يغنون عنك من الله شيئًا، إنك تموت وحدك، وتدخل قبرك وحدك، وتقف بين يدي الله وحدك، وتحاسب وحدك، فانظر لنفسك، فقد نصحتك.
ذكر ابن الفُوطي (١)، جعفرًا، فلقبه: بسيد بني هاشم، وقال: كان له بالبصرة كل يوم غلة ثمانين ألف درهم.
وقال حماد بن زيد: غَسلت جعفر بن سليمان، وزررت عليه قميصه حين ألبسته الكفن، ثم جاء عمه عبد الصمد بتسعة أثواب ليكفنه فيها، فما كفن إلا في ثلاثة أثواب عملًا بالسنة.
وقد امتدحه جماعة، وأخذوا جوائزه.
توفي سنة أربع وسبعين ومائة. وقيل: سنة خمس.
стр. 3817
١٢٢٢ - أخوه محمد بن سليمان (١):
ولي البصرة أيضًا، وكان فارس بن هاشم، قتل إبراهيم بن عبد الله الخارج على المنصور.
وولي أيضًا مملكة فارس، وكان جوادًا، مُمَدحًا.
قيل: إن الرشيد احتاط على تَرِكَته، فكانت خمسين ألف ألف درهم.
وقال الخطيب: كان عظيم قومه، ويقال: إنه قال عند الموت: يا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني كنت حمَّالا. وكان رقيق القلب.
توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة.
стр. 3818
١٢٢٣ - رابعة العدوية (١):
البصرية، الزاهدة، العابدة، الخاشعة، أم عمرو رابعة بنت إسماعيل، ولاؤها للعتكيين. ولها سيرة في "جزء" لابن الجوزي.
قال خالد بن خداش: سمعت رابعة صالحًا المري يذكر الدنيا في قصصه، فنادته: يا صالح، من أحب شيئًا، أكثر من ذكره.
وقال محمد بن الحسين البُرجُلاني: حدثنا بشر بن صالح العتكي، قال: استأذن ناس على رابعة ومعهم سفيان الثوري، فتذاكروا عندها ساعة، وذكروا شيئًا من الدنيا، فلما قاموا، قالت لخادمتها: إذا جاء هذا الشيخ وأصحابه، فلا تأذني لهم، فإني رأيتهم يحبون الدنيا.
وعن أبي يسار مسمع، قال: أتيت رابعة، فقالت: جئتني وأنا أطبخ أرزًا، فآثرت حديثك على طبيخ الأرز، فرجعت إلى القدر وقد طُبِخَتْ.
ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن الحسين، حدثني عبيس بن ميمون العطار، حدثتني عبدة بن أبي شوال -وكانت تخدم رابعة العدوية- قالت: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر، هجعت هجعة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول: يا نفس كم تنامين، وإلى كم تقومين، يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا ليوم النشور.
قال جعفر بن سليمان: دخلتُ مع الثوريِّ على رابعة، فقال سفيان: واحزناه! فقالت: لا تكذب، قل: واقلة حزناه!
وعن حماد، قال: دخلت أنا وسلام بن أبي مطيع على رابعة، فأخذ سلام في ذكر الدنيا، فقالت: إنما يذكر شيء هو شيء، أما شيء ليس بشيء، فلا.
شيبان بن فروخ: حدثنا رياح القيسي، قال: كنت اختلفت إلى شميط أنا ورابعة، فقالت مرة: تعال يا غلام. وأخذت بيدي، ودعت الله، فإذا جرة خضراء مملوءة عسلا أبيض، فقالت: كل، فهذا -والله- لم تحوه بطون النحل. ففرغت من ذلك، وقمنا، وتركناه.
قال أبو سعيد بن الأعرابي: أما رابعة، فقد حمل الناس عنها حكمة كثيرة، وحكى عنها: سفيان، وشعبة، وغيرهما ما يدل على بطلان ما قيل عنها، وقد تمثلته بهذا:
стр. 3819
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي … وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فنسبها بعضهم إلى الحلو بنصف البيت، وإلى الإباحة بتمامه.
قلت: فهذا غلو وجهل، ولعل من نسبها إلى ذلك مباحي حلولي، ليحتج بها على كفره، كاحتجاجهم بخبر: "كنت سمعه الذي يسمع به" (١).
قيل: عاشت ثمانين سنة.
توفيت سنة ثمانين ومائة.
стр. 3820
١٢٢٤ - أما رابعة الشامية (١):
العابدة، فأخرى مشهورة، أصغر من العدوية، وقد تدخل حكايات هذه في حكايات هذه، والثانية هي القائلة ما روى أحمد بن أبي الحواري، عن عباس بن الوليد، أنها قالت: أستغفر الله من قلة صدقي في قولي: أستغفر الله.
ملوك الأندلس:
стр. 3821
١٢٢٥ - عبد الرحمن بن معاوية بن هشام (١):
ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أمير الأندلس وسلطانها، أبو المطرف الأموي، المرواني، المشهور: بالداخل؛ لأنه حين انقرضت خلافة بني أمية من الدنيا، وقتل مروان الحمار، وقامت دولة بني العباس، هرب هذا، فنجا، ودخل إلى الأندلس، فتملكها.
وذلك أنه فر من مصر، في آخر سنة اثنتين وثلاثين، إلى أرض برقة، فبقي بها خمس سنين، ثم دخل المغرب، فنفذ مولاه بدرًا يتجسس له، فقال للمضرية: لو وجدتم رجلا من
стр. 3822
بيت الخلافة، أكنتم تبايعونه? قالوا: وكيف لنا بذلك? فقال: هذا عبد الرحمن بن معاوية. فأتوه، فبايعوه، فتملك الأندلس ثلاثًا وثلاثين سنة، وبقي الملك في عقبه إلى سنة أربع مائة. ولم يتلقب بالخلافة، لا هو ولا أكثر ذريته، إنما كان يقال: الأمير فلان.
وأول من تلقب بأمير المؤمنين منهم: الناصر لدين الله، في حدود العشرين وثلاثمائة، عندما بلغه ضعف خلفاء العصر، فقال: أنا أولى بإمرة المؤمنين.
دخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلس في سنة ثمان وثلاثين.
ومولده بأرض تدمر سنة ثلاث عشرة ومائة، في خلافة جده.
وأما أبو القاسم بن بشكوال الحافظ، فقال: فر من المشرق عند انقراض ملكهم، هو وأخوان أصغر منه، وغلام لهم، فلم يزالوا يخفون أنفسهم، والجعائل قد جعلت عليهم، والمراصد، فسلكوا حتى وصلوا وادي بجاية، فبعثوا الغلام يشتري لهم خبزًا، فأنكرت الدراهم، وقبض على الغلام، وضرب، فأقر فأركبوا خيلًا، فرأى عبد الرحمن الفرسان، فتهيأ للسباحة، وقال لأخويه: اسبحا معي. فنجا هو، وقصرا، فأشاروا إليهما بالأمان، فلما حصلا في أيديهم، ذبحوهما، وأخوهما ينظر من هناك، ثم آواه شيخ كريم العهد، وقال: لأسترنك جهدي. فوقع عليه التفتيش ببجاية، إلى أن جاء الطالب إلى دار الشيخ، وكان له امرأة ضخمة، فأجلسها تتسرح، وأخفى عبد الرحمن تحت ثيابها، وصيح الشيخ: يا سبحان الله! الحرم. فقالوا: غطَّ أهلك. وخرجوا، وستره الله مدة، ثم دخل الأندلس في قارب سماك، فحصل بمدينة المنُكَّب.
