سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت … وما حل في أكناف عاد وجرهم
ومن كان أقوى منك عزًا ومفخرًا … وأقيد للجيش اللهام العرمرم
فبكى أبو مسلم، ولم يجر جوابًا، ولم ينطق حتى دخل على المنصور، فأجلسه بين يديه، وجعل يعاتبه، ويقول: تذكر يوم كذا، وكذا فعلت كذا وكذا وكتبت إلي بكذا وكذا ثم انشأ يقول:
زعمت أن الدين لا يقتضى … فاقتض بالدين أبا مجرم
واشرب بكأس كنت تسقي بها … أمر في الحلق من العلقم
ثم أمر أهل خراسان، فقطعوه إربًا إربًا.
وبه إلى منجويه: حدثنا أبو أحمد بن عبد الله بن عبد الوهاب الأنماطي، حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا حسين بن فهم، حدثنا محمد بن سلام، حدثنا محمد بن عمارة سمعت أبا مسلم صاحب الدولة يقرأ: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْل﴾ [الإسراء: ٣٣]. بالتاء.
قال ابن منجويه: حكى لي الثقة، عن أبي أحمد، أنبأنا الإمام: أن عبد الله بن منده كتب عنه هذا. وحسين بن فهم: هو ابن بنت أبي مسلم.
وبه حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الواحد الطبري إملاء من أصله، حدثنا أبو الحسين محمد بن موسى الحافظ، حدثنا أحمد بن يحيى بن زكير، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن نجيح، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن منيب الخراساني، حدثنا أبي، عن أبي مسلم صاحب الدولة، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده قال قال رسول الله ﷺ : "من أراد هوان قريش أهانه الله " (١).
وبه أخبرناه أحمد بن موسى الحافظ، حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثني محمد بن جعفر الرقي بحران، حدثني جعفر بن موسى بدمشق، حدثني عبد الرحمن بن خالد بهذا لم يقل: ابن منيب، عن أبيه وهو أشبه.
أخر سيرة أبي مسلم، والله -سبحانه- أعلم.
стр. 3047
٨٤٦ - يزيد بن الطثرية (١):
الشاعر، المحسن، أبو المكشوح يزيد بن سلمة بن سمرة. وله شعر فائق، كثير في "الحماسة" وقيل: إن أبا الفرج صاحب "الأغاني" جمع شعره، ودونه قتل: باليمامة، في سنة ستة وعشرين ومائة والطثر: ضرب من اللبن.
٨٤٧ - مروان بن محمد (٢):
ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الملك، الخليفة الأموي، يعرف: بمروان الحمار وبمروان الجعدي نسبه إلى مؤدبه جعد بن درهم.
ويقال: أصبر في الحرب من حمار.
وكان مروان بطلًا، شجاعًا، داهية، رزينًا، جبارًا، يصل السير بالسرى، ولا يجف له لبد، دوخ الخوارج بالجزيرة.
ويقال: بل العرب تسمي كل مائة عام حمارًا، فلما قارب ملك آل أمية مائة سنة، لقبوا
стр. 3048
مروان بالحمار. وذلك مأخوذ من موت حمار العزير ﵇ وهو مائة عام، ثم بعثهما الله، تعالى.
مولد مروان بالجزيرة، في سنة اثنتين وسبعين، إذ أبوه متوليها، وأمه أم ولد.
وقد افتتح في سنة خمسين ومائة قونية، وولي إمرة الجزيرة، وأذربيجان لهشام، في سنة أربع عشرة ومائة. وقد غزا مرة حتى جاوز نهر الروم، فأغار وسبى في الصقالبة (١).
وكان أبيض، ضخم الهامة، شديد الشهلة، كث اللحية، أبيضها، ربعة، مهيبًا، شديد الوطأة، أديبًا، بليغًا، له رسائل تؤثر.
ومع كمال أدواته لم يرزق سعادة بل اضطربت الأمور، وولت دولتهم بويع بالإمامة في نصف صفر، سنة سبع وعشرين ومائة، ولما سمع بمقتل الوليد في العام الماضي، دعا إلى بيعة من رضيه المسلمون فبايعوه، فلما بلغه موت يزيد الناقص، أنفق الأموال، وأقبل في ثلاثين ألف فارس، فلما وصل إلى حلب، بايعوه. ثم قدم حمص، فدعاهم إلى بيعة ولي العهد: الحكم وعثمان، ابني الوليد بن يزيد، وكانا في حبس الخليفة إبراهيم، فأقبل معه جيش حمص، ثم التقى الجمعان بمرج عذراء، وانتصر مروان، فبرز إبراهيم وعسكر بميدان الحصا، فتفلل جمعه، فتوثب أعوانه، فقتلوا وليي العهد ويوسف بن عمر في السجن وثار شباب دمشق بعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فقتلوه لكونه أمر بقتل الثلاثة ثم أخرجوا من الحبس أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية السفياني ووضعوه على المنبر في قيوده ليبايعوه وبين يديه رأس عبد العزيز فخطب وحض على الجماعة وأذعن بالبيعة لمروان فسمع إبراهيم الخليقة فهرب وآمن مروان الناس.
فأول من سلم عليه بالخلافة أبو محمد السفياني، وأمر بنبش يزيد الناقص، وصلبه. وأما إبراهيم فخلع نفسه، وكتب بالبيعة إلى مروان الحمار فآمنه فسكن بالرقة خاملًا.
قال المدائني: كان مروان عظيم المروءة، محبًا للهو، غير أنه شغل بالحرب، وكان يحب الحركة والسفر.
قال الوزير أبو عبيد الله: قال لي المنصور: ما كان أشياخك الشاميون يقولون؟ قلت: أدركتهم يقولون: إن الخليفة إذا استخلف غفر له ما مضى من ذنوبه فقال: أي والله، وما
стр. 3049
تأخر، أتدري ما الخليفة؟ به تقام الصلاة، والحج، والجهاد، ويجاهد العدو … قال: فعدد من مناقب الخليفة ما لم أسمع أحدًا ذكر مثله، وقال: والله لو عرفت من حق الخلافة في دهر بني أمية ما أعرف اليوم، لأتيت الرجل منهم فبايعته فقال ابنه: أفكان الوليد منهم؟ فقال: قبح الله الوليد، ومن أقعده خليفة! قال: أفكان مروان منهم؟ فقال: لله دره، ما كان أحزمه وأسوسه، وأعفه، عن الفيء قال: فلم قتلتموه? قال: للأمر الذي سبق في علم الله -تعالى.
قال خليفة: سار مروان لحرب المسودة في مائة وخمسين ألفًا، حتى نزل بقرب الموصل، فالتقى هو وعبد الله بن علي عم المنصور في جمادى الآخرة، سنة اثنتين وثلاثين ومائة فانكسر جمع مروان، وفر فاستولى عبد الله على الجزيرة، ثم طلب الشام، ففر مروان إلى فلسطين، فلما سمع بأخذ دمشق سار إلى مصر وطلب الصعيد ثم أدركوه وبيتوه ببوصير فقاتل حتى قتل.
وعاش اثنتين وستين سنة، قتل في ذي الحجة، سنة اثنتين وانتهت خلافة بني أمية، وبويع السفاح قبل مقتل مروان الحمار بتسعة أشهر.
ومن جبروت مروان: أن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري الأمير كان قد قاتله، ثم ظفر به فأدخل عليه يومًا، فاستدناه، ولف على إصبعه منديلا، ورص عينه حتى سالت، ثم فعل كذلك بعينه الأخرى وما نطق يزيد بل صبر نسأل الله العافية.
وقيل: إن أم مروان الحمار كردية، يقال لها: لبابة جارية إبراهيم بن الأشتر، أخذها محمد من عسكر إبراهيم فولدت له: مروان ومنصور وعبد الله ولما قتل مروان، هرب ابناه عبد الله وعبيد الله إلى الحبشة، فقتلت الحبشة عبيد الله وهرب عبد الله، ثم بعد مدة ظفر به المنصور، فاعتقله.
стр. 3050
٨٤٨ - السفاح (١):
الخليفة، أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي، الهاشمي العباسي، أول الخلفاء من بني العباس.
كان شابًا مليحا مهيبا أبيض طويلا وقورا هرب السفاح وأهله من جيش مروان الحمار، وأتوا الكوفة لما استفحل لهم الأمر
стр. 3051
بخراسان. ثم بويع في ثالث ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ثم جهز عمه عبد الله بن علي في الجيش، فالتقى هو ومروان الحمار على كشاف، فكانت وقعة عظيمة، ثم تفلل جمع مروان، وانطوت سعادته.
ولكن لم تطل أيام السفاح، ومات في ذي الحجة، سنة ست وثلاثين ومائة، وعاش: ثمانيا وعشرين سنة، في قول.
وقال الهيثم بن عدي، وابن الكلبي: عاش ثلاثًا وثلاثين سنة، وقام بعده المنصور أخوه.
وقيل: بل مولده سنة خمس ومائة. وقيل: خرج آل العباس هاربين إلى الكوفة، فنزلوا على أبي سلمة الخلال، فآواهم في سرب في داره. وكان أبو مسلم قد استولى على خراسان، وعين لهم يومًا يخرجون فيه، فخرجوا في جمع كثيف من الخيالة والحمارة والرجالة فنزل الخلال إلى السرداب وصاح: يا عبد الله مد يدك فتبارى إليه الأخوان فقال: أيكما الذي معه العلامة?.
