وعن أحمد قال: كان الدراوردي إذا حدث من حفظه يهم، ليس هو بشيء، وإذا حدث من كتابه فنعم.
وقال أبو حاتم: لا يحتج به.
قلت: حديثه في دواوين الإسلام الستة، لكن البخاري روى له: مقرونًا بشيخ آخر، وبكل حال فحديثه وحديث ابن أبي حازم لا ينحط عن مرتبة الحسن.
أخبرنا الحسن بن علي، أخبرنا جعفر، أخبرنا السلفي، أخبرنا إسماعيل بن مالك، أخبرنا أبو يعلى الخليلي، حدثني علي بن أحمد بن صالح المقرئ، حدثنا الحسن بن علي الطوسي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني العباس بن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: جاء عبد العزيز الدراوردي في جماعة إلى أبي، ليعرضوا عليه كتابًا، فقرأه لهم الدراوردي، وكان رديء اللسان، يلحن لحنًا قبيحًا، فقال أبي: ويحك يا دراوردي، أنت كنت إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا الشأن أحوج منك إلى غير ذلك.
стр. 3922
أخبرنا أحمد بن إسحاق بن محمد الوبري، أخبرنا محمد بن هبة الله بن عبد العزيز الزهري، أخبرنا عمي محمد بن أبي حامد، أخبرنا عاصم بن الحسن، أخبرنا عبد الواحد بن محمد الفارسي، حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن إسماعيل المدني، حدثنا الدراوردي عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١). أخرجه: أبو داود نازلا عن ثقة، عن ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن العلاء بنحوه.
توفي الدراوردي سنة سبع وثماني ومائة بالمدينة.
стр. 3923
١٢٧٩ - عبد العزيز بن عبد الصمد (١): " ع"
المحدث، الحافظ، الثبت، أبو عبد الصمد العمي، البصري.
ولد بعد المائة.
وروى عن: أبي عِمران الجوني، ومنصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن، ومطر الوراق، وجماعة.
حدث عنه: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعمرو الفلاس، وبندار، وابن المثنى، وزياد بن يحيى الحساني، والحسن بن عرفة، وعبيد الله القواريري، وخلق كثير.
قال القواريري: كان حافظًا.
وقال أحمد بن حنبل، وغيره: كان ثقة.
وقال عمرو بن علي: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول يوم مات عبد العزيز العمي: ما مات لكم شيخ منذ ثلاثين سنة مثله.
قلت: يقع لنا من عواليه في كتاب البعث.
وكان موته في سنة سبع وثمانين ومائة.
أخبرنا أحمد بن إسحاق الهمداني، أخبرنا أكمل بن أبي الأزهر، أخبرنا سعيد بن أحمد، أخبرنا محمد بن محمد الزينبي، أخبرنا محمد بن عمر الوراق، أخبرنا بن أبي داود، حدثنا محمد بن محمد بن بشار، ونصر بن علي، قالا: حدثنا أبو عبد الصمد العمي، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" (٢).
أخرجه: مسلم عنهما، ورواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن ابن بشار.
стр. 3924
١٢٨٠ - الهِقْل (١): " م، (٤) "
ابن زياد، الإمام، المفتي، أبو عبد الله الدمشقي، كاتب الأوزاعي، وتلميذه.
حدث عن: هشام بن حسان، والمثنى بن الصباح، وطلحة بن عمرو المكي، وحريز بن عثمان، والأوزاعي، وجماعة.
حدث عنه: الليث بن سعد، وهو أكبر منه، وأبو صالح كاتب الليث، وأبو مسهر الغساني، والحكم بن موسى، وهشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، وعلي بن حجر، وجماعة.
قال يحيى بن معين: ما كان بالشام أوثق من الهِقْل.
وقال مروان الطاطري: كان الهقل أعلم الناس بالأوزاعي، وبمجلسه وفتياه.
قال ابن عساكر: الهقل أبو عبد الله السكسكي، اسمه: محمد. وقيل: عبد الله، ولقبه: الهقل.
وقال أحمد بن حنبل: لا يكتب حديث الأوزاعي عن أحد أوثق من الهقل.
وقال الفسوي: هو أعلى أصحاب الأوزاعي.
قال أبو سعيد بن يونس: قدم الهِقْل مصر، وكتب عنه أهلها، وتوفي ببيروت، سنة تسع وسبعين ومائة. وكذا روي عن أبي مسهر في تاريخ موته، ولم يبلغنا مولده، ولكنه مات قبيل الشيخوخة.
стр. 3925
١٢٨١ - يوسف بن يعقوب (١): " خ، م، ت، س، ق"
ابن أبي سلمة الماجشون، الإمام، المحدث، المعمر، أبو سلمة التيمي، المنكدري، مولاهم المدني.
حدث عن: أبيه، وعن الزهري، ومحمد بن المنكدر، وصالح بن إبراهيم العوفي، وطائفة.
وعنه: علي بن المديني، وأبو مصعب، وأحمد بن حنبل، ومحمد ابن أبي بكر المقدمي، وسريج بن يونس، وعلي بن مسلم الطوسي، وعدد كثير.
وثقه يحيى بن معين، وأبو داود.
قال يحيى بن أيوب المقابري: سمعت يوسف بن الماجشون يقول: ولدت على عهد سليمان بن عبد الملك، ففرض لي في المقاتلة، فلما قام عمر بن عبد العزيز مر بي باسمي، وكان بنا عارفًا، فقال: ما أعرفني بمولد هذا الغلام، فنحاني من المقاتلة، وردني عيلا.
قال ابن معين: كنا نأتي يوسف بن الماجشون يحدثنا، وجواريه في بيت آخر يضربن بالمعزفة.
قلت: أهل المدينة يترخصون في الغناء، هم معروفون بالتسمح فيه.
وروي عن النبي ﷺ : "إن الأنصار يعجبهم اللهو" (٢).
توفي يوسف بن الماجشون: في سنة خمس وثمانين ومائة.
عاش ثمانيًا وثمانين سنة.
قال عفان: حدثنا يوسف الماجشون، قال لي ابن شهاب، ولأخي، ولابن عم لي -ونحن فتيان أحداث نسأله: لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به أمر دعا الشباب، فاستشارهم، يبتغي حدة عقولهم.
قلت: أخوه: هو عبد العزيز بن يعقوب، صدوق.
يروي عن ابن المنكدر، وعن أبيه، والزهري.
روى عنه: علي بن هاشم.
قال أبو حاتم: لا بأس به.
وأما ابن عمهما، فهو مفتي المدينة مع مالك، عبد العزيز بن عبد الله، قد ذكر.
стр. 3926
١٢٨٢ - العُمَري (١):
الإمام، القدوة، الزاهد، العابد، أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله ابن صاحب رسول الله ﷺ عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشي، العدوي، العمري، المدني.
روى عن: أبيه، وعن أبي طُوَالة.
وعنه: ابن عيينة، وابن المبارك، وعبد الله بن عِمران العائذي، وغيرهم.
وهو قليل الرواية، مشتغل بنفسه، قوال بالحق، أمار بالعرف، لا تأخذه في الله لومة لائم، كان ينكر على مالك الإمام اجتماعه بالدولة.
قال ابن عيينة فيما رواه عنه: نعيم بن حماد، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة" (٢).
وقد قال ابن عيينة في العمري هذا: هو عالم المدينة الذي فيه الحديث.
стр. 3927
علي بن حرب، عن أبيه، قال: مضى الرشيد على حمار، ومعه غلام إلى العمري، فوعظه، فبكى، وغشي عليه.
قال ابن أبي أويس: كتب العمري إلى مالك وابن أبي ذئب وغيرهما بكتب أغلظ لهم فيها، وقال: أنتم علماء تميلون إلى الدنيا، وتلبسون اللين، وتدعون التقشف. فجاوبه ابن أبي ذئب بكتاب أغلظ له، وجاوبه مالك جواب فقيه.
وقيل: إن العمري، وعظ الرشيد مرة، فكان يتلقى قوله بنعم يا عم! فلما ذهب، أتبعه الأمين والمأمون بكيسين فيهما ألفا دينار، فردها، وقال: هو أعلم بمن يفرقها عليه، وأخذ دينارًا واحدًا، وشخص عليه بغداد، فكره مجيئه، وجمع العمريين، وقال: مالي ولابن عمكم، احتملته بالحجاز، فأتى إلى دار ملكي، يريد أن يفسد علي أوليائي، ردوه عني. قالوا: لا يقبل منا. فكتب إلى الأمير موسى بن عيسى: أن ترفق به حتى ترده.
قال مصعب الزبيري: كان العمري أصفر، جسيمًا، لم يكن يقبل من السلطان ولا غيره، ومن ولي من أقاربه ومعارفه لا يكلمه، وولي أخوه عمر المدينة وكرمان، فهجره، ما أدركت بالمدينة رجلا أهيب منه، وكان يقبل صلة ابن المبارك. وقدم الكوفة ليخوف الرشيد بالله، فرجف لمجيئه الدولة، حتى لو كان نزل بهم من العدو مائة ألف، ما زاد من هيبته، فرد من الكوفة، ولم يصل إليه.
وروي أنه كان يلزم المقبرة كثيرًا، معه كتاب يطالعه، ويقول: لا أوعظ من قبر، ولا آنس من كتاب، ولا أسلم من وحدة.
عمر بن شبة: حدثنا أبو يحيى الزهري، قال العمري عند موته: بنعمة ربي أحدث: لو أن الدنيا تحت قدمي، ما يمنعني من أخذها إلا أن أزيل قدمي، ما أزلتها، معي سبعة دراهم من لحاء شجرة فتلتُه بيدي.
قال ابن عيينة: دخلت على العمري الصالح، فقال: ما أحد أحب إلي منك، وفيك عيب. قلت: ما هو? قال: حب الحديث، أما إنه ليس من زاد الموت، أو قال: من أبزار الموت.
