← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

هبة الله بن الحصين أخبرنا محمد بن محمد أخبرنا أبو بكر الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى حدثنا القعنبي حدثنا أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة قالت: "طيبت رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت". هذا حديث حسن عال. أخرجه: مسلم (١) عن القعنبي، وهو من أعلى شيء في صحيحه.

стр. 4622

١٦٠٦ - إسماعيل بن مسلمة (١): " ق" ومات أبو بشر إسماعيل بن مسلمة أخو القعنبي قبله في: سنة سبع عشرة بمصر. روى عن: شعبة ووهيب والحمادين. وعنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يزيد القراطيسي، ويحيى بن عثمان بن صالح وخلق. قال أبو حاتم: صدوق. ولهما إخوة وهم: يحيى وعبد الملك وعبد العزيز وليسوا بالمشهورين.

стр. 4623

١٦٠٧ - عارم (١): " ع" محمد بن الفضل الحافظ الثبت الإمام أبو النعمان السدوسي البصري. ولد: سنة نيف وأربعين ومائة. وسمع: حماد بن سلمة، وجرير بن حازم، وثابت بن يزيد الأحول وداود بن أبي الفرات، ومهدي بن ميمون وعمارة بن زاذان وأبا هلال محمد بن سليم، ومحمد بن راشد المكحولي، وقزعة بن سويد ووهيبًا، وعبد الوارث وأبا عوانة، وعبد الواحد بن زياد وخلقًا. وعنه: البخاري وأحمد بن حنبل، وعبد بن حميد ومحمد بن يحيى وسليمان ين سيف، والكديمي ويعقوب الفسوي وابن وارة، وأبو الأحوص العكبري، وأبو مسلم الكجي، وخلق كثير. قال الذهلي: حدثنا محمد بن الفضل عارم، وكان بعيدًا من العرامة. وقال ابن وارة: حدثنا عارم الصدوق المأمون. وقال أبو علي الزريقي: حدثنا عارم قبل أن يختلط. وقال البخاري: تغير في آخر عمره. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: إذا حدثك عارم فاختم عليه عارم لا يتأخر عن عفان، وكان سليمان بن حرب يقدم عارمًا على نفسه إذا خالفه في شيء، ويرجع إلى ما يقول عارم، وهو أثبت أصحاب حماد بن زيد بعد عبد الرحمن بن مهدي، وقال: عارم أحب إلي من أبي سلمة. ثم قال: اختلط عارم في آخر عمره، وزال عقله فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح، وكتبت عنه سنة أربع عشرة ولم أسمع منه بعد ما اختلط، فمن سمع منه قبل سنة عشرين، ومائتين فسماعه جيد قال: وأبو زراعة لقيه سنة اثنتين وعشرين. وسئل أبو حاتم عن عارم فقال: ثقة. وروى الحسين بن عبد الله الذراع، عن أبي داود قال: بلغنا أن عارمًا أنكر سنة ثلاث عشرة ثم راجعه عقله، واستحكم به الاختلاط سنة ست عشرة ومائتين. مات عارم سنة أربع وعشرين في صفر. أبو عبيد عن أبي داود قال: كنت عند عارم فحدث عن حماد عن هشام عن أبيه: أن ماعزًا سأل النبي ﷺ عن الصوم في السفر. فقلت له: حمزة الأسلمي بدل ماعز فقال: يا بني ماعز لا يشقى به جليسه يعني أن عارما قال هذا وقد زال عقله. قلت: فرج عنا الدارقطني في شأن عارم فقال: تغير بأخرة وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر وهو ثقة.

стр. 4624

فانظر قول أمير المؤمنين في الحديث أبي الحسن فأين هذا من قول ذاك الخساف المتفاصح أبي حاتم بن حبان في عارم فقال: اختلط في آخر عمره، وتغير حتى كان لا يدري ما يحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإذا لم يعلم هذا من هذا ترك الكل، ولا يحتج بشيء منها. قلت: فأين ما زعمت من المناكير الكثيرة؟ فلم يذكر منها حديثًا بلى له عن حماد عن حميد الطويل عن أنس عن النبي ﷺ : "اتقوا النار، ولو بشق تمرة" (١)، وقد كان حدث به من قبل عن الحسن بدل أنس مرسلًا، وهو أشبه وكذا رواه عفان وغيره عن حماد. قال أبو بكر الشافعي: سمعت إبراهيم الحربي يقول: جئت عارما فطرح لي حصيرًا على الباب، وخرج وقال: مرحبًا أيش كان خبرك ما رأيتك منذ مدة، وما كنت جئته قبلها ثم قال لي: قال ابن المبارك: أيها الطالب علمًا … إيت حماد بن زيد فاستفد حلمًا وعلمًا … ثم قيده بقيد والقيد بقيد وجعل يشير بيده على أصبعه مرارًا فعلمت أنه اختلط. وقال العقيلي: سماع علي بن عبد العزيز البغوي من عارم سنة سبع عشرة ومائتين. قال سليمان بن حرب: إذا ذكرت أبا النعمان فاذكر أيوب وابن عون. قال العقيلي: قال لي جدي: ما رأيت بالبصرة شيخًا أحسن صلاة من عارم كانوا يقولون: أخذ الصلاة عن حماد بن زيد عن أيوب قال: وكان عارم أخشع من رأيت ﵀. قلت: لم يأخذ عنه أبو داود لتغيره، والذي ينبغي أن من خلط في كلامه كتخليط السكران أن لا يحمل عنه البتة، وأن من تغير لكثرة النسيان أن لا يؤخذ عنه. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الفقيه في كتابه أخبرنا عمر بن محمد أخبرنا هبة الله بن

стр. 4625

محمد أخبرنا ابن غيلان أخبرنا أبو بكر الشافعي أخبرنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا عارم حدثنا سعيد بن زيد عن علي بن الحكم، عن أبي نضرة: عن أبي سعيد قال: "نهي أن يشرب الرجل وهو قائم، وأن يلتقم فم السقاء فيشرب منه". هذا حديث صالح الإسناد وعلي بن الحكم روى له البخاري، ووثق. قال محمد بن المنذر شكر عن بعض شيوخه قال: كنت عند عبد الرزاق، وبقيت علي بقية، وأردت السفر فقلت له فانتهرني. فرحت مغمومًا فنمت فرأيت النبي ﷺ فقال: ما لي أراك مغمومًا"؟. قلت: يا رسول الله! سألت عبد الرزاق أن يقرأ علي فزبرني فقال: إن أردت أن تكتب العلم لله فاكتب عن القعنبي، ومحمد بن الفضل السدوسي وعبد الله بن رجاء الغداني ومحمد بن يوسف الفريابي". فأصبحت، وحكيت الرؤيا فقال عبد الرزاق: شكوتني إلى رسول الله ﷺ هات حتى أقرأ عليك. قلت: لا والله ثم لحقت بأولئك فكتبت عنهم.

стр. 4626

١٦٠٨ - عبدان (١): " خ" الإمام الحافظ محدث مرو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد ميمون -أو أيمن- الأزدي العتكي مولاهم المروزي، أخو المحدث عبد العزيز شاذان، وهما سبطا شيخ مكة عبد العزيز بن أبي رواد. ولد سنة نيف وأربعين ومائة. وسمع من: شعبة حديثًا واحدًا، وسمع من: أبيه عن شعبة شيئًا كثيرًا. ومن: أبي حمزة محمد بن ميمون السكري، ومالك بن أنس وعيسى بن عبيد، وعبد الله بن المبارك، وحماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وخلق كثير بخراسان، والعراق والحجاز. حدث عنه: البخاري كثيرًا وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بواسطة، وأحمد بن شبويه، وأحمد بن سيار ومحمد بن علي بن الحسن بن شقيق، والعباس بن مصعب، وأبو الموجهمحمد بن عمرو، والقاسم بن محمد بن الحارث المروزي وأبو علي

стр. 4627

محمد بن يحيى السكري، ومحمد بن يحيى الذهلي، وعبيد الله بن واصل ويعقوب الفسوي، ومحمد بن عمرو قشمرد وخلق سواهم. وكان ثقة مجودًا. قال أحمد بن عبدة الآملي: تصدق عبدان في حياته بألف ألف درهم، وكتب كتب ابن المبارك بقلم واحد. قال: وقال عبدان: ما سألني أحد حاجة إلَّا قمت له بنفسي فإن تم وإلا قمت له بمالي فإن تم، وإلا استعنت بالإخوان فإن تم وإلا استعنت بالسلطان. وعن أحمد بن حنبل: ما بقي إلَّا الرحلة إلى عبدان بخراسان. قال أبو عبد الله الحاكم: هو إمام بلده في الحديث سمع من شعبة أحاديث دون العشرة، ولم يعقب ورثه أخوه، وقد ولاه ابن طاهر قضاء الجوزجان ثم استعفى فأعفي. قلت: وكذا قال العباس بن مصعب: إنه سمع من شعبة دون العشرة. قال أبو سعد السمعاني: دخلت بروجرد فقدت أنسخ في جزء بجامعها، وإلى جانبي شيخ فقال: ما تكتب؟ فتبرمت بسؤاله وقلت: الحديث قال: حديث من؟ قلت: من رواية أهل مرو قال: من تعرف من علماء الحديث بمرو؟ قلت: عبدان، وصدقة بن الفضل وابن منير فقال: وما اسم عبدان؟ قلت: عبد الله بن عثمان ثم نظرت إليه بعين الأدب معه فقال: ولم لقب عبدان؟ فقلت: يفيدنا الشيخ. قال: وجود عبد في اسمه وفي كنيته فلقب بهما على التثنية فقلت: عمن يأثره الشيخ؟ قال: عن شيخنا محمد بن طاهر المقدسي. قلت: توفي عبدان في شعبان سنة إحدى وعشرين ومائتين عن ست وسبعين سنة.