قال المنصور: فعلمت أني أخرت لأني لم يكن معي علامة. فتلا أخي العلامة، وهي ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّة﴾ الآية [القصص: ٥]. فبايعه أبو سلمة، وخرجوا جميعًا إلى جامع الكوفة، فبويع، وخطب في الناس، وهو يقول: فأملى الله لبني أمية حينا، فلما آسفوه، انتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير. وكان موعوكًا فجلس على المنبر فنهض عمه داود من بين يديه فقال إنا والله ما خرجنا لنحفر نهرًا ولا لنبني قصرا ولا لنكثر مالًا وإنما خرجنا أنفة من ابتزازهم حقنا ولقد كانت أموركم تتصل بنا لكم ذمة الله وذمة رسوله وذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل الله ونسير فيكم بسنة رسول الله ﷺ فاعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج عنا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم.
فقام السيد الحميري، وقال قصيدة. ثم نزل السفاح، ودخل القصر، وأجلس أخاه يأخذ بيعة العامة.
ومن كلامه: من شدد نفر، ومن لان تألف. ويقال: له هذان البيتان:
يا آل مروان أن الله مهلككم … ومبدل أمنكم خوفًا وتشريدا
لا عمر الله من أنسالكم أحدًا … وبثكم في بلاد الله تبديدا
ثم تحول إلى الأنبار، وبها توفي.
стр. 3052
وكان إذا علم بين اثنين تعاديا، لم يقبل شهادة ذا على ذا، ويقول: العداوة تزيل العدالة.
ثم إن أبا مسلم جهز من قتل أبا سلمة الخلال الوزير بعد العتمة غيلة، بعد أن قام من السمر عند السفاح، فقالت العامة: قتلته الخوارج. فقال سليمان بن مهاجر البجلي:
إن المساءة قد تسر وربما … كان السرور بما كرهت جديدا
إن الوزير وزير آل محمد … أودى فمن يشناك كان وزيرا
قتل بعد البيعة بأربعة أشهر.
وقيل: وجه عبد الله بن علي عم السفاح مشيخة شاميين إلى السفاح ليعجبه منهم، فحلفوا له: إنهم ما علموا لرسول الله ﷺ قرابة يرثونه سوى بني أمية، حتى وليتم.
وعن السفاح، قال: إذا عظمت القدرة، قلت الشهوة، قل تبرع إلَّا ومعه حق مضاع الصبر حسن إلَّا على ما أوتغ (١) الدين، وأوهن السلطان.
قال الصولي: أحضر السفاح جوهرا من جواهر بني أمية، فقسمه بينه وبين عبد الله بن حسن بن حسن. وكان يضرب بجود السفاح المثل. وكان إذا تعادى اثنان من خاصته، لم يسمع من أحدهما في الآخر، ويقول: الضغائن تولد العداوة.
وكان يحضر الغناء من وراء ستارة، كما كان يفعل أزدشير، ويجزل العطاء.
ولما جيء برأس مروان الحمار، سجد لله، وقال: أخذنا بثأر الحسين وآله، وقتلنا مائتين من بني أمية بهم.
وقيل: إن السفاح أعطى عبد الله بن حسن بن حسن ألفي ألف درهم.
стр. 3053
٨٤٩ - عبد الكريم بن مالك (١): " ع"
الإمام، الحافظ، عالم الجزيرة، أبو سعيد الجزري، الحراني، مولى بني أمية، وأصله من بلد إصطخر.
رأى أنس بن مالك، وعداده في صغار التابعين.
حدث عن: سعيد بن المسيب، وطاووس، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وعدة.
حدث عنه ابن جريج، وشعبة، ومعمر، وفرات القزاز، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وآخرون سواهم.
روينا من طريق الشافعي، والقعنبي، وأبي مصعب، ويحيى بن بكير، عن مالك، عن عبد الكريم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة حديث: "أتؤذيك هوامك" (٢) في الفدية. ثم قال الشافعي: غلط مالك فيه، الحفاظ حفظوه عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى.
قلت: قد رواه، عن مالك -بإثبات مجاهد-: إبراهيم بن طهمان، وابن وهب، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن الحسن الفقيه، وسماع هؤلاء منه قديم. وأخرجه: مسلم وغيره، من حديث ابن عيينة، عن عبد الكريم متصلًا.
قال ابن سعد، وخليفة: عبد الكريم الجزري هو ابن عم خصيف لحا (٣).
قال ابن سعد: عبد الكريم: ثقة كثير الحديث. وقال ابن معين: ثقة. هكذا رواه النسائي، عن معاوية بن صالح، عنه.
قال الكلاباذي: حديثه في تفسير: اقرأ، وفي النساء، والحج.
قال أبو عروبة الحراني: هو ثبت عند العارفين بالنقل، وهو خضرمي، نزل حران وخضرمة: قرية باليمامة، ينسبون إليها.
стр. 3054
الحميدي، عن سفيان، قال: حدثنا عبد الكريم بن مالك، وكان حافظًا، وكان من الثقات، لا يقول إلَّا سمعت وحدثنا ورأيت.
وقال أحمد بن حنبل: عبد الكريم: ثقة، هو أثبت من خصيف.
أحمد بن زهير، عن يحيى، وسئل، عن عبد الكريم الجزري، فقال: ثقة، وعبد الكريم الآخر ليس بشيء- يعني: ابن أبي المخارق، أبا أمية البصري.
قال الفسوي: قد روى مالك -وكان ينتقي الرجال- عن عبد الكريم الجزري.
وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: ثقة.
عباس الدوري، عن ابن معين، قال حديث عبد الكريم، عن عطاء رديء. قال ابن عدي هو الحديث الذي رواه عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يقبلها ولا يتوضأ (١).
قلت هذا غريب، فرد، وليس هو بمحفوظ.
قال ابن عدي: عبد الكريم الجزري إذا روى عنه ثقة، فأحاديثه مستقيمة
وقال سفيان بن عيينة: لزمت عبد الكريم سنة قلت: وهذا يدل على سعة علمه.
قال البخاري: قال لي علي، عن ابن عيينة: لم أر مثله ويقال: أصله من إصطخر.
وقال ابن عيينة: هو ثقة، رضي.
وقال علي بن المديني: ثبت، ثبت، ثقة.
وقال النفيلي، وجماعة: توفي سنة سبع وعشرين ومائة.
قال ابن حبان: أتوقف فيه.
أما:
стр. 3055
٨٥٠ - أبو أمية عبد الكريم بن أبي المخارق (١): " ت، س، ق، م"
فضعيف الحديث، مؤدب. يروي عن: أنس، وعن: مجاهد، وسعيد بن جبير.
وعنه أيضًا: مالك، والسفيانان، وحماد بن سلمة.
وكان يرى الإرجاء، مع تعبد وخشوع. يقال: اسم أبيه قيس.
قال النسائي، والدارقطني: متروك.
وقال أحمد: ضربت على حديثه.
وقال ابن عبد البر: اغتر مالك ببكائه في المسجد، وروى عنه في الفضائل.
قلت: اشترك هو والجزري في الرواية عن: ابن جبير، ومجاهد، والحسن، وفي موتهما: توفيا في عام واحد. وفي رواية مالك، والثوري، وابن جريح، عنهما، فربما اشتبها في بعض الأسنانيد.
٨٥١ - كرز (٢):
الزاهد، القدوة، أبو عبد الله كرز بن وبرة الحارثي، الكوفي، نزيل جرجان، وكبيرها، فإنه دخلها غازيا في سنة ثمان وتسعين، مع يزيد بن المهلب، فأتخذ كرز بها مسجدا بقرب قبره.
حدث عن: أنس بن مالك، والربيع بن خثيم، ونعيم بن أبي هند، وطاووس، وطارق بن شهاب، ومجاهد، وعطاء، وغيرهم.
стр. 3056
حدث عنه: أبو طيبة عيسى بن سليمان الدارمي، وعبيد الله الوصافي، وسفيان الثوري، ومختار التميمي، وابن شبرمة، ومحمد بن النضر الحارثي، ومحمد بن الفضل بن عطية، ومحمد بن فضيل، وأخرون.
قال أبو نعيم الحافظ: كان يسكن جرجان، له الصيت البليغ في النسك والتعبد.
أخبرنا إسحاق الصفار، أنبأنا يوسف الحافظ، أنبأنا أبو المكارم التميمي، أنبأنا أبو علي المقري، أنبأنا أبو نعيم حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا شريح بن يونس، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبيه قال: دخلت على كرز بيته، فإذا عند مصلاه حفيرة قد ملأها تبنا وبسط عليها كساء من طول القيام فكان يقرأ في اليوم والليلة القرآن ثلاث مرات (١).
وبه قال أبو نعيم: حدثنا ابن حيان، حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا أحمد الدورقي، حدثني سعيد أبو عثمان، سمعت ابن عيينة يقول: قال ابن شبرمة: سأل كرز ربه أن يعطيه الاسم الأعظم علىإلَّا يسأل به شيئًا من الدنيا فأعطي فسأل أن يقوى حتى يختم القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات.
وبه حدثنا ابن مالك، حدثنا عبد الله، حدثنا شريح، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه -أو عن نفسه- قال كان كرز إذا خرج، أمر بالمعروف فيضربونه حتى يغشى عليه.
وروى ابن فضيل، عن أبيه قال: لم يرفع كرز بصره إلى السماء أربعين سنة وكان له عود عند المحراب، يعتمد عليه إذا نعس.