قال أبو المنذر إسماعيل بن عمر: سمعت أبا عبد الرحمن العمري الزاهد يقول: إن من غفلتك عن نفسك، إعراضك عن الله بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه، ولا تأمر ولا تنهى، خوفًا
стр. 3928
من المخلوق، من ترك الأمر بالمعروف خوف المخلوقين، نزعت منه الهيبة، فلو أمر ولده لاستخف به.
قال محمد بن حرب المكي: قدم العمري، فاجتمعنا إليه، فلما نظر إلى القصور المحدقة بالكعبة، صاح: يا أصحاب القصور المشيدة، اذكروا ظلمة القبور الموحشة، يا أهل التنعم والتلذذ، اذكروا الدود والصديد، وبلاء الأجسام في التراب، ثم غلبته عينه، فقام.
أنبئت عن الكاغدي، أخبرنا الحداد، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا سليمان الطبراني، حدثنا إسحاق الخزاعي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا سليمان بن محمد، سمعت عبد الله بن عبد العزيز يقول: قال لي موسى بن عيسى: ينهى إلى أمير المؤمنين أنك تشتمه، وتدعو عليه، فبم استجزت هذا? قلت: ما أشتمه، فوالله هو أكرم علي من نفسي لقرابته من رسول الله ﷺ وأما الدعاء، عليه فوالله ما قلت: اللهم إنه قد أصبح عبئًا ثقيلًا على أكتافنا، فلا تطيقه أبداننا وقذى في جفوننا، لا تطرف عليه جفوننا، وشجى في أفواهنا، لا تسيغه حلوقنا، فاكفنا مؤنته، وفرق بيننا وبينه، ولكن قلت: اللهم إن كان تسمى بالرشيد ليرشد، فأرشده، أو لغير ذلك، فراجع به، اللهم إن له في الإسلام بالعباس على كل مؤمن كفًا، وله بنبيك ﷺ قرابة ورحم، فقربه من كل خير، وباعده من كل سوء، وأسعدنا به، وأصلحه لنفسه ولنا. فقال موسى: رحمك الله أبا عبد الرحمن، كذاك لعمري الظن بك.
قال المسيب بن واضح: سمعت الزاهد العمري بمسجد منى يقول:
لله در ذوي العقول … والحرص في طلب الفضول
سلاب أكيسة الأرامل … واليتامى والكهول
والجامعين المكثرين … من الجناية والغلول
وضعوا عقولهم من … الدنيا بمدرجة السيول
ولهوا بأطراف الفروع … وأغفلوا علم الأصول
وتتبعوا جمع الحطام … وفارقوا أثر الرسول
ولقد رأوا غيلان ريب … الدهر غولا بعد غول
وفي تاريخ ابن جرير بإسناد: أن الرشيد قال: والله ما أدري ما آمر في هذا العمري، أكره أن أقدم عليه، وله سلف وإني أحب أن أعرف رأيه فينا. فقال عمر بن بزيع، والفضل ابن
стр. 3929
الربيع: نحن له. فخرجا من العرج إلى موضع له بالبادية في مسجده، فأناخا وأتياه على زي الملوك في حشمة، فجلسا إليه، فقالا: نحن رسل من وراءنا من المشرق، يقولون لك: اتق الله، إن شئت فانهض. فقال: ويحكما فيمن، ولمن? قالا: أنت. قال: والله ما أحب أني لقيت الله بمحجمة دم مسلم، وإن لي ما طلعت عليه الشمس. فلما أيسا منه، قالا: إن معنا عشرين ألفًا تستعين بها. قال: لا حاجة لي بها. قالا: أعطها من رأيت. قال: أعطياها أنتما. فلما أيسا منه، ذهبا، ولحقا بالرشيد، فحدثاه. فقال: ما أبالي ما صنع بعد هذا. فبينا العمري في المسعى، إذا بالرشيد يسعى على دابة، فعرض له العمري، فأخذ بلجامه، فأهووا إليه، فكفهم الرشيد، وكلمه فرأيت دموع الرشيد تسيل.
قال يحيى بن أيوب العابد: حدثني بعض أصحابنا، قال: كتب مالك إلى العمري: إنك بدوت، فلو كنت عند مسجد رسول الله ﷺ . فكتب: إني أكره مجاورة مثلك، إن الله لم يرك متغير الوجه فيه ساعة قط.
قلت: هذا على سبيل المبالغة في الوعظ، وإلا فمالك من أقول العلماء بالحق، ومن أشدهم تغيرًا في رؤية المنكر.
وأما العمري: فما علمت به بأسًا، وقد وثقه: النسائي.
أخبرنا أحمد بن سلامة كتابة، عن عبد الرحيم بن محمد، أخبرنا أبو علي المقرئ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا موسى بن محمد بن كثير السريني، حدثنا عبد الملك الجدي، حدثنا عبد الله بن عبد العزيز العمري، عن أبي طوالة، عن أنس ﵁: عن النبي ﷺ قال: "الزبانية أسرع إلى فسقة القرآن منهم إلى عبدة الأوثان، فيقولون: يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان? فيقال: ليس من علم كمن لا يعلم" (١).
غريب منكر، ولا أعرف موسى هذا.
قال مصعب الزبيري: مات العمري سنة أربع وثمانين ومائة، وله ست وستون سنة -رحمه الله تعالى.
стр. 3930
١٢٨٣ - عَبد الله بن المُبارك (١): " ع"
ابن واضح، الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته، أبو عبد الرحمن الحنظلي، مولاهم التركي، ثم المروزي، الحافظ، الغازي، أحد الأعلام وكانت أمه خوارزمية.
مولده في سنة ثمان عشرة ومائة.
فطلب العلم وهو ابن عشرين سنة.
فأقدم شيخ لقيه: هو الربيع بن أنس الخراساني، تحيل ودخل إليه إلى السجن، فسمع منه نحوًا من أربعين حديثًا، ثم ارتحل في سنة إحدى وأربعين ومائة، وأخذ عن بقايا التابعين، وأكثر من الترحال والتطواف، وإلى أن مات في طلب العلم، وفي الغزو، وفي التجارة والإنفاق على الإخوان في الله، وتجهيزهم معه إلى الحج.
سمع من: سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وحميد الطويل، وهشام بن عروة، والجريري، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وبريد بن عبد الله بن أبي بردة، وخالد الحذاء، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الله بن عون، وموسى بن عقبة، وأجلح الكندي، وحسين المعلم، وحنظلة السدوسي، وحيوة بن شريح المصري، وكهمس، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وابن جريج، ومعمر، والثوري، وشعبة، وابن أبي ذئب، ويونس الأيلي، والحمادين، ومالك، والليث، وابن لهيعة، وهشيم، وإسماعيل بن عياش، وابن عيينة، وبقية بن الوليد، وخلق كثير.
وصنف التصانيف النافعة الكثيرة.
حدث عنه: معمر، والثوري، وأبو إسحاق الفزاري، وطائفة من شيوخه، وبقية، وابن وهب، وابن مهدي، وطائفة من أقرانه، وأبو داود، وعبد الرزاق بن همام، والقطان، وعفان، وابن معين، وحبان بن موسى، وأبو بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن آدم، وأبو أسامة،
стр. 3931
وأبو سلمة المنقري، ومسلم بن إبراهيم، وعبدان، والحسن بن الربيع البوراني، وأحمد بن منيع، وعلي بن حجر، والحسن بن عيسى بن ماسرجس، والحسين بن الحسن المروزي، والحسن بن عرفة، وإبراهيم بن مجشر، ويعقوب الدورقي، وأمم يتعذر إحصاؤهم، ويشق استقصاؤهم.
وحديثه حجة بالإجماع، وهو في المسانيد والأصول.
ويقع لنا حديثه عاليًا، وبيني وبينه بالإجازة العالية ستة أنفس.
أنبأنا أحمد بن سلامة، وعدة، عن عبد المنعم بن كليب، أخبرنا ابن بيان، أخبرنا ابن مخلد، أخبرنا إسماعيل الصفار، حدثنا ابن عرفة، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي، عن أبي بن كعب، قال: إنما كانت الفتيا في "الماء من الماء" رخصة في أول الإسلام، ثم نهي عنها.
أخرجه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن ابن المبارك، ورواته ثقات، لكن له علة، لم يسمعه ابن شهاب من سهل.
ارتحل ابن المبارك إلى: الحرمين، والشام، ومصر، والعراق، والجزيرة، وخراسان، وحدث بأماكن.
قال قعنب بن المحرر: ابن المبارك مولى بني عبد شمس، من تميم.
وقال البخاري: ولاؤه لبني حنظلة.
وقال العباس بن مصعب في "تاريخ مرو": كانت أم عبد الله بن المبارك خوارزمية، وأبوه تركي، وكان عبدًا لرجل تاجر من همذان، من بني حنظلة، فكان عبد الله إذا قدم همذان، يخضع لوالديه ويعظمهم.
أخبرنا أبو الغنائم المسلم بن محمد القيسي، وغيره كتابة، أخبرنا أبو اليمن الكندي، أخبرنا أبو منصور الشيباني، حدثنا أبو بكر الخطيب، حدثني أبو عبد الله أحمد بن أحمد السيبي، حدثنا محمد بن أحمد بن حماد بن سفيان بالكوفة، حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن قتيبة، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، سمعت أبي، سمعت ابن المبارك يقول: نظر أبو حنيفة إلى أبي، فقال: أدت أمه إليك الأمانة، وكان أشبه الناس بعبد الله.
قال أبو حفص الفلاس، وأحمد بن حنبل: ولد ابن المبارك سنة ثمان عشرة ومائة.
стр. 3932
وأما الحاكم، فروى عن: أبي أحمد الحمادي، سمعت محمد بن موسى الباشاني، سمعت عبدان بن عثمان يقول: سمعت عبد الله يقول: ولدت سنة تسع عشرة ومائة.
