده: سعيد بن جبير. وقد وثق أبا العالية: الحافظان؛ أبو زرعة، وأبو حاتم.
قال خالد أبو المهاجر: عن أبي العالية: كنت بالشام مع أبي ذر.
وقال أبو خلدة خالد بن دينار: سمعت أبو العالية يقول: كنا عبيدًا مملوكين، منا من يؤدي الضرائب، ومنا من يخدم أهله، فكنا نختم كل ليلة، فشق علينا، حتى شكا بعضنا إلى بعض، فلقينا أصحاب رسول الله ﷺ فعلمونا أن نختم كل جمعة، فصلينا، ونمنا، ولم يشق علينا.
قال أبو خلدة ذكر الحسن البصري لأبي العالية، فقال: رجل مسلم، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وأدركنا الخير، وتعلمنا قبل أن يولد. وكنت آتي ابن عباس، وهو أمير البصرة، فيجلسني على السرير، وقريش أسفل.
وروى جرير، عن مغيرة، قال: كان أشبه أهل البصرة علمًا بإبراهيم النخعي أبو العالية.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه، فأتفقد صلاته، فإن وجدته يحسنها، أقمت عليه، وإن أجده يضيعها، رحلت ولم أسمع منه، وقلت: هو لما سواها أضيع.
قال شعيب بن الحباب: حابيت أبا العالية في ثوب، فأبى أن يشتري مني الثوب.
قال أبو خلدة: قال أبو العالية: لما كان زمان علي ومعاوية، وإني لشاب، القتال أحب إلي من الطعام الطيب، فتجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم، فإذا صفان ما يرى طرفهما، إذا
стр. 2350
كبر هؤلاء، كبر هؤلاء، وإذا هلل هؤلاء، هلل هؤلاء، فراجعت نفسي، فقلت: أي الفريقين أنزله كافرًا؟ ومن أكرهني على هذا؟ قال: فما أمسيت حتى رجعت، وتركتهم.
قال عاصم الأحول: كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام، فتركهم.
معمر، عن عاصم، عن أبي العالية، قال: أنتم أكثر صلاة وصيامًا ممن كان قبلكم، ولكن الكذب قد جرى على ألسنتكم.
زيد بن الحباب: حدثنا خالد بن دينار، عن أبي العالية، قال: تعلمت الكتابة والقرآن، فما شعر بي أهلي، ولا رئي في ثوبي مداد قط.
ابن عيينة: سمعت عاصمًا الأحول، يحدث عن أبي العالية، قال: تعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه، فلا ترغبوا عنه، وإياكم وهذه الأهواء، فإنها توقع العداوة والبغضاء بينكم، فإنا قد قرأنا القرآن قبل أن يقتل يعني: عثمان بخمس عشرة سنة. قال: فحدثت به الحسن، فقال: قد نصحك والله وصدقك.
أبو نعيم: حدثنا أبو خلدة، عن أبي العالية، قال: ما مسست ذكري بيميني منذ ستين، أو سبعين سنة.
حماد بن سلمة، عن ثابت، أن أبا العالية قال: إني لأرجو أن لا يهلك عبد بين نعمتين: نعمة يحمد الله عليها، وذنب يستغفر الله منه.
وقال أبو خلدة: سمعت أبا العالية يقول: تعلموا القرآن خمس آيات، خمس آيات، فإنه أحفظ عليكم، وجبريل كان ينزل به خمس آيات، خمس آيات.
قتيبة: حدثنا جرير، عن مغيرة، قال: أول من أذن بما وراء النهر: أبو العالية الرياحي.
أبو خلدة، قال: كان أبو العالية إذا دخل عليه أصحاب، يرحب بهم، ويقرأ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الأنعام: ٥٤].
محمد بن مصعب، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: إن الله قضى على نفسه أن: من آمن به هداه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. ومن توكل عليه كفاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. ومن أقرضه جازاه، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. ومن استجار من عذابه أجاره، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]،
стр. 2351
والاعتصام: الثقة بالله. ومن دعاه أجابه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان﴾ [البقرة: ١٨٦].
ومن مراسيل أبي العالية الذي صح إسناده إليه: الأمر بإعادة الوضوء، والصلاة على من ضحك في الصلاة. وبه يقول أبو حنيفة، وغيره من أئمة العلم.
وقال أبو حاتم: حدثنا حرملة، سمعت الشافعي يقول: حديث أبي العالية الرياحي قال أبو حاتم يعني: ما يروى في الضحك في الصلاة.
وروى حماد بن زيد، عن شعيب بن الحجباب، قال: قال أبو العالية: اشترتني امرأة، فأرادت أن تعتقني، فقال بنو عمها: تعتقينه، فيذهب إلى الكوفة، فينقطع؟! فأتت لي مكانًا في المسجد، فقالت: أنت سائبة -تريد: لا ولاء لأحد عليك- قال: فأوصى أبو العالية بماله كله.
وقال أبو خلدة: عن أبي العالية، قال: ما تركت من مال، فثلثه في سبيل الله، وثلثه في أهل بيت النبي ﷺ وثلثه في الفقراء. قلت له: فأين مواليك؟ قال السائبة يضع نفسه حيث شاء.
همام بن يحيى: حدثنا قتادة، عن أبي العالية، قال: قرأت المحكم بعد وفاة نبيكم ﷺ بعشر سنين فقد أنعم الله علي بنعمتين لا أدري أيهما أفضل أن هداني للإسلام ولم يجعلني حروريًا (١).
قال أبو خلدة: سمعت أبا العالية يقول: زارني عبد الكريم أبو أمية، وعليه ثياب صوف فقلت له: هذا زي الرهبان، إن المسلمين إذا تزاوروا، تجملوا.
وروى حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول: أن أبا العالية أوصى مورقًا العجلي أن يجعل في قبره جريدتين.
وقال مورق: وأوصى بريدة الأسلمي ﵁ أن يوضع في قبره جريدتان (٢).
قرأت على إسحاق الأسدي: أخبركم ابن خليل، أنبأنا أبو المكارم التيمي، أنبأنا الحداد، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا إسحاق، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ثابت، عن أبي العالية، قال: ما ترك عيسى ابن مريم ﵇ حين رفع إلى مدرعة صوف، وخفي راع، وقذافة يقذف بها الطير.
قال أبو خلدة: مات أبو العالية في شوال سنة تسعين.
وقال البخاري، وغيره: مات سنة ثلاث وتسعين.
وشد المدائني، فوهم، وقال: مات سنة ست ومائة.
стр. 2352
٤٥٤ - عمران بن حطان (١): " خ، د، ت".
ابن ظبيان، السدوسي البصري. من أعيان العلماء، لكنه من رؤوس الخوارج.
حدث عن: عائشة، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس.
روى عنه: ابن سيرين، وقتاده، ويحيى بن أبي كثير.
قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثًا من الخوارج. ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا إحسان الأعرج.
قال الفرزدق: عمران بن حطان من أشعر الناس؛ لأنه لو أراد أن يقول مثلنا، لقال، ولسنا نقدر أن نقول مثل قوله.
حدث سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين، قال: تزوج عمران خارجية، وقال: سأردها. قال: فصرفته إلى مذهبها. فذكر المدائني: أنها كانت ذات جمال، وكان دميمًا، فأعجبته يومًا، فقالت: أنا وأنت في الجنة، لأنك أعطيت، فشكرت، وابتليت، فصبرت.
قال الأصمعي: بلغنا أن عمران بن حطان كان ضيفًا لروح بن زنباع، فذكره لعبد الملك، فقال: اعرض عليه أن يأتينا. فهرب، وكتب:
стр. 2353
يا روح كم من كريم قد نزلت به … قد ظن من لخم وغسان؟
حتى إذا خفته زايلت منزله … من بعد ما قيل عمران بن حطان
قد كنت ضيفك حولًا ما تروعني … فيه طوارق من إنس ولا جان
حتى أردت بي العظمى فأوحشني … ما يوحش الناس من خوف ابن مروان
لو كنت مستغفرًا يومًا لطاغية … كنت المقدم في سر وإعلان
لكن أبت لي آيات مفصلة … عقد الولاية في "طه" و"عمران"
ومن شعره في مصرع علي ﵁:
يا ضربة من تقي ما أراد بها … إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانًا
إني لأذكره حينًا فأحسبه … أو فى البرية عند الله ميزانًا
أكرم بقوم بطون الطير قبرهم … لم يخلطوا دينهم بغيًا وعدوانًا
فبلغ شعره عبد الملك بن مروان، فأدركته حمية لقرابته من علي ﵁ فنذر دمه ووضع عليه العيون. فلم تحمله أرض فاستجار بروح بن زنباع، فأقام في ضيافته، فقال: ممن أنت؟ قال: من الأزد. فبقي عنده سنة فأعجبه، إعجابًا شديدًا فسمر روح ليلة عند أمير المؤمنين فتذاكرا شعر عمران هذا. فلما انصرف روح، تحدث مع عمران بما جرى، فأنشده بقية القصيد فلما عاد إلى عبد الملك قال: إن في ضيافتي رجلًا ما سمعت منه حديثًا قط إلَّا وحدثني به وبأحسن منه، ولقد أنشدني تلك القصيدة كلها. قال: صفه لي فوصفه له قال: إنك لتصف عمران بن حطان، اعرض عليه أن يلقاني قال: فهرب إلى الجزيرة ثم لحق بعمان فأكرموه.
وعن قتادة قال: لقيني عمران بن حطان، فقال: يا أعمى احفظ عني هذه الأبيات:
حتى متى تسقى النفوس بكأسها … ريب المنون وأنت لاه ترتع؟
أفقد رضيت بأن تعلل بالمنى … وإلى المنية كل يوم تدفع؟
أحلام نوم أو كظل زائل … إن اللبيب بمثلها لا يخدع
فتزودن ليوم فقرك دائبًا … واجمع لنفسك لا لغيرك تجمع
وبلغنا أن الثوري كان كثيرًا ما يتمثل بأبيات عمران هذه
أرى أشقياء الناس لا يسأمونها … على أنهم فيها عراة وجوع
أراها وإن كانت تحب فإنها … سحابة صيف عن قليل تقشع
كركب قضوا حاجاتهم وترحلوا … طريقهم بادي العلامة مهيع
قال عبد الباقي بن قانع الحافظ: توفي عمران بن حطان سنة أربع وثمانين.