قال أحمد بن إبراهيم الدورقي: حدثني جرير بن زياد بن كرز الحارثي، عن شجاع بن صبيح مولى كرز بن وبرة قال: أخبرني أبو سليمان المكتب، قال: صحبت كرزا إلى مكة، فاحتبس يومًا وقت الرحيل، فانبثوا في طلبه، فأصبته في وهدة يصلي في ساعة حارة، وإذا سحابة تظله، فقال لي: اكتم هذا واستحلفني.
قال أحمد: وحدثني جرير، عن النضر بن عبد الله، حدثتني روضة مولاة كرز: قلت: من أين ينفق كرز? قالت: كان يقول لي: يا روضة! إذا أردت شيئًا فخذي من هذه الكوة. فكنت آخذ كلما أردت.
стр. 3057
وأنشد ابن شبرمة:
لو شئت كنت كرز في تعبده … أو كابن طارق حول البيت في الحرم
قد حال دون لذيذ العيش خوفهما … وسارعا في طلاب الفوز والكرم
عن فضيل بن غزوان: كان كرز يصلي حتى ترم قدماه، فيحفر الحفيرة- يعني: تحت رجليه. وقيل: كان كرز لا ينزل منزلا إلَّا ابتنى فيه مسجدا، فيصلي فيه.
وعن أبي حفص السائح، عن أبي بشر، قال: كان كرز بن وبرة من أعبد الناس، وكان قد امتنع من الطعام حتى لم يوجد عليه من اللحمإلَّا بقدر ما يوجد على العصفور، وكان يطوي أيامًا كثيرة، وكان إذا دخل في الصلاة لا يرفع طرفه يمينًا ولا شمالًا، وكان من المحبين المخبتين لله قد وله من ذلك، فربما كلم فيجيب بعد مدة من شدة تعلق قلبه بالله واشتياقه إليه.
ابن يمان، عن سفيان، عن كرز قال: لا يكون العبد قارئا، حتى يزهد في الدرهم.
وعن عمرو بن حميد الدينوري، عن بعض أهل جرجان، عن أبيه: رأيت في النوم كأني أتيت على قبور أهل جرجان، فإذا هم جلوس على قبورهم عليهم ثياب بيض فقلت: يا أهل القبور ما لكم قالوا: إنا كسينا ثيابا جددا لقدوم كرز بن وبرة علينا.
قلت: هكذا كان زهاد السلف وعبادهم، أصحاب خوف، وخشوع، وتعبد وقنوع، ولا يدخلون في الدنيا وشهواتها، ولا في عبارات أحدثها المتأخرون من الفناء، والمحو، والاصطلام، والاتحاد، وأشباه ذلك مما لا يسوغه كبار العلماء.
فنسأل الله التوفيق، والإخلاص، ولزوم الاتباع.
стр. 3058
٨٥٢ - عطاء السليمي (١):
البصري العابد، من صغار التابعين. أدرك أنس بن مالك. وسمع من: الحسن البصري وجعفر بن زيد، وعبد الله بن غالب الزاهد.
واشتغل بنفسه عن الرواية.
روى عنه: مرجى بن وداع، وإبراهيم بن أدهم، وخليد بن دعلج، وصالح المري، وعبد الواحد بن زياد، وأخرون حكايات، وما أظنه روى شيئًا مسندًا.
وكان قد أرعبه فرط الخوف من الله.
روى جماعة، عن بشر بن منصور، قال: قلت لعطاء السليمي: أرأيت لو أن نارًا أشعلت، ثم قيل: من اقتحمها نجا، ترى كان يدخلها أحد? قال: لو قيل ذلك لخشيت أن تخرج نفسي فرحا قبل أن أصل إليها.
قال نعيم بن مورع: أتينا عطاء السليمي، فجعل يقول: ليت عطاء لم تلده أمه. وكرر ذلك حتى اصفرت الشمس.
وكان يقول في دعائه: اللهم ارحم غربتي في الدنيا، وارحم مصرعي عند الموت، وارحم قيامي بين يديك.
قال أحمد الدورقي: حدثنا علي بن بكار قال: تركت عطاء السليمي، فمكث أربعين سنة على فراشه لا يقوم من الخوف، ولا يخرج وكان يتوضأ على فراشه.
وقال أبو سليمان الداراني: اشتد خوفه، فكان لا يسأل الجنة، بل يسأل العفو.
ويقال: نسي عطاء القرآن من الخوف. ويقول: التمسوا لي أحاديث الرخص، ليخف ما بي.
وقيل: كان إذا بكى بكى ثلاثة أيام بلياليها.
قال صالح المري: قلت له: يا شيخ! قد خدعك إبليس، فلو شربت ما تقوى به على صلاتك ووضوئك؟ فأعطاني ثلاثة درهم، وقال: تعاهدني كل يوم بشربة سويق. فشرب يومين، وترك، وقال: يا صالح إذا ذكرت جهنم ما يسعني طعام ولا شراب.
وقيل: إنه بكى حتى عمش، وربما غشي عليه عند الموعظة.
وقيل: أنه شيع جنازة فغشي عليه أربع مرات.
وعن خليد بن دعلج قال: كنا عند عطاء السليمي، فقيل: له أن ابن علي قتل أربع مائة من أهل دمشق على دم واحد فقال متنفسًا: هاه ثم خر ميتًا.
وقيل: كان إذا جاء برق، وريح، ورعد قال: هذا من أجلي يصيبكم لو مت استراح الناس ولعطاء حكايات في الخوف وإزرائه على نفسه.
وقيل: إنه مات بعد الأربعين ومائة. رحمة الله عليه.
стр. 3059
٨٥٣ - زيد بن أبي أنيسة (١):/ " ع"
الإمام، الحافظ، الثبت، أبو أسامة الجزري، الرهاوي، الغنوي، مولى آل غني بن أعصر. كان عالم الجزيرة في زمانه، وهو من طبقة شعبه ومالك، لكنه قديم الموت توفي كهلًا، في أيام بني أمية.
حدث عن: الحكم بن عتيبة، وعطاء بن أبي رباح، وشهر بن حوشب، وطلحة بن مصرف، وعمرو بن مرة، وعدي بن ثابت، وسعيد المقبري، ونعيم المجمر، وأبي إسحاق السبيعي، وخلق كثير، حتى إنه يروي عن أصحابه.
حدث عنه: أبو حنيفة، وعمرو بن الحارث، ومالك بن أنس، ومعقل بن عبيد الله الجزري، وأبو عبد الرحيم خالد بن يزيد، وعبيد الله بن عمرو، وأخرون.
وثقه يحيى بن معين، وغيره. وقال النسائي: ليس به بأس.
قال ابن سعد: كان ثقة، فقيهًا، رواية للعلم، كثير الحديث.
قلت: كان يسكن مدينة الرها، وقع لي جزء من حديثه.
قيل: إنه لم يبلغ الأربعين.
قال الواقدي: مات سنة خمس وعشرين ومائة. وقيل: بل توفي سنة أربع وعشرين ومائة. وفي "تاريخ البخاري": أنه عاش ستا وثلاثين سنة.
٨٥٤ - ربيعة (٢): " ع"
ابن أبي عبد الرحمن فروخ الإمام، مفتي المدينة، وعالم الوقت، أبو عثمان.
стр. 3060
ويقال: أبو عبد الرحمن -القرشي، التيمي مولاهم، المشهور بربيعة الرأي، من موالي آل المنكدر.
روى عن: أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب، والحارث بن بلال بن الحارث، ويزيد مولى المنبعث، وحنظلة بن قيس الزرقي، وعطاء بن يسار، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، وسالم بن عبد الله، وعبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعبد الرحمن الأعرج، وعدة.
وكان من أئمة الاجتهاد.
وعنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وسليمان التيمي، وسهيل بن أبي صالح، وهم من أقرانه، وإسماعيل بن أمية، والأوزاعي، وشعبة، وعقيل بن خالد، وعمرو بن الحارث، ومالك، وعليه تفقه، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وفليح بن سليمان، والليث بن سعد، ومسعر، وعمارة بن غزية، ونافع القارئ، وإسماعيل بن جعفر، وأبو بكر بن عياش، وابن المبارك، وسفيان بن عيينة، وأنس بن عياض الليثي، وخلق سواهم.
محمد بن كثير المصيصي، عن ابن عيينة، قال: بكى ربيعة يومًا. فقيل: ما يبكيك? قال: رياء حاضر، وشهوة خفية، والناس عند علمائهم كصبيان في حجور أمهاتهم، إن أمروهم ائتمروا وإن نهوهم انتهوا?!.
وروى ضمرة بن ربيعة، عن رجاء بن جميل، قال: قال ربيعة: رأيت الرأي أهون علي من تبعة الحديث.
قال الأويسي: قال مالك: كان ربيعة يقول لابن شهاب: إن حالي ليست تشبه حالك. قال: وكيف? قال: أنا أقول برأي من شاء أخذه ومن شاء تركه، وأنت تحدث، عن النبي ﷺ فيحفظ.
قال أبو ضمرة: وقف ربيعة على قوم يتذاكرون القدر، فقال ما معناه: إن كنتم صادقين، فلما في أيديكم أعظم مما في يدي ربكم إن كان الخير والشر بأيديكم.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي في "تاريخه" حدثني أبي، قال: قال ربيعة، وسئل: كيف استوى؟ فقال: الكيف غير معقول، وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق.
وصح عن ربيعة قال: العلم وسيلة إلى كل فضيلة.
стр. 3061
قال مالك: قدم ربيعة على أمير المؤمنين، فأمر له بجارية، فأبى، فأعطاه خمسة آلاف ليشتري بها جارية فأبى أن يقبلها.
