له: في هذا الإسناد من لا يعمل عليه ولا على ما يرويه، وهو قيس بن أبي حازم، إنما كان أعرابيًّا بوالا على عقبيه. فقبل ابن أبي دواد عليًّا واعتنقه. فلما كان الغد وحضروا قال ابن أبي دواد: يا أمير المؤمنين يحتج في الرؤية بحديث جرير، وإنما رواه عنه قيس، وهو أعرابي بوال على عقبيه? قال: فقال أحمد بعد ذلك: فحين أطلع لي هذا، علمت أنه من عمل علي بن المديني، فكان هذا وأشباهه من أوكد الأمور في ضربه.
رواها المرزباني: أخبرني محمد بن يحيى -يعني: الصولي- حدثنا الحسين.
ثم قال الخطيب: أما ما حكي عن علي في هذا الخبر من أنه لا يعمل على ما يرويه قيس فهو باطل. قد نزه الله عليًّا عن قول ذلك لأن أهل الأثر وفيهم علي مجمعون على الاحتجاج برواية قيس وتصحيحها إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة. وليس في التابعين من أدرك العشرة وروى عنهم، غير قيس مع روايته عن خلق من الصحابة. إلى أن قال: فإن كان هذا محفوظًا عن ابن فهم فأحسب أن ابن أبي دواد تكلم في قيس بما ذكر في الحديث وعزا ذلك إلى ابن المديني. والله أعلم.
قلت: إن صحت الحكاية، فلعل عليًّا قال: في قيس ما عنده عن يحيى القطان أنه قال: هو منكر الحديث ثم سمى له أحاديث استنكرها فلم يصنع شيئًا بل هي ثابتة فلا ينكر له التفرد في سعة ما روى من ذلك حديث كلاب الحوأب (١)، وقد كاد قيس أن يكون صحابيًّا أسلم في حياة رسول الله ﷺ ثم هاجر إليه فما أدركه بل قدم المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ بليال. وقد قال يحيى بن معين فيما نقله عنه معاوية بن صالح: كان قيس بن أبي حازم أوثق من الزهري.
نعم، ورؤية الله -تعالى- في الآخرة منقولة عن النبي ﷺ نقل تواتر فنعوذ بالله من الهوى ورد النص بالرأي.
стр. 4972
قال أبو داود: أجود التابعين إسنادًا: قيس بن أبي حازم قد روى عن تسعة من العشرة لم يرو عن عبد الرحمن بن عوف.
قال الخطيب: ولم يحك أحد ممن ساق المحنة أن أحمد نوظر في حديث الرؤية. قال: والذي يحكي عن علي أنه روى لابن أبي دواد حديثًا عن الوليد بن مسلم في القرآن كان الوليد أخطأ في لفظة منه فكان أحمد ينكر على علي روايته لذلك الحديث. فقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن علي بن المديني حدث عن الوليد حديث عمر: كلوه إلى عالمه، فقال: إلى خالقه. فقال: هذا كذب. ثم قال: هذا قد كتبناه عن الوليد، إنما هو "فكلوه إلى عالمه" (١)، وهذه اللفظة قد روي عن ابن المديني غيرها.
قال محمد بن طاهر بن أبي الدميك: حدثنا بن المديني، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثنا الزهري حدثني أنس بن مالك قال: بينما عمر جالس في أصحابه إذ تلا هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، ثم قال: هذا كله قد عرفناه، فما الأب? قال: وفي يده عصية يضرب بها الأرض، فقال: هذا -لعمر الله- التكلف. فخذوا أيها الناس بما بين لكم، فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه.
قال الخطيب: أخبرنيه أبو طالب بن بكير، أخبرنا مخلد بن جعفر الدقاق، حدثنا ابن أبي الدميك.
وقال أحمد بن محمد الصيدلاني: حدثنا المروذي، قلت لأبي عبد الله أن عليًّا يحدث عن الوليد … ، فذكر الحديث، وقال: فكلوه إلى خالقه. فقال أبو عبد الله: كذب. حدثنا الوليد بن مسلم مرتين إنما هو "كلوه إلى عالمه".
وقال عباس العنبري: قلت لابن المديني: إنهم قد أنكروه عليك فقال: حدثتكم به
стр. 4973
بالبصرة … ، وذكر أن الوليد أخطأ فيه. فغضب أبو عبد الله وقال: فنعم، قد علم أن الوليد أخطأ فيه، فلم حدثهم به? أيعطيهم الخطأ!
قال المروذي: سمعت رجلا من أهل العسكر يقول لأبي عبد الله: ابن المديني يقرئك السلام فسكت. فقلت لأبي عبد الله، قال لي عباس العنبري: قال علي بن المديني: وذكر رجلا، فتكلم فيه، فقلت له: إنهم لا يقبلون منك إنما يقبلون من أحمد بن حنبل. قال: قوي أحمد على السوط، وأنا لا أقوى.
أبو بكر الجرجاني: حدثنا أبو العيناء، قال: دخل ابن المديني إلى بن أبي داود بعد ما تم من محنة أحمد ما جرى فناوله رقعة، قال: هذه طرحت في داري فإذا فيها:
يا ابن المديني الذي شرعت له … دنيا فجاد بدينه لينالها
ماذا دعاك إلى اعتقاد مقالة … قد كان عندك كافرًا من قالها
أمر بدا لك رشده فقبلته … أم زهرة الدنيا أردت نوالها
فلقد عهدتك لا أبا لك مرة … صعب المقادة للتي تدعى لها
إن الحريب (١) لمن يصاب بدينه … لا من يرزى ناقة وفصالها
فقال له أحمد: هذا بعض شراد هذا الوثن -يعني: ابن الزيات- وقد هُجي خيار الناس وما هدم الهجاء حقًّا ولا بنى باطلا. وقد قمت وقمنا من حق الله بما يصغر قدر الدنيا عند كثير ثوابه. ثم دعا له بخمسة آلاف درهم، فقال: اصرفها في نفقاتك وصدقاتك.
قال زكريا الساجي: قدم ابن المديني البصرة فصار إليه بندار فجعل علي يقول: قال أبو عبد الله، قال أبو عبد الله. فقال بندار على رءوس الملأ: من أبو عبد الله، أأحمد بن حنبل? قال: لا، أحمد بن أبي داود. فقال بندار: عند الله أحتسب خطاي، شبه علي هذا. وغضب وقام.
قال أبو بكر الشافعي: كان عند إبراهيم الحربي قمطر من حديث ابن المديني وما كان يحدث به. فقيل له: لم لا تحدث عنه? قال: لقيته يومًا وبيده نعله، وثيابه في فمه فقلت: إلى أين? فقال: ألحق الصلاة خلف أبي عبد الله. فظننت أنه يعني أحمد بن حنبل، فقلت: من أبو عبد الله? قال: ابن أبي دواد. فقلت: والله لا حدثت عنك بحرف.
стр. 4974
وقال سليمان بن إسحاق الجلاب، وآخر: قيل لإبراهيم الحربي: أكان ابن المديني يتهم? قال: لا، إنما كان إذا حدث بحديث فزاد في خبره كلمة ليرضي بها ابن أبي دواد. فقيل له: أكان يتكلم في أحمد بن حنبل? قال: لا، إنما كان إذا رأى في كتاب حديثًا عن أحمد قال: اضرب على ذا؛ ليرضي به ابن أبي دواد. وكان قد سمع من أحمد وكان في كتابه سمعت أحمد وقال أحمد وحدثنا أحمد. وكان ابن أبي دواد إذا رأى في كتابه حديثًا عن الأصمعي قال: اضرب على ذا؛ ليرضي نفسه بذلك.
قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: سمعت يحيى بن معين، وذكر عنده علي بن المديني فحملوا عليه. فقلت: ما هو عند الناس إلا مرتد، فقال: ما هو بمرتد، هو على إسلامه رجل خاف، فقال.
قال ابن عمار الموصلي في "تاريخه" قال لي علي بن المديني: ما يمنعك أن تكفر الجهمية، وكنت أنا أولا لا أكفرهم? فلما أجاب علي إلى المحنة، كتبت إليه أذكره ما قال لي وأذكره الله. فأخبرني رجل عنه: أنه بكى حين قرأ كتابي. ثم رأيته بعد فقال لي: ما في قلبي مما قلت وأجبت إلى شيء ولكني خفت إن أقتل، وتعلم ضعفي أني لو ضربت سوطًا واحدًا لمت أو نحو هذا.
قال ابن عمار: ودفع عني علي امتحان ابن أبي دواد إياي شفع في ودفع عن غير واحد من أهل الموصل من أجلي فما أجاب ديانة إلا خوفًا.
وعن علي بن سلمة النيسابوري: سمعت علي بن الحسين بن الوليد يقول: ودعت علي بن عبد الله فقال: بلغ أصحابنا عني أن القوم كفار ضلال ولم أجد بدًا من متابعتهم لأني جلست في بيت مظلم ثمانية أشهر وفي رجلي قيد ثمانية أمناء (١)، حتى خفت على بصري. فإن قالوا: يأخذ منهم، فقد سبقت إلى ذلك قد أخذ من هو خير مني.
إسنادها منقطع.
رواها الحاكم، فقال: أخبرت عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن زهير سمعت علي بن سلمة.
قال ابن عدي: سمعت مسدد بن أبي يوسف القلوسي: سمعت أبي يقول: قلت لابن المديني: مثلك يجيب إلى ما أجبت إليه?! فقال: يا أبا يوسف، ما أهون عليك السيف.
стр. 4975
قال الحاكم: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ يذكر فضل ابن المديني وتقدمه فقيل له قد تكلم فيه عمرو بن علي فقال: والله لو وجدت قوة لخرجت إلى البصرة فبلت على قبر عمرو.
أجاز لنا ابن علان وغيره، قالوا: أخبرنا الكندي، أخبرنا الشيباني، أخبرنا الخطيب، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا موسى بن إبراهيم بن النضر العطار، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة سمعت عليًّا على المنبر يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر ومن زعم أن الله لا يُرى فهو كافر ومن زعم أن الله لم يكلم موسى على الحقيقة فهو كافر.