стр. 2354
٤٥٥ - عباد بن عبد الله (١): " ع"
ابن الزبير بن العوام، الإمام الكبير، القاضي، أبو يحيى القرشي، الأسدي، كان عظيم المنزلة عند والده أمير المؤمنين، فاستعمله على القضاء، وغير ذلك. وكانوا يظنون أن أباه تعهد إليه بالخلافة.
حدث عن: أبيه، وجدته؛ أسماء، وخالة أبيه؛ عائشة.
حدث عنه: ابنه؛ يحيى، وابن عمه؛ هشام بن عروة، وابن أبي مليكة، وابن أخيه؛ عبد الواحد بن حمزة، وابن عمه؛ بن محمد بن جعفر بن الزبير، وآخرون.
وله ترجمة حسنة في "النسب" (٢)، ولم أظفر له بوفاة.
стр. 2355
٤٥٦ - سعيد بن المسيب (١): " ع"
ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم بن يقظة، الإمام، العلم، أبو محمد القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، ولد: لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁. وقيل: لأربع مضين منها، بالمدينة.
رأى عمر، وسمع عثمان، وعليًا، وزيد بن ثابت، وأبا موسى، وسعدًا، وعائشة، وأبا هريرة، وابن عباس، ومحمد بن سلمة، وأم سلمة، وخلقًا سواهم، وقيل: أنه سمع من عمر.
وروى عن أبي بن كعب مرسلًا وبلال كذلك وسعد بن عبادة كذلك، وأبي ذرة، وأبي
الدرداء كذلك وروايته عن: علي، وسعد، وعثمان، وأبي موسى، وعائشة، وأم شريك، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وحكيم بن حزام، وعبد الله بن عمرو، وأبيه المسيب، وأبي سعيد، في" الصحيحين" وعن حسان بن ثابت، وصفوان بن أمية، ومعمر بن عبد الله، ومعاوية، وأم سلمة، في "صحيح مسلم" وروايته عن: جبير، بن مطعم، وجابر، وغيرهما. في "البخاري" وروايته عن عمر، في "السنن الأربعة" وروى أيضًا: عن زيد بن ثابت، وسراقة بن مالك، وصهيب، والضحاك بن سفيان، وعبد الرحمن بن عثمان التيمي، وروايته عن: عتاب، بن أسيد، في "السنن الأربعة"، وهو مرسل. وأرسل عن: النبي ﷺ وعن: أبي بكر الصديق. وكان زوج بنت أبي هريرة وأعلم الناس بحديثه.
روى عن خلق، منهم: إدريس بن صبيح، وأسامة بن زيد الليثي، وإسماعيل بن أمية، وبشير، وعبد الرحمن بن حرملة، وعبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن، وعبد الكريم الجزري، وعبد المجيد بن سهيل، وعبيد الله بن سليمان العبدي، وعثمان بن حكيم، وعطاء الخراساني، وعقبة بن حريث، وعلي بن جدعان، وعلي بن نفيل الحراني، وعمارة بن عبد الله بن طعمة، وعمرو بن شعيب، وعمرو بن دينار، وعمرو بن مرة، وعمرو بن مسلم الليثي، وغيلان بن جرير، والقاسم بن عاصم، وابنه محمد بن سعيد، وقتادة، ومحمد بن صفوان، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، وأبو جعفر محمد بن علي، ومحمد بن عمرو بن عطاء، والزهري، وابن المنكدر، ومعبد بن هرمز، ومعمر بن أبي حبيبة، وموسى بن وردان، وميسرة الأشجعي، وميمون بن مهران، وأبو سهيل نافع بن مالك، وأبو معشر نجيح السندي، -وهو عند الترمذي- وهاشم بن هاشم الوقاصي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن قسيط، ويزيد بن نعيم بن هزال، ويعقوب بن عبد الله بن الأشج، ويونس بن سيف، وأبو جعفر الخطمي، وأبو قرة الأسدي، من "التهذيب".
وعنه: الزهري، وقتادة، وعمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وبكير بن الأشج، وداود بن أبي هند، وسعد بن إبراهيم، وعلي بن زيد بن جدعان، وشريك بن أبي نمر، وعبد الرحمن بن حرملة، وبشر كثير.
وكان ممن برز في العلم والعمل وقع لنا جملة من عالي حديثه.
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق القرافي، أنبأنا الفتح بن عبد الله الكاتب، أنبأنا محمد بن عمر الشافعي، ومحمد بن أحمد الطرائفي، ومحمد ابن علي بن الداية، قالوا: أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد، بن المسلمة، أنبأنا عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، سنة ثمانين
стр. 2356
وثلاث مائة، أنبأنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي، حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أن: رسول الله ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم من: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".
هذا صحيح، عال، فيه دليل على أن هذه الخصال من كبار الذنوب أخرجه: مسلم عن أبي نصر التمار، عن حماد بن سلمة، فوقع لنا بدلًا عاليًا مع علوه في نفسه لمسلم ولنا فإن أعلى أنواع الإبدال أن يكون الحديث من أعلى حديث صاحب ذلك الكتاب ويقع لك بإسناد آخر أعلى بدرجة أو أكثر والله أعلم.
أخبرنا إسحاق الأسدي، أنبأنا يوسف الآدمي "ح"، وأنبأنا أحمد بن سلامة، قالا: أنبانا أبو المكارم الأصبهاني، قال يوسف سماعا، وقال الآخر إجازة: أنبأنا أبو علي الحداد، أنبانا، أبو نعيم، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا حبيب كاتب مالك، حدثنا ابن أخي الزهري عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي بن كعب، قال: قال: رسول الله ﷺ : "قال لي جبريل ليبك الإسلام على موت عمر" (١).
هذا حديث منكر. وحبيب: ليس بثقة، مع أن سعيدًا عن أبي: منقطع.
عبد العزيز بن المختار، عن علي بن زيد، حدثني سعيد بن المسيب بن حزن: أن جده حزنًا أتى النبي ﷺ فقال: "ما اسمك؟ " قال: حزن. قال: "بل أنت سهل". قال: يا رسول الله اسم سماني به أبواي، وعرفت به في الناس. فسكت عنه النبي ﷺ قال سعيد: فما زلنا تعرف الحزونة فينا أهل البيت.
هذا حديث مرسل، ومراسيل سعيد محتج بها. لكن علي بن زيد: ليس بالحجة. وأما الحديث فمروي بإسناد صحيح متصل، ولفظه: أن النبي ﷺ قال له: "ما اسمك؟ ". قال: حزن. قال: "أنت سهل" فقال: لا أغير اسمًا سمانيه أبي قال سعيد: فما زالت تلك الحزونة فينا بعد (٢).
стр. 2357
العطاف بن خالد، عن أبي حرملة، عن ابن المسيب، قال: ما فاتتني الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة.
سفيان الثوري، عن عثمان بن حكيم، سمعت سعيد بن المسيب يقول: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة، إلَّا وأنا في المسجد. إسناده ثابت.
حماد بن زيد: حدثنا يزيد بن حازم: أن سعيد بن المسيب كان يسرد الصوم.
مسعر، عن سعيد بن إبراهيم، سمع ابن المسيب يقول: ما أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر مني.
أسامة بن زيد، عن نافع: أن ابن عمر ذكر سعيد بن المسيب، فقال: هو -والله- أحد المفتين.
قال أحمد بن حنبل، وغير واحد: مرسلات سعيد بن المسيب صحاح.
وقال قتادة، ومكحول، والزهري، وآخرون -واللفظ لقتادة: ما رأيت أعلم من سعيد بن المسيب.
قال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أحدًا أوسع علمًا من ابن المسيب، هو عندي أجل التابعين.
عبد الرحمن بن حرملة: سمعت ابن المسيب يقول: حججت أربعين حجة.
قال يحيى بن سعيد الأنصاري: كان سعيد يكثر أن يقول في مجلسه: اللهم سلم سلم.
معن: سمعت مالكًا يقول: قال ابن المسيب: إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد.
ابن عيينة، عن إبراهيم بن طريف، عن حميد بن يعقوب، سمع سعيد بن المسيب، يقول: سمعت من عمر كلمة ما بقي أحد سمعها غيري.
أبو إسحاق الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت عمر على المنبر، وهو يقول: لا أجد أحدًا جامع فلم يغتسل، أنزل أو لم ينزل إلَّا عاقبته.
ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، قال: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر. وكانت خلافته عشر سنين وأربعة أشهر.
الواقدي: حدثني هشام بن سعد سمعت الزهري وسئل عمن أخذ سعيد بن المسيب
стр. 2358
علمه؟ فقال: عن زيد بن ثابت. وجالس: سعدًا، وابن عباس، وابن عمر، ودخل على أزواج النبي ﷺ : عائشة، وأم سلمة. وسمع من: عثمان، وعلي، وصهيب، ومحمد بن مسلمة، وجل روايته المسندة عن أبي هريرة، كان زوج ابنته وسمع من: أصحاب عمر وعثمان. وكان يقال: ليس أحد أعلم بكل ما قضى به عمر وعثمان منه.
وعن قدامة بن موسى، قال: كان ابن المسيب يفتي والصحابة أحياء.
وعن محمد بن يحيى بن حبان، قال: كان المقدم في الفتوى في دهره سعيد بن المسيب، ويقال له: فقيه الفقهاء.
الواقدي: حدثنا ثور بن زيد، عن مكحول، قال: سعيد بن المسيب عالم العلماء.
وعن علي بن الحسين، قال: ابن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار، وأفقههم في رأيه.
جعفر بن برقان: أخبرني ميمون بن مهران، قال: أتيت المدينة، فسألت عن أفقه أهلها، فدفعت إلى سعيد بن المسيب.