وعن ابن وهب: أنفق ربيعة على إخوانه أربعين ألف دينار، ثم جعل يسأل إخوانه في إخوانه.
النسائي: حدثنا أحمد بن يحيى بن وزير، حدثنا الشافعي، حدثنا سفيان: كنا إذا رأينا طالبًا للحديث يغشى ثلاثة ضحكنا منه: ربيعة، ومحمد بن أبي بكر بن حزم، وجعفر بن محمد، لأنهم كانوا لا يتقنون الحديث.
روى مطرف، عن ابن أخي ابن هرمز: رأيت ربيعة جلد، وحلق رأسه ولحيته. قال إبراهيم بن المنذر: كان سببه سعاية أبي الزناد به.
قال مطرف: سمعت مالكًا يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة.
قلت: وكان من أوعية العلم. وثقه: أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وجماعة.
وقال أحمد: أبو الزناد أعلم منه.
وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، ثبت، أحد مفتي المدينة.
قال أبو داود: ربيعة، وعمر مولى غفرة ابنا خالة.
وقال مصعب الزبيري: كان يقال له: ربيعة الرأي، وكان صاحب الفتوى بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس، كان يحصى في مجلسه أربعون معتمًا.
وعنه أخذ مالك بن أنس.
وروى الليث، عن يحيى بن سعيد، قال: ما رأيت أحدًا أفطن من ربيعة بن أبي عبد الرحمن.
وروى الليث، عن عبيد الله بن عمر قال: هو صاحب معضلاتنا، وعالمنا وأفضلنا.
ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: مكث ربيعة دهرًا طويلًا، عابدًا يصلي الليل والنهار، صاحب عبادة ثم نزع ذلك إلى أن جالس القوم قال: فجالس القاسم فنطق بلب وعقل قال: وكان القاسم إذا سئل، عن شيء قال: سلوا هذا لربيعة فإن كان في كتاب الله أخبرهم به القاسم أو في سنة رسول الله ﷺ وإلا قال سلوا ربيعة أو سالمًا.
стр. 3062
الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كان يحيى بن سعيد يجالس ربيعة، فإذا غاب ربيعة، حدثهم يحيى أحسن الحديث- وكان كثير الحديث- فإذا حضر ربيعة، كف يحيى إجلالًا لربيعة، وليس ربيعة أسن منه، وهو فيما هو فيه، وكان كل واحد منهما مبجلا لصاحبه.
وروى معاذ بن معاذ، عن سوار بن عبد الله العنبري، قال: ما رأيت أحدًا أعلم من ربيعة الرأي قلت: ولا الحسن وابن سيرين? قال: ولا الحسن، وابن سيرين.
ابن وهب، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، قال: لما جئت العراق، جاءني أهل العراق، فقالوا: حدثنا، عن ربيعة الرأي فقلت: يا أهل العراق! تقولون: ربيعة الرأي، والله ما رأيت أحدًا أحفظ لسنة منه.
ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد، قال: صار ربيعة إلى فقه وفضل، وما كان بالمدينة رجل أسخى بما في يديه لصديق، أو لابن صديق أو لباغ يبتغيه منه كان يستصحبه القوم، فيأبى صحبة أحد، إلَّا أحدًا لا يتزود معه، ولم يكن في يده ما يحمل ذلك.
ابن وهب، عن مالك، قال: لما قدم ربيعة على أمير المؤمنين أبي العباس، أمر له بجائزة فأبى أن يقبلها فأعطاه خمسة آلاف درهم يشتري بها جارية حين أبى أن يقبلها فأبى أن يقبلها.
وحدثني مالك، عن ربيعة قال: قال لي حين أراد العراق: إن سمعت أني حدثتهم، أو أفتيتهم فلا تعدني شيئًا. قال: فكان كما قال، لما قدمها لزم بيته، فلم يخرج إليهم، ولم يحدثهم بشيء حتى رجع.
قال أحمد بن عمران: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: دخلت المسجد، فإذا ربيعة جالس، وقد أحدق به غلمان أهل الرأي، فسألته: أسمعت من أنس شيئًا؟ قال: حديثين.
قال أبو بكر الخطيب: كان ربيعة فقيهًا، عالمًا، حافظًا للفقه والحديث، قدم على السفاح الأنبار، وكان أقدمه ليولية القضاء. فيقال: إنه توفي بالأنبار ويقال بل توفي بالمدينة.
وقال ابن سعد: توفي سنة ست وثلاثين ومائة بالمدينة، فيما أخبرني به الواقدي.
وقال يحيى بن معين، وغيره: مات بالأنبار، وكان ثقة، كثير الحديث، وكانوا يتقونه لموضع الرأي. وكذا أرخه جماعة.
стр. 3063
قال مطرف بن عبد الله: سمعت مالكًا يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة بن أبي عبد الرحمن.
ذكر حكاية باطلة قد رويت: فأنبأنا المسلم بن محمد، أنبأنا الكندي، أنبأنا القزاز، أنبأنا الخطيب، أنبأنا أبو القاسم الأزهري، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، أنبأنا أبو بكر أحمد بن مروان المالكي بمصر، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، حدثني مشيخة أهل المدينة أن فروخ والد ربيعة خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية غازيا، وربيعة حمل في بطن أمه، وخلف عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة، وهو راكب فرس في يده رمح فنزل عن فرسه، ثم دفع الباب برمحه فخرج ربيعة فقال: يا عدو الله أتهجم على منزلي فقال: لا وقال: فروخ يا عدو الله أنت رجل دخلت على حرمتي فتواثبا وتلبث كل واحد منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران فبلغ مالك بن أنس والمشيخة فأتوا يعينون ربيعة فجعل ربيعة يقول: والله لا فارقتك إلَّا عند السلطان وجعل فروخ يقول: كذلك ويقول: وأنت مع امرأتي وكثر الضجيج فلما أبصروا بمالك سكت الناس كلهم فقال: مالك أيها الشيخ لك سعة في غير هذه الدار فقال الشيخ: هي داري وأنا فروخ مولى بنى فلان فسمعت امرأته كلامه فخرجت فقالت: هذا زوجي. وهذا ابني الذي خلفته وأنا حامل به فاعتنقا جميعًا وبكيا فدخل فروخ المنزل وقال: هذا ابني قالت: نعم قال: فأخرجي المال الذي عندك وهذه معي أربعة آلاف دينار قالت: المال قد دفنته وأنا أخرجه بعد أيام.
فخرج ربيعة إلى المسجد وجلس في حلقته وأتاه مالك بن أنس والحسن بن زيد وابن أبي علي اللهبي والمساحقي وأشراف أهل المدينة وأحدق الناس به.
فقالت امرأته: اخرج صل في مسجد الرسول ﷺ فخرج، فصلى، فنظر إلى حلقة وافرة، فأتاه، فوقف عليه، ففرجوا له قليلًا، ونكس ربيعة رأسه يوهمه أنه لم يره وعليه طويلة فشك فيه أبو عبد الرحمن فقال: من هذا الرجل قالوا له: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن فقال: لقد رفع الله ابني فرجع إلى منزله فقال لوالدته: لقد رأيت ولدك في حالة ما رأيت أحدًا من أهل العلم والفقه عليها فقالت أمه: فأيما أحب إليك ثلاثون ألف دينار أو هذا الذي هو فيه من الجاه قال: لا والله إلَّا هذا قالت: فإني قد أنفقت المال كله عليه قال فوالله ما ضيعته.
قلت: لو صح ذلك، لكان يكفيه ألف دينار في السبع والعشرين سنة، بل نصفها فهذه مجازفة بعيدة ثم لما كان ربيعة ابن سبع وعشرين سنة كان شابا لا حلقة له بل الدست لمثل
стр. 3064
سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومشايخ ربيعة، وكان مالك لم يولد بعد، أو هو رضيع. والطويلة: إنما أخرجها للناس المنصور بعد موت ربيعة، والحسن بن زيد، وإنما كبر واشتهر بعد ربيعة بدهر، وإسنادها منقطع، ولعله قد جرى بعض ذلك.
قرأت على أبي المعالي، أنبأنا أحمد بن إسحاق، أنبأنا أبو هريرة محمد بن الليث اللبان وزيد بن هبة الله البيع ببغداد قالا، أنبأنا أبو القاسم أحمد بن المبارك بن عبد الباقي بن قفرجل، أنبأنا عاصم بن الحسن، أنبأنا عبد الواحد ابن محمد، حدثنا الحسين بن إسماعيل القاضي إملاء، حدثنا أحمد بن إسماعيل، حدثنا مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس الزرقي أنه سأل رافع بن خديج، عن كراء الأرض فقال: "نهي رسول الله ﷺ ، عن كراء الأرض فقلت: أبالذهب والورق? قال أما الذهب والورق فلا بأس به".
هذا حديث صحيح، عال أخرجه: مسلم عن يحيى بن يحيى وأبو داود، عن قتيبة كلاهما، عن مالك بن أنس (١).
قال ابن القاسم، عن مالك: قدم الزهري، فأخذ بيد ربيعة، ودخلا المنزل، فما خرجا إلى العصر. وخرج ابن شهاب يقول: ما ظننت أن بالمدينة مثل ربيعة وخرج ربيعة وهو يقول نحو ذلك.
قال أحمد بن صالح: حدثنا عنبسة، عن يونس: شهدت أبا حنيفة في مجلس ربيعة، مجهوده أن يفهم ما يقول ربيعة.