ابن مخلد العطار: حدثنا محمد بن عثمان سمعت علي بن المديني يقول قبل أن يموت بشهرين القرآن كلام الله غير مخلوق. ومن قال: مخلوق فهو كافر.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سمعت علي بن المديني يقول: هو كفر -يعني: من قال: القرآن مخلوق.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كان أبو زرعة ترك الرواية عن علي من أجل ما بدا منه في المحنة. وكان والدي يروي عنه؛ لنزوعه عما كان منه. قال أبي: كان علي علمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل.
قلت: ويُروى عن عبد الله بن أحمد أن أباه أمسك عن الرواية عن ابن المديني ولم أر ذلك بل في مسنده عنه أحاديث وفي "صحيح البخاري" عنه جملة وافرة.
قال الإمام أبو زكريا صاحب "الروضة": ولابن المديني في الحديث نحو من مائتي مصنف.
قال حنبل بن إسحاق: أقدم المتوكل عليًّا إلى ههنا ورجع إلى البصرة فمات.
قلت: إنما مات بسامراء. قاله: البغوي وغيره.
قال الحارث بن محمد: مات بسامراء في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائتين.
وقال البخاري: مات ليومين بقيا من ذي القعدة سنة أربع.
ووهم الفسوي فقال: مات سنة خمس ﵀ وغفر له.
وفي سنة أربع مات أبو جعفر النفيلي، وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة وابن نمير والشاذكوني وعثمان بن طالوت وعبد الله بن براد الأشعري وعلي بن بحر القطان
стр. 4976
ومحمد بن أبي بكر المقدمي، وأخوه؛ محمد، وعقبة بن مكرم الكوفي، وأبو الربيع الزهراني، ومحمد بن عائذ، والمعافى بن سليمان الجزري، وشجاع بن مخلد، ويحيى بن يحيى الليثي.
قال أبو عبد الله الحاكم: سمعت قاضي القضاة محمد بن صالح الهاشمي يقول: هذه أسامي مصنفات علي بن المديني "الأسماء والكنى" ثماينة أجزاء "الضعفاء" عشرة أجزاء "المدلسون" خمسة أجزاء "أول من فحص عن الرجال" جزء، "الطبقات" عشرة أجزاء، "من روى عمن لم يره" جزء، "علل المسند" ثلاثون جزءًا، "العلل من رواية إسماعيل القاضي" أربعة عشر جزءًا، "علل حديث ابن عيينة" ثلاثة عشر جزءًا "من لا يحتج به ولا يسقط" جزآن، "من نزل من الصحابة النواحي" خمسة أجزاء "التاريخ" عشرة أجزاء "العرض على المحدث" جزآن، "من حدث ورجع عنه" جزآن، "سؤال يحيى وابن مهدي عن الرجال" خمسة أجزاء، "سؤالات يحيى القطان" أيضًا جزآن، "الأسانيد الشاذة" جزآن، "الثقات" عشرة أجزاء "اختلاف الحديث" خمسة أجزاء، "الأشربة" ثلاثة أجزاء، "الغريب" خمسة أجزاء "الإخوة والأخوات" ثلاثة أجزاء، "من عرف بغير اسم أبيه" جزآن، "من عرف بلقبه"، "العلل المتفرقة" ثلاثون جزءًا "مذاهب المحدثين" جزآن. ثم قال عقيب هذا أبو بكر الخطيب: فجميع هذه الكتب انقرضت رأينا منها أربعة كتب أو خمسة.
стр. 4977
١٨١٨ - إبراهيم بن حمزة (١): " خ، د"
ابن محمد بن حمزة بن مصعب ابن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي الزبيري المدني أحد الأئمة.
حدث عن: إبراهيم بن سعد ويوسف بن الماجشون وعبد العزيز بن أبي حازم وحاتم بن إسماعيل والدراوردي وطبقتهم ولم يلحق الأخذ عن مالك. يكنى أبا إسحاق من كبار الأئمة الأثبات بالمدينة.
حدث عنه: البخاري وأبو داود وإسماعيل القاضي ومحمد بن نصر الصائغ والعباس بن الفضل الأسفاطي وحماد بن إسحاق القاضي، وآخرون.
قال أبو حاتم: صدوق.
وقال محمد بن سعد: ثقة، صدوق في الحديث، يأتي الربذة كثيرًا للتجارة، ويقيم بها، ويشهد العيدين بالمدينة.
وقال البخاري: مات سنة ثلاثين ومائتين. ﵀.
стр. 4978
١٨١٩ - حاجب بن الوليد (١): " م"
ابن ميمون، المحدث، الإمام، أبو أحمد البغدادي الأعور، المؤدب.
سمع حفص بن ميسرة بعسقلان، وبقية بن الوليد بحمص، والوليد بن محمد بالبلقاء، ومحمد بن سلمة بحران.
وعنه: الذهلي، ويعقوب السدوسي، وموسى بن هارون، وإسحاق الختلي، وأبو القاسم البغوي، وآخرون.
وثقه الخطيب. وقال ابن معين: أحاديثه صحيحة، ولا أعرفه.
توفي في رمضان، سنة ثمان وعشرين ومائتين. وقع لي من "عواليه".
стр. 4979
١٨٢٠ - إبراهيم بن يوسف (١): " س"
ابن ميمون بن قدامة، وقيل: رزين بدل قدامة، عالم بلخ، أبو إسحاق الباهلي، البلخي، الفقيه، المعروف: بالماكياني، وماكيان قرية من قرى بلخ، وهو أخو عصام، ومحمد.
حدث عن: مالك، وحماد بن زيد، وشريك، وخالد بن عبد الله، وهشيم، وإسماعيل بن جعفر، وطبقتهم.
стр. 4980
حدث عنه: النسائي، ومحمد بن كرام شيخ الكرامية، وحامد بن سهل البخاري، وجعفر بن محمد بن سوار، ومحمد بن عبد الله بن يوسف الدويري، ومحمد بن المنذر الهروي شكر، وأحمد بن قدامة البلخي، وزكريا بن يحيى خياط السنة، ومحمد بن محمد بن صديق، وخلق كثير.
وثقه النسائي وابن حبان.
قال ابن حبان: ظاهر مذهبه الإرجاء ويبطن السنة. فسمعت أحمد بن محمد: سمعت محمد داود الفوعي يقول: حلفت أن لا أكتب إلا عمن يقول: الإيمان قول وعمل. فأتيت إبراهيم بن يوسف فأخبرته فقال: اكتب عني فإني أقول الإيمان قول وعمل.
قلت: كان من أئمة الحنفية.
قال محمد بن محمد بن الصديق: سمعته يقول: القرآن كلام الله من قال: مخلوق فهو كافر. ومن وقف فهو جهمي.
قال أبو يعلى الخليلي (١): روى إبراهيم بن يوسف عن مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: "كل مسكر خمر" (٢)، ولم يسمع منه غيره. وذلك أنه حضر وقتيبة حاضر. فقال لمالك: هذا مرجئ فأقيم من المجلس فوقع له بهذا عداوة مع قتيبة وأخرجه من بلخ فنزل قرية بغلان.
قلت: مات إبراهيم بن يوسف مفتي بلخ في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين ومائتين. وكان من أبناء التسعين ﵀.
стр. 4981
١٨٢١ - أبو تَمَّام (١):
شاعر العصر، أبو تمام حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس الطائي من حوران من قرية جاسم.
أسلم، وكان نصرانيًّا. مدح الخلفاء والكبراء. وشعره في الذروة.
وكان أسمر، طوالا فصيحًا، عذب العبارة مع تمتمة قليلة.
ولد في أيام الرشيد. وكان أولا حدثًا يسقي الماء بمصر ثم جالس الأدباء وأخذ عنهم وكان يتوقد ذكاء. وسحت قريحته بالنظم البديع، فسمع به المعتصم فطلبه وقدمه على الشعراء وله فيه قصائد. وكان يوصف بطيب الأخلاق والظرف والسماحة.
وقيل: قدم في زي الأعراب فجلس إلى حلقة من الشعراء وطلب منهم أن يسمعوا من نظمه فشاع وذاع وخضعوا له، وصار من أمره ما صار. فمن شعره:
فحواك عين على نجواك يا مذل … حتام لا يتقضى قولك الخطل
المذل: الخدر الفاتر.
فإن أسمح من يشكو إليه هوى … من كان أحسن شيء عنده العذل
ما أقبلت أوجه اللذات سافرة … مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول
إن شئت أن لا ترى صبرًا لمصطبر … فانظر على أي حال أصبح الطلل
كأنما جاد مغناه فغيره … دموعنا يوم بانوا فهي تنهمل
ومر فيها، إلى أن قال: وهي في المعتصم:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له … حتى ظننت قوافيه ستقتتل
وقد كان البحتري يرفع من أبي تمام، ويقدمه على نفسه ويقول: ما أكلت الخبز إلا به وإني تابع له. ومن شعره:
غدت تستجير الدمع خوف نوى الغد … وعاد قتادًا عندها كل مرقد
وأنقذها من غمرة الموت أنه … صدود فراق لا صدود تعمد
فأجرى لها الإشفاق دمعًا موردا … من الدم يجري فوق خد مورد
هي البدر يغنيها تورد وجهها … إلى كل من لاقت وإن لم تودد
ولكنني لم أحو وفرًا مجمعا … ففزت به إلا لشمل مبدد
وطول مقام المرء بالحي مخلق … لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة … إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
стр. 4982
وهو القائل:
ولو كانت الأرزاق تجرى على الحجى … هلكن إذًا من جهلهن البهائم
ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد … ولا المجد في كف امرئ والدراهم
وله:
ألم ترني خليت نفسي وشأنها … فلم أحفل الدنيا ولا حدثانها
لقد خوفتني الحادثات صروفها … ولو أمنتني ما قبلت أمانها
يقولون هل يبكي الفتى لخريدة … متى ما أراد اعتاض عشرًا مكانها
وهل يستعيض المرء من خمس كفه … ولو صاغ من حر اللجين بنانها
وديوان أبي تمام كبير سائر ولما مات رثاه محمد بن عبد الملك الوزير، فقال:
نبأ ألم مقلقل الأحشاء … لما أتى من أعظم الأنباء
قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم … ناشدتكم لا تجعلوه الطائي
وللحسن بن وهب الوزير:
فجع القريض بخاتم الشعراء … وغدير روضتها حبيب الطائي
ماتا معًا فتجاورا في حفرة … وكذاك كانا قبل في الأحياء
وكان بن وهب قد اعتنى بأبي تمام، وولاه بريد الموصل، فأقام بها أكثر من سنة. ومات: في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
وقال مخلد الموصلي: مات في المحرم، سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
وأما نفطويه، وغيره فورخوا موته بسامراء في سنة ثمان وعشرين ومائتين.
ويقال: عاش نيفًا وأربعين سنة. عفا الله عنه ورحمه.
قال الصولي: كان واحد عصره في ديباجة لفظه، وفصاحة شعره وحسن أسلوبه. ألف "الحماسة" فدلت على غزارة معرفته بحسن اختياره وله كتاب فحول الشعراء، وقيل: كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب.
وقيل: أجازه أبو دلف بخمسين ألف درهم، واعتذر.
стр. 4983
وله في المعتصم -أو ابنه:
إقدام عمرو في سماحة حاتم … في حلم أحنف في ذكاء إياس
فقال الوزير: شبهت أمير المؤمنين بأجلاف العرب. فأطرق، ثم زادها:
لا تنكروا ضربي له من دونه … مثلا شرودًا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره … مثلا من المشكاة والنبراس
فقال الوزير: أعطه ما شاء فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يومًا؛ لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة فكره. وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر، فقال له الخليفة: ما تشتهي? قال: الموصل فأعطاه إياها فتوجه إليها ومات بعد هذه المدة.
هذه حكاية غير صحيحة. وأما البيت فلن يحتاج إلى اعتذار أصلا ولا ولي الموصل. بلى، ولي بريدها، كما مر.
стр. 4984
١٨٢٢ - أبو معمر الهُذَلي (١): " خ، م، د".
الإمام، الحافظ الكبير، الثبت، أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهذلي، الهروي، ثم البغدادي، القطيعي. كان ينزل القطيعة.
ولد سنة نيف وخمسين ومائة.
وأخذ عن: شريك القاضي، وإسماعيل بن جعفر، وخلف بن خليفة، وعلي بن هاشم بن البريد، وهشيم، وعبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، ومروان بن شجاع، وإسماعيل بن عياش، وخلق.
حدث عنه: البخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم وبقي بن مخلد وصالح بن محمد جزرة وأبو بكر أحمد بن علي المروزي ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة وأبو يعلى الموصلي وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وخلق سواهم.
وحدث البخاري أيضًا، والنسائي، عن رجل، عنه.
ذكره محمد بن سعد في "طبقاته"، فقال: ثقة، ثبت، صاحب سنة وفضل.
قال عبيد بن شريك البزار: كان أبو معمر القطيعي من شدة إدلاله بالسنة يقول: لو
стр. 4985
تكلمت بغلتي، لقالت: إنها سنية. قال: فأخذ في محنة القرآن، فأجاب، فلما خرج، قال: كفرنا وخرجنا.
وروى سعيد بن عمرو البرذعي، عن أبي زرعة، قال: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا أبي معمر، ولا يحيى بن معين، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب.
قال أبو يعلى: حدث أبو معمر بالموصل بنحو ألفي حديث حفظًا فلما رجع إلى بغداد كتب إلى أهل الموصل بالصحيح من أحاديث كان أخطأ فيها نحو ثلاثين أو أربعين حديثًا.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبا معمر الهذلي يقول: من زعم أن الله لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر ولا يرضى ولا يغضب، فهو كافر إن رأيتموه واقفًا على بئر، فألقوه فيها. بهذا أدين الله .
وعن أبي معمر القطيعي قال: آخر كلام الجهمية أنه ليس في السماء إله.
قلت: بل قولهم: إنه في السماء وفي الأرض، لا امتياز للسماء. وقول عموم أمة محمد ﷺ : إن الله في السماء، يطلقون ذلك وفق ما جاءت النصوص بإطلاقه ولا يخوضون في تأويلات المتكلمين مع جزم الكل بأنه -تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
مات أبو معمر في منتصف جمادى الأولى سنة ست وثلاثين ومائتين. وكان من أبناء الثمانين.
أخبرنا أحمد بن هبة الله فيما قرأت عليه، عن أبي روح الهَرَوي، أن تميم بن أبي سعيد أخبرهم، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الأديب، أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم عن علي بن هاشم عن هشام بن عروة عن بكر بن وائل عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "ما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله وما نيل منه شيء فانتقم من صاحبه إلا إن تنتهك محارم الله فينتقم" (١).
أخرجه النسائي عن أحمد بن علي عن أبي معمر.
стр. 4986
١٨٢٣ - يحيى بن معين (١): " خ، م، د"
هو الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين، أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام. وقيل: اسم جده: غياث بن زياد بن عون بن بسطام الغطفاني، ثم المري مولاهم البغدادي أحد الأعلام.
ولد سنة ثمان وخمسين ومائة.
وسمع من: ابن المبارك، وهشيم، وإسماعيل بن عياش، وعباد بن عباد، وإسماعيل بن مجالد بن سعيد، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ومعتمر بن سليمان، وسفيان بن عيينة، وغندر، وأبي معاوية، وحاتم بن إسماعيل، وحفص بن غياث، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الرزاق، ومروان بن معاوية، وهشام بن يوسف، وعيسى بن يونس، ووكيع، ومعن، وأبي حفص الأبار، وعمر بن عبيد، وعلي بن هاشم، ويحيى القطان، وابن مهدي، وعفان، وخلق كثير بالعراق، والحجاز، والجزيرة، والشام، ومصر.
روى عنه: أحمد بن حنبل، ومحمد بن سعد، وأبو خيثمة، وهناد بن السري، وعدة من أقرانه، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وعباس الدوري، وأبو بكر الصاغاني، وعبد الخالق بن منصور، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإسحاق الكوسج، وإبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، ومعاوية بن صالح الأشعري، وحنبل بن إسحاق، وصالح بن محمد جزرة، وأحمد بن أبي خيثمة، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، وأبو معين الحسين بن الحسن الرازي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، ومطين، ومضر بن محمد الأسدي، والمفضل بن غسان الغلابي، وأبو زرعة النصري، وأحمد بن محمد بن عبيد الله التمار، وعبد الله بن أحمد، ومحمد بن صالح كيلجة، وعلي بن الحسن ماغمة، وعبيد العجل، وحسين بن محمد، ومحمد بن وضاح، وجعفر الفريابي، وموسى بن هارون، وأبو يعلى الموصلي، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وخلائق.
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق الزاهد، أخبرنا أحمد بن يوسف الدقاق، والفتح بن عبد السلام ببغداد "ح". وأخبرنا عمر بن عبد المنعم، عن أبي اليمن الكندي قالوا: أخبرنا
стр. 4987
أبو الفضل محمد بن عمر الأرموي، وقرأت على أحمد بن هبة الله عن عبد المعز بن محمد، أخبرنا يوسف بن أيوب الزاهد، قالا: أخبرنا أحمد بن محمد بن النقور، حدثنا علي بن عمر السكري، حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي، حدثنا أبو زكريا يحيى بن معين سنة سبع وعشرين ومائتين، حدثنا إسماعيل بن مجالد عن بيان عن وبرة عن همام قال: قال عمار بن ياسر: "رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر ﵃" (١). أخرجه البخاري عن عبد الله عن ابن معين.
وبالإسناد إلى يحيى بن معين قال، حدثنا يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس الأنصاري سمعت طلحة بن خراش يحدث عن جابر بن عبد الله أن رجلا قام فركع ركعتي الفجر فقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، حتى انقضت السورة. فقال النبي ﷺ : "هذا عبد عرف ربه". وقرأ في الآخرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، حتى انقضت السورة. فقال: النبي ﷺ : "هذا عبد آمن بربه". قال طلحة: فأنا أستحب أن أقرأهما في هاتين الركعتين (٢).
وبالإسناد إلى ابن معين، قال: حدثنا ابن عيينة عن حميد الأعرج عن سليمان بن عتيق عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح ونهى عن بيع السنين".
أخرجه أبو داود (٣)، عن يحيى فوافقناه.
وبالإسناد: حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أقال مسلمًا عثرته أقاله الله يوم القيامة".
أخرجه أبو داود (٤)، عن يحيى. وقد رواه: عبد الله بن أحمد في زيادات "المسند"، عن يحيى، وهو معدود في أفراده.
стр. 4988
وروينا في "البخاري": حدثنا عبد الله بن محمد، حدثني يحيى بن معين، حدثنا حجاج قال: ابن جريج قال: ابن أبي مليكة وكان بينهما شيء فغدوت على ابن عباس فقلت: أتريد أن تقاتل ابن الزبير فتحل ما حرم الله? قال: معاذ الله. وذكر باقي الأثر، وهو في تفسير براءة (١). فعبد الله أظنه المسندي (٢).
قرأت على أبي الفضل أحمد بن هبة الله، عن أبي روح الهروي، أخبرنا تميم بن أبي سعيد في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، أخبرنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن النحوي، أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا غندر عن شعبة عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١]، قال: الملائكة (٣).
قال ابن عدي: سمعت عبدان الأهوازي يقول: سمعت حسين بن حميد بن الربيع سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يتكلم في يحيى بن معين يقول: من أين له حديث حفص بن غياث عن الأعمش يعني: "من أقال مسلمًا"? (٤)، وقال: هو ذا كتب حفص بن غياث عندنا وهو ذا كتب ابنه عمر عندنا، وليس فيها شيء من هذا.
قال ابن عدي: قد روى الحديث مالك بن سعير عن الأعمش وقد رواه أبو عوف البزوري عن زكريا بن عدي، عن حفص بن غياث.
قال ابن عدي: الحسين بن حميد لا يعتمد على روايته هو متهم في هذه الحكاية ويحيى أوثق وأجل من أن ينسب إليه شيء من ذلك وبه يسبر أحوال الضعفاء.
стр. 4989
قلت: فحاصل الأمر: أن يحيى بن معين مع إمامته لم ينفرد بالحديث. ولله الحمد.
قال أحمد بن زهير: ولد يحيى في سنة ثمان وخمسين ومائة. قلت: وكتب العلم وهو ابن عشرين سنة.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبي عن يحيى، فقال: إمام.
وقال النسائي: أبو زكريا أحد الأئمة في الحديث ثقة مأمون.
قال الكلاباذي: روى عنه البخاري، ثم روى عن عبد الله بن محمد، عن يحيى في تفسير براءة، وروى عن عبد الله غير منسوب عنه في ذكر أيام الجاهلية.
قال ابن المرزبان: حدثنا أبو العباس المروزي، سمعت داود بن رشيد يذكر: أن والد ابن معين كان مشعبذًا من قرية نحو الأنبار، يقال لها: نقيا، ويقال: إن فرعون كان من أهل نقيا.
قال العجلي: كان أبوه معين كاتبًا لعبد الله بن مالك.
وقال ابن عدي: حدثني شيخ كاتب ذكر أنه قرابة يحيى بن معين، قال: كان معين على خراج الري، فمات فخلف ليحيى ابنه ألف ألف درهم فأنفقه كله على الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه.
أخبرنا أبو الغنائم القيسي إجازة، أخبرنا أبو اليمن الكندي، أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا أبو بكر الحرشي وأبو سعيد الصيرفي، قالا: أخبرنا أبو العباس الأصم سمعت العباس بن محمد سمعت يحيى بن معين وسأله عباس: العنبري يا أبا زكريا من أي العرب أنت? قال: أنا مولى للعرب.
قيل: أصل ابن معين من الأنبار ونشأ ببغداد وهو أسن الجماعة الكبار الذين هم علي بن المديني وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة فكانوا يتأدبون معه، ويعترفون له، وكان له هيبة وجلالة يركب البغلة، ويتجمل في لباسه رحمه الله تعالى.
وقال أحمد بن زهير: سمعت يحيى يقول: أنا مولى للجنيد.
ابن عبد الرحمن المري: قال أحمد بن يحيى الجارود: قال ابن المديني انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير وقتادة، وعلم الكوفة إلى أبي إسحاق والأعمش، وعلم الحجاز إلى ابن شهاب وعمرو بن دينار، وصار علم هؤلاء الستة إلى اثني عشر رجلا: ابن أبي عروبة ومعمر وشعبة وحماد بن سلمة والسفيانين ومالك والأوزاعي وابن
стр. 4990
إسحاق وهشيم وأبي عوانة ويحيى بن سعيد ويحيى بن أبي زائدة إلى أن ذكر ابن المبارك وابن مهدي ويحيى بن آدم. فصار علم هؤلاء جميعهم إلى يحيى بن معين.
قلت: نعم، وإلى أحمد بن حنبل وأبي بكر بن أبي شيبة وعلي وعدة.
ثم من بعد هؤلاء إلى: أبي عبد الله البخاري وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي داود وطائفة.
ثم إلى أبي عبد الرحمن النسائي، ومحمد بن نصر المروزي وابن خزيمة وابن جرير.
ثم شرع العلم ينقص قليلا قليلا. فلا قوة إلا بالله.
وبإسنادي إلى الخطيب: أخبرنا محمد بن علي المقرئ، أخبرنا أبو مسلم بن مهران، أخبرنا عبد المؤمن بن خلف سمعت صالح بن محمد، أخبرنا علي يقول: سمعت علي بن المديني يقول: انتهى علم الحجاز إلى الزهري وعمرو إلى أن قال: فانتهى علم هؤلاء إلى ابن معين.
علي بن أحمد بن النضر: قال ابن المديني: انتهى العلم إلى يحيى بن آدم وبعده إلى يحيى بن معين ﵀.
عبد الخالق بن منصور قلت: لابن الرومي سمعت أبا سعيد الحداد يقول: لولا يحيى بن معين ما كتبت الحديث. قال: وما تعجب!! فوالله لقد نفعنا الله به ولقد كان المحدث يحدثنا لكرامته "ما لم نكن نحدث به أنفسنا". ولقد كنت عند أحمد فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله انظر في هذه الأحاديث، فإن فيها خطأ. قال: عليك بأبي زكريا فإنه يعرف الخطأ.
قال عبد الخالق: فقلت لابن الرومي حدثني أبو عمرو أنه سمع أحمد بن حنبل يقول: السماع مع يحيى بن معين شفاء لما في الصدور.
علي بن سهل: سمعت أحمد في دهليز عفان يقول لعبد الله بن الرومي: ليت أن أبا زكريا قدم. فقال: ما تصنع به? قال أحمد: اسكت هو يعرف خطأ الحديث.
وبه، إلى الخطيب: أخبرنا الصيرفي، حدثنا الأصم سمعت الدوري يقول: رأيت أحمد بن حنبل في مجلس روح سنة خمس ومائتين، فيسأل يحيى بن معين عن أشياء، يقول: يا أبا زكريا، ما تقول في حديث كذا? وكيف حديث كذا? فيستثبته في أحاديث قد سمعوها. فما قال يحيى: كتبه أحمد. وقلما سمعته يسمي يحيى باسمه بل يكنيه.
стр. 4991
وبه: أخبرنا أبو سعد الماليني كتابة، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الإدريسي حدثني محمد بن أحمد بن محمد بن موسى البخاري سمعت الحسين بن إسماعيل الفارسي سمعت أبا مقاتل سليمان بن عبد الله سمعت أحمد بن حنبل يقول: ههنا رجل خلقه الله لهذا الشأن يظهر كذب الكذابين يعني: ابن معين.
وبه: حدثنا التنوخي، ومحمد بن طلحة النعالي، قالا: حدثنا أبو نصر أحمد بن محمد بن إبراهيم البخاري، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن حريث سمعت أحمد بن سلمة سمعت محمد بن رافع سمعت أحمد بن حنبل يقول: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث.
ابن عدي: حدثنا يحيى بن زكريا بن حيويه، حدثنا العباس بن إسحاق سمعت هارون بن معروف يقول: قدم علينا شيخ فبكرت عليه، فسألناه أن يملي علينا، فأخذ الكتاب، وإذا الباب يدق، فقال: الشيخ من هذا? قال: أحمد بن حنبل. فأذن له والشيخ على حالته لم يتحرك. فإذا آخر يدق الباب فقال: من ذا? قال: أحمد الدورقي. فأذن له ولم يتحرك ثم ابن الرومي فكذلك، ثم أبو خيثمة فكذلك، ثم دق الباب، فقال: من ذا? قال: يحيى بن معين. فرأيت الشيخ ارتعدت يده، وسقط منه الكتاب.
جعفر الطيالسي: سمعت ابن معين يقول: لما قدم عبد الوهاب بن عطاء، أتيته فكتبت عنه فبينا أنا عنده إذ أتاه كتاب من أهله فقرأه وأجابهم فرأيته وقد كتب على ظهره: قدمت بغداد وقبلني يحيى بن معين، والحمد لله رب العالمين.
قال أبو عبيد الآجري: قلت لأبي داود أيما أعلم بالرجال يحيى أو علي? قال: يحيى وليس عندي من خبر أهل الشام شيء.
قال عبد المؤمن النسفي: سألت أبا علي صالح بن محمد: من أعلم بالحديث يحيى بن معين أو أحمد بن حنبل? فقال: أحمد أعلم بالفقه والاختلاف وأما يحيى فأعلم بالرجال والكنى.
محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت علي بن المديني يقول: كنت إذا قدمت إلى بغداد منذ أربعين سنة كان الذي يذاكرني أحمد فربما اختلفنا في الشيء، فنسأل أبا زكريا، فيقوم فيخرجه، ما كان أعرفه بموضع حديثه!
وقال أبو الحسن بن البراء: سمعت ابن المديني يقول: ما رأيت يحيى استفهم حديثًا قط، ولا رده.
стр. 4992
بكر بن سهل: حدثنا عبد الخالق بن منصور، قلت لابن الرومي: سمعت بعض أصحاب الحديث يحدث بأحاديث يحيى، ويقول: حدثني من لم تطلع الشمس على أكبر منه. فقال: وما تعجب? سمعت علي بن المديني يقول: ما رأيت في الناس مثله.
وعن ابن المديني، قال: ما أعلم أحدًا كتب ما كتب يحيى بن معين.
وقال أبو الحسن بن البراء: سمعت عليًّا يقول: لا نعلم أحدًا من لدن آدم كتب من الحديث ما كتب يحيى.
قال أحمد بن عقبة: سألت يحيى بن معين: كم كتبت من الحديث? قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث. قلت: يعني بالمكرر.
قال صالح بن أحمد الحافظ: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله سمعت أبي يقول: خلف يحيى من الكتب مائة قمطر، وأربعة عشرًا قمطرًا، وأربعة حباب شرابية مملوءة كتبا.
وقال عبد المؤمن: سمعت صالحًا جزرة يقول: ذكر لي أن يحيى بن معين خلف من الكتب ثلاثين قمطرًا وعشرين حبًّا، فطلب يحيى بن أكثم كتبه بمائتي دينار فلم يدع أبو خيثمة أن تباع.
وبإسنادي إلى الخطيب: أخبرنا الماليني، أخبرنا ابن عدي، حدثنا موسى بن القاسم بن الأشيب عن بعض شيوخه قال: كان أحمد ويحيى وعلي عند عفان أو عند سليمان بن حرب، فأتى بصك فشهدوا فيه، وكتب يحيى فيه. فقال عفان: أما أنت يا أحمد فضعيف في إبراهيم بن سعد وأما أنت يا علي فضعيف في حماد بن زيد، وأما أنت يا يحيى فضعيف في ابن المبارك. فقال يحيى: وأنت يا عفان فضعيف في شعبة. ثم قال الخطيب لم يكن واحد منهم ضعيفًا وإنما هذا مزاح.
قلت: كل منهم صغير في شيخه ذلك، ومقل عنه.
عبد الخالق بن منصور: سمعت ابن الرومي يقول: ما رأيت أحدًا قط يقول الحق في المشايخ غير يحيى، وغيره كان يتحامل بالقول.
قلت: هذا القول من عبد الله بن الرومي غير مقبول وإنما قاله باجتهاده ونحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل لكن هم أكثر الناس صوابًا وأندرهم خطأ وأشدهم إنصافًا وأبعدهم عن التحامل. وإذا اتفقوا على تعديل أو جرح فتمسك به واعضض عليه بناجذيك، ولا تتجاوزه، فتندم، ومن شذ منهم، فلا عبرة به. فخل عنك العناء وأعط
стр. 4993
القوس باريها، فوالله لولا الحفاظ الأكابر، لخطبت الزنادقة على المنابر، ولئن خطب خاطب من أهل البدع، فإنما هو بسيف الإسلام، وبلسان الشريعة، وبجاه السنة، وبإظهار متابعة ما جاء به الرسول ﷺ فنعوذ بالله من الخذلان.
ومن نادر ما شذ به ابن معين ﵀ كلامه في أحمد بن صالح؛ حافظ مصر، فإنه تكلم فيه باجتهاده، وشاهد منه ما يلينه باعتبار عدالته لا باعتبار إتقانه، فإنه متقن ثبت، ولكن عليه مأخذ في تيه وبأوٍ كان يتعاطاه، والله لا يحب كل مختال فخور، ولعله اطلع منه على حال في أيام شبيبة ابن صالح، فتاب منه، أو من بعضه، ثم شاخ، ولزم الخير، فلقيه البخاري والكبار واحتجوا به. وأما كلام النسائي فيه، فكلام موتور؛ لأنه آذى النسائي وطرده من مجلسه، فقال فيه: ليس بثقة.
قال الحسن بن عليل: حدثنا يحيى بن معين قال: أخطأ عفان في نيف وعشرين حديثًا ما أعلمت بها أحدًا؛ وأعلمته سرًّا، ولقد طلب إلي خلف بن سالم أن أخبره بها فما عرفته وكان يحب أن يجد عليه.
قال يحيى: ما رأيت على رجل خطأ إلا سترته، وأحببت أن أزين أمره وما استقبلت رجلا في وجهه بأمر يكرهه ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك وإلا تركته.
وقال ابن الغلابي: قال يحيى: إني لأحدث بالحديث فأسهر له مخافة أن أكون قد أخطأت فيه.
وبإسنادي إلى الخطيب: حدثنا علي بن طلحة، أخبرنا صالح بن أحمد الهمذاني، حدثنا عبد الرحمن بن حمدان بن المرزبان قال: قال لي أبو حاتم الرازي إذا رأيت البغدادي يحب أحمد بن حنبل، فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يبغض يحيى بن معين، فاعلم أنه كذاب.
وقال محمد بن هارون الفلاس: إذا رأيت الرجل يقع في يحيى بن معين، فاعلم أنه كذاب يضع الحديث، وإنما يبغضه لما يبين من أمر الكذابين.
قال الأبار في "تاريخه": قال ابن معين: كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا.
قال أبو داود: سمعت يحيى يقول: أكلت عجينة خبز، وأنا ناقه من علة.
قال الدوري: سئل يحيى بن معين عن الرءوس، فقال: ثلاثة بين اثنين صالح.
قال علي بن الحسين بن حبان: حدثني يحيى الأحول، قال: تلقينا يحيى بن معين مقدمه
стр. 4994
من مكة، فسألناه عن الحسين بن حبان، فقال: أحدثكم أنه لما كان بآخر رمق، قال لي: يا أبا زكريا: أترى ما مكتوب على الخيمة? قلت: ما أرى شيئا. قال: بلى أرى مكتوبًا: يحيى بن معين يقضي أو يفصل بين الظالمين. قال: ثم خرجت نفسه.
الخطيب: أخبرنا أبو نعيم، حدثنا أبو الشيخ، حدثنا إسحاق بن بنان سمعت حبيش بن مبشر يقول: كان يحيى بن معين يحج فيذهب إلى مكة على المدينة، ويرجع عليها. فلما كان آخر حجة حجها رجع على المدينة، فأقام بها يومين أو ثلاثة، ثم خرج حتى نزل المنزل مع رفقائه فباتوا، فرأى في النوم هاتفًا يهتف به: يا أبا زكريا أترغب عن جواري? فلما أصبح قال لرفقائه: امضوا فإني راجع إلى المدينة، فمضوا ورجع فأقام بها ثلاثًا ثم مات. قال: فحمل على أعواد النبي ﷺ وصلى عليه الناس، وجعلوا يقولون: هذا الذاب عن رسول الله ﷺ الكذب.
قال الخطيب: الصحيح موته في ذهابه قبل أن يحج.
قال عباس الدوري: سمعت يحيى يقول: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة، ما عرفناه.
وفي "تاريخ دمشق" من طريق محمد بن نصر سمع يحيى بن معين يقول: كتبت بيدي ألف ألف حديث. قلت: يعني بالمكرر، ألا تراه يقول: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة، ما عرفناه.
أنبئت عن أبي المكارم اللبان وغيره، عن عبد الغفار بن محمد، أخبرنا محمد بن إبراهيم الكرماني سمعت محمد بن أحمد غنجار سمعت عبد الله بن موسى السلامي سمعت الفضل بن شاكر ببلد الديلم سمعت يزيد بن مجالد سمعت يحيى بن معين يقول: إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش. وسمعته يقول: سيندم المنتخب في الحديث حيث لا تنفعه الندامة.
الأصم: حدثنا عباس سمعت يحيى بن معين يقول: كنا بقرية من قرى مصر ولم يكن معنا شيء، ولا ثم شيء نشتريه فلما أصبحنا إذا نحن بزنبيل ملئ بسمك مشوي وليس عند أحد، فسألوني، فقلت: اقتسموه، وكلوه، فإني أظن أنه رزق رزقكم الله تعالى. وسمعت يحيى مرارًا يقول: القرآن كلام الله وليس بمخلوق والإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
وروى عبد الله بن أبي زياد القَطَواني، عن أبي عبيد، قال: انتهى الحديث إلى أربعة أحمد بن حنبل؛ وهو أفقههم فيه، وإلى يحيى بن معين؛ وهو أكتبهم له، وإلى علي بن المديني؛ وهو أعلمهم به، وإلى أبي بكر بن أبي شيبة؛ وهو أحفظهم له.
стр. 4995
وفي رواية عن أبي عبيد: وإلى بن معين؛ وهو أعلمهم بصحيحه وسقيمه.
قال عبيد الله القواريري: قال لي يحيى القطان: ما قدم علينا البصرة مثل أحمد ويحيى بن معين.
قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: كان أعلمنا بالرجال يحيى بن معين وأحفظنا للأبواب سليمان الشاذكوني وأحفظنا للطوال علي.
أبو عبد الله الحاكم: سمعت الزبير بن عبد الواحد الحافظ، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الواحد البكري، سمعت جعفر الطيالسي يقول: صلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام قاص فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله، خلق الله من كل كلمة منها طيرًا، منقاره من ذهب وريشه من مرجان" (١). وأخذ في قصة نحو عشرين ورقة. فجعل أحمد ينظر إلى يحيى، ويحيى ينظر إليه، وهما يقولان: ما سمعنا بهذا إلا الساعة، فسكتا حتى فرغ من قصصه، وأخذ قطاعه، ثم قعد ينتظر بقبتها، فأشار إليه يحيى، فجاء متوهمًا لنوال يجيزه، فقال: من حدثك بهذا الحديث? فقال: أحمد وابن معين. فقال: أنا يحيى وهذا أحمد، ما سمعنا بهذا قط. فإن كان ولا بد من الكذب فعلى غيرنا. فقال: أنت يحيى بن معين? قال: نعم. قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق وما علمت إلا الساعة كأنه ليس في الدينا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما!! كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. قال: فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقوم. فقام كالمستهزئ بهما.
هذه حكاية عجيبة، وراويها البكري لا أعرفه، فأخاف أن يكون وضعها.
عن أحمد بن عقبة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: من لم يكن سمحًا في الحديث كان كذابًا. قيل: كيف يكون سمحًا? قال: إذا شك في حديثه، تركه.
وقال جعفر بن أبي عثمان: كنا عند يحيى بن معين، فجاءه رجل مستعجل، فقال: يا أبا زكريا حدثني بشيء أذكرك به، فقال يحيى: اذكرني أنك سألتني أن أحدثك فلم أفعل.
الحسين بن فهم: سمعت يحيى بن معين يقول: كنت بمصر، فرأيت جارية بيعت بألف
стр. 4996
دينار، ما رأيت أحسن منها، صلى الله عليها! فقلت: يا أبا زكريا مثلك يقول هذا? قال: نعم صلى الله عليها وعلى كل مليح.
هذه الحكاية محمولة على الدُّعابة من أبي زكريا. وتروى عنه بإسناد آخر.
قال سعيد بن عمرو البرذعي: سمعت الحافظ أبا زرعة الرازي، يقول: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب.
قلت: هذا أمر ضيق، ولا حرج على من أجاب في المحنة، بل ولا على من أكره على صريح الكفر عملا بالآية. وهذا هو الحق. وكان يحيى ﵀ من أئمة السنة فخاف من سطوة الدولة وأجاب تقية.
عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: كنت إذا دخلت منزلي بالليل قرأت آية الكرسي على داري وعيالي خمس مرات، فبينا أنا أقرأ إذا شيء يكلمني كم تقرأ هذا? كأن ليس إنسان يحسن يقرأ غيرك? فقلت: أرى هذا يسوءك? والله لأزيدنك. فصرت أقرؤها في الليلة خمسين، ستين مرة.
وقال عباس: قلت ليحيى: ما تقول في الرجل يقوم للرجل حديثه? يعني ينزع منه اللحن. فقال: لا بأس به. وسمعته يقول: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه.
قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: سمعت يحيى بن معين يقول: ما الدنيا إلا كحلم والله ما ضر رجلا اتقى الله على ما أصبح وأمسى، لقد حججت وأنا ابن أربع وعشرين سنة خرجت راجلا من بغداد إلى مكة هذا من خمسين سنة كأنما كان أمس. فقلت ليحيى: ترى أن ينظر الرجل في رأي الشافعي وأبي حنيفة? قال: ما أرى لأحد أن ينظر في رأي الشافعي، ينظر في رأي أبي حنيفة أحب إلي.
قلت: قد كان أبو زكريا ﵀ حنفيًّا في الفروع، فلهذا قال هذا، وفيه انحراف يسير عن الشافعي.
قال ابن الجنيد: وسمعت يحيى يقول: تحريم النبيذ صحيح، ولكن أقف ولا أحرمه قد شربه قوم صالحون بأحاديث صحاح وحرمه قوم صالحون بأحاديث صحاح.
وسمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: حديث الطلاء وحديث عتبة بن فرقد جميعًا صحيحان.
قال عباس الدوري: حدثنا يحيى بن معين، قال: حضرت نعيم بن حماد بمصر، فجعل
стр. 4997
يقرأ كتابًا صنفه، فقال: حدثنا ابن المبارك عن ابن عون، وذكر أحاديث فقلت: ليس ذا عن ابن المبارك، فغضب، وقال: ترد علي? قلت: إي والله، أريد زينك. فأبى أن يرجع فلما رأيته لا يرجع، قلت: لا والله ما سمعت هذه من ابن المبارك، ولا سمعها هو من ابن عون قط. فغضب وغضب من كان عنده، وقام، فدخل، فأخرج صحائف، فجعل يقول: وهي بيده أين الذين يزعمون أن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث? نعم، يا أبا زكريا غلطت، وإنما روى هذه الأحاديث غير ابن المبارك عن ابن عون.
قال الحسين بن حبان: قال ابن معين: دفع إلي ابن وهب كتابًا عن معاوية بن صالح "فيه" خمسمائة حديث أو أكثر فانتقيت منها شرارها لم يكن لي يومئذ معرفة. قلت: أسمعتها من أحد قبل ابن وهب? قال: لا. قلت: كذا كل من يكون مبتدئًا لا يحسن الانتخاب. فعلنا نحو هذا وندمنا بعد.
قال محمد بن جرير الطبري: خرج ابن معين حاجًّا وكان أكولا، فحدثني أبو العباس أحمد بن شاه: أنه كان في رفقته، فلما قدموا فيد، أهدي إلى يحيى فالوذج لم ينضج، فقلنا له: يا أبا زكريا لا تأكله، فإنا نخاف عليك. فلم يعبأ بكلامنا وأكله فما استقر في معدته حتى شكا وجع بطنه وانسهل إلى أن وصلنا إلى المدينة ولا نهوض به. فتفاوضنا في أمره ولم يكن لنا سبيل إلى المقام عليه لأجل الحج ولم ندر ما نعمل في أمره. فعزم بعضنا على القيام عليه وترك الحج. وبتنا فلم يصبح حتى وصى ومات فغسلناه ودفناه.
قال أبو زرعة الرازي: لم ينتفع بيحيى؛ لأنه كان يتكلم في الناس. وقد رأيت حكاية شاذة قالها أبو عبد الرحمن السلمي عن الدارقطني أن يحيى بن معين مات قبل أبيه بعشرة أشهر.
قال مهيب بن سليم البخاري: حدثنا محمد بن يوسف البخاري الحافظ قال: كنا في الحج مع يحيى بن معين، فدخلنا المدينة ليلة الجمعة، ومات من ليلته، فلما أصبحنا تسامع الناس بقدومه وبموته، فاجتمع العامة، وجاءت بنو هاشم، فقالوا نخرج له الأعواد التي غسل عليها رسول الله ﷺ فكره العامة ذلك، وكثر الكلام، فقالت بنو هاشم نحن أولى بالنبي ﷺ وهو أهل أن يغسل عليها، فغسل عليها، ودفن يوم الجمعة في ذي القعدة. قال مهيب: فيها ولدت يعني سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
قال عباس الدوري مات قبل أن يحج عامئذ، وصلى عليه والي المدينة، وكلم الحزامي الوالي، فأخرجوا له سرير النبي ﷺ فحمل عليه.
стр. 4998
أحمد بن أبي خيثمة، قال: مات يحيى لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وقد استوفى خمسًا وسبعين سنة ودخل في الست ودفن بالبقيع.
قال حبيش بن مبشر الفقيه -وهو ثقة: رأيت يحيى بن معين في النوم، فقلت: ما فعل الله بك? قال: أعطاني وحباني وزوجني ثلاثمائة حوراء، ومهد لي بين البابين -أو قال: بين الناس. سمعها جعفر بن أبي عثمان من حبيش.
ورواها الحسين بن الخصيب عن حبيش قال: رأيت يحيى بن معين في النوم فقلت: ما فعل الله بك? قال: أدخلني عليه في داره وزوجني ثلاثمائة حوراء. ثم قال للملائكة انظروا إلى عبدي كيف تطرى وحسن!
قال أحمد بن يحيى بن الجارود: قال ابن المديني: ما أعلم أحدًا كتب ما كتب يحيى بن معين.
وقال ابن البراء: سمعت عليًّا يقول: لا نعلم أحدًا من لدن آدم كتب من الحديث ما كتب ابن معين.
محمد بن علي بن راشد الطبري: عن محمد بن نصر الطبري قال: دخلت على يحيى بن معين فوجدت عنده كذا وكذا سفطًا دفاتر، وسمعته يقول: كتبت بيدي ألف ألف حديث، وكل حديث لا يوجد ههنا وأشار بيده إلى الأسفاط فهو كذب.
وعن مجاهد بن موسى، قال: كان يحيى بن معين يكتب الحديث نيفًا وخمسين مرة.
وقال محمد بن علي بن داود: سمعت ابن معين يقول: أشتهي أن أقع على شيخ ثقة عنده بيت مليء بكتب، أكتب عنه وحدي.
قال محمد بن سعد: يحيى بن معين أكثر من كتابة الحديث، وعرف به، وكان لا يكاد يحدث.
محمد بن أحمد بن أبي مهزول: عن محمد بن حفص سمع عمرًا الناقد يقول: ما كان في أصحابنا أحفظ للأبواب من أحمد، ولا أسرد للحديث من ابن الشاذكوني، ولا أعلم بالإسناد من يحيى ما قدر أحد يقلب عليه إسنادًا قط.
القواريري: قال لي يحيى بن سعيد: ما قدم علينا مثل هذين: أحمد، وابن معين.
قال هارون بن بشير الرازي: رأيت يحيى بن معين استقبل القبلة رافعًا يديه، يقول: اللهم إن كنت تكلمت في رجل، وليس هو عندي كذابا، فلا تغفر لي. هذه حكاية تستنكر.
стр. 4999
الحسن بن عليل العنزي: حدثنا يحيى بن معين قال: أخطأ عفان في نيف وعشرين حديثًا ما أعلمت بها أحدًا أعلمته سرًّا وطلب إلي خلف بن سالم فقال: قل لي أي شيء هي? فما قلت له كان يحب أن يجد عليه.
قال بشر بن موسى: سمعت ابن معين، يقول: ويل للمحدث إذا استضعفه أصحاب الحديث. قلت: يعملون به ماذا? قال: إن كان كودنًا سرقوا كتبه، وأفسدوا حديثه، وحبسوه -وهو حاقن- حتى يأخذه الحصر فقتلوه شر قتلة. وإن كان فحلا استضعفهم وكانوا بين أمره ونهيه. قلت: وكيف يكون ذكرًا? قال: يعرف ما يخرج من رأسه.
قال عباس: سمعت يحيى يقول في قوله: "لا تمنعه نفسها ولو كانت على قتب" (١)، قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا أرادت أن تلد تقعد على قتب ليكون أسرع لولادتها.
وقال: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ بل ممن يصيب.
وسمعته يقول لحبى المدنية: أي الرجال أعجب إلى النساء? قالت الذي يشبه خده خدها.
وقال يحيى في زكاة الفطر: لا بأس أن تعطى فضة.
وقال يحيى فيمن صلى خلف الصف وحده، قال: يعيد.
وقال في من صلى بقوم على غير وضوء، قال: لا يعيدون، ويعيد.
وقال لي: أنا أوتر بثلاث ولا أقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، وأرفع يدي إذا قنت، ولا أرى المسح على العمامة ولا أرى الصلاة على رجل يموت بغير البلد -كان يحيى يوهن هذا الحديث- ولا أرى أن يهب الرجل بنته بلا مهر ولا أن يزوجها على سورة. رأيت يحيى يوهن هذه الأحاديث.
стр. 5000
أنبأنا علي بن أحمد: أخبرنا عمر بن طبرزد، أخبرنا هبة الله بن عبد الله الشروطي، وأبو الحسن بن الزاغوني قالا: أخبرنا عبد الصمد بن المأمون، أخبرنا علي بن عمر الحربي، حدثنا عيسى بن سليمان القرشي أنشدني داود بن رشيد أنشدني يحيى بن معين:
المال يذهب حله وحرامه … يومًا وتبقى في غد آثامه
ليس التقي بمتق لإلهه … حتى يطيب شرابه وطعامه
ويطيب ما يحوي وتكسب كفه … ويكون في حسن الحديث كلامه
نطق النبي لنا به عن ربه … فعلى النبي صلاته وسلامه
قال أبو بكر المقرئ: سمعت محمد بن عقيل البغدادي يقول: قال إبراهيم بن هانئ: رأيت أبا داود يقع في يحيى بن معين فقلت: له تقع في مثل يحيى? فقال: من جر ذيول الناس جروا ذيله.
قال أبو الربيع محمد بن الفضل البلخي: سمعت أبا بكر محمد بن مهرويه، سمعت علي بن الحسين بن الجنيد، سمعت يحيى بن معين يقول: إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من أكثر من مائتي سنة. قال ابن مهرويه: فدخلت على ابن أبي حاتم وهو يقرأ على الناس كتاب الجرح والتعديل، فحدثته بهذه الحكاية، فبكى وارتعدت يداه حتى سقط الكتاب من يده، وجعل يبكي، ويستعيدني الحكاية -أو كما قال.
قال الحسين بن فهم: سمعت يحيى بن معين يقول: ولدت في خلافة أبي جعفر سنة ثمان وخمسين ومائة في آخرها.
قلت: وقد ارتحل وهو بن ست وخمسين سنة إلى مصر والشام، ولقي أبا مسهر وسعيد بن أبي مريم وكاتب الليث، وسمعوا إذ ذاك بهذه البلاد.
قال عباس الدوري: مات فحمل على أعواد النبي ﷺ ونودي بين يديه: هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله ﷺ .
وقال جعفر بن محمد بن كزال: كنت مع ابن معين بالمدينة فمرض وتوفي بها فحمل على سرير رسول الله ﷺ ورجل ينادي بين يديه هذا الذي كان ينفي الكذب عن حديث رسول الله ﷺ .
قال الخطيب: حدث عن ابن معين محمد بن سعد وأحمد بن محمد بن عبيد الله التمار وبين وفاتيهما خمس وتسعون سنة أو أكثر.
قلت: هذا التمار هو آخر من زعم أنه لقي يحيى وعاش إلى سنة خمس وعشرين وثلاثمائة.
ومات مع ابن معين في العام أبو طالب عبد الجبار بن عاصم ببغداد، وعلي بن قرين -وما هو بثقة- وإبراهيم بن الحجاج السامي وإبراهيم بن إسحاق الصيني الضرير ويحيى بن أيوب العابد وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي وحامد بن عمر البكراوي قاضي كرمان ويزيد بن موهب الرملي وروح بن صلاح المصري وجمعة بن عبد الله البلخي أخو خاقان وحبان بن موسى المروزي.
стр. 5001
١٨٢٤ - العُتْبِيُّ (١):
العلامة، الأخباري، الشاعر، المجود، أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب الأموي، ثم العتبي البصري.
روى عن: ابن عيينة وأبي مخنف ووالده.
وعنه: أبو حاتم السجستاني وإسحاق بن محمد النخعي.
وكان يشرب. وله تصانيف أدبيات وشهرة.
مات سنة ثمان وعشرين ومائتين.
أما العتبي المالكي فآخر، في الطبقة الآتية.
стр. 5002
١٨٢٥ - هُدْبة بن خالد (١): " خ، م، د، س"
ابن أسود هدبة، الحافظ، الصادق، مسند وقته، أبو خالد القيسي، الثوباني، البصري.
ويقال له: هَدَّاب. وهو أخو الحافظ أمية بن خالد.
ولد بعد الأربعين ومائة بقليل. وصلى على: شعبة.
وحدث عن: جرير بن حازم، وحماد بن سلمة، وأبان بن يزيد، وسليمان بن المغيرة، وهمام بن يحيى، ومبارك بن فضالة، وأبي جناب القصاب عون بن ذكوان، وأبي هلال محمد بن سليم، وأغلب بن تميم، وديلم بن غزوان، وسلام بن مسكين، وشباك بن عائذ، وحماد بن الجعد، ورجاء أبي يحيى الحرشي، وصدقة بن موسى، وهارون بن موسى النحوي، وخلق، ولم يرحل، وكان من العلماء العاملين.
حدث عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وحرب الكرماني، ومحمد بن أيوب البجلي، وابن أبي عاصم، وبقي بن مخلد، وزكريا الخياط، وعبد الله بن أحمد، وعمران بن موسى بن مجاشع، وتميم بن محمد الطوسي، والحسن بن سفيان، وجعفر الفريابي، وأبو معشر الحسن بن سليمان الدارمي، والحسن بن الطيب البلخي، والحسن بن علي المعمري، وأبو يعلى الموصلي، وعبدان الأهوازي، وعلي بن أحمد بن بسطام الزعفراني، ومطين، وموسى بن زكريا التستري، ويحيى بن محمد الحنائي، ومحمد بن بشر بن مطر، وعمران بن عبد الرحيم، ومحمد بن يعقوب الكرابيسي، ويوسف القاضي، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، وأبو القاسم البغوي، وأبو بكر أحمد بن عمرو البزار، والحسن بن علي المعمري، وخلق كثير.
ومنهم: أبو بكر أحمد بن محمد بن إبراهيم الأُبُلي العطار، وأسد بن عمار التميمي، والحسين بن معاذ بن حرب الأخفش، وأبو الحسن سعيد بن الأشعث أخو أبي داود السجستاني، وسليمان بن الحسن بن أخي حجاج بن منهال، وسيار بن نصر، والفضل بن محمد الطبري، وقاسم بن العباس المعشري، ومحمد بن علي بن روح، ومحمد بن الفضل بن موسى القسطاني، ومحمد بن معدان القطفي، ومحمد بن ناصح السراج، ومحمد بن يحيى العمي، ومحمد بن يعقوب الكرابيسي، ومسبح بن حاتم، والهيثم بن بشر، ذكرت هؤلاء للفائدة، وليسوا بمشهورين من بعد المعمري.
روى علي بن الجنيد، عن يحيى بن معين: ثقة.
وقال أبو حاتم: صدوق.
واحتج به: الشيخان.
وما أدري مستند قول النسائي: هو ضعيف.
стр. 5003
وتبارد ابن عدي في ذكره في "الكامل"، ثم اعتذر وقال: استغنيت أن أخرج له حديثًا لأني لا أعرف له حديثًا منكرًا فيما يرويه، وهو كثير الحديث، وقد وثقه الناس، وهو صدوق لا بأس به، وذكره بن حبان في "الثقات".
قال عبدان: سمعت عباس بن عبد العظيم يقول: هي كتب أمية بن خالد -يعني: الذي يحدث بها هدبة.
قلت: رافق أخاه في الطلب، وتشاركا في ضبط الكتب، فساغ له أن يروي من كتب أخيه، فكيف بالماضين لو رأونا اليوم نسمع من أي صحيفة مصحفة على أجهل شيخ له إجازة، ونروي من نسخة أخرى بينهما من الاختلاف والغلط ألوان، ففاضلنا يصحح ما تيسر من حفظه، وطالبنا يتشاغل بكتابة أسماء الأطفال، وعالمنا ينسخ، وشيخنا ينام، وطائفة من الشبيبة في واد آخر من المشاكلة والمحادثة. لقد اشتفى بنا كل مبتدع، ومجنا كل مؤمن. أفهؤلاء الغثاء هم الذين يحفظون على الأمة دينها? كلا والله فرحم الله هدبة وأين مثل هدبة?! نعم، ما هو في الحفظ كشعبة.
وعن الفضل بن الحباب، قال: مررنا بهدبة في أيام أبي الوليد الطيالسي وهو قاعد على الطريق، فقلنا: لو سألناه أن يحدثنا فسألناه فقال: الكتب كتب أمية -يريد أخاه.
قال الحسن بن سفيان: سمعت هدبة بن خالد يقول: صليت على شعبة فقيل له: رأيته? فغضب، وقال: رأيت من هو خير منه؛ حماد بن سلمة، وكان سنيًّا، وكان شعبة رأيه رأي الإرجاء.
قلت: كلا لم يكن شعبة مرجئًا، ولعله شيء يسير لا يضره.
وقال ابن عدي: سمعت أبا يعلى، وسئل عن هدبة وشيبان: أيهما أفضل? فقال: هدبة أفضلهما وأوثقهما وأكثرهما حديثًا، كان حديث حماد بن سلمة عنده نسختين واحدة على الشيوخ، وأخرى على التصنيف.
قال عبدان الأهوازي: كنا لا نصلي خلف هدبة من طول صلاته، يسبح في الركوع والسجود نيفًا وثلاثين تسبيحة، قال: وكان من أشبه خلق الله بهشام بن عمار لحيته ووجهه وكل شيء منه، حتى صلاته.
قلت: اختلفوا في تاريخ موته فروى أبو داود عن محمد بن عبد الملك أنه مات في سنة خمس وثلاثين ومائتين وقال ابن حبان: مات سنة ست أو سبع وثلاثين، وقال غيره: سنة ثمان.
стр. 5004
وقع من عالي روايته:
أخبرنا أحمد بن إسحاق، أخبرنا الفتح بن عبد الله، أخبرنا هبة الله بن الحسين، أخبرنا أبو الحسين بن النقور، حدثنا عيسى بن علي إملاء، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا سهيل بن أبي حزم عن ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ قال في هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]: "يقول ربكم : أنا أهل أن أُتقى فلا يشرك بي غيري، وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي غيري أن أغفر له" (١).
أخبرنا أحمد بن إسحاق، أخبرنا الفتح، أخبرنا الطرائفي وابن الداية والقاضي الأرموي قالوا: أخبرنا ابن المسلمة، أخبرنا عبيد الله الزهري، أخبرنا جعفر الفريابي، أخبرنا هدبة، حدثنا همام، حدثنا قتادة عن أنس عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة" (٢). وذكر الحديث.
стр. 5005
١٨٢٦ - شيبان بن فَرُّوخ (١): " م، د"
وهو: شيبان بن أبي شيبة المحدث الحافظ الصدوق، أبو محمد الحبطي مولاهم الأُبُلي البصري، مسند عصره.
ولد سنة أربعين ومائة.
وسمع حماد بن سلمة، وجرير بن حازم ومبارك بن فضالة وأبان بن يزيد العطار ومحمد بن راشد المكحولي وأبا الأشهب العطاردي وسلام بن مسكين وطبقتهم وكان من أوعية العلم.
стр. 5006
حدث عنه: مسلم، وأبو داود، وجعفر الفريابي، ومحمد بن عبد الله مطين، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى الموصلي، وعبدان الأهوازي، ومحمد بن محمد الباغندي أبو القاسم البغوي، ومحمد بن شادل، وابن أبي عاصم، ومحمد بن جابر المروزي وأحمد بن النصر النيسابوري، وزكريا بن يحيى خياط السنة ومحمد بن نصر المروزي الفقيه، ويوسف بن يعقوب القاضي، والحسن بن علي بن شبيب المعمري، وخلق كثير.
وما علمت به بأسًا ولا استنكروا شيئًا من أمره، ولكنه ليس في الذروة.
قال عبدان: كان عنده خمسون ألف حديث، وكان أثبت عندهم من هدبة بن خالد.
وذكره أبو زرعة، فقال: صدوق.
وأما أبو حاتم، فقال: كان يرى القدر، واضطر الناس إليه بأخرة -يعني: أنه تفرد بالأسانيد العالية.
قال موسى بن هارون: سألته عن مولده، فقال: سنة أربعين ومائة، ثم شك شيئًا في أن مولده قبلها بسنة أو سنتين.
ومات سنة ست وثلاثين ومائتين -على الصحيح. وقيل: مات سنة خمس وهو في عشر المائة.
قرأت على عبد الحافظ بن بدران بنابلس، وسمعت على يوسف بن أحمد الحجار بدمشق قالا: أخبرنا موسى بن عبد القادر، حدثنا سعيد بن أحمد، أخبرنا علي بن أحمد البندار، أخبرنا أبو طاهر المخلص، أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا شيبان، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن سالم بن منقذ، عن عمرو بن أوس الثقفي، قال: دخلت على عنبسة بن أبي سفيان، وهو ينزع، فقال: ما أحب أنك وراءك، إني محدثك حديثًا حدثتنيه أم حبيبة: أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى اثنتي عشرة ركعة مع صلاة النهار بنى الله له بيتًا في الجنة" (١).
وفي سنة ست توفي أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الترجماني في المحرم، والحارث بن سريج النقال، وهدبة بن خالد القيسي في أولها، ومحمد بن مقاتل العباداني، وأحمد بن إبراهيم الموصلي ببغداد، ومحمد بن إسحاق بن محمد المسيبي، وأبو معمر إسماعيل بن
إبراهيم القطيعي، وأبو علي الفضل بن غانم، والنعمان بن شبل الباهلي بالبصرة، وعبد الله بن عمر الخطابي بالبصرة، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف ببغداد، ومحمد بن الفرج أبو جعفر، وسعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، ومعلى بن مهدي بالموصل، وصالح بن حاتم بن وردان البصري، وإبراهيم بن المنذر في أول العام، ومصعب بن عبد الله الزبيري، وأبو جعفر محمد بشير الدعاء.
стр. 5007
١٨٢٧ - ابن أبي الشوارب (١): " م، س، ت، ق"
الإمام الثقة المحدث الفقيه الشريف، أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب محمد بن عبد الله بن أبي عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي، الأموي، البصري.
ولد بعد الخمسين ومائة.
وحدث عن: كثير بن سليم، وكثير بن عبد الله الأبلي؛ صاحبي أنس بن مالك. وعن: عبد العزيز بن المختار، وأبي عوانة، وحماد بن زيد، وعبد الواحد بن زياد، ويوسف بن الماجشون، وخلق سواهم.
حدث عنه: مسلم، والنسائي، والترمذي، والقزويني في كتبهم، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو حاتم، ومحمد بن محمد الباغندي، وأبو القاسم البغوي وإبراهيم بن محمد بن متويه، ومحمد بن جرير الطبري، وآخرون.
وكان من جِلة العلماء. قال النسائي: لا بأس به.
قال الصولي: نهى المتوكل عن الكلام في القرآن، وأشخص الفقهاء، والمحدثين إلى سامراء، منهم بن أبي الشوارب، وأمرهم أن يحدثوا، وأجزل لهم الصلات.
قلت: لما ولي ولده الحسن بن أبي الشوارب القضاء تخوف عليه، وقال: يا حسن أعيذ وجهك الحسن من النار.
وولي القضاء عدة من ذريته، منهم: ولده الحسن قاضي قضاة المعتمد على الله، وكان جوادًا ممدحًا نبيلا مات كهلا سنة إحدى وستين ومائتين.
فأما صاحب الترجمة، فقال ابن عساكر: قال النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر: لا بأس به. وروى أيضًا، عن رجل، عنه.
مات في جمادى الأولى سنة أربع وأربعين ومائتين.
قلت: قدمته سهوًا، فينبغي إن يحول إلى عند أبي مصعب.
стр. 5008
١٨٢٨ - محمد بن عائذ (١): " د، س"
الإمام، المؤرخ، الصادق، صاحب المغازي، أبو عبد الله القرشي، الدمشقي، الكاتب، متولي ديوان الخراج بالشام زمن المأمون.
اسم جده: عبد الرحمن. وقيل: أحمد. وقيل: سعيد من الموالي.
ولد سنة خمسين ومائة. قاله أبو داود.
سمع من: إسماعيل بن عياش، والهيثم بن حميد، ويحيى بن حمزة، والعطاف بن خالد، والوليد بن مسلم، والوليد بن محمد الموقري، وسويد بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن مغراء، ومحمد بن عمر الواقدي، وخلق سواهم.
روى عنه: أحمد بن أبي الحواري، ومحمود بن خالد، ويعقوب الفسوي، وأبو زرعة النصري، ومحمود بن سميع، ويزيد بن عبد الصمد، وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، وأبو الأحوص العكبري، وأبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم البسري، وجعفر الفريابي، وآخرون.
قال إبراهيم بن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن محمد بن عائذ، فقال: الكاتب ثقة.
وقال أبو زرعة: سألت دحيمًا عنه، فقال: صدوق.
وقال أبو زرعة الدمشقي: سألت يحيى بن معين عنه: تراه موضعًا للأخذ? قال: نعم. قلت: وهو يعمل على الخراج? قال: نعم. وذكره أبو زرعة الدمشقي في أهل الفتوى بدمشق.
стр. 5009
وقال صالح بن محمد جزرة: ثقة إلا أنه قدري.
قال أبو داود: محمد بن عائذ كما شاء الله، قال لي يومًا: أيش تكتب عني?! أنا أتعلم منك؟
وقال النسائي في "الكنى": أبو أحمد محمد بن عائذ ليس به بأس، وكناه في موضع آخر: أبا عبد الله، وهو المحفوظ.
قال محمد بن الفيض الغساني: مات محمد بن عائذ القرشي في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وحضرت جنازته.
وقال الحسن بن محمد بن بكار: مات سنة ثلاث. وقال أبو زرعة: مات سنة أربع وثلاثين ومولده سنة خمسين ومائة.
قلت: جمع كتاب "المغازي"، سمعت معظمه، وكتاب "الفتوح والصوائف" وكان على خراج غوطة دمشق.
وقع لي حديثًا عاليًا جدًّا:
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق الأبرقوهي، أخبرنا الفتح بن عبد السلام، أخبرنا أبو الفضل محمد بن عمر القاضي، ومحمد بن أحمد الطرائفي، ومحمد بن علي بن الداية، قالوا: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد المعدل، أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنا محمد بن عائذ الدمشقي، حدثنا الهيثم بن حميد، حدثنا الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مزيد، قال: ذكر الدجال في مجلس فيه أبو الدرداء، فقال نوف البكالي: لغير الدجال أخوف مني من الدجال. فقال أبو الدرداء: ما هو? قال: أخاف أن أسلب إيماني، ولا أشعر. فقال أبو الدرداء: ثكلتك أمك يا ابن الكندية، وهل في الأرض خمسون يتخوفون ما تتخوف? ثم قال: وثلاثين، ثم قال: عشرين، ثم قال: عشرة، ثم قال: خمسة، ثم قال: ثلاثة، والذي نفسي بيده ما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه أو انتزع منه فيفقده، والذي نفسي بيده ما الإيمان إلا كالقميص يتقمصه مرة، ويضعه أخرى.
стр. 5010
١٨٢٩ - كامل بن طلحة (١):
الإمام، الحافظ، الصدوق، شيخ البصرة في وقته أبو يحيى الجحدري البصري نزيل بغداد وعم المحدث أبي كامل فضيل بن الحسين الجحدري.
ولد سنة خمس وأربعين ومائة، وارتحل في الحديث.
وحدث عن: حماد بن سلمة، ومبارك بن فضالة، وأبي هلال محمد بن سليم، وفضال بن جبير صاحب أبي أمامة، ومهدي بن ميمون، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، وعبد الله بن عمر العمري، وابن لهيعة، وأبي عوانة، وبهلول بن راشد الإفريقي، وأبي الأشهب جعفر العطاردي، وعباد بن عبد الصمد أحد التلفى، وأبي مودود عبد العزيز بن أبي سليمان المدني، وأبي سهل محمد بن عمرو الأنصاري، وأبي هشام القناد.
حدث عنه: أبو خيثمة، وإبراهيم الحربي، وأبو داود في كتاب المسائل، وابن أبي الدنيا، وأبو حاتم، وأبو بكر بن أبي عاصم، ومطين، وحنبل، وعبد الله بن أحمد، ومحمد بن حبان الباهلي، وأحمد بن علي القاضي المروزي، وأحمد بن علي أبو يعلى الموصلي، وأحمد بن علي الأبار، وموسى بن زكريا التستري، وموسى بن هارون، والبغوي، وخلق كثير.
قال أبو الحسن الميموني: سألت أبا عبد الله عن كامل بن طلحة، فقال: هو عندي ثقة أعرفه في سنة مائتين بالبصرة كان له في مسجد الجامع حلقة عظيمة يحدث عن الليث وبن لهيعة ومالك.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي -وسئل عن كاهل بن طلحة وأحمد بن محمد بن أيوب- فقال: ما أعلم أحدًا يدفعهما بحجة.
وقال أحمد بن أصرم: سمعت أحمد بن حنبل يقول في كامل بن طلحة: مقارب الحديث.
وقال أبو داود: سمعت أحمد -وقيل له: كامل بن طلحة- قال: قد رأيته بالبصرة وله حلقة وكان يذهب إلى عبادان يحدثهم، حديثه حديث مقارب.