وكان قواد الأندلس وجندها موالي بني أمية، فبعث إلى قائد، فأعلمه بشأنه، فقبل يديه، وفرح به، وجعله عنده، ثم قال: جاء الذي كنا نتحدث أنه إذا انقرض ملك بني أمية بالمشرق، نبغ منهم عبد الرحمن بالمغرب. ثم كتب إلى الموالي، وعرفهم، ففرحوا، وأصفقوا على بيعته، واستوثقوا من أمراء العرب، وشيوخ البربر. فلما استحكم الأمر، أظهروا بيعته بعد ثمانية أشهر، وذلك في ربيع الآخر، سنة ثمان وثلاثين ومائة، فقصد قرطبة، ومتولي الأندلس يومئذ: يوسف الفهري، فاستعد جهده، فالتقوا، فانهزم يوسف، ودخل عبد الرحمن بن معاوية الداخل قصرَ قرطبة يوم الجمعة، يوم الأضحى من العام. ثم حاربه يوسف ثانيًا ودخل قرطبة، واستولى عليها، وكر عبد الرحمن عليه، فهرب يوسف، والتجأ إلى غرناطة، فامتنع بإلبيرة. فنازله عبد الرحمن، وضيق عليه، ورأى يوسف اجتماع الأمر للداخل، فنزل بالأمان بمحضر من قاضي الأندلس يحيى بن يزيد التُّجيبي، وكان رجلا
стр. 3823
صالحًا، استعمله على القضاء عمر بن عبد العزيز، فزاده الداخل إجلالا وإكرامًا، فبقي على قضائه إلى أن مات سنة اثنتين وأربعين ومائة، فاستعمل على القضاء معاوية بن صالح. فلما أراد معاوية هذا، الحج، وجهه الداخل إلى أختيه بالشام، وعمته رملة بنت هشام، ليعمل الحيلة في إدخالهن إلى عنده، وأنشد عند ذلك:
أيها الركب الميمم أرضي … أقر من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرض … وفؤادي ومالكيه بأرض
قدر البين بيننا فافترقنا … فطوى البين عن جفوني غمضي
وقضى الله بالفراق علينا … فعسى باجتماعنا سوف يقضي
فلما وصل إليهن، قلن: السفر، لا نأمن غوائله على القرب، فكيف وقد حالت بيننا بحار ومفاوز، ونحن حرم، وقد آمننا هؤلاء القوم على معرفتهم بمكاننا منه، فحسبنا أن نتملى المسرة بعزة وعافية.
فانصرف بكتابهما، وبعثا إليه بأعلاق نفيسة من ذخائر الخلافة، فسر بها الأمير عبد الرحمن، وقضى لرأيهما بالرجاحة، ثم بعد وصل آخر من الشام بكتاب منهن، وبهدايا وتحف منها: رُمَّان من رصافة جدهم هشام، فسر به الداخل، وكان بحضرته سفر بن عبيد الكَلاعي من أهل الأردن، فأخذ من الرمان، وزرع من عَجَمه بقريته حتى صار شجرًا، وزاد حسنًا، وجاء بثمره إلى الأمير، وكثر هناك، ويعرف بالسَّفَري، وغرس منه بمنية الرُّصافة.
ورأى الداخل نخلة مفردة بالرصافة، فهاجمت شجنه، وتذكر وطنه، فقال:
تبدت لنا وسط الرصافة نخلة … تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي في التغرب والنوى … وطول انثنائي عن بني وعن أهلي
نشأت بأرض أنت فيها غريبة … فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
سقتك عوادي المزن من صوبها الذي … يسح وتستمري السماكين بالوبل
قال ابن حيان: وحين افتتح المسلمون قرطبة، شاطروا أهلها كنيستهم العظمى، كما فعل أبو عبيدة وخالد بأعاجم دمشق، فابتنوا فيه مسجدًا، وبقي الشطر بأيدي الروم إلى أن كثرت عمارة قرطبة، وتداولتها بعوث العرب، فضاق المسجد، وعُلق منه سقائف، وصار الناس ينالون مشقة لقصر السقائف إلى أن أذخر الله فيه الأجر لصحيفة الداخل، وابتاع الشطر الثاني من النصارى بمائة ألف دينار، وقبضوها على ملأ من الناس، ورضوا بعد تمنع، وعمل هذا
стр. 3824
الجامع الذي هو فخر الأرض وشرفها من مال الأخماس، وكمل على مراده، وكان تأسيسه في سنة سبعين ومائة، فتمت أسواره في عام. وبلغ الإنفاق فيه إلى ثمانين ألف دينار، فقال دحية البلوي:
وأبرز في ذات الإله ووجهه … ثمانين ألفًا من لجين وعسجد
وأنفقها في مسجد أسه التقى … ومنحته دين النبي محمد
ترى الذهب الناري بين سموكه … يلوح كلمع البارق المتوقد
وقال أيضًا:
بنيت لأهل الدين بالغرب مسجدا … ليركع للرحمن فيه ويسجدا
جمعت له الأكفاء من كل صانع … فقام بمن الله بيتًا ممجدا
فما لبثوه غير حول وما خلا … إلى أن أقاموه منيعًا مشيدا
وزخرف بالأصباغ منه سقوفه … كما تمم الوشاء بردًا مقصدا
وبالذهب الرومي موه وجهه … فبورك من بان لذي العرش مسجدا
وكملت أبهاء الجامع سبعة أبهاء، ثم زاد من بعده حفيده الحكم الرَّبَضي بهوين، ثم زاد عبد الرحمن بن الحكم بهوين، فصارت أحد عشر بهوًا، ثم زاد المنصور بن أبي عامر ثمانية أبهاء، وعمل جامع إشبيلية وسورها بعد المائتين.
قال ابن بشكوال: كان عدد القومة لجامع قرطبة في مدة المنصور وقبلها ثلاث مائة رجل.
وقال ابن مزين: في قبلته انحراف. وقد ركب الحكم المستنصر بالله مع الوزراء والقاضي منذر البلوطي، وقد هم بتحريف القبلة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، قد صلى بهذه القبلة خيار الأئمة والتابعون، وإنما فُضِّل من فُضِّل بالاتباع، وأمير المؤمنين أولى من اتبع، فترك القبلة بحالها.
قال ابن حَيَّان: بلغ الإنفاق في المنبر الحكمي إلى خمسة وثلاثين ألف دينار وسبعمائة دينار ونيف، وقام من ستة وثلاثين ألف وصلة من الأبنوس، والصندل، والعُنَّاب، والبَقَّم في مدة أربع سنين، وأول من خطب عليه منذر بن سعيد البلُّوطي، وبلغت أعمدة جامع قرطبة إلى ألف وأربعمائة سارية وتسع سواري، وعمل الناصر صومعة ارتفاعها من الأرض إلى موقف المؤذن أربعة وخمسون ذراعًا، وعرضها ثمانية عشر ذراعًا، وبأعلى ذروتها سفُّود طويل فيه ثلاث رمانات: إحداهما فضة، والأخرى ذهب إبريز، وفوقها سوسنة ذهب
стр. 3825
مسدسة، فهذه المنارة إحدى عجائب الدنيا، وذرع المحراب إلى داخل ثمانية أذرع ونصف، ومن الشرق إلى الغرب سبعة أذرع ونصف، وارتفاع قبوه ثلاثة عشر ذراعًا ونصف، وذراع المقصورة من الشرق إلى الغرب خمسة وسبعون ذراعًا، وعرضها من جدار الخشب إلى القبلة اثنان وعشرون ذراعًا، وطول الجامع ثلاثمائة وثلاثون ذراعًا، ومن الشرق إلى الغرب مائتان وخمسون ذراعًا.
وأما الإسلام فكان عزيزًا منيعًا بالأندلس في دولة الداخل، فانظر إلى هذا الأمان الذي كتب عنه للنصارى:
بسم الله الرحمن الرحيم: كتاب أمان ورحمة، وحقن دماء وعصمة، عقده الأمير الأكرم الملك المعظم عبد الرحمن بن معاوية، ذو الشرف الصميم، والخير العميم، للبطارقة والرهبان، ومن تبعهم من سائر البلدان، أهل قشتالة وأعمالها، ما داموا على الطاعة في أداء ما تحملوه، فأشهد على نفسه أن عهده لا ينسخ ما أقاموا على تأدية عشرة آلاف أوقية من الذهب، وعشرة آلاف رطل من الفضة، وعشرة آلاف رأس من خيار الخيل، ومثلها من البغال، مع ذلك ألف درع وألف بيضة، ومن الرماح الدردار مثلها في كل عام، ومتى ثبت عليهم النكث بأسير يأسرونه، أو مسلم يغدرونه، انتكث ما عوهدوا عليه، وكتب لهم هذا الأمان بأيديهم إلى خمس سنين، أولها صفر عام اثنين وأربعين ومائة.
وذكر ابن عساكر بإسناد له: أن عبد الرحمن لما عدى إلى الجزيرة، فنزلها، اتبعه أهلها، ثم مضى إلى إشبيلية، فاتبعه أهلها، ثم مضى إلى قرطبة، فاتبعه من فيها، فلما رأى يوسف الفهري العساكر قد أظلته، هرب إلى دار الشرك، فتحصن هناك، وغزاه عبد الرحمن بعد ذلك، فوقعت نفرة في عسكره، فانهزم، ورد عبد الرحمن بلا حرب، وجعل لمن أتاه برأس يوسف جُعلا، فأتاه رجل من أصحاب يوسف برأسه.
وقال الحميدي: دخل عبد الرحمن الأندلس، فقامت معه اليمانية، وحارب يوسف عبد الرحمن الفهري متولي الأندلس، فهزمه، وكان عبد الرحمن من أهل العلم على سيرة جميلة من العدل.
وقال أبو المظفر الأبيْوَرْدي في "أخبار بني أمية": كان الناس يقولون: ملك الأرض ابنا بربريَّتين -يعني: عبد الرحمن، والمنصور.
وكان المنصور يقول عن عبد الرحمن بن معاوية: ذاك صقر قريش، دخل المغرب وقد قُتِلَ قومه، فلم يزل يضرب العدنانية بالقحطانية حتى ملك.
стр. 3826
وقال سعيد بن عثمان اللغوي المتوفى سنة أربع مائة: كانت بقرطبة جنة اتخذها عبد الرحمن بن معاوية، كان فيها نخلة أدركتُها.
وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن معاوية:
يا نخل أنت غريبة مثلي … في الغرب نائية عن الأهل
فابكي وهل تبكي ملمسة … عجماء لم تطبع على خبل
لو أنها تبكي إذن لبكت … ماء الفرات ومنبت النخل
لكنها ذهلت وأذهلني … بغضي بني العباس عن أهلي
وقد ولي على الأندلس عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي في أيام عمر بن عبد العزيز، فبنى تلك القناطر بقرطبة بقبلي القصر والجامع، وهي ثمانية عشر قوسًا، طولها ثمانمائة باع، وعرضها سوى ستائرها عشرون باعًا، وارتفاعها ستون ذراعًا، وهي من عجائب الدنيا.
ولما انقرضت دولة بني أمية، اتفق الناس على تقديم يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري، فعمرت البلاد في أيامه، واتسعت، فلما أراد الله ظهور ملك بني أمية بالأندلس، ذلت لعبد الرحمن قبائل العرب، وسلم له الأمر، وقتل يوسف الفهري بوادي الزيتون، وخطب لعبد الرحمن بجميع الأمصار بها، وشيد قرطبة وعزا عدة غزوات.
من ذلك: غزوة قشتالة، جاز إليها من نهر طليطلة، وفرت الروم أمامه، وتعلقت بالحبال، فلم يزل حتى وصل مدينة برنيقة، من مملكة قشتالة، فنزل عليها، وأمر برفع الخيام، وشرع في البناء، وأخذ الناس يبنون، فسلموا إليه الأمان عند إياسهم من النجدة، وخرجوا بثيابهم فقط، وما يزودهم، ثم كتب لأهل قشتالة ذلك الأمان الذي تقدم، وهو بخط الوزير بشر بن سعيد الغافقي.
ولما صفا الأمر لعبد الرحمن بعد مقتل عثمان بن حمزة، من ولد عمر ابن الخطاب، وذلك بعد سبعة أعوام من تمنعه بطليطلة، عظم سلطانه، وامتدت أيامه، وعاش ستين سنة، ثم توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة، وأيست بنو العباس من مملكة الأندلس لبعد الشقة.
стр. 3827
١٢٢٦ - هشام بن عبد الرحمن بن معاوية (١):
الأمير أبو الوليد المرواني، بويع بالملك بالأندلس عند موت والده سنة اثنتين وسبعين، وعمره إذ ذاك ثلاثون سنة، فإنه ولد بالأندلس. وكان دينًا، ورعًا يشهد الجنائز، ويعود المرضى، ويعدل في الرعية، ويكثر الصدقات، ويتعاهد المساكين. وأمه: أم ولد، اسمها حوراء.
ولما احتضر عهد، بالأمر إلى ولده الحكم.
ومات في صفر، سنة ثمانين، ومائة وله سبع وثلاثون سنة ﵀.
ولنذكر باقي المروانية على نسق واحد.
стр. 3828
١٢٢٧ - الحكم بن هشام (١):
ابن الداخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم الأموي، المرواني، أبو العاص، أمير الأندلس، وابن أميرها، وحفيد أميرها. ويلقب: بالمرتضى، ويعرف: بالربضي؛ لما فعل بأهل الربض. بويع بالملك عند موت أبيه، في صفر، سنة ثمانين ومائة.
وكان من جبابرة الملوك، وفساقهم، ومتمرديهم، وكان فارسًا، شجاعًا، فاتكًا، ذا دهاء، وحزم، وعتو، وظلم، تملك سبعًا وعشرين سنة.
وكان في أول أمره على سيرة حميدة، تلا فيها أباه، ثم تغير، وتجاهر بالمعاصي.
قال أبو محمد بن حزم: كان من المجاهرين بالمعاصي، سفاكًا للدماء، كان يأخذ أولاد الناس الملاح، فيخصيهم ويمسكهم، لنفسه. وله شعر جيد.
قال اليسع بن حزم: همت الروم بما لم ينالوا من طلب الثغور، فنكثوا العهد، فتجهز الحكم إليهم حتى جاز جبل السارة -شمالي طليطلة- ففرت الروم أمامه حتى تجمعوا بسمورة، فلما التقى الجمعان، نزل النصر، وانهزم الكفر، وتحصنوا بمدينة سمورة، وهي كبيرة جدًّا، فحصرها المسلمون بالمجانيق، حتى افتتحوها عنوة، وملكوا أكثر شوارعها، واشتغل الجند بالغنائم، وانضمت الروم إلى جهة من البلد، وخرجوا على حمية، فقتلوا خلقًا
стр. 3829
في خروجهم، فكانت غزوته من أعظم المغازي، لولا ما طرأ فيها من تضييع الحزم، ورامت الروم السلم، فأبى عليهم الحكم، ثم خرج من بلادهم خوفًا من الثلوج، فلما كان العام الآتي، استعد أعظم استعداد، وقصد سمورة، فقتل، وسبى، كل ما مر به، ثم نازلها شهرين، ثم دخلوها بعد جهد، وبذلوا فيها السيف إلى المساء، ثم انحاز المسلمون، فباتوا على أسوارها، ثم صبحوها من الغد، لا يبقون على محتلم.
قال الرازي في "مغازي الأندلس": الذي أحصي ممن قتل في سمورة ثلاث مائة ألف نفس، فلما بلغ الخبر ملك رومية، كتب إلى الحكم يرغب في الأمان، فوضع على الروم ما كان جده وضع عليهم، وزاد عليهم أن يجلبوا من تراب مدينة رومية نفسها ما يصنع به أكوام بشرقي قرطبة صغارًا لهم، وإعلاء لمنار الإسلام، فهما كومان من التراب الأحمر في بسيط مدرتها السوداء.
قلت: وكثرت العلماء بالأندلس في دولته، حتى قيل: إنه كان بقرطبة أربعة آلاف متقلس متزيين بزي العلماء، فلما أراد الله فناءهم، عز عليهم انتهاك الحكم للحرمات، وائتمروا ليخلعوه، ثم جيشوا لقتاله، وجرت بالأندلس فتنة عظيمة على الإسلام وأهله، فلا قوة إلا بالله، فذكر ابن مزين في "تاريخه": طالوت بن عبد الجبار المعافري، وأنه أحد العلماء العاملين الشهداء الذين هموا بخلع الحكم، وقالوا: إنه غير عدل، ونكثوه في نفوس العوام، وزعموا أنه لا يحل المكث ولا الصبر على هذه السيرة الذميمة، وعولوا على تقديم أحد أهل الشورى بقرطبة، وهو أبو الشماس أحمد بن المنذر بن الداخل الأموي ابن عم الحكم، لما عرفوا من صلاحه، وعقله، ودينه، فقصدوه، وعرفوه بالأمر، فأبدى الميل إليهم والبشرى بهم، وقال لهم: أنتم أضيافي الليلة، فإن الليل أستر. وناموا، وقام هو إلى ابن عمه بجهل، فأخبره بشأنهم، فاغتاظ لذلك، وقال: جئت لسفك دمي أو دمائهم، وهم أعلام، فمن أين نتوصل إلى ما ذكرت? فقال: أرسل معي من تثق به ليتحقق. فوجه من أحب، فأدخلهم أحمد في بيته تحت ستر، ودخل الليل، وجاء القوم، فقال: خبروني من معكم? فقالوا: فلان الفقيه، وفلان الوزير. وعدوا كبارًا، والكاتب يكتب حتى امتلأ الرق، فمد أحدهم يده وراء الستر، فرأى القوم، فقام وقاموا، وقالوا: فعلتها يا عدو الله. فمن فر لحينه، نجا، ومن لا، قبض عليه، فكان ممن فر: عيسى بن دينار الفقيه، ويحيى بن يحيى الفقيه صاحب مالك، وقرعوس بن العباس الثقفي.
وقبض على ناس كأبي كعب، وأخيه، ومالك بن يزيد القاضي، وموسى بن سالم
стр. 3830
الخولاني، ويحيى بن مضر الفقيه، وأمثالهم من أهل العلم والدين، في سبعة وسبعين رجلا، فضربت أعناقهم، وصلبوا.
وأضاف إليهم عميه؛ كليبًا وأمية، فصلبا، وأحرق القلوب عليهم، وسار بأمرهم الرفاق، وعلم الحكم أنه محقود من الناس كلهم، فأخذ في جمع الجنود والحشم، وتهيأ، وأخذت العامة في الهيج، واستأسد الناس، وتنمروا، وتأهبوا. فاتفق أن مملوكًا خرج من القصر بسيف دفعه إلى الصيقل، فماطله، فسبه، فجاوبه الصيقل، فتضاربا، ونال منه المملوك حتى كاد أن يتلفه، فلما تركه، أخذ الصيقل السيف، فقتل به المملوك، فتألب إلى المقتول جماعة، وإلى القاتل جماعة أخرى، واستفحل الشر، وذلك في رمضان، سنة اثنتين ومائتين، وتداعى أهل قرطبة من أرباضهم، وتألبوا بالسلاح، وقصدوا القصر، فركب الجيش والإمام الحكم، فهزموا العامة، وجاءهم عسكر من خلفهم، فوضعوا فيهم السيف، وكانت وقعة هائلة شنيعة، مضى فيها عدد كثير زهاء عن أربعين ألفًا من أهل الربض، وعاينوا البلاء من قدامهم ومن خلفهم، فتداعوا بالطاعة، وأذعنوا ولاذوا بالعفو، فعفا عنهم على أن يخرجوا من قرطبة، ففعلوا، وهدمت ديارهم ومساجدهم، ونزل منهم ألوف بطليطلة، وخلق في الثغور، وجاز آخرون البحر، ونزلوا بلاد البربر، وثبت جمع بفاس، وابتنوا على ساحلها مدينة غلب على اسمها مدينة الأندلس، وسار جمع منهم زهاء خمسة عشر ألفًا، وفيهم عمر بن شعيب الغليظ، فاحتلوا بالإسكندرية، فاتفق بعد ذلك أن رجلا منهم اشترى لحمًا من جزار، فتضاجر معه، ورماه الجزار بكرش في وجهه، فرجع بتلك الحالة إلى قومه، فجاءوا فقتلوا اللحام، فقام عليهم أهل الإسكندرية، فاقتتلوا، وأخرج الأندلسيون أهلها هاربين، وتملكوا الإسكندرية. فاتصل الخبر بالمأمون فأرسل إليهم، وابتاع المدينة منهم، على أن يخرجوا منها، وينزلوا جزيرة إقريطش (١)، فخرجوا، ونزلوها، وافتتحوها، فلم يزالوا فيها إلى أن غلب عليها أرمانوس بن قسطنطين سنة خمس وثلاثمائة.
وأما الحكم فإنه اطمأن، وكتب إلى القائد محمد بن رستم كتابًا فيه: وأنه تداعى فسقة من أهل قرطبة إلى الثورة، وشهروا السلاح، فأنهضنا لهم الرجال، فقتلنا فيهم قتلا ذريعًا، وأعان الله عليهم، فأمسكنا عن أموالهم وحرمهم.
ثم كتب الحكم كتاب أمان عام، وكان طالوت (٢) اختفى سنة عند يهودي، ثم خرج،
стр. 3831
وقصد الوزير أبا البسام ليختفي عنده، فأسلمه إلى الحكم فقال: ما رأي الأمير في كبش سمين، وقف على مذوده عامًا؟ فقال الحكم: لحم ثقيل، ما الخبر? قال: طالوت عندي. فأمره بإحضاره، فأحضر، فقال: يا طالوت! أخبرني لو أن أباك أو ابنك ملك هذه الدار، أكنت فيها في الإكرام والبر على ما كنت أفعل معك? ألم أفعل كذا؟ ألم أمش في جنازة امرأتك، ورجعت معك إلى دارك? أفما رضيت إلا بسفك دمي? فقال الفقيه في نفسه: لا أجد أنفع من الصدق، فقال: إني كنت أبغضك لله، فلم يمنعك ما صنعت معي لغير الله، وإني لمعترف بذلك -أصلحك الله- فوجم الخليفة، وقال: اعلم أن الذي أبغضتني له قد صرفني عنك، فانصرف في حفظ الله، ولست بتارك برك، وليت الذي كان لم يكن، ولكن أين ظفر بك أبو البسام -لا كان؟ فقال: أنا أظفرته بنفسي، وقصدته. قال: فأين كنت في عامك? قال: في دار يهودي، حفظني لله. فأطرق الخليفة مليًا، ورفع رأسه إلى أبي البسام، وقال: حفظه يهودي، وستر عليه لمكانه من العلم والدين، وغدرت به إذ قصدك، وخفرت ذمته، لا أرانا الله في القيامة وجهه إن رأينا لك وجهًا. وطرده، وكتب لليهودي كتابًا بالجزية فيما ملك، وزاد في إحسانه فلما رأى اليهودي ذلك، أسلم مكانه.
قال ابن مزين: وكان أهل طليطلة لهم نفوس أبية، وكانوا لا يصبرون على ظلم بني أمية، فإن ولاتهم كان فيهم ظلم وتعد، فكانوا يثبون على الوالي ويخرجونه، فولى عليهم الحكم عمروسًا، رجلا منهم. وكان عمروس داهية، فداخل الحكم، وعمل على رءوس أهل طليطلة حتى قتل جماعة منهم.
قال ابن مزين: فأشار أولا على الأعيان ببناء قلعة تحميهم، ففعلوا، فبعث إلى الخليفة كتبًا بمعاملة منه، فيه شتمه وسبه، فقام له، وقعد، وسب وأفحش، وبعث للخليفة ولده للغزو، فاحتال عمروس (١) على الأكابر حتى خرجوا، وتلقوه، ورغبوه في الدخول إلى قلعتهم، ومد سماطًا، واستدعاهم، فكان الداخل يدخل على باب، ويخرج من باب آخر، فتضرب عنقه حتى كمل كذلك نحو الخمسة آلاف، حتى غلا بخار الدماء، وظهرت الرائحة، ثم بعث الحكم أمانًا ليحيى بن يحيى الليثي.
مات الحكم سنة ست ومائتين، في آخرها، وله ثلاث وخمسون سنة. وولي الأندلس بعده: ابنه أبو المطرف عبد الرحمن، فلنذكره.
стр. 3832
١٢٢٨ - عبد الرحمن بن الحكم بن هشام (١):
ابن الداخل، أمير الأندلس، أبو المطرف المرواني. بويع بعد والده، في آخر سنة ست ومائتين فامتدت أيامه، وكان وادعًا، حسن السيرة، لين الجانب، قليل الغزو، غلبت المشركون في دولته على إشبيلية، ولكن الله سلم.
كتب إليه عبد الملك بن حبيب الفقيه يحرضه على بناء سور إشبيلية، يقول له: حقن دماء المسلمين -أيدك الله، وأعلى يدك بابتناء السور- أحق وأولى. فأخذ برأيه، وجمع بينه وبين زيادة جامع قرطبة، وابتنى أيضًا جامع إشبيلية على يد قاضيها عمرو بن عدبس، وكانت إشبيلية من ناحية الوادي بلا سور.
فلما كانت سنة ثلاثين ومائتين، طرق المجوس الأردمانيون إشبيلية في ثمانين مركبًا في الوادي، فصادفوا أهلها على غرارة بمطاولة أمد الأمان لهم مع قلة خبرتهم بحربهم، فطلعوا من المراكب، وقد لاح لهم خَوَرٌ من أهلها، فقاتلوهم، وقووا على المسلمين، ووضعوا السيف فيهم، وملكوا إشبيلية بعد القتل الذريع في أهلها حتى في النساء والبهائم، وأقاموا بها سبعة أيام، فورد الخبر على الخليفة عبد الرحمن بن الحكم، فاستنفر جيشه، وبعث بهم إلى إشبيلية، فحلوا بالشرق، ووقع القتال واشتد الخطب، وانتصر المسلمون، واستحر القتل بالملاعين حتى فني جمع الكفرة -لعنهم الله- وحرق المسلمون ثلاثين مركبًا من مراكبهم، فكان بين دخولهم إلى إشبيلية وهروبهم عنها ثلاثة وأربعون يومًا. وهذا كان السبب في بناء سور واديها.
وفي سنة خمس وثلاثين: جاء سيل مَهُول حتى احتمل ربض قنطرة قرطبة، واحتمل ست عشرة قرية إلى البحر بما فيها من الناس والمواشي، وهلك ما لا يعد ولا يحصى، فلا قوة إلا بالله.
وكان مولد عبد الرحمن بن الحكم: بطليطلة، في شعبان، سنة ست وسبعين ومائة.
ومات في ثالث ربيع الآخر، سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
стр. 3833
١٢٢٩ - محمد بن عبد الرحمن بن الحكم (١):
صاحب الأندلس، أبو عبد الله الأموي، المرواني.
كان محبًّا للعلم، مؤثرًا لأصحاب الحديث، مكرمًا لهم، حسن السيرة، وهو الذي نصر بقي بن مخلد الحافظ على أهل الرأي.
قال بقي: ما كلمت أحدًا من الملوك أكمل عقلا، ولا أبلغ لفظًا من الأمير محمد، ولقد دخلت عليه يومًا في مجلس خلافته، فافتتح الكلام بحمد الله، والصلاة على نبيه، ثم ذكر الخلفاء، فحلى كل واحد بحليته وصفته، وذكر مآثره بأفصح لسان حتى انتهى إلى نفسه، فحمد الله على قدره، ثم سكت.
قلت: رأى مصنف أبي بكر بن أبي شيبة، إذ نازع أهل الرأي بقي بن مخلد، فأمر بنسخه، وقال: لا تستغني خزانتنا عن هذا.
وكان ذا رأي، وحزم، وشجاعة، وإقدام.
بويع عند موت والده في سنة ثمان وثلاثين، وله إحدى وثلاثون سنة، وذلك بعهد من والده وأمه: أم ولد.
وامتدت دولته. وقيل: إنه كان يتوغل في بلاد الروم، ويبقى في الغزو السنة وأكثر.
قال أبو المظفر بن الجوزي: هو صاحب وقعة سَليط. وهي ملحمة مشهورة لم يعهد قبلها بالأندلس مثلها. يقال: قتل فيها ثلاثمائة ألف كافر. وهذا شيء لم نسمع بمثله. قال: وللشعراء فيه مدائح كثيرة.
قال اليسع بن حزم: كان محمد يسمى: بالأمين.
قلت: مات في آخر صفر، سنة ثلاث وسبعين ومائتين، عن أربع وستين سنة ﵀.
стр. 3834
١٢٣٠ - المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم (١):
بو الحكم المرواني، صاحب الأندلس، تملك بعد والده، فكانت دولته سنتين، فمات وهو يحاصر عمر بن حفصون، رأس الخوراج بالأندلس. وكان هذا بدويًّا، يجلب السمك بالأندلس، فآل به الأمر إلى أن كثر جمعه، واستولى على جماعة حصون.
مات المنذر في نصف صفر، سنة خمس وسبعين ومائتين، وله ست وأربعون سنة.
стр. 3835
١٢٣١ - عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن (١):
الأمير أبو محمد المرواني، أخو المنذر.
تملك الأندلس بعد أخيه، وامتدت أيامه. وكان أسن من أخيه بعام، وكان لينًا، وادعًا، يحب العافية، فقام عليه في كل قطر من الأندلس متغلب، وتناقض أمر المروانية في دولته.
قال أحمد بن محمد بن عبد ربه: كان الأمير عبد الله من أفاضل أمراء بني أمية، بنى السَّاباط، وواظب الخروج عليه إلى الجامع، والتزم الصلاة إلى جانب المنبر طول مدته.
وقال محمد بن وضاح: كان عبد الله الأمير من الصالحين، المتقين، العالمين، روى العلم كثيرًا، وطالع الرأي، وأبصر الحديث، وحفظ القرآن، وتفقه، وأكثر الصوم، وكان يلتزم الصلوات في الجامع، فيمر بالصف، فيقوم الناس له، فكتب إليه سعيد بن حمير: أيها الإمام أنت من المتقين، وإنما يقوم الناس لرب العالمين، فلا ترض من رعيتك بغير الصواب، فإن العزة لله جميعًا. فأمر العامة بترك ذلك فلم ينتهوا، فحينئذ ابتنى الساباط طريقًا مشهورًا من قصره إلى المقصورة.
قال اليسع بن حزم: استضعفت دولة بني أمية، وقام ابن حفصون، وكان نصراني الأصل، فأسلم، وتنصح، وألب، وحشد، وصارت الأندلس شعلة تضرم، ولم يبق لبني أمية منبر يخطب فيه إلا منبر قرطبة، والغارات تشن عليها حتى قام عبد الرحمن الناصر، فتراجع الأمر.
مات عبد الله في أول ربيع الأول، سنة ثلاثمائة، وله اثنتان وسبعون سنة.
стр. 3836
١٢٣٢ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله (١):
بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن الداخل عبد الرحمن، سلطان الأندلس، المدعو: أمير المؤمنين، الناصر لدين الله، أبو المطرف الأموي، المرواني.
كان أبوه محمد ولي عهد والده عبد الله بن محمد، فقتله أخوه أبو القاسم المطرف، فقتله أبوهما به.
ففي سنة سبع وسبعين ومائتين قتل محمد، وله سبع وعشرون سنة، وتأخر قتل المطرف إلى رمضان، سنة اثنتين ومائتين. ولما قتل محمد، كان لعبد الرحمن هذا عشرون يومًا. وولي الخلافة بعد جده.
قال ابن حزم: كانت خلافته من المستطرف؛ لأنه كان شابًا، وبالحضرة جماعة من أعمامه، وأعمام أبيه، فلم يعترض معترض عليه. واستمر له الأمر وكان شهمًا صارمًا.
وكل من تقدم من آبائه لم يتسم أحد منهم بإمرة المؤمنين، وإنما كانوا يخاطبون بالإمارة فقط، وفعل مثلهم عبد الرحمن إلى السنة السابعة والعشرين من ولايته، فلما بلغه ضعف الخلافة بالعراق، وظهور الشيعة العبيدية بالقيروان، رأى أنه أحق بإمرة المؤمنين، ولم يزل منذ ولي الأندلس يستنزل المتغلبين حتى صارت المملكة كلها في طاعته، وأكثر بلاد العدوة، وأخاف ملوك الطوائف حوله.
وابتدأ ببناء مدينة الزهراء في أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، فكان يقسم دخل مملكته أثلاثًا: فثلث يرصده للجند، وثلث يدخره في بيت المال، وثلث ينفقه في الزهراء.
وكان دخل الأندلس خمسة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف وثمانين ألفًا، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف دينار وخمسة وستون ألفًا.
ذكر ابن أبي الفياض في "تاريخه"، قال: أخبرت أنه وجد في تاريخ الناصر أيام السرور التي صفت له، فعدت، فكانت أربعة عشر يومًا، وقد ملك خمسين سنة ونصفًا.
قال اليسع بن حزم: نظر أهل الحل والعقد، من يقوم بأمر الإسلام، فما وجدوا في شباب بني أمية من يصلح للأمر إلا عبد الرحمن بن محمد، فبايعوه، وطلب منهم المال فلم
стр. 3837
يجده، وطلب العُدَد فلم يجدها، فلم يزل السعد يخدمه إلى أن سار بنفسه لابن حفصون، فوجده مجتازًا لوادي التفاح، ومع أكثر من عشرين ألف فارس -كذا نقل: اليسع، وما أحسب أن ابن حفصون بقي إلى هذا التاريخ- قال: فهزمه، وأفلت ابن حفصون في نفر يسير، فتحصن بحصن مُبشّر.
ولم يزل عبد الرحمن يغزو حتى أقام العوج، ومهد البلاد، ووضع العدل، وكثر الأمن، ثم بعث جيشًا إلى المغرب، فغزا برغواطة بناحية سلا، ولم تزل كلمته نافذة، وسجلماسة، وجميع بلاد القبلة، وقتل ابن حفصون. وصارت الأندلس أقوى ما كانت وأحسنها حالا، وصفا وجهه للروم، وشن الغارات على العدو، وغزا بنفسه بلاد الروم اثنتي عشرة غزوة، ودوخهم، ووضع عليهم الخراج، ودانت له ملوكها، فكان فيما شرط عليهم اثنا عشر ألف رجل يصنعون في بناء الزهراء التي أقامها لسكناه على فرسخ من قرطبة.
وساق إليها أنهارًا، ونقب لها الجبل، وأنشأها مدورة، وعدة أبراجها ثلاثمائة برج، وشرفاتها من حجر واحد، وقسمها أثلاثًا: فالثلث المسند إلى الجبل: قصوره، والثلث الثاني: دور المماليك والخدم، وكانوا اثني عشر ألفًا بمناطق الذهب، يركبون لركوبه، والثلث الثالث: بساتين تحت القصور. وعمل مجلسًا مشرفًا على البساتين، صفح عمده بالذهب، ورصعه بالياقوت والزمرد، واللؤلؤ، وفرشه بمنقوش الرخام، وصنع قدامه بحرة مستديرة ملأها زئبقًا، فكانت النور ينعكس منه إلى المجلس، فدخل عليه قاضيه منذر بن سعيد البلوطي، فوقف، وقرأ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣، ٣٤] الآيتين، فقال: وعظت أبا الحكم. ثم قام عن المجلس، وأمر بنزع الذهب والجواهر.
وقال عبد الواحد المراكشي في "تاريخه": اتسعت مملكة الناصر، وحكم على أقطار الأندلس، وملك طنجة وسبتة وغيرهما من بلاد العدوة، وكانت أيامه كلها حروبًا. وعاش المسلمون في آثاره الحميدة آمنين برهة.
ويقال: إن بناء الزهراء أكمل في اثنتي عشرة سنة، بألف بناء في اليوم، مع البنّاء اثنا عشر فاعلا.
حكى أبو الحسن الصفار: أن يوسف بن تاشفين ملك المغرب لما دخل الزهراء، وقد خربت بالنيران والهدم، من تسعين سنة قبل دخوله إليها، وقد نقل أكثر ما فيها إلى قرطبة وإشبيلية، ونظر آثارًا تشهد على محاسنها، فقال: الذي بنى هذه كان سفيهًا. فقال أبو مروان بن سراج: كيف يكون سفيهًا وإحدى كرائمه أخرجت مالا في فداء أسارى في أيامه، فلم يوجد ببلاد الأندلس أسير يفدى.
توفي الناصر في رمضان، سنة خمسين وثلاث مائة. وستعاد ترجمته مختصرة بزيادات مهمة، وأنه افتتح سبعين حصنًا ﵀.
стр. 3838
١٢٣٣ - الحكم بن عبد الرحمن بن محمد (١):
ير المؤمنين بالأندلس، أبو العاص، المستنصر بالله بن الناصر الأموي، المرواني.
بويع بعد أبيه، في رمضان، سنة خمسين وثلاثمائة.
وكان حسن السيرة، جامعًا للعلم، مكرمًا للأفاضل، كبير القدر، ذا نهمة مفرطة في العلم والفضائل، عاكفًا على المطالعة.
جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الملوك، لا قبله ولا بعده، وتطلبها، وبذل في أثمانها الأموال، واشتريت له من البلاد البعيدة بأغلى الأثمان، مع صفاء السريرة والعقل والكرم، وتقريب العلماء.
أكثر عن: زكريا بن الخطاب، وأجاز له: قاسم بن ثابت كتاب: "الدلائل في غريب الحديث". وكتب عن خلق كثير، منهم: قاسم بن أصبغ، ومحمد بن محمد بن عبد السلام الخشني، وأحمد بن دحيم.
ولقد ضاقت خزائنه بالكتب إلى أن صارت إليه، وآثرها على لذات الملوك، فغزر علمه، ودق نظره، وكان له يد بيضاء في معرفة الرجال، والأنساب، والأخبار، وقلما تجد له كتابًا إلا وله فيه قراءة أو نظر، من أي فن كان، ويكتب فيه نسب المؤلف، ومولده ووفاته، ويأتي من ذلك بغرائب لا تكاد توجد.
ومن محاسنه: أنه شدد في مملكته في إبطال الخمور تشديدًا عظيمًا.
وكان أخوه الأمير عبد الله المعروف بالولد، على أنموذجه في محبة العلم، فقتل في أيام أبيه.
стр. 3839
وكان المستنصر موثقًا فيما ينقله. ذكره: ابن الأبار في "تاريخه"، وقال: عجبًا لابن الفرضي، وابن بشكوال، كيف لم يذكراه؟!
مولده في سنة اثنتين وثلاثمائة.
وقال اليسع بن حزم: كان الحكم عالمًا، راوية للحديث، فطنًا، ورعًا.
وفد عليه أبو علي القالي، وأبو علي الزُّبيدي، وغيرهما.
ولما توفي القاضي منذر بن سعيد، استعمل على القضاء الفقيه ابن بشير، فشرط عليه نفوذ الحق والعدل؛ فرفع إليه تاجر: أنه ضاعت له جارية صغيرة، وأنها في القصر، فانتهى الأمر إلى الحكم. فقال الحكم: نرضي هذا التاجر بكل ما عسى أن يرضى به. فقال ابن بشير: لا يكمل عدلك حتى تنصف من نفسك، وهذا قد ادعى أمرًا، فلا بد من إحضارها، وشهادة الشهود على عينها. فأحضرها الحكم، وأنصف التاجر.
وفي دولة الحكم همت الروم بأخذ مواضع من الثغور، فقواها بالمال والجيوش، وغزا بنفسه، وزاد في القطيعة على الروم، وأذلهم.
وكان موته بالفالج، في صفر، سنة ست وستين وثلاثمائة. وخلف ولدًا، وهو هشام، فأقيم في الخلافة بتدبير الوزير ابن أبي عامر القحطاني.
стр. 3840
١٢٣٤ - هشام بن الحكم (١):
بن عبد الرحمن الخليفة، المؤيد بالله بن المستنصر بالله بن الناصر الأموي، الأندلسي أبو الوليد. ولي الأمر بعد والده، وطالت أيامه.
مولده بمدينة الزهراء، في جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين.
وبويع وله اثنا عشر عامًا بإشارة الدولة، وقام بتدبير الخلافة المنصور محمد بن أبي عامر، واستبد بالأمور، فقبض أول شيء على عمه المغيرة بن الناصر.
وكان هشام العاشر من ملوك بني أمية بالأندلس، وكان ضعيف الرأي، أخرق، محجورًا عليه، فكان صورة، وكان المنصور هو الكل، فساس المملكة أتم سياسة، وغزا عدة غزوات ضخام.
وسيأتي في حدود الأربعمائة خبر المؤيد، وهذا المنصور.
стр. 3841
١٢٣٥ - يَعْلَى بن الأشدق (١):
لعقيلي، البدوي، المعمر.
حدث عن: عمه؛ عبد الله بن جراد، ورقاد بن ربيعة، وكليب بن جري الأعراب -وزعم أن لهم صحبة- وعن النابغة الجعدي.
وعنه: عمر بن إسماعيل بن مجالد، وإسماعيل بن عبد الله قاضي دمشق، وداود بن رشيد، وأبو وهب الوليد بن عبد الملك، وهاشم بن قاسم الحرَّانيان، وأيوب بن محمد الوزان، وآخرون.
كنيته أبو الهيثم، وكان تالفًا يدور النواحي، ويشحذ.
قال أحمد الأبَّار: سألت الوزان عنه، فقال: كان من أهل البادية، كتب عنه أهل حران، رأيت له ابنًا كأنه أكبر منه، وبنتًا كأنها أمه، فظننت أنها أمه. فقال: هذه بنتي ولدت بعد المائة.
وقال أبو وهب: سمعته يقول: لي مائة وست وعشرون سنة ونصف.
وقال أبو حاتم: قال أبو مسهر قدم يعلى دمشق، وكان أعرابيًّا، فحدث عن عبد الله بن جراد سبعة أحاديث. فقلنا: لعله حق، ثم جعلها عشرة، ثم عشرين، ثم جعلها أربعين.
وكان سائلا يسأل الناس.
وقال البخاري: لا يكتب حديثه.
وقال أبو زرعة: لا يصدق.
وقال ابن عدي: بلغني عن أبي مسهر، قال: قلت ليعلى: ما سمع عمك من النبي ﷺ ? قال: "جامع الثوري"، و"موطأ مالك"، وشيئًا من الفوائد.
وقال ابن حبان وضعوا له أحاديث، فحدث بها، ولم يدر.
قلت: بقي إلى ما بعد ثمانين ومائة.
стр. 3842
١٢٣٦ - العَطَّاف (١): " ت، س"
ابن خالد بن عبد الله بن العاص بن وابصة بن خالد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، الإمام، أبو صفوان المخزومي، المدني، أحد المشايخ الثقات.
حدث عن: نافع، وزيد بن أسلم، وأبي حازم المديني، وجماعة.
وعنه: أبو اليمان، وسعيد بن أبي مريم، وآدم بن إياس، وسعيد بن منصور، وقتيبة، وأبو مصعب، وآخرون.
وثقه أحمد بن حنبل.
وقال أبو داود: ليس به بأس.
وقال البخاري: لم يحمده مالك.
وقال أبو أحمد في "الكنى": ليس بالمتين عندهم، غمزه مالك.
وقال أبو حاتم: ليس بذاك.
قلت: تفرد عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ : أقاد من خِدْش. وهذا منكر، لكن تفرد به عنه: مخلد بن مالك.
وللعطاف نحو من مائة حديث، وهو نحو فليح، وابن أبي حازم في القوة.
وسمعه يحيى بن بكير يقول: أنا أسن من مالك، ولدت سنة إحدى وتسعين.
قلت: موته قريب من وفاة مالك.
стр. 3843
١٢٣٧ - إبراهيم بن صالح (١):
ابن علي بن عبد الله بن عباس العباسي، أمير الشام للمهدي، ثم أمير مصر للرشيد، وزوجه بأخته، وهو أخو عبد الملك.
قيل: مرض إبراهيم، فقال الرشيد لجبريل الطبيب: ما أبطأك? قال: تشاغلت بإبراهيم، لأنه يموت. فبكى وجزع، ولم يأكل. فقال جعفر: هذا أعلم بطب الروم، وابن بهلة أعلم بطب الهند، فبعث بابن بهلة، فرجع، وقال: إنه لا يموت في علته. فأكل الرشيد، وسكن. فلما أمسوا جاءه الموت، فبكى الرشيد، فأتاه ابن بهلة، وقال: إنه لم يمت. فدخل الرشيد معه. قال: فنخسه بمسلة تحت ظفره، فحرك يده شيئًا، ثم أمر بنزع الكفن عنه، ودعا بمنفاخ وكندس، فنفخ في أنفه، فعطس، وفتح عينيه، فرأى الرشيد، فأخذ يده، فقبلها، فقال: كيف حالك? قال: كنت في ألذ نومة، فعض شيء أصبعي، فآلمني، وعوفي. ثم زوجه بأخته عباسة، وولاه مصر، وبها مات، فكان يقال: رجل مات ببغداد، ومات ودفن بمصر.
مات سنة ست وسبعين ومائة، في شعبان.
وله عدة إخوة أمراء، سادة، قادة، قل أن يتفق إخوة مثلهم في الجلالة والسؤدد، وهم: إسماعيل، وعبد الوهاب، وعبد الله، وعبد الملك، والفضل.
стр. 3844
١٢٣٨ - الفيض (١):
ابن أبي صالح شيرويه، الوزير الكبير، أبو جعفر الفارسي. أسلم، وكان نصرانيًّا، فوزر للمهدي في أواخر دولته.
وكان سخيًّا، جوادًا، يضرب بكرمه المثل، وفيه تيه مفرط، أنسى الناس تيه الوزير أبي عبيد الله.
قال الصولي: لم يزل وزيرًا حتى مات المهدي، ثم ولي الفيض ديوان الجيش إلى أن مات في سنة ثلاث وسبعين ومائة.
стр. 3845
١٢٣٩ - عُمَارة بن حمزة (١):
الهاشمي، مولاهم، الكاتب الأديب، أحد بلغاء زمانه، ورئيس وقته، من أولاد عكرمة مولى ابن عباس. قاله ابن خلكان. قال: وكان كاتب المنصور، وكان أعور.
وكان المنصور والمهدي يقدمانه لبلاغته، ويحتملان أخلاقه، وله رسائل مجموعة.
كان فصيحًا، مفوهًا، جوادًا، ممدحًا، صلفًا، تياهًا، يضرب بكبره المثل.
ولي أعمالا جليلة.
صودر يحيى بن خالد البرمكي مرة، فبعث ولده إلى عمارة ليقرضه مائتي ألف دينار، فأعطاه، فلما عاد أمره، ونفذ إليه بالمال، عبس وقال: أكنت صيرفيًّا له? ثم قال لولده الفضل بن يحيى: خذها لك.
وعن عبد الله بن أبي أيوب قال: وصل عمارة أبي بثلاثمائة ألف درهم.
وقيل إن جماعة أتوه ليشفعوا في بر قوم، فأمر لهم بمائة ألف درهم، وكان كثير الأموال والنعم.
стр. 3846
١٢٤٠ - عُبَيْس بن ميمون (١): " ق"
الإمام، المحدث، أبو عبيدة التميمي، الرقاشي، البصري، الخزاز.
روى عن: بكر المزني، ومعاوية بن قرة، وثابت، ويحيى بن أبي كثير، والقاسم بن محمد -إن كان لحقه- وعون بن أبي شداد، وعدة.
وعنه: الطيالسي، وأبو عاصم، ومسلم، ويحيى بن غيلان، وسعيد ابن منصور، وخلف بن هشام، وأحمد بن عبدة، وقتيبة، وداهر بن نوح، وخلق.
قال أحمد: له أحاديث منكرة.
وقال ابن معين: متروك. وقال أيضًا: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو داود: تُرك.
قلت: له في ابن ماجه حديث واحد.
وتوفي في حدود الثمانين ومائة.
стр. 3847
١٢٤١ - خالد بن عبد الله (١): " ع"
ابن عبد الرحمن بن يزيد الحافظ، الإمام، الثبت، أبو الهيثم. ويقال: أبو محمد المزني مولاهم، الواسطي، الطحان. ويقال: ولاؤه للنعمان بن مُقَرِّن.
حدث عن: حصين بن عبد الرحمن، وبيان بن بشر، وأبي طُوالة، وسهيل بن أبي صالح، وعاصم بن كليب، وعطاء بن السائب، ومغيرة بن مِقْسَم، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي بشر جعفر بن أبي وحشية، والجريري، وعمرو بن يحيى بن عمارة المازني، ومطرف بن طريف، وواصل مولى أبي عيينة، وليث بن أبي سليم، وسليمان التيمي، ويونس بن عبيد، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي حيان التيمي، ويزيد بن أبي زياد، وخلق كثير. وأبي حصين، وما أظنه سمع من الأعمش.
وعنه: يحيى القطان، ووكيع، وابن مهدي، ومسدد، ويحيى بن يحيى، وأبو عمر الحوضي، وسعيد بن يعقوب الطالقاني، ومحمد بن الصباح الدولابي، وعمرو بن عون، ومحمد بن سلام البيكندي، ومحمد بن مقاتل المروزي، ومعلى بن منصور، ووهب بن بقية، وقتيبة، وعبد الحميد بن بيان، وإسحاق بن شاهين، وخلق سواهم.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: كان خالد الطحان ثقة، صالحًا في دينه، بلغني أنه اشترى نفسه من الله ثلاث مرات، وهو أحب إلينا من هشيم.
وقال عبد الله بن أحمد أيضًا: قال أبي: كان خالد من أفاضل المسلمين، اشترى نفسه من الله أربع مرات، فتصدق بوزن نفسه فضة أربع مرات.
وقال ابن سعيد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة.
وقال الترمذي: ثقة، حافظ.
وقال أبو حاتم أيضًا: صحيح الحديث.
стр. 3848
قال أبو داود: قال إسحاق الأزرق: ما أدركت أفضل من خالد الطحان. قيل: قد رأيت سفيان? قال: كان سفيان رجل نفسه، وكان خالد رجل عامة.
وقال محمد بن عبد الله بن عمار: هو أثبت من جرير بن عبد الحميد.
وأما عثمان بن أبي شيبة، فكان يقدم جريرًا على خالد بن عبد الله.
قال عمرو بن عون: ما صليت خلف ابن عبد الله إلا سمعت قطر دموعه على البارية.
وقال علي بن عبد الله بن مبشر الواسطي: ولد سنة عشر ومائة.
وقال عبد الحميد بن بيان: مات خالد الطحان في رجب، سنة تسع وسبعين ومائة، وكان لا يخضب، وفيها أرخه يعقوب الفسوي.
وقال خليفة، وابن سعد: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة.
أخبرنا أحمد بن إسحاق، أخبرنا أكمل بن أبي الأزهر، أخبرنا سعيد بن أحمد، أخبرنا أبو نصر الزينبي، أخبرنا أبو بكر بن زنبور، أخبرنا عبد الله بن أبي داود، حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد، عن الجريري، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "في الجنة بحر الماء، وبحر اللبن، وبحر الخمر، وبحر العسل، ثم تنفجر الأنهار بعد". تابعه بَهْز بن حكيم، عن أبيه. أخرجه الترمذي من حديث يزيد بن هارون، عن بهز، وصححه، وانفرد بإخراجه عن باقي الأئمة.
стр. 3849
١٢٤٢ - موسى بن أعْيَن (١): " خ، م، د، س، ق"
الإمام، الحجة، أبو سعيد الحراني.
روى عن: عطاء بن السائب، وليث، وعبد الكريم الجزري، والأعمش، وعبد الله بن محمد بن عقيل، ومطرف بن طريف، ويزيد بن أبي زياد، ومعمر، وخلق.
وعنه: إسماعيل بن عبد الله بن سماعة، وأحمد بن أبي شعيب، وعبد الغفار بن داود، وسعيد بن حفص النفيلي، وقرابته أبو جعفر النفيلي، ويحيى بن يحيى، وآخرون.
وثقه أبو حاتم، وغيره.
توفي سنة سبع وسبعين ومائة.
стр. 3850
١٢٤٣ - أما المُفَضَّل بن فَضَالة (١): " د، ت، ق"
ابن أبي أمية، أبو مالك، القرشي مولاهم، البصري، أخو مبارك بن فضالة، فأقدم قليلا من صاحب الترجمة.
روى عن: بكر بن عبد الله المزني، وثابت البناني، وحبيب بن الشهيد، وعاصم بن أبى النجود، وجماعة.
وعنه: حماد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو سلمة، ويونس بن محمد، وجماعة.
قال النسائي، وغيره: ليس بالقوي.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه.
قلت: له في الكتاب حديث واحد.
стр. 3851
١٢٤٤ - أبو الأحوص (١): " ع"
الإمام، الثقة، الحافظ، سلام بن سليم الحنفي مولاهم، الكوفي.
حدث عن: زياد بن عِلاقة، والأسود بن قيس، وآدم بن علي، وعبد العزيز بن رفيع، وسعيد بن مسروق، وسماك بن حرب، وأبي إسحاق، وإبراهيم بن مهاجر، وأبي بشر بيان بن بشر، وأشعث بن أبي الشعثاء، وشبيب بن غَرْقَدة، وأبي حُصين، ومنصور، وعاصم بن كليب، وعبد الكريم الجزري، وخلق سواهم.
стр. 3852
وعنه: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، ويحيى بن آدم، وخلف بن تميم، والحسن بن الربيع البوراني، وأبو توبة الربيع بن نافع، وسعيد بن منصور، وعاصم بن يوسف، وقتيبة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، ومحمد بن سلام البيكندي، ومحمد بن عبيد المحاربي، وهناد بن السري، ويحيى بن يحيى، وعبد الله بن عمر بن أبان، وأحمد بن حواس الحنفي، وخلف بن هشام، وسويد بن سعيد، وآخرون.
قال عبد الرحمن بن مهدي: هو أثبت من شريك.
وقال أحمد بن زهير: عن يحيى: ثقة.
وقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى: أبو الأحوص أحب إليك، أو أبو بكر بن عياش? قال: ما أقربهما.
وقال أحمد العجلي: كان ثقة، صاحب سنة واتباع، وكان إذا ملئت داره من أصحاب الحديث، قال لابنه أحوص: يا بني! قم فمن رأيته في داري يشتم أحدًا من الصحابة، فأخرجه، ما يجيء بكم إلينا?!
وكان حديثه نحو أربعة آلاف حديث.
وهو خال المقرئ سليم (١)، صاحب حمزة، وقرأ أبو الأحوص أيضًا القرآن على حمزة.
وقال أبو زرعة، والنسائي: ثقة.
وقال أبو حاتم: صدوق، هو دون زائدة وزهير في الإتقان، شريك وأبو عوانة أحب إلي منه.
وسئل أبو حاتم عن أبي الأحوص، وأبي بكر بن عياش، فقال: لا تبال بأيهما بدأت.
قال عبد الله بن أبي الأسود، وغيره: مات أبو الأحوص ومالك وحماد بن زيد سنة تسع وسبعين ومائة.
أخبرنا محمد بن عبد السلام التميمي، عن عبد المعز بن محمد، أخبرنا تميم بن أبي سعيد، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن موسى بن
стр. 3853
طلحة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدُكم فليجعل بين يديه مثل آخرة الرحل ثم يصلي، ولا يبالي من مر وراء ذلك". أخرجه مسلم (١)، عن أبي بكر.
أخبرنا عبد الحافظ بن بدران، أخبرنا موسى، أخبرنا ابن البناء، أخبرنا علي بن أحمد، أخبرنا أبو طاهر المخلص، حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا لُوَين، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار بالله من النار، قالت النار: اللهم أجره من النار" (٢). أخرجه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه من طريق أبي الأحوص، وهو حديث حسن.
стр. 3854
١٢٤٥ - شِهاب بن خِراش (١): " د"
ابن حَوْشَب بن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم بن عبد الله بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة. الإمام، القدوة، العالم، أبو الصلت الشيباني، ثم الحوشبي، الوساطي، أخو عبد الله، وابن أخي العوام بن حوشب.
أصله كوفي، تحول إلى الرَّملة.
وحدث عن: عمرو بن مرة، وأبان بن أبي عياش، وعبد الملك بن عمير، وعبد الكريم الجزري، ومنصور بن المعتمر، ومحمد بن زياد القرشي، وقتادة، وعاصم بن بهدلة، وعمه العوام، وحماد بن أبي سليمان، وشعيب بن رزيق الطائفي، والقاسم بن غزوان. وينزل إلى: الثوري، والربيع بن صبيح، وعدة.
стр. 3855
وعنه: ابن مهدي، وعبد الله بن ميمون القداح، وابن أبي فديك، والهيثم بن خارجة، وآدم بن إياس، وعثمان بن سعيد بن كثير الحمصي، وسعيد بن منصور، والحكم بن موسى، وقتيبة، وعلي بن حجر، ويزيد بن موهب، وسويد بن سعيد، وخلق كثير.
وثقه ابن المبارك، وابن معين، وابن عمار، وأبو زرعة.
وقال أحمد، وغيره: لا بأس به.
قال أحمد العجلي: ثقة، نزل الرملة.
قال أبو زرعة: ثقة، صاحب سنة.
وقال أبو حاتم: صدوق، لا بأس به.
وقال ابن عدي: له أحاديث ليست كثيرة، وفي بعض رواياته ما ينكر عليه، ولا أعرف للمتقدمين فيه كلامًا فأذكره.
قلت: وذلك لانزوائه بفلسطين.
قال أبو بكر بن أبي الأسود: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لم أر أحدًا أجمع من عبد الله بن المبارك، ولم أر أحدًا أقدمه على بشر بن منصور، ولم أر أحدًا أحسن وصفًا للسنة من شهاب بن خراش، ولم أر أحدًا أعلم بالسنة من حماد بن زيد، ولسفيان علمه وزهده.
بهلول بن إسحاق: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا شهاب بن خراش قال: أدركت من أدركت من صدرة هذه الأمة، وهم يقولون: اذكروا مجلس أصحاب رسول الله ﷺ ما تأتلف عليه القلوب، ولا تذكروا الذي شجر بينهم، فتحرشوا عليهم الناس.
محمد بن سعيد الخريمي، عن هشام بن عمار: سمعت شهاب بن خراش يقول: إن القدرية أرادوا أن يصفوا الله بعدله، فأخرجوه من فضله.
قال هشام: لقيت شهابًا وأنا شاب، في سنة أربع وسبعين ومائة، فقال لي: إن لم تكن قدريًّا ولا مرجئًا، حدثتك، وإلا لم أحدثك. فقلت: ما فيَّ من هذين شيء.
وقال مسلم في مقدمة كتابه: حدثنا محمد بن عبد الله بن قُهْزَاد، عن أبي إسحاق الطالقاني، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن! الحديث الذي جاء: "إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صومك". فقال: يا أبا إسحاق، عمن هذا? قلت: هذا من حديث شهاب بن خراش. قال: ثقة، عمن? قلت: عن