مطرف بن عبد الله، عن ابن أخي يزيد بن هرمز: أن رجلًا سأل ابن هرمز، عن بول الحمار، فقال: نجس. قال: فإن ربيعة لا يرى به بأسا قال: لا عليك إلَّا تذكر هنات ربيعة، فلربما تكلمنا في المسألة نخالفه فيها ثم نرجع إلى قوله بعد سنة.
قال مالك: اعتممت وما في وجهي شعرة، ولقد رأيت في مجلس ربيعة بضعة وثلاثين معتمًا.
قال عبد العزيز بن الماجشون: والله ما رأيت أحوط لسنة من ربيعة.
وقال مالك: كان ربيعة أعجل شيء جوابًا.
стр. 3065
٨٥٥ - " أبو حازم" (١): " ع"
سلمة بن دينار، الإمام، القدوة، الواعظ، شيخ المدينة النبوية، أبو حازم المديني المخزومي، مولاهم الأعرج، الأفزر (٢) التمار، القاص، الزاهد.
وقيل: ولاؤه لبني ليث. ولد: في أيام ابن الزبير، وابن عمر.
وروى عن: سهل بن سعد، وأبي أمامة بن سهل، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن أبي قتادة، والنعمان بن أبي عياش، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأم الدرداء، وعمارة بن عمرو بن حزم، وعبيد الله بن مقسم، ومسلم بن قرط، ومحمد بن المنكدر، وأبي مرة مولى عقيل: وبعجة بن عبد الله الجهني، وعدة.
وروى عن: ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وذلك منقطع.
روى عنه: ابن شهاب ويزيد بن عبد الله بن الهاد، وعمارة بن غزية، وزيد ابن أبي أنيسة، وعبيد الله بن عمر، والحمادان، والسفيانان، ومالك وسليمان بن بلال، وأبو غسان محمد بن مطرف، وموسى بن يعقوب، وهشام ابن سعد، وفضيل بن سليمان، والدراوردي، وعمر بن علي المقدمي، وعبد العزيز بن أبي حازم، وخلق سواهم.
وثقه ابن معين، وأحمد، وأبو حاتم، وقال ابن خزيمة ثقة، لم يكن في زمانه مثله.
قال يحيى الوحاظي: قلت لابن أبي حازم: أسمع أبوك من أبي هريرة؟ قال: من حدثك أن أبي سمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد فقد كذب.
قال ابن عيينة، عن أبي حازم: إني لأعظ وما أرى موضعًا وما أراد إلَّا نفسي.
وروى ابن عيينة عنه قال: اشتدت مؤنة الدين والدنيا. قيل: وكيف؟ قال: أما الدين، فلا تجد عليه أعوانًا وأما الدنيا فلا تمد يدك إلى شيء منهاإلَّا وجدت فاجرا قد سبقك إليه.
وقال عنه أيضًا: ليس للملوك صديق ولا للحسود راحة والنظر في العواقب تلقيح العقول.
стр. 3066
قال سفيان: فذاكرت الزهري هذه الكلمات، فقال: كان أبو حازم جاري، وما ظننت أنه يحسن مثل هذا.
وروى عبيد الله عن عمر، عن أبي حازم، قال: لا تكون عالمًا حتى يكون فيك ثلاث خصال: لا تبغ على من فوقك، ولا تحقر من دونك، ولا تأخذ على علمك دنيا.
وروى يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، قال: ما أحببت أن يكون معك في الآخرة فاتركه اليوم وقال: انظر كل عمل كرهت الموت من أجله فاتركه ثم لا يضرك متى مت.
وقال: يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة. وقال: انظر الذي يصلحك فاعمل به، وإن كان فسادا للناس وانظر الذي يفسدك فدعه وإن كان صلاحا للناس.
وعنه قال: شيئان إذا عملت بهما، أصبت خير الدنيا والآخرة، لا أطول عليك. قيل: ما هما؟ قال تحمل ما تكره إذا أحبه الله، وتترك ما تحب إذا كرهه الله.
وعنه: نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا، أعظم من نعمته فيما أعطاني منها، لأني رأيته أعطاها قوما فهلكوا.
وروى محمد بن إسماعيل الصنعاني، عن ابن عيينة: قال أبو حازم لجلسائه، وحلف لهم: لقد رضيت منكم أن يبقي أحدكم على دينه كما يبقي على نعله.
أبو الوليد الطيالسي، عن ابن عيينة، سمعت أبا حازم يقول: لا تعادين رجلًا ولا تناصبنه حتى تنظر إلى سريرته بينه وبين الله، فإن يكن له سريرة حسنة، فإن الله لم يكن ليخذله بعداوتك، وإن كانت له سريرة رديئة، فقد كفاك مساوئه، ولو أردت أن تعمل به أكثر من معاصي الله، لم تقدر.
وروى يحيى بن محمد المدني، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قلت لأبي حازم: إني لأجد شيئًا يحزنني. قال: وما هو يا ابن أخي؟ قلت: حبي للدنيا قال: اعلم أن هذا لشيء ما أعاتب نفسي على بعض شيء حببه الله إلي لأن الله قد حبب هذه الدنيا إلينا، لتكن معاتبتنا أنفسنا في غير هذا إلَّا يدعونا حبها إلى أن نأخذ شيئًا من شيء يكرهه الله ولا أن نمنع شيئًا من شيء أحبه الله فإذا فعلنا ذلك لم يضرنا حبنا إياها.
ضمرة بن ربيعة، عن ثوابة بن رافع قال: قال أبو حازم: وما إبليس؟ لقد عصي فما ضر، ولقد أطيع فما نفع.
стр. 3067
وعنه: ما الدنيا? ما مضى منها، فحلم وما بقي منها، فأماني.
وروى يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم قال: السيء الخلق أشقى الناس به نفسه التي بين جنبيه ي منه في بلاء ثم زوجته، ثم ولده، حتى إنه ليدخل بيته، وإنهم لفي سرور فيسمعون صوته فينفرون عنه فرقًا منه، وحتى إن دابته تحيد مما يرميها بالحجارة، وإن كلبه ليراه فينزو على الجدار، حتى إن قطه ليفر منه.
روى أبو نباتة المدني، عن محمد بن مطرف، قال: دخلنا على أبي حازم الأعرج لما حضره الموت، فقلنا: كيف تجدك؟ قال أجدني بخير راجيا لله، حسن الظن به، إنه والله- ما يستوي من غدا أو راح يعمر عقد الآخرة لنفسه فيقدمها أمامه قبل أن ينزل به الموت، حتى يقدم عليها، فيقوم لها وتقوم له ومن غدا أو راح في عقد الدنيا يعمرها لغيره ويرجع إلى الآخرة لا حظ له فيها ولا نصيب.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما رأيت أحدًا الحكمة أقرب إلي فيه من أبي حازم.
يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم قال: تجد الرجل يعمل بالمعاصي فإذا قيل: له أتحب الموت قال: لا وكيف وعندي ما عندي فيقال له: أفلا تترك ما تعمل فيقول: ما أريد تركه ولا أحب أن أموت حتى أتركه.
ابن عيينة، عن أبي حازم قال: وجدت الدنيا شيئين: فشيئا هو لي وشيئا لغيري فأما ما كان لغيري فلو طلبته بحيلة السماوات والارض لم أصل إليه، فيمنع رزق غيري مني كما يمنع رزقي من غيري. يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم قال: كل عمل تكره من أجله الموت فاتركه ثم لا يضرك متى مت.
محمد بن مطرف حدثنا أبو حازم قال: لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله إلَّا أحسن الله ما بينه وبين العباد ولا يعور ما بينه وبين الله، إلَّا عور فيما بينه وبين العباد، لمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها إنك إذا صانعته مالت الوجوه كلها إليك، وإذا استفسدت ما بينه شنئتك الوجوه كلها.
وعن أبي حازم قال: اكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك.
سفيان بن وكيع: حدثنا ابن عيينة قال: دخل أبو حازم على أمير المدينة فقال له: تكلم. قال له: انظر الناس ببابك، إن أدنيت أهل الخير ذهب أهل الشر وإن أدنيت أهل الشر ذهب أهل الخير.
стр. 3068
وقال أبو حازم: لأنا من أن أمنع من الدعاء، أخوف مني أن أمنع الإجابة.
وقال: إن الرجل ليعمل السيئة، ما عمل حسنة قط أنفع له منها، وكذا في الحسنة.
وعن أبي حازم، قال: خصلتان، من يكفل لي بهما؟ تركك ما تحب، واحتمالك ما تكره.
وقيل: إن بعض الأمراء أرسل إلى أبي حازم، فأتاه وعنده الزهري، والإفريقي، وغيرهما، فقال: تكلم يا أبا حازم. فقال أبو حازم: إن خير الآمراء من أحب العلماء، وإن شر العلماء من أحب الأمراء.
وعن أبي حازم، قال: إذا رأيت ربك يتابع نعمة عليك وأنت تعصيه، فاحذره، وإذا أحببت أخا في الله فأقل مخالطته في دنياه.
قال مصعب بن عبد الله الزبيري: أبو حازم أصله فارسي، وأمه رومية، وهو مولى بني ليث، وكان أشقر، أفزر، أحول.
وقال ابن سعد: كان يقص بعد الفجر، وبعد العصر في مسجد المدينة. ومات: في خلافة أبي جعفر، بعد سنة أربعين ومائة. قال: وكان ثقة، كثير الحديث.
و قال الفلاس والترمذي مات سنة ثلاث وثلاثين.