стр. 4628

١٦٠٩ - المأمون (١): الخليفة أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور العباسي. ولد سنة سبعين ومائة. وقرأ العلم والأدب والأخبار، والعقليات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم وبالغ وعمل الرصد فوق جبل دمشق، ودعا إلى القول بخلق القرآن، وبالغ نسأل الله السلامة. وسمع من: هشيم، وعبيد بن العوام ويوسف بن عطية وأبي معاوية وطائفة. روى عنه: ولده الفضل، ويحيى بن أكثم، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي، وعبد الله بن طاهر الأمير، ودعبل الشاعر وأحمد بن الحارث الشيعي. وكان من رجال بني العباس حزمًا، وعزمًا ورأيًا وعقلًا، وهيبة وحلمًا ومحاسنه كثيرة في الجملة. قال ابن أبي الدنيا: كان أبيض ربعة حسن الوجه تعلوه صفرة قد وخطه الشيب، وكان طويل اللحية أعين ضيق الجبين على خده شامة. أتته وفاة أبيه وهو بمرو سائرا لغزو ما وراء النهر، فبايع من قبله لأخيه الأمين ثم جرت بينهما أمور وخطوب، وبلاء وحروب تشيب النواصي. إلى أن قتل الأمين، وبايع الناس المأمون في أول سنة ثمان وتسعين ومائة. قال الخطبي: كنيته أبو العباس فلما استخلف اكتنى بأبي جعفر، واسم أمه: مراجل ماتت في نفاسها به. قال: ودعي له بالخلافة في آخر سنة خمس وتسعين إلى أن قتل الأمين فاجتمع الناس عليه فاستعمل على العراق الحسن بن سهل ثم بايع بالعهد لعلي بن موسى الرضى ونوه بذكره، ونبذ السواد وأبدله بالخضرة فهاجت بنو العباس، وخلعوا المأمون ثم بايعوا عمه إبراهيم بن المهدي، ولقبوه المبارك وعسكروا فحاربهم الحسن بن سهل فهزموه فتحيز إلى واسط ثم سار جيش المأمون عليهم حميد الطوسي، وعلي بن هشام فالتقوا إبراهيم فهزموه فاختفى زمانًا وانقطع خبره إلى أن ظفر به بعد ثمان سنين فعفا عنه المأمون. وكان المأمون عالما فصيحا مفوها، وكان يقول: معاوية بن أبي سفيان بعمره، وعبد الملك بحجاجه وأنا بنفسي وقد رويت هذه أن المنصور قالها. وعن المأمون أنه تلا في رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة. الحسين بن فهم: حدثنا يحيى بن أكثم قال لي المأمون: أريد أن أحدث. قلت: ومن

стр. 4629

أولى بهذا منك؟ قال: ضعوا لي منبرًا ثم صعد قال: فأول ما حدثنا عن هشيم عن أبي الجهم، عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار" (١). ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثًا، ونزل فقال: كيف رأيت أبا يحيى مجلسنا؟ قلت: أجل مجلس تفقه الخاصة، والعامة قال: ما رأيت له حلاوة إنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر. أبو العباس السراج: حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال: تقدم رجل غريب بيده محبرة إلى المأمون فقال: يا أمير المؤمنين! صاحب حديث منقطع به فقال: ما تحفظ في باب كذا وكذا؟ فلم يذكر شيئًا فقال: حدثنا هشيم، وحدثنا يحيى وحدثنا حجاج بن محمد حتي ذكر الباب، ثم سأله عن باب آخر فلم يذكر شيئًا فقال: حدثنا فلان، وحدثنا فلان ثم قال لأصحابه: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث، أعطوه ثلاثة دراهم. قلت: وكان جواد ممدحًا معطاء ورد عنه أنه فرق في جلسة ستة وعشرين ألف ألف درهم وكان يشرب نبيذ الكوفة. وقيل: بل يشرب الخمر، فالله أعلم. وقيل: إنه أعطى أعرابيًا مدحه ثلاثين ألف دينار. مسروق بن عبد الرحمن الكندي: حدثني محمد بن المنذر الكندي جار لعبد الله بن إدريس قال: حج الرشيد فدخل الكوفة فلم يتخلف إلَّا ابن إدريس، وعيسى بن يونس فبعث إليهما الأمين، والمأمون فحدثهما ابن إدريس بمائة حديث فقال المأمون: يا عم! أتأذن لي أن أعيدها حفظًا؟ قال: افعل فأعادها فعجب من حفظه، ومضيًا إلى عيسى فحدثهما فأمر له المأمون بشعرة آلاف درهم فأبى وقال: ولا شربة ماء على حديث رسول الله ﷺ . روى محمد بن عون عن ابن عيينة: أن المأمون جلس فجاءته امرأة فقالت: مات أخي وخلف ست مائة دينار فأعطوني دينارًا واحدًا، وقالوا: هذا ميراثك. فحسب

стр. 4630

المأمون وقال: هذا خلف أربع بنات. قالت: نعم قال: لهن أربع مائة دينار. قالت: نعم قال: وخلف أما فلها مائة دينار، وزوجة لها خمسة وسبعون دينارا بالله ألك اثنا عشر أخًا؟ قالت: نعم قال: لكل واحد ديناران ولك دينار. قال ابن الأعرابي: قال لي المأمون: خبرني عن قول هند بنت عتبة: نحن بنات طارق … نمشي على النمارق من هو طارق؟ فنظرت في نسبها فلم أجده فقلت: لا أعرف قال: إنما أرادت النجم انتسبت إليه لحسنها ثم دحا إلي بعنبرة بعتها بخمسة آلاف درهم. عن المأمون: من أراد أن يكتب كتابًا سرًا فليكتب بلبن حلب لوقته، ويرسله فيعمد إلى قرطاس فيحرقه، ويذر رماده على الكتابة فيقرأ له. قال الصولي: اقترح المأمون في الشطرنج أشياء، وكان يحب اللعب بها ويكره أن يقول: نلعب بها بل نتناقل بها. وعن يحيى بن أكثم قال: كان المأمون يجلس للمناظرة يوم الثلاثاء، فجاء رجل قد شمر ثيابه، ونعله في يده فوقف على طرف البساط، وقال: السلام عليكم فرد المأمون فقال: أتاذن لي في الدنو قال: ادن وتكلم قال: أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه جلسته باجتماع الأمة أم الغلبة والقهر؟ قال: لا بهذا ولا بهذا بل كان يتولى أمر الأمة من عقد لي ولأخي، فلما صار الأمر إلي علمت أني محتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين على الرضى بي، فرأيت أني متى خليت الأمر اضطرب حبل الإسلام، ومرج عهدهم وتنازعوا وبطل الحج والجهاد، وانقطعت السبل فقمت حياطة للمسلمين إلى أن يجمعوا على من يرضونه فأسلم إليه. فقال: السلام عليك ورحمة الله، وذهب فوجه المأمون من يكشف خبره فرجع فقال: مضى إلى مسجد فيه خمسة عشر رجلًا في هيئته فقالوا: لقيت الرجل؟ قال: نعم وأخبرهم بما جرى فقالوا: ما نرى بما قال بأسًا، وافترقوا. فقال المأمون: كفينا مؤنة هؤلاء بأيسر الخطْب. وقيل: إن المأمون استخرج كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرس وقدم دمشق مرتين. قال أبو معشر المنجم: كان أمارًا بالعدل محمود السيرة ميمون النقيبة، فقيه النفس يعد من كبار العلماء.

стр. 4631

وروي عن الرشيد قال: إني لأعرف في عبد الله بن حزم المنصور، ونسك المهدي وعزة الهادي ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع يعني: نفسه لفعلت، وقد قدمت محمدًا عليه وإني لأعلم أنه منقاد إلى هواه مبذر لما حوته يداه يشارك في رأيه الإماء، ولولا أم جعفر وميل الهاشميين إليه لقدمت عليه عبد الله. عن المأمون قال: لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إلي بالجرائم، وأخاف أن لا أوجر فيه. وعن يحيى بن أكثم: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا. قيل: مر ملاح فقال: أتظنون أن هذا ينبل عندي، وقد قتل أخاه الأمين؟ فسمعها المأمون فتبسم، وقال: ما الحيلة حتى أنبل في عين هذا السيد الجليل؟. قيل: أهدى ملك الروم للمأمون نفائس، منها مائة رطل مسك، ومائة حلة سمور فقال المأمون: أضعفوها له ليعلم عز الإسلام. وقيل: أدخل خارجي على المأمون فقال: ما حملك على الخلاف؟ قال: قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ [المائدة: ٤٤]، قال: ألك علم بأنها منزلة؟ قال: نعم قال: وما دليلك؟ قال: إجماع الأمة قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل. قال: صدقت السلام عليك يا أمير المؤمنين!. الغلابي: حدثنا مهدي بن سابق قال: دخل المأمون ديوان الخراج فرأى غلامًا جميلًا على أذنه قلم فأعجبه جماله فقال: من أنت؟ قال: الناشئ في دولتك، وخريج أدبك والمتقلب في نعمتك يا أمير المؤمنين حسن بن رجاء فقال: يا غلام! بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول. ثم أمر برفع رتبته، وأمر له بمائة ألف. وعن المأمون قال: أعياني جواب ثلاثة: صرت إلى أم ذي الرياستين الفضل بن سهل أعزيها فيه، وقلت: لا تأسي عليه فإني عوضه لك قالت: يا أمير المؤمنين! وكيف لا أحزن على ولد أكسبني مثلك. قال: وأتيت بمتنبئ فقلت: من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران قلت: ويحك! موسى كانت له آيات فائتني بها حتى أومن بك قال: إنما أتيت بالمعجزات فرعون فإن قلت: أنا ربكم الأعلى كما قال أتيتك بالآيات. وأتى أهل الكوفة يشكون عاملهم فقال خطيبهم: هو شر عامل أما في أول سنة، فبعنا

стр. 4632

الأثاث والعقار، وفي الثانية بعنا الضياع، وفي الثالثة نزحنا وأتيناك. قال: كذبت بل هو محمود وعرفت سخطكم على العمال قال: صدقت يا أمير المؤمنين! وكذبت قد خصصتنا به مدة دون باقي البلاد فاستعمله على بلد آخر. ليشملهم من عدله وإنصافه ما شملنا فقلت: قم في غير حفظ الله قد عزلته. أول قدوم المأمون من خراسان سنة أربع، ومائتين فدخل بغداد في محمل لم يسمع بمثله. قال إبراهيم نفطويه: حكى داود بن علي عن يحيى بن أكثم قال: كنت عند المأمون، وعنده قواد خراسان، وقد دعا إلى القول بخلق القرآن فقال لهم: ما تقولون في القرآن؟ فقالوا: كان شيوخنا يقولون: ما كان فيه من ذكر الحمير، والجمال والبقر فهو مخلوق فأما إذ قال أمير المؤمنين: هو مخلوق فنحن نقول: كله مخلوق فقلت للمأمون: أتفرح بموافقة هؤلاء? قلت: وكان شيعيًا. قال نفطويه: بعث المأمون مناديا فنادى في الناس ببراءة الذمة ممن ترحم على معاوية، أو ذكره بخير، وكان كلامه في القرآن سنة اثنتي عشرة، ومائتين فأنكر الناس ذلك واضطربوا، ولم ينل مقصوده ففتر إلى وقت. وعن المأمون قال: الناس ثلاثة: رجل منهم مثل الغذاء لا بد منه، ومنهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض، ومنهم كالداء مكروه على كل حال. وعنه قال: لا نزهة ألذ من النظر في عقول الرجال. وعنه: غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة. وعنه: الملك يغتفر كل شيء إلَّا القدح في الملك وإفشاء السر والتعرض للحرم. وعنه: أعيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يدبر وإذا أدبر أن يقبل. وقيل له: أي المجالس أحسن؟ قال: ما نظر فيه إلى الناس فلا منظر أحسن من الناس. أبو داود المصاحفي: حدثنا النضر بن شميل قال: دخلت على المأمون فقلت: إني قلت اليوم هذا: أصبح ديني الذي أدين به … ولست منه الغداة معتذرا حب علي بعد النبي ولا … أشتم صديقه ولا عمرا