وقال الفسوي: حدثنا بشر بن أبي الأزهر، قال: قال ابن المبارك: ذاكرني عبد الله بن إدريس السنن، فقلت: إن العجم لا يكادون يحفظون ذلك، لكني أذكر أني لبست السواد وأنا صغير، عندما خرج أبو مسلم، وكان أخذ الناس كلهم بلبس السواد، الصغار والكبار.
نعيم بن حماد قال: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش? فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه?!
قال أحمد بن سنان القطان: بلغني أن ابن المبارك أتى حماد بن زيد، فنظر إليه، فأعجبه سمته، فقال: من أين أنت? قال: من أهل خراسان، من مرو. قال: تعرف رجلا يقال له: عبد الله بن المبارك? قال: نعم. قال: ما فعل? قال: هو الذي يخاطبك. قال: فسلم عليه، ورحب به.
وقال إسماعيل الخطبي: بلغني عن ابن المبارك: أنه حضر عند حماد ابن زيد، فقال أصحاب الحديث لحماد: سل أبا عبد الرحمن أن يحدثنا. فقال: يا أبا عبد الرحمن! تحدثهم، فإنهم قد سألوني? قال: سبحان الله! يا أبا إسماعيل، أحدث وأنت حاضر. فقال: أقسمت عليك لتفعلن. فقال: خذوا، حدثنا أبو إسماعيل حماد بن زيد، فما حدث بحرف إلا عن حماد.
قال أبو العباس بن مسروق: حدثنا ابن حميد، قال: عطس رجل عند ابن المبارك، فقال له ابن المبارك: أيش يقول الرجل إذا عطس? قال: الحمد لله. فقال له: يرحمك الله.
قال أحمد العجلي: ابن المبارك ثقة، ثبت في الحديث، رجل صالح، يقول الشعر، وكان جامعًا للعلم.
قال العباس بن مصعب: جمع عبد الله الحديث، والفقه، والعربية، وأيام الناس، والشجاعة، والسخاء، والتجارة، والمحبة عند الفرق.
قال محمد بن عبد الوهاب الفراء: ما أخرجت خراسان مثل هؤلاء الثلاثة: ابن المبارك، والنضر بن شميل، ويحيى بن يحيى.
عثمان الدارمي: سمعت نعيم بن حماد، سمعت يحيى بن آدم يقول: كنت إذا طلبت دقيق المسائل، فلم أجده في كتب ابن المبارك، أيست منه.
стр. 3933
علي بن زيد الفرائضي: حدثنا علي بن صدقة، سمعت شعيب بن حرب، قال: ما لقي ابن المبارك رجلًا إلا وابن المبارك أفضل منه. وقال: وسمعت أبا أسامة يقول: ابن المبارك في المحدثين مثل أمير المؤمنين في الناس.
عمر بن مُدرك: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، حدثنا أشعث بن شعبة المصِّيصي، قال: قدم الرشيد الرَّقة، فانجفل الناس خلف ابن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب، فقالت: ما هذا? قالوا: عالم من أهل خراسان قدم. قالت: هذا -والله- الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بِشُرَط وأعوان.
قال عثمان بن خُرَّزاذ: حدثنا محمد بن حيَّان، حدثنا عبد الرحمن بن زيد الجهضمي، قال: قال الأوزاعي: رأيت ابن المبارك? قلت: لا. قال: لو رأيته لقرت عينك.
وقال عبد العزيز بن أبي رزمة: قال لي شعبة: ما قدم علينا من ناحيتكم مثل ابن المبارك.
الدَّغُولي: حدثنا عبد المجيد بن إبراهيم، حدثنا وهب بن زمعة، حدثنا معاذ بن خالد، قال: تعرفت إلى إسماعيل بن عياش بعبد الله بن المبارك، فقال إسماعيل: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخبر، إلا وقد جعلها في عبد الله بن المبارك.
ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة، فكان يطعمهم الخبيص، وهو الدهر صائم.
قال الحاكم: أخبرني محمد بن أحمد بن عمر، حدثنا محمد بن المنذر، حدثني عمر بن سعيد الطائي، حدثنا عمر بن حفص الصوفي بمنبج، قال: خرج ابن المبارك من بغداد يريد المصيصة، فصحبه الصوفية، فقال لهم: أنتم لكَم أنفس تحتشمون أن ينفق عليكم، يا غلام! هات الطست. فألقى عليه منديلًا، ثم قال: يلقي كل رجل منكم تحت المنديل ما معه. فجعل الرجل يلقي عشرة دراهم، والرجل يلقي عشرين، فأنفق عليهم إلى المصيصة، ثم قال: هذه بلاد نفير، فنقسم ما بقي، فجعل يعطي الرجل عشرين دينارًا، فيقول: يا أبا عبد الرحمن! إنما أعطيت درهمًا. فيقول: وما تنكر أن يبارك الله للغازي في نفقته.
قال الخطيب: أخبرنا عمر بن إبراهيم، وأبو محمد الخلال، قالوا: حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الكاتب، حدثنا أحمد بن الحسن المقرئ، سمعت عبد الله بن أحمد الدورقي، سمعت محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي، قال: كان ابن المبارك إذا
стр. 3934
كان وقت الحج، اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو، فيقولون: نصحبك. فيقول: هاتوا نفقاتكم. فيأخذ نفقاتهم، فيجعلها في صندوق، ويُقْفِل عليها، ثم يكتري لهم، ويخرجهم من مرو إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم، يطعمهم أطيب الطعام، وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي، وأكمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول ﷺ فيقول لكل واحد: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طرفها? فيقول: كذا وكذا. ثم يخرجهم إلى مكة فإذا قضوا حجهم، قال لكل واحد منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة? فيقول: كذا وكذا. فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة، فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو، فيجصص بيوتهم وأبوابهم، فإذا كان بعد ثلاثة أيام، عمل لهم وليمة وكساهم، فإذا أكلوا وسروا، دعا بالصندوق، ففتحه، ودفع إلى كل رجل منهم صرته عليها اسمه.
قال أبي: أخبرني خادمه أنه عمل آخر سَفْرة سافرها دعوةً، فقدم إلى الناس خمسةً وعشرين خوانًا فالوذج، فبلغنا أنه قال للفضيل: لولاك وأصحابك ما اتجرت. وكان ينفق على الفقراء، في كل سنة مائة ألف درهم.
علي بن خَشْرَم: حدثني سلمة بن سليمان، قال: جاء رجل إلى ابن المبارك، فسأله أن يقضي دينًا عليه، فكتب له. إلى وكيل له فلما ورد عليه الكتاب، قال له الوكيل: كم الدين الذي سألته قضاءه? قال: سبع مائة درهم. وإذا عبد الله قد كتب له أن يعطيه سبعة آلاف درهم، فراجعه الوكيل، وقال: إن الغلات قد فنيت. فكتب إليه عبد الله: إن كانت الغلات قد فنيت، فإن العمر أيضًا قد فني، فأجز له ما سبق به قلمي.
قال محمد بن المنذر: حدثني يعقوب بن إسحاق، حدثني محمد بن عيسى، قال: كان ابن المبارك كثير الاختلاف إلى طَرَسُوس، وكان ينزل الرقة في خان، فكان شاب يختلف إليه، ويقوم بحوائجه، ويسمع منه الحديث، فقدم عبد الله مرةً، فلم يره، فخرج في النفير مستعجلا، فلما رجع سأل عن الشاب، فقال: محبوس على عشرة آلاف درهم. فاستدل على الغريم، ووزن له عشرة آلاف، وحلفه ألا يخبر أحدًا ما عاش، فأخرج الرجل، وسرى ابن المبارك، فلحقه الفتى على مرحلتين من الرقة، فقال لي: يا فتى أين كنت؟! لم أرك? قال: يا أبا عبد الرحمن! كنت محبوسًا بدين. قال: وكيف خلصت? قال: جاء رجل فقضى ديني، ولم أدر. قال: فاحمد الله، ولم يعلم الرجل إلا بعد موت عبد الله.
أبو العباس السراج: سمعت إبراهيم بن بشار، حدثني علي بن الفضيل، سمعت أبي
стр. 3935
يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع، كيف ذا? قال: يا أبا علي، إنما أفعل ذا لأصون وجهي، وأكرم عرضي، وأستعين به على طاعة ربي. قال: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا.
الفتح بن سخرف: حدثنا عباس بن يزيد، حدثنا حبان بن موسى، قال: عوتب ابن المبارك فيما يفرق من المال في البلدان دون بلده، قال: إني أعرف مكان قوم لهم فضل وصدق، طلبوا الحديث، فأحسنوا طلبه لحاجة الناس إليهم، احتاجوا، فإن تركناهم، ضاع علمهم، وإن أعناهم، بثوا العلم لأمة محمد ﷺ لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم.
عباس الدوري: سمعت يحيى يقول: ما رأيت أحدًا يُحَدِّث لله إلا ستة نفر، منهم: ابن المبارك.
أبو حاتم: حدثنا بن الطبَّاع، عن ابن مهدي، قال: الأئمة أربعة: سفيان، ومالك، وحماد بن زيد، وابن المبارك.
وروي عن ابن مهدي، قال: ما رأيت رجلا أعلم بالحديث من سفيان، ولا أحسن عقلًا من مالك، ولا أقشف من شعبة، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك.
وقال محمد بن المثنى: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما رأت عيناي مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، ولا أشد تقشفًا من شعبة، ولا أعقل من مالك، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك.
أبو نشيط: سمعت نُعَيم بن حماد: قلت لابن مهدي: أيهما أفضل، ابن المبارك أو سفيان الثوري? فقال: ابن المبارك. قلت: إن الناس يخالفونك. قال: إنهم لم يجربوا، ما رأيت مثل ابن المبارك.
نوح بن حبيب: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا ابن المبارك، وكان نسيج وحده.
أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت ابن مهدي يقول: ابن المبارك أعلم من سفيان الثوري.