وقال خليفة: سنة خمس وثلاثين. وقال الهيثم: مات سنة أربعين ومائة.
وقال يحيى بن معين: مات سنة أربع وأربعين ومائة.
قلت: أخر من حدث عنه: أنس بن عياض الليثي، وحديثه في الكتب الستة.
أخبرنا عمر بن عبد المنعم، أنبأنا عبد الصمد بن محمد الحاكم، أنبأنا علي بن المسلم الفقيه، أنبأنا الحسين بن محمد الخطيب، أنبأنا محمد بن أحمد الصيداوي حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي عباد الصفار بالرملة، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: "من نابه في صلاته شيء فليقل سبحان الله إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال".
هذا حديث صحيح أخرجه: ابن ماجه (١)، عن الثقة، عن سفيان بن عيينة وهو في "صحيح البخاري": من طريق الثوري، عن أبي حازم الأعرج.
стр. 3069
أخبرنا عبد الحافظ بن بدران، ويوسف بن أحمد، قالا: أنبأنا موسى بن عبد القادر، أنبأنا سعيد بن أحمد، أنبأنا علي بن أحمد، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن الذهبي، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا خلف بن هشام، حدثنا العطاف بن خالد، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "غدوة في سبيل الله، أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، وموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١).
أخرجه الترمذي، من حديث العطاف، وصححه. وهو في "البخاري"، و"مسلم": من رواية عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه.
стр. 3070
٨٥٦ - عبد العزيز بن صهيب (١): "ع"
البناني البصري، الأعمى، الحافظ.
حدث عن: أنس بن مالك، وأبي نضرة العبدي، وشهر بن حوشب.
روى عنه: شعبة، والثوري، وحماد بن زيد، وهشيم، وعبد الوارث، والمبارك بن سحيم، وسفيان بن عيينة، وأخرون.
وثقه أحمد بن حنبل، وغيره، وما هو بالمكثر.
مات سنة ثلاثين ومائة. وقع لنا من عواليه.
٨٥٧ - عبد الله بن طاووس (٢): " ع"
الإمام، المحدث، الثقة، أبو محمد اليماني.
سمع من أبيه -وأكثر عنه. ومن: عكرمة، وعمرو بن شعيب، وعكرمة بن خالد
стр. 3071
المخزومي، وجماعة. ولم يأخذ، عن أحد من الصحابة، ويسوغ أن يعد في صغار التابعين لتقدم وفاته.
حدث عنه: ابن جريح، ومعمر، والثوري، وروح بن القاسم، ووهيب بن خالد، وسفيان بن عيينة، وأخرون. وثقوه.
وقال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية، وأحسنهم خلقا، ما رأينا ابن فقيه مثله.
وذكر القاضي شمس الدين في ترجمة طاووس: أن المنصور طلب ابن طاووس، ومالك بن أنس قال: فصدعه ابن طاوس بكلام.
فهذا لا يتجه، لأن ابن طاووس مات في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وذلك قبل دولة المنصور بل في هذه السنة قتل أخر الخلفاء الاموية مروان الحمار وقام فيها السفاح. والله أعلم.
стр. 3072
٨٥٨ - عمرو بن عبيد (١):
الزاهد، العابد، القدري، كبير المعتزلة وأولهم أبو عثمان البصري.
له، عن أبي العالية، وأبي قلابة، والحسن البصري.
وعنه: الحمادان، وعبد الوارث، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الوهاب الثقفي، وعلي بن عاصم، وقريش بن أنس ثم تركه القطان.
وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال حفص بن غياث: ما لقيت أزهد منه، وانتحل ما انتحل.
وقال ابن المبارك: دعا إلى القدر، فتركوه.
وقال معاذ بن معاذ: سمعت عمرا يقول إن كانت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، في اللوح المحفوظ، فما لله على ابن آدم حجة. وسمعته ذكر حديث الصادق المصدوق، فقال: لو سمعت الأعمش يقوله لكذبته إلى أن قال: ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول لرددته.
стр. 3073
وقال عاصم الأحول: نمت، فرأيت عمرو بن عبيد يحك آية، فلمته، فقال: أعيدها؟ قلت: أعدها. فقال: لا أستطيع.
وقال حماد بن زيد: قيل لأيوب: إن عمرو بن عبيد روى، عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه" قال: كذب.
قال ابن علية: أول من تكلم في الاعتزال واصل الغزال، فدخل معه عمرو بن عبيد فأعجب به، وزوجه أخته.
وذكر محمد بن عبد الله الأنصاري: أنه رأى عمرو بن عبيد في النوم قد مسخ قردًا.
وقد كان المنصور يعظم ابن عبيد، ويقول:
كلكم يمشي رويد … كلكم يطلب صيد
غير عمرو بن عبيد
قلت: اغتر بزهده وإخلاصه، وأغفل بدعته.
قال الخطيب: مات بطريق مكة، سنة ثلاث. وقيل: سنة أربع وأربعين ومائة.
قال أحمد بن أبي خيثمة في "تاريخه" سمعت ابن معين يقول: كان عمرو بن عبيد من الدهرية.
وقال سلام بن أبي مطيع: أنا للحجاج أرجى مني لعمرو بن عبيد.
قد استوفيت ترجمته في "تاريخ الإسلام".
وقد رثاه المنصور، وله كتاب "العدل" و"التوحيد"، وكتاب "الرد على القدرية" يريد السنة. ومن كتاب تلامذته: عثمان بن خالد الطويل شيخ العلاف، وأبو حفص عمر بن أبي عثمان الشمزي.
стр. 3074
٨٥٩ - داود بن الحصين (١): " ع"
الفقيه، أبو سليمان الأموي مولاهم، المدني.
حدث عن أبيه، وعكرمة، والأعرج، وأبي سفيان مولى ابن أبي أحمد.
حدث عنه: ابن إسحاق، ومالك، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، وإبراهيم بن أبي حبيبة، وعدة.
وثقة يحيى بن معين مطلقا. وقال النسائي، وغيره: ليس به بأس. وقال ابن عيينة: كنا نتقي حديثه. وقال ابن المديني: ما روى عن عكرمة، فمنكر. وقال أبو زرعة: لين. وقال أبو حاتم: لولا أن مالكًا روى عنه، لترك حديثه.
وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير. وقال ابن حبان: كان يرى الخروج.
وتكلم الترمذي في حفظه.
قلت: نزل عكرمة في بيت داود، وتوفي عنده.
стр. 3075
٨٦٠ - عبد الملك بن أبي سليمان (١): " خت، م (٤) "
الإمام، الحافظ، أبو محمد وقيل: أبو عبد الله، وأبو سليمان العرزمي (٢) الكوفي نزل جبانة عرزم فنسب إليها وعرزم: إنسان أسود. واسم أبي سليمان: ميسره.
حدث عن: أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأنس بن سيرين، وأبي الزبير، وعبد الله بن كيسان، وعبد الملك بن أعين، ومسلم بن يناق، وزبيد اليامي، وسلمة بن كهيل، وعبد الله بن عطاء، وأبي حمزة اليماني.
لم يزد صاحب "تهذيب الكمال" على هؤلاء.
وعنه: الثوري، وزائدة، وابن المبارك، وعيسى بن يونس، وعلي بن مسهر، وهشيم، ويحيى القطان، وخالد بن عبد الله، وحفص بن غياث وإسحاق بن يوسف، وابن نمير، وابن فضيل، ويزيد بن هارون، ويعلى بن عبيد، وخلق أخرهم موتا: عبد الرزاق، وليس هو بالمكثر وكان يوصف بالحفظ.
стр. 3076
ابن المديني عن عبد الرحمن، قال: كان شعبة يعجب من حفظ عبد الملك.
وروى نوفل بن المطهر، عن ابن المبارك، عن سفيان، قال: حفاظ الناس: إسماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن أبي سليمان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحفاظ البصريين ثلاثة سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وداود بن أبي هند، وكان عاصم أحفظهم.
وقال سفيان الثوري: حدثني الميزان: عبد الملك بن أبي سليمان -وأشار سفيان بيده كأنه يزن، وقال ابن المبارك عبد الملك بن أبي سليمان ميزان.
وقال أبو داود: قلت لأحمد: عبد الملك بن أبي سليمان? قال ثقة. قلت: يخطئ? قال: نعم، وكان من أحفظ أهل الكوفة إلَّا أنه رفع أحاديث، عن عطاء.
وسئل يحيى بن معين، عن حديث عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ في الشفعة (١) فقال: لم يحدث به إلَّا عبد الملك، وقد أنكره عليه الناس، ولكن عبد الملك ثقة، صدوق، لا يرد على مثله. قلت: تكلم فيه شعبة لهذا الحديث.
وروى عبد الله بن أحمد، عن أبيه قال: هذا حديث منكر قال محمد ابن عثمان بن أبي صفوان: عن أمية بن خالد: قلت لشعبة: مالك لا تحدث، عن عبد الملك بن أبي سليمان فقال: تركت حديثه قلت: تحدث عن محمد ابن عبيد الله العرزمي، وتدع عبد الملك، وقد كان حسن الحديث قال: من حسنها فررت.
قال الخطيب: أساء شعبة في اختياره لمحمد، وتركه عبد الملك، لأن محمد بن عبيد الله لم يختلف أئمة الأثر في ذهاب حديثه، وسقوط روايته وثناؤهم على عبد الملك مستفيض.
وروى عبد الله بن أحمد، عن أبيه: أنه ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت. وقال ابن عمار: ثقة حجة وقال أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن عبد الملك، ثم قال الفسوي: ثقة، متقن، فقيه.