стр. 4633

وابن عفان في الجنان مع ال … أبرار ذاك القتيل مصطبرا وعائش الأم لست أشتمها … من يفتريها فنحن منه برا قيل: إن المأمون لتشيعه أمر بالنداء بإباحة المتعة متعة النساء فدخل عليه يحيى بن أكثم، فذكر له حديث علي ﵁ بتحريمها، فلما علم بصحة الحديث رجع إلى الحق، وأمر بالنداء بتحريمها. أما مسألة القرآن فما رجع عنها، وصمم على امتحان العلماء في سنة ثماني عشرة، وشدد عليهم فأخذه الله. وكان كثير الغزو وفي ثاني سنة من خلافته: خرج عليه بالكوفة محمد بن طباطبا العلوي يدعو إلى الرضا من آل محمد والعمل بالسنة، وكان مدير دولته أبو السرايا الشيباني، ويسرع الناس إليه وبادر إليه الأعراب. فالتقاه عسكر المأمون عليهم زهير بن المسيب فانهزموا، وقوي أمر العلوي ثم أصبح ميتًا فجأة فقيل: سمه أبو السرايا، وأقام في الحال مكانة أمرد علويًا ثم تجهز لحربهم جيش فكسروا، وقتل مقدمهم عبدوس المروروذي، وقوي الطالبيون، وأخذوا واسطًا والبصرة، وعظم الخطب ثم حشد الجيش عليهم هرثمة وجرت فصول طويلة، والتقوا غير مرة ثم هرب أبو السرايا والطالبيون من الكوفة، ثم قتل أبو السرايا سنة مائتين وهاجت العلوية بمكة وحاربوا، وعظم هرثمة بن أعين وأعطي إمرة الشام، فلم يرض بها وذهب إلى مرو فقتلوه. ثم في سنة إحدى ومائتين: جعل المأمون ولي عهده عليا الرضا، ولبس الخضرة، وثارت العباسية، فخلعوه، وفيها تحرك بابك الخرمي بأذربيجان وقتل وسبى، وذكر الرضا للمأمون ما الناس فيه من الحرب والفتن منذ قتل الأمين، وبما كان الفضل بن سهل يخفيه عنه من الأخبار، وأن أهل بيته قد خرجوا ونقموا أشياء، ويقولون: هو مسحور، وهو مجنون قال: ومن يعرف هذا؟ قال: عدة من أمرائك فاسألهم. فأبوا أن ينطقوا إلَّا بأمان من الفضل فضمن ذلك فبينوا له، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعتك وفتح الأمصار، وقاد إلى أمير المؤمنين الخلافة ثم أخرج من ذلك كله، وصير في الرقة ولو كان على العراق حاكمًا لضبطها بخلاف الحسن بن سهل. وقالوا له: فسر إلى العراق فلو رآك القواد لأذعنوا بالطاعة فقال: سيروا فلما علم الفضل ضرب بعضهم وحبس آخرين وما أمكن المأمون مبادرته، فسار من مرو الى سرخس فشد قوم علي الفضل، فقتلوه في حمام في شعبان سنة اثنتين ومائتين عن ستين سنة، فجعل المأمون لمن جاء بقاتليه عشرة آلاف

стр. 4634

دينار وكانوا أربعة من مماليك المأمون فقالوا: أنت أمرتنا بقتله فأنكر، وضرب أعناقهم. وضعف أمر إبراهيم بن المهدي بعد محاربة وبلاء. وفي سنة ٢٠٣: مات الرضى فجأة. وفي سنة أربع: وصل المأمون فتلقاه إلى النهروان بنو العباس، وبنو أبي طالب، وعتبوا عليه في لبس الخضرة فتوقف ثم أعاد السواد. وفيها: التقى يحيى بن معاذ أمير الجزيرة بابك الخرمي، وولي طاهر جميع خراسان، وأمر له بعشرة آلاف ألف درهم. وفيها -أعني: سنة ٢٠٥: نصر المسلمون على بابك وبيتوه. وفي سنة سبع: خرج باليمن علوي فأمنه المأمون وقدم. ومات طاهر، ويقال: إنه كان قد قطع دعوة المأمون قبل موته وخرج فقام بعده ابنه طلحة فولاه المأمون خراسان، فبقي سبعة أعوام ومات فوليها أخوه عبد الله بن طاهر. وكانت الحروب شديدة بين عسكر الإسلام، وبين بابك وظهر باليمن الصناديقي، وقتل وسبى وادعى النبوة ثم هلك بالطاعون. وخرج حسن أخو طاهر بن الحسين بكرمان فظفر به المأمون وعفا عنه. وكان المأمون يجل أهل الكلام، ويتناظرون في مجلسه وسار صدقة بن علي لحرب بابك فأسره بابك، وتمرد، وعتا. وفي سنة عشر: دخل المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل بواسط وأقام عندها بجيشه سبعة عشر يومًا فكانت نفقة الحسن على العرس، وتوابعه خمسين ألف ألف درهم فملكه المأمون مدينة، وأعطاه من المال خمس مائة ألف دينار. وفي سنة إحدى عشرة: قهر بن طاهر المتغلبين على مصر وأسر جماعة. وفي سنة اثنتي عشرة: سار محمد بن حميد الطوسي لمحاربة بابك، وأظهر المأمون تفضيل علي على الشيخين، وأن القرآن مخلوق، واستعمل على مصر والشام أخاه المعتصم، فقتل طائفة وهذب مصر ووقع المصاف مع بابك مرات. وفي سنة خمس عشرة: سار المأمون لغزو الروم ومن غزوته عطف إلى دمشق. وفي سنة ست عشرة: كر غازيًا في الروم، وجهز أخاه المعتصم ففتح حصونًا. ودخل

стр. 4635

سنة سبع عشرة مصر وقتل المتغلب عليها عبدوسًا الفهري ثم كر إلى أذنة، وسار فنازل لؤلؤة وحاصرها مائة يوم وترحل. وأقبل توفيل طاغية الروم ثم، وقعت الهدنة بعد أن كتب توفيل فبدأ بنفسه، وأغلظ في المكاتبة فغضب المأمون، وعزم على المسير إلى قسطنطينية فهجم الشتاء. وفيها: وقع حريق عظيم بالبصرة أذهب أكثرها. وفي سنة ٢١٨: اهتم المأمون ببناء طوانة، وحشد لها الصناع وبناها ميلًا في ميل، وهي وراء طرطوس، وافتتح عدة حصون وبالغ في محنة القرآن، وحبس إمام الدمشقيين أبا مسهر بعد أن وضعه في النطع للقتل، فتلفظ مكرهًا. وكتب المأمون إلى نائبه على العراق إسحاق بن إبراهيم الخزاعي كتابًا يمتحن العلماء يقول فيه: وقد عرفنا أن الجمهور الأعظم والسواد من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر لهم، ولا روية أهل جهالة وعمى عن أن يعرفوا الله كنه معرفته ويقدروه حتى قدره، ويفرقوا بينه وبين خلقه فساووا بين الله، وبين خلقه، وأطبقوا علي أن القرآن قديم لم يخترعه الله، وقد قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾ [الزخرف: ٣]، فكل ما جعله فقد خلقه كما قال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ [الأنعام: ١]، وقال: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَق﴾ [طه: ٩٩] فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها. وقال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] والله محكم له فهو خالقه ومبدعه. إلى أن قال: "فمات قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فرأى أمير المؤمنين أنهم شر الأمة ولعمرو أمير المؤمنين إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه ولم يعرف الله حق معرفته، فاجمع القضاة وامتحنهم فيما يقولون، وأعلمهم أني غير مستعين في عمل ولا واثق بمن لا يوثق بدينه فإن وافقوا، فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن، ورد شهادة من لم يقر أنه مخلوق". وكتب المأمون أيضًا في أشخاص سبعة: محمد بن سعد، وابن معين وأبي خيثمة، وأبي مسلم المستملي وإسماعيل بن داود وأحمد الدورقي، فامتحنوا فأجوا قال ابن معين: جبنا خوفًا من السيف، وكتب بإحضار من امتنع منهم: أحمد بن حنبل وبشر بن الوليد وأبي حسان الزيادي والقواريري وسجادة، وعلي بن الجعد وإسحاق بن أبي إسرائيل، وعلي بن أبي مقاتل، وذيال بن الهيثم وقتيبة بن سعيد، وسعدويه في عدة فتلكأ طائفة، وصمم أحمد وابن نوح فقيدا وبعث بهما فلما بلغا الرقة تلقاهم موت

стр. 4636

المأمون وكان مرض بأرض الثغر. فلما احتضر طلب ابنه العباس ليقدم فوافاه بآخر رمق، وقد نفذت الكتب إلى البلدان فيها: من المأمون، وأخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده فقيل: وقع ذلك بغير أمر المأمون وقيل: بل بأمره. وأشهد على نفسه عند الموت أن عبد الله بن هارون أشهد عليه أن الله وحده لا شريك له، وأنه خالق، وما سواه مخلوق ولا يخلو القرآن من أن يكون شيئًا له مثل والله لا مثل له والبعث حق، وإني مذنب أرجو وأخاف، وليصل على أقربكم وليكبر خمسًا فرحم الله عبدًا اتعظ وفكر فيما حتم الله على جميع خلقه من الفناء، فالحمد لله الذي توحد بالبقاء ثم لينظر امرؤ ما كنت فيه من عز الخلافة، هل أغنى عني شيئًا إذ نزل أمر الله بي؟ لا والله لكن أضعف به على الحساب فيا ليتني لم أك شيئًا. يا أخي! ادن مني، واتعظ بما ترى وخذ بسيرة أخيك في القرآن، واعمل في الخلافة إذ طوقكها الله عمل المريد لله الخائف من عقابه، ولا تغتر فكأن قد نزل بك الموت. ولا تغفل أمر الرعية الرعية الرعية فإن الملك بهم الله الله فيهم وفي غيرهم. يا أبا إسحاق عليك عهد الله لتقومن بحقه في عباده، ولتؤثرن طاعته علي معصيته. فقال: اللهم نعم هؤلاء بنو عمك من ذرية علي ﵁ أحسن صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم. ثم مات في رجب في ثاني عشرة سنة ثمان عشرة ومائتين، وله ثمان وأربعون سنة توفي: بالبذندون فنقله ابنه العباس ودفنه بطرسوس في دار خاقان خادم أبيه. قال الأصمعي: كان نقش خاتمه: عبد الله بن عبيد الله. وله من الأولاد: محمد الكبير والعباس، وعلي ومحمد وعبيد الله، والحسن وأحمد وعيسى وإسماعيل، والفضل وموسى وإبراهيم ويعقوب وحسن وسليمان، وهارون وجعفر وإسحاق وعدة بنات.

стр. 4637

١٦١٠ - المعتصم (١): الخليفة أبو إسحاق محمد بن الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور العباسي. ولد سنة ثمانين ومائة وأمه: ماردة أم ولد. روى عن: أبيه وأخيه المأمون يسيرًا. روى عنه: إسحاق الموصلي وحمدون بن إسماعيل. بويع بعهد من المأمون في رابع عشر رجب سنة ثمان عشرة. وكان أبيص أصهب اللحية طويلها ربع القامة مشرب اللون ذا قوة وبطش، وشجاعة وهيبة لكنه نزر العلم. قيل: كان معه غلام في المكتب فمات الغلام فقال له أبوه: يا محمد! مات غلامك؟ قال: نعم يا سيدي واستراح من الكتاب. فقال: أو إن الكتاب ليبلغ منك هذا؟ دعوه. فكانت قراءته صعيفة. قال خليفة: حج بالناس سنة مائتين. قال الرياشي: كتب طاغية الروم إلى المعتصم يتهدده، فأمر بجوابه فلما عرض عليه رماه، وقال للكاتب: اكتب أما بعد فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٤٢]. قلت: وامتحن الناس بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار، وأخذ بذلك المؤذنين، وفقهاء المكاتب ودام ذلك حتى أزاله المتوكل بعد أربعة عشر عامًا. وكان في سنة (٢١٨): الوباء المفرط والقحط بمصر، ومات أكثرهم وأمر المعتصم بهد طوانة التي بذر المأمون في بنائها من عامين بيوت الأموال، واشتد البلاء ببابك وهزم الجيوش، ودخل في دينه خلائق من العجم، وعسكر بهمذان فبرز لقتاله إسحاق المصعبي، فكانت ملحمة عظمى فيقال: قتل منهم ستون ألفًا وهرب باقيهم إلي الروم. وظهر سنة (٢١٩): محمد بن القاسم العلوي يدعو إلى الرضا من آل محمد وتمت له حروب إلي أن قيده ابن طاهر ثم هرب من السجن وأضمرته البلاد. وفي سنة عشرين: عقد المعتصم للأفشين في جيش لجب لقتال بابك فتمت ملحمة انهزم فيها بابك إلى موغان، ومنها إلى مدينة تسمى البذ. وفي رمضان: كانت محنة الإمام أحمد في القرآن وضرب بالسياط حتى زال عقله، ولم يجب فأطلقوه، وأمر المعتصم بإنشاء مدينة سامرا اشترى أرضها من رهبان بالقاطول، وغضب علي وزيره الفضل بن مروان، وأخذ منه نحوا من عشرة آلاف ألف دينار، ونفاه،

стр. 4638

واستوزر محمد بن الزيات واعتنى باقتناء المماليك الترك، وبعث إلى النواحي في شرائهم، وألبسهم الحرير والذهب. وفي سنة ٢٢١: كانت وقعة بين العسكر وبابك. وحج فيها حنبل فقال: رأيت كسوة الكعبة، وقد كتب فيها في الدارات: ليس كمثله شيء، وهو اللطيف الخبير، فحدثت به أبا عبد الله فقال: قاتل الله الخبيث عمد إلى كلام الله فغيره عني ابن أبي داود. وفي سنة اثنتين، وعشرين: كان المصاف بين بابك الخرمي، وبين الأفشين فطحنه الأفشين، واستباح عسكره، وهرب ثم إنه أسر بعد فصول طويلة، وكان أحد الأبطال أخاف الإسلام وأهله، وهزم الجيوش عشرين سنة، وغلب على أذربيجان وغيرها وأراد أن يقيم الملة المجوسية، وظهر في أيامه المازيار أيضًا بالمجوسية بطبرستان، وعظم البلاء. وكان المعتصم والمأمون قد أنفقوا على حرب بابك قناطير مقنطرة من الذهب والفضة، ففي هذه السنة بعث المعتصم نفقات إلي جيشه مع الأفشين، فكانت ثلاثين ألف ألف درهم، وأخذت البذ مدينة بابك اللعين، واختفى في غيضة وأسر أهله وأولاده وقطع دابر الخُرَّمِية. ثم ورد أمان من المعتصم لبابك، فبعث به الأفشين إليه مع اثنين وكتب ابنه إليه يشير عليه بقبول الأمان فلما دخلا إلى الشعراء التي فيها بابك قتل أحدهما، وقال للآخر: امض إلى ابن الفاعلة ابني فقل: لو كان ابني للحق بي ثم مزق الأمان وفارق الغيضة وصعد الجبل في طرق يعرفها لا تسلك. وكان الأفشين قد رتب الكمناء في المضايق، فنجا بابك ولجأ إلى جبال أرمينية فلقيه سهل البطريق فقال: الطلب وراءك فانزل عندي فنزل وركن إليه فبعث البطريق إلى الأفشين بذلك فجاء فرسان فأحاطوا به، وأخذوه. وكان المعتصم قد جعل لمن جاء به حيا ألف درهم، ولمن جاء برأسه ألف ألف فأعطي البطريق ألف ألف، وأطلق له خراجه عشرين سنة. وقال المسعودي: هرب بابك بأخيه وأهله وخواصه في زي التجار، فنزل بأرض أرمينية بعمل سهل بن سنباط فابتاعوا شاة من راع فنكرهم فأتى سهلا فأعلمه، فقال: هذا بابك بلا شك فركب في أجناده حتى أتى بابك فترجل وسلم عليه بالملك وقال: قم إلى قصرك فأنا عبدك فمضى معه، ومد السماط له وأكل معه فقال بابك: أمثلك يأكل معي؟! فوقف واعتذر ثم أحضر حدادًا ليقيده، فقال: أغدرًا يا سهل؟ قال: يا ابن

стр. 4639

الفاعلة، إنما أنت راعي بقر. ثم قيد أتباعه، وكاتب الأفشين فجهز أربعة آلاف فتسلموه، وجاء سهل فخلع عليه الأفشين وبعثت بطاقة بذلك إلى بغداد فضج الناس بالتكبير، والشكر لله ثم قدموا ببابك في صفر سنة ثلاث. وكان المعتصم يبعث كل يوم بخلعة وفرس للأفشين، ومن سروره بذلك رتب البريد منه إلى الأفشين، فكان يجيئه الخبر في أربعة أيام، وذلك مسيرة شهر. ثم أتى أحمد بن أبي داود متنكرًا في الليل، فشاهد بابك ثم أعلم المعتصم فما صبر وأتاه متنكرًا فتأمله. وكان هذا الشقي ثنويًا على دين ماني، ومزدك يقول بتناسخ الأرواح ويستحل البنت وأمها. وقيل: كان ولد زنى وكانت أمه عوراء يقال لها: رومية العلجة، وكان علي بن مزدكان يدعي أنه زنى بها وبابك منه. وقيل: كانت صعلوكة من قرى أذربيجان فزنى بها نبطي فحملت منه ببابك فربي بابك أجيرًا في القرية، وكان هناك قوم من الخرمية لهم كبيران: جاوندان، وعمران فتفرس جاوندان النجابة في بابك فاكتراه من أمه، فهويته زوجة جاوندان وأطلعته على الأسرار. ثم قتل زوجها في محاربة لابن عمه فزعمت أن زوجها استخلف بابك فصدقها الجميع. فأمرهم أن يقتلوا من وجدوه في الليل فأصبح عدة قتلى وانضاف إليهم كل شرير، وقاطع طريق وصار أمر بابك إلى ما صار، وكانت دولته عشرين سنة بل أزيد وكان معه نحو من عشرين ألف مقاتل فارغين من الدين، وبعضهم زنادقة وقتلوا وسبوا وأخذوا الحصون. نعم وأمر المعتصم فأركب بابك فيلا وألبسه الديباج وقلنسوة كبيرة من سمور، وطافوا به ثم قطعت أربعته، وهو ساكت ثم ذبح وطيف برأسه بسامراء ثم بعث بأخيه إلى بغداد فعمل به كذلك. ويقال: كان أشجع من بابك فقال: يا بابك! قد عملت ما لم يعمله أحد فاصبر صبرًا لم يصبره أحد قال: سوف ترى فلما قطعوا يده خضب صورته بالدم فقال المعتصم: لم فعلت؟ قال: إنك أمرت بقطع أطرافي، وفي نفسك أن لا تكويها فينزف الدم فيصفر لوني فتظنونه جزعًا مني فقال: لولا أن أفعاله لا تسوغ الصنيعة، والعفو لاستبقيته ثم أحرق. وقيل: إنه أباد من الأمة خلائق وبخط الإمام ابن الصلاح: أن قتلى بابك بلغوا ألف ألف، وخمس مائة ألف، وأحصي قتلى أبي مسلم الخراساني فبلغوا ألفي ألف. وفيها: التقى طاغية الروم والأفشين فهزمه، ولكن بعد أيام. وخرب المعتصم أنقرة،

стр. 4640

وأنكى في الروم. وأخذ عمورية عنوة وأوطأ الروم خوفًا وذلا، وأخذ بثأر الإسلام من الطاغية توفيل بن ميخائيل الذي أغار على زبطرة وملطية، فدخل المعتصم الروم في مائتي ألف مقاتل، وأزيد حتى لقيل: كان في خمس مائة ألف، وصمم على محاصرة قسطنطينية فأتاه ما أزعجه من خروج العباس بن المأمون عليه فظفر بالعباس، وكان العباس بديع الحسن، وكان بليدًا غزا في أيام أبيه الروم، وولي الحزيرة وذهبت منه الخلافة بغيبته ثم نخاه عجيف، وشجعه علي الخروج ووافقه عدة أمراء وعرف المعتصم، فأخذ العباس. فقيل: غمه بكساء حتى تلف بمنبج. وقيل: إن يحيى بن أكثم نظر إليه فتبسم المأمون، فروى يحيى حديثا في النظر إلى الوجه الحسن فقال المأمون: اتق الله فهذا الحديث كذب. ولما عظم الأفشين باستئصاله لبابك، طلب نيابة خراسان، وبلغه خروج المازيار، ومحاربته لابن طاهر، فدس من استماله له وقوى عزمه، وخرب المازيار البلاد وقتل وعسف. ثم جهز المعتصم في سنة أربع وعشرين الأفشين لحربه، وبعث ابن طاهر جيشًا عليهم عمه لحربه أيضًا، وجرت حروب يطول بسطها وقتل المازيار. وفي سنة خمس: قبض المعتصم على الأفشين، وكان عدوا لابن طاهر، وابن أبي داود فعقراه، وألقيا في ذهن المعتصم أنه يريد قتلك فتهدد كاتبه فاعترف، وقال: أمرني أن أكتب إلى المازيار: إنه لم يبق غيري وغيرك، وجيش الخليفة عند ابن طاهر وما عند الخليفة سواي، فإن هزمت ابن طاهر كفيتك المعتصم، ويخلص لنا الدين الأبيض -يعني المجوسية- وكان يتهم بها. فوهب المعتصم للكاتب ذهبًا، وقال: إن نطقت قتلتك. وعن ابن أبي داود قال: دخلت عليه، وهو يبكي ويقلق، وقال لي: رجل أنفقت عليه ألفي ألف دينار ويريد قتلي قد تصدقت بعشرة آلاف ألف درهم فخذها ففرقها. وكان الأفشين قد بعث أموالا له إلى أشروسنة، وهم بالهرب إليها، ثم هيأ دعوة ليسم فيها المعتصم وقواده فإن لم يجئ سم القواد ويذهب إلى أرمينية ومنها إلى أشروسنة فما تهيأ له ذلك، وقبض عليه المعتصم، وعلي ابنه حسن، وأتي بالمازيار أسيرًا. فقيل: أحضر هو والأفشين وموبذ ملك السغد، ومرزبان عند المعتصم فأحضر اثنان فعريا فإذا أجنابهما عرية من اللحم فقال ابن الزيات للأفشين: يا حيدر تعرفهما؟ قال: نعم هذا مؤذن، وهذا إمام بنيا مسجدًا بأشروسنة ضربتهما ألف سوط؛ لأن بيني

стр. 4641

وبين ملوك السغد عهدا أن أترك كل قوم على دينهم، فوثب هذان على بيت أصنام أشروسنة فرميًا الأصنام وعملاه مسجدًا فضربتهما. قال ابن الزيات: فما كتاب قد زينته بالذهب، والجواهر فيه الكفر؟ قال: كتاب ورثته من أبي فيه أداب، وحكم للأكاسرة فآخذ منه الأدب، وأدع ما سواه مثل كتاب كليلة ودمنة. فقال ابن الزيات للموبذ: ما تقول؟ قال: إنه يأكل المخنوقة، ويحملني على أكلها ويقول: لحمها أرطب. وقال لي: إني دخلت لهؤلاء في كل ما أكره حتى أكلت الزيت، وركبت الجمل ولبست النعل غير أني ما حلقت عانتي قط، ولم يختتن، وكان الموبذ مجوسيًا، وأسلم بعد. قال الأفشين: خبروني عن هذا المتكلم أثفة هو في دينه؟ قالوا: لا فكيف تصدقونه؟ فقام المرزبان فقال: يا أفشين كيف يكتب إليك أهل مملكتك؟ قال: كما يكتبون إلي آبائي: إلى الإله من عبده. قال ابن أبي داود: فما أبقيت لفرعون؟ قال: خفت فسادهم بتغيير العادة. قال له إسحاق بن إبراهيم المصعبي: كيف تحلف فنصدقك وأنت تدعي ما يدعي فرعون؟ قال: يا إسحاق هذه سورة قرأها عجيف على علي بن هشام، وأنت تقرؤها علي فانظر من يقرؤها عليك. ثم تقدم مازيار فقيل: أتعرفه؟ قال: نعم قالوا: هل كاتبته؟ قال: لا فقالوا للمازيار: أكتب إليك؟ قال: كتب إلي أخوه على لسانه: إنه لم يكن ينصر هذا الدين الأبيض غيري، وغيرك وغير بابك فأما بابك فبحمقه قتل نفسه، فإن خالفت لم يكن للخليفة من يرى لقتالك غيري، ومعي الفرسان وأهل النجدة والبأس، فإن وجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلَّا العرب والمغاربة والأتراك، فأما العربي فمنزلته ككلب أطرح له كسرة ثم أضرب رأسه بالدبوس، وهؤلاء الذئاب يعني: المغاربة فأكلة رأس وأما التركي فإنما هي ساعة، وتنفد سهامهم ثم تجول عليهم الخيل جولة، ويعود الدين إلى ما كان. فقال الأفشين: هذا يدعي على أخي ولو كنت قد كتبت بهذا إليه لأخدعه، لكان غير مستنكر وكنت آخذ برقبته. فزجره ابن أبي داود وقال: أختين أنت؟ قال: لا. قال: لم؟ قال: خفت التلف. قال: أنت تلقي الحروب، وتخاف من قطعة قلفة؟ قال: تلك ضرورة أصبر عليها وتلك القلفة لا أخرج بها من الإسلام فقال أحمد: قد بان لكم أمره. وفيها: سقطت أكثر الأهواز من الزلزلة ودامت أيامًا. وفي سنة ست: وقع برد كالبيض من السماء قتل ثلاث مائة وسبعين نفسًا.

стр. 4642

ومنع الأفشين المذكور من الطعام، حتى هلك ثم صلب ميتا وأحرق مع أصنام عنده، وهو من أولاد الأكاسرة، وكان أكبر الدولة. وأما المازيار واسمه محمد بن قارن فظالم غاشم جبار ظهر بطبرستان، وحارب عسكر المعتصم، ثم أسر فضرب حتى مات وصلب، وترك أموالًا لا تنحصر. وفي سنة ٢٢٧: ظهر أبو حرب المبرقع بفلسطين! وزعم أنه السفياني، ودعا إلى إقامة الحق، وكان قتل جنديًا آذى زوجته ثم ألبس وجهه برقعًا، وأقام بالغور واستفحل أمره واجتمع عليه أهل البر، وتفاقم الأمر فسار لحربه أمير دمشق رجاء الحصاري في ألف فارس فوجده في زهاء مائة ألف فهابه فلما جاء وقت الزراعة، تفرقوا حتي بقي في نحو ألفين فالتقوا وكان المبرقع شجاعًا مقدامًا، فحمل على الجيش فأفرجوا فأحاطوا به فأسروه وسجن فمات. قال ابن عائذ: واقع رجاء أهل المرج وجسرين، وكفر بطنا وسقبا وقتل خلق. وقيل: بيت أهل كفر بطنا فقتل أزيد من مائة ألف، وقتل الأطفال وقتل من الجند ثلاث مائة. قال نفطويه: يقال للمعتصم: المثمن فإنه ثامن بني العباس، وتملك ثماني سنين وثمانية أشهر، وله فتوحات ثمانية: بابك وعمورية والزط، وبحر البصرة وقلعة الأجراف وعرب ديار ربيعة والشاري، وفتح مصر يعني: قهر أهلها قبل خلافته وقتل ثمانية: بابك والأفشين ومازيار وباطيس ورئيس الزنادقة و عجيفًا وقارون وأمير الرافضة. وقال غير نفطويه: خلف من الذهب ثمانية آلاف ألف دينار وثمانية عشر ألف ألف درهم، وثمانين ألف فرس وثمانية آلاف مملوك، وثمانية آلاف جارية وبنى ثمانية قصور، وقيل: بلغ مماليكه ثمانية عشر ألفًا، وكان ذا سطوة إذا غضب لا يبالي من قتل. قال إسحاق الموصلي: دخلت عليه وعنده قينة تغني فقال: كيف ترى؟ قلت: تقهر الغناء برفق، وتجيله برفق وتخرج من شيء إلى ما هو أحسن منه، وفي صوتها شجًا وشذور أحسن من در علي نحور فقال: وصفك لها أحسن خذها لك فامتنعت لعلمي بمحبته لها فأعطاني مقدار قيمتها. قيل: لما تجهز لغزو عمورية زعم المنجمون أنه طالع نحس ويكسر فانتصر، فقال أبو تمام تلك القصيدة:

стр. 4643

السيف أصدق أنباء من الكتب … في حده الحد بين الجد واللعب والعلم في شهب الأرماح لامعة … بين الخميسين لا في السبعة الشهب أين الرواية أم أين النجوم وما … صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرصًا وأحاديثًا ملفقة … ليست بنبع إذا عدت ولا غرب عن أحمد بن أبي دواد، قال: كان المعتصم يخرج إلي ساعده، ويقول: عضه بأكبر قوتك. فأقول: ما تطيب نفسي فيقول: لا يضرني فأروم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلًا عن الأسنان. وقبض على جندي ظالم فسمعت صوت عظامه ثم أرسله فسقط. وعن ابن أبي دواد وذكر المعتصم فبالغ، وقال: كنت أزامله في سفره ووصف سعة أخلاقه. قال الخطيب: كثر عسكر المعتصم وضاقت عليهم بغداد، فبنى مدينة سر من رأى، وتحول إليها. وتسمى أيضًا: العسكر. وقيل: كان عليق دواب المعتصم خمسين ألف مخلاة. وقيل: إنه قال في مرضه: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَة﴾. [الأنعام: ٤٤]. وقال علي بن الجعد: جعل المعتصم يقول: ذهبت الحيلة فليس حيلة حتى صمت. وقيل: إنه قال: أوخذ وحدي من بين هذا الخلق. وله نظم وسط وكلمات جيدة. وقيل: إنه جعل زند رجل بين أصبعيه فكسره. قيل: إنه قال: عاقل عاقل مرتين أحمق. قال إسحاق المصعبي: والله ما رأيت مثل المعتصم رجلًا لقد رأيته يملي كتابًا، ويقرأ كتابًا ويعقد بيده، وإنه لينشد شعرًا يتمثل به. مات المعتصم: يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وله سبع وأربعون سنة وسبعة أشهر، ودفن بسر من رأى وصلى عليه ابنه الواثق. وقيل: إنه قال: اللهم إني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك وأرجوك من قبلك قبلي ولا أرجوك من قبلي. ولنذكر معه ابنه الواثق. وله من الولد أيضًا: جعفر المتوكل والعباس وعلي، وأحمد ومحمد وعبد الله، وسليمان وإبراهيم وفاطمة وأم القاسم، وأم العباس وأم موسى وعائشة وأم الفضل وأم محمد، وأم عيسى وأم موسى، وأم أبيها وأم عبد الله.

стр. 4644

١٦١١ - الواثق بالله (١): الخليفة أبو جعفر وأبو القاسم هارون بن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد بن المهدي محمد بن المنصور العباسي البغداي، وأمه: رومية اسمها قراطيس أدركت خلافته ولي الأمر بعهد من أبيه في سنة (٢٢٧). وكان مولده في شعبان سنة ست وتسعين ومائة. قال يحيى بن أكثم: ما أحسن أحد إلى الطالبيين ما أحسن إليهم الواثق! ما مات وفيهم فقير. وقال حمدون بن إسماعيل: كان الواثق مليح الشعر، وكان يجب مولى أهداه له من مصر شخص فأغضبه فحرد حتى قال لبعض الخدم: والله إن مولاي ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل فعمل الواثق: يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا … ما أنت إلَّا مليك جار إذ قدرا لولا الهوى لتجازينا على قدر … وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى قال الخطيب: استولى أحمد بن أبي داود على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة، والدعاء إلى خلق القرآن. وقيل: إنه رجع عن ذلك قبيل موته. قال عبيد الله بن يحيى: حدثنا إبراهيم بن أسباط قال: حمل رجل مقيد فأدخل على ابن أبي دواد بحضور الواثق فقال لأحمد: أخبرني عن ما دعوتم الناس إليه أعلمه رسول

стр. 4645

الله ﷺ فما دعا إليه أم شيء لم يعلمه؟ قال: بل علمه. قال: فكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه، وأنتم لا يسعكم؟ فبهتوا، وضحك الواثق، وقام قابضًا على فمه ودخل مجلسًا، ومد رجليه وهو يقول: أمر وسع رسول الله ﷺ أن يسكت عنه، ولا يسعنا! ثم أمر أن يعطى الشيخ ثلاث مائة دينار، وأن يرد إلى بلده. وعن طاهر بن خلف قال: سمعت المهتدي بالله بن الواثق يقول: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلًا أحضرنا. قال: فأتي بشيخ مخضوب مقيد فقال أبي: ائذنوا لأحمد بن أبي دواد وأصحابه، وأدخل الشيخ فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين. فقال: لا سلم الله عليك قال: بئس ما أدبك مؤدبك قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، فقال أحمد: الرجل متكلم قال: كلمة فقال: يا شيخ ما تقول في القرآن؟ قال: لم تنصفني ولي السؤال. قال: سل قال: ما تقول أنت؟ قال: مخلوق. قال: هذا شيء علمه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، والخلفاء أم لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه قال: سبحان الله شيء لم يعلموه، وعلمته أنت؟! فخجل، وقال: أقلني قال: المسألة بحالها ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق. قال: شيء علمه رسول الله؟ قال: علمه قال: أعلمه، ولم يدع الناس إليه؟ قال: نعم قال: فوسعه ذلك؟ قال: نعم قال: أفلا وسعك ما وسعه، ووسع الخلفاء بعده؟ فقام الواثق فدخل الخلوة واستلقى، وهو يقول: شيء لم يعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي علمته أنت! سبحان الله عرفوه، ولم يدعوا إليه الناس فهلا وسعك ما وسعهم! ثم أمر برفع قيد الشيخ، وأمر له بأربع مائة دينار، وسقط من عينه ابن أبي دواد ولم يمتحن بعدها أحدًا. في إسنادها مجاهيل، فالله أعلم بصحتها. وروى نحوًا منها: أحمد بن السندي الحداد عن أحمد بن الممتنع عن صالح بن علي الهاشمي عن المهتدي بالله. قال صالح: حضرته وقد جلس والقصص تقرأ عليه، ويأمر بالتوقيع عليها فسرني ذلك، وجعلت أنظر إليه ففطن ونظر إلي فغضضت عنه قال: فقال لي: في نفسك شيء تحب أن تقوله فلما انفض المجلس أدخلت مجلسه فقال: تقول ما دار في نفسك أو أقوله لك؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما ترى؟ قال: أقول: إنه قد استحسنت ما رأيت منا فقلت في نفسك: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول: القرآن مخلوق؟ قال: فورد علي أمر عظيم ثم قلت: يا نفس هل تموتين قبل أجلك؟! فقلت: نعم. فأطرق ثم قال: اسمع فوالله لتسمعن الحق. فسري عني وقلت: ومن أولى بالحق منك وأنت خليفة رب العالمين؟! قال: ما زلت أقول: القرآن مخلوق صدرًا من أيام الواثق

стр. 4646

حتى أقدم شيخًا من أذنة فأدخل مقيدًا، وهو شيخ جميل حسن الشيبة فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له، فما زال يدنيه حتى قرب منه، وجلس فقال: ناظر ابن أبي دواد قال: يا أمير المؤمنين إنه يضعف عن المناظرة. فغضب، وقال: أبو عبد الله يضعف عن مناظرتك أنت؟! قال: هون عليك، وائذن لي واحفظ علي وعليه. ثم قال: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه هي مقالة واجبة داخلة في عقد الدين فلا يكن الدين كاملًا حتى تقال؟ قال: نعم قال: فأخبرني عن رسول الله ﷺ حين بعثه الله، هل ستر شيئًا مما أمر به؟ قال: لا. قال: فدعا إلى مقالتك هذه؟ فسكت فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين واحدة قال الواثق: واحدة ثم قال: أخبرني عن الله تعالى حين قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم﴾ [المائدة: ٣] أكان الله هو الصادق في إكمال ديننا أو أنت الصادق في نقصانه حتى يقال بمقالتك؟ فسكت أحمد فقال الشيخ: اثنتان يا أمير المؤمنين. قال: نعم فقال: أخبرني عن مقالتك هذه أعلمها رسول الله أم جهلها؟ قال: علمها قال: فدعا إليها؟ فسكت قال الشيخ: ثلاثة. ثم قال: فاتسع لرسول الله ﷺ أن يمسك عنها، ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم قال: واتسع ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان، وعلي؟ قال: نعم فأعرض الشيخ عنه، وقال: يا أمير المؤمنين قد قدمت القول بأن أحمد يضعف عن المناظرة يا أمير المؤمنين إن لم يتسع لك من الإمساك هذه المقالة ما زعم هذا إنه اتسع للنبي ﷺ وأصحابه، فلا وسع الله عليك قال الواثق: نعم كذا هو اقطعوا قيد الشيخ فلما قطعوه، ضرب بيده فأخذه فقال الواثق: لم أخذته؟ قال: لأني نويت أن أوصي أن يجعل معي في كفني لأخاصم هذا به عند الله ثم بكى فبكى الواثق، وبكينا ثم سأله الواثق أن يحاله وأمر له بصلة فقال: لا حاجة لي بها. ثم قال المهتدي: فرجعت عن هذه المقالة، وأظن الواثق رجع عنها في يومئذ. قال إبراهيم نفطويه: حدثنا حامد بن العباس، عن رجل عن المهتدي بالله: أن الواثق مات، وقد تاب عن القول بخلق القرآن. قال ابن أبي الدنيا: كان أبيض تعلوه صفرة حسن اللحية في عينه نكتة. قلت: وكان وافر الأدب قيل: إن جارية غنته شعر العرجي: أظلوم إن مصابكم رجلًا … رد السلام تحية ظلم فمن الحاضرين من صوب نصب رجلًا، ومنهم من رفع فقالت: هكذا لقنني المازني. فطلب المازني فلما مثل بين يديه قال: ممن الرجل؟ قال: من مازن. قال: أي الموازن،

стр. 4647

أمازن تميم؟ أم مازن قيس؟ أم مازن ربيعة؟ قلت: مازن ربيعة فكلمني حينئذ بلغة قومي. فقال: با اسمك؟ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما فكرهت أن أواجهه بـ"مكر" فقلت: بكر يا أمير المؤمنين ففطن لها وأعجبته قال: ما تقول في هذا البيت؟ قلت: الوجه النصب؛ لأن مصابكم مصدر بمعنى: إصابتكم فعارضني ابن اليزيدي. قلت: هو بمنزلة إن ضربك زيدًا ظلم فالرجل مفعول مصابكم، والكلام معلق إلى أن تقول: ظلم فيتم الكلام فأعجب الواثق، وأعطاني ألف دينار. قيل: إن الواثق كان ذا نهمة بالجماع بحيث إنه أكل لحم سبع لذلك فولد له مرضًا صعبًا كان فيه حتفه. وفي العام الثاني من دولته: قدم مولاه أشناس على القواد وألبسه ناجا ووشاحين مجوهرين. وفي سنة تسع وعشرين: صادر الدواوين، وضرب أحمد بن أبي إسرائيل، وأخذ منه ثمان مائة ألف دينار، ومن سليمان بن وهب أربع مائة ألف دينار، وأخذ من: أحمد بن الخصيب، وكاتبه ألف ألف دينار. وفي سنة إحدى وثلاثين: قتل أحمد بن نصر الخزاعي الشهيد ظلمًا، وأمر بامتحان الأئمة، والمؤذنين بخلق القرآن وافتك من أسر الروم أربعة آلاف، وست مائة نفس. فقال ابن أبي دواد: من لم يقل: القرآن مخلوق فلا تفتكوه. وفيها: جاء المجوس الأردمانيون في مراكب من ساحل البحر الأعظم فدخلوا إشبيلية بالسيف، ولم يكن لها سور بعد فجهز لحربهم أمير الأندلس عبد الرحمن المرواني جيشا، فالتقوا فانهزم الأردمانيون وأسر متهم أربعة آلاف، ولله الحمد. قال زرقان بن أبي دواد: لما احتضر الواثق، ردد هذين البيتين: الموت فيه جميع الخلق مشترك … لا سوقة منهم يبقى ولا ملك ما ضر أهل قليل في تفرقهم … وليس يغني عن الاملاك ما ملكوا ثم أمر بالبسط فطويت، وألصق خده بالتراب وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. وروى أحمد بن محمد الواثقي أمير البصرة عن أبيه قال: كنت أمرض الواثق، فلحقته غشية فما شككنا أنه مات فقال بعضنا لبعض: تقدموا فما جسر أحد سواي فلما

стр. 4648

أن أردت أن أضع يدي على أنفه فتح عينيه فرعبت، ورجعت إلى خلف، فتعلقت قبيعة سيفي بالعتبة فعثرت واندق السيف، وكاد أن يجرحني واستدعيت سيفًا، وجئت فوقفت ساعة فتلف الرجل فشددت لحييه وغمضته، وسجيته وأخذ الفراشون ما تحته ليردوه إلى الخزائن وترك، وحده فقال ابن أبي دواد: إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة فاحفظه فرددت باب المجلس، وجلست عند الباب فحسست بعد ساعة بحركة أفزعتني فأدخل فإذا بجرذون قد استل عين الواثق فأكلها فقلت: لا إله إلَّا الله هذه العين التي فتحها من ساعة فاندق سيفي هيبة لها! قلت: كانت خلافته خمس سنين، ونصفًا مات بسامرًا لست بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين، ومائتين وبايعوا بعده أخاه المتوكل.

стр. 4649

١٦١٢ - مسلم بن إبراهيم (١): " ع" الإمام الحافظ الثقة مسند البصرة أبو عمرو الأزدي الفراهيدي مولاهم البصري القصاب. ولد: في حدود الثلاثين ومائة. وحدث عن: عبد الله بن عون يسيرًا، وعن: قرة بن خالد، ومالك بن مغول، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائى وإسماعيل بن مسلم العبدي، وأبي الغصن دجين اليربوعي، وأبي خلدة خالد بن دينار، وشعبة بن الحجاج، وهمام وأبان وسلام بن مسكين ويزيد بن إبراهيم وعبد الله بن المثنى، والأسود بن شيبان، ومحمد بن فضاء، والمستمر بن الريان، ووهيب والقاسم بن الفضل الحداني، ومبارك بن فضالة وخلق سواهم. وعنه: البخاري وأبو داود، وهو أكبر شيخ لأبي داود، ويحيى بن معين، ونصر بن علي، ومحمد بن يحيى، وزيد بن أخزم وحجاج بن الشاعر، وعبد بن حميد وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن أبي خيثمة وأحمد بن الفرات

стр. 4650

ويحيى بن مطرف، وإسماعيل سمويه، وحفص بن عمر الرقي سنجه، ومحمد بن أيوب بن الضريس، وأبو مسلم الكجي ومحمد بن عثمان بن أبي سويد، وأبو خليفة وعلي بن عبد العزيز، ومحمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني، وخلق كثير. روى أحمد بن زهير عن يحيى بن معين: ثقة مأمون. وقال الفضل بن سهل الأعرج: كان يحيى بن معين يقدم مسلم بن إبراهيم على معاذ بن هشام، ويقول: لا أجعل رجلا لم يرو إلَّا عن أبيه كرجل روى عن الناس. وقال أبو إسماعيل الترمذي: سمعت مسلم بن إبراهيم يقول: كتبت عن ثمان مائة شيخ ما جزت الجسر. قال أبو داود: ما رحل مسلم إلى أحد، وكتب عن قريب من ألف شيخ، وهؤلاء أصحاب شيوخ: مسلم بن إبراهيم، وعبد الصمد، وإسحاق بن إدريس. وقال أيضًا: كان مسلم يحفظ حديثه عن قرة ويحفظ حديث هشام، وحديث أبان العطار بهذه هذا، وهو أحب إلينا من ابن كثير كان ابن كثير يعني: محمدًا لا يحفظ، وكانت فيه سلامة. قال نصر بن علي: سمعت مسلم بن إبراهيم يقول: قعدت مرة أذاكر شعبة عن خالد بن قيس فقال: كدت تلقى أبا هريرة يريد على سبيل المبالغة. قال أحمد بن عبد الله العجلي: كان مسلم يسكن البصرة في دار كبيرة، وإنما معه أخته عجوز كبيرة، وكان أصحاب الحديث إذا أرادوا أن يغيظوه قالوا: أختك قدرية فيقول: لا والله إلَّا مثبتة، وكان ثقة عمي بأخرة وروى عن سبعين امرأة. قال أبو زرعة: سمعت مسلم بن إبراهيم يقول: ما أتيت حلالًا ولا حرامًا قط وكان أتى عليه نيف وثمانون سنة. قال أبو حاتم: كان لا يحتاج إليه يعني: الجماع، وهو ثقة صدوق. مات في صفر سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وهو في عشر المائة ﵀. أخبرنا أبو الفضل أحمد بن تاج الأمناء، أنبأنا عبد المعز بن محمد أخبرنا زاهر بن طاهر أخبرنا أبو سعد الكنجروذي أخبرنا عبد الله بن محمد الرازي، أخبرنا محمد بن أيوب حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا سحامة بن عبد الله قال: قدم علينا أنس بن مالك واسط، فحدثنا: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فذكر من أمره حاجة وفقرًا، فأقيمت الصلاة،

стр. 4651

فنهض النبي ﷺ ليدخل فيها فتعلق به الرجل، فقام معه حتى قضى حاجته، ثم دخل في الصلاة. هذا حديث حسن عال جدًا، وسحامة مذكور في كتاب الثقات لابن حبان. وقد أخرج له البخاري هذا الحديث في كتاب الأدب عن أبي بكر بن أبي الأسود عن أبي عامر العقدي عنه. أنبأنا علي بن أحمد، وغيره قالوا: أخبرنا عمر بن محمد أخبرنا أبو غالب بن البناء، أخبرنا الحسن بن علي الجوهري أخبرنا أبو بكر القطيعي، حدثنا إبراهيم بن عبد الله حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن سمعت عثمان ﵁ جمعا متواليات يأمر بقتل الكلاب، وذبح الحمام. في الإسنادين ضعف من جهة زاهر، وعمر لإخلالهما بالصلاة فلو كان في ورع لما رويت لمن هذا نعته. بكر بن أحمد الحافظ: أخبرنا حفص بن عمر سمعت مسلم بن إبراهيم يقول: طلبت الحديث فلم أر أهل الحديث على مثل ما هم عليه اليوم، ولولا أني أقول: إنها سنة أحييها وبدعة أميتها لعل الله أن يكفر عني بعض ما أنا فيه ما حدثت.

стр. 4652

١٦١٣ - البَابْلُتِّي (١): الشيخ، العالم، المحدث أبو سعيد يحيى بن عبد الله بن الضحاك بن بابلت الأموي مولاهم البابلتي الحراني. حدث عن: زوج أمه أبي عمرو الأوزاعي، وأبي بكر بن أبي مريم، وصفوان بن عمرو السكسكي، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وابن أبي ذئب، وأبي جعفر الرازي وجماعة. وعنه: محمد بن يحيى الحراني وأبو إسحاق الجوزجاني وإسماعيل سمويه، وسليمان بن سيف، وأبو أمية الطرسوسي، وإسحاق بن سيار النصيبي، وحفص بن عمر سنجه وطائفة آخرهم موتًا: ابن زوجته أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني. قال البخاري: قال أحمد بن حنبل: أما السماع فلا يدفع. وضعفه أبو زرعة وغيره. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة عن الأوزاعي تفرد ببعضها، وأثر الضعف على حديثه بين. قلت: مر به يحيى بن معين فأكرم نزله وأتحفه فاستحيى منه، وما بالغ في تليينه، وهو ممن تجوز رواية حديثه، ووقع لنا من عواليه. قال محمد بن يحيى: توفي سنة ثماني عشرة ومائتين ﵀. وقيل لي: إنه وجه إلى أبن معين صرة دنانير وأطعمه فقبل الطعام، ورد الصرة وقال: والله إن صلته حسنة وطعامه طيب إلَّا أنه لم يسمع والله من الأوزاعي شيئًا. هذه حكاية منقطعة السند.

стр. 4653

١٦١٤ - أبو اليمان (١): " ع" الحكم بن نافع الحافظ الإمام، الحجة أبو اليمان البهراني الحمصي، مولى امرأة بهرانية تدعى أم سلمة كانت عند عمر بن روبة التغلبي. ولد في حدود سنة بضع وثلاثين ومائة، وطلب العلم سنة بضع وخمسين. فروى عن: صفوان بن عمرو وحريز بن عثمان، وأبي بكر بن أبي مريم وشعيب بن أبي حمزة، وسعيد بن عبد العزيز، وعفير من معدان وأرطاة بن المنذر، وإسماعيل بن عياش ويزيد بن سعيد بن ذي عصوان، وأبي مهدي سعيد بن سنان، وطائفة وما علمت له رحلة. حدث عنه: أحمد، وابن معين ومحمد بن يحيى، وعمرو بن منصور النسائى، وعبيد الله بن فضالة، وعمران بن بكار وأبو محمد الدارمي، وأبو عبد الله البخاري، وعثمان الدارمي، وأبو حاتم ومحمد بن عوف، وأبو زرعة الدمشقي، ومحمد بن إسماعيل الترمذي، وموسى بن عيسى بن المنذر، وعلي بن محمد الحكاني وأحمد بن الفرات وخلق سواهم.

стр. 4654

قال أحمد بن حنبل: أما حديث أبي اليمان عن حريز وصفوان بن عمرو فصحيح. ثم قال أحمد: هو يقول: أخبرنا شعيب واستحل ذلك بشيء عجيب كأنه أمر شعيب في الحديث عسرا جدا، وكان علي بن عباس سمع منه، وذكر قصة لأهل حمص أراها أنهم سألوه أن يأذن لهم في أن يرووا عنه فقال لهم: لا ترووا هذه الأحاديث عني يعني: شعيبًا قال أبو عبد الله: ثم كلموه، وحضر ذلك أبو اليمان فقال لهم: ارووا تلك الأحاديث عني. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: مناولة؟ قال: لو كان مناولة كان لم يعطهم كتبًا ولا شيئًا إنما سمع هذا فقط فكان ولد شعيب يقول: إن أبا اليمان جاءني فأخذ كتب شعيب مني بعد وهو يقول: أخبرنا فكأنه استحل ذلك بأن سمع شعيبا يقول لقوم: ارووه عني. قال إبراهيم بن ديزيل: سمعت أبا اليمان يقول: قال لي أحمد بن حنبل: كيف سمعت الكتب من شعيب؟ قلت: قرأت عليه بعضه وبعضه قرأه علي وبعضه أجاز لي، وبعضه مناولة قال: فقال في كله: أخبرنا شعيب. وقال ابن معين: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب بن أبي حمزة فقال: ليس هو مناولة المناولة لم أخرجها إلى أحد. وروى أبو زرعة النصري عن أبي اليمان قال: كان شعيب عسرًا في الحديث فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة فقال: هذه كتبي وقد صححتها فمن أراد أن يأخذها فليأخذها، ومن أراد أن يعرض فليعرض، ومن أراد أن يسمعها من ابني فليسمعها فإنه قد سمعها مني. سعيد بن عمرو البرذعي عن أبي زرعة الرازي قال: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلَّا حديثًا واحدًا، والباقي إجازة. قال أبو داود: سمعت محمد بن عوف يقول: لم يسمع أبو اليمان من شعيب بن أبي حمزة إلَّا كلمة. وقال أبو زرعة الدمشقي: سألت أحمد بن حنبل عن حديث الزهري، عن أنس عن أم حبيبة فقال: ليس هذا من حديث الزهري هذا من حديث ابن أبي حسين فسألت أحمد بن صالح عنه فقال: ليس له أصل عن الزهري وأنكره. قلت: قرئ هذا على إبراهيم بن الدرجي وأجازه لي عن أبي جعفر الصيدلاني أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله، أخبرنا ابن ريذة أخبرنا أبو القاسم الطبراني، حدثنا أبو زرعة حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، عن الزهري عن أنس عن أم حبيبة أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 4655

"أريت ما تلقى أمتي من بعدي وسفك بعضهم دماء بعض، وكان سابقًا من الله فسألته أن يوليني شفاعة فيهم ففعل" (١). رواه عبد الله بن أحمد، عن أبيه عن أبي اليمان فقال: عن شعيب عن ابن أبي حسين عن أنس ثم قال عبد الله: فقلت: ههنا قوم يحدثون به عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري فقال: ليس ذا من حديث الزهري. قال أبو زرعة: قال لي أحمد بن حنبل: كتاب شعيب عن ابن أبي حسين ملصق بكتاب الزهري، فبلغني أن أبا اليمان حدثهم به، عن شعيب عن الزهري، وليس له أصل كأنه يذهب إلى أنه اختلط بكتاب الزهري، فرأيته كأنه يعذر أبا اليمان ولا يحمل عليه فيه. وقال مكحول البيروتي: عن جعفر بن محمد بن أبان الحراني: سألت يحيى بن معين عن حديث أبي اليمان يعني: المذكور فقال: أنا سألت أبا اليمان فقال: الحديث حديث الزهري فمن كتبه عني فقد أصاب، ومن كتبه عني من حديث ابن أبي حسين فهو خطأ إنما كتب في آخر حديث ابن أبي حسين فغلطت، فحدثت به من حديث ابن أبي حسين، وهو صحيح من حديث الزهري. وروى ابن صاعد عن إبراهيم بن هانئ النيسابوري قال لنا أبو اليمان: الحديث حديث الزهري، والذي حدثتكم عن ابن أبي حسين غلطت فيه بورقة قلبتها. قلت: تعين أن الحديث، وهم فيه أبو اليمان وصمم على الوهم؛ لأن الكبار حكموا بأن الحديث ما هو عند الزهري، والله أعلم. عباس الدوري: سمعت يحيى يقول في حديث أبي اليمان عن شعيب، عن الزهري عن عقبة بن سويد، عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ : "يغزو جيش الكعبة" (٢). فقال يحيى: إنما هو عن سحيم مولى أبي هريرة عن أبي هريرة.

стр. 4656

قال أبو حاتم: كان أبو اليمان يسمى كاتب إسماعيل بن عياش كما يسمى أبو صالح كاتب الليث، وهو ثقة نبيل صدوق. وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن عمار الموصلي: كان ثقة، وكان بسلمية وكان إذا جاءه أهل الحديث قال لهم: القطوا لي الزعفران، وثمت ينبت الزعفران. فكانوا يلقطون ثم يحدثهم. وقال محمد بن عيسى الطرسوسي: سمعت أبا اليمان يقول: صرت إلى مالك فرأيت ثم من الحجاب، والفرش شيئًا عجيبًا فقلت: ليس ذا من أخلاق العلماء فمضيت، وتركته ثم ندمت بعد. وبلغنا: أن أبا اليمان كتب كتب إسماعيل بن عياش، ولم يدع منها شيئًا في القراطيس. وفي الصحيحين نحو من أربعين حديثًا عند البخاري عن أبي اليمان قد أخرجها: مسلم عن الدارمي عن أبي اليمان وجميعها يقول فيها: أخبرنا شعيب ما قال قط: حدثنا فهذا يوضح لك أنها بالإجازة، وهي منقولة جزمًا من خطب شعيب، وكان من أثبت أصحاب الزهري. والمقصود من الرواية إنما هو العلم الحاصل بأن هذا الخبر حدث به فلان على أي صفة كان من صفات الأداء. وقد كان أبو اليمان عالم وقته بحمص استقدمه المأمون ليوليه قضاء حمص. وروينا بإسناد قوي عن أبي اليمان أنه قال: ولدت سنة ثمان وثلاثين ومائة. قال محمد بن مصفى، وأبو زرعة النصري والفسوي مات أبو اليمان سنة إحدى وعشرين ومائتين. وقال ابن سعد والبخاري ومطين: سنة اثنتين وعشرين زاد ابن سعد: في ذي الحجة بحمص.

стр. 4657

١٦١٥ - حجين بن المثنى (١): " خ، م، د، ت، س" الإمام الثقة أبو عمر اليماني اللؤلؤي نزيل بغداد. حدث عن: عبد العزيز بن الماجشون، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ومالك بن أنس، والليث بن سعد وعدة. وعنه: أحمد بن حنبل ومحمد بن رافع، وحجاج بن الشاعر والرمادي، وعباس الدوري، وأحمد بن منصور زاج وآخرون. وثقه ابن سعد. وقال البخاري: كان قاضيًا على خراسان وأصله من اليمامة. قال ابن سعد: قدم بغداد ونزلها وكان صاحب جوهر ولؤلؤ لزم السوق وكان ثقة. قلت: بقي إلى نحو سنة عشر ومائتين وكان من أبناء السبعين.

стр. 4658

١٦١٦ - قالون (١): مقرئ المدينة وتلميذ نافع هو: الإمام المجود النحوي أبو موسى عيسي بن مينا مولى بني زريق يقال: كان ربيب نافع فلقبه بقالون لجودة قراءته. روى عن: شيخه وعن محمد بن جعفر بن أبي كثير وابن أبي الزناد. وعنه: أبو زرعة وابن ديزيل وإسماعيل القاضي، وأحمد بن صالح وأبو نشيط وموسى بن إسحاق وخلق. وتلا عليه: ابنه أحمد والحلواني وأبو نشيط وعدة. قال علي بن الحسن الهسنجاني: كان شديد الصمم فكان ينظر إلى شفتي القارئ ويرد. قلت: مات سنة عشرين ومائتين عن نيف وثمانين سنة.

стр. 4659

١٦١٧ - سعيد بن أبي مريم (١): " ع" هو: الحافظ العلامة الفقيه محدث الديار المصرية أبو محمد سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم الجمحي مولاهم المصري. حدث عن: نافع بن عمر الجمحي، وأبي غسان محمد بن مطرف، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ومالك والليث وسليمان بن بلال، ونافع بن يزيد، ويحيى بن أيوب، وأسامة بن زيد بن أسلم وحماد بن زيد، وخلاد بن سليمان الحضرمي والعطاف بن خالد وخلق من طبقتهم. روى عنه: البخارى والذهلي وأبو بكر الصاغاني ومحمد بن عوف، وأحمد بن عبد الله العجلي، وإسحاق الكوسج وإسماعيل سمويه، وحميد بن زنجويه وعبيد بن عبد الواحد البزار، وأبو حاتم، ويحيى بن عثمان بن صالح والفسوي، ومحمد بن عبد الله بن البرقي، وابن معين وأثنى عليه وخلق سواهم منهم: ابن أخيه أحمد بن سعد الحافظ. قال أبو داود: ابن أبي مريم عندي حجة. وقال أبو حاتم وغيره: ثقة. قلت: كان من أئمة الحديث. قال العجلي: ثقة كان له دهليز طويل، وكان يأتيه الرجل فيقف فيسلم عليه فيرد عليه: لا سلم الله عليك، ولا حفظك وفعل بك فأقول: ما هذا؟ فيقول: قدري، ويأتي آخر فيقول له مثل ذلك فأقول: ما هذا؟ فيقول: جهمي خبيث ويأتي آخر فيقول: رافضي ولا تظن إلَّا رد عليه سلامه. وكان عاقلا لم أر بمصر أعقل منه ومن عبد الله بن عبد الحكم. قال أبو محمد الرامهرمزي: حدثني محمد بن محمد بن يحيى بمدينة سابور حدثنا

стр. 4660

عثمان بن سعيد الدارمي قال: كنا عند سعيد بن أبي مريم فأتاه رجل فسأله كتابًا ينظر فيه، أو سأله أن يحدثه بأحاديث فامتنع عليه وسأله آخر في ذلك فأجابه فقال له الأول: سألتك فلم تجبني، وسألك هذا فأجبته، وليس هذا حق العلم، أو نحو هذا من الكلام فقال له ابن أبي مريم: إن كنت تعرف الشيباني من السيباني، وأبا حمزة من أبي جمرة، وكلاهما عن ابن عباس حدثناك وخصصناك كما خصصنا هذا. قلت: يقع في حديث سعيد غرائب لسعة علمه. قال أبو سعيد بن يونس: سعيد بن الحكم بن أبي مريم الفقيه مولى أبي فاطمة، ويقال: أبو فطيمة مولى أبي الضبيع مولى بني جمح. ولد: سنة أربع، وأربعين ومائة ومات: سنة أربع وعشرين ومائتين. خرج له أصحاب الكتب الستة. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الفقيه في كتابه، أخبرنا عمر بن محمد أخبرنا ابن الحصين أخبرنا محمد بن محمد أخبرنا أبو بكر الشافعي، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا يحيى بن أبوب، وابن لهيعة قالا: حدثنا ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن عباس بن عبد المطلب: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب الجبهة وكفاه وركبتاه وقدماه" (١). وكذلك رواه: الليث، وبكر بن مضر عن ابن الهاد. وأخرجه: الجماعة سوى البخاري.
следующие страницы →