وقال محمد بن أعْيَن: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، واجتمع إليه أصحاب الحديث، فقالوا له: جالست الثوري، وسمعت منه، ومن ابن المبارك، فأيهما أرجح? قال: لو أن سفيان جهد على أن يكون يومًا مثل عبد الله، لم يقدر.
стр. 3936
ابن أبي العوام: حدثنا أبي، سمعت شعيب بن حرب يقول: قال سفيان: إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام.
محمد بن المنذر: حدثنا إبراهيم بن بحر الدمشقي، حدثنا عمران بن موسى الطَّرَسُوسي، قال: سأل رجل سفيان، فقال: من أين أنت? قال: من أهل المشرق. قال: أو ليس عندكم أعلم أهل المشرق? قال: ومن هو? قال: عبد الله بن المبارك. قال: وهو أعلم أهل المشرق?! قال: نعم، وأهل المغرب.
قال محمد بن المنذر: وحدثني محمد بن أحمد بن الحسين القرشي، حدثنا أحمد بن عبدة قال: كان فضيل وسفيان ومشيخة جلوسًا في المسجد الحرام، فطلع ابن المبارك من الثنية، فقال سفيان: هذا رجل أهل المشرق. فقال فضيل: رجل أهل المشرق والمغرب وما بينهما.
وقال علي بن زيد: حدثني عبد الرحمن بن أبي جميل، قال: كنا حول ابن المبارك بمكة، فقلنا له: يا عالم الشرق، حدثنا -وسفيان قريب منا يسمع- فقال: ويحكم! عالم المشرق والمغرب وما بينهما.
وقال محمد بن عبد الله بن قُهْزَاذ: سمعت أبا الوزير يقول: قدمت على سفيان بن عيينة، فقالوا له: هذا وصي عبد الله. فقال: رحم الله عبد الله، ما خلف بخراسان مثله.
أحمد بن أبي الحَوَاري: حدثنا أبو عصمة قال: شهدت سفيان وفضيل بن عياض، قال سفيان لفضيل: يا أبا علي! أي رجل ذهب! يعني: ابن المبارك. قال: يا أبا محمد! وبقي بعد ابن المبارك من يُسْتَحيا منه?!
محمد بن مخلد: حدثنا عبد الصمد بن حميد، سمعت عبد الوهاب بن عبد الحكم يقول: لما مات ابن المبارك، بلغني أن هارون أمير المؤمنين قال: مات سيد العلماء.
المسيب بن واضح: سمعت أبا إسحاق الفَزَاري يقول: ابن المبارك إمام المسلمين أجمعين. قلت: هذا الإطلاق من أبي إسحاق معني بمسلمي زمانه.
قال المسيب: ورأيت أبا إسحاق بين يدي ابن المبارك قاعدًا يسأله.
قال أبو وهب أحمد بن رافع -ورَّاق سويد بن نصر: سمعت علي ابن إسحاق بن إبراهيم يقول: قال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة وأمر عبد الله، فما رأيت لهم عليه فضلًا، إلا بصحبتهم النبي ﷺ وغزوهم معه.
стр. 3937
محمود بن والان، قال: سمعت عمَّار بن الحسن يمدح ابن المبارك، ويقول:
إذا سار عبد الله من مرو ليلة … فقد سار منها نورها وجمالها
إذا ذكر الأحبار في كل بلدة … فهم أنجم فيها وأنت هلالها
سهاشم بن مَرْثَد: حدثنا عثمان بن طالوت، سمعت علي بن المديني، يقول: انتهى العلم إلى رجلين: إلى ابن المبارك، ثم إلى ابن معين.
وقال أحمد بن يحيى بن الجارود: قال علي ابن المديني: عبد الله بن المبارك أوسع علمًا من عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن آدم.
قال أبو سَلَمة التَّبُوذكي: سمعت سلام بن أبي مطيع يقول: ما خلف ابن المبارك بالمشرق مثله.
إبراهيم بن عبد الله بن الجُنيد: سمعت يحيى بن معين، وذكروا عبد الله بن المبارك، فقال رجل: إنه لم يكن حافظًا. فقال ابن معين: كان عبد الله ﵀ كيسًا، مستثبتًا، ثقة، وكان عالمًا، صحيح الحديث، وكانت كتبه التي يحدث بها عشرين ألفًا أو واحدًا وعشرين ألفًا.
قال أبو معشر حمدويه بن الخطاب البخاري: سمعت نصر بن المغيرة البخاري، سمعت إبراهيم بن شمَّاس يقول: رأيت أفقه الناس ابن المبارك، وأورع الناس الفضيل، وأحفظ الناس وكيع بن الجراح.
أحمد بن أبي خَيْثَمة: سمعت يحيى بن معين يقول -وذكر أصحاب سفيان- فقال: خمسة: ابن المبارك -فبدأ به- ووكيع، ويحيى، وابن مهدي، وأبو نعيم.
قال جعفر بن أبي عثمان: قلت لابن معين: اختلف القطان، ووكيع? قال: القول قول يحيى. قال: فإذا اختلف عبد الرحمن، ويحيى? قال: يحتاج من يفصل بينهما. قلت: فأبو نعيم وعبد الرحمن? قال: يحتاج من يفصل بينهما. قلت: الأشجعي? قال: مات الأشجعي، ومات حديثه معه. قلت: ابن المبارك? قال: ذاك أمير المؤمنين في الحديث.
محمود بن وَالان: سمعت محمد بن موسى، سمعت إبراهيم بن موسى يقول: كنت عند يحيى بن معين، فجاءه رجل، فقال: من أثبت في معمر، ابن المبارك أو عبد الرزاق? وكان يحيى متكئًا، فجلس، وقال: كان ابن المبارك خيرًا من عبد الرزاق، ومن أهل قريته، كان عبد الله سيدًا من سادات المسلمين.
стр. 3938
وسئل إبراهيم الحربي: إذا اختلف أصحاب معمر? قال: القول قول ابن المبارك.
الدَّغُولي: حدثنا يحيى بن زكريا، حدثنا محمد بن النضر بن مساور، قال: قال أبي: قلت لابن المبارك: هل تتحفظ الحديث? فتغير لونه، وقال: ما تحفظت حديثًا قط، إنما آخذ الكتاب، فأنظر فيه، فما اشتهيته، علق بقلبي.
قال الحسن بن عيسى: أخبرني صخر -صديق ابن المبارك- قال: كنا غلمانًا في الكتاب، فمررت أنا وابن المبارك، ورجل يخطب، فخطب خطبة طويلة، فلما فرغ، قال لي ابن المبارك: قد حفظتها. فسمعه رجل من القوم، فقال: هاتها. فأعادها وقد حفظها.
نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك، قال: قال لي أبي: لئن وجدت كتبك، لأحرقنها. قلت: وما علي من ذلك وهي في صدري.
وقال أبو وهب محمد بن مُزَاحم: العجب ممن يسمع الحديث من ابن المبارك، عن رجل، ثم يأتي ذلك الرجل حتى يحدثه به.
قال ابن خِراش: ابن المبارك مَرْوَزِي، ثقة.
قال القاسم بن محمد بن عباد: سمعت سويد بن سعيد يقول: رأيت ابن المبارك بمكة أتى زمزم، فاستقى شربة، ثم استقبل القبلة، فقال: اللهم إن ابن أبي الموال حدثنا، عن محمد بن المنكدر، عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له" (١) وهذا أشربه لعطش القيامة ثم شربه.
كذا قال: ابن أبي الموال، وصوابه: ابن المُؤَمَّل عبد الله المكي، والحديث به يعرف، وهو
стр. 3939
من الضعفاء، لكن يرويه عن أبي الزبير، عن جابر، فعلى كل حال خبر ابن المبارك فرد منكر، ما أتى به سوى سويد، رواه: الميانجي، عن ابن عباد.
أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب: سمعت الخليل أبا محمد قال: كان عبد الله بن المبارك إذا خرج إلى مكة، قال:
بغض الحياة وخوف الله أخرجني … وبيع نفسي بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقى ليعدله … ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا
قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب "الرقاق"، يصير كأنه ثور منحور، أو بقرة منحورة من البكاء، لا يجترئ أحد منا أن يسأله عن شيء إلا دفعه.
أبو حاتم الرازي: حدثنا عبدة بن سليمان المروزي، قال: كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان، خرج رجل من العدو، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل، فقتله، ثم آخر، فقتله ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البزاز، فخرج إليه رجل، فطارده ساعة، فطعنه، فقتله، فازدحم إليه الناس، فنظرت، فإذا هو عبد الله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه، فمددته، فإذا هو هو، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا!!
قال العباس بن مصعب: حدثني بعض أصحابنا، قال: سمعت أبا وهب يقول: مر ابن المبارك برجل أعمى، فقال له: أسألك أن تدعو لي أن يرد الله علي بصري. فدعا الله، فرد عليه بصره وأنا أنظر.
وقال أبو حسان عيسى بن عبد الله البصري: سمعت الحسن بن عرفة يقول: قال لي ابن المبارك: استعرت قلمًا بأرض الشام، فذهبت على أن أرده، فلما قدمت مرو، نظرت، فإذا هو معي، فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه.
قال أسود بن سالم: كان ابن المبارك إمامًا يقتدى به، كان من أثبت الناس في السنة، إذا رأيت رجلا يغمز ابن المبارك، فاتهمه على الإسلام.
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق بن محمد المصري بها، أخبرنا الفتح بن عبد الله بن محمد الكاتب ببغداد، أخبرنا أبو الفضل محمد بن عمر القاضي، وأبو غالب محمد بن علي بن الداية، وأبو عبد الله محمد بن أحمد الطرائفي "ح". وأخبرنا يحيى بن أبي منصور، وعلي بن أحمد كتابة، قالا: أخبرنا عمر بن طبرزد، أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك
стр. 3940
المقرئ، وأنبأنا يحيى، أنبأنا عمر بن محمد، أخبرنا يحيى بن علي بن الطراح، وعبد الخالق بن عبد الصمد، وأبو غالب بن البَنَّاء "ح". وأخبرنا أبو المرهف المقداد بن أبي القاسم القيسي، أخبرنا بن محمد الرزاز "ح". وأخبرنا المُسَلَّم بن محمد بن علان في كتابه، وغيره، أن داود بن أحمد بن محمد الوكيل أخبرهم، قالوا: أخبرنا أبو الفضل الأرموي، وكتب إلينا الفخر علي بن البخاري، قال: أخبرتنا نعمة بنت علي بن يحيى بن علي، أخبرنا جدي، قال سبعتهُم: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد المعدل، أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، قال: حدثنا جعفر بن محمد الفِرْيابي، حدثنا محمد بن الحسن البَلْخي بسمرقند سنة ست وعشرين ومائتين، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثنا أبو المصعب مشْرَح بن هاعان عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر منافقي أمتي قراؤها" (١).
وبه إلى الفريابي: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن مِشْرَح، .... فذكره.
وبه إلى الفريابي: حدثني أبو بكر سعيد بن يعقوب الطَّالْقاني، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي، عن هارون بن رئاب: أن عبد الله بن عمر لما حضرته الوفاة، قال:
стр. 3941
انظروا فلانًا لرجل من قريش، فإني كنت قلت له في ابنتي قولا كشبيه العدة، وما أحب أن ألقى الله -تعالى- بثلث النفاق، وأشهدكم أني قد زوجته.
هارون ثقة، لكنه لم يلحق عبد الله بن عمرو.
قال أحمد بن حنبل: لم يكن أحد في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه.
وعن شعبة، قال: ما قدم علينا أحد مثل ابن المبارك.
وقال أبو أسامة: ما رأيت رجلا أطلب للعلم من ابن المبارك، وهو في المحدثين مثل أمير المؤمنين في الناس.
قال الحسن بن عيسى بن ماسَرْجس مولى ابن المبارك: اجتمع جماعة مثل الفضل بن موسى، ومَخْلَد بن الحسين، فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والشجاعة، والفروسية، والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه.
قال نعيم بن حماد: قال رجل لابن المبارك: قرأت البارحة القرآن في ركعة. فقال: لكني أعرف رجلا لم يزل البارحة يكرر: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، إلى الصبح، ما قدر أن يتجاوزها -يعني: نفسه.
قال العباس بن مصعب: عن إبراهيم بن إسحاق البناني، عن ابن المبارك، قال: حملت العلم عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف شيخ. ثم قال العباس: فتتبعتهم حتى وقع لي ثمان مائة شيخ له.
قال حبيب الجلاب: سألت ابن المبارك: ما خير ما أعطيَ الإنسان? قال: غريزة عقل. قلت: فإن لم يكن? قال: حسن أدب. قلت: فإن لم يكن? قال: أخ شفيق يستشيره. قلت: فإن لم يكن? قال: صمت طويل. قلت: فإن لم يكن? قال: موت عاجل.
وروى عبدان بن عثمان، عن عبد الله، قال: إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه، لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ عن المحاسن، لم تذكر المحاسن.
قال نُعَيم: سمعت ابن المبارك يقول: عجبت لمن لم يطلب العلم، كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة؟!
стр. 3942
قال عبيد بن جناد: قال لي عطاء بن مسلم: رأيت ابن المبارك? قلت: نعم قال: ما رأيت ولا ترى مثله.
قال عبيد بن جناد: وسمعت العمري يقول: ما رأيت في دهرنا هذا من يصلح لهذا الأمر -يعني: الإمامة- إلا ابن المبارك.
قال معتمر بن سليمان: ما رأيت مثل ابن المبارك، تصيب عنده الشيء الذي لا تصيبه عند أحد.
قال شقيق البَلْخي: قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا? قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم? أنتم تغتابون الناس.
وعن ابن المبارك، قال: ليكن عمدتكم الأثر، وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الحديث.
محبوب بن الحسن: سمعت ابن المبارك يقول: من بخل بالعلم، ابتلي بثلاث: إما موت يذهب علمه، وإما ينسى، وإما يلزم السلطان، فيذهب علمه.
وعن ابن المبارك، قال: أول منفعة العلم أن يُفيد بعضُهم بعضًا.
المسيب بن واضح: سمعت ابن المبارك وقيل له: الرجل يطلب الحديث لله، يشتد في سنده. قال: إذا كان لله، فهو أولى أن يشتد في سنده.
وعنه، قال: حب الدنيا في القلب، والذنوب فقد احتوشته، فمتى يصل الخير إليه?
وعنه قال: لو اتقى الرجل مائة شيء، ولم يتق شيئًا واحدًا، لم يك من المتقين، ولو تورع عن مائة شيء، سوى واحد، لم يكن ورعًا، ومن كانت فيه خلة من الجهل، كان من الجاهلين، أما سمعت الله يقول لنوح ﵇ من أجل ابنه: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦].
إسنادها لا يصح. وقد تقدم عن ابن المبارك خلاف هذا، وأن الاعتبار بالكثرة، ومراده بالخلة من الجهل: الإصرار عليها.
وجاء أن ابن المبارك سئل: من الناس? فقال: العلماء. قيل: فمن الملوك? قال: الزهاد. قيل: فمن الغوغاء? قال: خزيمة وأصحابه -يعني: من أمراء الظلمة. قيل: من السفلة? قال: الذين يعيشون بدينهم.
وعنه، قال: ليكن مجلسك مع المساكين، وإياك ان تجلس مع صاحب بدعة.
стр. 3943
وعن ابن المبارك، قال: إذا عرف الرجل قدر نفسه، يصير عند نفسه أذل من كلب.
وعنه، قال: لا يقع موقع الكسب على العيال شيء، ولا الجهاد في سبيل الله.
وقال: رب عمل صغير تكثره النية، ورب عمل كثير تصغره النية.
أخبرنا أحمد بن سلامة إجازة، عن عبد الرحيم بن محمد الكاغدي، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، حدثنا أبو إسحاق الطَّالْقَاني، قال: سألت ابن المبارك عن الرجل يصلي عن أبويه، فقال: من يرويه? قلت: شِهاب بن خراش. قال: ثقة، عمن? قلت: عن الحجاج بن دينار. قال: ثقة عمن? قلت: عن النبي ﷺ . قال: بينه وبين النبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل (١).
أخبرنا بيبرس بن عبد الله المجدي، أخبرنا هبة الله بن الحسن الدوامي، أخبرتنا تَجَنِّي مولاة ابن وهبان، وأخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن المرداوي، أخبرنا الإمام أبو محمد بن قدامة، أخبرنا عبد الله بن أحمد الخطيب، وتجني الوهبانية، وفخر النساء شُهْدة "ح". وأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد، وأحمد بن تاج الأمناء، قالا: أخبرنا محمد ابن إبراهيم "ح". وأخبرتنا ست الأهل بنت الناصح، أخبرنا البهاء عبد الرحمن، قالا: أخبرتنا شهدة، قالوا: أخبرنا طراد بن محمد الزينبي "ح". وأخبرنا محمد بن عبد الوهاب الأغلبي، أخبرنا علي بن مختار، أخبرنا أحمد بن محمد الحافظ، أخبرنا القاسم بن الفضل، قالا: أخبرنا هلال بن محمد بن جعفر الحفَّار، حدثنا الحسين بن يحيى القطان، حدثنا إبراهيم بن مُجَشَّر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن عاصم، عن عبيد بن أبي عبيد، عن أبي هريرة، قال: ومررت معه ببقعه. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رب يمين لا تصعد إلى الله في هذه البقعة" (٢).
قال أبو هريرة: فرأيت فيها النخاسين (٣).
стр. 3944
وبه، إلى ابن المبارك: أخبرنا ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "كل مسكر حرام وكل مسكر خمر" (١).
أخبرنا إسحاق بن طارق الأسدي، أخبرنا ابن خليل، أخبرنا عبد الرحيم بن محمد الكاغدي، أخبرنا أبو علي المقرئ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا محمد بن إسحاق، سمعت ابن أبي رِزْمة، سمعت علي بن الحسن بن شقيق، سمعت عبد الله بن المبارك، يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية (٢).
وبه إلى محمد بن إسحاق السَّرَّاج: سمعت أبا يحيى يقول: سمعت علي بن الحسن بن شقيق يقول: قلت لعبد الله بن المبارك: كيف يعرف ربنا ? قال: في السماء على العرش. قلت له: إن الجهمية تقول هذا. قال: لا نقول كما قالت الجهمية، هو معنا هاهنا.
قلت: الجهمية يقولون: إن الباري تعالى في كل مكان والسلف يقولون: إن علم الباري في كل مكان ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، يعني: بالعلم، ويقولون: إنه على عرشه استوى، كما نطق به القرآن والسنة.
وقال الأوزاعي، وهو إمام وقته: كنا -والتابعون متوافرون- نقول: إن الله -تعالى- فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته، ومعلوم عند أهل العلم من الطوائف أن مذهب السلف إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تأويل ولا تحريف، ولا
стр. 3945
تشيبه ولا تكييف، فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات المقدسة. وقد علم المسلمون أن ذات الباري موجودة حقيقية، لا مثل لها، وكذلك صفاته -تعالى- موجودة، لا مثل لها.
أخبرنا يحيى بن أبي منصور الفقيه إجازة، أخبرنا عبد القادر الحافظ، أخبرنا محمد بن أبي نصر بأصبهان، أخبرنا حسين بن عبد الملك، أخبرنا عبد الله بن شبيب، أخبرنا أبو عمر السلمي، أخبرنا أبو الحسن اللبناني، حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية" (١) له، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، قال: سألت ابن المبارك: كيف ينبغي لنا أن نعرف ربنا? قال: على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه ههنا في الأرض.
وروى عبد الله بن أحمد في هذا الكتاب بإسناده، عن ابن المبارك: أن رجلا قال له: يا أبا عبد الرحمن، قد خفت الله -تعالى- من كثرة ما أدعو على الجهمية. قال: لا تخف، فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء.
قال عبد الله بن إدريس: كل حديث لا يعرفه ابن المبارك، فنحن منه براء.
وعن ابن المبارك قال: في صحيح الحديث شغل عن سقيمه.
أخبرنا يحيى بن أحمد الجُذامي، أخبرنا محمد بن عماد، أخبرنا ابن رفاعة، أخبرنا أبو الحسن الخلعي، أخبرنا ابن الحاج، أخبرنا أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن الرملي، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا أحمد بن يونس: سمعت ابن المبارك قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: من زعم أن هذا مخلوق، فقد كفر بالله العظيم.
قال علي بن الحسن بن شقيق: قمت لأخرج من ابن المبارك في ليلة باردة من المسجد، فذاكرني عند الباب بحديث -أو ذاكرته- فما زلنا نتذاكر حتى جاء المؤذن للصبح.
وقال فضالة النسائي: كنت أجالسهم بالكوفة، فإذا تشاجروا في حديث، قالوا: مروا بنا إلى هذا الطبيب حتى نسأله -يعنون ابن المبارك.
стр. 3946
قال وهب بن زَمْعة المَرْوَزِي: حدَّثَ جرير بن عبد الحميد بحديث عن ابن المبارك، فقالوا له: يا أبا عبد الحميد! تحدث عن عبد الله، وقد لقيت منصور بن المعتمر? فغضب، وقال: أنا مثل عبد الله، أحمل علم أهل خراسان، وعلم أهل العراق، وأهل الحجاز، وأهل اليمن، وأهل الشام.
قال أحمد بن أبي الحَوَاري: جاء رجل من بني هاشم إلى عبد الله ابن المبارك ليسمع منه، فأبى أن يحدثه. فقال الشريف لغلامه: قم، فإن أبا عبد الرحمن لا يرى أن يحدثنا. فلما قام ليركب، جاء ابن المبارك ليمسك بركابه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، تفعل هذا، ولا ترى أن تحدثني؟ فقال: أذل لك بدني، ولا أذل لك الحديث.
روى المسيَّب بن واضح: أنه سمع ابن المبارك -وسأله رجل عمن يأخذ- فقال: قد يلقى الرجل ثقة، وهو يحدث عن غير ثقة، وقد يلقى الرجل غير ثقة يحدث عن ثقة، ولكن ينبغي أن يكون: ثقة عن ثقة.
عثمان بن سعيد الدارمي: سمعت نعيم بن حماد يقول: ما رأيت ابن المبارك يقول قط: "حدثنا"، كان يرى "أخبرنا" أوسع، وكان لا يرد على أحد حرفًا إذا قرأ.
وقال نعيم: ما رأيت أعقل من ابن المبارك، ولا أكثر اجتهادًا في العبادة.
الحسن بن الربيع: قال ابن المبارك في حديث ثوبان، عن النبي ﷺ : "استقيموا لقريش ما استقاموا لكم" (١): يفسره حديث أم سلمة: "لا تقتلوهم ما صَلَّوا" (٢).
واحتج ابن المبارك في مسألة الإرجاء، وأن الإيمان يتفاوت، بما روي عن ابن شوذب، عن سلمة بن كُهَيل، عن هُزَيل بن شُرحبيل، قال: قال عمر: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض، لرجح.
قلت: مراد عمر ﵁ أهل أرض زمانه.
نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك يقول: السيف الذي وقع بين الصحابة فتنة، ولا أقول لأحد منهم هو مفتون.
стр. 3947
وعن ابن المبارك، وسئل: من السفلة? قال: الذي يدور على القضاة يطلب الشهادات.
وعنه قال: إن البصراء لا يأمنون من أربع: ذنب قد مضى لا يدرى ما يصنع فيه الرب وعمر قد بقي لا يدرى ما فيه من الهلكة، وفضل قد أعطي العبد لعله مكر واستدراج، وضلالة قد زُيِّنَتْ، يراها هدى، وزيغ قلب ساعةً فقد يُسلَب المرءُ دينه ولا يشعر.
قال منصور بن دينار؛ صاحبُ ابن المبارك: إن عبد الله كان يتصدق لمقامه ببغداد كل يوم بدينار.
وعن عبد الكريم السكري، قال: كان عبد الله يعجبه إذا ختم القرآن أن يكون دعاؤه في السجود.
قال إبراهيم بن نوح الموصلي: قدم الرشيد عين زربة، فأمر أبا سليم أن يأتيه بابن المبارك. قال: فقلت: لا آمن أن يجيب ابن المبارك بما يكره، فيقتله، فقلت: يا أمير المؤمنين! هو رجل غليظ الطباع، جلف. فأمسك الرشيد.
الفضل بن محمد الشَّعْراني: حدثنا عبدة بن سليمان، قال: سمعت رجلًا يسأل ابن المبارك عن الرجل يصوم يومًا ويفطر يومًا. قال: هذا رجل يضيع نصف عمره، وهو لا يدري. يعني: لم لا يصومها.
قلت: أحسب ابن المبارك لم يذكر حينئذ حديث: "أفضل الصوم صوم داود" (١)، ولا حديث: النهي عن صوم الدهر (٢).
стр. 3948
قال أبو وهب المَرْوَزي: سألت ابن المبارك: ما الكبْر? قال: أن تزدري الناس. فسألته عن العجب? قال: أن ترى أن عندك شيئًا ليس عند غيرك، لا أعلم في المصلين شيئًا شرًّا من العجب.
قال حاتم بن الجراح: سمعت علي بن الحسن بن شقيق، سمعت ابن المبارك، وسأله رجل عن قُرْحة خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجتها بأنواع العلاج، وسألت الأطباء، فلم أنتفع به. فقال له: اذهب فاحفر بئرًا في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين، ويمسك عنك الدم. ففعل الرجل، فبرأ.
قال أحمد بن حنبل: كان ابن المبارك يحدث من الكتاب، فلم يكن له سقط كثير، وكان وكيع يحدث من حفظه، فكان يكون له سقط، كم يكون حفظ الرجل!
وروى غير واحد أن ابن المبارك قيل له: إلى متى تكتب العلم? قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أكتبها بعد.
قال عمرو الناقد: سمعت ابن عيينة يقول: ما قدم علينا أحد يشبه ابن المبارك، ويحيى بن أبي زائدة.
وقال مخلد بن الحسين: جالست أيوب، وابن عون، فلم أجد فيهم من أفضله على ابن المبارك.
قال عبدان: قال ابن المبارك -وذكر التدليس- فقال فيه قولًا شديدًا، ثم أنشد:
دلس للناس أحاديثه … والله لا يقبل تدليسًا
عن ابن المبارك، قال: من استخف بالعلماء، ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء، ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان، ذهبت مروءته.
قد أسفلنا لعبد الله ما يدل على فروسيته.
وقال محمد بن المثنى: حدثنا عبد الله بن سنان، قال: كنت مع ابن المبارك، ومعتمر بن سليمان بِطَرَسوس، فصاح الناس: النفير. فخرج ابن المبارك، والناس، فلما اصطف الجمعان، خرج رومي، فطلب البراز، فخرج إليه رجل، فشد العلج عليه، فقتله، حتى قتل ستة من المسلمين، وجعل يتبختر بين الصفين يطلب المبارزة، ولا يخرج إليه أحد، فالتفت إلي ابن المبارك فقال: يا فلان! إن قُتلتُ، فافعل كذا وكذا. ثم حرك دابته، وبرز للعلج، فعالج معه ساعة، فقتل العلج، وطلب المبارزة، فبرز له علج آخر، فقتله، حتى قتل ستة علوج،
стр. 3949
وطلب البراز، فكأنهم كاعوا (١) عنه، فضرب دابته، وطرد بين الصفين، ثم غاب، فلم نشعر بشيء، وإذا أنا به في الموضع الذي كان، فقال لي: يا عبد الله! لئن حدثت بهذا أحدًا، وأنا حي، فذكر كلمةً.
قال أبو صالح الفراء: سألت ابن المبارك عن كتابة العلم، فقال: لولا الكتاب ما حفظنا.
وسمعته يقول: الحبر في الثوب خلوق العلماء.
وقال: تواطؤ الجيران على شيء، أحب إليَّ من شهادة عدلين.
وقيل: إن ابن المبارك مر براهب عند مقبرة ومزبلة، فقال: يا راهب، عندك كنز الرجال، وكنز الأموال، وفيهما معتبر.
وقد تَفَقَّه ابن المبارك بأبي حنيفة، وهو معدود في تلامذته.
وكان عبد الله غنيًّا شاكرًا، رأس ماله نحو الأربع مائة ألف.
قال حبان بن موسى: رأيت سُفْرة ابن المبارك حملت على عَجَلة.
وقال أبو إسحاق الطالقاني: رأيت بعيرين محملين دجاجًا مشويًّا لسفرة ابن المبارك.
وروى عبد الله بن عبد الوهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن سهم، قال: كنت مع ابن المبارك، فكان يأكل كل يوم، فيشوى له جدي، ويتخذ له فالوذق، فقيل له في ذلك، فقال: إني دفعت إلى وكيلي ألف دينار، وأمرته أن يوسع علينا.
قال الحسن بن حماد: دخل أبو أسامة على ابن المبارك، فوجد في وجهه عبدُ الله أثر الضر، فلما خرج، بعث إليه أربعة آلاف درهم، وكتب إليه:
وفتى خلا من ماله … ومن المروءة غير حال
أعطاك قبل سؤاله … وكفاك مكروه السؤال
وقال المسيَّب بن واضح: أرسل ابن المبارك إلى أبي بكر بن عياش أربعة آلاف درهم، فقال: سد بها فتنة القوم عنك.
قال علي بن خَشْرَم: قلت لعيسى بن يونس: كيف فضلكم ابن المبارك، ولم يكن بأسن منكم? قال: كان يقدم، ومعه الغِلْمة الخراسانية، والبزة الحسنة، فيصل العلماء، ويعطيهم، وكنا لا نقدر على هذا.
стр. 3950
قال نعيم بن حماد: قدم ابن المبارك أيلة على يونس بن يزيد، ومعه غلام مُفَرَّغ العمل الفالوذج، يتخذه للمحدثين.
أخبرنا ابن أبي الخير في كتابه، عن عبد الرحيم بن محمد، أخبرنا الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن المبارك، عن خالد الحَذَّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "البركة مع أكابركم" (١). فقلت للوليد: أين سمعت من ابن المبارك? قال: في الغزو.
عن ابن المبارك قال: ليكن مجلسك مع المساكين، واحذر أن تجلس مع صاحب بدعة.
قال الحسن بن الربيع: لما احتضر ابن المبارك في السفر، قال: أشتهي سويقًا. فلم نجده إلا عند رجل كان يعمل للسلطان، وكان معنا في السفينة، فذكرنا ذلك لعبد الله، فقال: دعوه. فمات ولم يشربه.
قال العلاء بن الأسود: ذكر جهم عند ابن المبارك، فقال:
عجبت لشيطان أتى الناس داعيا … إلى النار وانشق اسمه من جهنم
أخبرنا إسحاق الأسدي، أخبرنا ابن خليل، أخبرنا عبد الرحيم بن محمد، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا سعيد بن سليمان، عن ابن المبارك، عن معمر، عن محمد بن حمزة، عن عبد الله بن سلام، قال: كان النبي ﷺ إذا نزل بأهله الضيق، أمرهم بالصلاة، ثم قرأ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢]. هذا مرسل، قد انقطع فيه ما بين محمد وجد أبيه عبد الله.
وقد كان ابن المبارك ﵀ شاعرًا محسنًا، قوالا بالحق.
قال أحمد بن جميل المروزي: قيل لابن المبارك: إن إسماعيل بن عُلَيَّة قد ولي القضاء، فكتب إليه:
стр. 3951
يا جاعل العلم له بازيا … يصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها … بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنونًا بها بعدما … كنت دواء للمجانين
أين رواياتك في سردها … عن ابن عون وابن سيرين
أين رواياتك فيما مضى … في ترك أبواب السلاطين
إن قلت أكرهت فما ذا كذا … زل حمار العلم في الطين
وروى: عبد الله بن محمد قاضي نصيبين، حدثنا محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، قال: أملى عليَّ ابن المبارك سنة سبع وسبعين ومائة، وأنفذها معي إلى الفضل بن عياض من طرسوس:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيلة في باطل … فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا … رهج السنابك (١) والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا … قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في … أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد بميت لا يكذب
فلقيت الفضيل بكتابه في الحرم، فقرأه، وبكى، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح.
قال ابن سهم الأنطاكي: سمعت ابن المبارك ينشد:
فكيف قرت لأهل العلم أعينهم … أو استلذوا لذيذ النوم أو هجعوا
والنار ضاحية لابد موردها … وليس يدرون من ينجو ومن يقع
وطارت الصحف في الأيدي منشرة … فيها السرائر والجبار مطلع
стр. 3952
إما نعيم وعيش لا انقضاء له … أو الجحيم فلا تبقي ولا تدع
تهوي بساكنها طورًا وترفعه … إذا رجوا مخرجًا من غمها قمعوا
لينفع العلم قبل الموت عالمه … قد سأل قوم بها الرجعى فما رجعوا
وروى إسحاق بن سنين لابن المبارك:
إني امرؤ ليس في ديني لغامزه … لين ولست على الإسلام طعانا
فلا أسب أبا بكر ولا عمرا … ولن أسب معاذ الله عثمانا
ولا ابن عم رسول الله أشتمه … حتى ألبس تحت الترب أكفانا
ولا الزبير حواري الرسول ولا … أهدي لطلحة شتمًا عز أو هانا
ولا أقول علي في السحاب إذًا … قد قلت والله ظلمًا ثم عدوانا
ولا أقول بقول الجهم إن له … قولا يضارع أهل الشرك أحيانا
ولا أقول تخلى من خليقته … رب العباد وولى الأمر شيطانا
ما قال فرعون هذا في تمرده … فرعون موسى ولا هامان طغيانا
الله يدفع بالسلطان معضلة … عن ديننا رحمة منه ورضوانا
لولا الأئمة لم تأمن لنا سبل … وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا
فيقال: إن الرشيد أعجبه هذا، فلما أن بلغه موت ابن المبارك بهيت، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا فضل! إيذن للناس يعزونا في ابن المبارك. وقال: أما هو القائل:
الله يدفع بالسطان معضلة
فمن الذي يسمع هذا من ابن المبارك، ولا يعرف حقنا?
قال الكُدَيمي: حدثنا عبدة بن عبد الرحيم، قال: كنت عند فضيل ابن عياض وعنده ابن المبارك، فقال قائل: إن أهلك وعيالك قد احتاجوا مجهودين محتاجين إلى هذا المال، فاتق الله، وخذ من هؤلاء القوم. فزجره ابن المبارك، وأنشأ يقول:
خذ من الجاروش والـ … ـآرز والخبز الشعير
واجعلن ذاك حلالا … تنج من حر السعير
وانأ ما اسطعت هدا … ك الله عن دار الأمير
стр. 3953
لا تزرها واجتنبها … إنها شر مزور
توهن الدين وتد … نيك من الحوب الكبير
قبل أن تسقط يا … مغرور في حفرة بير
وارض يا ويحك من … دنياك بالقوت اليسير
إنها دار بلاء … وزوال وغرور
ما ترى قد صرعت … قبلك أصحاب القصور
كم ببطن الأرض من … ثاو شريف ووزير
وصغير الشأن عبد … خامل الذكر حقير
لو تصفحت وجو … هـ القوم في يوم نضير
لم تميزهم ولم … تعرف غنيا من فقير
خمدوا فالقوم صرعى … تحت أشقاق الصخور
واستووا عند مليك … بمساويهم خبير
احذر الصرعة يا … مسكين من دهر عثور
أين فرعون وها … مان ونمرود النسور
أو ما تخشاه أن … يرميك بالموت المبير
أو ما تحذر من … يوم عبوس قمطرير
اقمطر الشر فيه … بعذاب الزمهرير
قال: فغشي على الفضيل، فرد ذلك ولم يأخذه.
ولابن المبارك:
جربت نفسي فما وجدتها لها … من بعد تقوى الإله كالأدب
في كل حالاتها وإن كرهت … أفضل من صمتها عن الكذب
أو غيبة الناس إن غيبتهم … حرمها ذو الجلال في الكتب
قال أبو العباس السراج: أنشدني يعقوب بن محمد لابن المبارك:
стр. 3954
أبإذن نزلت بي يا مشيب … أي عيش وقد نزلت يطيب
وكفى الشيب واعظًا غير أني … آمل العيش والممات قريب
وكم أنادي الشباب إذ بان مني … وندائي موليًّا ما يجيب
وبه:
يا عائب الفقر ألا تزدجر … عيب الغنى أكثر لو تعتبر
من شرف الفقر ومن فضله … على الغنى لو صح منك النظر
أنك تعصي لتنال الغنى … وليس تعصي الله كي تفتقر
قال حبان بن موسى: سمعت ابن المبارك ينشد:
كيف القرار وكيف يهدأ مسلم … والمسلمات مع العدو المعتدي
الضاربات خدودهن برنة … الداعيات نبيهن محمد
القائلات إذا خشين فضيحة … جهد المقالة ليتنا لم نولد
ما تستطيع وما لها من حيلة … إلا التستر من أخيها باليد
قال أبو إسحاق الطالقاني: كنا عند ابن المبارك، فانهد القهندز، فأتى بسنين، فوجد وزن أحدهما منوان، فقال عبد الله:
أتيت بسنين قد رمتا … من الحصن لما أثاروا الدفينا
على وزن منوين إحداهما … تقل به الكف شيئًا رزينا
ثلاثون سنا على قدرها … تباركت يا أحسن الخالقينا
فماذا يقوم لأفواهها … وما كان يملأ تلك البطونا
إذا ما تذكرت أجسامهم … تصاغرت النفس حتى تهونا
وكل على ذاك ذاق الردى … فبادوا جميعًا فهم هامدونا
وجاء من طرق عن ابن المبارك -ويقال: بل هي لحميد النحوي:
اغتنم ركعتين زلفى إلى الله … إذا كنت فارغًا مستريحا
وإذا ما هممت بالنطق بالباطل … فاجعل مكانه تسبيحا
فاغتنام السكوت أفضل من … خوض وإن كنت بالكلام فصيحا
стр. 3955
وسمع بعضهم ابن المبارك وهو ينشد على سور طرسوس:
ومن البلاء وللبلاء علامة … أن لا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواتها … والحر يشبع مرة ويجوع
قال أبو أمية الأسود: سمعت ابن المبارك يقول: أحب الصالحين ولست منهم، وأبغض الطالحين وأنا شر منهم، ثم أنشأ يقول:
الصمت أزين بالفتى … من منطق في غير حينه
والصدق أجمل بالفتى … في القول عندي من يمينه
وعلى الفتى بوقاره … سمة تلوح على جبينه
فمن الذي يخفى عليـ … ـك إذا نظرت إلى قرينه
رب امرئ متيقن … غلب الشقاء على يقينه
فأزاله عن رأيه … فابتاع دنياه بدينه
قال أحمد بن عبد الله العجلي: حدثني أبي، قال: لما احتضر ابن المبارك، جعل رجل يلقنه، قل: لا إله إلا الله. فأكثر عليه، فقال له: لست تحسن، وأخاف أن تؤذي مسلمًا بعدي، إذا لقنتني، فقلت: لا إله إلا الله، ثم لم أحدث كلامًا بعدها، فدعني، فإذا أحدثت كلامًا، فلقني حتى تكون آخر كلامي.
يقال: إن الرشيد لما بلغه موت عبد الله، قال: مات اليوم سيد العلماء.
قال عبدان بن عثمان: مات ابن المبارك بهيت وعانات، في شهر رمضان، سنة إحدى وثمانين ومائة.
قال حسن بن الربيع: قال لي ابن المبارك قبل أن يموت: أنا ابن ثلاث وستين سنة.
قال أحمد بن حنبل: ذهبت لأسمع من ابن المبارك، فلم أدركه، وكان قد قدم بغداد، فخرج إلى الثغر، ولم أره.
قال محمد بن الفُضَيل بن عياض: رأيت ابن المبارك في النوم، فقلت: أي العمل أفضل? قال: الأمر الذي كنتُ فيه. قلت: الرباط والجهاد? قال: نعم. قلت: فما صنع بك ربك? قال: غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة. رواها رجلان عن محمد.
стр. 3956
وقال العباس بن محمد النَّسَفي: سمعت أبا حاتم الفربري يقول: رأيت ابن المبارك واقفًا على باب الجنة، بيده مفتاح، فقلت: ما يوقفك هاهنا? قال: هذا مفتاح الجنة، دفعه إلي رسول الله ﷺ وقال: حتى أزور الرب، فكن أميني في السماء، كما كنت أميني في الأرض.
وقال إسماعيل بن إبراهيم المصِّيصي: رأيت الحارث بن عطية في النوم، فسألته، فقال: غفر لي. قلت: فابن المبارك? قال: بخ بخ، ذاك في عليين، ممن يلج على الله كل يوم مرتين.
وعن نوفل قال: رأيت ابن المبارك في النوم، فقلت: ما فعل الله بك? قال: غفر لي برحلتي في الحديث، عليك بالقرآن، عليك بالقرآن.
قال علي بن أحمد السَّوَّاق: حدثنا زكريا بن عدي، قال: رأيت ابن المبارك في النوم، فقلت: ما فعل الله بك? قال: غفر لي برحلتي.
قال النسائي: أثبت الناس في الأوزاعي: عبد الله بن المبارك.
قال الفسوي في "تاريخه": سمعت الحسن بن الربيع يقول: شهدت موت ابن المبارك، مات لعشر مضى من رمضان، سنة إحدى وثمانين ومائة، ومات سحرًا، ودفناه بهيت.
ولبعض الفضلاء:
مررت بقبر ابن المبارك غدوة … فأوسعني وعظًا وليس بناطق
وقد كنت بالعلم الذي في جوانحي … غنيا وبالشيب الذي في مفارقي
ولكن أرى الذكرى تنبه عاقلا … إذا هي جاءت من رجال الحقائق
قرأت على أبي حفص عمر بن عبد المنعم الطائي، أخبركم القاضي أبو نصر محمد بن هبة الله بن مميل الشافعي سنة ثلاثين وست مائة بمنزله، أخبرنا عبد الرحمن بن علي الخرقي، أخبرنا نصر بن أحمد السُّوسي، أخبرنا سهل بن بشر، أخبرنا علي بن منير الخَلال، حدثني خالي أحمد بن عتيق الخشاب، حدثنا أبو بكر محمد بن أبي الأصبغ، حدثنا هاشم بن مرثد، سمعت أبا صالح الفراء، سمعت ابن المبارك يقول:
المرء مثل هلال عند رؤيته … يبدو ضئيلا تراه ثم يَتَّسق
حتى إذا ما تراه ثم أعقبه … كر الجديدين نقصًا ثم يَمَّحق
من تاريخ أبي عمر أحمد بن سعيد الصدفي: محمد بن وضاح، عن يحيى بن يحيى الليثي، قال: كنا عند مالك، فاستؤذن لعبد الله بن المبارك بالدخول، فأذن له، فرأينا مالكًا
стр. 3957
تزحزح له في مجلسه، ثم أقعده بلصقه، وما رأيت مالكًا تزحزح لأحد في مجلسه غيره، فكان القارئ يقرأ على مالك، فربما مر بشيء، فيسأله مالك: ما مذهبكم في هذا? أو ما عندكم في هذا? فرأيت ابن المبارك يجاوبه، ثم قام، فخرج، فأعْجِبَ مالكٌ بأدبِه، ثم قال لنا مالك: هذا ابن المبارك فقيه خراسان.
عن المسيب بن واضح، قال: أرسل ابنُ المبارك إلى أبي بكر بن عياش بأربعين ألف درهم، وقال: سُدَّ بهذهِ فتنةَ القومِ عنك.
وسئل ابن المبارك بحضور سفيان بن عيينة عن مسألة، فقال: إنا نهينا أن نتكلم عند أكابرنا.
قال أحمد: كان ابن المبارك يحدث من كتاب، ومن حدث من كتاب، لا يكاد أن يكون له سقط كثير. وكان وكيع يحدث من حفظه. فكان يكون له سقط كم يكون حفظ الرجل?
стр. 3958
١٢٨٤ - ضَيْغم (١):
ابن مالك، الزاهد، القدوة، الرباني، أبو بكر الرَّاسِبي، البصري.
أخذ عن: التابعين.
روى عنه: ابن مالك، وسيَّار بن حاتم، وأبو أيوب مولى ضَيْغم.
قال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيتُ مثلَ ضيغمٍ في الصلاح والفضل.
قال ابن الأعرابي: كان ورده في اليوم والليلة أربع مائة ركعة، وصلى حتى انحنى، وكان من الخائفين البكَّائين.
وقال علي ابن المديني: دفن ضيغم كتبه.
وكان ينام ثلث الليل، ويتعبد ثلثيه.
توفي ضيغم سنة ثمانين ومائة، هو وصاحبه بسر بن منصور العابد في يوم.
وعنه، قال: قووا على الاجتهاد بما يدخل قلوبهم من حلاوة العبادة.
стр. 3959
١٢٨٥ - الفُضَيل بن عِيَاض (١): " خ، م، د، س، ت"
ابن مسعود بن بشر، الإمام، القدوة، الثبت، شيخ الإسلام، أبو علي التميمي، اليربوعي، الخراساني، المجاور بحرم الله.
ولد بسمرقند، ونشأ بأبيورد، وارتحل في طلب العلم.
فكتب بالكوفة عن: منصور، والأعمش، وبيان بن بشر، وحصين بن عبد الرحمن، وليث، وعطاء بن السائب، وصفوان بن سليم، وعبد العزيز بن رُفَيع، وأبي إسحاق الشيباني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن حسان، وابن أبي ليلى، ومجالد، وأشعث بن سوار، وجعفر الصادق، وحميد الطويل، وخلق سواهم من الكوفيين، والحجازيين.
حدث عنه: ابن المبارك، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن عيينة، والأصمعي، وعبد الرزاق، وعبد الرحمن بن مهدي بن هلال -شيخ واسطي- وحسين الجعفي، وأسد السنة (٢)، والشافعي، وأحمد بن يونس، ويحيى بن يحيى التميمي، وابن وهب، ومسدد، وقتيبة، وبشر الحافي، والسري بن مغلس السقطي، وأحمد بن المقدام، وعبيد الله القواريري، ومحمد بن زنبور المكي، ولوين، ومحمد بن يحيى العدني، والحميدي، وعبد الصمد بن يزيد مروديه، وعبدة بن عبد الرحيم المروزي، ومحمد بن أبي السري العسقلاني، ومحمد بن قدامة المصيصي، ويحيى بن أيوب المقابري، وخلق كثير. آخرهم موتًا، الحسين بن داود البلخي.
وروى عنه: سفيان الثوري أجل شيوخه، وبينهما في الموت مائة وأربعون عامًا.
قال أبو عمار الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، قال: كان الفضيل بن عياض شاطرًا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليًا يتلو ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، فلما
стр. 3960
سمعها قال: بلى يا رب، قد آن فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحل. وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلًا على الطريق يقطع علينا.
قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ههنا يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.
وقال إبراهيم بن محمد الشافعي: سمعت سفيان بن عيينة يقول: فضيل ثقة.
وقال أبو عبيد: قال ابن مهدي: فضيل: رجل صالح، ولم يكن بحافظ.
وقال العجلي: كوفي، ثقة، متعبد، رجل صالح، سكن مكة.
وقال محمد بن عبد الله بن عمَّار: ليت فضيلا كان يحدثك بما يعرف، قيل لابن عمار: ترى حديثه حجة? قال: سبحان الله!
وقال أبو حاتم: صدوق.
وقال النسائي: ثقة مأمون، رجل صالح. وقال الدارقطني: ثقة.
قال محمد بن سعد: ولد بخراسان، بكورة أبيورد، وقدم الكوفة وهو كبير، فسمع من منصور وغيره، ثم تعبد، وانتقل إلى مكة، ونزلها، إلى أن مات بها في أول سنة سبع وثمانين ومائة، في خلافة هارون، وكان ثقة، نبيلا، فاضلا، عابدًا، ورعًا، كثير الحديث.
وقال أبو وَهْب محمد بن مُزَاحم: سمعت ابن المبارك يقول: رأيت أعبد الناس عبد العزيز بن أبي رواد، وأورع الناس الفضيل بن عياض، وأعلم الناس سفيان الثوري، وأفقه الناس أبا حنيفة، ما رأيت في الفقه مثله.
وروى إبراهيم بن شَمَّاس، عن ابن المبارك قال: ما بقي على ظهر الأرض عندي أفضل من الفضيل بن عياض.
قال نصر بن المغيرة البخاري: سمعت إبراهيم بن شماس يقول: رأيت أفقه الناس، وأورع الناس، وأحفظ الناس، وكيعًا، والفضيل، وابن المبارك.
وقال عبيد الله القواريري: أفضل من رأيت من المشايخ: بشر بن منصور، وفضيل بن عياض، وعون بن معمر، وحمزة بن نجيح.
قلت: عون وحمزة لا يكادان يعرفان، وكانا عابدين.