قال أبو نعيم: مات سنة خمس وأربعين ومائة.
أخبرنا أحمد بن عبد الكريم، أنبأنا نصر بن جرو، أنبأنا أبو طاهر السلفي، أنبأنا أبو البقاء الحبال، أنبأنا زيد بن جعفر حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم، أنبأنا يعلى بن عبيد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا فيها" (٢).
стр. 3077
٨٦١ - عطاء بن السائب (١): " (٤) "
الإمام، الحافظ، محدث الكوفة، أبو السائب. وقيل: أبو زيد، وقيل: أبو يزيد، وأبو محمد الكوفي.
عن أبيه السائب بن زيد وقيل: ابن يزيد وقيل: ابن مالك الثقفي مولاهم، وعن: أنس بن مالك- ولم يثبت أنه سمع منه، وقد جاء بإدخال يزيد الرقاشي بينهما- وعن: عبد الله بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبي وائل، ومرة الطيب، وعمرو بن ميمون الأودي، ومجاهد، وأبي البختري الطائي، وذر بن عبد الله، وأبي عبد الرحمن السلمي، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن بريدة، وعكرمة، والحسن وأبي ظبيان، وسالم البراد، وخلق كثير. وكان من كبار العلماء لكنه ساء حفظه قليلًا في أواخر عمره.
حدث عنه: إسماعيل بن أبي خالد -وهو من طبقته- والثوري، وابن جريح، وأبو جعفر الرازي، وروح بن القاسم، والحمادان، وموسى بن أعين، وأبو عوانة، وجعفر بن سليمان، وأبو الأحوص، وشعبة، وشريك، وعبيدة بن حميد، وابن فضيل، وجرير بن عبد الحميد، وزائدة، وزهير بن معاوية، وابن عيينة، وهشيم، وأبو إسحاق الفزاري، وعلي بن عاصم، وابن علية، وخلق كثير.
قال ابن عيينة: حدثني بعض أصحابنا: أن أبا إسحاق كان يسأل، عن عطاء ابن السائب، فيقول: إنه من البقايا.
وروى إبراهيم بن مهدي، عن حماد بن زيد، قال: أتينا أيوب، فقال: اذهبوا فقد قدم عطاء بن السائب من الكوفة، وهو ثقة اذهبوا إليه، فسلوه، عن حديث أبيه في التسبيح (٢).
стр. 3078
علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، قال: ما سمعت أحدًا يقول في عطاء بن السائب شيئًا قط في حديثه القديم، وما حدث سفيان وشعبة عنه صحيح، إلَّا حديثين كان شعبة يقول: سمعتهما بأخرة، عن زاذان.
أحمد بن سنان، عن عبد الرحمن قال: ليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد ليث أحسنهم حالًا عندي.
وروى عثمان بن أبي شيبة، عن جرير -وذكر الثلاثة- فقال: يزيد أحسنهم استقامة في الحديث، ثم عطاء. قال أحمد بن حنبل: عطاء ثقة ثقة، رجل صالح. وقال: من سمع منه قديمًا كان صحيحا، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء. سمع منه قديمًا: شعبة، وسفيان، وسمع منه حديثًا جرير وخالد بن عبد الله، وإسماعيل، وعلي بن عاصم، وكان يرفع، عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها.
قال: وقال وهيب: لما قدم عطاء البصرة، قال: كتبت عن عبيدة ثلاثين حديثًا، ولم يسمع من عبيدة شيئًا، وهذا اختلاط شديد.
أبو داود، عن أحمد قال: كان عطاء بن السائب من خيار عباد الله، كان يختم القرآن كل ليلة وقال شعبة حدثنا عطاء وكان نسيا وقال يحيى لم يسمع عطاء بن السائب من يعلى بن مرة قال واختلط عطاء فما سمع منه قديمًا فهو صحيح، وقد سمع منه أبو عوانة في الصحة وفي الاختلاط جميعًا، ولا يحتج بحديثه.
ابن عدي: أنبأنا ابن أبي عصمة، حدثنا أحمد بن أبي يحيى، سمعت يحيى ابن معين يقول: ليث بن أبي سليم ضعيف مثل عطاء بن السائب. وجميع من روى عن عطاء ففي الاختلاط إلَّا شعبة وسفيان.
قال ابن عدي: عطاء أختلط في أخر عمره، فمن سمع منه قديمًا مثل الثوري، وشعبة فحديثه مستقيم ومن سمع منه بعد الاختلاط فأحاديثه فيها بعض النكرة وقال العجلي كان شيخا، قديمًا، ثقة روى، عن ابن أبي أوفى ومن سمع منه قديمًا فهو صحيح منهم الثوري فأما من سمع منه بأخره فهو مضطرب الحديث منهم هشيم وخالد بن عبد الله وكان عطاء بأخرة يتلقن إذا لقن، لأنه كان غير صالح الكتاب، وأبوه: تابعي، ثقة.
وقال أبو حاتم: كان محله الصدق قديمًا قبل أن يختلط، ثم تغير حفظه، في حديثه تخاليط كثيرة، وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب، رفع أشياء كان يرويها، عن التابعين، فرفعها إلى الصحابة.
стр. 3079
وقال النسائي: ثقة في حديثه القديم، إلَّا أنه تغير، ورواية: حماد بن زيد، وشعبة، وسفيان عنه جيدة.
الحميدي، عن سفيان، قال: كنت سمعت من عطاء بن السائب قديمًا، ثم قدم علينا قدمة فسمعته يحدث ببعض ما كنت سمعته، فخلط فيه، فاتقيته واعتزلته.
وقال أبو النعمان، عن يحيى بن سعيد: عطاء بن السائب تغير حفظه بعد، وحماد بن زيد سمع منه قبل أن يتغير.
وقال أبو قطن، عن شعبة: ثلاثة في القلب منهم هاجس: عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وآخر.
إسماعيل بن بهرام، عن أبي بكر بن عياش، قال: كنت إذا رأيت عطاء بن السائب، وضرار بن مرة، رأيت أثر البكاء على خدودهما.
قال ابن سعد، وغيره: مات عطاء بن السائب سنة ست وثلاثين ومائة.
أخبرنا أحمد بن هبة الله، أنبأنا عبد المعز بن محمد، أنبأنا تميم بن أبي سعيد، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو عمرو بن حمدان، أنبأنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "مررت ليلة أسري بي برائحة طيبة فقلت: ما هذه الرائحة يا جبريل? قال: هذه ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها قالت: بسم الله قالت: ابنة فرعون أبي قالت: ربي ورب أبيك قالت: أقول له إذًا قالت: قولي له قال لها: أولك رب غيري؟ قالت: ربي وربك الذي في السماء قال: فأحمى لها بقرة من نحاس فقالت: إن لي إليك حاجة قال: وما حاجتك؟ قالت: أن تجمع عظامي وعظام ولدي قال: ذلك لك علينا لما لك علينا من الحق فألقى ولدها في البقرة أحدًا واحدًا فكان آخرهم صبي فقال: يا أمه اصبري فإنك على الحق" (١).
قال ابن عباس: فأربعة تكلموا وهم صبيان: ابن ماشطة فرعون وصبي جريح، وعيسى بن مريم، والرابع لا أحفظه.
стр. 3080
٨٦٢ - موسى بن عقبة (١): " ع"
ابن أبي عياش، الإمام، الثقة، الكبير، أبو محمد القرشي، مولاهم، الأسدي، المطرفي، مولى آل الزبير. ويقال: بل مولى الصحابية أم خالد بنت خالد الأموية، زوجة الزبير. وكان بصيرًا بالمغازي النبوية، ألفها في مجلد، فكان أول من صنف في ذلك. وهو أخو إبراهيم بن عقبة، ومحمد بن عقبة، وعم إسماعيل بن إبراهيم.
أدرك ابن عمر، وجابرا. وحدث عن: أم خالد. وعداده في صغار التابعين. وحدت أيضًا عن: علقمة بن وقاص، وأبي سلمة، وكريب، وسالم بن عبد الله، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ونافع بن جبير بن مطعم، ونافع مولى ابن عمر، وصالح مولى التوأمة، وعروة بن الزبير، وعكرمة وابن المنكدر، والزهري، وأبي الزبير، وسالم أبي الغيث، وعبد الله بن دينار، ومحمد بن يحيى بن حبان، وحمزة بن عبد الله بن عمر، وأبي الزناد ومحمد بن أبي بكر الثقفي، وخلق سواهم.
وعنه: بكير بن عبد الله بن الأشج مع تقدمه، وشعبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريح، ومالك، وإبراهيم بن طهمان، وابن أبي الزناد وحفص بن ميسرة، والسفيانان، وزهير، وعبد العزيز بن أبي حازم، وعبد العزيز الدراوري، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ووهيب، وأبو قرة موسى بن طارق، وأبو إسحاق الفزاري، وفضيل بن سليمان، ومحمد بن فليح، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وإسماعيل بن عياش، وأبو ضمرة الليثي، وحاتم بن إسماعيل، وزهير بن محمد المروزي، وأبو بدر السكوني، وعبد الله بن رجاء المكي، وأبو همام محمد بن الزبرقان، ويعقوب بن عبد الرحمن القاري، وخلق كثير.
قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، كذا هنا. وقال في موضع أخر وهو أشبه: كان ثقة، ثبتا، كثير الحديث.