قلت: هذا يقوله ميمون مع لقية لأبي هريرة وابن عباس.
عمر بن الوليد الشني، عن شهاب بن عباد العصري: حججت، فأتينا المدينة، فسألنا عن أعلم أهلها، فقالوا: سعيد.
قلت: عمر ليس بالقوي. قاله: النسائي.
معن بن عيسى، عن مالك، قال: كان عمر بن عبد العزيز لا يقضي بقضية يعني: وهو أمير المدينة حتى يسأل سعيد بن المسيب، فأرسل إليه إنسانًا يسأله، فدعاه، فجاء. فقال عمر له: أخطأ الرسول، إنما أرسلناه يسألك في مجلسك. وكان عمر يقول: ما كان بالمدينة عالم إلَّا يأتيني بعلمه، وكنت أوتى بما عند سعيد بن المسيب.
سلام بن مسكين: حدثني عمران بن عبد الله الخزاعي، قال: سألني سعيد بن المسيب، فانتسبت له، فقال: لقد جلس أبوك إلي في خلافة معاوية، وسألني. قال سلام: يقول عمران: والله ما أراه مر على أذنه قط إلَّا وعاه قلبه يعني: ابن المسيب وإني أرى أن نفس سعيد كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذباب.
جعفر بن برقان: حدثنا ميمون بن مهران بلغني أن سعيد بن المسيب بقي أربعين سنة لم يأت المسجد فيجد أهله قد استقبلوه خارجين من الصلاة.
стр. 2359
عفان: حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد: قلت لسعيد بن المسيب: يزعم قومك أن ما منعك من الحجإلَّا أنك جعلت الله عليك إذا رأيت الكعبة أن تدعو على ابن مروان قال: ما فعلت وما أصلي صلاة إلَّا دعوت الله عليهم وإني قد حججت واعتمرت بضعًا وعشرين مرة، وإنما كتبت علي حجة واحدة وعمرة، وإني أرى ناسًا من قومك يستدينون ويحجون ويعتمرون ثم يموتون ولا يقضى عنهم، ولجمعة أحب إلي من حجة أو عمرة تطوعًا فأخبرت بذلك الحسن، فقال: ما قال شيئًا، لو كان كما قال، ما حج أصحاب رسول الله ﷺ ولا اعتمروا.
فصل: في عزة نفسه وصدعه بالحق
سلام بن مسكين: حدثنا عمران بن عبد الله، قال: كان لسعيد بن المسيب في بيت المال بضعة وثلاثون ألفًا، عطاؤه. وكان يدعى إليها، فيأبى، ويقول: لا حاجة لي فيها حتى يحكم الله بيني وبين بني مروان.
حماد بن سلمة: أنبأنا علي بن زيد: أنه قيل لسعيد بن المسيب: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك، ولا يحركك، ولا يؤذيك؟ قال والله ما أدري إلَّا أنه دخل ذات يوم مع أبيه المسجد فصلى صلاة لا يتم ركوعها ولا سجودها فأخذت كفًا من حصى فحصبته بها زعم أن الحجاج قال: ما زلت بعد أحسن الصلاة.
في "الطبقات" لابن سعد: أنبأنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، حدثنا ميمون، وأنبأنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أبو المليح عن ميمون ابن مهران، قال: قدم عبد الملك بن مروان المدينة فامتنعت منه القائلة، واستيقظ، فقال لحاجبه: انظر، هل في المسجد أحد من حداثنا؟ فخرج، فإذا سعيد بن المسيب في حلقته، فقام حيث ينظر إليه، ثم غمزه، وأشار إليه بأصبعه، ثم ولى فلم يتحرك سعيد فقال لا أراه فطن فجاء ودنا منه ثم غمزه وقال: ألم ترني أشير إليك؟ قال وما حاجتك؟ قال أجب أمير المؤمنين. فقال: إلي أرسلك؟ قال: لا، ولكن قال: انظر بعض حداثنا فلم أرى أحدًا أهيأ منك قال: اذهب فأعلمه أني لست من حداثه. فخرج الحاجب وهو يقول: ما أرى هذا الشيخ إلَّا مجنونًا وذهب، فأخبر عبد الملك، فقال: ذاك سعيد بن المسيب فدعه.
سليمان بن حرب، وعمرو بن عاصم: حدثنا سلام بن مسكين، عن عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي، قال: حج عبد الملك بن مروان فلما قدم المدينة، ووقف على باب
стр. 2360
المسجد، أرسل إلى سعيد بن المسيب رجلًا يدعوه ولا يحركه. فأتاه الرسول، وقال: أجب أمير المؤمنين، واقف بالباب يريد أن يكلمك فقال: ما لأمير المؤمنين إلي حاجة، ومالي إليه حاجة وإن حاجته لي غير مقضية فرجع الرسول، فأخبره، فقال: ارجع، فقل له: إنما أريد أن أكلمك، ولا تحركه فرجع إليه فقال له: أجب أمير المؤمنين فرد عليه مثل ما قال أولًا. فقال: لولا أن تقدم إلي فيك، ما ذهبت إليه إلَّا برأسك يرسل إليك أمير المؤمنين يكلمك تقول: مثل هذا فقال: إن كان يريد أن يصنع بي خيرًا فهو لك، وإن كان يريد غير ذلك فلا أرحل حبوتي حتى يقضي ما هو قاض فأتاه فأخبره فقال: رحم الله أبا محمد أبى إلَّا صلابة.
زاد عمرو بن عاصم في حديثه بهذا الإسناد: فلما استخلف الوليد، قدم المدينة، فدخل المسجد، فرأى شيخًا قد اجتمع عليه الناس فقال: من هذا؟ قالوا: سعيد بن المسيب فلما جلس أرسل إليه، فأتاه الرسول فقال: أجب أمير المؤمنين. فقال: لعلك أخطأت باسمي، أو لعله أرسلك إلى غيري. فرد الرسول، فأخبره، فغضب، وهم به. قال: وفي الناس يومئذ تقية فأقبلوا عليه فقالوا: يا أمير المؤمنين فقيه المدينة، وشيخ قريش، وصديق أبيك، لم يطمع ملك قبلك أن يأتيه. فما زالوا به حتى أضرب عنه.
عمران بن عبد الله -من أصحاب سعيد بن المسيب: ما علمت فيه لينًا. قلت: كان عند سعيد بن المسيب أمر عظيم من بني أمية وسوء سيرتهم، وكان لا يقبل عطاءهم.
قال معن بن عيسى: حدثنا مالك، عن ابن شهاب: قلت لسعيد بن المسيب: لو تبديت وذكرت له البادية وعيشها والغنم. فقال كيف بشهود العتمة.
ابن سعد: أنبأنا الوليد بن عطاء بن الأغر المكي، أنبأنا عبد الحميد بن سليمان، عن أبي حازم سمعت سعيد بن المسيب يقول: لقد رأيتني ليالي الحرة، وما في المسجد أحد غيري. وإن أهل الشام ليدخلون زمرًا يقولون: انظروا إلى هذا المجنون. وما يأتي وقت صلاة إلَّا وسمعت أذانًا في القبر، ثم تقدمت فأقمت، وصليت، وما في المسجد أحد غيري.
عبد الحميد هذا: ضعيف.
الواقدي: حدثنا طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: كان سعيد أيام الحرة في المسجد لم يخرج، وكان يصلي معهم الجمعة، ويخرج في الليل. قال: فكنت إذا حانت الصلاة أسمع أذانًا يخرج من قبل القبر حتى أمن الناس.
стр. 2361
ذكر محنته:
الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، وغيره من أصحابنا، قالوا: استعمل ابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري على المدينة، فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير. فقال سعيد بن المسيب: لا، حتى يجتمع الناس فضربه ستين سوطًا، فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إلى جابر يلومه، ويقول: مالنا ولسعيد دعه.
وعن عبد الواحد بن أبي عون، قال: كان جابر بن الأسود -عامل ابن الزبير على المدينة- قد تزوج الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، فلما ضرب سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه: والله ما ربعت على كتاب الله، وإنك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة وما هي إلَّا ليال، فاصنع ما بدا لك، فسوف يأتيك ما تكره. فما مكث إلَّا يسيرًا حتى قتل ابن الزبير.
الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، وغيره: أن عبد العزيز بن مروان توفي بمصر سنة أربع وثمانين، فعقد عبد الملك لابنيه: الوليد وسليمان بالعهد، وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان وعامله يومئذ على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي. فدعا الناس إلى البيعة، فبايعوا وأبى سعيد بن المسيب أن يبايع لهما، وقال: حتى أنظر فضربه هشام ستين سوطًا، وطاف به في تبان من شعر، حتى بلغ به رأس الثنية، فلما كروا به، قال: أين تكرون بي؟ قالوا: إلى السجن. فقال: والله لولا أني ظننته الصلب ما لبست هذا التبان أبدًا. فردوه إلى السجن، فحبسه، وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه. فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع به ويقول: سعيد كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه، وإنا لنعلم ما عنده خلاف.
وحدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن المسور بن رفاعة، قال: دخل قبيصة بن ذؤيب على عبد الملك بكتاب هشام بن إسماعيل يذكر أنه ضرب سعيدًا وطاف به قال قبيصة: يا أمير المؤمنين، يفتات عليك هشام بمثل هذا، والله لا يكون سعيدًا أبدًا أمحل ولا ألج منه حين يضرب لو لم يبايع سعيد ما كان يكون منه، وما هو ممن يخاف فتقه، يا أمير المؤمنين اكتب إليه فقال عبد الملك: اكتب أنت إليه عني تخبره برأيي فيه وما خالفني من ضرب هشام إياه فكتب قبيصة بذلك إلى سعيد، فقال سعيد حين قرأ الكتاب: الله بيني وبين من ظلمني.
حدثني عبد الله بن يزيد الهذلي، قال: دخلت على سعيد بن المسيب السجن، فإذا هو قد ذبحت له شاة فجعل الإهاب على ظهره، ثم جعلوا له بعد ذلك قضبًا رطبًا. وكان كلما نظر إلى عضديه قال اللهم انصرني من هشام.
стр. 2362
شيبان بن فروخ: حدثنا سلام بن مسكين، حدثنا عمران بن عبد الله الخزاعي، قال: دعى سعيد بن المسيب للوليد وسليمان بعد أبيهما، فقال لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار. فقيل: ادخل واخرج من الباب الآخر. قال: والله لا يقتدي بي أحد من الناس. قال: فجلده مائة، وألبسه المسوح.
ضمرة بن ربيعة: حدثنا رجاء بن جميل، قال: قال عبد الرحمن بن عبد القاري لسعيد بن المسيب حين قامت البيعة للوليد وسليمان بالمدينة: إني مشير عليك بخصال. قال: ما هن؟ قال: تعتزل مقامك فإنك تقوم حيث يراك هشام بن إسماعيل قال: ما كنت لأغير مقامًا قمته منذ أربعين سنة قال تخرج معتمرًا. قال ما كنت لأنفق مالي وأجهد بدني في شيء ليس لي فيه نية. قال فما الثالثة؟ قال: تبايع قال أرأيت إن كان الله أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما علي؟ قال -وكان أعمى- قال رجاء: فدعاه هشام بن إسماعيل إلى البيعة فأبى فكتب فيه إلى عبد الملك فكتب إليه عبد الملك مالك ولسعيد وما كان علينا منه شيء نكرهه، فأما إذ فعلت فاضربه ثلاثين سوطًا، وألبسه تبان شعر، وأوقفه للناس، لئلا يقتدي به الناس، فدعاه هشام، فأبى وقال: لا أبايع لاثنين. فألبسه تبان شعر وضربه ثلاثين سوطًا، وأوقفه للناس. فحدثني الأيليون الذين كانوا في الشرط بالمدينة، قالوا: علمنا أنه لا يلبس التبان طائعًا، قلنا له: يا أبا محمد، إنه القتل، فاستر عورتك. قال: فلبسه فلما ضرب تبين له أنا خدعناه. قال يا معجلة أهل أيلة لولا أني ظننت أنه القتل ما لبسته.
وقال هشام بن زيد: رأيت ابن المسيب حين ضرب في تبان شعر.
يحيى بن غيلان: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، قال: أتيت سعيد بن المسيب، وقد ألبس تبان شعر، وأقيم في الشمس، فقلت لقائدي: أدنني منه فأدناني منه فجعلت أسأله خوفًا من أن يفوتني، وهو يجيبني حسبة والناس يتعجبون.
قال أبو المليح: الرقي حدثني غير واحد: أن عبد الملك ضرب سعيد بن المسيب خمسين سوطًا، وأقامه بالحرة وألبسه تبان شعر فقال سعيد: لو علمت أنهم لا يزيدوني على الضرب ما لبسته، إنما تخوفت من أن يقتلوني، فقلت: تبان أستر من غيره.
قبيصة: حدثنا سفيان عن رجل من آل عمر قال: قلت لسعيد بن المسيب: ادع على بني أمية. قال اللهم: أعز دينك، وأظهر أولياءك، واخز أعداءك، في عافية لأمة محمد ﷺ .
أبو عاصم النبيل، عن أبي يونس القوي، قال: دخلت مسجد المدينة، فإذا سعيد بن المسيب جالس وحده، فقلت: ما شأنه؟ قيل: نهي أن يجالسه أحد.
стр. 2363
همام، عن قتادة: أن ابن المسيب كان إذا أراد أحدا أن يجالسه، قال: إنهم قد جلدوني، ومنعوا الناس أن يجالسوني.
عن أبي عيسى الخراساني، عن ابن المسيب، قال: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلَّا بإنكار من قلوبكم لكيلا تحبط أعمالكم.
تزويجه ابنته:
أنبئت عن أبي المكارم الشروطي، أنبأنا أبو علي، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا الحسن بن عبد العزيز، قال: كتب إلى ضمرة بن ربيعة، عن إبراهيم بن عبد الله الكناني: أن سعيد بن المسيب زوج ابنته بدرهمين.
سعيد بن منصور: حدثنا مسلم الزنجي عن يسار بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب: أنه زوج ابنة له على درهمين من ابن أخيه.
وقال أبو بكر بن أبي داود: كانت بنت سعيد قد خطبها عبد الملك لابنه الوليد، فأبى عليه، فلم يزل يحتال عبد الملك عليه حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد، وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف ثم قال: حدثني أحمد ابن أخي عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عمر بن وهب، عن عطاف بن خالد، عن ابن حرملة، عن ابن أبي وداعة -يعني: كثيرًا- قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب، ففقدني أيامًا فلما جئته، قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي، فاشتغلت بها. فقال: ألَّا أخبرتنا فشهدناها. ثم قال: هل استحدثت امرأة؟ فقلت: يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلَّا درهمين أو ثلاثة؟ قال: أنا. فقلت: وتفعل؟ قال: نعم ثم تحمد، وصلى على النبي ﷺ وزوجني على درهمين أو قال: ثلاثة فقمت، وما أدري ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر فيمن أستدين. فصليت المغرب، ورجعت إلى منزلي، وكنت وحدي صائمًا فقدمت عشائي أفطر، وكان خبزًا وزيتًا فإذا بابي يقرع. فقلت: من هذا؟ فقال: سعيد فأفكرت في كل من اسمه سعيد إلَّا ابن المسيب فإنه لم ير أربعين سنة إلَّا بين بيته والمسجد، فخرجت، فإذا سعيد، فظننت أنه قد بدا له. فقلت: يا أبا محمد، إلَّا أرسلت إلي فآتيك؟ قال: لا أنت أحق أن تؤتى، إنك كنت رجلًا عزبًا فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذه امرأتك فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذ بيدها، فدفعها في الباب ورد الباب. فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم وضعت القصعة في ظل السراج لكي لا تراه ثم صعدت السطح فرميت الجيران فجاؤوني فقالوا ما شأنك فأخبرتهم ونزلوا إليها وبلغ أمي
стр. 2364
فجاءت، وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام. فأقمت ثلاثًا، ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظ الناس لكتاب الله، وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ وأعرفهم بحق زوج. فمكثت شهرًا لا آتي سعيد بن المسيب، ثم أتيته وهو في حلقته، فسلمت فرد علي السلام، ولم يكلمني حتى تقوض المجلس. فلما لم يبقى غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: خير يا أبا محمد على ما يحب الصديق، ويكره العدو. قال: إن رابك شيء فالعصا فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم.
قال أبو بكر بن أبي داود: ابن أبي وداعة هو كثير بن المطلب بن أبي وداعة.
قلت: هو سهمي، مكي، روى عن: أبيه المطلب، أحد مسلمة الفتح. وعنه: ولده، جعفر بن كثير وابن حرملة.
تفرد بالحكاية: أحمد بن عبد الرحمن بن وهب. وعلى ضعفه قد احتج به مسلم.
قال عمرو بن عاصم: حدثنا سلام بن مسكين، حدثنا عمران بن عبد الله، قال: زوج سعيد بن المسيب بنتًا له من شاب من قريش، فلما أمست، قال لها: شدي عليك ثيابك، واتبعيني ففعلت، ثم قال: صلي ركعتين. فصلت: ثم أرسل إلى زوجها، فوضع يدها في يده وقال انطلق بها فذهب بها فلما رأتها أمه، قالت: من هذه قال: امرأتي. قالت: وجهي من وجهك حرام إن أفضيت إليها حتى أصنع بها صالح ما يصنع بنساء قريش فأصلحتها ثم بنى بها.
ومن معرفته بالتعبير:
قال الواقدي: كان سعيد بن المسيب من أعبر الناس للرؤيا أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر الصديق وأخذته أسماء عن أبيها ثم ساق الواقدي عدة منامات منها:
حدثنا موسى بن يعقوب، عن الوليد بن عمرو بن مسافع، عن عمر بن حبيب بن قليع، قال: كنت جالسًا عند سعيد بن المسيب يومًا، وقد ضاقت بي الأشياء، ورهقني دين فجاءه رجل فقال رأيت كأني أخذت عبد الملك ابن مروان، فأضجعته إلى الأرض وبطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد قال: ما أنت رأيتها. قال: بلى قال لا أخبرك أو تخبرني. قال: ابن الزبير رآها، وهو بعثني إليك. قال: لئن صدقت رؤياه قتله عبد الملك، وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة. قال: فرحلت إلى عبد الملك بالشام فأخبرته فسر، وسألني عن سعيد وعن حاله، فأخبرته، وأمر بقضاء ديني وأصبت منه خيرًا.
стр. 2365
قال: وحدثني الحكم بن القاسم، عن إسماعيل بن أبي حكيم، قال: قال رجل: رأيت كأن عبد الملك بن مروان يبول قبلة مسجد النبي ﷺ أربع مرار فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: إن صدقت رؤياك قام فيه من صلبه أربعة خلفاء.
وأخبرنا عبد السلام بن حفص، عن شريك بن أبي نمر: قلت لسعيد ابن المسيب: رأيت كأن أسناني سقطت في يدي ثم دفنتها. فقال إن صدقت رؤياك دفنت أسنانك من أهل بيتك.
وحدثنا ابن أبي ذئب، عن مسلم الحناط: قال رجل لابن مسيب رأيت أني أبول في يدي فقال: اتق الله، فإن تحتك ذات محرم فنظر فإذا امرأة بينهما رضاع.
وبه، وجاءه آخر، فقال: أراني كأني أبول في أصل زيتونة. فقال إن تحتك ذات رحم فنظر فوجد كذلك.
وقال له رجل: إني رأيت كأن حمامة وقعت على المنارة. فقال يتزوج الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر.
وبه، عن ابن المسيب، قال: الكبل في النوم ثبات في الدين. وقيل له: يا أبا محمد رأيت كأني في الظل، فقمت إلى الشمس. فقال: إن صدقت رؤياك، لتخرجن من الإسلام. قال يا أبا محمد إني أراني أخرجت حتى أدخلت في الشمس فجلست. قال: تكره على الكفر. قال: فأسر، وأكره على الكفر، ثم رجع فكان يخبر بهذا بالمدينة.
وحدثنا عبد الله بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب: قال رجل لابن المسيب: إنه رأى كأنه يخوض النار. قال: لا تموت حتى تركب البحر، وتموت قتيلًا فركب البحر وأشفى على الهلكة، وقتل يوم قديد.
وحدثنا الصالح بن خوات، عن ابن المسيب، قال آخر الرؤيا أربعون سنة يعني تأويلها.
روى هذا الفصل: ابن سحد في "الطبقات"، عن الواقدي.
سلام بن مسكين، عن عمران، بن عبد الله، قال: رأى الحسن بن علي كأن بين عينيه مكتوب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾، فاستبشر به، وأهل بيته. فقصوها على سعيد بن المسيب فقال: إن صدقت رؤياه فقلما بقي من أجله فمات بعد أيام.
стр. 2366
ومن كلامه:
سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: ما أيس الشيطان من شيء إلَّا أتاه من قبل النساء ثم قال لنا سعيد -وهو ابن أربع وثمانين سنة، وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى-: ما شيء أخوف عندي من النساء.
وقال: ما أصلي صلاة، إلَّا دعوت الله على بني مروان.
قتيبة: حدثنا عطاف بن خالد، عن ابن حرملة قال: ما سمعت سعيد بن المسيب سب أحد من الأئمة، إلَّا أني سمعته يقول: قاتل الله فلانًا، كان أول من غير قضاء رسول الله ﷺ فإنه قال: "الولد للفراش" (١).
سلام بن مسكين، عن عمران بن عبد الله، قال: كان ابن المسيب لا يقبل من أحد شيئًا.
العطاف، عن ابن حرملة، قال قال سعيد: لا تقولوا مصيحف ولا مسيجد ما كان لله فهو عظيم حسن جميل.
عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: حدثني يحيى بن سعيد، سمع ابن المسيب يقول: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يعطي منه حقه، ويكف به وجهه عن الناس.
الثوري، عن يحيى بن سعيد: أن ابن المسيب خلف مئة دينار. وعن عباد بن يحيى بن سعيد: أن ابن المسيب خلف ألفين أو ثلاثة آلاف. وعن ابن المسيب، قال: ما تركتها إلَّا لأصون بها ديني وعنه قال من استغنى بالله، افتقر الناس إليه.
داود بن عبد الرحمن العطار، عن بشر بن عاصم، قال: قلت لسعيد بن المسيب: يا عم ألَّا تخرج، فتأكل اليوم مع قومك؟ قال: معاذ الله يا ابن أخي أدع خمسًا وعشرين صلاة خمس صلوات قد سمعت كعبًا (٢) يقول وددت أن هذا اللبن عاد قطرانًا تتبع قريش أذناب الإبل في هذه الشعاب إن الشيطان مع الشاذ وهو من الاثنين أبعد.
стр. 2367
العطاف بن خالد، عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب: أنه اشتكى عينه، فقالوا: لو خرجت إلى العقيق، فنظرت إلى الخضرة لوجدت لذلك خفة قال فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح.
العطاف، عن ابن حرملة: قلت لبرد مولى ابن المسيب: ما صلاة ابن المسيب في بيته؟
قال: ما أدري، إنه ليصلي صلاة كثيرة، إلَّا أنه يقرأ بـ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر﴾ [ص: ١].
وقال عمرو بن عاصم: حدثنا عاصم بن العباس الأسدي، قال: كان سعيد بن المسيب يذكر، ويخوف، وسمعته يقرأ في الليل على راحلته فيكثر، وسمعته يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان يحب أن يسمع الشعر، وكان لا ينشده، ورأيته يمشي حافيًا وعليه بت، ورأيته يخفي شاربه شبيهًا بالحلق، ورأيته يصافح كل من لقيه، وكان يكره كثرة الضحك.
سفيان الثوري، عن داود بن أبي هند، عن سعيد: أنه كان يستحب أن يسمي ولده بأسماء الأنبياء.
حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: أنه كان يصلي التطوع في رحله، وكان يلبس ملاء شرقية.
سلام بن مسكين: حدثني عمران بن عبد الله، قال: ما أحصي ما رأيت على سعيد بن المسيب من عدة قمص الهروي، وكان يلبس هذه البرود الغالية البيض.
أبان بن يزيد: حدثنا قتادة: سألت سعيدًا عن الصلاة على الطنفسة، فقال: محدث.
موسى بن إسماعيل: حدثنا عمران بن محمد بن سعيد بن المسيب، حدثني غنيمة جارية سعيد: أنه كان لا يأذن لبنته في لعب العاج، ويرخص لها في الكبر تعني: الطبل.
إسماعيل بن أبي أويس: حدثنا محمد بن هلال، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: ما تجارة أعجب إلي من البز ما لم يقع فيه أيمان!.
مطرف بن عبد الله: حدثنا مالك، قال: قال برد مولى ابن المسيب لسعيد بن المسيب: ما رأيت أحسن ما يصنع هؤلاء! قال سعيد: وما يصنعون؟ قال: يصلي أحدهم الظهر، ثم لا يزال صافًا رجليه حتى يصلي العصر فقال: ويحك يا برد! أما -والله- ما هي بالعبادة، إنما العبادة التفكر في أمر الله والكف عن محارم الله.
стр. 2368
سلام بن مسكين: حدثنا عمران بن عبد الله الخزاعي، قال: قال سعيد بن المسيب ما خفت على نفسي شيئًا مخافة النساء. قالوا يا أبا محمد إن مثلك لا يريد النساء، ولا تريده النساء. فقال: هو ما أقول لكم، وكان شيخًا كبيرًا أعمش.
الواقدي: أنبأنا طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه: قال سعيد بن المسيب: قلة العيال أحد اليسرين.
حماد بن زيد: حدثنا علي بن زيد، قال: قال لي سعيد بن المسيب: قل لقائدك يقوم، فينظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده. فقام، وجاء فقال: رأيت وجه زنجي، وجسد أبيض. فقال سعيد: إن هذا سب هؤلاء: طلحة والزبير وعليًا ﵃ فنيهته، فأبى فدعوت الله عليه قلت: إن كنت كاذبًا، فسود الله وجهك. فخرجت بوجهه قرحة، فاسود وجهه.
مالك، عن يحيى بن سعيد، قال: سئل سعيد بن المسيب عن آية: فقال سعيد: لا أقول في القرآن شيئًا.
قلت: ولهذا قل ما نقل عنه في التفسير.
ذكر لباسه:
قال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا قبيصة، عن عبيد بن نسطاس، قال: رأيت سعيد بن المسيب يعتم بعمامة سوداء، ثم يرسلها خلفه، ورأيت عليه إزارًا وطيلسانًا وخفين.
أخبرنا معن، حدثنا محمد بن هلال: أنه رأى سعيد بن المسيب يعتم وعليه قلنسوة لطيفة بعمامة بيضاء لها علم أحمر يرخيها وراءه شبرًا.
أخبرنا القعنبي، حدثنا عثيم: رأيت ابن المسيب يلبس في الفطر والأضحى عمامة سوداء، ويلبس عليها برنسًا أحمر أرجوانيًا.
أخبرنا عارم، حدثنا حماد، عن شعيب بن الحبحاب: رأيت على سعيد بن المسيب برنس أرجوان.
أخبرنا أبو نعيم، حدثنا خالد بن إلياس: رأيت على سعيد قميصًا إلى نصف ساقه، وكماه إلى أطراف أصابعه ورداء فوق القميص، خمسة أذرع وشبر.
أخبرنا روح، أخبرنا سعيد، عن قتادة عن إسماعيل بن عمران قال: كان سعيد بن المسيب يلبس طيلسانًا أزراره ديباج.
стр. 2369
أخبرنا معن، حدثنا محمد بن هلال، قال: لم أرى سعيدًا لبس غير البياض.
وعن ابن المسيب: أنه كان يلبس سراويل.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا أبو معشر، قال: رأيت على سعيد بن المسيب الخز.
أخبرنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن عمرو، قال: كان ابن المسيب لا يخضب.
أخبرنا خالد بن مخلد، حدثنا محمد بن هلال: رأيت سعيد بن المسيب يصفر لحيته.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أويس، حدثنا أبو الغصن: أنه رأى سعيد بن المسيب أبيض الرأس واللحية.
وعن يحيى بن سعيد: أن ابن المسيب كان إذا مر بالمكتب، قال للصبيان: هؤلاء الناس بعدنا.
ذكر مرضه ووفاته:
قال ابن سعد: حدثنا خالد بن مخلد، حدثني سليمان بن بلال، حدثني عبد الرحمن بن حرملة، قال: دخلت على سعيد بن المسيب وهو شديد المرض، وهو يصلي الظهر، وهو مستلق يومئ إيماء، فسمعته يقرأ: بـ "الشمس وضحاها".
الثوري، عن ابن حرملة، قال: كنت مع ابن المسيب في جنازة، فقال رجل: استغفروا لها. فقال: ما يقول راجزهم! قد حرجت على أهلي أن يرجز معي راجز، وأن يقولوا: مات سعيد بن المسيب، حسبي من يقلبني إلى ربي، وأن يمشوا معي بمجمر، فإن أكن طيبًا، فما عند الله أطيب من طيبهم.
معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: أوصيت أهلي بثلاث: أن لا يتبعني راجز ولا نار، وأن يعجلوا بي، فإن يكن لي عند الله خير، فهو خير مما عندكم.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، حدثني أبي، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، قال: اشتد وجع سعيد بن المسيب، فدخل عليه نافع بن جبير يعوده، فأغمي عليه،
فقال نافع: وجهوه. ففعلوا، فأفاق، فقال: من أمركم أن تحلوا فراشي إلى القبلة، أنافع؟ قال: نعم. قال له سعيد: لئن لم أكن على القبلة والملة والله لا ينفعني توجيهكم فراشي.
стр. 2370
ابن أبي ذئب، عن أخيه المغيرة: أنه دخل مع أبيه على سعيد، وقد أغمي عليه، فوجه إلى القبلة، فلما أفاق، قال: من صنع بي هذا، ألست امرءًا مسلمًا؟ وجهي إلى الله حيث ما كنت.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن القيس الزيات، عن زرعة بن عبد الرحمن: قال سعيد بن المسيب: يا زرعة، إني أشهدك على ابني محمد لا يؤذنن بي أحدًا، حسبي أربعة يحملوني إلى ربي.
وعن يحيى بن سعيد، قال: لما احتضر سعيد بن المسيب، ترك دنانير، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أتركهاإلَّا لأصون بها حسبي وديني.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة: شهدت سعيد بن المسيب يوم مات سنة أربع وتسعين، فرأيت قبره قد رش عليه الماء، وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها.
وقال الهيثم بن عدي: مات في سنة أربع وتسعين عدة فقهاء، منهم سعيد بن المسيب. وفيها أرخ وفاة ابن المسيب: سعيد بن عفير، وابن نمير، والواقدي. وما ذكر ابن سعد سواه.
وقال أبو نعيم، وعلي بن المديني: توفي سنة ثلاث وتسعين.
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا حماد بن خالد الخياط: أن سعيد بن المسيب توفي سنة خمس وتسعين، والأول أصح.
وأما ما قال المدائني، وغيره من أنه توفي سنة خمس ومائة، فغلط. وتبعه عليه بعضهم، وهي رواية عن ابن معين. ومال إليه: أبو عبد الله الحاكم، والله أعلم.
آخر الترجمة، والحمد الله.
стр. 2371
٤٥٧ - عبد الملك بن مروان (١):
ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الخليفة، الفقيه، أبو الوليد الأموي. ولد: سنة ست
وعشرين.
سمع عثمان، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وأم سلمة، ومعاوية، وابن عمر، وبريرة، وغيرهم.
ذكرته لغزارة علمه.
حدث عنه: عروة، وخالد بن معدان، ورجاء بن حيوة، وإسماعيل بن عبيد الله، والزهري، وربيعة بن يزيد، ويونس بن ميسرة، وآخرون.
تملك بعد أبيه الشام ومصر، ثم حارب ابن الزبير الخليفة، وقتل أخاه مصعبًا في وقعة مسكن، واستولى على العراق وجهز الحجاج لحرب بن الزبير، فقتل ابن الزبير سنة اثنتين وسبعين، واستوسقت الممالك لعبد الملك.
قال ابن سعد: كان قبل الخلافة عابدًا ناسكًا بالمدينة. شهد مقتل عثمان وهو ابن عشر، واستعمله معاوية على المدينة -كذا قال- وإنما استعمل أباه.
وكان أبيض، طويلًا، مقرون الحاجبين، أعين، مشرف الأنف، رقيق الوجه، ليس بالبادن، أبيض الرأس واللحية.
عبد الله بن العلاء بن زبر: عن يونس بن ميسرة، عن عبد الملك، أنه قال على المنبر: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم لا يغزو، أو يجهز غازيًا أو يخلفه بخير إلَّا أصابه الله بقارعة قبل الموت" (٢).
قال عبادة بن نسي: قال ابن عمر: إن لمروان ابنًا فقيهًا، فسلوه.
وقيل: إن أبا هريرة نظر إلى عبد الملك وهو غلام فقال هذا يملك العرب.
جرير بن حازم، عن نافع قال: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرًا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك.
وقال أبو الزناد: فقهاء المدينة: سعيد بن المسيب، وعبد الملك، وعروة، وقبيصة بن ذؤيب.
وعن ابن عمر: ولد الناس أبناء وولد مروان أبًا.
وعن يحيى بن سعيد الأنصاري: أول من صلى بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان، وفتيان معه كانوا يصلون إلى العصر.
стр. 2372
إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: ما جالست أحدًا إلَّا وجدت لي عليه الفضل إلَّا عبد الملك وقيل: إنه تأوه من تنفيذ يزيد جيشه إلى حرب ابن الزبير فلما ولي الأمر جهز إليه الحجاج الفاسق.
قال ابن عائشة أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف بين يديه، فأطبقه، وقال: هذا آخر العهد بك.
قلت: اللهم لا تمكر بنا.
قال الأصمعي: قيل لعبد الملك: عجل بك الشيب. قال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة.
قال مالك: أول من ضرب الدنانير عبد الملك، وكتب عليها القرآن.
وقال يوسف بن الماجشون: كان عبد الملك إذا جلس للحكم، قيم على رأسه بالسيوف.
وعن يحيى بن يحيى الغساني، قال: كان عبد الملك كثيرًا ما يجلس إلى أم الدرداء في مؤخر مسجد دمشق. فقالت: بلغني أنك شربت الطلاء (١) بعد النسك والعبادة! فقال: إي والله والدماء.
وقيل: كان أبخر.
قال الشعبي: خطب عبد الملك فقال: اللهم إن ذنوبي عظام، وهي صغار في جنب عفوك يا كريم فاغفرها لي.
قلت: كان من رجال الدهر ودهاة الرجال وكان الحجاج من ذنوبه.
توفي في شوال سنة ست وثمانين، عن نيف وستين سنة.
стр. 2373
٤٥٨ - عبد العزيز بن مروان (١): " د"
ابن الحكم، أمير مصر، أبو الأصبغ المدني ولي العهد بعد عبد الملك، عقد له بذلك أبوه، واستقل بملك مصر عشرين سنة وزيادة.
يروي عن أبيه، وأبي هريرة وعقبة بن عامر وابن الزبير. وله بدمشق دار إلى جانب الجامع، هي السميساطية.
روى عنه: ابنه؛ عمر بن عبد العزيز، والزهري، وكثير بن مرة، وعلي بن رباح، وابن أبي ملكية، وبحير بن ذاخر.
وثقه ابن سعد، والنسائي. وله في "سنن أبي داود" حديث.
قال سويد بن قيس: بعثني عبد العزيز بن مروان بألف دينار إلى ابن عمر، فجئته بها ففرقها.
قال ابن أبي مليكة: شهدت عبد العزيز عند الموت يقول: يا ليتني لم أكن شيئًا، يا ليتني كهذا الماء الجاري. وقيل: قال: هاتوا كفني، أف لك، ما أقصر طويلك وأقل كثيرك.
وعن حماد بن موسى، قال: لما احتضر عبد العزيز، أتاه البشير يبشره بماله الواصل في العام، فقال: مالك؟ قال: هذه ثلاث مائة مدي من ذهب. قال: مالي وله لوددت، أنه كان بعرًا حائلًا بنجد.
قلت: هذا قول كل ملك كثير الأموال، فهلا يبادر ببذله.
قال ابن سعد، وسعيد بن عفير، والزيادي، وغيرهم: مات سنة خمس ثمانين. وقال ابن يونس: قال الليث: مات في جمادى الآخرة، سنة ست وثمانين.
قلت: الأول أصح، وقد كان مات قبله ابنه أصبغ بستة عشر يومًا، فحزن عليه ومرض ومات بحلوان؛ مدينة صغيرة أنشأها على بريد فوق مصر وعاش أخوه عبد الملك بعده فلما جاءه نعيه عقد بولاية العهد لابنيه: الوليد ثم سليمان.
стр. 2374
٤٥٩ - روح بن زنباع (١):
ابن روح بن سلامة، الأمير الشريف، أبو زرعة الجذامي، الفلسطيني، سيد قومه. وكان شبه الوزير للخليفة عبد الملك.
روى عن: أبيه -وله صحبة- وعن تميم الداري، وعبادة بن الصامت.
وعنه: ابنه؛ روح بن روح، وشرحبيل بن مسلم، وعبادة بن نسي، وآخرون.
وله دار بدمشق في البزوريين (٢) ولي جند فلسطين ليزيد. وكان يوم مرج راهط (٣) مع مروان. وقد وهم مسلم، وقال: له صحبة، وإنما الصحبة لأبيه.
روى ضمرة، عن شيخ له، قال: كان روح بن زنباع إذا خرج من الحمام، أعتق رقبة. قال ابن زبر: توفي سنة أربع وثمانين.
قلت: هو صدوق، وما وقع له شيء في الكتب الستة وحديثه قليل.
стр. 2375
٤٦٠ - ابن أم بُرثن (١): " م، د"
الأمير عبد الرحمن بن آدم البصري، صاحب السقاية، هو عبد الرحمن ابن أم برثن. لعله ابن ملاعنة. وآدم هنا، هو أبونا ﵇ وقيل: عبد الرحمن بن برثم، وابن برثن وقيل: عبد الرحمن مولى أم برثن من جلة التابعين.
روى عن: أبي هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو.
وعنه: أبو العالية الرياحي -وهو من طبقته- وقتادة، وسليمان التيمي، وعوف الأعرابي.
قال المدائني: استعمل عبيد الله بن زياد ابن أم برثن، ثم غضب عليه، وغرمه مائة ألف، فخرج إلى يزيد. قال: فنزلت على مرحلة من دمشق، وضرب لي خباء وحجرة، فإذا كلب دخل في عنقه طوق من ذهب فأخذته وطلع فارس فهبته، وأنزلته فلم ألبث أن توافت الخيل، فإذا هو يزيد بن معاوية. فقال لي بعدما صلى: من أنت؟ فأخبرته، فقال: إن شئت كتبت لك هنا، وإن شئت دخلت. قلت: بل تكتب لي من مكاني. قال: وأمر بأن ترد علي المائة ألف، فرجعت. قال: وأعتق هناك ثلاثين مملوكًا وكان يتأله.
وقال المدائني: رمى عبدًا له بفسود، فأخطأه، وأصاب ولده فنتر دماغه. فخاف الغلام، فقال: اذهب فأنت حر، فلو قتلتك لكنت هلكت، لأني كنت متعمدًا وأصبت
ابني خطأ. ثم عمي عبد الرحمن بعد، ومرض وقيل: كانت أمه تعمل الطيب، وتخالط نساء ابن زياد، فالتقطت هذا وربته.
مات في خلافة عبد الملك بن مروان. وهو ثقة.
стр. 2376
٤٦١ - أبو رجاء العُطاردي (١): " ع"
الإمام الكبير، شيخ الإسلام، عمران بن ملحان التميمي، البصري. من كبار المخضرمين، أدرك الجاهلية وأسلم بعد فتح مكة ولم ير النبي ﷺ أورده: أبو عمر بن عبد البر في كتاب "الاستيعاب" وقيل: إنه رأى أبا بكر الصديق.
حدث عن: عمر، وعلي، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب، وأبي موسى الأشعري، وتلقن عليه القرآن، ثم عرضه على ابن عباس، وهو أسن من ابن عباس.
وكان خيرًا، تلاء لكتاب الله.
قرأ عليه: أبو الأشهب العطاردي، وغيره.
وحدث عنه: أيوب، وابن عون، وعوف الأعرابي، وسعيد بن أبي عروبة، وسلم بن زرير، وصخر بن جويرية، ومهدي بن ميمون، وخلق كثير.
قال جرير بن حازم: سمعته يقول: هربنا من النبي ﷺ فقلت له: ما طعم الدم؟ قال: حلو.
قال الأصمعي: حدثنا أبو عمرو بن العلاء: قلت لأبي رجاء: ما تذكر؟ قال: أذكر قتل بسطام، ثم أنشد:
وخر على الألاءة لم يوسد
وكأن جبينه سيف صقيل
ثم قال الأصمعي: قتل بسطام قبل الإسلام بقليل.
أبو سلمة المنقري: حدثنا أبو الحارث الكرماني [وكان] ثقة قال: سمعت أبا رجاء.
стр. 2377
يقول: أدركت النبي ﷺ وأنا شاب أمرد، ولم أر ناسًا كانوا أضل من العرب، كانوا يجيئون بالشاة البيضاء، فيعبدونها فيختلسها الذئب، فيأخذون أخرى مكانها يعبدونها، وإذا رأوا صخرة حسنة، جاؤوا بها وصلوا إليها فإذا رأوا أحسن منها رموها. فبعث رسول الله ﷺ وأنا أرعى الإبل على أهلي. فلما سمعنا بخروجه لحقنا بمسيلمة.
وقيل: إن اسم أبي رجاء العطاردي عمران بن تيم، وبنو عطارد: بطن من تميم، وكان أبو رجاء -فيما قيل- يخضب رأسه دون لحيته.
قال ابن الأعرابي: كان أبو رجاء عابدًا، كثير الصلاة وتلاوة القرآن، كان يقول: ما آسى على شيء من الدنياإلَّا أن أعفر في التراب وجهي كل يوم خمس مرات.
قال ابن عبد البر: كان رجلًا فيه غفلة، وله عبادة عمر عمرًا طويلًا أزيد من مائة وعشرين سنة.
ذكر الهيثم بن عدي، عن أبي بكر بن عياش، قال: اجتمع في جنازة أبي رجاء الحسن البصري، والفرزدق فقال: الفرزدق: يا أبا سعيد، يقول الناس: اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشرهم فقال الحسن: لست بخير الناس، ولست بشرهم، لكن ما أعددت لهذا اليوم يا أبا فراس؟ قال: شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمد رسول الله وعبده ورسوله. ثم انصرف، وقال:
ألم تر أن الناس مات كبيرهم … وقد كان قبل البعث بعث محمد
ولم يغن عنه عيش سبعين حجة … وستين لما بات غير موسد
إلى حفرة غبراء يكره وردها … سوى أنها مثوى وضيع وسيد
ولو كان طول العمر يخلد واحدًا … ويدفع عنه عيب عمر عمرد
لكان الذي راحوا به يحملونه … مقيمًا ولكن ليس حي بمخلد
نروح ونغدو والحتوف أمامنا … يضعن بنا حتف الردى كل مرصد
أخبرنا إسحاق بن طارق، أنبأنا ابن خليل أنبأنا أحمد بن محمد، أنبأنا الحداد، أنبأنا أبو نعيم، أنبانا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب، حدثنا أبو العباس السراج، حدثنا المفضل بن غسان، حدثنا وهب بن جرير عن أبيه سمعت أبا رجاء يقول: بلغنا أمر النبي ﷺ ونحن على ماء لنا، يقال له: سند فانطلقنا نحو الشجرة هاربين بعيالنا فبينا أنا أسوق القوم، إذ وجدت كراع ظبي فأخذته فأتيت المرأة فقلت: هل عندك شعير؟ فقالت قد كان في
стр. 2378
وعاء لنا عام أول شيء من الشعير، فما أدري بقي منه شيء أم لا. فأخذته، فنفضته، فاستخرجت منه ملء كف من شعير، ورضخته بين حجرين، وألقيته والكراع في برمة لنا، ثم قمت إلى بعير ففصدته إناء من دم، وأوقدت تحته ثم أخذ عوادًا، فلبكته به لبكًا شديدًا حتى أنضجته، ثم أكلنا. فقال له رجل: وكيف طعم الدم؟ قال: حلو.
محرز بن عون: حدثنا يوسف بن عطية، عن أبيه: دخلت على أبي رجاء، فقال: بعث النبي ﷺ وكان لنا صنم مدور، فحملناه على قتب، وتحولنا، ففقدنا الحجر، انسل فوقع في رمل فرجعنا في طلبه فإذا هو في رمل قد غب فيه فاستخرجته، فكان ذلك أول إسلامي. فقلت: إن إلهًا لم يمتنع من تراب يغيب فيه لإله سوء، وإن العنز لتمنع حياها بذنبها. فكان ذلك أول إسلامي. فرجعت إلى المدينة، وقد توفي النبي ﷺ .
قال عمارة المعولي: سمعت أبا رجاء يقول: كنا نعمد إلى الرمل، فنجمعه، ونحلب عليه، فنعبده وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض، فنعبده.
قال أبو الأشهب: كان أبو رجاء العطاردي يختم بنا في قيام لكل عشرة أيام.
قال ابن عبد البر، وغيره: مات أبو رجاء سنة خمس ومائة، وله أزيد من مائة وعشرين سنة وقال غير واحد من المؤرخين: مات سنة سبع ومائة. وقيل: سنة وثمان.
стр. 2379
٤٦٢ - الأسود بن هلال (١): " خ، م، د، س"
أبو سلام المحاربي الكوفي، من كبراء التابعين، أدرك أيام الجاهلية.
وقد حدث عن: عمر، ومعاذ، وابن مسعود، وأبي هريرة، وما هو بالمكثر.
حدث عنه: أشعث بن أبي الشعثاء، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو حصين عثمان بن عاصم، وجماعة.
وثقه يحيى بن معين.
توفي سنة أربع وثمانين.
стр. 2380
٤٦٣ - الربيع بن خُثَيْم (١): " خ، م"
ابن عائذ، الإمام، القدوة، العابد، أبو يزيد الثوري، الكوفي، أحد الأعلام. أدرك زمان النبي ﷺ وأرسل عنه.
وروى عن: عبد الله بن مسعود، وأبي أيوب الأنصاري، وعمرو بن ميمون. وهو قليل الرواية إلَّا أنه كبير الشأن.
حدث عنه: الشعبي، وإبراهيم النخعي، وهلال بن يساف، ومنذر الثوري، وهبيرة بن خزيمة، وآخرون.
وكان يعد من عقلاء الرجال.
روى عن: أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: كان الربيع بن خثيم إذا دخل على ابن مسعود لم يكن له إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه فقال له ابن مسعود: يا أبا يزيد لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك، وما رأيتك إلَّا ذكرت المخبتين.
فهذه منقبة عظيمة للربيع، أخبرني بها إسحاق الأسدي، أنبأنا ابن خليل، أنبأنا أبو المكارم التيمي، أنبأنا أبو علي المقرئ، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا الطبراني، حدثنا عبدان بن أحمد، أزهر بن مروان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عبد الله بن الربيع بن خثيم، حدثنا أبو عبيدة.
أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن منذر الثوري، قال: كان الربيع إذا أتاه الرجل يسأله، قال: اتق الله فيما علمت وما استؤثر به عليك فكله إلى عالمه، لأنا عليكم في العمد أخوف مني عليكم في الخطأ، وما خيركم اليوم بخير، ولكنه خير من آخر شر منه، وما تتبعون الخير حق اتباعه وما تفرون من الشر حق فراره، ولا كل ما أنزل الله على محمد ﷺ أدركتم، ولا كل ما تقرؤون تدرون ما هو ثم يقول: السرائر السرائر اللاتي يخفين من الناس وهن -والله- بواد التمسوا دواءهن، وما دواؤهن إلا أن يتوب، ثم لا يعود.
روى منصور، عن إبراهيم، قال: قال فلان: ما أرى الربيع بن خثيم تكلم بكلام منذ عشرين سنة، إلَّا بكلمة تصعد. وعن بعضهم، قال: صحبت الربيع عشرين عامًا ما سمعت منه كلمة تعاب.
стр. 2381
وروى الثوري، عن رجل، عن أبيه، قال: جالست الربيع بن خثيم سنين، فما سألني عن شيء مما فيه الناس، إلَّا أنه قال لي مرة: أمك حية؟.
وروى الثوري، عن أبيه، قال: كان الربيع بن خثيم إذا قيل له: كيف أصبحتم؟ قال: ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا.
وعنه، قال: كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل.
وروى الأعمش، عن منذر الثوري: أن الربيع أخذ يطعم مصابًا خبيصًا، فقيل له: ما يدريه ما أكل؟ قال: لكن الله يدري.
الثوري، عن سرية للربيع: أنه كان يدخل عليه الداخل، وفي حجره المصحف، فيغطيه.
وعن ابنة للربيع قالت: كنت أقول: يا أبتاه، ألَّا تنام؟! فيقول: كيف ينام من يخاف البيات.
الثوري، عن أبي حيان، عن أبيه، قال: كان الربيع بن خثيم يقاد إلى الصلاة وبه الفالج. فقيل له: قد رخص لك. قال: إني أسمع "حي على الصلاة"، فإن استطعتم أن تأتوها ولو حبوًا وقيل: إنه قال: ما يسرني أن هذا الذي بي بأعتى الديلم على الله.
قال سفيان الثوري: وقيل له لو تداويت. قال: ذكرت عادًا وثمودًا وأصحاب الرس، وقرونًا بين ذلك كثيرًا، كانت فيهم أوجاع، وكانت لهم أطباء، فما بقي المداوي ولا المداوى إلَّا وقد فني.
قال الشعبي: ما جلس ربيع في مجلس منذ اترز بإزار، يقول: أخاف أن أرى أمرًا أخاف أن لا أرد السلام أخاف أن لا أغمض بصري.
قال نسير بن ذعلوق: ما تطوع الربيع بن خثيم في مسجد الحي إلَّا مرة.
قال الشعبي: حدثنا الربيع وكان من معادن الصدق.
وعن منذر: أن الربيع كان إذا أخذ عطاءه، فرقه، وترك قدر ما يكفيه.
وعن ياسين الزيات، قال: جاء ابن الكواء إلى الربيع بن خثيم، فقال: دلني على من هو خير منك قال: نعم، من كان منطقه ذكرًا، وصمته تفكرًا، ومسيره تدبرًا، فهو خير مني.
وعن الشعبي، قال: كان الربيع أورع أصحاب عبد الله.
стр. 2382
أخبرنا أحمد بن أبي الخير في كتابه، عن أحمد بن محمد التيمي، أنبأنا أبو علي الحداد، أنبأنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أبو بكر بن خلاد، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا زائدة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن الربيع بن خثيم، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ "أيعجز أحدكم أن يقرأ ليلة بثلث القرآن"؟ فأشفقنا أن يأمرنا بأمر نعجز عنه قال فسكتنا قالها ثلاث مرات: "أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن؟ فإنه من قرأ: الله الواحد الصمد فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن" (١).
ورواه الشعبي، عن الربيع بن خثيم. قد تجمع في إسناده خمسة تابعيون. أخرجه: الترمذي، والنسائي، من طريق زائدة، وحسنه: الترمذي، وقد رواه: غندر، عن شعبة، عن منصور، عن هلال، عن ربيع، فقال: عن عمرو، عن امرأة من الأنصار، فحذف منه: ابن أبي ليلى ورواه جرير عن منصور فحذف منه: ابن أبي ليلى والمرأة.
قال سفيان الثوري، عن العلاء بن المسيب، عن أبي يعلى الثوري، قال: كان في بني ثور ثلاثون رجلًا، ما منهم رجل دون الربيع بن خثيم.
قال ابن عيينة: سمعت مالكًا يقول: قال الشعبي: ما رأيت قومًا قط أكثر علمًا، ولا أعظم حلمًا، ولا أكف عن الدنيا من أصحاب عبد الله، ولولا ما سبقهم به الصحابة، ما قدمنا عليهم أحدًا.
حماد بن يزيد: عمن ذكره، عن ابن سيرين، قال: ما رأيت قومًا سود الرؤوس أفقه من أهل الكوفة من قوم فيهم جرة (٢).
قيل: توفي الربيع بن خثيم سنة خمس وستين.
стр. 2383
٤٦٤ - عبد الرحمن بن أبي ليلى (١): " ع"
الإمام، العلامة، الحافظ، أبو عيسى الأنصاري، الكوفي، الفقيه. ويقال: أبو محمد، من أبناء الأنصار. ولد في خلافة الصديق، أو قبل ذلك.
وحدث عن: عمر، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وبلال، وأبي بن كعب، وصهيب، وقيس بن سعد، والمقداد، وأبي أيوب، ووالده، ومعاذ بن جبل، وما إخاله لقيه، مع كون ذلك في "السنن الأربعة" وقيل: بل ولد في وسط خلافة عمر، ورآه يتوضأ، ويمسح على الخفين.
حدث عنه: عمرو بن مرة، والحكم بن عتيبة، وحصين بن عبد الرحمن، وعبد الملك بن عمير، والأعمش، وطائف سواهم.
وقيل: أنه قرأ القرآن على علي.
قال محمد بن سيرين، جلست إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأصحابه يعظمونه، كأنه أمير.
وقال ثابت البناني: كنا إذا قعدنا إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال لرجل: اقرأ القرآن فإنه يدلني على ما تريدون نزلت هذه الآية في كذا وهذه الآية في كذا.
وروى عطاء بن السائب، عن ابن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين ومئة من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار، إذا سئل أحدهم عن شيء، ود أن أخاه كفاه.
وعن عبد الله بن الحارث: أنه اجتمع بابن أبي ليلى، فقال: ما شعرت أن النساء ولدن مثل هذا.
شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، قال: صحبت عليًا ﵁ في الحضر والسفر، وأكثر ما يتحدثون عنه باطل.
قال الأعمش: رأيت ابن أبي ليلى، وقد ضربه الحجاج، وكأن ظهره مسح، وهو متكئ على ابنه، وهم يقولون: العن الكذابين، فيقول: لعن الله الكذابين يقول: الله الله علي
стр. 2384
بن أبي طالب، عبد الله بن الزبير، المختار بن أبي عبيد قال: وأهل الشام كأنهم حمير لا يدرون ما يقصد، وهو يخرجهم من اللعن.
قلت: ثم كان عبد الرحمن من كبار من خرج مع عبد الرحمن الله بن الأشعث من العلماء والصلحاء، وكان له وفادة على معاوية. ذكرها: ولده القاضي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
أخبرنا إسحاق الصفار، حدثنا ابن خليل، حدثنا اللبان، حدثنا أبو علي، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عبد الله بن عمر، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا سفيان عن الأعمش، قال: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي فإذا دخل الداخل نام على فراشه.
وبه، قال أبو نعيم: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن مهران حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، قال: رأيت عبد الرحمن محلوقًا على المصطبة، وهم يقولون له: العن الكاذبين. وكان رجلًا ضخمًا، به ربو، فقال: اللهم العن الكاذبين، آه- ثم يسكت- علي، وعبد الله بن الزبير، والمختار.
اسم والده أبي ليلى: يسار. وقيل: بلال. وقيل: داود بن أبي أحيحة ابن الجلاح بن الحريش بن جحجبي بن كلفة.
ابن عيينة: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان لعبد الرحمن ابن أبي ليلى بيت فيه مصاحف، يجتمع إليه فيه القراء، فلما تفرقوا إلَّا عن طعام. فأتيته ومعي تبر، فقال: أتحلي به سيفًا؟ قلت: لا. قال: فتحلي به مصحفًا؟ قلت: لا. قال: فلعلك تجعلها أخراصًا، فإنها تكره.
قال ثابت: كان ابن أبي ليلى إذا صلى الصبح، نشر المصحف وقرأ حتى تطلع الشمس.
شريك، عن مغيرة، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان رجل من بني إسرائيل يعمل بمسحاة له، فأصاب أباه فشجه فقال: لا يصحبني من فعل بأبي ما فعل فقطع يده، فبلغ ذلك بني إسرائيل ثم إن ابنة الملك أرادت أن تصلي في بيت المقدس، فقال من نبعث بها؟ قالوا: فلان. فبعث إليه، فقال: أعفني. قال: لا. قال: فأجلني إذًا أيامًا. قال: فذهب فقطع
مذاكيره في حق، ثم جاء به خاتمه عليه، فقال: هذه وديعتي عندك، فاحفظها. قال: ونزلها الملك منزلًا منزلًا انزل يوم كذا وكذا وكذا وكذا ويوم كذا وكذا
стр. 2385
كذا وكذا، فوقت له وقتًا. فلما سار، جعلت ابنة الملك لا ترتقع به (١)، فتنزل حيث شاءت، وترتحل متى شاءت، وجعل إنما هو يحرسها، وينام عندها. فلما قدم عليه، قالوا له: إنما كان ينام عندها فقال له الملك: خالفت، وأراد قتله فقال: اردد علي وديعتي. فلما ردها، فتح الحق، وتكشف عن مثل الراحة ففشا ذلك في بني إسرائيل. قال: فمات قاض لهم، فقالوا: من نجعل مكانه؟ قالوا: فلان. فأبى، فلم يزالوا به حتى قال: دعوني حتى أنظر في أمري فكحل عينيه بشيء حتى ذهب بصره. قال: ثم جلس على القضاء فقام ليلة فدعا الله فقال: اللهم إن كان هذا الذي صنعت لك رضى، فاردد علي خلقي أصح ما كان فأصبح، وقد رد الله عليه بصره ومقلتيه أحسن ما كانتا، ويده ومذاكيره.
أنبأنا بها: أحمد بن سلامة، عن أبي المكارم التيمي، أنبأنا أبو علي، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا أبو أحمد، يعني: العسال في كتابه -حدثنا موسى بن إسحاق حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا شريك فذكرها.
وبه إلى أبي نعيم، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو غسان، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن عبد الرحمن، بن أبي ليلى، قال: كنت جالسًا عند عمر، فأتاه راكب فزعم أنه رأى الهلال هلال شوال، فقال: أيها الناس أفطروا ثم قام إلى عس (٢) من ماء فتوضأ ومسح على موقين له ثم صلى المغرب فقال له الراكب: ما جئتك إلَّا لأسألك عن هذا أشيئًا رأيت غيرك يفعله؟ قال: نعم رأيت خيرًا مني وخير الأمة رسول الله ﷺ فعل ذلك.
تفرد به إسرائيل.
روي عن أبي حصين: أن الحجاج استعمل عبد الرحمن بن أبي ليلى على القضاء، ثم عزله،
ثم ضربه ليسب أبا تراب ﵁ وكان قد شهد النهروان مع علي.
وقال شعبة بن الحجاج: قدم عبد الله بن شداد بن الهاد، وابن أبي ليلى، فاقتحم بهما فرسهما، الفرات فذهبا- يعني: غرقًا.
وأما نعيم الملائي، فقال: قتل ابن أبي ليلى بوقعة الجماجم، يعني: سنة اثنتين وثمانين. وقيل: سنة ثلاث.