стр. 3081
إبراهيم بن المنذر، عن معن، قال: كان مالك إذا قيل له: مغازي من نكتب? قال: عليكم بـ "مغازي موسى بن عقبة" فإنه ثقة. وقال ابن المنذر أيضًا: حدثني مطرف، ومعن، ومحمد بن الضحاك قالوا: كان مالك إذا سئل، عن المغازي؟ قال: عليك "بمغازي" الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنها أصح المغازي. وقال أيضًا: سمعت محمد بن طلحة، سمعت مالكًا يقول: عليكم بـ "مغازي موسى" فإنه رجل ثقة، طلبها على كبر السن، ليقيد من شهد مع رسول الله ﷺ ولم يكثر كما كثر غيره.
قلت: هذا تعريض بابن إسحاق، ولا ريب ابن إسحاق كثر وطول بأنساب مستوفاة، اختصارها أملح، وبأشعار غير طائلة، حذفها أرجح، وبآثار لم تصحح، مع أنه فاته شيء كثير من الصحيح، لم يكن عنده، فكتابه محتاج إلى تنقيح وتصحيح، ورواية ما فاته.
وأما "مغازي موسى بن عقبة": فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها، وغالبها صحيح، ومرسل جيد، لكنها مختصرة، تحتاج إلى زيادة بيان، وتتمة.
وقد أحسن في عمل ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في تأليفه المسمى بكتاب "دلائل النبوة".
وقد لخصت أنا الترجمة النبوية، والمغازي المدنية في أول "تاريخي الكبير"، وهو كامل في معناه -إن شاء الله. إبراهيم بن المنذر الحزامي: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: كان بالمدينة شيخ يقال له: شرحبيل أبو سعد، وكان من أعلم الناس بالمغازي قال: فاتهموه أن يكون يجعل لمن لا سابقة له سابقة، وكان قد احتاج فأسقطوا مغازيه، وعلمه قال إبراهيم: فذكرت هذا لمحمد بن طلحة بن الطويل، ولم يكن أحدًا أعلم بالمغازي منه فقال لي: كان شرحبيل أبو سعد عالمًا بالمغازي فاتهموه أن يكون يدخل فيهم من لم يشهد بدرا ومن قتل يوم أحد، والهجرة ومن لم يكن منهم وكان قد احتاج فسقط عند الناس فسمع بذلك موسى بن عقبة فقال: وإن الناس قد اجترؤوا على هذا? فدب على كبر السن وقيد من شهد بدرا وأحدًا ومن هاجر إلى الحبشة، والمدينة وكتب ذلك.
وقال إبراهيم: حدثنا محمد بن الضحاك، سمعت المسور بن عبد الملك المخزومي يقول لمالك: يا أبا عبد الله! فلان كلمني يعرض عليك، وقد شهد جده بدرا. فقال مالك: لا تدري ما يقولون، من كان في "كتاب موسى بن عقبة" قد شهد بدرًا، فقد شهدها، ومن لم يكن في "كتاب موسى" فلم يشهد بدرًا.
قال أحمد بن أبي خيثمة: كان يحيى بن معين يقول: "كتاب موسى بن عقبة" عن الزهري: من أصح هذه الكتب.
стр. 3082
وقال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، والنسائي: موسى ثقة. وروى: المفضل ابن غسان، عن يحيى بن معين قال: موسى بن عقبة: ثقة، يقولون: روايته، عن نافع فيها شيء وسمعت ابن معين يضعف موسى بعض الضعف.
قلت: قد روى عباس الدوري، وجماعة، عن يحيى توثيقه، فليحمل هذا التضعيف على معنى أنه ليس هو في القوة، عن نافع كمالك ولا عبيد الله. وكذلك روى: إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، عن يحيى بن معين قال: ليس موسى بن عقبة في نافع مثل عبيد الله بن عمر، ومالك.
قلت: احتج الشيخان بموسى بن عقبة، عن نافع -ولله الحمد- قلنا ثقة، وأوثق منه فهذا من هذا الضرب.
قال الواقدي: كان لإبراهيم، وموسى، ومحمد بني عقبة حلقة في مسجد رسول الله ﷺ وكانوا كلهم فقهاء محدثين وكان موسى يفتي.
وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: كان لهم هيئة، وعلم وقال يحيى بن معين: سمع ابن المبارك من موسى بن عقبة، ولم يسمع من أخويه، أقدمهم محمد، ثم إبراهيم، ثم موسى، وموسى أكثرهم حديثًا.
وقال يحيى بن سعيد القطان، فيما نقله عنه أبو حفص الفلاس: مات موسى بن عقبة قبل أن يدخل المدينة بسنة، سنة إحدى وأربعين ومائة وفيها أرخه: خليفة والترمذي، وغيرهما، وشذ نوح بن حبيب فقال: مات سنة اثنتين.
وقع لنا حديثه عاليًا في مواضع، من أعلاها في "جزء ابن عرفة".
أخبرنا أحمد بن فرح الإشبيلي الحافظ، أنبأنا عبد العزيز بن محمد وأحمد بن عبد الدائم قالا، أنبأنا عبد المنعم بن عبد الوهاب "ح" وأنبانا أحمد بن سلامة، عن عبد المنعم، أنبأنا علي بن بيان، أنبأنا محمد بن محمد بن محمد البزاز، أنبأنا إسماعيل بن محمد، أنبأنا الحسن بن عرفه، أنبأنا إسماعيل ابن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن" (١). هذا حديث لين
стр. 3083
الإسناد من قبل إسماعيل، إذ روايته، عن الحجازيين مضعفة. أخرجه: الترمذي، عن ابن عرفه فوافقناه بعلو.
أخبرنا أحمد بن إسحاق، أنبأنا أكمل بن أبي الأزهر العلوي، أنبأنا سعيد بن أحمد، أنبأنا أبو نصر الزينبي، أنبأنا محمد بن عمر الوراق، حدثنا عبد الله ابن أبي داود، حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن موسى بن عقبة، عن أم خالد بنت خالد قالت: "كان رسول الله ﷺ يتعوذ من عذاب القبر". تابعه: وهيب بن خالد، وإسماعيل بن جعفر
أخرجه البخاري والنسائي (١).
стр. 3084
٨٦٣ - عمرو بن أبي عمرو (١): " ع"
مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، المخزومي، الفقيه، أبو عثمان المدني.
حدث عن: أنس بن مالك، وأبي سعيد المقبري، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والأعرج.
وعنه: مالك، ومحمد بن جعفر، وأخوه إسماعيل بن جعفر، وعبد العزيز الدراوردي، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وآخرون.
قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن معين: ليس بحجة. وقال أحمد: ما به بأس. اسم أبيه ميسرة وقال أبو داود: ليس بذاك.
٨٦٤ - محمد بن واسع (٢): " م، د، ت، س"
ابن جابر بن الأخنس، الإمام الرباني، القدوة، أبو بكر. ويقال: أبو عبد الله الأزدي، البصري أحد الأعلام.
стр. 3085
حدث عن: أنس بن مالك، وعبيد بن عمير، ومطرف بن الشخير، وعبد الله بن الصامت، وأبي صالح السمان، ومحمد بن سيرين، وغيرهم.
وهو قليل الرواية.
حدث عنه: هشام بن حسان، وأزهر بن سنان، وإسماعيل بن مسلم العبدي، وسفيان الثوري، ومعمر، وحماد بن سلمة، وسلام بن أبي مطيع، وصالح المري، وحماد بن زيد، وجعفر بن سليمان الضبعي، ونوح بن قيس، وسلام القارئ، ومحمد بن الفضل بن عطية.
قال علي بن المديني: له خمسة عشر حديثًا، وقال أحمد العجلي: ثقة، عابد، صالح وقال الدارقطني: ثقة بلي برواة ضعفاء.
قال ابن شوذب: لم يكن لمحمد بن واسع عبادة ظاهرة، وكانت الفتيا إلى غيره، وإذا قيل: من أفضل أهل البصرة? قيل: محمد بن واسع.
قال الأصمعي: قال سليمان التيمي: ما أحد أحب أن ألقى الله بمثل صحيفته مثل محمد بن واسع.
وروى معتمر، عن أبيه: ما رأيت أحدًا قط أخشع من محمد بن واسع. وقال جعفر بن سليمان: كنت إذا وجدت من قلب قسوة، غدوت، فنظرت إلى وجه محمد بن واسع، كان كأنه ثكلى قال حماد بن زيد: قال رجل لمحمد بن واسع: أوصني قال: أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة قال: كيف؟ قال: أزهد في الدنيا.
وعنه قال: طوبى لمن وجد عشاء، ولم يجد غداء، ووجد غداء، ولم يجد عشاء، والله عنه راض.
قال ابن شوذب: قسم أمير البصرة على قرائها، فبعث إلى مالك بن دينار، فأخذ فقال له ابن واسع: قبلت جوائزهم? قال: سل جلسائي. قالوا: يا أبا بكر! اشترى بها رقيقا، فأعتقهم. قال: أنشدك الله أقلبك الساعة على ما كان عليه؟ قال: اللهم لا، إنما مالك حمار، إنما يعبد الله مثل محمد بن واسع.
قال ابن عيينة: قال ابن واسع: لو كان للذنوب ريح، ما جلس إلي أحد.
قال الأصمعي: لما صاف قتيبة بن مسلم للترك، وهاله أمرهم، سأل، عن محمد بن واسع؟ فقيل: هو ذاك في الميمنة، جامح على قوسه، يبصبص بأصبعه نحو السماء قال: تلك الأصبع أحب إلي من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير.